الوقفة الثانية: مع الناقض الثاني: من جعل وسائط وشفعاء بينه وبين الله، يدعوهم مع الله، أو من دون الله، أو يسألهم الشفاعة، أو يتوكل عليهم ١
المراد بهذا الناقض:
أن يجعل العبد لنفسه واسطة بينه وبين الله ، فيما لا يقدر إلا الله، أو فيما لا يشرع ولا يجوز للعبد أن يجعله واسطة؛ كطلب الرحمة والمغرفة، ودخول الجنة، وطلب الشفاء، ولا رزق من غير الله ؛ فهذا من الشرك الأكبر٢.
يقول شيخ افسلام ابن تيمية ﵀ عن هذا الناقض: فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار؛ مثل أن يسالهم غفران الذنوب، وهداية القلوب، وتفريج الكروب، وسد الفاقات؛ فهو كافر بإجماع المسلمين٣. لأن الثمرة التي يريد أن يصل إليها من يجيز جعل الوسائط بين العبد وربه، هو إثبات الاستغاثة والاستعانة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله. وهذا هو الشرك بعينه٤.
من الأدلة على هذا الناقض:
١- قول الله : ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف: ٥] .
٢- قول الله : ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾
٣- قول الله : ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾ [فاطر: ٤٠] .
стр. 72
الوقفة الثالثة: مع الناقض الثالث: عدم تكفير المشركين، أو الشك في كفرهم.
أو تصحيح مذهبهم ١
المراد بهذا الناقض:
أمر الله رسوله ﷺ في آيات كثيرة بالبعد عن الكفار والمشركين، والمخالفة لهم، والبراءة منهم. قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١] ، وقال : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ، وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ .
ومسألة الحكم بتكفير الكافر مبنية على أصل كبير؛ وهو أن الله تعالى عقد الأخوة والموالاة والمحبة بين المؤمنين كلهم، ونهى عن موالاة الكافرين كلهم، ممن ثبت في الكتاب والسنة الحكم بكفرهم٢.
بـ "من لم يكفر المشركين الذين كفرهم وشركهم ظاهر بين، فهو كافر؛ لأن الله تعالى كفرهم في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ ، فلا يحكم بإسلام المرء حتى يكفر المشركين"٣.
من الأدلة على هذا الناقض:
١- قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْأِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [التوبة: ٢٣] .
٢- قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: من الآية١] .
٣- قول الله : ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: من الآية٢٢] .
стр. 73
الوقفة الرابعة: مع الناقض الرابع: من اعتقد أن غير هدي النبي ﷺ أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه.
المراد بهذا الناقض:
من اعتقد أن هناك دينا أحسن من الدين الذي جاء به رسول الله ﷺ ، أو هديا أكمل من هديه ﷺ ، أو حكما أفضل من الحكم الذي أتى به من عند ربه ، فقد كفر؛ لأنه كذب ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؛ فالله يقول: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٩] ، ويقول : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] ، ويقول رسول الله ﷺ : "وخير الهدي هدي محمد" ١.
يقول سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: "من اعتقد أن حكم غير الرسول ﷺ أحسن من حكمه، وأتم وأشمل لما يحتاجه الناس من الحكم بينهم عند التنازع؛ إما مطلقا، أو بالنسبة إلى ما استجد من الحوادث التي نشأت عن تطور الزمان وتغير الأحوال؛ فلا ريب أنه كفر؛ لتفضيله أحكام المخلوقين التي هي محض زبالة الأذهان، وصرف نحالة الأفكار، على حكم الحكيم الحميد"٢.
من الدلة على هذا الناقض:
١- قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] ؛ فالله طلب من عباده الاحتكام إلى كتابه وسنة نبيه ﷺ عند وقوع التنازع.
٢- قول الله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠] ؛ فأخبر أن الاحتكام إلى غير كتابه وسنة نبيه ﷺ إضلال من الشيطان، وهو من صنيع المنافقين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١] .
٣- قول الله : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] ؛ فنفى الإيمان عمن لم يرض بحكم الله .
стр. 74
الوقفة الخامسة: مع الناقض الخامس من أبغض شيئا مما جاء به الرسول ﷺ .
المراد بهذا الناقض:
بغض وكراهية الحق من صفات الكفار، كما قال تعالى: ﴿بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُون﴾ [المؤمنون: من الآية٧٠] ، وهو أيضا من صفات المنافقين الذين قال الله عنهم: ﴿وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُون﴾ [التوبة: من الآية ٥٤] .
فمن أبغض وكره ما شرعه الله ، أو أبغض وكره التكاليف الشرعية -من صلاة وصيام وزكاة وحج وغيرها- وتمنى أن الله لم يكلف بها؛ فهذا لا شك في كفره؛ لأن في صنيعه تركا للقبول والانقياد والتسليم التي تقدم الحديث عن أنها من شروط لا إله إلا الله١.
ولذلك كفر العلماء من اتصف بهذه الصفة، وقالوا: "تكفير هذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، والقرآن مملوء من تكفير مثل هذا النوع"٢.
من أدلة على هذا الناقض:
١- قول الله : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٩] ؛ فهؤلاء، كرهوا ما أنزل الله من القرآن -وهو ما جاء به النبي ﷺ فلم يقبلوه، بل أبغضوه، ورفضوه فأحبط الله اعمالهم، والأعمال لا تحبط إلا بالكفر الذي يناقض الإيمان.
٢- قول الله : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: من الآية٦٣] . ولا ريب أن من أبغض ما جاء به رسول الله ﷺ مخالف لأمره ﵊.
٣- قول عبد الله بن عمر ﵄: "من ترك السنة كفر"٣، وقوله ﷺ محمول على الترك مع البغض والجحود، أو على ترك منهج النبي ﷺ وطريقته التي أوجب على أمته سلوكها٤.
стр. 75
الوقفة السادسة: مع الناقض السادس من استهزأ بشيء من دين الرسول ﷺ ، أو ثوابه، أو عقابه.
المراد بهذا الناقض:
من تجرأ بكلام فيه غض من دين الله، أو تنقص له، أو استهزاء به، أو تنقص لرسول الله ﷺ ، أو استهزاء به، كفر بإجماع علماء المسلمين١.
يقول الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: ولهذا أجمع العلماء على كفر من فعل شيئا من ذلك؛ فمن استهزأ بالله، أو بكتابه، أو برسوله، أو بدينه، كفر -ولو هازلا لم يقصد حقيقة الاستهزاء- إجماعا٢.
ويقول الشيخ حمد بن عتيق ﵀: اعلم أن العلماء قد أجمعوا على أن من استهزأ بالله، أو رسوله، أو كتابه، فهو كافر، وكذا إذا أتى بقول أو فعل صرح في الاستهزاء٣.
ويقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀: فإن الاستهزاء بالله ورسوله كفر مخرج عن الدين؛ لأن أصل الدين مبني على تعظيم الله، وتعظيم دينه، ورسله. والاستهزاء بشيء من ذلك مناف لهذا الأصل، ومناقض له أشد المناقضة"٤.
من الأدلة على هذا الناقض:
١- قول الله : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥-٦٦] .
стр. 76
هاتان الآيتان حكمتا بكفر المستهزئين بالله، أو بدينه، أو بكتابه، أو برسوله، ولنزولهما سبب، أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره عن ابن عمر ﵄، وفيه: "أن رجلا قال في غزوة تبوك، في مجلس: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنا، ولا أجبن عند اللقاء؛ فقال رجل في المجلس: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله ﷺ . فبلغ ذلك النبي ﷺ ، ونزل القرآن. قال عبد الله بن عمر: فأنا رأيته متعلقا بحقب١ ناقة رسول الله ﷺ تنكبه الحجارة٢، وهو يقول: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب. ورسول الله ﷺ يقول: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ "٣.
فدلت هاتان الآيتان على كفر المستهزئ بالله ، أو بآياته، أو برسوله ﷺ .
فائدة: سئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: هل تنطبق الآيتان السابقتان على الذين يسخرون ويستهزئون بالذين يعفون لحاهم، ويلتزمون بدين الله؟ فأجاب ﵀: "هؤلاء الذين يسخرون بالذين يلتزمون بدين الله، المنفذين لأوامره، إذا كانوا يستهزئون بهم من أجل ما هم عليه من الشرع، فإن استهزاءهم بهم استهزاء بالشريعة، والاستهزاء بالشريعة كفر. أما إذا كانايستهزئون بهم، يعنون أشخاصهم -بقطع النظر عما هم عليه من اتباع السنة في الثياب واللحية؛ فإنهم لا يكفرون بذلك؛ لأن الإنسان قد يستهزئ بالشخص نفسه، بغض النظر عن عمله وفعله. لكن يجب على كل إنسان أن يحذر من الاستهزاء بأهل العلم، أو الاستهزاء بأهل الدين الذي يتمسكون بما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ "٤.
стр. 77
الوقفة السابعة: مع الناقض السابع: السحر، ومنه الصرف والعطف ١.
السحر من نواقض "لا إله إلا الله":
ومن السحر أدوية وعقاقير وعقد وطلاسم تؤثر على بدن المسحور فتجده ينصرف عن زوجته "الصرف"؛ فيبغضها ويبغض بقاءها معه. أو ينعطف قلبه ويميل نحو زوجته أو امرأة أخرى "العطف"؛ حتى يكون كالبهيمة تقوده كما تشاء٢.
والدليل على هذا الناقض، قول الله : ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢] .
الوقفةالثامنة: مع الناقض الثامن مظاهرة المشركين، ومعاونتهم على المسلمين
المراد بهذا الناقض:
المقصود من مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين: أن يتخذ البعض الكفار والمشركين أولياء، فيكونوا لهم أنصارا وأعوانا ضد المسلمين، وينضمون إليهم، ويذبون عنهم بالمال والسنان والبيان؛ فهذا كفر يناقض الإسلام.
والله نهانا في آيات كثيرة أن نتخذ الكفار والمشركين أولياء، ومن معاني هذه الولاية التي نهينا أن نصرفها لهم: المحبة، والمودة الدينية، والنصرة، والتأييد على المسلمين٣.
стр. 78
من الأدلة على هذا الناقض:
١- قول الله : ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨] ؛ أي لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفار ظهرا وأنصارا توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين وتدلونهم على عوراتهم؛ فإنه من يفعل ذلك فقد برئ من الله، وبرئ الله منه بارتداده عن دينه، ودخوله في الكفر؛ إلا أن تكونوا في سلطانهم، فتخافونهم على أنفسكم، فتظهوا لهم الولاية بألسنتكم، وتضمروا لهم العدواة، ولا تشايغوهم على ما هم عليه من الكفر، ولا تيعنوهم على مسلم بفعل١.
٢- قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائد: ٥١] ؛ أي لا تتخذوا أيها المؤمنون اليهود والنصارى أولياء، ومن يفعل ذلك منكم فإنه منهم؛ لأن "التوالي التام يوجب الانتقال إلى دينهم والتولي القليل يدعو إلى الكثير، ثم يتدرج شيئا فشيئا، حتى يكون العد منهم"٢.
٣- قول الله : ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢] ؛ فأخبر أن المؤمن -الذي لا بد أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما- لا تجده موادا لمن حاد الله ورسوله؛ فإن هذا جمع بين ضدين لا يجمتعان، ومحبوب الله، ومحبوب معادية لا يجتمعان٣.
٤- قول الله : ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٩] ؛ فأخبر أن من يفعل ذلك -أي من يتولى الكفار- فإنه ظالم؛ "وذلك الظلم يكون بحسب التولي، فإذا كان توليا تاما، كان ذلك كفرا مخرجا عن دائرة الإسلام"٤
стр. 79
الوقفة التاسعة: مع الناقض التاسع من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد ﷺ ، كما وسع الخضر ﵇ الخروج عن شريعة موسى ﵇
المراد بهذا الناقض:
يعتقد البعض أن بالإمكان الخروج عن شريعة نبينا محمد ﷺ ومخالفته، والاستغناء عن متابعته في عموم أحواله أن بعضها، زاعمين أن في قصة الخضر ﵇ حجة لهم١.
ولا ريب أن هذا الاعتقاد كفر مخرج عن الملة. يقول الشيخ موسى بن أحمد المقدسي: من اعتقد أن لأحد طريق إلى الله من غير متابعة محمد ﷺ ، أو لا يجب عليه اتباعه، أو أن له أو لغيره خروجا عن اتباعه وأخذ ما بعث به، أو قال: أنا محتاج إلى محمد في علم الظاهر دون علم الباطن، أو في علم الشريعة دون علم الحقيقة، أوقال: إن من الأولياء من يسعه الخروج عن شريعته كما وسع الخضر الخروج عن شريع موسى، أو أنغير هدي النبي ﷺ أكمل من هديه، فهو كافر"٢.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "من اعتقد أن أحدا من أولياء الله يكون مع محمد ﷺ كما كان الخضر مع موسى ﵇؛ فإنه يستتاب، فإن تاب، وإلا ضربت عنقه"٣.
وقصة الخضر مع موسى قصها الله علينا٤، وفيها: خرق الخضر للسفينة، وقتله للغلام، وإقامته للجدار. وقد زعم المحتجون بها أن الخضر خالف موسى ﵇ وخرج عن شريعته، وعن الأمر والنهي الشرعيين. قالوا: وكذلك يسوغ لبعض الناس الخروج عن الشريعة النبوية كما ساغ للخضر الخروج عن متابعة موسى عليه السلام٥.
ومزاعمهم هذه مردودة عليهم من وجوه٦:
стр. 80
١- إن موسى ﵇ لم يكن مبعوثا إلى الخضر، ولا كان على الخضر اتباعه؛ بل كان مبعوثا إلى قومه خاصة؛ إلى بني إسرائيل، والخضر ﵇ ليس من بني إسرائيل. وموسى ﵇ قصد الخضر للعلم منه، والأخذ عنه، وحين لقيه قال له: "أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا" ١. فلا يقاس عليه رسولنا ﷺ الذي أرسله الله لجميع الثقلين؛ الجن والإنس، كما قال ﷺ : "وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة" ٢.
ولا يعتبر صنيع الخضر ﵇ خروجا على شريعة موسى ﵇، أما من خالف رسول الله ﷺ ، ولم يطعه في كل ما أمر، أو ينته عما نهى عنه وزجر، فهو من أمته، ولا يجوز له مخالفته، فإن فعل، فهو خارج عن شريعته ﵊ لا محالة.
٢- إن قصة الخضر ﵇ ليس فيها مخالفة للشريعة؛ بل ما فعله ﵇ يباح في الشريعة إذا علم العبد أسبابها كما علمها الخضر ﵇. ولهذا لما بين الخضر لموسى أسبابها، وافقه موسى ﵇ على ذلك، ولو كان ما فعله الخضر مخالفا لشريعة موسى، لما وافقه بحال٣.
أما هذا الذي يريد الخروج على شريعة محمد ﷺ ، فهو مخالف لشريعة موسى، لما وافقه بحال٣.
أما هذا الذي يريد الخروج على شريعة محمد ﷺ ، فهو مخالف لشريعته. ويتضح ذلك في الوجه الثالث.
٣- إن ما فعله الخضر ﵇ كان عن وحي من الله عزوجل، وليس مجرد خيال أو إلهام. وهذا لا يمكن أن يكون لحد بعد رسولنا ﷺ ؛ خاتم الأنبياء والمرسلين، الذي بموته انقطع الوحي.
ومن ادعى حصوله كفر٤.
إذا: لا يجوز الخروج على شريعة خاتم الأنبياء والمرسلين ﷺ بحال، ومن فعل ذلك، فهو كافر مرتد، وهو من اعظم الناس كفرا٥.
стр. 81
الوقفة العاشرة: مع الناقض العاشر الإعراض عن دين الله، فلا يتعلمه، ولا يعمل به.
المراد بهذا الناقض:
الإعراض التام عن دين الله ، والتولي عن طاعة رسول الله ﷺ ، والامتناع عن الاتباع، والصدود عن قبول حكم الشريعة؛ فلا إرادة له في تعلم الدينن ولا يحدث نفسه بغير ما هو عليه١، ويعرض إعراضا كليا عن جنس العمل الظاهر "الطاعة أو الاتباع".
والإعراض التام الكلي لا يقع إلا ممن تمكن من العلم ومعرفة الحق، وتمكن من العمل، فأعرض، وفرط، وترك ماأوجبه الله عليه، من غير عذر؛ فهذا وأمثاله مفرط بإعراضه عن اتباع داعي الهدى. فإذا ضل، فإنما أتي من تفريطه وإعراضه٢.
ويجب أن يعلم أن الإعراض ليس كله مما يخرج من الملة؛ بل الذي يكفر بتركه هو الإعراض عن تعلم الإيمان العام المجمل، والإعراض عن جنس العمل الذي يعد شرطا في صحة الإيمان٣، فهذا هو الذي يكفر فاعله لأنه لم يتعلم دين الله، ولم يعمل به.
يقول العلامة ابن القيم عن الإعراض عن تعلم الإيمان المجمل الذي يدخل صاحبه في دائرة الإسلام: والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان بالله وبرسوله، واتباعه فيما جاء به. فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم، وغن لم يكن كافرا معاندا، فهو كافر جاهل٤.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن الإعراض عن العمل: وقد تبين أن الدين لا بد فيه من قول وعمل، وأنه يمتنع أن يكون الرجل مؤمنا بالله ورسوله بقلبه، أو بقلبه ولسانه، ولم يؤد واجبا ظاهرا، ولا صلاة، ولا زكاة، ولا صياما، ولا غير من الواجبات٥.
стр. 82
من الأدلة على هذا الناقض:
١- قول الله : ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [النور: ٤٧-٤٨] ؛ "فنفى الإيمان عمن تولى عن العمل، وإن كان قد أتى بالقول"١.
٢- قول الله : ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢] ؛ فدل على أن من تولى عن طاعة الله ، وطاعة رسوله ﷺ ، فهو كافر٢.
٣- قول الله : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١] ؛ "فبين سبحانه أن من تولى عن طاعة الرسول ﷺ ، وأعرض عن حكم فهو من المنافقين وليس بمؤمن"٣.
٤- قول الله : ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى، قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا، قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٤-١٢٦] ؛ فأخبر أن المعرضين في معيشة ضنك، وضيق، وأنهم يحشرون يوم القيامة عميا.
خاتمة النواقض:
ختم شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ مبحث النواقض بقوله: ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل، والجاد، والخائف، إلا المكره. وكلها من أعظم يكون خطرا، ومن أكثر ما يكون وقوعا، فينبغي للمسلم أن يحذرها، ويخاف منها على نفسه. نعوذ بالله من موجبات غضبه، وأليم عقابه، وصلى الله على محمد.
وكلامه ﵀ بعدم التفريق بين الهازل والجاد في محله، ويمكنك إدراكه إذا تأملت في سبب نزول الآية ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ؛ كفروا بسبب كلمة قالوها على وجه المزاح واللعب. نسأل الله أن يعصمنا بالتقوى إنه سميع مجيب.
стр. 83
المبحث الثاني: العبادة، وأنواعها، وأركانها
المطلب الأول: معنى العبادة في اللغة والاصطلاح
العبادة لغة:
العبادة في اللغة: الذل والخضوع. يقال: عبده: ذلَّله. وعبد الطريق، وعبد البعير.
ويقال: عبد الله عبادة، وعبودية: انقاد له، وخضع، وذل١.
يقول الشاعر طرفة بن العبد في معقلته المشهورة، يصف ناقته:
تباري عتاقا ناجيات وأتبعت ... وظيفا وظيفا فوق مور معبد٢
ومور معبد: أي تراب ممهد مذلل٣.
العبادة اصطلاحا:
والعبادة في الاصطلاح: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة٤.
وهي تتضمن غاية الذل الله تعالى، بغاية المحبة له ؛ فمن خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابدا له، ولو أحب شيئا ولم يخضع له لم يكن له عابد؛ كما قد يحب ولده وصديقه٥.
فالعبادة -إذًا- تتضمن غاية الحب، مع غاية الذل، كذا عرفها العلامة ابن القيم بقوله:
وعبادة الرحمن غاية حبه ... مع ذل عابده، هما قطبان٦
فهي في مفهومها العام تعني: "التذلل لله محبة وتعظيما، بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، على الوجه الذي جاءت به شرائعه"٧.
والله أحب إلى عبده المؤمن من كل شيء، وأعظم عنده من كل شيء.
стр. 84
المطلب الثاني: مفهوم العبودية الشامل في ضوء النصوص الشرعية
سبق أن ذكرنا تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية للعبادة، بأنها: "اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والعمال الباطنة والظاهرة".
فالعبادة على هذا لا تقتصر على أركان الإسلام فحسب؛ من صلاة، وصيام، وزكاة، وحج. بل إن الإسلام أسبغ على أعمال الإنسان كلها صفة العبادة، إذا تحقق فيها شرطا قبول العمل، وهما١:
أولا: الإخلاص؛ بأن يكون العمل خالصا لوجه الله الكريم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء﴾ [البينة: من الآية٥] . فينوي العبد أن يكون عمله، وقوله: وإعطاؤه، ومنعه، وحبه، وبغضه لله وحده، لا شريك له؛ إذا الأعمال لا تقوم إلا بالنيات، كما قال ﷺ : "إعمال بالنيات" ٢؛ فالنية تتحكم في العمل، وتقلبه إلى عبادة.
ثانيا: المتابعة؛ بأن يكون العمل على منهاج رسول الله ﷺ ، وهديه القويم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: من الآية٧] . فالأعمال لا اعتبار لها إلا إذا كانت على الوجه الذي رسمه الشرع. روت أم المؤمنين عاشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد" ٣.
وكل عمل بلا متابعة، فإنه لا يزيد عامله إلا بعدا من الله؛ فإن الله إنما يعبد بأمره، لا بالأهواء، ولا الآراء.
والمسلك الحسن ليس في إخلاص العمل لله فحسب، ولا في متابعة الرسول ﷺ فقط، بل في مجموعهما معا، فإن الله ذكر العمل الصالح، فقال: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: من الآية ١١٠] ، والعمل الصالح هو الخالص الصواب، فإذا جمع العمل هذين الشرطين، كان عبادة.
стр. 85
والعبادة تتعدد وتتنوع لتشمل حياة الإنسان المسلم كلها، وفي هذه الأمثلة بيان لذلك:
١- الله لم يقصر وصف الصلاح على العبادات المخصوصة، بل جعله شاملا لأعمال أخرى يقول : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئًا يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ، وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٢٠-١٢١] .
٢- عن أبي ذر الغفاري ﵁ أن ناسا قالوا: يا رسول اللهّ! ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم. قال ﷺ : "أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به: إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة". قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته، ويكون له فيها أجر؟ قال ﷺ : "أرأيتم لو وضعها في حرام، أكان عليها فيها وزر؛ فكذلك إذا وضعها في الحلال، كان له أجر" ١. فأخبر ﷺ أن باب العبادة واسع، يدخل فيه التسبيح، والتحميد، والتكبير والتهليل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. حتى إتيان الرجل امرأته جعل فيه رسول الله ﷺ صدقة؛ لأن في الكف عن المعصية ابتغاء مرضاة الله أجر وعبادة، إذ بإتيان الرجل امرأته يعف نفسه عن الحرام، ويعف أهله أيضا. فإن انضم إلى ذلك نية إنجاب الذرية الطيبة، وتربيتها التربية الحسنة، وحسن رعايتهم، ازدادت دارة العبادة بازدياد دائرة النية الصالحة.
٣- عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه ، قال: قال: "إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها، كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضاف كثيرة. ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة" ٢. فبين ﷺ أن النية الطيبة وحدها، ولو لم يصاحبها عمل، يؤجر الإنسان عليها. فالنية دائما لها أجرها.
وهكذا تتسع دائرة العبادة بقدر امتداد النية المقرونة بالعمل، حتى تشمل حياة المسلم كلها، في يقظته ومنامة، وفي صمته وكلامه، وفي سعيه لمعاشه ومعاده، ما دام العمل موافقا لشرع الله ﷺ وما دامت نيته ابتغاء وجه الله .
стр. 86
المطلب الثالث: أنواع العبادة
ذكرنا في المطلب السابق أن دائرة العبادة تتسع بقدر امتداد النية لتشمل حياة الإنسان كلها، ما دام العمل موافقا لشرع الله ، وما دامت نية العامل: ابتغاء وجه الله . فأعمال الإنسان كلها عبادة إذا جمعت شرطي قبول العمل.
وهذه الأعمال التي حملت اسم "العبادة" يمكن تصنيفها ضمن أنواع متعددة:
أولا: عبادات اعتقادية: وهي اعتقاد ما أخبر الله به عن نفسه، وأخبر رسوله ﷺ عن ربه؛ من أسمائه، وصفاته، وأفعاله، وملائكته، وكتبه، ورسله، ولقائه، وما اشبه ذلك١.
ودليل هذا النوع، قول الله : ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧] .
ثانيا: عبادات قلبية: وهي أعمال القلوب؛ كمحبة الله، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والخوف منه، ورجائه، وإخلاص الوجه له، والصبر على أوامره ونواهيه وأقداره، والرضا به وله وعنه، والموالاة فيه، والمعاداة فيه، والإخبات إليه، والطمأنينة به، ونحو ذلك من أعمال القلوب التي لا يجوز أن يقصد بها إلا الله عز وجل٢.
ومن أدلة هذا النوع: قول الله : ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] ، وقوله : ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَه﴾ [الزمر: ٥٤] ، وقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] .
ثالثا: عبادات قولية: ومن أجلها: النطق بكلمة الإخلاص "لا إله إلا الله"، والدعاء إلى الله والذب عنه، والقيام بذكره ، وتبليغ دينه، وقراءة القرآن، ونحو ذلك٣.
ومن أدلة هذا النوع: قول الله : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] ، وقوله : ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] ، وقوله : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم﴾ [غافر: ٦٠] .
стр. 87
رابعا: عبادات بدنية: وتشمل اعمال الجوارح؛ من صلاة، وجهاد، وحج، ونقل الأقدام إلى الجمعة والجماعات، ومساعدة العاجز، والإحسان إلى الخلق، ونحو ذلك١.
ومن أدلة هذا النوع: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧] ، وقوله ﷻ : ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ بالحج: ٢٩] ، وقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩] .
خامسا: عبادات مالية: وتشمل إخراج الزكاة من المال، امتثالا لأمر الله، والوفاء بالنذر، والجهاد بالمال في سبيل الله .
ومن أدلة هذا النوع: قول الله : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ١١٠] ، وقوله : ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٤١] ، وقول الله : ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧] .
إذًا العبادة تشمل جميع مجالات الحياة، بل تشمل الحياة بأسرها؛ فالحياة، والمحيا، والممات لله رب العالمين لا شريك له، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢-١٦٣] .
стр. 88
المطلب الرابع: أركان العبادة وأصولها
تقوم العبادة على أركان، باجتماعها يحصل كمال العبودية لله عز وجل١.
وهذه الأركان هي: المحبة، والرجاء، والخوف، التي يجب اجتماعها، ولا يجوز إهمال واحد منها، كما قال علماؤنا ؤحمهم الله: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد٢.
ويمكن بيان هذه الأركان في الوقفات التالية:
الوقفة الأولى: مع الركن الأول: محبة الله :
المحبة أصل دين الإسلام، وهي نعمة لا يدركها إلا من تفيأ ظلالها، ولذة لا يعرف حلاوتها إلا من تذوقها.
١- المراد بها: يراد بها محبة المعبود ﷻ ، المتضمنة تقديم مراده على كل شيء.
٢- مقاماتها: مقامات العبادة ثلاثة؛ التكميل والتفريغ، ودفع الضد.
وقد جمعها قول رسول الله ﷺ : " ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار" ٣.
فـ "ما يجده المؤمن الواجد من حلاوة الإيمان" تتبع كمال محبة العبد لله، وذلك بثلاثة أمور: تكميل هذه المحبة، وتفريعها، ودفع ضدها.
فتكميلها: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما؛ فإن محبة الله ورسوله لا يكتفي فيها بأصل الحب، بل لا بد أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما٤.
стр. 89
وقد دل على هذا المقام قوله ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين" ١.
وتفريعها: أن يحب المرء لا يحبه إلا الله.
ودفع ضدها: أن يكره ضد الإيمان أعظم من كراهته الإلقاء في النار٢؛ لأن من محبة الله بغض ما يبغضه، وأعظم ذلك الكفر.
٣- علاماتها: للمحبة علامتان، هما: اتباع الرسول ﷺ ، والجهاد في سبيل الله .
اتباع الرسول ﷺ ؛ فمن كان محبا لله، لزم أن يتبع الرسول ﷺ ، فيصدقه فيما أخبر، ويطيعه فيما أمر، ويتأسى به فيما فعل٣. وقد أمر الله رسوله ﷺ أن يقول لأمته: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] ؛ فليست المحبة مجرد دعوى باللسان؛ بل لا بد أن يصاحبها الاتباع لرسول الله ﷺ ، والسير على هداه.
الجهاد في سبيل الله : فمن كان محبا لله، لزمه أن يجاهد في سبيله؛ "لأن الجهاد حقيقته الاجتهاد في حصول ما يحبه الله من الإيمان والعمل الصالح، ومن دفع ما يبغضه الله من الكفر والفسوق والعصيان"٤. وقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] .
فتوعد من كان أهله وماله أب إليه من الله ورسوله والجهاد في سبيله بهذا الوعيد٥.
وحقيقة محبة الله لا تتم إلا بموالاته ؛ أي بموافقته فيما يحب ويكره؛ فيحب العبد ما يحبه الله، ويبغض ما يبغضه الله .
стр. 90
الوقفة الثانية: مع الركن الثاني: الرجاء:
١- ارتباط الرجاء بالمحبة: على حسب المحبة وقوتها يكون الرجاء؛ فكل محب راج بالضرورة؛ لأن محبته لله تحمله على أن يرجو ما عنده سبحانه وتعالى١.
٢- المراد بالرجاء: أن يرجو العبد ما عند مولاه من الأجر، والثواب، والرحمة، والمغفرة؛ فالعابد والمطيع يرجو الأجر والثواب والقبول، والتائب يرجو الرحمة ومغفرة الذنوب.
وهذا الرجاء ينبغي أن يكون بلا بأس من روح الله، ولا قنوط من رحمته ؛ لأن الله تعالى ذم الأمرين، فقال: ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] ، وقال: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّون﴾ [الحجر: ٥٦] .
٣- المطلوب فيه: المطلوب في الرجاء كماله وغايته؛ فيرتقي العبد في الرجاء صعدا؛ من رجاء يبعث على الاجتهاد في أداء العبادة طمعا فيما يؤمله من ثواب، إلى رجاء يقدم فيه لزوم الأحكام الدينية على ما تستلذه النفس وتميل إليه، إلى رجاء لقاء الخالق سبحانه وتعالى٢، كما قال : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] ، ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٥] .
٤- من أسباب حصول الرجاء: يحصل الرجاء بأمور، منها٣.
أ- شهود كرم الله تعالى وإنعامه، وإحسانه إلى عبادة.
ب- صدق الرغبة فيما عند الله من الثواب والنعيم.
ج- التسلح بصالح العمل، والمسابقة في الخيرات.
٥- من الأدلة على الرجاء:
تقدم آنفا دليلان، هما: قوله : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] ، ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٥] .
стр. 91
وثمة أدلة أخرى، منها:
أ- قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨] .
ب- قول رسول الله ﷺ : "يقول الله : أنا عند ظن عبدي بي" ١.
ج- قول رسول الله ﷺ : "لا يموت أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه" ٢.
فالله عند ظن عبده. وعلى العبد أن يحسن الظن بربه كي لا يصيبه القنوط من رحمة الله، ولا اليأس من روحه ؛ فيبقى متطلعا لما عند الله من الثواب العظيم، راغبا في نيل ما ادخره لعباده المؤمنين ممن النعيم المقيم.
الوقفة الثالثة: مع الركن الثالث: الخوف من الله
١- ارتباط الخوف بالرجاء: الخوف مستلزم للرجاء، والرجاء مستلزم للخوف؛ فكل راج خائف، وكل خائف راج؛ فكل راج خائف من فوات مرجوه، وكل خائف يرجو عفو ربه ومغفرته، والخوف بلا رجاء يعتبر يأسا من روح الله وقنوطا من رحمته٣.
٢- المراد بالخوف: أن يخاف العبد مولاه أن يصيبه بعقاب عاجل، أو آجل، فيصيبه في الدنيا بما يشاء -سبحانه- من مصيبة، أو مرض، أو قتل، أو نحو ذلك بقدرته ومشيئته.
وهذا الخوف لا يجوز تعلقه بغير الله أصلا؛ لأن هذا من لوازم الإلهية؛ فمن اتخذ مع الله ندا يخافه هذا الخوف، فهو مشرك٤؛ لأن الخوف عبودية القلب، فلا يصلح إلا الله.
ويتبع هذا الخوف: الخوف مما توعد الله به العصاة في الآخرة، من النكال والعذاب يقول تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيد﴾ [ابراهيم: من الآية١٤] .
وهذا الخوف من أعلى مراتب الإيمان؛ وإنما يكون محمودا إذا لم يوقع في القنوط من رحمة الله، أو اليأس من روحه سبحانه وتعالى٥.
стр. 92
والمطلوب في هذا الخوف: ما يحجز العبد عن المعاصي، ويبعده عن مخالفة أوامر الله.
يقول العلامة ابن القيم ﵀: وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: الخوف الحمود: ما حجزك عن محارم الله١.
٣- سبب نقص الخوف من الله في نفس العبد: إذا نقص الخوف من الله في نفس العبد؛ فذلك لنقص معرفته بربه ؛ فإن أعرف الناس بالله أخشاهم له سبحانه. وكلما ازدادت معرفة العبد بربه، كلما ازداد له خشية. يقول الله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ [فاطر: من الآية٢٨] ، ويقول ﷺ : "والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعلمكم بما أتقي" ٢، ويقول: "إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا" ٣، ويقول: "فوالله إني أعلمهم بالله، وأشدهم له خشية" ٤؛ فهو ﷺ أعلمنا بالله ، وأشدنا خشية له؛ فكلما ازدادت المعرفة بالله، ازدادت الخشية له ، وكذلك العكس؛ كلما نقصت المعرفة بالله، ازدادت الخشية له ، وكذلك العكس؛ كلما نقصت المعرفة بالله، قل الخوف منه٥.
٤- حكم الخوف من الله : الخوف من الله من أجل منازل الطريق، وأنفعها للقلب، وهو فرض على كل أحد٦.
٥- من الأدلة على هذا الركن:
أ- آيات يأمر الله بها عباده بالخوف منه وخشيته . يقول الله : ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] .
ويقول : ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: من الآية٤٤] ؛ فأمر جلالة بالخوف منه، وجعل ذلك شرطا في تحقيق الإيمان.
стр. 93
ب- آيات يمدح الله بها عباده ويثني عليهم بسبب عملهم بهذا الركن.
يقول الله مثنيا على عباده المؤمنين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُون﴾ [المؤمنون: ٥٧] ، إلى أن قال: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُون﴾ [المؤمنون: ٦١] . ومدح أنبياء ﵈ بهذه العبادة؛ فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: من الآية٩٠] . ومدح ملائكته بقوله: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠] .
ج- آيات يخبر فيها عن جزاء من عبده بهذا الركن، يقول الله : ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَان﴾ [الرحمن: ٤٦] ، ويقول سبحانه: ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [ابراهيم: ١٤] .
عبادة الله بهذه الأركان مجتمعة:
تقدم أن أهل السنة والجماعة يعبدون الله بأركان العبادة الثلاثة مجتمعة، ولا يلغون أي ركن منها١. وتقدم أنهم يوازنون بينها، بيحث لا يطغى جانب منها على الآخر٢؛ فكما أن المسلم يعبد ربه حبا له، وطمعا في جنته، ورجاء لثوابه؛ فإنه كذلك يعبده خشية له، وحذرا من ناره، وخوفا من عقابه.
وما أجمل كلمات العلامة ابن القيم ﵀، التي يخبر فيها عن اجتماع هذه الأركان القلبية، ويتحدث عن منزلة كل واحد منها، فيقول: "القلب في سيره إلى الله بمنزلة الطائر. فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه. فمتى سلم الرأس والجناحان، فالطائر جيد الطيران. ومتى قطع الرأس مات الطائر. ومتى فقد الجناحان، فهو عرضة لكل صائد وكاسر" إلى أن قال: "أكمل الأحوال: اعتدال الرجاء والخوف، وغلبة الحب؛ فالمحبة هي المركب، والرجاء حاد، والخوف سائق، والله الموصل بمنه وكرمه"٣.
стр. 94
الباب الثاني: ما يضاد هذا التوحيد أو ينافي كماله
تمهيد:
بعد أن تحدثنا في الباب الأول عن التوحيد، ناسب أن نتكلم في هذا الباب عن ضده؛ إذ بضدها تتميز الأشياء.
والشرك، والكفر، والنفاق شر كلها، ومعرفتا سبب لتوقيعها، كما قال الشاعر:
عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه ... ومن لا يعرف الشر من الناس يقع فيه
وقبله قال الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان ﵁: "كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر؛ مخافة أن يدركني" ١.
من أجل ذا كان الحديث في هذا الباب عن أضداد الخير؛ عن الشرك الذي هو ضد التوحيد، وعن الكفر الذي هو ضد الإسلام، وعن النفاق الذي هو ضد الإيمان، كي تحذر وتتقي.
فأقول -ومن الله التوفيق: الإنسان خلق على فطرة التوحيد والإسلام٢، ولو تركت هذه الفطرة بعيدة عن المؤثرات، لاستمر صاحبها على لزومها.
وإذا تدخلت المؤثرات في هذه الفطرة، فإنها قد تنحرف عن الخط المستقيم، وعن الهدي الرباني، إذا تضافر لذلك جملة من عوامل الانحراف.
وإذا وجد الانحراف؛ فإنه سيأخذ صورا ثلاثة، هي:
١- الشرك.
٢- الكفر.
٣- النفاق.
ولنا وقفات مع كل واحد من هذه الانحرافات في الفصول القادمة إن شاء الله.
стр. 95
الفصل الأول: الشرك، وأنواعه
المبحث الأول: معنى الشرك
معنى الشرك لغة:
الشرك في اللغة: اسم للشيء الذي يكون بين أكثر من واحد؛ بحيث لا ينفرد به أحدهم.
تقول: قد اشترك الرجلان، وتشاركا، وشارك أحدهما الآخر، وتقول: اشتركنا وتشاركنا في كذا، ورغبنا في شرككم، أي في مشاركتكم، وشركه في الأمر يشركه: إذا دخل معه فيه، وأشرك بالله: جعل له شريكا، فهو مشرك١.
معنى الشرك في الشرع:
يعرف الشرك شرعا بأنه: "صرف حق من حقوق الله لغيره"٢، أو "مساواة غير الله بالله فيما هو حق لله"٣.
وحق الله: كل ما لا يقدر عليه إلا الله؛ فلا يطلب إلا منه . فإذا طلب من غيره، كان صرفا لخصائص الله لغيره٤.
فمن صرف شيئا من أسماء الله وصفاته -التي تثبت لله على ما يليق به- لغير الله، أو صرف شيئا من أنواع العبادة لغير الله، أو اعتقد أن هناك ربا ومدبرا غير الله، أو صرف شيئا من خصائص الربوبية لغير الله فقد جعل ذاك الذي صرف له شريكا لله سبحانه وتعالى٥.
стр. 96
المبحث الثاني: أنواع الشرك
مدخل
...
المبحث الثاني: أنواع الشرك
تمهيد: الشرك قد يكون أكبر، وقد يكون أصغر، وهو ينقسم ثلاثة أقسام، بالنسبة إلى أنواع التوحيد، وكل منها قد يكون أكبر وأصغر مطلقا، وقد يكون أكبر بالنسبة إلى ما هو أصغر منه، ويكون أصغر بالنسبة إلى ما هو أكبر منه١.
يقول الشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي: الشرك نوعان: أكبر وأصغر؛ فمن خلص منهما، وجبت له الجنة، ومن مات على الكبر وجبت له النار؛ فالشرك الأكبر: كالسجود، والنذر لغير الله، والأصغر: كالرياء، والحلف بغير الله إذا لم يقصد تعظيم المخلوق كتعظيم الله٢.
فالشرك -إذًا- نوعان: أكبر، وأصغر.
ولكي يكون المسلم على حذر من الوقوع في أي منهما، وحتى لا يحكم بالشرك على من لم يقع فيه؛ فلا بد له من معرفة الفرق بين النوعين، ومن هذه الفروق٣:
١- الأكبر كفر، والأصغر أكبر الكبائر بعد الشرك الكبر.
٢- الأكبر يخرج صاحبه من الملة، والأصغر لا يخرجه، وهو يتنافى مع كمال التوحيد.
٣- الأكبر محبط للأعمال كلها، والأصغر يحبط ما خالط أصله، أو غلب على العمل.
٤- الأكبر موجب للخلود في النار؛ فصاحبه إن مات عليه، فهو خالد مخلد في النار أبدا، والأصغر لا يوجب ذلك، فإن دخلها فهو كسائر مرتكبي الكبائر.
٥- الأكبر يحل النفوس والأموال، والأصغر لا يحل ذلك.
٦- الأكبر لا يغفر لصاحبه إن مات عليه، والأصغر يدخل صاحبه تحت الموازنة؛ فإن حصل معه حسنات راجحة على ذنوبه دخل الجنة، وإلا دخل النار، ومآله الخروج منها.
وبيان نوعي الشرك يمكن في المطلبين التاليين:
стр. 97
المطلب الأول: الشرك الأكبر
أولا: تعريف الشرك الأكبر: يعرف الشرك الأكبر بأنه: إثبات شريك لله في خصائصه؛ فيجعل الإنسان ندا لله في ربوبيته، أو في ألوهيته، أو في أسمائه وصفاته١.
ثانيا: حكم الشرك الأكبر، مع الدليل:
١- الشرك الأكبر يخرج من الملة، وصاحبه حلال الدم والمال، يقول الله سبحانه عن المشركين: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥] ، ويقول عنهم: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ١١] ، ويقول رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة؛ فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله" ٢.
٢- الشرك الأكبر يحبط جميع العمل. يقول الله : ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨] ، ويقول سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] .
٣- الشرك الأكبر لا يغفر لصاحبه إن مات عليه، يقول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦] . أما إن تاب قبل الموت، فإن الله يتوب عليه، ما قال سبحانه: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ [لأنفال: ٣٨] .
٤- صاحب الشرك الأكبر في الآخرة خالد مخلد في النار. يقول الله : ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: من الآية٧٢] .
стр. 98
ثالثا: أقسام الشرك الأكبر: ينقسم الشرك الأكبر إلى ثلاثة أقسام بالنسبة إلى أنواع التوحيد:
١- شرك في الربوبية.
٢- شرك في الأسماء والصفات.
٣- شرك في الألوهية.
وبيان هذه الأقسام يمكن في المسائل التالية:
المسألة الأولى من أقسام الشرك الأكبر: الشرك في الربوبية
الشرك في الربوبية أحد أقسام الشرك الأكبر، وهو شرك يتعلق بذات الله .
أولا: تعريفه
هو صرف خصائص الربوبية كلها، أو بعضها لغير الله ، أو تعطيله عنها بالكلية.
وخصائص الربوبية هي: التفرد بالخلق، والرزق، والإحياء، والإماتة، والإعطاء والمنع، والضر، والنفع، وغير ذلك.
ثانيا: نوعاه
الشرك في الربوبية نوعان؛ شرك تعطيل، وشرك تمثيل.
١- شرك التعطيل:
عريفه: هو تعطيل المصنوع عن صانع، وتعطيل الصانع عن أفعاله ويكون ذلك بتعطيل خصائص الربوبية، وإنكار أن يكون الله رب العالمين١.
ومن الأمثلة عليه٢: شرك فرعون الذي عطل الربوبية ظاهرا؛ ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِين﴾ [الشعراء: ٢٣] ، وقال لهامان: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦-٣٧] .
ومن هذا الشرك٣: شرك أهل وحدة الوجود؛ كابن عربي، وابن سبعين، وغيرهم الذين يقولون: إن الخالق عين المخلوق؛ فعطلوا لله عن أن يكون رب العالمين، ولم يفرقوا بين رب، وعبد.
стр. 99
٢- شرك التمثيل:
عريفه: هو التسوية بين الله وخلقه في شيء من خصائص الربوبية، أو نسبتها إلى غيره عز وجل١.
ومن الأمثلة عليه٢: شرك النصارى الذين اتخذوا معه أربابا، فجعلوه ثالث ثلاثة؛ وشرك المجوس القائلين بأن للعالم ربين أحدهما خالق للخير، والآخر خالق للشر؛ وشرك الصابئة الذين زعموا أن الكواكب هي المدبرة لأمر العالم؛ وشرك القدرية "مجوس هذه الأمة" القائلين بأن كل إنسان يخلق فعل نفسه؛ وشرك عباد القبور الذين يزعم أن أرواح الأولياء تتصرف بعد الموت، فتقضى الحاجات، وتفرج الكربات، وتنصر من دعاها، وتحفظ من لاذ بحماها. ومثلهم مزاعم غلاة الصوفية في الأولياء: أنهم ينفعون، ويضرون، ويتصرفون في الأكوان إلخ.
المسألة الثانية من أقسام الشرك الأكبر: الشرك في الأسماء والصفات
أولا: تعريفه
هو التسوية بين الله والخلق في شيء من الأسماء والصفات؛ بأن يجعل لله ندا في أسمائه وصفاته؛ فيسميه بأسماء الله، أو يصفه بصفاته٣.
ثانيا: نوعاه
الشرك في الأسماء والصفات نوعان؛ شرك تشبيه، وشرك اشتقاق.
١- شرك التشبيه:
تعريفه: هو أن يثبت لله تعالى في أسمائه وصفاته من الخصائص، مثل ما يثبت للمخلوق من ذلك٤.
ومن الأمثلة عليه: قول القائل: إن يدي الله مثل أيدي المخلوقين، واستواءه على عرشه كاستوائهم، ونحو ذلك٤.
стр. 100
٢- شرك الاشتقاق:
تعريفه: هو أن يشتق من أسماء الله المختصة به اسما، ويسمى به غيره.
وهذا من الإلحاد في أسمائه سبحانه وتعالى١.
ومن الأمثل عليه: ما فعله المشركون من اشتقاق أسماء لآلهتهم الباطلة من أسماء الإله الحق : ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠] ، فـ "يلحدون": أي يشركون٢، قال ابن عباس ﵄: "اشتقوا العزى من العزيز، واشتقوا اللات من الله"٣.
المسألة الثالثة من أقسام الشرك الأكبر: الشرك في الألوهية والتعبد
أولا: تعريفه: هو أن يجعل لله ند في العبادة، أو في التشريع؛ فيصرف العبد لغير الله شيئا من أنواع العبادة التي تصرف لله، أو يتخذ غيره مشرعا من دونه، أو شريكا له في التشريع٤.
ثانيا: أنواعه: الشرك في الألوهية والتبعد على أنواع، منها:
١- شرك الدعاء.
٢- شرك الشفاعة.
٣- شرك النية والإرادة والقصد.
٤- شرك الطاعة.
٥- شرك المحبة.
٦- شرك الخوف.
стр. 101
من أنواع الشرك في الألوهية والتعبد:
أولا: شرك الدعاء
أولا: تعريفه: هو دعاء غير الله؛ من الأنبياء، والأولياء، وغيرهم، فيما لا يقدر عليه إلا الله ؛ فمن دعا، أو استغاث١، أو استعان٢، أو استعاذ بغير الله، فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ من طلب رزق، أو شفاء مريض، أو إحياء ميت، أو غير ذلك؛ فقد أشرك مع الله غيره، سواء أكان ذلك الغير نبيا، أو وليا، أو جنيا، أو غير ذلك من المخلوقات٣.
يقول العلامة ابن القيم معددا أنواع الشرك الأكبر: "ومن أنواعه: طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم. وهذا أصل شرك العالم؛ فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا؛ فضلا عمن استغاث به، وسأله قضاء حاجته"٤.
ثانيا: من الأدلة على أن دعاء غير الله شرك:
١- قول الله : ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧] ؛ فهذا سيقدم على ربه، فيجازيه بأعماله، ولا ينيله من الفلاح شيئا؛ لأنه كافر٥.
٢- قول الله : ﴿وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر: ٨] ؛ فلا يغنيك ما تتمتع به، إذا كان المآل النار٦.
стр. 102
ثالثا: نوعاه
قبل التعرض لنوعي الشرك في الدعاء، يستحسن ذكر نوعي الدعاء؛ لأن الشرك يقع فيهما؛ فالدعاء نوعان: دعاء مسألة وطلب، ودعاء عبادة وثناء١. وفي النوعين طلب التوصل والتقرب إلى الله ؛ سواء أكان على وجه السؤال لله ، والاستعاذة به، رغبة إليه في جلب المنافع ودفع المضار، وهذا دعاء المسألة والطلب. أم كان على وجه عبادته ، طاعته، وامتثال أمره، والانتهاء عن نهيه، وهذا دعاء العبادة والثناء٢.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن هذين النوعين: "إن المعبود لا بد أن يكون مالكا للنفع والضر؛ فهو يدعى للنفع والضر دعاء مسألة، ويدعى خوفا ورجاء دعاء العبادة؛ فعلم أن النوعين متلازمان"٣؛ فمن صلى، أو صام، أو توجه إلى الله وسأله دعاء طلب ومسألة؛ فهو راج له، خائف منه٤.
والله يقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] ؛ فجعل سبحانه الدعاء عبادة.
والآن، وبعد أن عرفنا نعي الدعاء، نقول: إن شرك الدعاء يقع في هذين النوعين؛ إما شرك في المسألة والطلب، أو شرك في العبادة والثناء.
رابعا: كيف يقع الشرك في هذين النوعين؟
إذا توجه الإنسان بواحد من هذين النوعين لأحد غير الله ؛ فقد أشرك.
فيقع الشرك في النوع الأول؛ دعاء العبادة؛ إذا صرف العبد شيئا من العبادة لغير الله ، يقول فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين: "فمن صرف شيئا من أنواع العبادة لغير الله فقد كفر كفرا مخرجا عن الملة؛ فلو ركع
стр. 103
إنسان، أو سجد لشيء يعظمه كتعظيم الله في هذا الركوع أو السجود، لكان مشركا خارجا عن الإسلام١. ويقول الإمام أحمد بن علي المقريزي: فالشرك به في الأفعال: كالسجود لغيره سبحانه، والطواف بغير البيت المحرم، وحلق الرأس عبودية وخضوعا لغيره٢.
لأن ذلك من خصائص الألوهية؛ فمن سجد لغيره ، أو صرف له لونا من ألوان العبادة فقد جعله لله ندا٣، كذا لو ذبح لغير الله تعظيما له، وتقربا إليه، فقد أشرك شركا أكبر؛ لأن الذبح عبادة أمر الله بها في قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر﴾ [الكوثر: ٢] ٤.
ويقع الشرك في النوع الثاني؛ دعاء المسألة والطلب، إذا كان المدعو ميتا، أو كان السؤال في شيء لا يقدر عليه إلا الله ؛ فلو "كان المدعو حيا قادرا على ذلك فليس بشرك؛ كقولك: اسقني ماء لمن يستطيع ذلك٥.
أما إن كان المدعو ميتا، فإن دعاءه شرك مخرج عن الملة٦.
على هذا يقال: ليس دعاء المسألة والطلب كله شركا؛ بل دعاء الإنسان لغيره ينقسم إلى ثلاثة أقسام٧: الأول: أن يدعو مخلوقا بأمر من الأمور التي يمكن أن يدركها بأشياء محسوسة معلومة؛ كسؤال الفقير. فهذا جائز.
والثاني: أن تدعو مخلوقا مطلقا -سواء كان حيا أو ميتا- فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ مثل: يا فلان! اجعل ما في بطن امرأتي ذكرا؛ فهذا شرك أكبر؛ لأن هذا من فعل الله الذي لا يستطيعه البشر، ولا يقدرون عليه.
والثالث: أن تدعو مخلوقا لا يجيب بالوسائل الحسية المعلومة؛ كدعاء الأموات؛ فهذا شرك أكبر أيضا؛ لأن هذا لا يقدر عليه المدعو. ولا يقع مثل هذا النوع من الدعاء إلا إذا اعتقد الداعي في المدعو شيئا سريا يدبر به الأمور.
стр. 104
من أنواع الشرك في الألوهية والتعبد:
ثانيا: شرك الشفاعة
تمهيد:
هذا اللون من الشرك نتيجة لازمة لشرك العبادة -أحد نوعي شرك الدعاء؛ فمن صرف شيئا من العبادة لغير الله ؛ فهو إنما يفعل ذلك كي يشفع له هذا الغير عند الله ، في التجاوز عن الذنوب والسيئات، أو في تحقيق الآمال، ونيل الرغبات، ظنا منه أن الأصنام، أو الأولياء، أو غيرهم يملكون الشفاعة.
أولا: تعريف الشفاعة
تعرف الشفاعة بأنها انضمام شيء إلى آخر، ناصرا له، وسائلا عنه١؛ فهي مأخوذة من شفع الشيء شفعا، إذا ضم مثله إليه، وجعله زوجا٢.
ثانيا: الشفاعة المعنية هاهنا
الشاعة المرادة هنا هي تلك التي تتعلق بالآخرة؛ كطلب الشفيع مغفرة ذنوب المشفوع له، او التجاوز عن سيئاته، أو غير ذلك.
ثالثا: كيف يقع شرك الشفاعة؟
يقع هذا الشرك إذا اتخذ العبد من دون الله أندادا، فصرف لهم نوعا من أنواع العبادة، أو كلها، وتوجه بهم، وتقرب بعبادتهم إلى الله، زاعما أن معبوداته هذه تشفع له عند الله، وتقربه منه زلفى.
رابعا: من أدلة هذا النوع
١- قول الله : ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] ؛ فحكم الله بالشرك على من عبد الشفعاء، أو دعاهم بقصد الشفاعة٣.
٢- قول الله : ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ، قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٣-٤٤] ؛ فنفى أن تشفع لهم هذه الأنداد عند الله، وأخبر أن الشفاعة لله وحده؛ فلا يشفع أحد عنده إلا بإذنه.
٣- قول الله ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣] ؛ فكذبهم وكفرهم بذلك٤.
стр. 105
٤- قول الله : ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢] ؛ فقطع الله الأسباب التي يتعلق بها المشركون قطعا؛ لأن المشرك إنما يتخذ معبوده لما يعتقد أنه يحصل له به من النفع.
والنفع لا يكون إلا ممن فيه خصلة من هذه الأربع: إما مالك لما يريد عابده منه؛ فإن لم يكن مالكا، كان شريكا للمالك، فإن لم يكن شريكا له، كان معينا له وظهيرا، فإن لم يكن معينا ولا ظهيرا، كان شفيعا عنده؛ فنفى سبحانه المراتب الأربع نفيا مرتبا منتقلا من الأعلى إلى ما دونه؛ فنفى الملك، والشركة، والمظاهرة، والشفاعة التي يظنها المشرك، وأثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك، وهي الشفاعة بإذنه١.
خامسا: ما هي الشفاعة التي يقبلها الله ؟ الشفاعة التي تقدمت هي الشفاعة الشركية التي في قلوب المشركين المتخذين من دون الله شفعاء، وهي التي نفاها الله .
ولكنه سبحانه لم ينف الشفاعة مطلقا؛ بل أخبر ان هناك شفاعة مقبولة عنده؛ وهي الشفاعة الصادرة عن إذنه، لمن وحده؛ فالشفاعة التي يقبلها هي التي جمعت شرطين: أحدهما: إذنه بالشفاعة؛ لأن الشفاعة كلها له وحده، كما قال: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤] ، وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ؛ فلا يشفع أحد؛ لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل إلا بإذنه . والشرط الثاني: أن يرضى عن المشفوع فيه، وهذا يتطلب أن يكون من أهل التوحيد الذين لم يتخذوا من دون الله شفعاء، كما قال سبحانه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ؛ فلا يشفع أحد؛ لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل إلا بإذنه ، والشرط الثاني: أن يرضى عن المشفوع فيه. وهذا يتطلب أن يكون من أهل التوحيد الذين لم يتخذوا من دون الله شفعاء، كما قال سبحانه: ﴿ولا يشفعون الا لمن ارتضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] ، وكما قال رسول الله ﷺ : "أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه" ٢؛ فشفاعته ﷺ -بعد إذن الله له بها- لا ينالها إلا أهل التوحيد الخالص، وهذا عكس ما عند المشركين الذين زعموا أن الشفاعة تنال باتخاذهم أولياءهم شفعاء، وعبادتهم وموالاتهم من دون الله٣.
فالشفاعة المثبتة المقبولة -إذا- هي التي جمعت شرطين؛ إذن الله للشافع أن يشفع، ورضاه عن المشفوع
. يقول : ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] .
стр. 106
من أنواع الشرك في الألوهية والتعبد:
ثالثا: شرك النية والإرادة والقصد
أولا: المراد بهذا النوع
هو أن ينوي العبد ويريد ويقصد بعمله جملة وتفصيلا غير الله .
أو هو العمل الصالح للدنيا فقط. أو هو الذي يعمل العمل من غير إيمان، أو كان غرضه وهدفه الحياة الدنيا فقط١؛ فمن كان غرضه الدنيا لا غير، لا يريد إلا إياها، ولا يحب ولا يبغض إلا من أجلها، ولا يوالي ولا يعادي إلا عليها؛ فليس له في الدنيا إلا ما قدر لهن وهو في الآخرة من أهل النار.
ثانيا: دليل هذا النوع
يدل على هذا النوع قول الله : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ، أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥-١٦] ؛ فهؤلاء لم يعملوا إلا للحياة الدنيا وزينتها فقط؛ فليس لهم في الآخرة ثواب؛ لأنهم لم يريدوا بعملهم الآخرة، وإنما أرادوا الدنيا٢.
من أنوع الشرك في الألوهية والتعبد:
رابعا: شرك الطاعة
تمهيد:
سبق أن ذكرنا أن توحيد الألوهية يعني: إفراد الله بالعبادة٣. ومن العبادة: الخضوع له في الحكم، وتنفيذ أوامره ظاهرا وباطنا٤، كما قال سبحانه: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٠] ؛ فالحكم حق له.
ولا يتم الإيمان إلا بتحكيم شرع الله ، كما قال: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] .
стр. 107
أولا: تعريفه
يعرف شرك الطاعة بأنه: مساواة غير الله بالله في التشريع والحكم١. أو طاعة العلماء والأمراء في المعصية، مع استحلال ذلك٢؛ فكل من أطاع مخلوقا في تحريم الحلال، أو تحليل الحرام؛ فهو مشرك شرك طاعة. يقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: إن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله صلوات الله وسلامه عليهم، أنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته، وأعماه عن نور الوحي مثلهم٣.
ثانيا: من أدلة هذا النوع
يدل لهذا النوع أدلة كثيرة؛ منها:
١- قول الله : ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] ؛ فهؤلاء اتخذوا علماءهم، ومشايخهم وقراءهم سادة لهم من دون الله، يطيعونهم في معاصي الله، فيحلون ما أحلوه لهم مما قد حرمه الله عليهم، ويحرمون ما يحرمونه عليهم، مما قد أحله الله لهم٤.
٢- عن عدي بن حاتم ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] ؛ فقال لرسول الله ﷺ : إنا لسنا نعبدهم! قال ﷺ : "أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه"؟ قال عدي: بلى.
فقال رسول الله ﷺ : "فتلك عبادتهم" ٥.
٣- قول الله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠] ؛ فسمى سبحانه الاحتكام إلى غير شرعه تحاكما إلى الطاغوت٦.
стр. 108
٤- قول الله : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] ؛ فنفى الإيمان عن المعرضين عن الاحتكام إلى شرعه، وأقسم بنفسه أنه لن يؤمن أحد حتى يحكم بما جاء به الرسول ﷺ ، وحتى ينتفي عن صدره الضيق والحرج من ذلك.
ثالثا: من الأمثلة على هذا النوع
١- الطاعة في تحكيم القوانين الوضعية بدلا من الشريعة الإسلامية، والاحتكام إليها.
٢- الطاعة في تحليل ما علم تحريمه من دين الإسلام بالضرورة؛ مثل الربا، والزنا، والتبرج، والسفور، والقمار، ونحو ذلك من سائر المعاملات المنصوص على تحريمها، ولا مجال للاجتهاد فيها.
٣- الطاعة في تحريم ما أحل الله وأباحه؛ مثل أكل اللحوم، وتعدد الزوجات، والملكية الفردية، وغير ذلك.
وعن هذه الأمثلة يقول الشيخ الشنقيطي ﵀: الحلال هو ما أحله الله، والحرام هو ما حرمه الله، والدين هو ما شرعه الله؛ فكل تشريع من غيره باطل، والعمل به بدل تشريع الله -عند من يعتقد أنه مثله، أو خير منه-، كفر بواح، لا نزاع فيه"١.
خاتمة لهذا النوع:
علماء الأمة الإسلامية اتفقوا على أن الحكم لله وحده؛ لأنه المالك للخلق وحده؛ فله الحكم والأمر فيهم بما شاء.
يقول الإمام أبو حامد الغزالي ﵀: "أما استحقاق نفوذ الحكم؛ فليس إلا لمن له الخلق والأمر. فإنما النافذ حكم المالك على مملوكه، ولا مالك إلا الخالق ، فلا حكم ولا أمر إلا له. أما النبي ﷺ ، والسلطان، والسيد، والأب، والزوج، فإذا أمروا وأوجبوا، لم يجب شيء بإيجابهم، بل بإيجاب الله تعالى طاعتهم؛ لولا ذلك لكان كل مخلوق أوجب على غيره شيئا، كان للموجب عليه أن يقلب عليه الإيجاب؛ إذا ليس أحدهما أولى من الآخر.
فإذا: الواجب طاعة الله تعالى، وطاعة من أوجب الله طاعته٢.
стр. 109
من أنواع الشرك في الألوهية والتعبد:
خامسا: شرك المحبة
تمهيد:
سبق أن شكرنا أن العبادة تقوم على ثلاثة أركان، أحدها المحبة١. وهي محبة العبودية التي تستلزم الذل لله، والخضوع له، وتعظيمه، ومال طاعته، وإيثاره على غيره .
وهذه المحبة هي المحبة الواجبة؛ إذ المحبة ثلاثة أنواع:
أولا: أنواع المحبة: المحبة ثلاثة أنواع:
١- محبة واجبة: وهي التي سبقت الإشارة إليها؛ محبة طاعة الله، والانقياد له٢؛ وهي محبة العبودية المستلزمة للذل والخضوع، وكمال الطاعة، وإيثار المحبوب على غيره؛ فهذه المحبة خالصة لله، لا يجوز أن يشرك معه فيها أحد٣.
٢- محبة محرمة، أو شركية: وهي صرف تلك المحبة الواجبة لله ، إلى غيره؛ فمن أحب غير الله حب ذل وخضوع، فقدم طاعته على طاعة الله، وآثر محابه على محاب الله، فقد جعله ندا لله.
وعنها يقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀: إن من اتخذ ندا تساوي محبته محبة الله، فهو الشرك الأكبر٤. وهذه المحبة: قليلها وكثيرها ينافي في محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم٥.
٣- محبة طبيعية، أو جبلية: وهذه مباحة، ما لم تصل إلى تعظيم المحبوب إلى الحد الذي لا يليق إلا بالله . ومن أمثلة هذه المحبة: حب الإنسان لوطنه، والوالد لولده، والزوج لزوجه، وذي المال لماله، وغير ذلك. وعنها يقول مولانا : ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤] .
ثانيا: كيف يقع الشرك في المحبة؟ تقدم أن الإنسان إذا صرف المحبة الواجبة لله ، لغير الله ، فقد اشرك في المحبة.
стр. 110
ثالثا: دليل هذا النوع: من الدلة على هذا النوع: قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: من الآية ١٦٥] . وقد تقدم معناها١.
شبهة والرد عليها:
يعترض بعض الواقعين في هذا النوع من الشرك: بأنهم يحبون الله حبا شديدا، ربما أشد من حبهم لأندادهم، فأين الشرك في ذلك؟.
وعلى شبهتهم هذه رد العلامة ابن القيم ﵀ بقوله: وترى المشرك يكذب حاله وعمله قوله؛ فإنه يقول: لا نحبهم كحب الله، ولا نسويهم بالله، ثم يغضب لهم ولحرماتهم إذا انتهكت أعظم مما يغضب لله، ويستبشر بذكرهم، ويتبشبش به، سيما إذا ذكر عنهم ما ليس فيهم؛ من إغاثة اللهفان، وكشف الكربات، وقضاء الحاجات، وأنهم الباب بين الله وبين عباده؛ فإنك ترى المشرك يفرح، ويسر، ويحن قلبه، وتهيج منه لواعج التعظيم والخضوع لهم والموالاة، وإذا ذكرت له الله وحده، وجردت توحيده، لحقته وحشتة، وضيق، وحرج، ورماك بنقص الإلهية التي له، وربما عاداك٢.
من أنواع الشرك في الألوهية والتعبد:
سادسا: شرك الخوف
تمهيد:
سبق أن ذكرنا أن العبادة تقوم على ثلاثة أركان، أحدها الخوف٣. وهو عبدية القلب التي لا يجوز تعلقها بغير الله ؛ فيخاف العبد مولاه أن يصيبه بما يشاء من العقوبات، والمصائب، والأوصاف؛ ويخاف مما توعد به العصاة في الآخرة من النكال والعذاب.
وهذا هو الخوف الواجب صرفه لله ، ولا يجوز أن يصرف لكائن من كان سوى الله ﷻ .
أنواع الخوف: الخوف أنواعه ثلاثة، كما المحبة:
١- خوف واجب: وقلنا هو الخوف من الله أن يصيبك بما يشاء والمطلوب فيه: