مقدمات
تقديم للأستاذ عبد الكريم زيدان
...
مقدمات:
تقديم: للأستاذ الدكتور عبد الكريم زيدان
١- السنة النبوية، في اصطلاح الفقهاء، ما صدر عن النبي ﷺ -غير القرآن- من قول أو فعل أو تقرير. وهي وحي إلهي قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ فهي كالقرآن الكريم من جهة أن الإثنين وحي إلهي، والفرق بينهما أن القرآن الكريم، وحي إلهي باللفظ والمعنى، بينما السنة وحي بالمعنى دون اللفظ.
٢- والسنة وهي وحي إلهي -واجبة الاتباع ومصدر أصيل- بعد القرآن، للأحكام الشرعية، وعلى هذا دل القرآن وانعقد الإجماع، ففي القرآن نصوص كثيرة جدا تبين هذا المعنى وتلزم الناس باتباع السنة وتصرح بأن الانقياد لها انقياد لله، وأن التمرد عليها علامة الانسلاخ من الإيمان، وإن المسلم لا خيار له فيما يقضي به القرآن أو تقضي به السنة، فمن هذه النصوص القرآنية قول الله ﵎:
أ- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ .
ب- ﴿مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ .
ج- ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ .
стр. 2
هـ- ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ .
ولم يختلف المسلمون في القديم والحديث في حجية السنة ووجوب اتباعها وكونها مصدرًا للتشريع.
٣- والأحكام التي جاءت بها السنة أنواع، منها ما هو موافق لما في القرآن ومؤكد له مثل حرمة أكل مال الغير بغير حق والنهي عن الزنا وعقوق الوالدين وشهادة الزور ونحو ذلك.
ومنها ما هو مبين ومفصل لمجمل القرآن، كالسنة التي بينت عدد ركعات الصلاة وهيأتها، حيث جاءت الصلاة في القرآن مجملة، وكالسنة التي بينت مقادير الزكاة وشروطها وأصناف المال الذي تجب فيه الزكاة. ومنها –أي: من السنة- أحكام قيدت مطلق القرآن أو خصصت عامه، كقطع اليد في السرقة جاء مطلقًا في القرآن فقيدته السنة إلى الرسغ، ومثل تحريم الميتة جاء عامًّا في القرآن فخصصته السنة بما عدا ميتة البحر والجراد.
ومن السنة ما هو أحكام جديدة لم يذكرها القرآن الكريم، وإنما جاءت بها السنة مثل الحكم بشاهد ويمين ووجوب الدية على العاقلة ونحو ذلك. وهذا النوع من الأحكام واجب الاتباع كباقي أنواع السنة الأخرى. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "ألا وأني أوتيت القرآن ومثله معه"، أي: أني أوتيت القرآن وأوتيت مثله -أي السنة- في وجوب اتباعها.
٤- تدوين السنة: لم تدون السنة في عصر النبي ﷺ ولم يتخذ الرسول الكريم كتابًا يكتبون ما يصدر عنه، كما فعل بالنسبة للقرآن الكريم، إذ اتخذ له كتابا يكتبون ما ينزل عليه من آيات القرآن. كما أن النبي ﷺ لم يأمر بكتاباها، بل وقد نهى عن كتابتها في أول الأمر ثم أباح لمن يشاء أن يكتب منها ما يريد، ومن هؤلاء الذين كتبوا شيئًا من السنة النبوية
стр. 3
عبد الله بن عمرو بن العاص. فقد روى عنه الإمام أحمد في مسنده أنه قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه فنهتني قريش فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتاب فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج من إلا حق".
٥- وبالرغم من عدم تدوين السنة في عصر النبوة، فإنها كانت محفوظة في صدور الصحابة الكرام، كل واحد حفظ منها ما تيسر له، ومن فاته شيء منها علمه غيره، وقد بلغوا ما حفظوه إلى غيرهم وهكذا لم يفقد من السنة شيء.
٦- وظلت السنة غير مدونة في عصر الخلفاء الراشدين، يتناقلها المسلمون بالمشافهة والسماع، وقيل: إن الإمام عمر بن الخطاب هم بكتابتها ولكن لم يفعل.
٧- وفي زمن عمر بن عبد العزيز، الخليفة الأموي المشهور، جرت محاولة لتدوين السنة. فقد كتب هذا الخليفة إلى قاضيه في المدينة المنورة أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم: "أن انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ أو سنة فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء". إلا أن عمر بن عبد العزيز توفي قل أن ينفذ أمره.
٨- وفي عصر الدولة العباسية ابتدأ العلماء بتدوين السنة وقد جاء تدوينهم لها مختلطًا بأقوال الصحابة وفتاويهم, وقد كتب على هذا النحو سفيان الثوري في الكوفة، والليث بن سعد في مصر، ومالك بن أنس في المدينة، ولم يصل إلينا مما كتبوه إلا القليل. ولعل أتم ما وصل إلينا من هذا النوع من التدوين موطأ الإمام مالك بن أنس، حيث نجد فيه السنة النبوية وفتاوى الصحابة وأقضيتهم، بل ونجد فيه بعض أقوال فقهاء التابعين وبعض آرائه هو وترجيحاته.
стр. 4
٩- وفي نهاية القرن الثاني للهجرة اتجه العلماء في تدوين السنة إلى أفرادها بالذكر والتدوين وتمييزها عن غيرها. وقد سلك العلماء في هذا النهج طريقة المسانيد، أي: جمع الأحاديث التي رواها كل صحابي على حدة وإن اختلفت موضوعات مروياته.
١٠- ثم ظهرت طريقة جديدة في تدوين السنة وهي تدوينها مرتبة على أبواب الفقه، وهذه الطريقة تسهل على الفقيه عمله؛ لأنها تضع بين يديه كل ما ورد في السنة عن الموضوع الذي يريد بحثه أو الاطلاع عليه. ومن هذه المدونات على هذه الطريقة، صحيح البخاري ومسلم وسنن أبي داود وغيرها.
١١- علم الجرح والتعديل: وقد قام علماء الحديث بعمل مبرور إذ أنشئوا علم الجرح والتعديل أو علم الرجال، وهذا العلم مما انفرد به المسلمون ولا نظير له عند غيرهم والغرض منه الكشف عن أحوال رواة السنة وتمييز الصادق من الكاذب والضابط من الواهم والموثوق بروايته من المطعون فيها. وقد كان السبب في إنشاء هذا العلم الجليل أن أعداء الإسلام -وهم كثيرون- أرادوا الكيد للإسلام والنيل منه وتلويث معانيه عن طريق تلفيق الأحاديث وإسنادها إلى النبي ﷺ كذبًا، والتشكيك في رواة السنة لهدم السنة وصرف المسلمين عنها.
فأفزع هذا الصنيع الخبيث، علماء الحديث، فنهض جميع منهم للكشف عن رواة السنة وتمييز صحيحها من مكذوبها فأنشئوا هذا العلم -علم الجرح والتعديل- ويقوم هذا العلم على دراسة مستفيضة لأحوال الرواة والتحري عن ميولهم وصفاتهم وأخلاقهم ونشأتهم وعقائدهم، وقد بذل علماء هذا الفن جهدًا عظيمًا جدًّا وتحملوا في سبيل ذلك التعب والسفر الطويل والرحلات المتعددة للتحري والتنقيب عن أحوال الرواة ودراسة حياتهم والسؤال عنهم. وقد كان علماء الجرح والتعديل في دراستهم لأحوال الرواة في غاية التجرد عن الهوى والموضوعية في البحث ولم تؤثر فيهم روابط الصداقة أو القرابة أو الاشتراك بالموطن
стр. 5
والمذهب؛ لأن سنة رسول الله ﷺ أعلى وأغلى في نظرهم من كل اعتبار آخر، فكانا -لهذا كله- يفصحون أحوال رواة السنة النبوية فحصًا مجردًا موضوعيًّا لا تهمهم النتيجة التي يصلون إليها وإنما يهمهم شيء واحد هو الوصول إلى حقيقة وصفات من يدرسونه ومدى الوثوق بروايته، فكانوا في دراستهم هذه كالكيميائي في مصنعه وهو يفحص مادة من المواد ليعرف خصائصها ولا تهمه النتيجة التي يصل إليها ولا نوع الصفات التي ستظهر عليها المادة التي يفصحها. فإذا ما أنهى العالم دراسته حول رواة الحديث، أعطى لكل منهم رمزًا يشير إلى خلاصة ما توصل إليه فيقول، هذا ثقة، وهذا عدل، أو هذا لين الحديث، أو هذا لا بأس بحديثه، أو هذا كذاب، أو هذا سيئ الحفظ، أو هذا أصابه ضعف في ذاكرته بشيخوخته، وهذه الدراسة المضنية الخالصة المجردة من الهوى والمقرونة بتقوى الله والإخلاص له والحرص الشديد على تجريد السنة الصحيحة مما علق بها، استطاع علماء الجرح والتعديل -بعون الله- أن يميزوا صحيح السنة من مكذوبها، وأن يردوا كيد أعداء الإسلام الذين أرادوا هدمه بهدم السنة والتشكيك بها وصرف المسلمين عنها.
١٢- إن هذا العلم -علم الجرح والتعديل- لا يزال علما نافعًا يحتاج إليه المسلمون في كل وقت، لا سيما في زماننا هذا، حيث اتجه المستشرقون ومن تأثر بهم إلى شن الغارة على السنة النبوية ورواتها وإثارة الشكوك حولهم وحولها بأسلوب ناعم مسموم خبيث يتظاهر أصحابه بالتجرد والبحث العلمي الموضوعي. ولهذا صار لزامًا على كل مسلم يقف على تشكيك هؤلاء المستشرقين وأتباعهم في السنة ورواتها، أن يرجع إلى مصنفات علماء الجرح والتعديل ليقف على حقيقة رواة السنة والموثوق به منهم والمطعون فيه، العدل والمجروح؛ لأن هذه الحقيقة، حقيقة رواة السنة، يستحيل أن نجدها عند المستشرقين المكذبين لرسالة محمد ﷺ وإنما نجدها عند أتباعه وخدام سنته والمؤمنين به، عند علماء الحديث وعلى وجه التحديد عند علماء الجرح والتعديل.
стр. 6
١٣- والسنة النبوية، بعد هذا، لا تزال بحاجة إلى المزيد من التبيين والإشاعة بين الناس والكتابة فيها، وكل جهد مبذول فيما يتعلق بها لهو جهد مشكور مرضي عند الله تعالى. وأحسب أن هذا الكتاب الذي أقدم له، نوع من هذا الجهد المشكور الذي نرجو لمؤلفه جميل المثوبة وجزيل الأجر من الله وأن ينفع الله تعالى به المسلمين، والحمد لله رب العالمين.
بغداد، في: جمادى الآخرة ١٣٨٧هـ.
عبد الكريم زيدان
١٧ أيلول "سبتمبر" ١٩٦٧م.
стр. 7
مقدمة الطبعة الرابعة:
تمتاز هذه الطبعة الرابعة بإضافات علمية مهمة، واستدراكات كثيرة، فإنني ألحقت بها كل ما عثرت عليه من معلومات جديدة من الكتب المحققة التي صدرت أخيرًا أو المخطوطات التي عثر عليها حديثًا مما وقفت عليه.
وما زالت أمنيتي أن أكمل الفترات اللاحقة من تاريخ السنة المشرفة بعد القرن الخامس الهجري أو يقوم بإكمالها سواي على نفس هذا النمط لتسهيل مراجعتها والإفادة منها والتعرف على مظان المخطوطات منها في المكتبات، وليتمكن الباحث من معرفة قيمة كل كتاب وأهميته، وخاصة طلبة الدراسات العليا المعنيين بتحقيق نصوص التراث. فقد آن الأوان للقيام بدراسات شاملة تعني بتقويم كتب التراث وترشد إلى ما يستحق منها التقديم بالتحقيق والنشر وما مكانه التأخير أو الإهمال، ولا بد من وضع مقاييس دقيقة للاختيار، فبعض كتب التراث لا تضيف جديدا إلى فنونها التي تنتمي إليها، وبعضها منثور في سواها من المطبوع، وبعضها هزيل في مادته سقيم في أسلوبه، فالعناية بما سوى هذه الكتب أولى وأجدى، ولا شك أن من أبرز المقاييس في الاختبار ملاحظة قيمة الإضاة العلمية التي تحتويها المخطوطة وذلك للتكامل المكتبة التراثية وتنحصر المادة العلمية التي ورثناها عن أسلافنا في كل علم وفن فإن التقدم في دراساتنا، لا بد أن يحكمه مبدأ تراكم المعرفة وما يتطلبه من معرفة مقدار الإضافة العلمية في كل كتاب إلى الفن الذي صنف فيه وذلك تمهيدًا لكتابة الموسوعات
стр. 8
التي تمهد للدراسات العميقة الشاملة التي تهدف إلى إبراز قيم التراث وعناصره.
الأصلية وقدراته على تأصيل نهضتنا المعاصرة ودفعها بنفس الوقت إلى الأمام.
إننا بحاجة إلى حركة نقدية واسعة وواعية تتمكن من إرسال دعائم نهضتنا الفكرية على أساس راسخ من التأكيد على الجذور وإحيائها تمهيدًا لإقامة بناء صرح حضاري شامخ فوقها بعيدًا عن التقوقع والانغلاق والاكتفاء بالوقوف على الأطلال.
فالربط بين الأصالة والمعاصرة ومراعاة مبدأ تراكم المعرفة وتحديد الإضافات العلمية هي أسس لازمة لترشيد حركتنا الفكرية الحديثة والله يقول الحق وهو يهدي إلى سواء السبيل.
المؤلف: د. أكرم العمري
стр. 9
مقدمة الطبعة الثالثة:
صدرت الطبعة الأولى سنة ١٣٨٧هـ، ١٩٦٧م، وصدرت الطبعة الثانية سنة ١٣٩٢هـ، ١٩٧٢م وفيها إضافات أساسية على الطبعة الأولى، وقد نفدت الطبعتان، وكنت قد اعتزمت إكمال الفترة التي يتناولها البحث عند طبعه ثالثة ومدها إلى العصور الحديثة، وعدم الاقتصار على تاريخ السنة حتى نهاية القرن الخامس الهجري، ولكن انشغالي بأبحاث أخرى وما يتطلبه متابعة تاريخ السنة في القرون التالية على فترة البحث من جهد كبير بسبب التزامي باستقصاء سائر ما ألف مع تحليل ما بقي منه من مخطوط أومطبوع -خاصة في نطاق علم الرجال- لذلك لم يتيسر لي تنفيذ ما اعتزمته، فرأيت أن أقنع في الطبعة الثالثة ببعض الإضافات والفوائد التي وقعت لي بعد الطبعة الثانية آملًا أن يعينني الله على إكمال هذا العمل في طبعة رابعة ليشتمل على تاريخ السنة في مراحل تاريخها المختلفة، والله أسأل أن يتقبل عملي إنه نعم المولى ونعم النصير.
٢١ جمادى الأولى ١٣٩٥هـ.
١ حزيران "يونيو" ١٩٧٥م.
المؤلف: د. أكرم العمري.
стр. 10
مقدمة الطبعة الثانية:
صدرت الطبعة الأولى من كتابي: "بحوث في تاريخ السنة المشرفة" في سنة ١٣٨٧هـ "١٩٦٧م" وقد أضفت إليه خلال السنوات الخمس المنصرمة مادة جديدة ليست بالقليلة بسبب استمراري في دراسة كتب علم الرجال ومتابعة ما طبع منها متأخرًا وما اكتشف من مخطوطاتها حديثا، وساعدني على ذلك انهماكي في دراسة: "موارد الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد" حيث أمدتني هذه الدراسة بإضافات أساسية أيضًا. كما رأيت أن أوسع فصل "تدوين الحديث" ليشتمل على دراسة كتب الرواية المهمة المتداولة، كما أضفت فصلًا من مقدمتي لكتاب: "طبقات خليفة بن خياط" يتناول: "أسس تنظيم كتب علم الرجال" وذلك لصلته الوثيقة بمباحث الكتاب. ولا بد هنا من التنويه بفضل السيد صبحي البدري السامرائي الذي وضع مكتبته -العامرة بصورة مخطوطات كتب رجال الحديث- في خدمة هذا البحث فأفدت من ذلك سواء في الطبعة الأولى أو فيما استدركته في الطبعة الثانية. وفي الختام لا يسعني إلا الابتهال إلى الله تعالى أن يتقبل مني هذا الجهد المتواضع في خدمة علم الحديث.
بغداد
١٥ تموز "يوليو" ١٩٧٢
المؤلف: د. أكرم العمري
стр. 11
مقدمة الطبعة الأولى:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه الكريم.
هذا البحث كان مقدمة لرسالتي للماجستير التي تناولت تحقيق ودراسة كتاب: "الطبقات"، لـ"خليفة بن خياط"، وقد استهدفت في المقدمة بيان دوافع ظهور علم الرجال مما جرني إلى بحث حركة الوضع في الحديث وعرض جهود العلماء في مقاومة حركة الوضع بالتأكيد على الإسناد ومعرفة الرجال، كما عرضت لوصف وتحليل كتب الرجال المصنفة خلال القرون: الثالث والرابع والخامس، للهجرة؛ وذلك لبيان مكانة كتاب الطبقات بين هذه المؤلفات الكثيرة.
ولما نشرت كتاب الطبقات اقتصرت في مقدمته على ما يتعلق به فقط وأرجأت نشر بقية مقدمة الرسالة لتظهر في هذا الكتاب المستقل بعد أن أضفت إليها بحثًا عن الرحلة في طلب العلم وآخر عن تدوين الحديث ليكتمل الموضوع فيعرض إلى مختلف الجوانب لجهود العلماء التي بذلوها في الحفاظ على السنة المطهرة.
ولا يسعني هنا إلا أن أتقدم بجزيل الشكر والامتنان لأستاذي الفاضل الدكتور صالح أحمد العلي الذي تفضل بالإشراف على رسالتي وبذل الكثير من وقته وجهده في ذلك.
وللأساتذة الأفاضل الدكتور عبد العزيز الدوري والدكتور حسن إبراهيم حسن والدكتور جواد علي، لتجشمهم عناء قراءة الرسالة ومناقشتها.
стр. 12
وللأستاذ الفاضل الدكتور جمال الدين الشيال، الذي تفضل بقراءة الرسالة وتقديرها.
وللصديق الفاضل الحاج صبحي السامرائي الذي أعارني مشكورًا المخطوطات التركية المصورة.
وللأخ السيد عادل أوزبك علي، الذي ترجم لي بعض النصوص عن اللغة التركية.
وختامًا أشكر إدارة وعمال مطبعة الإرشاد لما بذلوه من جهد في إخراج الكتاب.
والله المسئول أن يأخذ بأيدينا لما يحبه ويرضاه، إنه نعم المولى ونعم النصير.
بغداد في: جمادى الآخرة ١٣٨٧هـ
أيلول "سبتمبر" ١٩٦٧م.
المؤلف: د. أكرم العمري
стр. 13
الوضع في الحديث:
تمهيد:
الحديث هو ما أثر عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خلقية أو خلقية أو سيرة سواء كان قبل البعثة أو بعدها١.
وقد اهتم الصحابة والتابعون ومن تلاهم من العلماء بحفظ أحاديث النبي ﷺ وتناقلها جيلًا بعد جيل لما لها من أثر بالغ في الدين٢، فتفاصيل حياة النبي ﷺ وملامح شخصيته وشمائله وسيرته ذات أهمية كبيرة في حياة المسلمين العملية؛ لأنهم مأمورون بالاقتداء به في حياتهم الخاصة والعامة: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة﴾ ٣ كما أنهم مأمورون بطاعة النبي ﷺ : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٤.
والحديث يعتبر المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن٥، فهو يبين
стр. 14
القرآن ويفصل الأحكام المجملة التي وردت فيه، ويقيد المطلق، ويخصص العام، ويقرر أحكامًا لم ينص عليها الكتاب. ولا يمكن أن يتكامل تصور الإسلام وفهمه بدون الحديث.
ولهذه الأهمية البالغة للحديث عني المسلمون بحفظه وفهمه في حياة النبي ﷺ وبعد وفاته واستمر هذا الاهتمام بالحديث في الأجيال التالية.
وقد تعرض الحديث إلى محاولات قوية للتلاعب فيه والدس عليه، فقد سعى البعض إلى استغلاله لمآربهم السياسية أو المذهبية أو الشخصية، فظهرت حركة الوضع في الحديث التي هددت هذا الأصل الكبير من أصول الإسلام بالتحريف، ولكن العلماء بذلوا جهودًا جبارة في تمحيص الحديث ونقده، وتمييز الصحيح من الموضوع، وقد نجحوا في مهمتهم هذه إلى حد كبير.
وقد أدت حركة الوضع التي كادت أن تهدم السنة إلى نتاج إيجابية أثرت في إشادة صرح السنة وبناء علوم الحديث، فقد دفعت العلماء لاتخاذ ما يلزم لحفظ الحديث وتنقيته ومنع التلاعب فيه فنشطوا في تدوينه بنطاق واسع في فترة مبكرة منذ أواخر القرن الأول وخلال القرن الثاني الهجري، وخلال الجهود التي بذلت في فترة التدوين لتمييز الأحاديث ظهرت قواعد نقد الحديث ثم تبلورت هذه القواعد على مر الزمن حيث ظهرت بشكل منسق ودقيق في كتب مصطلح الحديث، كما تجمعت الملاحظات المنوعة عن رواة الحديث في كتب الرجال.
стр. 15
ولخطورة حركة الوضع وأثرها في تطور دراسات الحديث وتبلور علومه ومنها علم الرجال فإن تناولها سيكون بشيء من التفصيل.
стр. 16
بدء الوضع:
الحديث الموضوع هو المختلق المصنوع، واعتبره المحدثون شر الأحاديث الضعيفة١، أما الوضاعون فهم الذين تعمدوا الكذب لا لأنهم أخطئوا ولا لأنهم رووا عن كذاب٢، ولم يقع الوضع في حياة النبي ﷺ إذا لم يصح في ذلك شيء، وقد غلب على ظن أحمد أمين أن حديث: "من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" ٣ إنما قيل في حادثة زور فيها على الرسول٤، ولكن ما ذهب إليه لا سند له في روايات التاريخ ولا في سياق الحديث، فالنبي ﷺ إنما قال ذلك حين أمر أصحابه بالتبليغ عنه، وفيه دلالة على أن النبي ﷺ توقع ما سيكون من كذب عليه فحذر من ذلك، ونهى أصحابه إلى أخذ الحيطة والتيقظ في قبول الأحاديث، ولم يصح دليل على أنه قاله في حادثة تزوير معينة٥.
ولا شك أن تعلق الصحابة بالإسلام وما بذلوه من تضحيات جسام في النفس والمال والأولاد يقطع بإخلاصهم ونزاهتهم وصدقهم وعدالتهم، قال البراء: "ما كل ما نحدثكم عن رسول الله ﷺ سمعناه منه، منه ما سمعناه منه، ومنه ما حدثنا أصحابنا ونحن لا نكذب"٦. "وذكر أنس حديثا فقال له رجل: أنت سمعت عن رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم أو حدثني من لا يكذب، والله
стр. 17
ما كنا نكذب ولا ندري ما الكذب"١، وكان أنس يغضب إذا سئل عن حديث أسمعه من النبي ﷺ ويقول: ما كان بعضنا يكذب على بعض٢. وقال ابن عباس "إنا كنا نحدث عن رسول الله ﷺ إذا لم يكن يكذب عليه، فلما ركب الناس الصعب والذلول تركنا الحديث عنه"٣.
وكذلك لا توجد أدلة على وقوع الوضع في خلافة أبي بكر وعمر، ولا شك أن كثرة الصحابة الكبار ووحدة الأمة في هذه الفترة المبكرة منعت ظهور الوضع في الحديث.
ومع أن حركة الردة تهيئ ظرفًا مناسبًا للوضع، إلا أنه لم يصل إلينا دليل على أحاديث وضعت وشاعت في تلك الفترة، وعلى أية حال فليس المقصود ما وضع في الأوساط غير المسلمة بل الوضع بين المسلمين، فعلى فرض قيام البعض من المرتدين بوضع الحديث فإن انعدام إمكانية شيوعها بين المسلمين يمنع أثرها، ولم يكن أمام حركة الردة زمن طويل لكي تعمق الانقسام بلى سرعان ما قضى عليها أبو بكر الصديق ﵁ فعادت وحدة الأمة متماسكة قوية.
стр. 18
أثر الخلافات السياسية في الوضع:
وقد حدث في النصف الثاني من خلافة عثمان ﵁ اختلاف وشقاق كبير، إذ نقم البعض على عثمان فاشتعلت الفتنة وأسفرت عن مقتل عثمان، ولكن ما أحدثته من تصدع في المجتمع الإسلامي ظل أثره باقيًا، فقد ولدت الأحقاد وأزالت الصفاء من نفوس الكثيرين، ومع ذلك فنحن لا نجد في خلافة عثمان روايات تشير إلى الوضع في الحديث، وأما ما حكاه أبو ثور الفهمي قال:
стр. 19
قدمت على عثمان فصعد ابن عديس١ المنبر وقال ألا إن عبد الله بن مسعود حدثني أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ألا إن عثمان أضل من عبيدة على بعلها٢، فأخبرت عثمان، فقال: كذب والله ابن عديس ما سمعها من ابن مسعود ولا سمعها ابن مسعود من رسول الله ﷺ قط٣. فإن هذه الرواية لا تصح من جهة الإسناد ففيه انقطاع وهو من طريق ابن لهيعة وهو مفرط في التشيع والرواية في مثالب عثمان ﵁، مما يوافق هواه، ولا تقبل منه، وبذلك يتبين أن الوضع في الحديث ازداد بعد ذلك على أثر الفتن السياسية التي وقعت بين المسلمين كموقعة الجمل وصفين والنهروان حيث كانت هذه الأحداث مبعث نشوء الأحزاب السياسية كالشيعة والخوارج، ولما لم تسعفها نصوص القرآن والحديث دائمًا لجأ بعض منتحليها إلى الكذب، ولما لم يجدوا مجالا للتلاعب بكتاب الله المحفوظ في الصدور فضلًا عن أن تدوينه وجمعه تم قبل الفتنة، لذلك لجئوا إلى الوضع في الحديث الذي تأخر جمعه عن القرآن ونجد اختلافًا بين علماء القرن الأول حول تدوينه فمنهم من كان لا يرى كتابه.
стр. 20
الحديث بل يقتصر على حفظه ومذكراته شفاهًا ومنهم من كان يكتب الحديث١ ولكن ما دوِّن من الحديث حتى نهاية خلافة الراشدين كان أقل بكثير مما لم يدون، فكانت هذه ثغرة نفذ منها أهل الأهواء إلى تحقيق أغراضهم. ومع تبلور هذه الفرق نمت كمية الأحاديث الموضوعة التي بلغت مداها في القرنين الثاني والثالث الهجريين كما تدل على ذلك أسماء الوضاعين التي أوردتها كتب الموضوعات وكتب الضعفاء. لقد وضع بعض الشيعة أحاديث في فضل علي والطعن في معاوية٢ كما وضع بعض خصومهم أحاديث في فضائل أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية ردًّا على من ينتقص منهم٣، وعندما كثر سب الصحابة وضعت أحاديث في فضل الصحابة جميعًا أو في فضل جمع منهم٤، وهذه الأحاديث تعكس الصراع الفكري والسياسي بين الأحزاب المختلفة، وكثير منها وضع في القرن الثاني والثالث الهجريين لكنها تتناول في الغالب مواضيع تتصل بأحداث النصف الأول من القرن الأول الهجري٥، وكانت المناقشات المتأخرة بين الفرق والأحزاب المتصارعة هي السبب في لجوء بعضها إلى الوضع في الحديث، وكانت مسألة الخلافة المحور الذي تدور حوله كثير من الموضوعات٦ وكما وضع بعض الشيعة وبعض خصومهم أحاديث لتأييد آرائهم، فقد وضعت أحاديث أيضًا لصالح العباسيين وبعضها أريد منه إلقاء اليأس في قلوب
стр. 21
العلويين وإقعادهم عن المطالبة بالخلافة١، وقد أكثر بعض الشيعة من وضع الحديث ولذلك حذر منهم بعض العلماء مثل أبي حنيفة٢ وعبد الله بن المبارك٣ ومالك٤ وشريك بن عبد الله٥ ويزيد بن هارون٦ والشافعي٧.
لقد كان العراق وخاصة الكوفة ميدانًا لوضع الحديث وتناقل الموضوعات، فقد حملت الكوفة العبء الأكبر في الحرب مع أهل الشام عندما اتخذها الإمام "علي" عاصمة، وقد ظلت بعده مركز المعارضة للحكم الأموي، فكان وضعها ملائمًا لظهور عناصر طموحة سعت إلى استغلال الظروف للوثوب إلى السلطة.
وفي هذا المجتمع المشحون بالأحقاد السياسية نمت الأحاديث الموضوعة لدعم وجهة نظر المعارضة ولانتقاص الأمويين والنيل منهم، فهذا المختار الثقفي يقول لرجل من الأنصار ضع لي حديث عن النبي ﷺ أني كائن بعده خليفة، وطالب له ثأر ولده، وهذه عشرة آلاف درهم وخلعة ومركوب وخادم! وقد رفض الأنصاري أن يضع حديثًا عن النبي، وأراد أن يضعه عن أحد الصحابة بأجر أقل٨، وقد وجد بعض المشعوذين مجالًا خصبًا في هذه البيئة للتصدر في حلقات العلم فيذكر عاصم الأحول "ت ١٤٢هـ" أنه شهد مجلسًا يتصدره أعجمي لا يحسن نطق العربية، ومع ذلك فهو شيخ يجلس الناس في حضرته كأن على رؤوسهم الطير٩.
стр. 22
وبسبب تصدر هؤلاء الجهلة ظهر التلاعب بالأحكام مما يدل على قلة الورع والجرأة على الشرع وأحكامه ومحاولة التلفت من نظامه. وقد أتى ابن عباس بكتاب فيه قضاء علي فمحاه إلا قدر ذراع١، ويذكر الأعمش "ت١٤٨" أنه رأى شيخًا كوفيًّا يحرف قضاء "علي" في المطلقة ثلاثًا ويزعم أن الناس حملوه على ذلك٢.
ولقد أدت كثرة الوضع للحديث في الكوفة إلى إعطاء فكرة سيئة عن العراق كمركز مهم من مراكز العلم والرواية في العالم الإسلامي آنذاك، فتدهورت سمعة العراقيين العلمية في الأمصار المختلفة منذ فترة مبكرة فقالت عائشة ﵂: "يا أهل العراق أهل الشام خير منكم خرج إليهم نفر من أصحاب رسول الله ﷺ كثير فحدثونا بما نعرف، وخرج إليكم نفر قليل من أصحابه فحدثتمونا بما نعرف وبما لا نعرف"٣ وقدم جماعة من أهل العراق إلى عبد الله بن عمرو بن العاص بمكة طالبين إليه أن يحدثهم فقال لهم: إن من أهل العراق قومًا يكذبون ويكذبون ويسخرون٤ وقال الزهري "ت ١١٤هـ": إذا سمعت بالحديث العراقي فأردد به ثم أردد به٥.
وقد كان من نتيجة ذلك أن ضربت السلطة في دمشق العزلة العلمية عليهم فلم تستفهم فيما يستجد من أقضية وأحداث بل اعتمدت على علماء الشام والمدينة فقط يقول الأوزاعي: "كانت الخلفاء بالشام فإذا كانت الحادثة سألوا عنها علماء أهل الشام وأهل المدينة، وكانت أحاديث العراق لا تجاوز جدور بيوتهم، فمتى كان علماء أهل الشام يحملون عن خوارج أهل العراق"٦ وهو يريد بالخوارج الخارجين على السنة ولعله أراد بذلك الخارجين على السلطة
стр. 23
في دمشق ويمكن أيضًا أنه أراد فرقة الخوارج المعروفة. ولكن ينبغي ألا يبالغ في أثر هذه العزلة، فليست السلطة الأموية هي المسئولة عن إساءة سمعة العراقيين العلمية بل لعل إهمالها إياهم وعدم استفتائهم في الأحداث يعود إلى ضعف الثقة بهم أكثر مما يعود إلى أمور السياسة، وما كان بوسع السلطة أن تمنع أحدًا من الاتصال بالعراقيين والأخذ عنهم، ثم إن ضعف الثقة بروايات العراق استمر فيما بعد حتى صرح علماء أعلام بأنهم كانوا يرومون الاستغناء عن مرويات العراقيين فهذا عبد الله بن المبارك "ت١٨٠هـ" يقول: "ما دخلت الشام إلا لأستغني عن حديث أهل الكوفة"١.
وهذا مالك بن أنس فقيه المدينة العظيم لم يرو عن أحد من الكوفييين سوى عبد الله بن إدريس الذي كان على مذهبه، وكان يقول في ذلك كما لم يرو أولونا عن أوليهم كذلك لا يروي آخرونا عن آخريهم٢ وكلام مالك صريح في أن عدم رواية العلماء عن الكوفيين ليست ظاهرة برزت في جيله بل أن جيله كان يتابع الأقدمين في عدم الأخذ عنهم.
وقد حذر مالك كما حذر علماء بلدان أخرى من الأحاديث التي مصدرها العراق حتى رأى مالك إنزالها منزلة أحاديث أهل الكتاب أي لا تصدق ولا تكذب٣. وقد ذكر له عبد الرحمن بن مهدي أن ما سمعه من الحديث بالمدينة خلال أربعين يومًا يسمعه في يوم واحد بالعراق فكان جواب مالك: من أين لنا دار الضرب التي عندكم؟ تضربون بالليل وتنفقون بالنهار٤ وهكذا عزا مالك كثرة الأحاديث التي يتداولها العراقيون إلى الوضع في الحديث في حين يتشدد أهل المدينة في قبول الحديث وروايته فلا يسلم منه إلا القليل وهذا التدقيق في الحديث هو الذي أكسب علم المدينة ثقة علماء المدن الإسلامية
стр. 24
المختلفة وهو الذي جعل السلطة في دمشق تعتمد على فتاويهم وتسألهم عما يستجد لها من أحداث، في حين شوه كثرة الوضع سمعة العراق ليس في المدينة فقط وإنما في المراكز العلمية الأخرى أيضًا فهذا سفيان ابن عيينة إمام أهل مكة يقول: "من أراد شيئًا لا يعرف حقه من باطله فعليه بأهل العراق"١ وهو يعني اختلاط الصحيح بالموضوع بشكل يصعب تمييزه على طالب العلم، ولكن أساتيذ العلم يحسنون تنقية الحديث فيستلون الصحيح من بين الموضوعات بحنكة وحذق، نعم لقد كان رواج الموضوعات في العراق بنطاق واسع لا تلاه في مكان آخر، وكان للدور السياسي الذي لعبه العراق أثر كبير في ذلك ففيه حدث أعمق تصدع في بناء المجتمع الإسلامي حيث انقسم المسلمون في أعقاب صفين إلى جمهور وخوارج وشيعة، وعلى أرضه كانت أحداث الفتن الدامية والثورات اللاهبة التي اتصلت طيلة الحكم الأموي، فكانت بواعث الوضع قوية لخدمة الواقع السياسي، كما شاركت عوامل الوضع الأخرى التي سيأتي الكلام عنها في إنماء كمية الأحاديث الموضوعة في العراق؟ ولكن هل فقدت الثقة بعلم العراق نهائيًّا؟ هل استغنى العلماء حقًّا عن العراق وهو مركز مهم من مراكز العلم في الدولة الإسلامية؟ وهل يكفي حدوث الوضع في العراق إلى ضرب العزلة العلمية عليه وعدم الأخذ عنه؟
لقد كان نصيب الكوفة من الصحابة كبيرًا إذ هبط فيها ثلاثمائة من أصحاب الشجرة وسبعون من أهل بدر٢ وكان منهم عبد الله بن مسعود أحد كبار فقهاء الصحابة ومحدثيهم، وكان الحسن البصري إذا سئل عن أهل البصرة وأهل الكوفة يبدأ بأهل الكوفة٣.
ويمكن تقويم دور العراق في حمل الرواية ونصيبه من ذلك من قول علي بن المديني: "دار حديث الثقات على ستة: رجلان بالبصرة ورجلان بالكوفة
стр. 25
ورجلان بالحجاز فأما اللذان بالبصرة فقتادة ويحيى بن أبي كثير، وأما اللذان بالكوفة فأبو إسحاق والأعمش، وأما اللذان بالحجاز فالزهري وعمرو بن دينار.
ثم صار حديث هؤلاء إلى اثني عشر منهم بالبصرة سعيد بن أبي عروبة، وشعبة بن الحجاج ومعمر بن راشد، وحماد بن سلمة، وجرير بن حازم، وهشام الدستوائي، وصار بالكوفة إلى الثوري وابن عيينة وإسرائيل، وصار بالحجاز إلى ابن جريج ومحمد بن إسحاق ومالك، فصار حديث هؤلاء كلهم إلى يحيى بن معين١، وقد لعب هؤلاء العلماء الكبار الذين عاشوا في العراق دورًا مهما في تمييز الحديث وبيان الصحيح من الموضوع وبذلك حفظوا للعراق مكانته العلمية. قال ابن تيمية بعد أن ذكر كذب أهل الكوفة "ومع هذا إنه كان في الكوفة وغيرها من الثقات الأكابر كثير"٢.
ومن ثم فإن العلماء نقلوا عن ثقات الكوفيين وفيهم بعض الشيعة الذين امتازوا بالصدق والورع قيل ليحيى بن معين: إن أحمد بن حنبل يرد حديث عبيد الله بن موسى للتشيع فأقسم يحيى أن عبد الرزاق أغلى في ذلك منه مائة ضعف وأن ما سمعه من عبد الرزاق أضعاف ما سمعه من عبيد الله٣. وذكر حسين الأشقر أمام يحيى بن معين فقال كان من الشيعة الغالية الكبار فلما سئل عن حديثه قال: لا بأس به وذكر كتابته عنه٤. وهكذا ميز العلماء بين العقائد والأخلاق فالصادق يؤخذ عنه ولو كان شيعيًّا أو خارجيًّا أو قدريًّا أو مرجئًا إلا أنهم اشترطوا ألا يكون داعية يسعي إلى بث عقيدته؛ لأن ذلك يحفزه إلى الكذب.
إن إهمال رواية العراقيين خسارة جسيمة فدور العراق في حمل العلم
стр. 26
خطير لا يمكن إغفاله ويكفي لتصور ذلك قول علي بن المديني: "لو تركت أهل البصرة لحال القدر وتركت أهل الكوفة لذلك الرأي –يعني: التشيع- خربت الكتب"١.
وهكذا عندما تم تدوين الصحاح فإنها حوت مرويات العراقيين وبينهم عدد من الشيعة منهم ممن نقل البخاري عنهم في الصحيح: عبد الرزاق الصنعاني وجرير بن عبد الحميد الضبي وإسماعيل بن أبان وخالد بن مخلد وعلي بن الجعد والفضل بن دكين وعباد بن يعقوب وآخرون غيرهم. وأما مسلم فقد قال أبو عبد الله محمد بن يعقوب: "إن كتاب أستاذي – يعني: مسلم بن الحجاج- ملآن من حديث الشيعة"٢.
إن ظهور مرويات العراقيين في كتب الصحاح يدل على نجاح علماء العراق في تنقية السنة وتمييز الصحيح من الموضوع ومعرفة الرجال الثقات من المتهمين.
стр. 27
دور الخوارج في الوضع:
لم يلعب الخوارج دورًا مهمًا في حركة الوضع لاعتقادهم أن مرتكب الكبيرة كافر ولهذا السبب لا يوجد في كتب الموضوعات أدلة على وضع الخوارج للحديث١.
ولم ترد عن أئمة الحديث أقوال تدين الخوارج إلا ما نقل عن ابن لهيعة أنه سمع شيخًا من الخوارج وهو يقول: إن هذه الأحاديث دين فانظروا عمن تأخذون دينكم فإنا كنا إذا هوينا أمرًا صيرناه حديثًا٢.
стр. 28
وكذلك ما حدث به الأعمش، قال: جالست إياس بن معاوية فحدثني بحديث قلت: من يذكر هذا؟ فضرب لي رجلًا من الحرورية. فقلت: إلي تضرب هذا المثل، تريد أن أكنس الطريق بثوبي فلا أدع بعرة ولا خنفساء إلا حملتها١. في حين وردت نصوص تشير إلى صدقهم، فقد كان سليمان بن الأشعث يقول:
"ليس في أصحاب الأهواء أصح حديثًا من الخوارج، ثم ذكر عمران بن حطان وأبا حسان الأعرج"٢ ويقول ابن تيمية: "الخوارج مع مروقهم من الدين فهم أصدق الناس، حتى قيل: إن حديثهم أصح الحديث"٣.
فلو صح ما نقل عن ابن لهيعة فإن دور الخوارج في الوضع ضئيل جدًّا ولا يعدو أن يكون هوى لفرد منهم وليس صفة تعمهم.
стр. 29
الخلافات الكلامية:
وقد تضافرت جملة عوامل أخرى في تنمية الأحاديث الموضوعة كان من بينها ظهور الفرق الكلامية المتعددة كالقدرية والمرجئة والجهمية والمشبهة الممثلة ثم حركة المعتزلة التي ازداد سلطانها في العصر العباسي، ولئن أعطت المناظرات العميقة بين هذه الفرق متعة ذهنية لأرباب العقول المتعطشة فإنها فتحت بابًا من أبواب الفتن، وساهمت في تمزيق كيان المجتمع الإسلامي، كما أنها ضخمت.
стр. 30
الجانب النظري التجريدي على حساب الجانب العملي الذي أكد عليه الصحابة الذين وقفوا عند النصوص المتشابهة وآيات وأحاديث الصفات دون تأويل، فحافظوا بذلك على صفاء العقيدة وإشراقها في حين أضاع أرباب الكلام بمجادلاتهم التي ترمي إلى الإيضاح والتعليل وضوح العقيدة وصفاء الفكرة، ولم تثمر جهودهم غير الانقسام والتمزيق في الكيان الإسلامي.
وكان لا بد لأهل الكلام وأتباع الفرق من تأييد عقائدهم وآرائهم بنصوص الشرع ولما لم يجدوا ما يغنيهم في الأحاديث الصحيحة لجأ قليلو الورع منهم إلى الوضع في الحديث تأييدًا لمذاهبهم. قال محرز أبو رجاء وكان يرى القدر فتاب منه: "لا ترووا على أحد من أهل القدر شيئًا فوالله لقد كنا نضع الأحاديث ندخل بها الناس في القدر نحتسب بها فالحكم لله"١، وبسبب وضع أهل الكلام وأرباب الفرق للأحادي أو تأويلهم لها حسب أهوائهم ظهرت السنة أمام الجاهلين بها بمظهر التناقض فالمرجئة٢ والقدرية٣ والمجسمة٤ والمعطلة٥ والمفوضة٦ وسائر الفرق على اختلافها وتباين آرائها تعتمد في دعم وجهات نظرها على السنة.
فمثلًا من المناقشات المبكرة بين المسلمين هل يزيد الإيمان أم لا؟ وقد وعضت أحاديث في دعم الرأيين كحديث: "الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ومن
стр. 31
قال غير ذلك فهو مبتدع"، وضعه أحمد بن محمد بن حرب١ ووضع حديث آخر يناقضه: "من زعم الإيمان يزيد وينقص فزيادته نفاق ونقصانه كفر، فإن تابوا وإلا فاضربوا أعناقهم بالسيف"، وقد وضعه محمد بن القاسم الطايكاني٢، وكانت فتنة القول بخلق القرآن مدعاة لوضع أحاديث ضد هذه الفكرة من ذلك حديث يقطع بكف من يقول بخلق القرآن٣، وكذلك وضعت المجسمة أحاديث كثيرة لتاييد آرائها في الصفلات من ذلك حديث وضعه أبو السعادات بن منصور فيه أن الله تعالى ينزل ليلة الجمعة إلى الدنيا ويجلس على كرسي من نور وبين يديه لوح فيها أسماء من يثبت الرؤية والكيفية والصورة٤.
وقد اتخذ بعض المتكلمين من هذا التناقض بين الموضوعات ومن التناقض الظاهري بين بعض الأحاديث الصحيحة وسيلة لثلب أهل الحديث وانتقادهم وقد دافع ابن قتيبة عن أهل الحديث وأوضح أن البلية إنما هي من أهل الكلام وذلك في كتابه القيم: "تأويل مختلف الحديث"٥ وكما وضعت أحاديث لدعم آراء الفرق الكلامية فقد وضعت أحاديث ضد بعض هذه الفرق من قبل خصومها فقد وضع الأبرد بن الأشرس حديثًا يقرر أن القدرية زنادقة٦ كما جاء في حديث موضوع آخر أنهم مجوس هذه الأمة٧، وكتب الموضوعات مليئة
стр. 32
بالنماذج المنوعة لما وضعته فرق الكلام أو وضع ضدها، فالأغلبية المطلقة للأحاديث التي تنسب إلى النبي ﷺ وفيها تهجم عنيف على الفرق بأسمائها التي لم تظهر إلا في أواخر العصر الأموي وأوائل العصر العباسي مختلفة.
стр. 33
الزنادقة:
وقد لعب الزنادقة منذ فترة مبكرة دورا في وضع الحديث محاولين انتقاص السنة وتشويه معالمها والوضع من مكانتها عند أرباب العقول، فكان الزنادقة يتسترون بالإسلام ويبطنون له ولأهله العداء فهم كما يقول ابن حبان "يعتقدون الكفر ولا يؤمنون بالله واليوم الآخر، فكانوا يدخلون المدن ويتشبهون بأهل العلم ويضعون الحديث على العلماء ويروون عنهم ليوقعوا الشك والريب في قلوبهم فعسى يضلون ويضلون، فيسمع الثقات منهم ما يروون ويؤدونها إلى من بعدهم حتى تداولوها بينهم"١.
وكان بعض الزنادقة يعترف بوضعه الحديث بإصرار وتحد وبعضهم يعترف بذلك على أثر توبته وندمه قال ابن لهيعة: "دخلت على شيخ وهو يبكي فقلت له ما يبكيك؟ قال: وضعت أربع مائة حديث أدخلتها في برنامج الناس فلا أدري كيف أصنع"٢. وقال المهدي الخليفة العباسي "أقر عندي رجل من الزنادقة أنه وضع أربع مائة حديث فهي تجول في أيدي الناس"٣ وكان عبد الكريم بن أبي العوجاء يدس الأحاديث في كتاب جده لأمه حماد بن سلمة وجييء به إلى محمد بن سليمان بن علي أمير البصرة ليقتله فلما ايقن بالموت قال: والله لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث أحرم فيها الحلال وأحل فيها
стр. 34
الحرام، ولقد فطرتكم في يوم صومكم وصومتكم في يوم فطركم١. وكان حماد بن زيد يقول: وضعت الزنادقة على رسول الله ﷺ أربعة عشر ألف حديث٢.
أما الأحاديث التي وضعها الزنادقة فهي متنوعة الأغراض فمنها في العقائد والفقه والأخلاق.
قال ابن قتيبة "الحديث يدخله الشوب والفساد من وجوه ثلاثة "منها الزنادقة" واجتيالهم للإسلام وتهجينه بدس الأحاديث المستشنعة والمستحيلة كالأحاديث التي قدمنا ذكرها من عرق الخيل٣ وعيادة الملائكة وقفص الذهب على جمل أورق وزغب الصدر٤ ونور الذراعين مع أشياء كثيرة ليست تخفى على أهل الحديث"٥.
وهكذا وضعت الزنادقة هذه الأحاديث بغية إثارة استهجان العقلاء وسخرية الملحدين والانتقاص من العقيدة الإسلامية المبرأة من التشبيه والتجسيم.
стр. 35
القصاصون:
وساهم القصاصون في وضع الحديث، وكانت فكرة القص على الناس في المساجد قد ظهرت منذ فترة مبكرة١، ودوافع المبالغة والكذب عند القصاص قوية ليوفر مادة مشوقة ومثيرة عند وعظ السامعين الذين هم في الغالب من عامة الناس لأن أرباب العقول تمتصهم الدراسات الجدية في علوم القرآن والحديث واللغة، وهي دراسات توفرت أسبابها بوجود عدد من الشيوخ الأكفاء الذين كانوا يعقدون الحلقات العلمية حول أساطين المساجد.
وقد ذكر ابن قتيبة "أن القصاص على قديم الزمان كانوا يميلون وجوه العاملة إليهم ويستدرون ما عندهم بالمناكير والغريب والأكاذيب من الحديث، وكان من شأن العوام القعود عند القصاص ما كان حديثه عجبا خارجا عن فطر العقول أو رقيقا يحزن القلوب ويستغزر العيون فإذا ذكر الجنة زعم أن الله يبوئ وليه قصرا من لؤلؤة بيضاء فيه سبعون مقصورة في كل مقصورة سبعون ألف قبة في كل قبة سبعون ألف كذا.. كأنه يرى أنه لا يجوز أنه يكون العدد فوق السبعين ولا دونها٢، وقد حذر العلماء من القصاصين ذوي الأهواء والكذب قال عاصم: "كنا نأتي أبا عبد الرحمن السلمي "ت في حدود ٧٣هـ" ونحن غلمة أيفاع فكان يقول لنا لا تجالسوا القصاص غير أبي الأحوص وإياكم وشقيقا, قال وكان شقيق يرى رأي الخوارج وليس بأبي وائل٣.
стр. 36
وتعرض العلماء إلى القصاصين الكذابين ففضحوهم أمام الجمهور بإظهار كذبهم كما فعل الأعمش "ت١٤٨هـ" إذ دخل مسجد البصرة فنظر إلى قاص يقول حدثنا الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي وائل، فتوسط الأعمش الحلقة وجعل ينتف شعر إبطه فقال له القاص ألا تستحي نحن في علم وأنت تفعل مثل هذا؟ فقال الأعمش: الذي أنا فيه خير من الذين أنت فيه. قال: وكيف؟ قال: لأني في سنة وأنت في كذب، أنا الأعمش وما حدثتك مما تقول شيئا١.
ولكن لم تكن سائر مواقف العلماء بهذه الشدة في إعلان الحق وفضح الكذابين فقد حضر يزيد بن هارون "ت٢٠٦هـ" مجلس أبي سعيد المدائني، وكان حسن النغمة والقصصن, فأخذ يكذب في الحديث ويزيد بن هارون يبكي من التأثر ثم اكتفى بأن قال لرجل بجانبه ويحك هذا يكذب، فأجابه الرجل "فقعودك عنده تبكي وأنت تعلم أنه يكذب أيش!! "٢.
على أن يزيد بن هارون كان يفضح القصاص ويبين كذبهم عندما يسأله الناس فقد حدث أن قاصا سأل الناس فلم يعطوه فقال حدثنا يزيد بن هارون عن شريك عن مغيرة عن إبراهيم قال إذا سأل السائل ثلاثا فلم يعط يكبر عليهم ثلاثا، وأخذ يكبر عليهم. فلما سئل يزيد بن هارون عن الحديث قال كذب الخبيث ما سمعت بهذا قط٣.
بل وتجرأ أحد القصاصين بالكذب على يزيد بن هارون في حضوره فقال: حدثنا يزيد بن هارون عن ذئب بن أبي ذئب!! فأخذ يزيد بن هارون يضحك، فلما قام الناس من المجلس تبع بعضهم القاص فقالوا له: ويحك ليس إسمه ذئب إنما هو محمد بن عبد الرحمن، فقال: إذا كان أبوه إسمه "أبو ذئب" فأي شيء كان ابنه إلا ذئبا٤.
стр. 37
لقد كانت صلافة بعض القصاصين تمنع عنهم الخجل حين يفتضح جهلهم وينكشف كذبهم بل أن بعضهم كان يقابل ذلك بسخرية واستهتار فقد وقف قاص في مسجد الرصافة فحدث عن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين بحضورهما حديثا طويلا نحو عشرين ورقة، فلما فرغ جمع العطايا من الناس، فناداه ابن معين فأقبل عليهما فعرفاه بنفسهما ونفيا تحديثه الحديث فما كان منه إلا أن قال: لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحمق ما علمته إلا الساعة كأن ليس في الدنيا يحيى وأحمد غيركما، لقد كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل غير هذا، ثم انصرف عنهما١.
ويعقب ابن حبان على ذلك بقوله "فإذا كان مثل هؤلاء يجيزون على أحمد ويحيى حتى يضعوا الحديث بين أيديهم من غير مبالاة بهم كانوا إذا حلوا بمساجد الجماعات ومحافل القبائل مع العوام والرعاع أكثر جسارة في الوضع"٢.
وقد رأى ابن حبان أحد القصاص في مدينة باجروان بين الرقة وحران يسند حديثا إلى أبي خليفة فسأله إن كان قد رأى أبا خليفة فنفى القاص أن يكون رآه، فقال ابن حبان فكيف تروي عنه وأنت لم تره؟ فأجاب القاص: إن المناقشة معنا من قلة المروءة أنا أحفظ هذا الإسناد الواحد، فكلما سمعت حديثا ضممته إلى هذا الإسناد فرويته!! ٣.
ومع فضح العلماء للقصاصين الكدابين وبيان جهلهم فقد كان أثرهم على العامة كبيرا حتى أنها قد تنصرهم أحيانا على من يفضحهم من العلماء قال يحيى بن معين ذهبت إلى أسد بن زيد الكوفي في الكرخ وكان نزل في دار الحذائين
стр. 38
وروى أحاديث مناكير فأردت أن أقول له يا كذاب ففرقت من شفار الحذائين -يعني الأساكفة١-.
وهكذا ساعدت جهالة العوام ونزواتهم القصاصين على المضي في طريق الكذب والوضع في الحديث.
стр. 39
وضع جهلة الصالحين للحديث:
وشارك بعض الصالحين في وضع الأحاديث لترغيب الناس في عمل الخير وزجرهم عن الشر وهذا من جهلهم وكان يغنيهم عن ذلك ما ورد من الأحاديث الصحيحة في الأخلاق والترغيب في عمل الخير وهي كثيرة تعطي مادة وافرة لمن أراد الوعظ والترغيب والترهيب وقد اشتهر بالوضع غلام خليل الذي كان زاهدا في الحياة حتى أن بغداد أسواقها حين موته١ ومع ذلك فقد وضع كثيرا من الأحاديث في الرقائق وقد سئل عنها فقال معترفا "وضعناها نرقق بها قلوب العامة"٢ وقد سأله أبو جعفر بن الشعيري كيف حدث عن بكر بن عيسى وهو قديم الوفاة فبكى ثم أجابه في اليوم التالي أنه سمع بالبصرة ستين رجلا كلهم يسمى بكر بن عيسى! ٣. وقد ذكر أبو داؤد السجستاني أن غلام خليل وضع أربعمائة حديث٤.
وممن عرف بالوضع من أهل العبادة أبو داؤد النخعي الذي كان أطول الناس قياما بليل وأكثرهم صياما بنهار٥ ووهب بن حفص الذي مكث ثلاثا وعشرين سنة لا يكلم أحدا وكان يكذب كذبا فاحشا٦.
стр. 40
وقد تأول بعض الكرامية١ حديث "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" فقالوا: نحن نكذب له لا عليه ومن ثم فقد ذهبوا إلى جواز وضع الحديث ترغيبا للناس في الطاعة وزجرا لهم عن المعصية٢.
وقد وضعت أحاديث كثيرة في فضائل سور القرآن الكريم ترغيب للناس في قراءتها وقد ًُُسأل عبد الرحمن بن مهدي ميسرة بن عبد ربه من أين جاء بأحاديث من قرأ كذا فله كذا فأجابه وضعتها أرغب الناس فيها٣.
وقد اعترف أبو عصمة نوح بن أبي مريم المروزي بوضع الحديث في فضائل القرآن وسوره وذلك لإعراض الناس عن القرآن واشتغالهم بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن إسحاق٤.
وقد أودعت كتب التفسير أحاديث فضائل السور الموضوعة كالواحدي والثعلبي والزمخشري فمنهم من ذكرها بأسانيد كالثعلبي والواحدي والثعلبي ومنهم من لم يسندها كالزمخشري وهذا خطا أفحش٥ وبسبب ما وضع في فضائل السور قال الإمام أحمد بن حنبل "ثلاثة كتب ليس لها أصول المغازي والتفسير والملاحم" قال العسقلاني "ينبغي أن يضاف إليها الفضائل"٦ ولا يعني ما سبق