← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 8674

بحوث في تاريخ السنة المشرفة

أكرم العمري

Полный текст (309 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وتعرض العلماء إلى القصاصين الكذابين ففضحوهم أمام الجمهور بإظهار كذبهم كما فعل الأعمش "ت١٤٨هـ" إذ دخل مسجد البصرة فنظر إلى قاص يقول حدثنا الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي وائل، فتوسط الأعمش الحلقة وجعل ينتف شعر إبطه فقال له القاص ألا تستحي نحن في علم وأنت تفعل مثل هذا؟ فقال الأعمش: الذي أنا فيه خير من الذين أنت فيه. قال: وكيف؟ قال: لأني في سنة وأنت في كذب، أنا الأعمش وما حدثتك مما تقول شيئا١. ولكن لم تكن سائر مواقف العلماء بهذه الشدة في إعلان الحق وفضح الكذابين فقد حضر يزيد بن هارون "ت٢٠٦هـ" مجلس أبي سعيد المدائني، وكان حسن النغمة والقصصن, فأخذ يكذب في الحديث ويزيد بن هارون يبكي من التأثر ثم اكتفى بأن قال لرجل بجانبه ويحك هذا يكذب، فأجابه الرجل "فقعودك عنده تبكي وأنت تعلم أنه يكذب أيش!! "٢. على أن يزيد بن هارون كان يفضح القصاص ويبين كذبهم عندما يسأله الناس فقد حدث أن قاصا سأل الناس فلم يعطوه فقال حدثنا يزيد بن هارون عن شريك عن مغيرة عن إبراهيم قال إذا سأل السائل ثلاثا فلم يعط يكبر عليهم ثلاثا، وأخذ يكبر عليهم. فلما سئل يزيد بن هارون عن الحديث قال كذب الخبيث ما سمعت بهذا قط٣. بل وتجرأ أحد القصاصين بالكذب على يزيد بن هارون في حضوره فقال: حدثنا يزيد بن هارون عن ذئب بن أبي ذئب!! فأخذ يزيد بن هارون يضحك، فلما قام الناس من المجلس تبع بعضهم القاص فقالوا له: ويحك ليس إسمه ذئب إنما هو محمد بن عبد الرحمن، فقال: إذا كان أبوه إسمه "أبو ذئب" فأي شيء كان ابنه إلا ذئبا٤.

стр. 37

لقد كانت صلافة بعض القصاصين تمنع عنهم الخجل حين يفتضح جهلهم وينكشف كذبهم بل أن بعضهم كان يقابل ذلك بسخرية واستهتار فقد وقف قاص في مسجد الرصافة فحدث عن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين بحضورهما حديثا طويلا نحو عشرين ورقة، فلما فرغ جمع العطايا من الناس، فناداه ابن معين فأقبل عليهما فعرفاه بنفسهما ونفيا تحديثه الحديث فما كان منه إلا أن قال: لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحمق ما علمته إلا الساعة كأن ليس في الدنيا يحيى وأحمد غيركما، لقد كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل غير هذا، ثم انصرف عنهما١. ويعقب ابن حبان على ذلك بقوله "فإذا كان مثل هؤلاء يجيزون على أحمد ويحيى حتى يضعوا الحديث بين أيديهم من غير مبالاة بهم كانوا إذا حلوا بمساجد الجماعات ومحافل القبائل مع العوام والرعاع أكثر جسارة في الوضع"٢. وقد رأى ابن حبان أحد القصاص في مدينة باجروان بين الرقة وحران يسند حديثا إلى أبي خليفة فسأله إن كان قد رأى أبا خليفة فنفى القاص أن يكون رآه، فقال ابن حبان فكيف تروي عنه وأنت لم تره؟ فأجاب القاص: إن المناقشة معنا من قلة المروءة أنا أحفظ هذا الإسناد الواحد، فكلما سمعت حديثا ضممته إلى هذا الإسناد فرويته!! ٣. ومع فضح العلماء للقصاصين الكدابين وبيان جهلهم فقد كان أثرهم على العامة كبيرا حتى أنها قد تنصرهم أحيانا على من يفضحهم من العلماء قال يحيى بن معين ذهبت إلى أسد بن زيد الكوفي في الكرخ وكان نزل في دار الحذائين

стр. 38

وروى أحاديث مناكير فأردت أن أقول له يا كذاب ففرقت من شفار الحذائين -يعني الأساكفة١-. وهكذا ساعدت جهالة العوام ونزواتهم القصاصين على المضي في طريق الكذب والوضع في الحديث.

стр. 39

وضع جهلة الصالحين للحديث: وشارك بعض الصالحين في وضع الأحاديث لترغيب الناس في عمل الخير وزجرهم عن الشر وهذا من جهلهم وكان يغنيهم عن ذلك ما ورد من الأحاديث الصحيحة في الأخلاق والترغيب في عمل الخير وهي كثيرة تعطي مادة وافرة لمن أراد الوعظ والترغيب والترهيب وقد اشتهر بالوضع غلام خليل الذي كان زاهدا في الحياة حتى أن بغداد أسواقها حين موته١ ومع ذلك فقد وضع كثيرا من الأحاديث في الرقائق وقد سئل عنها فقال معترفا "وضعناها نرقق بها قلوب العامة"٢ وقد سأله أبو جعفر بن الشعيري كيف حدث عن بكر بن عيسى وهو قديم الوفاة فبكى ثم أجابه في اليوم التالي أنه سمع بالبصرة ستين رجلا كلهم يسمى بكر بن عيسى! ٣. وقد ذكر أبو داؤد السجستاني أن غلام خليل وضع أربعمائة حديث٤. وممن عرف بالوضع من أهل العبادة أبو داؤد النخعي الذي كان أطول الناس قياما بليل وأكثرهم صياما بنهار٥ ووهب بن حفص الذي مكث ثلاثا وعشرين سنة لا يكلم أحدا وكان يكذب كذبا فاحشا٦.

стр. 40

وقد تأول بعض الكرامية١ حديث "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" فقالوا: نحن نكذب له لا عليه ومن ثم فقد ذهبوا إلى جواز وضع الحديث ترغيبا للناس في الطاعة وزجرا لهم عن المعصية٢. وقد وضعت أحاديث كثيرة في فضائل سور القرآن الكريم ترغيب للناس في قراءتها وقد ًُُسأل عبد الرحمن بن مهدي ميسرة بن عبد ربه من أين جاء بأحاديث من قرأ كذا فله كذا فأجابه وضعتها أرغب الناس فيها٣. وقد اعترف أبو عصمة نوح بن أبي مريم المروزي بوضع الحديث في فضائل القرآن وسوره وذلك لإعراض الناس عن القرآن واشتغالهم بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن إسحاق٤. وقد أودعت كتب التفسير أحاديث فضائل السور الموضوعة كالواحدي والثعلبي والزمخشري فمنهم من ذكرها بأسانيد كالثعلبي والواحدي والثعلبي ومنهم من لم يسندها كالزمخشري وهذا خطا أفحش٥ وبسبب ما وضع في فضائل السور قال الإمام أحمد بن حنبل "ثلاثة كتب ليس لها أصول المغازي والتفسير والملاحم" قال العسقلاني "ينبغي أن يضاف إليها الفضائل"٦ ولا يعني ما سبق

стр. 41

أن سائر الأحاديث الواردة في فضائل السور هي من الموضوعات بل صحت الأحاديث في ذلك وقد جمع السيوطي في ذلك كتابا سماه "خمائل الزهر في فضائل السور"١. وقد أدرك العلماء خطر قيام الصالحين بوضع الأحاديث فهي تلقى رواجا لحسن ظن الناس بهم وعدم تفطنهم إلى احتمال كذبهم، فنبه العلماء على ذلك محذرين فقال أبوعاصم النبيل "ما رأيت الصالح يكذب في شيء أكثر من الحديث"٢ وكان يحيى بن سعيد القطان يقول طما رأيت الكذب في أحد أكثر منه فيمن ينسب إلى الخير والزهد"٣. وقد فسر الإمام مسلم ذلك "بأن الكذب يجري على لسانهم ولا يتعمدونه"٤. وقال العراقي: "يريد والله أعلم المنسوبين للصلاح بغير علم يفرقون به بين ما يجوز لهم ويمتنع عليهم أو أن الصالحين عند حسن ظن وسلامة صدر فيحملون ما سمعوه على الصدق ولا يهتدون لتمييز الخطأ من الصواب"٥.

стр. 42

دور العصبية للمدن والجنس والإمام: ولعبت العصبية دورا في ظهور الأحاديث الموضوعة سواء كانت عصبية للمكان الذي يسكنه الوضاعون أو للجنس الذي ينتمون إليه أو للإمام الذي

стр. 43

يتبعون مذهبه الفقهي فأما العصبية للمدن فقد ظهرت بعد استقرار العرب في المدن المفتوحة واختلاط قبائلهم ببعضها من جهة وبالأعاجم من جهة أخرى حيث حدث تداخل وتصاهر بين الأجناس العديدة التي ضمتها المدينة الإسلامية وقد ضعف نتيجة ذك الشعور بالقبيلة تدريجيا وظهر بجانبه التعصب للمدينة والانتساب إليها مع القبيلة وحل الفخر بالمدينة مكان الفخر بالقبيلة وقد أدت العصبية والمنافسة بين المدن إلى وضع أحاديث كثيرة في فضائل بعض المدن وفي ذم مدن أخرى حتى لا تكاد تخلو مدينة من المدن الإسلامية من أحاديث وضعت لها أو عليها. وقد وضع الكديمي حديثا في فضل البصرة "إني لأعرف أرضا يقال لها البصرة أقومها قبلة وأكثرها مساجد ومؤذنين، يدفع عنها البلاء ما لا يدفع عن سائر البلاد"١. ووضع محمد بن معبد الرحمن بن البيلماني حديث "يأتي على الناس زمان يكون أفضل الرباط رباط جدة"٢ ووضع ميسرة بن عبد ربه نحو أربعين حديثا في فضائل قزوين٣. ووضع أحمد بن كنانة الشامي حديث "إذا ذهب الإيمان من الأرض وجد ببطن الأردن"٤ ووضع أبو عصمة حديثا طويلا في فضائل مدن خراسان واحدة واحدة٥ أما الأحاديث التي وضعت في ذم بعض المدن من قبل المدن المنافسة لها فهي كثيرة جدا أيضا ومن ذلك ما وضعه عمار بن زربي في ذم البصرة وأنه سيكون بها خسف ومسخ٦ وما وضعه أبان بن أبي عياش "الجفاء والبغي في الشام"٧ ومن الأحاديث ما وضع في مدح مدن مجتمعة أو ذم مدن مجتمعة, ولعل ذلك يلقي في بضع الأحياء ضوءا على العلاقات بين المدن

стр. 44

مثل حديث "بابان مفتوحان في الدنيا للجنة عبادان وقزوين"١، فلعله دليل على حسن العلاقة بين سكان المدينتين، وفي كتب الجغرافية والبلدان ككتاب الأعلاق النفيسة لابن رسته والبلدان لابن الفقيه الهمذاني وغيرهما نماذج كثيرة للأحاديث الموضوعة في فضال المدن. وأما العصبية للجنس فتظهر في بعض الأحاديث الموضوعة مثل "دعوني من السودان إما الأسود لبطنه وفرجه" وقد وضعه يحيى بن أبي سليمان المديني٢. وحديث "الزنجي إذا شبع زنى, وإذا جاع سرق، وإن فيهم لسماحة ونجدة" وقد وضعه عنبسة البصري٣ ولعل وضع الأحاديث في ذم الزنج يعكس كراهية أهل البصرة لهم. ومن مظاهر العصبية للجنس وضع حديث "أبغض الكلام إلى الله تعالى بالفارسية وكلام الشيطان الخوزية وكلام أهل النار البخارية، وكلام أهل الجنة العربية" وقد وضعه إسماعيل بن زيادة بن غالب القطان٤. وقد لعبت العصبية لأئمة المذاهب دورا في إنماء الأحاديث الموضوعة، ويظهر ذلك في أحاديث كثيرة منها "سيأتي من بعدي رجل يقال له النعمان بن ثابت، ويكنى أبا حنيفة ليحيين دين الله وسنتي على يديه"٥. وقيل للمأمون ألا ترى إلى الشافعي ومن تبعه بخراسان فقال حدثنا أحمد وذكر إسناد حديث "يكون في أمتي رجل يقال له محمد بن إدريس أضر على أمتي من إبليس، ويكون في أمتي رجل يقال له أبو حنيفة هو سراج أمتي"٦.

стр. 45

ومن ذلك أيضا ما وضعه إسحاق بن محمشاد أحد الكرامية في مدح إمامه "يجيء في آخر الزمان رجل يقال له محمد بن كرام يحي السنة والجماعة، هجرته من خراسان إلى بيت المقدس كهجرتي من مكة إلى المدينة"١. وهكذا لعبت العصبية للمدن والجنس والأئمة دورا في حركة الوضع في الحديث.

стр. 46

الوضع لأغراض خاصة: وكان من عوامل الوضع أيضا الأغراض الخاصة لبعض قليلي الورع من الناس كأن يضعوا أحاديث تقربهم من الحكام والأكابر مثل غياث بن إبراهيم الذي دخل على المهدي فوجد عنده حماما فوضع حديث "لا سبق إلا في نصل أو حافر أو جناح" فأمر له المهدي بجائزة فلما خرج ذكر المهدي كذبه وأمر بذبح الحمام! ١ وكان الأولى أن يعاقب هذا الكذاب بدل أن يصله بجائزة. ومن ذلك أيضا أن هارون الرشيد لما قدم إلى المدينة المنورة أعظم أن يرتقي منبر النبي ﷺ وعليه قباء ومنطقة، فتطوع القاضي أبو البختري بذكر حديث فيه أن النبي ﷺ كان يلبسهما. وقد كان يحي بن معين -أحد أئمة المحدثين- حاضرا فكذبه على رؤوس الأشهاد٢. ومثل سعد بن طريق الإسكافي الذي ضرب المعلم ابنه فوضع حديث "معلموا صبيانكم شراركم"٣ وكان البعض يتكسب بالحديث وروايته مثل أبي داؤد الأعمى الذي كان سائلا يتكفف الناس ويحدث عن البراء وزيد بن

стр. 47

أرقم ولم يسمع منها١ ولذلك حذر شعبة من الرواية عن الفقراء بقوله "لا تأخذوا الحديث عن هؤلاء الفقراء فإنهم يكذبون لكم" وكان شعبة آنذاك أفقر الناس٢. ولعل الأحاديث في فضل الأرز والعدس والباذنجان والهريسة هي من وضع باعة هذه الأطعمة يتكسبون بها٣. ومنهم من كان يضع الحديث لإظهار العلم والبراعة في إجابة من يسأله٤ كما أن بعضهم كان يتذوق حلاوة الكذب قال الأصمعي لأعرابي: "ما حملك على الكذب" فأجابه: لو ذقت حلاوته ما نسيته٥ وقد أدرك العلماء فتنة الحديث لضعاف الإيمان فقال الثوري "فتنة الحديث أشد من فتنة الذهب والفضة...."٦.

стр. 48

جهود العلماء في مقاومة الوضع: تظافرت العوامل العديدة التي ذكرتها في إنماء كمية الأحاديث الموضوعة وهددت السنة بالتشويه والتحريف لولا الجهود الجبارة التي بذلها العلماء في تنقية السنة. وتمييز الصحيح من السقيم، فقاموا بمجهود رائع تمثل في التأكيد على الإسناد، والرحلة في طلب العلم، وتدوين الحديث، ووضع علوم الحديث المختلفة، وسيتناول هذا البحث ظهور الإسناد وأهميته وما يتصل بمعرفة رجال السند وهو أحد علوم الحديث المهمة، ويطلق عليه "علم الرجال". ثم يتناول رحلة العلماء في طلب العلم وجهودهم في تدوين الحديث. الإسناد وظهور علم الرجال: "معرفة الرجال نصف العلم": علي بن المديني: يراد بالإسناد الطريق الموصل إلى المتن، فالحديث إنما يروى عن طريق سلسلة من الرواة تبدأ بالراوي الذي يحدث بالحديث وتنتهي إلى النبي ﷺ ، ولا فرق بين الإسناد والسند عند الجمهور، وعند غيرهم أن الإسناد رفع الحديث إلى قائله وكأنه من أسند في الجبل إذا صعد فيه وعلا على سفحه، والسند للأخبار عن طريق المتن الذي من معانيه ما صلب من الأرض وارتفع منها١.

стр. 49

وقد بدأ الاهتمام بالإسناد والسؤال عنه في فترة مبكرة، وذلك في أعقاب الفتن التي بدأت منذ خلافة عثمان ﵁ وأدت إلى التمزق والانفلاق الضخم في كيان المجتمع الإسلامي وظهور الأهواء السياسية المتعارضة والآراء المتعصبة المتدافعة مما أدى إلى ظهور الكذب في الحديث وجعل العلماء يتثبتون في مصادر الرواية ويسألون عن الرجال الذين اشتركوا في نقلها قال محمد بن سيرين "ت١١٠هـ" "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وبنظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم"١. وهكذا اعتبر ابن سيرين الفتنة زمن عثمان بداية السؤال عن الإسناد لظهور الوضع وبروز الانشقاقات عن الجماعة حيث عبر ابن سيرين عن المنشقين باسم "أهل البدع" وقد رأى شاخت أن المقصود ليس الفتنة زمن عثمان بل فتنة مقتل الوليد بن يزيد "ت١٢٦هـ" معتمدا على التوافق في استعمال كلمة "الفتنة" بين قول ابن سيرين ونص ورد في الطبري حيث قال في حوادث سنة ١٢٦هـ "اضطرب أمر بني مروان وهاجت الفتنة" وقد جر هذا الافتراض شاخت إلى اعتبار كلام ابن سيرين موضوعا عليه لأنه توفي سنة ١١٠هـ أي قبل الفتنة٢. على أنه لا يمكن أن ننفي نسبة قول ابن سيرين إليه فقد أوردته المصادر المعتمدة، ولم يقل بوضعه أحد من النقاد بل قد روي عن ابن سيرين نفسه ما يؤكد ذلك حيث قال: "هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله ﷺ عشرة آلاف فما خف لها منهم مائة"٣، وهناك أدلة تؤيد أن السؤال عن الإسناد بدا في فترة مبكرة في أعقاب الفتنة الأولى التي بدأت زمن عثمان وقد روى الإمام أحمد بإسناده إلى ابراهيم النخعي أنه قال: إنما سئل عن الإسناد أيام المختار وسبب

стр. 50

هذا أنه كثر الكذب على علي في تلك الأيام١ ولكن هذا لا يعني أن سائر الأحاديث كانت تروى باسانيد تامة، فالصحابة لم يلتزموا ذكر إسناد الحديث عندما لا يكون الصحابي قد سمع الحديث من النبي ﷺ مباشرة بل من صحابي آخر وقد صرح بذلك قول البراء "ما كل ما نحدثكم عن رسول الله ﷺ سمعناه منه، منه ما سمعناه منه، ومنه ما حدثنا أصحابنا ونحن لا نكذب"٢ فهم إذا لم يكونوا يميزون بين ما نقلوه عن النبي مباشرة وما نقلوه عنه بواسطة من سمعه منه من الصحابة لعدم إسنادهم للحديث وقد علل البراء ذلك بعدم وقوع الكذب على النبي ﷺ من قبل أصحابه فكان الصحابي يستمع الحديث من صحابي آخر فكانه سمعه بأذنيه من النبي ﷺ . ومع وثوق الناس بالصحابة فقد كانوا يسألونهم أحيانا عن إسناد أحاديثهم، ولكن السؤال عن الإسناد في البدء لم يكن مستساغا بل قد يكون مدعاة لغضب الصحابي "وكان أنس بن مالك إذا سئل عن حديث أسمعه من رسول الله ﷺ يغضب ويقول ما كان بعضنا يكذب على بعض"٣، وقد ازداد السؤال عن الإسناد في جيل التابعين فسئل الحسن البصري "ت١١٠هـ" عن إسناد مراسيله "قال رجل للحسن إنك تحدثنا فتقول قال رسول الله ﷺ ولو كنت تسند إلى من حدثك؟ فقال له أنا والله ما كذبنا ولا كذبنا، ولقد غزوت غزوة إلى خراسان ومعنا ثلثمائة من أصحاب محمد"٤، فالحسن البصري اعتذر عن عدم إسناده لحديثه بأنه تلقى ذلك عن الصحابة الكثيرين الذين لقيهم وهم أهل صدق وورع وما داموا جميعا لا يكذبون فإن عدم ذكرهم لا يقلل من أهمية الرواية.

стр. 51

ويرى يحيى بن سعيد القطان أن أول من فتش عن الإسناد هو عامر الشعبي (١٧-١٠٣هـ) سيد التابعين فقد "قرأ الربيع بن خيثم عليه حديثا قال الشعبي فقلت من حدثك؟ قال عمرو بن ميمون وقلت له من حدثك؟ فقال أبو أيوب صاحب رسول الله ﷺ قال يحيى بن سعيد: وهذا أول ما فتش عن الإسناد"١. وهكذا كان التفتيش عن الإسناد في زمن كبار التابعين، ونلمح استجابة أكثر في ذكر الإسناد عندما يسأل المحدث عنه، ولكن التأكد على الإسناد والإلحاح في طلبه ازداد بعد جيل الصحابة وكبار التابعين بسبب شيوع الوضع واتساع نطاقه على مر الزمن فأصبح الإسناد ضرورة لا مناص للمحدث من ذكره إذا أراد لرواياته القبول حتى أن الزهري أحد صغار التابعين (ت١٢٤هـ) اعتبر إغفال الإسناد جرأة على الله تعالى "حدث عتبة بن أبي حكيم أنه كان عند إسحاق بن أبي فروة وعنده الزهري. قال: فجعل ابن أبي فروة يقول: قال رسول الله ﷺ ، فقال له الزهري، قاتلك الله يا ابن أبي فروة ما جرأك على الله لا تسند حديثك؟ تحدثنا بأحاديث ليس لها خطم ولا أزمة"٢. وبسبب تأكيد الزهري على الإسناد والتزامه به قال مالك "أن أول من أسند الحديث الزهري"٣ ولعله قصد بذلك في بلاد الشام فقد "ذكر الوليد بن مسلم أن الزهري قال: يا أهل الشام ما لي أرى أحاديثكم ليس لها أزمة ولا خطم؟ وتمسك أصحابنا بالأسانيد من يومئذ"٤.

стр. 52

وتوجيه الكلام إلى أهل الشام يوحي بأن التزام الإسناد في مراكز العلم الأخرى كان أكثر بحيث بدا أهل الشام متساهلين في ذلك فنبههم الزهري إلى تقصيرهم فأصبحوا يسندون أحاديثهم، ولا يعني هذا أن الإسناد لم يكن موجودا قبل الزهري، فقد كان بدء السؤال عن الإسناد في عهد الصحابة ثم عند كبار التابعين. لكنه في جيل الزهري أصبح الالتزام بالإسناد قويا، لذلك فإن تفسير شاخت للفتنة التي وردت في قول ان سيرين بأنها الفتنة في زمن الوليد بن يزيد سنة ١٢٦هـ تخمين ترفضه الأدلة. وقد رفض روبسون هذا التفسير للفتنة وذهب إلى أن المقصود فتنة ابن الزبير (في حدود سنة ٧٢هـ) عندما أعلن نفسه خليفة، ويستند روبسون على إطلاق مالك كلمة "الفتنة" على حركة ابن الزبير (الموطأ: كتاب الحج ٩٩". وهذا التفسير -في رأيه- يتفق مع عمر بن سيرين الذي كانت ولادته سنة ٣٣هـ مما يجعله -عند حدوث فتنة ابن الزبير- بعمر يمكنه من الكلام بإدراك وإطلاع عما حدث في هذه الفترة, ويرى روبسون أن ما توصل إليه في تفسير الفتنة يؤيد نظرية هوروفتس التي تقول بأن الإسناد أدخل في أدب الحديث في الثلث الأخير من القرن الأول١. ورغم أن ما ذهب إليه روبسون في تفسير الفتنة معقول أكثر من رأي شاخت فقد قدم روبسون ظهور الإسناد نصف قرن عما حدده شاخت إلا أن ما استند إليه روبسون من أدلة لا يمكن أن يعتبر قاطعا، فالتوافق في استعمال الفتنة في كلام ابن سيرين ومالك لا يمكن أن يتخذ دليلا؛ لأن كلمة الفتنة أطلقت على كثير من الانشقاقات والحروب الداخلية بين المسلمين، كذلك فإن تقدير عمر بن سيرين للإفادة منه في تفسير كلامه لا يمكن الاعتماد عليه فابن سيرين قد يتكلم عن أحداث بعيدة عن عصره معتمدا على دراسته لتأريخ الذي عني به كثيرا.

стр. 53

وأما رأي هوروفتس الذي لخصه روبسون فهو يتفق مع رأي كايتاني الذي يعتقد أن الإسناد لم يكن موجودا قبل سنة ٧٥هـ١ وقد تابعهما في ذلك سزكين عندما قرر أن الإسناد بدأ بالزهري٢، إلا أن روبسون يعود فينقل في موضع آخر رأي هوروفتس أيضا في أن الإسناد بدأ قبل الزهري، وأنه لا يوافق كايتاني وشبرنجر في القول بأن أسانيد عروة بن الزبير (ت٩٣هـ) مختلفة ألصقها به المصنفون المتأخرون ويبدو هوروفتس متحفظا فيقول بأن معرفة عروة للإسناد لا تزال موضع نزاع وجدل٣. على أن هوروفتس يقرر في موضع آخر بأن الإسناد في الفترة التي سبقت الزهري كان عادة لكنه لم يكن ضربة لازب٤. إن التزام الزهري بالإسناد وإشتهاره بذلك هو الذي أدى إلى توهم أن الإسناد وجد لأول وهلة عند الزهري أو في جيله. وعلى أية حال فإن الالتزام بالإسناد أصبح الطابع العام الذي سلكه المحدثون في جيل الزهري حتى أن بعض من كان يحدث دون إسناد أصبح يلتزم بذكره، فهذا قتادة (ت١١٨هـ) كان يحدث بالبصرة دون إسناد اختصارا للوقت وتسهيلا على الطالب، وكان يلقى أسئلة من تلاميذه عن إسناد اختصارا للوقت وتسهيلا على الطالب، وكان يلقى أسئلة من تلاميذه عن إسناد أحاديثه وكأنها اعتراض على طريقه, فكان شعبة بن الحجاج يوقفه ليسأله عن الإسناد وكذلك كان يفعل معمر بن راشد وآخرون من الأحداث ممن كانوا يحضرون مجلسه وكان الشيوخ يعترضون عليهم وينهونهم عن سؤاله عن الإسناد، ولعل ذلك بسبب طول استماع الشيوخ إليه وقدم عهدهم به فعرفوا أسانيد حديثه فإذا أعاد الأحاديث لم يسندها فيطالبه

стр. 54

الأحداث بها وينكر الشيوخ عليهم إضاعة الوقت. ولم يكن قتادة يجهل الأسانيد فقد فاز شعبة منه بذكرها إذ تبين لقتادة أنه جدير بذلك فأخذ يسند له، ولكن قتادة لم يعدل عن طريقته في التحديث دون إسناد حتى قدم إلى البصرة حماد بن أبي سليمان وهو كوفي كان يلتزم ذكر الإسناد، فحدث بالإسناد فعندئذ أخذ قتادة بذكر أسانيد حديثه١، وذلك دليل أيضا على معرفة قتادة بالأسانيد عندما كان لا يذكرها وأن عدم ذكره لها كان اختصارا للوقت. وهكذا طغى الإسناد في أوائل القرن الثاني الهجري والتزم به المحدثون، ويعكس لنا أهمية الإسناد في هذه الفترة ما قاله نقاد الحديث وأئمته مثل محمد بن سيرين (ت١١٠هـ) الذي رأى أن "الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء"٢، واعتباره الإسناد من الدين لأن الإسناد وسيلة لتمييز الأحاديث ومعرفة الصحيح من الموضوع مما يترتب عليه أحكام وتعاليم الدين وهو ما عناه ابن سيرين بقوله الآخر "أن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم"٣ وقوله أيضا "بيننا وبين القوم القوائم يعني الإسناد"٤. ويتردد هذا المعنى بوضوح أيضا عند المعاصرين لابن سيرين، فقد أكدوا بأقوالهم على أهمية الإسناد كما التزموا به في منهجهم في التحديث، فكان الأعمش ربما حدث بالحديث ثم يقول "بقي رأس المال حدثني فلان قال ثنا فلان عن فلان"٥. لقد اعتبر الأعمش الإسناد جزءا مهما من الحديث إذ لا يمكن قبول المتن دون إسناد ومن ثم فقد عقب على المتن بذكر إسناده. وقد أصبح قبول الحديث

стр. 55

منوطا بذكر الإسناد قال شعبة (ت١٦٠هـ) : "كل حديث ليس فيه أنا وثنا فهو خل وبقل"١. أي أنه كالطعام الذي لا يسمن ولا يغني من جوع. وفي هذا المعنى قال شعبة أيضا: "كل حديث ليس فيه حدثنا وحدثنا فهو مثل الرجل بالفلاة معه البعير ليس له خطام"٢. فكما أن ذلك الرجل لا يستطيع توجيه بعيره فكذلك لا يستطيع المحدث ضبط الحديث وتمييزه ومعرفته دون إسناد، فالإسناد هو الوسيلة إلى نقد الحديث ومعرفته ولذلك قال سفيان الثوري "الإسناد سلاح المؤمن إذا لم ين معه سلاح فبأي شيء يقاتل"٣. ولذلك فإن الحديث الذي لا إسناد له يعتبر مرفوضا قال بهز بن أسد: "لا تأخذوا الحديث عمن لا يقول ثنا"٤. فلا غرابة إذا ما أصبح السؤال عن الإسناد أمرا شائعا لا يقتصر على أرباب العلم بل يهتم به غيرهم أيضا، فهذا أعرابي قدم على سفيان بن عيينة يسأله ما تقول في امرأة من الحاج حاضت قبل أن تطوف بالبيت؟ فأجابه سفيان: تفعل ما يفعل الحاج غير أنها لا تطوف بالبيت. فقال الأعرابي: هل من قدوة؟ قال: نعم عائشة حاضت قبل أن تطوف بالبيت فأمرها النبي ﷺ أن تفعل ما يفعل الحاج غير الطواف. قال الأعرابي: هل من بلاغ عنها؟ قال: نعم حدثني عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة بذلك. قال الأعرابي: ولقد استسمنت القدوة وأحسنت البلاغ والله لك بالرشاد"٥. وهكذا لم يكتف الأعرابي حتى سأل عن سند الرواية كاملا، ولم يجد ابن عيينة في سؤاله بأسا، بل أجابه عما سأله عنه. ومن طريف ما يذكر مما له دلالة على أهمية الإسناد أن المأمون وجه إلى محمد بن عبد الله الأنصاري خمسين ألف درهم وأمره أن يقسمها بين الفقهاء بالبصرة فكان هلال بن مسلم يتكلم عن أصحابه

стр. 56

والأنصاري عن أصحابه فاختلفا بينهما فيمن يستحق المال فسأل الأنصاري هلالا كيف يتشهد؟ فتشهد هلال على حديث ابن مسعود. فقال له الأنصاري: من حدثك به؟ ومن أين ثبت عندك؟ فسكت هلال ولم يجبه. فقال الأنصاري: تصلي في كل يوم وليلة خمس صلوات، وتردد فيها هذا الكلام وأنت لا تدري من رواه عن نبيك ﷺ قد باعد الله بينك وبين الفقه، فقسمها الأنصاري في أصحابه١. لقد كان ذكر الإسناد مبعثا للطمأنينة والارتياح، وعبارة بهز بن أسد التالية تنطق بذلك فقد كان يقول إذا ذكر له الإسناد الصحيح "هذه شهادات الرجال العدول المرضيين بعضهم على بعض"٢. أن الراوي يجد في ذكر الإسناد مشاركة في تحمل مسؤولية نقل الحديث إذ لا يستقل وحده بحمل تبعته بل يشاركه شيوخه وشيوخ شيوخه ثم التابعون والصحابة، ولا تعدو تبعته النقل الأمين لما سمعه عن شيخ ثقة ثبت، وكذلك يطمئن السامعون إلى قبول الحديث والعمل به وهم يجدون أمامهم سلسلة من الرواة المرضيين كلهم يشهد أنه سمعه عمن قبله حتى يصل الإسناد إلى الصحابي فالرسول صلى الله عليه وسلم٣. وقد عبر بعض الشعراء من أهل الحديث أو محييهم عن ارتياحهم ونشوتهم بذكر الإسناد فقال أحدهم: يا لذة العيش لما قلت حدثنا ... عوف وبشر عن الشعبي والحسن٤ وقال الحطيم يمتدح سفيان بن عيينة: يضم عمرا إلى الزهري يسنده ... وبعد عمرو إلى الزهري صفوانا

стр. 57

وعبدة وعبيد الله ضمهما ... وابن السبيعي أيضا وابن جدعانا فعنهم عن رسول الله يوسعنا ... علما وحكما وتأويلا وتبيانا١ وقال الأصمعي يرثي سفيان بن عيينة أيضا: من للحديث عن الزهري يسنده ... وللأحاديث عن عمرو بن دينار ما قام من بعده من قال حدثنا ... الزهري في أهل بدو أو بأحضار٢ ونتيجة التأكيد على الإسناد وما حظي به من اهتمام كبير فقد التزمت به كتب الحديث التي دونت منذ النصف الأول من القرن الثاني الهجري والتي أطلق عليها إسم "المسانيد" وهو إسم واضح العلاقة بفكرة الإسناد، وقد وصل إلينا بعض هذه المسانيد مثل مسند معمر بن راشد "ت١٥٢هـ" ومسند الطيالسي "ت٢٠٤هـ"، وقد كونت هذه المسانيد مادة أساسية اعتمدتها الكتب الستة التي ظهرت خلال القرن الثالث الهجري٣ والتي نجد فيها التزاما دقيقا بذكر الأسانيد التامة مما يلقي ضوءا على الموارد التي استقت منها والتي ظهرت كما أسلفت خلال القرن الثاني الهجري. إن الاختلاف في التحديد الزمني لبدء استعمال الأسانيد يبدو أقل أهمية حين يتقرر أن الأسانيد التي يرى البعض ظهورها في التحديدات الزمنية المتفاوتة كانت معروفة عند حفاظ الحديث من الصحابة والتابعين لكن الالتزام بذكرها قبل كل حديث لم يحدث إلا عقب ظهور الوضع في الحديث والحاجة إلى التحقق من صحة الأحاديث، وهذا يعني خطأ ما ذهب إليه كايتاني وشاخت من أن القسم الأعظم من الأسانيد اختلقه المحدثون في فترة متأخرة يحددها كايتاني بنهاية القرن الثاني ويحتمل أن تكون -في رأيه- في القرن الثالث٤. ويرى

стр. 58

شاخت أيضا أن الأسانيد المتصلة متأخرة١ وضعها اصحا المذاهب الفقهية رغبة في إرجاع آرائهم إلى الصحابة, ومن ثم فإن تحسن الأسانيد استمر حتى عصر الكتابة حيث ظهرت الأسانيد بصورتها الكاملة، وقد استشهد شاخت بأسانيد وردت مرسلة أو منقطعة في موطأ مالك أو في كتاب الرسالة للشافعي ثم وردت في الكتب الستة المتأخرة عن مالك متصلة مسندة مما يدل -في رأي شاخت- على أن الأقسام العليا من الأسانيد (أسماء التابعين فالصحابة) مختلفة وضعت فيما بعد من قبل أصحاب المذاهب٢. لقد أغفل شاخت أن احتجاج مالك بالمرسل هو سبب عدم عنايته بوصل أحاديث الموطأ٣، ولذلك فإن طريقته في استعمال الإسناد لبست طابعا عاما لعصره إذ وردت الأسانيد المتصلة في كتب المسانيد المصنفة في القرن الثاني الهجري وبعضها صنف قبل الموطأ مثل مسند معمر بن راشد. إن ورود الأحاديث مرة مرسلة وأخرى متصلة لا يقطع بوضعها أو بإكمال أسانيدها في فترة متأخرة فقد يروي العالم الحديث الواحد مرة بإسناد متصل وأخرى بإرسال أو انقطاع للاختصار أو بسب النسيان، على أن هذا لا يعني عدم وقوع الخطأ في الأسانيد بزيادة رجل فيها أو تبديل إسم بآخر بل ووضع أسانيد كاملة لأحاديث موضوعة مما بينته كتب مصطلح الحديث٤، ولكن إطلاق القول باختلاق الأسانيد المتصلة مجازفة كبيرة لا تقل عما في إتهام المذاهب

стр. 59

الفقهية بوضع هذه الأسانيد المتصلة من مجازفة، فقد اعتمد الشافعي على مراسيل سعيد بن المسيب واعتمد أبو حنيفة على مراسيل شيوخه ولم يقوما بوصل هذه المراسيل ولا فكر أتباعهما بوصلها فبقيت في كتبهم على حالها من الإرسال١. إن اختلاق الأسانيد قام به الوضاعون الذين دفعتهم أغراض عديدة إلى الوضع، سبق تفصيلها، ولا يمكن إتهام أصحاب المذاهب بذلك، وهم الأمناء على الشريعة، والحافظون للأحاديث من أن يدخلها الكذب على رسول الله ﷺ ، وما عرفنا صحيح الحديث من ضعيفه ولا صدقه من كذبه ولا تعديل الرواة أو جرحهم إلا من طريق هؤلاء الأعلام فكيف يسوغ لدى الباحث المنصف والمؤرخ الناقد أن يتهم هؤلاء الأئمة الأخيار. وقد ذهب فؤاد سزكين إلى القول بأن الإسناد بدأ يفقد مكانته منذ أن ألف البخاري صحيحه فأكثر فيه التعاليق والفقرات اللغوية والتاريخية دون إسناد٢، ولكن هذه التعليقات التي أوردها البخاري دون إسناد ليست من "الجامع المسند الصحيح المختصر من حديث رسول الله ﷺ وسننه وأيامه" وهو العنوان الذي ربما اختاره البخاري لكتابه ليكون أول تنبيه على عدم اعتبار التعليقات منه حتى لو صحت أسانيدها من طرق أخرى غير طريق البخاري. إن الأحاديث المسندة الموصولة التي أوردها البخاري هي التي تكون "الجامع المسند الصحيح" الذي يتمثل فيه منهج البخاري وتنطبق عليه شروطه المعرفة، وفيها تظهر الأسانيد بأكمل صورها وأعلى طرقها وأدقها، فلا يصح القول بأن الإسناد "بدأ من البخاري يفقد مكانته" خاصة وأن من صنف في الحديث بعد البخاري -وخاصة بقية أصحاب الكتب الستة- اهتموا بالإسناد المتصل أيضا.

стр. 60

لقد أثر منهج المحدثين في التزام الإسناد في نطاق الحديث على المؤرخين وأهل الأدب حيث أصبحت الأسانيد تتقدم الروايات التأريخية والأدبية، وهكذا امتد استعمال الأسانيد إلى كتب السيرة الأولى كسيرة ابن إسحاق ومغازي الواقدي والطبقات الكبرى لابن سعد وكتب التأريخ مثل تأريخ خليفة بن خياط وتأريخ الأمم والملوك للطبري وكتب الأدب ككتاب الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني ولكن استعمال الأسانيد في كتب التأريخ والأدب لم يكن بالدقة التي استعمل بها في كتب الحديث لما للحديث من أهمية خاصة حيث تترتب عليه الأحكام الشرعية ذات المساس الكبير بمصالح الناس مما يجعل التدقيق فيها أمرا ضروريا. إذ دراسة علوم الحديث تؤكد أن الإسناد هو المحور الذي تدور حوله كثير من قواعد نقد الحديث، حيث انصب النقد والملاحظات على الرجال الذين رووا الحديث وتناقلوه خلفا عن سلف١. ومن هنا اهتم العلماء بالتعريف بهؤلاء الرجال فشخصوهم بضبط أسمائهم وكناهم وألقابهم وأنسابهم لآبائهم وأمهاتهم، وذكر بعض شيوخهم وطلابهم وتسجيل رحلاتهم في البلدان ولقائهم مع علمائها، وبيان أحوالهم وأخلاقهم مما له أهمية في توثيقهم وتضعيفهم، وبإطلاق حكم صريح عليهم وذلك باستعمال عبارات الجرح والتعديل، وذكر نماذج من مروياتهم مما يدل على مكانتهم في العلم وطبقتهم بين العلماء، وضبط سني وفياتهم ... وقد تجمعت هذه الملاحظات المنوعة في علم خاص بالرجال فألفت فيه كتب تفنن المصنفون في تنويعها وترتيبها. وسيعرض الفصل التالي لدراسة هذه المصنفات وبيان قيمة ما تحتويه من معلومات وفائدة ما فيها من تنظيم.

стр. 61

المصنفات في علم الرجال حتى نهاية القرن الخامس "دراسة وتحليل " مدخل ... المصنفات في علم الرجال حتى نهاية القرن الخامس (دراسة وتحليل) : يقتصر هذا البحث على الكتب الأولى في علم الرجال، فقد اعتمدت المصنفات المتأخرة عليها في المادة والتنظيم. وقد اتبع المصنفون الأوائل في علم الرجال أساليب متعددة في تأليفهم مما أدى إلى تنوع مصنفاتهم، فمنها ما اقتصر على التعريف بالصحابة وهي كتب معرفة الصحابة، ومنها ما شمل الصحابة والتابعين والأتباع ومن تلاهم وهي كتب الطبقات، ومنها ما اهتم ببيان درجة توثيق الرجال أو تضعيفهم وهي كتب الجرح والتعديل التي تنوعت أيضا، فمنها ما اقتصر على ذكر الثقات فقط ومنها ما اقتصر على ذكر الضعفاء فقط، في حين جمع صنف ثالث منها بين الثقات والضعفاء، وبعد قرن من الزمن ظهرت مصنفات في رجال الحديث المذكورين في أحد مجاميع الحديث، وركز المصنفون الأوائل على موطأ ما لك ورجال صحيح البخاري ورجال صحيح مسلم، كما ظهرت في حدود ذلك أيضا مصنفات جمعت بين رجال صحيحي البخاري ومسلم١. وقد كان الشمول هو طابع المصنفات الأولى في علم الرجال، ثم أخذ

стр. 62

بعض المصنفين يقتصر على رجال الحديث في بلدة معينة، والغالب أن المصنف يهتم بعلماء الحديث في بلدته فظهرت تواريخ الرجال المحلية منذ النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، وتوسعت على مر الزمن. ولكثرة عدد رواة الحديث واحتمال حدوث التباس بسب تشابه الأسماء أو الكنى أو النسبة، ظهرت كتب لضبط الأسماء وتمييز المؤتلف والمتفق والمتشابه. ثم ظهرت في أواخر القرن الخامس كتب في أنساب المحدثين بعد أن أصبح لكل راو عدة انتسابات إلى القبيلة والمدينة والصنعة١.

стр. 63

كتب معرفة الصحابة: إن معرفة الصحابة علم جسيم لا يعذر أحد ينسب إلى علم الحديث بجهله، ولا خلف بين العلماء أن الوقوف على معرفة أصحاب رسول الله ﷺ من أوكد علم الخاصة وأرفع علم أهل الخبر١، وذلك لأنه لا يمكن تمييز الحديث المرسل٢ من المسند٣ إلا بمعرفة الصحابة. وتتناول المصنفات في معرفة الصحابة ذكر أسمائهم وأنسابهم وسيرهم وأحوالهم، والأماكن التي نزلوها، والغزوات التي شهدوها، وسني وفياتهم. وقد اختلف العلماء في تعريف الصحابي، فذهب أنس بن مالك إلى أن رؤية النبي ﷺ غير كافية لاعتبار الرجل صحابيا، فقد سئل: هل بقي أحد من الصحابة غيرك؟ فقال: بقي ناس من الأعراب، فأما صحبة فلا٤، واشترط سعيد بن المسيب لكي يعد الرجل صحابيا أن يقيم مع رسول الله ﷺ سنة أو ستين ويغزو معه غزوة أو غزوتين٥.

стр. 64

ويذكر ابن الصلاح أن الأصوليين يرون أن اسم الصحابي من حيث اللغة والظاهر يقع على من طالت صحبته للنبي ﷺ وكثرت مجالسته له عن طريق التبع والأخذ عنه١. وقال أبو حامد الغزالي: "لا ينطبق اسم الصحبة إلا على من صحبه، ثم يكفي في الاسم من حيث الوضع الصحبة ولو ساعة، ولكن العرف يخصصه بمن طالت صحبته"٢. وقد ذهب أهل الحديث مذهبا آخر في تعريف الصحابة، فقال البخاري في الصحيح: "إن كل مسلم رأى رسول الله ﷺ فهو من الصحابة"٣، وقال أحمد بن حنبل: "أصحاب رسول الله ﷺ كل من صحبه شهرا أو يوما أو ساعة أو رآه"٤. وقد ذهب بقية أهل الحديث مذهب البخاري وأحمد، قال أبو المظفر السمعاني: "أصحاب الحديث يطلقون اسم الصحبة على كل من روى عن النبي حديثا أو كلمة، ويتوسعون حتى يعدون من رآه رؤية من الصحابة"٥. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: "أصح ما وقفت عليه في تعريف الصحابي أنه من لقي النبي ﷺ مؤمنا به، ومات على الإسلام، فيدخل فيه من طالت مجالسته له أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يرو، ومن غزا معه أو لم يغز، ومن رآه رؤية بصر ولو لم يجالسه, ومن لم يره لعارض كالعمي"٦. ويعرف كون الرجل صحابيا بالتواتر باشتهار ذلك بما يقصر عن التواتر، أو بأن يروى عن أحد الصحابة أنه صحابي، وتارة بقوله وأخباره عن نفسه -بعد ثبوت عدالته- بأنه صحابي٧.

стр. 65

لقد بدأت تصنيف الكتب في معرفة الصحابة منذ فترة مبكرة، وفيما يلي أسماء المصنفين في معرفة الصحابة مع ذكر سني وفياتهم مما يعين على تحديد فترة ظهورها وأوقات ازدهار التصنيف فيها.

стр. 66

المصنفون من الصحابة ١: وأول من علمته صنف في معرفة الصحابة: أبو عبيدة معمر بن المثنى "ت٢٠٨هـ". وزهير بن عبد الله العبسي. والعثماني. ومحمد بن سعد٢ "ت٢٣٠هـ". وخليفة بن خياط٣ "ت٢٤٠هـ". ويعقوب بن سفيان الفسوي "ت٢٧٧هـ" ضمن تأريخه٤ "كتاب المعرفة والتأريخ". وعلي بن المديني "ت٢٣٣هـ" في كتابه "معرفة من نزل من الصحابة سائر البلدان" ويقع في خمسة أجزاء، و"تسمية أولاد العشرة وغيرهم من الصحابة".

стр. 67

ومحمد بن إسماعيل البخاري "ت٢٥٦هـ" في كتابه "تأريخ الصحابة"١. وأحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي٢ "ت٢٧٠هـ". وأبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي "ت٢٧٩هـ" في كتابه "تسمية أصحاب رسول الله"٣. وأبو بكر بن أبي خيثمة "ت٢٧٩هـ". وعبد الله بن محمد المروزي الملقب عبدان "ت٢٩٣هـ" في مائة جزء٤. ومطين اسمه محمد بن عبد الله "ت٢٩٨هـ". وأبو منصور محمد بن سعد البارودي٥ "ت٣١٠هـ". وعبد الله بن محمد البغوي "ت٣١٧هـ". ومحمد بن الربيع الجيزي فيمن نزل مصر من الصحابة٦.

стр. 68

وأبو القاسم عبد الصمد بن سعيد الحمصي "ت٣٢٤هـ" فيمن نزل حمص من الصحابة١. وأبو بكر عبد الله بن سليمان بن أبي داؤد "ت٣١٦هـ". وأبو محمد بن الجارود "ت٣٢٠هـ" في كتابه "الآحاد". وأبو جعفر محمد ن عمرو بن موسى العقيلي "ت٣٢٢هـ" في كتاب "الصحابة"٢. ومحمد بن عبد الرحمن "ت٣٢٥هـ". وأبو الحسين بن قانع الأموي "ت٣٥١هـ". وأبو القاسم الطبراني "ت٣٦٠هـ". وأبو علي سعيد بن عثمان بن سعيد بن السكن، في "معجم الصحابة"٣. وأبو حاتم بن حبان البستي "ت٣٥٤هـ" في كتابه "أسماء الصحابة"٤. وأبو أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني "ت٣٦٥هـ" في "أسماء الصحابة"٥. وأبو الفتح الأزدي "ت٣٦٧هـ" في كتابه "من لم يرو عنه منهم سوى واحد" وسماه ابن حجر "الوحدان"٦، ويسمى "المخزون". ويبدو أنه نفس كتاب "المخزون في علم الحديث".

стр. 69

وأبو سليمان محمد بن عبد الله بن أحمد بن زبر "ت٣٧٩هـ"١. وأبو الحسن محمد بن صالح الطبري. وأبو أحمد الحسن بن عبد الله العسكري "ت٣٨٢هـ"٢. وأبو حفص عمر بن أحمد بن شاهين٣ "ت٣٨٥هـ". وأبو عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده "ت٣٩٥هـ". وأبو نعيم الأصبهاني "ت٤٣٠هـ". ويحيى بن يونس الشيرازي في كتاب "المصابيح في الصحابة"٤. وجعفر بن محمد المستغفري "ت٤٣٢هـ". وابن عبد البر القرطبي "ت٤٦٣هـ" في كتابه "من روى منهم عن التابعين". وأبو علي الحسين بن محمد الغساني "ت٤٩٨هـ"، استدرك فيه على ابن عبد البر. وأبو إسحاق بن الأمين في "الذبل على الاستيعاب".

стр. 70

لم تصل إلينا معظم هذه المصنفات، وأقدم ما وصل إلينا منها كتاب "الطبقات الكبير" لمحمد بن سعد "ت٢٣٠هـ"، وكتاب "الطبقات" لخليفة بن خياط "ت٢٤٠هـ، فقد خصص كل منهما حوالي ثلث كتابه للصحابة١، فأما ابن سعد، فقد رتبهم على الطبقات باعتبار السابقة في الإسلام واتبع الترتيب على النسب ضمن الطبقة الواحدة، وأما خليفة، فقد رتبهم على النسب ولم يراع عاملا آخرا سواه٢، ويمتاز ابن سعد عن خليفة بأنه يسهب في ذكر أحوال الصحابي في حين يوجز خليفة كثيرا حتى يقترب من تجريد الأسماء في كثير من التراجم. وقد وصل إلينا أيضا كتاب علي بن المديني "ت٢٣٤هـ" المعروف بـ "تسمية أولاد العشرة وغيرهم من الصحابة"٣، وهو يبدأ بذكر فاطمة بنت النبي ﷺ وأولاد علي منها ثم أحفادهما، ثم يذكر أولاد أبي بكر وأولادهم وأحفادهم، ثم أولاد عمر وأولادهم وأحفادهم.. وهكذا يفعل مع بقية العشرة المبشرة وبعض الصحابة الآخرين، وينتهي بذكر أولاد العباس بن عبد المطلب، فهو لا يقتصر على ذكر الصحابة، بل يتعداهم إلى غيرهم وهو بذلك يرسم شجرات نسب صغيرة، ويتنوع تنظيمه للمادة، فمرة يعقد موضوعا في "تسمية من سمع من النبي ﷺ "، ويقتصر على ذكر أسمائهم دون ترتيبهم على المعجم أو القبائل، بل فقط باعتبار لقائهم بالنبي ﷺ . ثم يعقد موضوعا آخر في "تسمية الإخوة الذين روى عنهم الحديث"، ثم يعقد موضوعا يرتب فيه الصحابة على أساس الاشتراك في الاسم "من اسمه

стр. 71

هشام" ويسردهم. "من اسمه معبد" وهكذا. كما رتب قسما من الصحابة على أساس المدن التي نزلوها، يقول: "ومن أهل الكوفة" ويذكرهم، "ومن أهل البصرة" ويذكرهم، "ومن الغرباء" ويذكرهم. وهكذا استعمل في ترتيب المادة وعرضها تقسيمات متباينة، فمرة على النسب، وأخرى على المدن، وثالثة على أساس اللقيا بالنبي ﷺ فقط. وقد استفاد أبو داؤد سليمان بن الأشعث السجستاني "ت٢٧٥هـ" في تصنيف رسالته التي أسماها "تسمية الإخوة من أهل الأمصار"١ مما قرأه في كتاب علي بن المديني بخطه٢. كما استفاد من طريقته في تنظيم المادة، فنجده يرتب الإخوة الذين روى عنهم الحديث على المدن. وقد اكتفى أبو داؤد بتجريد الأسماء، ولم يقتصر على ذكر الصحابة، بل ذكر من تلاهم أيضا. كذلك وصل إلينا القسم المتعلق بمعرفة الصحابة من كتاب "المعرفة والتأريخ" لمؤلفه يعقوب بن سفيان الفسوي "ت٢٧٧هـ"، فقد خصص الفسوي القسم الأول من تأريخه لسرد الأحداث السياسية مرتبا ذلك على الحوليات، ومعظم هذا القسم مفقود، أما القسم الآخر فهو في معرفة الرجال، وقد وصل إلينا كاملا، ويبدأ بالصحابة حيث خصص لهم ٨٤ صفحة وهو يقتصر على ذكر اسم الصحابي ونسبته، وأحيانا يذكر نسبه، ويسرد لكل منهم حديثا. وقد راعى في ترتيبه لهم اشتراكهم في الاسم الأول، فجمع بين العبادلة -أي من اسمهم عبد الله- ومن يسمون بـ "عبد الرحمن" وهكذا. ولما انتهى من ذكر الصحابة، ذكر التابعين ومن عدهم على الطبقات، لكنه رجع بعد ذكر الطبقة الثالثة منهم إلى تقديم تراجم مفصلة لبعض الصحابة.

стр. 72

كأبي بكر وعمر وعبد الله بن عمر والعباس بن عبد المطلب وعبد الله بن العباس وهي مادة تتصل بالتعريف بالصحابة أيضا١. وكذلك وصل إلينا كتاب معجم الصحابة لأبي الحسين عبد الباقي بن قانع بن مرزوق الأموي البغدادي "ت٣٥١هـ" وقد رتبهم على حروف المعجم، وهو يذكر أسماءهم ونسبهم ثم يخرج لهم حديثا أو حديثين بإسناده إليهم ولا يذكر وفياتهم ولا أخبارهم٢. كذلك وصل إلينا كتاب "المخزون في علم الحديث" لأبي الفتح محمد بن الحسين الأزدي "ت٣٦٧هـ" و"فيه ذكر صحابي روى عن رسول الله ﷺ لم يرو عنه إلا رجل واحد من التابعين". أما كتاب معرفة الصحابة للحافظ أبي عبد الله محمد بن إسحاق بن مندة الأصبهاني "ت٣٩٥هـ" الذي يزيد على أربعين جزءا، فلم يصل إلينا منه إلا الجزءان السابع والثلاثون والثاني والأربعون٣. فأما الجزء السابع والثلاثون، ففيه تراجم من يعرف بكنيته من الصحابة، وهي مرتبة على حروف المعجم ويذكر في كل ترجمة اسم الصحابي ومن روى عنه وإحدى رواياته عن النبي ﷺ كما يذكر أحيانا المصر الذي نزله وشهوده المغازي أو الفتوح، ويهتم كثيرا بتخريج الأحاديث ولا يذكر الأنساب وقد انتقده ابن الأثير على ذلك٤.

стр. 73

أما الجزء الثاني والأربعون فقد خصصه للنساء الصحابيات، حيث قدم تراجم عمات النبي ﷺ ومرضعاته وأزواجه فأطال تراجمهن، ثم ذكر من تزوجهن النبي ﷺ ولم يدخل بهن ولم يلتزم ترتيبهن على المعجم كما يفعل بعد ذلك عند ذكر بقية الصحابيات. وقد وجدت كراسة من كتاب ابن مندة١ تراجمها مرتبة على حروف المعجم أيضا، وطريقة تراجمها تشبه طريقة تراجم الجزء السابع والثلاثين. وتجدر الإشارة إلى أن أبا زكريا يحيى بن عبد الوهاب "ت٥١١هـ" ألف عن الصحابة كتابا سماه "جزء فيمن عاش من الصحابة مائة وعشرين"٢. ووصل إلينا الجزء الثاني والأخير من كتاب أبي نعيم الأصبهاني "ت٤٣٠هـ" "معرفة الصحابة"٣، وقد وصفه ابن الأثير بأنه يكثر ذكر الأحاديث وعللها ولا يطيل نسب الشخص وأخباره وأحواله٤. وهو يبدأ بمقدمة قصيرة توضح منهجه يقول: "بدأت بأخبارهم في مناقبهم ومراتبهم، ثم قدمت ذكر العشرة المشهود لهم بالجنة، وأتبعتهم من وافق اسمه اسم الرسول ﷺ ، ثم رتبت أسامي الباقين على ترتيب حروف المعجم،

стр. 74

واقتصرت من جملة مروياتهم على حديث أو حديثين فأكثر مع ما ينضم إليه من ذكر المولد والسن والوفاة. ومن لم يقع له حديث وله ذكر أو روى ... فذكرته بعد، وهذه الموضوعات مما لا حقيقة له، ولم يشتمل على ذكره مسانيده الأئمة والأثبات، ولا دونته تواريخ الحفاظ الذين هم العمدة والأوتاد، والذي يشتغل بجمعه وذكره من غرضه المكاثرة للمفاخرة، لا للتحقق بذكر الحقائق للإبلاغ والمتابعة ليكون ذلك دليلا على معرفته". ثم عقد فصولا قصيرة في معرفة المهاجرين والأنصار، والفرق بين المتقدمين من المهاجرين والمتأخرين، وسبب انقطاع الهجرة، وذكر هجرة الحبشة، وفضل البدريين، وعدد شهداء بدر، ثم عدد شهود الحديبية وفضلهم، وفضل قريش، وفضل القرن الأول، وفضيلة الصحابي، وخصائصهم، وعددهم، ومعرفة العشرة منهم، ثم بدأ بترجمة الصديق ﵁ ثم بقية العشرة، ويتراوح طول الترجمة بين سطر واحد وتسعة أسطر، ويهتم بالأنساب والأخبار والأحاديث وطرقها وأحيانا قليلة عللها، وقلما يذكر الجرح والتعديل. ومما وصل إلينا أيضا كتاب ابن عبد البر القرطبي "ت٤٦٣هـ" "الاستيعاب في معرفة الأصحاب"١، وقد ذكر قائمة مصادره التي استقى منها معلوماته في مقدمة كتابه حيث ينقل عن موسى بن عقبة، ومحمد بن إسحاق، ومحمد بن عمر الواقدي من كتابيه التأريخ والطبقات، وخليفة بن خياط، والزبير بن بكار، كما ينقل عن أبي معشر وعلي بن محمد المدائني ومصعب بن عبد الله وذلك من كتاب التأريخ لابن أبي خيثمة، وينقل عن البخاري من كتابه "التاريخ الكبير"، وعن أبي العباس محمد بن إسحاق بن إبراهيم السراج من كتابه "التأريخ"، وعن الطبري من كتابه "ذيل المذيل"، وعن الدولابي من كتابه "كتاب المولد والوفاة"، وعن أبي علي سعيد بن عثمان بن السكن من كتابه "الحروف في الصحابة"، وعن أبي محمد عبد الله بن محمد الجارود من كتاب

стр. 75

"الآحاد" "وهو في الصحابة أيضا"، وعن أبي جعفر العقيلي وابن أبي حاتم الرازي والأزرق والدولابي والبغوي من كتبهم في الصحابة١. ولا يقتصر ابن عبد البر على ذكر من صحت صحبته ومجالسته، بل يذكر من لقي النبي ﷺ ولو مرة واحدة، ويؤكد في تراجمه على ذكر الأنساب والمشاهد التي شهدها الصحابي، وأحيانا يذكر للصحابي رواية عن النبي ﷺ وربما ذكر أيضا بعض من روى عن الصحابي، كما يذكر عداد الصحابي في الأمصار. وقد رتب أسماء الصحابة على حروف المعجم، فلما انتهى منهم ذكر من اشتهر بكنيته سواء عرف اسمه أم لم يعرف، ورتب الكنى على حروف المعجم أيضا، ثم تناول النساء، ثم كنى النساء٢.
следующие страницы →