← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 8674

بحوث في تاريخ السنة المشرفة

أكرم العمري

Полный текст (309 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

هشام" ويسردهم. "من اسمه معبد" وهكذا. كما رتب قسما من الصحابة على أساس المدن التي نزلوها، يقول: "ومن أهل الكوفة" ويذكرهم، "ومن أهل البصرة" ويذكرهم، "ومن الغرباء" ويذكرهم. وهكذا استعمل في ترتيب المادة وعرضها تقسيمات متباينة، فمرة على النسب، وأخرى على المدن، وثالثة على أساس اللقيا بالنبي ﷺ فقط. وقد استفاد أبو داؤد سليمان بن الأشعث السجستاني "ت٢٧٥هـ" في تصنيف رسالته التي أسماها "تسمية الإخوة من أهل الأمصار"١ مما قرأه في كتاب علي بن المديني بخطه٢. كما استفاد من طريقته في تنظيم المادة، فنجده يرتب الإخوة الذين روى عنهم الحديث على المدن. وقد اكتفى أبو داؤد بتجريد الأسماء، ولم يقتصر على ذكر الصحابة، بل ذكر من تلاهم أيضا. كذلك وصل إلينا القسم المتعلق بمعرفة الصحابة من كتاب "المعرفة والتأريخ" لمؤلفه يعقوب بن سفيان الفسوي "ت٢٧٧هـ"، فقد خصص الفسوي القسم الأول من تأريخه لسرد الأحداث السياسية مرتبا ذلك على الحوليات، ومعظم هذا القسم مفقود، أما القسم الآخر فهو في معرفة الرجال، وقد وصل إلينا كاملا، ويبدأ بالصحابة حيث خصص لهم ٨٤ صفحة وهو يقتصر على ذكر اسم الصحابي ونسبته، وأحيانا يذكر نسبه، ويسرد لكل منهم حديثا. وقد راعى في ترتيبه لهم اشتراكهم في الاسم الأول، فجمع بين العبادلة -أي من اسمهم عبد الله- ومن يسمون بـ "عبد الرحمن" وهكذا. ولما انتهى من ذكر الصحابة، ذكر التابعين ومن عدهم على الطبقات، لكنه رجع بعد ذكر الطبقة الثالثة منهم إلى تقديم تراجم مفصلة لبعض الصحابة.

стр. 72

كأبي بكر وعمر وعبد الله بن عمر والعباس بن عبد المطلب وعبد الله بن العباس وهي مادة تتصل بالتعريف بالصحابة أيضا١. وكذلك وصل إلينا كتاب معجم الصحابة لأبي الحسين عبد الباقي بن قانع بن مرزوق الأموي البغدادي "ت٣٥١هـ" وقد رتبهم على حروف المعجم، وهو يذكر أسماءهم ونسبهم ثم يخرج لهم حديثا أو حديثين بإسناده إليهم ولا يذكر وفياتهم ولا أخبارهم٢. كذلك وصل إلينا كتاب "المخزون في علم الحديث" لأبي الفتح محمد بن الحسين الأزدي "ت٣٦٧هـ" و"فيه ذكر صحابي روى عن رسول الله ﷺ لم يرو عنه إلا رجل واحد من التابعين". أما كتاب معرفة الصحابة للحافظ أبي عبد الله محمد بن إسحاق بن مندة الأصبهاني "ت٣٩٥هـ" الذي يزيد على أربعين جزءا، فلم يصل إلينا منه إلا الجزءان السابع والثلاثون والثاني والأربعون٣. فأما الجزء السابع والثلاثون، ففيه تراجم من يعرف بكنيته من الصحابة، وهي مرتبة على حروف المعجم ويذكر في كل ترجمة اسم الصحابي ومن روى عنه وإحدى رواياته عن النبي ﷺ كما يذكر أحيانا المصر الذي نزله وشهوده المغازي أو الفتوح، ويهتم كثيرا بتخريج الأحاديث ولا يذكر الأنساب وقد انتقده ابن الأثير على ذلك٤.

стр. 73

أما الجزء الثاني والأربعون فقد خصصه للنساء الصحابيات، حيث قدم تراجم عمات النبي ﷺ ومرضعاته وأزواجه فأطال تراجمهن، ثم ذكر من تزوجهن النبي ﷺ ولم يدخل بهن ولم يلتزم ترتيبهن على المعجم كما يفعل بعد ذلك عند ذكر بقية الصحابيات. وقد وجدت كراسة من كتاب ابن مندة١ تراجمها مرتبة على حروف المعجم أيضا، وطريقة تراجمها تشبه طريقة تراجم الجزء السابع والثلاثين. وتجدر الإشارة إلى أن أبا زكريا يحيى بن عبد الوهاب "ت٥١١هـ" ألف عن الصحابة كتابا سماه "جزء فيمن عاش من الصحابة مائة وعشرين"٢. ووصل إلينا الجزء الثاني والأخير من كتاب أبي نعيم الأصبهاني "ت٤٣٠هـ" "معرفة الصحابة"٣، وقد وصفه ابن الأثير بأنه يكثر ذكر الأحاديث وعللها ولا يطيل نسب الشخص وأخباره وأحواله٤. وهو يبدأ بمقدمة قصيرة توضح منهجه يقول: "بدأت بأخبارهم في مناقبهم ومراتبهم، ثم قدمت ذكر العشرة المشهود لهم بالجنة، وأتبعتهم من وافق اسمه اسم الرسول ﷺ ، ثم رتبت أسامي الباقين على ترتيب حروف المعجم،

стр. 74

واقتصرت من جملة مروياتهم على حديث أو حديثين فأكثر مع ما ينضم إليه من ذكر المولد والسن والوفاة. ومن لم يقع له حديث وله ذكر أو روى ... فذكرته بعد، وهذه الموضوعات مما لا حقيقة له، ولم يشتمل على ذكره مسانيده الأئمة والأثبات، ولا دونته تواريخ الحفاظ الذين هم العمدة والأوتاد، والذي يشتغل بجمعه وذكره من غرضه المكاثرة للمفاخرة، لا للتحقق بذكر الحقائق للإبلاغ والمتابعة ليكون ذلك دليلا على معرفته". ثم عقد فصولا قصيرة في معرفة المهاجرين والأنصار، والفرق بين المتقدمين من المهاجرين والمتأخرين، وسبب انقطاع الهجرة، وذكر هجرة الحبشة، وفضل البدريين، وعدد شهداء بدر، ثم عدد شهود الحديبية وفضلهم، وفضل قريش، وفضل القرن الأول، وفضيلة الصحابي، وخصائصهم، وعددهم، ومعرفة العشرة منهم، ثم بدأ بترجمة الصديق ﵁ ثم بقية العشرة، ويتراوح طول الترجمة بين سطر واحد وتسعة أسطر، ويهتم بالأنساب والأخبار والأحاديث وطرقها وأحيانا قليلة عللها، وقلما يذكر الجرح والتعديل. ومما وصل إلينا أيضا كتاب ابن عبد البر القرطبي "ت٤٦٣هـ" "الاستيعاب في معرفة الأصحاب"١، وقد ذكر قائمة مصادره التي استقى منها معلوماته في مقدمة كتابه حيث ينقل عن موسى بن عقبة، ومحمد بن إسحاق، ومحمد بن عمر الواقدي من كتابيه التأريخ والطبقات، وخليفة بن خياط، والزبير بن بكار، كما ينقل عن أبي معشر وعلي بن محمد المدائني ومصعب بن عبد الله وذلك من كتاب التأريخ لابن أبي خيثمة، وينقل عن البخاري من كتابه "التاريخ الكبير"، وعن أبي العباس محمد بن إسحاق بن إبراهيم السراج من كتابه "التأريخ"، وعن الطبري من كتابه "ذيل المذيل"، وعن الدولابي من كتابه "كتاب المولد والوفاة"، وعن أبي علي سعيد بن عثمان بن السكن من كتابه "الحروف في الصحابة"، وعن أبي محمد عبد الله بن محمد الجارود من كتاب

стр. 75

"الآحاد" "وهو في الصحابة أيضا"، وعن أبي جعفر العقيلي وابن أبي حاتم الرازي والأزرق والدولابي والبغوي من كتبهم في الصحابة١. ولا يقتصر ابن عبد البر على ذكر من صحت صحبته ومجالسته، بل يذكر من لقي النبي ﷺ ولو مرة واحدة، ويؤكد في تراجمه على ذكر الأنساب والمشاهد التي شهدها الصحابي، وأحيانا يذكر للصحابي رواية عن النبي ﷺ وربما ذكر أيضا بعض من روى عن الصحابي، كما يذكر عداد الصحابي في الأمصار. وقد رتب أسماء الصحابة على حروف المعجم، فلما انتهى منهم ذكر من اشتهر بكنيته سواء عرف اسمه أم لم يعرف، ورتب الكنى على حروف المعجم أيضا، ثم تناول النساء، ثم كنى النساء٢.

стр. 76

كتب الطبقات: نظم بعض المصنفين في الرجال كتبهم على الطبقات١ وذلك لتسهيل التمييز بين الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، ولهذا التنظيم فائدة في معرفة

стр. 77

الحديث المرسل أو المنقطع وتمييزه عن الحديث المسند، وفي التمييز بين الأسماء المتفقة والمتشابهة. وقد اقتصر بعض المصنفين على ذكر طبقات الصحابة أو التابعين واقتصر البعض الآخر على رجال بلدة واحدة، في حين تناول آخرون رجال الحديث عامة سواء كانوا صحابة أم تابعين أم من تلاهم دون تقيد بمكان مخصوص١. وقد فصل بعض المصنفين تراجم الرجال الذي تناولوهم فذكروا أخبارهم إضافة إلى أنسابهم وسني وفياتهم وشيوخهم وتلاميذهم وبعض رواياتهم، ويظهر ذلك بوضوح عند محمد بن سعد في كتابه "الطبقات الكبرى" في حين أوجز آخرون فلم يتعرضوا للأخبار بل اكتفوا بالتعريف بنسب الشخص وسنة وفاته ويظهر هذا الاتجاه عند خليفة بن خياط في كتابه "الطبقات" ومال آخرون إلى تجريد الأسماء دون التعرض للأخبار والأنساب ويتمثل هذا الاتجاه عند مسلم بن الحجاج. وقد أثرت ثقافة المصنفين في ذلك فابن سعد كان مهتما بالأخبار والأنساب لذك فهو ينقل عن الأخباريين والمؤرخين والنسابين كثيرا فجاء كتابه في الطبقات متضمنا مادة غزيرة في الأخبار والنسب, وخليفة بن خياط كان مهتما بالأنساب كثيرا فغلبت مادة الأنساب على طبقاته. ولئن كان تنظيم الرجال الذين تناولتهم المصنفات على الطبقات مفيدا بحد ذاته في نقد الأسانيد، فإن ما احتوته الكتب التي فصلت تراجم الرجال من معلومات تتصل بحياتهم ذات فائدة كبيرة في بيان مكانتهم في العلم ودرجتهم في الورع والصدق مما له أثر في الاطمئنان إليهم وتوثيقهم وبالتالي قبول مروياتهم.

стр. 78

المصنفون في الطبقات: إن أقدم من عرفت أنه صنف في الطبقات محمد بن عمر الواقدي "ت٢٠٧هـ" والهيثم بن عدي "ت٢٠٧هـ"، فقد صنف الواقدي "كتاب

стр. 79

الطبقات"١ حيث نقل عنه كثيرا محمد بن سعد كاتب الواقدي في كتابه "الطبقات الكبرى"٢. وأما الهيثم بن عدي فقد ألف كتابين في الطبقات هما "طبقات من روى عن النبي ﷺ "٣ و"طبقات الفقهاء والمحدثين"٤. وقد تتابع التأليف في الطبقات خلال القرون الثالث والرابع والخامس الهجرية فألف: محمد بن سعد "ت٢٣٠هـ" كتاب "الطبقات الكبرى". وعلي بن المديني "ت٢٣٣هـ" كتاب الطبقات٥، جزءان كما يذكر ابن خير٦. وسليمان بن داؤد الشاذكوني "ت٢٣٤هـ" كتاب "التاريخ" في طبقات أهل العلم ومن نسب منهم إلى مذهب٧. وإبراهيم بن المنذر "ت٢٣٦هـ" كتاب "الطبقات"٨. وخليفة بن خياط "ت٢٤٠هـ" كتاب "الطبقات". وأبو القاسم محمود بن إبراهيم = ابن سميع الدمشقي "ت٢٥٩هـ" كتاب "الطبقات"٩.

стр. 80

ومسلم بن الحجاج "ت٢٦١هـ" كتاب "الطبقات". وأبو بكر البرقي "ت٢٧٠هـ" كتاب "الطبقات"١. وأبو حاتم الرازي "ت٢٧٧هـ" كتاب "طبقات التابعين". وأبو زرعة النصري الدمشقي "ت٢٨٢هـ" كتاب "الطبقات". وأبو سعيد عبد الرحمن بن إبراهيم. وأبو بكر أحمد بن هارون البرذعي البرديجي "ت٣٠١هـ" كتاب "الطبقات في الأسماء المفردة من أسماء العلماء وأصحاب الحديث". ومحمد بن جرير الطبري "ت٣١٠هـ" في كتابه "ذيل المذيل من تاريخ الصحابة والتابعين". وأبو القاسم مسلمة بن القاسم الأندلسي "ت٣٥٣هـ" كتاب "طبقات المحدثين". وأبو الشيخ الأنصاري "ت٣٦٩هـ" كتاب "طبقات المحدثين بأصبهان". وأبوعمر محمد بن العباس الخزاز، ابن حيوية "ت٣٨٢هـ" كتاب "الطبقات". وأبو الفضل صالح بن أحمد التميمي الهمذاني "ت٣٨٤هـ" كتاب "طبقات الهمذانيين"٢. وأبوالفضل علي بن الحسين الفلكي "ت٤٢٩هـ" كتاب "طبقات الرجال" في ألف جزء٣. وأبو القاسم عبد الرحمن بن مندة "ت٤٧٠هـ" كتاب "طبقات المحدثين". وقد ضاعت معظم هذه المصنفات ولم يصل إلينا إلا القليل منها، وأقدم

стр. 81

ما وصل إلينا كتاب "الطبقات الكبرى"١ لمحمد بن سعد كاتب الواقدي "ت٢٣٠هـ"، ويقع الكتاب في ثمان مجلدات٢، تناول الأول والثاني منهما سيرة النبي ﷺ ، أما الأجزاء الستة الأخرى فهي التي تعنينا لأنها تناولت طبقات الرجال. وقد تناول المجلد الثالث تراجم البدريين، وتناول المجلد الرابع تراجم من له إسلام قديم ولم يشهد بدرا وكذلك من أسلم قبل فتح مكة، وتناول المجلد الخامس طبقات التابعين وأتباع التابعين ومن تلاهم مرتبين على المدن، وقد اقتصر فيه على أهل المدينة منهم وأهل مكة والطائف واليمن واليمامة والبحرين من الصحابة والتابعين ومن تلاهم. وتناول المجلد السادس أهل الكوفة من الصحابة والتابعين ومن تلاهم حتى ترجم لمعاصرين له. وتناول المجلد السابع أهل البصرة وواسط والمدائن وبغداد وخراسان والري وهمدان وقم والأنبار والشام والجزيرة والعواصم والثغور ومصر وأيلة وأفريقية والأندلس، ورغم تناوله لهذه المناطق الكثيرة لكنه أولى البصرة العناية الأولى ثم الشام ومصر، أما بقية الأماكن فلا يذكر من أهلها سوى بضعة رجال وقد لا يذكر إلا رجلا واحدا. أما المجلد الثامن فقد خصصه للنساء الصحابيات فقط. وقد اهتم ابن سعد بتراجم الصحابة والتابعين والأتباع من المتقدمين، فيطيل الترجمة ذاكرا نسب الشخص ومفصلا في أخباره وأحواله الدالة على مكانته في العلم أو على درجة ورعه وتقواه أو على ميوله وعقيدته مما له أثر في توثيقه وقبول رواياته، على أن ابن سعد أطال تراجم البعض من الصحابة ومن تلاهم كثيرا، فقد أثرت ثقافته الواسعة وإطلاعه على الأخبار في بناء كتابه،

стр. 82

لكنه أوجز كثير في تراجم المعاصرين له، ولعل سبب ذلك يعود إلى دور الصحابة والتابعين في الرواية مما يجعل لأحوالهم وأخبارهم والتعريف بهم أهمية فائقة. وتلقي هذه المعلومات التي قدمها ابن سعد خلال التراجم أضواء على الحياة الثقافية والحضارية في القرنين الأول والثاني الهجريين بما يجعل لكتابه أهمية كبيرة من الناحية التأريخية. وقد استعمل ابن سعد ألفاظ الجرح والتعديل في كتابه كقوله "ثقة ثبت حجة كثير الحديث" وقوله "فيه ضعف" وقوله "ضعيف ليس بشيء" وقوله "ليس بذاك"١. ويقول "كان شيخا وعنده أحاديث" ومن عادته أن لا يقول هذه اللفظة إلا في الكثير الحديث٢. واعتبر العلماء كلامه في الجرح والتعديل جيدا مقبولا٣، روى ابن حجر أن ابن سعد يقلد الواقدي، والواقدي على طريقة أهل المدينة في الانحراف عن أهل العراق٤، ويدل أهتمامه بالجرح والتعديل بالإضافة إلى طبيعة التراجم التي تناول رواة الحديث سواء أكانوا محدثين غلب عليهم الحديث وعرفوا به أم فقهاء يكون الحديث جزءا هاما من ثقافهم على أن ابن سعد إنما صنف كتابه لخدمة علم الحديث، ومن ثم فقد جاء تقسيم الكتاب على الطبقات ملائما لهذا الغرض٥. وقد وثق العلماء محمد بن سعد٦ لكنهم عابوا عليه أخذه عن الضعفاء، كهشام بن الكلبي ومحمد بن عمر الواقدي٧، وقد صنف الواقدي كتابا في الطبقات نقل عنه ابن سعد كثيرا حتى يمكن القول أن ربع كتاب الطبقات الكبرى لابن سعد مأخوذ عن الواقدي، ولكن من الإجحاف, لأن سعد أن

стр. 83

نقتنع بقول ابن النديم عنه أنه صنف كتبه من تصنيفات الواقدي١، لأن ابن سعد استقى من مصادر أخرى كثيرة فكان عدد شيوخه في الطبقات ينيف على الستين شيخا معظمهم من المحدثين الذين اهتموا بسيرة النبي ﷺ وسيرة الصحابة والتابعين ومن تلاهم من أهل العلم ورواة الحديث، ولم يقتصر ابن سعد على نقل مادة الواقدي بل يقدم مادة واسعة عن رواة آخرين، بل أن ما نقله عن أبي نعيم الفضل بن دكين٢ وعفان بن مسلم وعبيد الله بن موسى العبسي ومعن بن عيسى الأشجعي يزيد عما نقله عن الواقدي!! فكيف إذا كان ابن سعد لم يقتصر على هؤلاء المحدثين الأربعة بل نقل عن غيرهم مادة واسعة أيضا. ويبرز بين شيوخه في الطبقات من حيث كثرة النقول عنهم: أحمد بن عبد الله بن يونس، وإسماعيل بن إبراهيم بن علية، وقبيصة بن عقبة السوائي، ثم إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس المدني، ومسلم بن إبراهيم الأزدي، ويزيد بن هارون، ووكيع بن الجراح. هذا فضلا عن الشيوخ الذين أخذ عنهم بضع روايات وهم كثيرون٣. وبذلك يتضح ما في قول ابن النديم من مجازفة وبعد عن الحق. وقد وصل إلينا أيضا كتاب "الطبقات" لخليفة بن خياط "ت٢٤٠هـ". ويقتصر خليفة في تراجمه على ذكر نسب الرجل لأبيه وأمه، ويرجع بالأنساب إلى ما قبل الإسلام، وبذلك يقدم مادة غزيرة في النسب اعتمدها المؤلفون من بعده، على أن تأكيده على الأنساب إنما هو في جيلي الصحابة والتابعين، وكلما تأخرت الطبقة قل ذكر الأنساب حتى يتلاشى في الطبقات المتاخرة وتبرز النسبة إلى المدن والمهن، وذلك لارتباط العرب بالمدن بعد أن استقروا فيها ولاختلاطهم بالأعاجم وضياع أنساب بعضهم.

стр. 84

وإضافة إلى ذكر خليفة نسب الرجل فإنه يذكر كنيته ويحدد المكان الذي عاش فيه بصورة دائمية أو مؤقتة فيذكر رحلته في الأمصار وكذلك يهتم بتسجيل سني الوفيات، وهو في تراجم الصحابة يذكر للصحابي حديثا مما رواه عن النبي ﷺ مما له أهمية في التعريف بالصحابي حديثا أن الرواية مباشرة عن النبي ﷺ هي إحدى وسائل معرفة الصحابة وتمييزهم١ وقلما يسمي شيوخ وتلاميذ صاحب الترجمة، ولا يذكر تفاصيل عن حياة الرجال وأخبارهم، كذلك لا يسعمل عبارات الجرح والتعديل. كذلك وصل إلينا كتاب "الطبقات"٢ لمسلم بن الحجاج القشيري، وقد اقتصر فيه على الصحابة والتابعين، ولم يترجم لهم بل اقتصر على تجريد أسمائهم٣. وقد خلط الكنى والأسماء، وبدأ بالصحابة فرتبهم على المدن فبدأ باهل المدينة ثم مكة فالكوفة فالبصرة فالشام فمصر فاليمن، ثم أهل مدن شتي. ثم ذكر النساء على المدن أيضا، ثم انتقل إلى طبقة التابعين فرتبهم على طبقاتهم وأزمانهم وبلدانهم. وبلغ بطبقات التابعين من أهل البصرة ثلاث طبقات. لكن سزكين ذكر أنه يتناول "معاصري الرسول ﷺ الذين رأوه، ورووا عنه، والذين شاهدوه فقط ولكنهم لم يرووا عنه"٤. وبذلك يتبين نقصان النسخة التي اطلع عليها أو أنه وهم. وكتاب "طبقات الأسماء المفردة من الصحابة والتابعين وأصحاب الحديث"٥ لأبي بكر أحمد بن هارون البرذعي البرديجي "ت٣٠١هـ" ويذكر فيه

стр. 85

الإسم والكنية والنسبة إلى المدينة، وأحيانا يذكر أحد شيوخه أو تلاميذه١، وقد جعلهم خمس طبقات من الصحابة والتابعين فمن بعدهم٢. ووصل إلينا كتاب "المنتخب من ذيل المذيل من تاريخ الصحابة والتابعين"٣ لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري "ت٣١٠هـ" وهو يبدأ بالصحابة ويرتبهم في البدء على الوفيات، ولا يذكر سائر السنين بل يختار بعضها، ولعل المنتخب هو الذي فعل ذلك فاهتم بحوادث بعض السنين فثبتها وأهمل الأخرى، وأحيانا يطيل ذكر أخبار تتعلق بالمترجم كما فعل في ترجمة زيد الحب٤، ويقدم ذكر بني هاشم على غيرهم. وآخر سنة ذكر الوفيات فيها هي سنة ثمانين "٨٠هـ" وبعد ذلك عقد عناوين متنوعة فذكر من عاش من الصحابة بعد وفاة الرسول ﷺ وروى عنه العلم فبدا بني هاشم ثم مواليهم وحلفائهم ثم ذكر بني المطلب واستمر في الترتيب على القبائل فلما انتهى من العدنانية ذكر قبائل قحطان. ثم ذكر النساء مبتدئا بالترتيب على الوفيات "من هلك منهن قبل الهجرة ... بعد الهجرة ... على عهده ﷺ ... بعد وفاته ويقدم ذكر قريبات النبي ﷺ ثم المهاجرات ثم الأنصاريات. ثم ذكر الصحابيات الراويات من بني هاشم ثم غرائب نساء العرب. فلما انتهى مما يعلق بالصحابة ذكر التابعين ومن بعدهم من العلماء والرواة ورتبهم على سني الوفيات ثم ذكر كنى الرجال ثم كنى النساء ورتب ذلك على الطبقات بتقديم ذكر الصحابة على التابعين. ووصل إلينا أيضا "المنتقى من كتاب الطبقات"٥ لأبي عروبة الحسين بن

стр. 86

محمد بن مودود الحراني "ت٣١٨هـ" وقد وصل إلينا الجزء الثاني منه فقط١، وهو يحتوي على تراجم بعض الصحابة، ويبدأ بترجمة أم سنبلة الأسلمية، ولعله قد خلط تراجم النساء والرجال في طبقاته أو أن الذي انتقاه فعل ذلك٢ وتختلف تراجمه في الطول فبعضها طويلة مسهبة كترجمة خالد بن الوليد وأبي سفيان صخر بن حرب، وبعضها مقتضبة تقتصر على اسم الصحابي واسم أبيه والبلد الذي نزله، ويعقد موضوعا للأخوة من الصحابة، وبعد أن ذكر أسماءهم مجردة عاد إلى التراجم، وفائدة معرفة الأخوة أن لا يظن من ليس بأخ أخا عند الاشتراك في إسم الأب٣، وينتهي الجزء بترجمة عبد الله بن عباس، ولا يؤكد في تراجمه على النسب ولا سني الوفيات، وإنما يهتم بذكر بعض أخبار صاحب الترجمة مما يدل على مكانته في العلم أو فضله٤.

стр. 87

سفيان وأبي الجهم حين سألته فاطمة بنت قيس عنهما وقد خطباها فقال: "أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه وأما معاوية فصعلوك لا مال له" ورغم أن كلام النبي ﷺ هنا ليس إلا محض مشورة في قضية شخصية فقد اتخذ دليلا على إجازة القدح في الضعفاء لبيان حالهم لأن إظهار القدح في أمر يتصل بالحرام والحلال وهو الحديث أولى من بيان القدح في مشورة خاصة١، وفي بيان الجرح فائدة كبيرة لئلا يحتج بأخبار غير العدول وليس القصد ثلبهم والوقيعة فيهم مما يدخل في باب الغيبة، خاصة وأن العلماء وقفوا عند الحد الذي يكفي لإبانة الجرح ولم يتجاوزوه بالإكثار من ذكر العيوب. ويرجع التفيش عن الرجال إلى جيل الصحابة وذلك لأنهم تشددوا في قبول الرواية ليتورع الناس في التحديث عن النبي ﷺ . ولعل أبا بكر ﵁ أول من فتش عن الرجال حين سأل الصحابة عن الجدة هل ترث؟ فأجابه المغيرة بن شعبة أنها ترث السدس فطلب منه أن يأتيه بشاهد فشهد محمد بن مسلمة٢. وكذلك فعل عمر بن الخطاب ﵁ حيث طلب من أبي موسى الأشعري أن يأتيه بشاهد على حديث عن النبي كان قد حدثه به٣. وكان علي بن أبي طالب ﵁ يستحلف أحيانا من يحدثه عن النبي ﷺ بحديث وإن كان ثقة مأمونا٤. ولم يكن أبو بكر ولا عمر ولا علي يتهمون الصحابة فقد قال عمر لأبي موسى بأنه لا يتهمه ولكن الحديث عن رسول الله ﷺ شديد٥ ولكن الصحابة كانوا يخشون جرأة الناس على التحديث عن

стр. 88

النبي ﷺ دون توثق وتدقيق فشددوا في قبول الرواية وسألوا عن الرجال. وممن عرف بالكلام في الرجال من الصحابة أيضا عبد الله بن عباس وعبد الله بن سلام وعبادة بن الصامت وأنس بن مالك وعائشة، فقد أعربوا عن تكذيبهم لبعض من حدثهم١ ثم ظهرت حركة الوضع في الحديث فانتبه العلماء إلى ذلك واهتموا بالرجال ومعرفتهم فتكلم عدد من التابعين في الجرح والتعديل مثل الشعبي ومحمد بن سيرين وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير, ولكن لم تنشأ مادة واسعة في علم الرجال يتداولها العلماء والنقاد حتى حدود منتصف القرن الثاني الهجري، حيث لعب شيوع الوضع وكثرة الضعفاء بين رواة الحديث ونقلته دورا في لفت أنظار العلماء إلى الكلام في الرجال٢ وقد برز عدد من الأئمة النقاد والمحدثين الكبار بمعرفة أحوال الرجال ونقدهم وأصبحت أحكامهم على الرجال مقبولة عند العلماء المعاصرين والمتأخرين لما تميزوا به من الدقة والورع والتيقظ. وقد عرف بذلك شعبة بن الحجاج ومعمر بن راشد "ت١٥٣هـ" وهشام الدستوائي "ت١٥٤هـ" وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي وسفيان الثوري٣ ومالك بن أنس "ت١٧٩هـ" وعبد العزيز بن الماجشون "ت١٦٤هـ" وحماد بن سلمة "ت١٦٧هـ" وحماد بن زيد والليث بن سعد وعبد الله بن المبارك وهشيم بن بشير "ت١٨٣هـ" وأبو إسحاق الفزاري والمعافي بن عمران الموصلي "ت١٨٤هـ" وبشر بن المفضل "ت١٨٧هـ" وسفيان بن عيينة وإسماعيل بن علية وجرير بن وهب ووكيع بن الجراح ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي وأبو داؤد الطيالسي "ت٢٠٣هـ" ومحمد بن يوسف الفريابي "ت٢١٢هـ" وأبو عاصم النبيل "ت٢١١هـ" وعبد اله بن الزبير الحميدي "ت٢١٩هـ"

стр. 89

والقعنبي وأبو عبيد القاسم بن سلام ويحي بن يحيى النيسابوري "ت٢٢٦هـ" وأبو الوليد الطيالسي "ت٢٢٧هـ"١. وهؤلاء العلماء اشتهروا كمحدثين وبعضهم جمع بين الفقه والحديث كالأئمة الأوزاعي ومالك والليث بن سعد فكان علمهم بالرجال يمثل جانا من جوانب اهتمامهم بالحديث والفقه إلا أن بعض من ذكرتهم غلب عليه الاهتمام بمعرفة الرجال ونقدهم مثل شعبة بن الحجاج ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي، وقد استمر الاهتمام بالرجال خلال النصف الأول من القرن الثالث الهجري وظهر نسبيا نوع من التخصص في علم الرجال يظهر بصورة خاصة عد يحيى بن معين "ت٢٣٣هـ" وعلي بن المديني "ت٢٣٤هـ" وقد نما التصنيف في علم الجرح والتعديل خلال القرن الثالث والرابع واختص بعض هذه المصنفات بالضعفاء وبعضها بالثقات في حين جمع البعض الآخر بين الضعفاء والثقات. وقد ظهرت هذه الأنواع الثلاثة من المصنفات في وقت واحد وذلك في النصف الأول من القرن الثالث الهجري، وشكلت أقوال المتكلمين الأوائل في الرجال قبل تصنيف الكتب مادة رئيسية في هذه المصنفات حيث دونت أقوالهم التي كان أهل الحديث يتناقلونها شفاها كما يتناقلون الحديث، وكذلك فإن المصنفات المتأخرة اعتمدت على المصنفات الأولى ونقلت أقوال مؤلفيها في الرجال فلا يخلو مصنف في الجرح والتعديل من كلام يحيى بن معين وعلي بن المديني وأحمد بن حنبل. وقد استخدمت مصنفات الجرح والتعديل الألفاظ التي أطلقها المحدثون القدما للدلالة على جرح الرواة أو تعديلهم ولكن هذه الألفاظ اكتسبت تحديدات أدق في المصنفات المتأخرة مما أدى إلى تبلورها وحصر عددها وتعيين مدلولها، وفي بداية ظهور المصنفات نقل المصنفون عبارات

стр. 90

السابقين في الجرح والتعديل، ولم يكن ثمة اتفاق على هذه الألفاظ والعبارات فأصبحت لكل مصنف مصطلحات ذات مدلول خاص، وهذا يتطلب من المتتع ليس فقط معرفة مدلولات هذه المصطلحات على وجه العموم، بل معرفة مدلولاتها النسبية وكيفية استعمالها عند كل واحد، فيحيى بن معين مثلا يستعمل عبارة "ليس بشيء" أحيانا للدلالة على أن أحاديث الراوي قليلة بينما يستعملها غالبا للدلالة على ضعف الراوي. أما الآخرون فيستعملون ذلك دائما في جرح الراوي كقولهم: "لا تحل الراوية عنه"١ ويستعمل ابن معين لفظة "لا باس به" مقابل لفظ "ثقة" وهي عند غيره تطلق على من هو أدون من ثقة٢. وترتبط بعض هذه الألفاظ من حيث منشؤها بأمثال قديمة اشتقت منها، وقد وقع الحافظ العراقي في وهم نتيجة غموض أحد هذه الألفاظ وعدم تفطنه إلى أصل اشتقاقه وهو استعمال أبي حاتم عبارة "هو على يدي عدل"، أي هالك. فكان العراقي يقول: "هو على يدي عدل" ويريد بها التوثيق وقد فطن العسقلاني إلى ذلك ونبه على أنها من ألفاظ الجرح حين قرأ ترجمة جبارة بن المغلس فوجد أن أبا حاتم ضعفه وقال: "هو على يدي عدل"٣. ولكن هذا مثال متطرف بالطبع فهناك عدد من ألفاظ الجرح والتعديل ذات مدلول واضح ومتعارف عليه كقولهم "ثقة" أو "حجة" أو "ثبت" أو "ضعيف" أو "كذاب" أو "مطرح"، وعموم هذه الألفاظ واضحة المدلول. ولم تكتب قواعد الجرح والتعديل إلا متأخرا، بل أن الرامهرمزي

стр. 91

"ت٣٦٠هـ" لم يتطرق في كتابه "المحدث الفاصل" -وهو أول مصنف في مصطلح الحديث- إلى علم الجرح والتعديل، ولعل الحاكم كان أول من كتب في قواعد علم الجرح والتعديل، ولعل الحاكم كان أول من كتب في قواعد علم الجرح والتعديل واعتبره أحد علوم الحديث١، ثم اهتمت كتب مصطلح الحديث بعد الحاكم بالكلام عن علم الجرح والتعديل وقواعده، وهذه القواعد عبارة عن ضوابط تمنع الشطط والمغالاة وتوجه المتتبع لهذا العلم إلى معرفة كيفية الإفادة منه بصورة صحيحة، وقد ركزت هذه القواعد على بيان شروط توثيق الراوي وهي أن يمتاز بالعدالة والضبط٢ وأوضحت متى يقبل التعديل أو الجرح دون ذكر السبب ومتى لا يقبل إلا بذكر السبب ومتى تجوز الرواية عن أهل البدعة ومتى لا تجوز، وكيفية الخروج من الأحكام المتعارضة على الرجال كأن يوثقهم بعض النقاد ويجرحهم آخرون. إلى غير ذلك من القواعد التي تعين على الإفادة من المصنفات في الجرح والتعديل خاصة وأن بعض نقاد الحديث تشدد في نقد الرجال وتجريحهم لأدنى سبب ويطلقون عليهم ألفاظا شديدا لا يتطلبها حال المجروحين وممن عرف بالتشدد من نقاد الرجال يحيى بن معين ويحيى بن سعيد القطان وأبو حاتم الرازي والنسائي وابن حبان٣ فإن تفردوا في جرح رجل فينبغي التثبت في ذلك٤، وكذلك فإن المتعاصرين من العلماء تدفعهم المنافسة إلى جرح بعضهم ولعل ذلك يحدث تلقائيا دون أن يفطنوا هم لذلك، ومن ثم فقد وضعت قاعدة تقول بعدم قبول جرح المعاصر لمعاصره بلا حجة، وبذلك ردوا جرح الإمام مالك في محمد بن

стр. 92

إسحاق وجرح أحمد بن حنبل في الحارث المحاسبي وجرح سفيان الثوري في أبي حنيفة١. وقد انتقد الذهبي بعض أهل الجرح والتعديل لإعراضهم عن جرح بعض المتنفذين خوفا من سلطانهم٢. كما وقف بعض النقاد من مخالفيهم في العقائد، بل في الفقه أحيانا موقفا شديدا٣ وجرتهم مخالفتهم لهم إلى جرحهم، ولذلك ميز العلماء بين المبتدع الذي لا يدعو إلى بدعته فأجازوا الرواية عنه ما لم تكن بدعته كفرا صريحا وبين المبتدع الداعية فلم يجيزوا الرواية عنه٤ لأن هواه يجره إلى الكذب انتصارا لفكرته. ورأوا التوقف في قبول قول الجارح إذا كان بينه وبين من جرحه اختلاف في الاعتقاد٥، على أن هذه الانتقادات لا يمكن أن تقلل من أهمية علم الجرح والتعديل, ولا من الجهد العظيم الذي بذله النقاد في تمييز الرجال ومعرفة الثقات والضعفاء، وورعهم وتحفظهم ودقتهم في ذلك حتى جرح علي بن المديني أباه وجرح أبو داؤد السجستاني ابنه٦، ورفض يحيى بن معين قبول صرة ذهب هدية من أحد العلماء لأنه أراد أن يصدق في كلامه فيه٧ كما أنه لم يتحرج من جرح

стр. 93

أصحابه١. وكان البخاري ومسلم مثالا للإنصاف حين نقلا عن المبدعين في صحيحيهما٢.

стр. 94

أنواع كتب الجرح والتعديل ١: يمكن تصنيف المؤلفات في الجرح والتعديل إلى ثلاثة أصناف فمنها التي تناولت الضعفاء من الرواة فقط ومنها التي تناولت الثقات ومنها التي جمعت بين الثقات والضعفاء وقد تقدم التصنيف في الضعفاء وفي الجمع بين الثقات والضعفاء على أفراد الثقات في تصنيف, حيث ألف يحيى بن معين "ت٢٣٣هـ" أول مصنف في الضعفاء، وكذلك أول مصنف في الجمع بين الثقات والضعفاء. أما كتب الثقات فأول من صنف فيها أبو الحسن أحمد بن عبد الله بن صالح العجلي "ت٢٦١هـ" وكذلك فإن التصنيف في الضعفاء أكثر من التصنيف في الثقات فقد صنف في الضعفاء حتى نهاية القرن الخامس الهجري عشرون مصنفا ولم يصنف خلال هذه الفترة في الثقات سوى أربع مصنفات ! أما المصنفات التي تجمع بين الثقات والضعفاء فهي كثيرة أيضا وما صنف منها

стр. 95

خلال القرون الثالث والرابع والخامس يبلغ خمس وعشرين مصنفا. وفيما يلي أسماء المصنفين في الجرح والتعديل مع ذكر سني وفياتهم وعناوين مؤلفاتهم إن عرفت.

стр. 96

مؤلفو كتب الضعفاء: أول من عرفته صنف في الضعفاء: يحيى بن معين١ "ت٢٣٣هـ". وعلي بن المديني٢ "ت٢٣٤هـ"٣. ومحمد بن عبد الله البرقي الزهري "ت٢٤٩هـ". وأبو حفص الفلاس "ت٢٤٩هـ" -جزء صغير فيما ذكر ابن خير-٤. ومحمد بن إسماعيل البخاري "ت٢٥٦هـ" في كتابيه "الضعفاء الكبير" و"الضعفاء الصغير". وإبراهيم بن يعقوب السعدي الجوزجاني "ت٢٥٩هـ". وأبو زرعة الرازي "ت٢٦٤هـ". وأبو حاتم محمد بن إدريس الرازي "ت٢٧٧هـ"٥ في كتابه "الضعفاء"٦. وأبو عثمان سعيد بن عمرو البرذعي "ت٢٩٢هـ" في كتابه "الضعفاء والكذابون والمتروكون من أصحاب الحديث". والنسائي "ت٣٠٣هـ" في كتابه "الضعفاء والمتروكين".

стр. 97

وأبو محمد عبد الله بن علي بن الجارود "ت٣٠٧هـ"١ في كتابه "الضعفاء". وأبو يحيى زكريا الساجي "ت٣٠٧هـ"٢. وأبو خزيمة محمد بن إسحاق "ت٣١١هـ"٣ في "الضعفاء". ومحمد بن أحمد بن حماد الدولابي "ت٣٢٠هـ". وأبو جعفر محمد بن عمرو العقيلي "ت٣٢٢هـ" في كتابه "الضعفاء". وعبد الملك بن محمد بن عدي الجرجاني "ت٣٢٣هـ". وأبو العرب محمد بن أحمد بن تيم القيرواني٤ "ت٣٥٣هـ". وأبو علي سعيد بن عثمان بن السكن٥ "ت٣٥٣هـ". ومحمد بن أحمد بن حبان البستي "ت٣٥٤هـ" في كتابه "معرفة المجروحين من المحدثين". وعبد الله بن عدي الجرجاني "ت٣٦٥هـ" في كتابه "الكامل في ضعفاء الرجال". وأبو الفتح محمد بن الحسين الأزدي "ت٣٦٧هـ" وهو مصنف كبير إلى الغاية على ما يذكر ابن حجر٦، والذهبي. وقال الذهبي: "جمع فأوعى، وجرح خلقا بنفسه، لم يسبقه أحد إلى التكلم فيهم وهو متكلم فيه، وقال أنه يسرف في الجرح"٧. وقال ابن حجر: أن الأزدي نفسه ضعيف فلا يعتمد قوله

стр. 98

في تضعيف الثقات١. وهو لا يعتمد إذا انفرد بالتضعيف فكيف إذا خالف غيره٢ فوثقوا من ضعف؟ والدارقطني "ت٣٨٥هـ" في كتابه "الضعفاء والمتروكين"٣. وأبو حفص عمر بن أحمد بن شاهين "ت٣٨٥هـ" في الضعفاء٤. وعمر بن أحمد بن عثمان بن شاهين البغدادي "ت٣٨٥هـ" في كتابه "الضعفاء"٥. وأبو أحمد الحاكم الكبير "ت٣٧٨هـ" في كتابه "الضعفاء"٦. وأبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري "ت٤٠٥هـ" ضمن كتابه "المدخل إلى الصحيح"٧. وأبو نعيم الأصبهاني "ت٤٣٠هـ" في كتابه "الضعفاء"٨. والخطيب البغدادي "ت٤٦٣هـ" في كتابه "الضعفاء"٩. وأبو الفضل بن طاهر المقدسي "ت٥٠٧هـ" في كتابه "الذيل على

стр. 99

الكامل" ويسمى أيضا "تكملة الكامل" وهو ذيل على كتاب الكامل لابن عدي١. وقد فقدت معظم هذه الكتب، وأقدم ما وصل إلينا منها كتاب "الضعفاء الكبير"٢ وكتاب "الضعفاء الصغير"٣ لمحمد بن إسماعيل البخاري

стр. 100

"ت٢٥٦هـ" ويقع الضعفاء الصغير في ٣٣ صفحة، وقد رتبه على حروف المعجم معتبرا الحرف الأول من الاسم فقط، ويقدم الاسم الذي يتكرر كثيرا على غيره، ولا تزيد الترجمة على السطر الواحد إلا نادرا ويذكر فيها اسم الراوي واسم أبيه ونسبته وبعض من روى عنهم ورووا عنه وغالبا ما يكتفي بواحد منهم فقط، ثم يطلق عليه إحدى عبارات الجرح وتتكرر عبارة "منكر الحديث" "فيه نظر" "متروك الحديث" "سكتوا عنه" أو يبين رأي النقاد السابقين فيه كمالك وعبد الله بن المبارك وسفيان بن عيينة وشعبة بن الحجاج وعلي بن المديني وأحيانا يذكر عقيدة الراوي أو إحدى مروياته أو سنة وفاته أو تولية القضاء، ولكن ذلك نادر. وقد تعقب ابن أبي حاتم في كتابه "الجرح والتعديل" البخاري وأخذ عليه أنه ذكر بعض الرواة في الضعفاء وليسوا بضعفاء١. وكذلك وصل إلينا كتاب الضعفاء لأبي إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني "ت٢٥٩هـ" بعنوان "الشجرة في أحوال الرجال"٢. ويتناول أسماء الرواة وعبارات في جرحهم فقط. وهو يتشدد في جرح الكوفيين من أصحاب علي ﵁ لأجل المذهب، لذلك قال ابن حجر: "لا عبرة بحطه على الكوفيين"٣. وقال عنه أيضا "كان ناصبيا منحرفا عن علي فهو ضد الشيعي المنحرف عن عثمان، والصواب موالاتهما جميعا ولا ينبغي أن يسمع قول مبتدع في مبتدع"٤. كما بقي "كتاب الضعفاء والمتروكين" لأبي زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي "ت٢٦٤هـ" ويقتصر على أسماء الرواة وبيان جرحهم٥. وقد رواه

стр. 101

سعيد بن عمرو البرذعي عنه "ت٢٩٢هـ" وضمنه كتاب الأسئلة الذي صنفه وهو أقوال أبي زرعة وأبي حاتم الرازيين في إجابة أسئلة سألها البرذعي فجمعها وألف بينها. وبقي كتاب "الضعفاء والمتروكين" للنسائي "ت٣٠٣هـ" ويقع في ٢٥ صفحة وقد رتبه على حروف المعجم معتبرا الحرف الأول من الاسم فقط ويذكر في الترجمة اسم الرجل واسم أبيه وأحيانا اسم جده ونسبته ثم يطلق عليه إحدى عبارات الجرح ويتكرر منها قوله "ضعيف" و"متروك الحديث" و"منكر الحديث" و"كذاب" و"ليس بثقة" و"ليس بذاك". ثم ينسبه إلى المصر بقوله كوفي أو مدنى أو بصري، ولا تتجاوز الترجمة السطر الواحد إلا نادرا. وعندما انتهى من ذكر الأسماء ذكر الكنى ولم تستغرق سوى صفحة واحدة. ويعتبر النسائي من المتشددين في جرح الرجال١. كذلك بقي كتاب "الضعفاء" لأبي جعفر محمد بن عمرو بن موسى بن حماد العقيلي "ت٣٢٢هـ" وهو يترجم للضعفاء سواء كان الضعف في عدالتهم أو ضبطهم فقد ذكر من نسب إلى الكذب ووضع الحديث، ومن غلب على حديثه الوهم، ومن يتهم في بعض حديثه، ومجهول روى ما لا يتابع عليه، وصاحب بدعة يغلو فيها ويدعو إليها وإن كانت حاله في الحديث مستقيمة، كما ذكر بابا في تليين أحوال من نقل عنه الحديث ممن لم ينقل على صحة. والكتاب مرتب على الحروف الأبجدية٢. وقد انتقد الحافظ الذهبي٣ العقيلي لتعنته في الجرح حتى تناول الثقات المتقنين مثل ابن المديني والبخاري وعبد الرزاق كما انتقده لجرحه بلفظ "لا يتابع على حديثه" مبينا أن تفرد الراوي ليس دليلا على جرحه إلا أن يكثر رواية

стр. 102

الأحاديث التي لا يوافق عليها فيصير متروك الحديث، كما انتقد توسعة في جرح كل من فيه بدعة أوله هفوة أو ذنوب مبينا أن ليس من شرط الثقة أن يكون معصوما من الخطايا والخطأ "الميزان ٢/ ٢٣١". ومن الكتب المهمة التي بقيت محفوظة كتاب جليل الفائدة هو "معرفة المجروحين من المحدثين"١ لمحمد بن أحمد حبان البستي "ت٣٥٤هـ" وقد كتب ابن حبان مقدمة طويلة نفيسة في بداية كتابه استغرقت ثلاثين ورقة تناول فيها أهمية معرفة الضعفاء، وجواز الجرح، وبين ضرورة التدقيق في أخذ الأحاديث، واجتهاد الصحابة في حفظ السنن وسؤالهم عن الرجال، وذكر بعد ذلك من سلك مسلك الصحابة من التابعين والأتاع ومن تلاهم من أئمة المحدثين، وذكر دور ومكانة كل من الزهري ومالك وشعبة بن الحجاج وسفيان الثوري ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني والبخاري وطبقته. ثم ذكر أنواع المجروحين من الضعفاء فجعلهم عشرين نوعا وهم الزنادقة، الصالحون الوضاعون، الوضاعون الكذابون، الوضاعون استرضاء للملوك والأكابر والأغراض الخاصة، أهل الغفلة، المختلطون، من حدث بحديث ليس من حديثه، من كان يكذب ولا يعلم أنه يكذب، من يحدث عن شيوخ لم يسمعهم بكتب صحيحة، من يقلب الأخبار ويسوي الأسانيد، من رأى شيخا وسمعه لكنه حدث بعد موته بحديث لم يحفظه عنه من غير تدليس، من ذهبت كتبه ولم يكن تام الحفظ، من كثرة خطأوه، من امتحن بوارق أو ابن سوء يضع عليه الحديث. من لم يرجع عما أدخل عليه من الحديث مع علمه بذلك. من أخطأ ثم علم فلم يرجع عن خطئه، المعلن بالفسق والسفه، المدلسون، المبتدعة، والنوع

стр. 103

العشرون هم القصاصون. ثم عقد موضوعا تحت عنوان "ذكر أجناس من أحاديث الثقات لا يجوز الاحتجاج بها" وذكر ستة أجناس. وقد بين ابن حبان طريقته في تصنيف كتابه بقوله "وإنما نملي أسامي من ضعف من المحدثين وتكلفم فيه الأئمة المرضيون، ونذكر ما يعرف من أنسابهم وأسمائهم، ونذكر عند كل شيخ منهم من حديثه ما يستدل به على وهي في روايته تلك وأقصد في ذكر أسمائهم المعجم إذ هو أدعى للمتعلم إلى حفظ وأنشط للمبتدئ في وعيه وأسهل عند البغية لمن أراده"١. ويقدم ابن حبان في الترجمة الأنساب ويذكر بعض شيوخ صاحب الترجمة ومن روى عنه من تلاميذه ونموذجا من مروياته الضعيفة لبيان علة جرحه. وينقل أقوال أئمة الجرح والتعديل فيه بالأسانيد، كما يبدي رأيه في معظم التراجم، ويذكر عداده في الأمصار وربما ذكر عقيدة صاحب الترجمة٢. ومن هذا العرض يتبين أن كتاب ابن حبان من الكتب الجليلة في هذا الموضوع. لكنه يتشدد في الجرح حتى أنه ربما جرح بعض الثقات٣. وقد بقي كتاب اشتهر كثيرا وهو كتاب "الكامل في ضعفاء الرجال"٤. لمؤلفه عبد الله بن عدي بن عبد الله الجرجاني "ت٣٦٥هـ" ويقدم ابن عدي لكتابه بمقدمة نفيسة تزيد على الخمسين ورقة من القطع الكبير تكلم فيها عن تحفظ الصحابة في رواية الحديث، فذكر من اختار قلة الرواية ولم يكثر الحديث، ومن كان لا يرى كتابه الحديث من الأئمة ومن كان يكتب منهم ثم ذكر من

стр. 104

استجاز لنفسه الكلام في الرجال من الصحابة والتابعين ومن بعدهم طبقة طبقة إلى زمانه، وذكر فضائلهم والمعنى الذي به يستحقون الكلام في الرجال، وتسليم الأئمة لهم بذلك، قال ابن عدي في مقدمته أيضا "وأنا ذاكر في كتابي هذا أسامي قوم نسبوا إلى الضعف من عساهم غفلوا عنهم ومن نشأوا بعد موتهم"١. أما تراجمه فهو لا يطيل في الأنساب بل يقتصر على ذكر أسماء الشيوخ وأسماء آبائهم ونسبتهم إلى المصر أو القبيلة، ويذكر بعض شيوخه وتلاميذه ونماذج من رواياته الضعيفة وفي الغالب حديثا أو حديثين٢، وينقل أقوال أئمة الجرح والتعديل في صاحب الترجمة بالأسانيد التي لا يخل بذكرها، ولا يذكر سني الوفيات. وليس سائر من أوردهم في كتابه مقطوع بضعفهم بل فيهم ثقات ولكنه أوردهم لأنه التزم إخراج كل من تكلم فيه بجرح. فقد ترجم مثلا لخليفة بن خياط أحد شيوخ البخاري وذكر ما قيل في جرحه ثم رد الجرح ووثقه، لذلك قال السخاوي عن الكامل "أكمل الكتب المصنفة قبله وأجلها لكنه توسع لذكره كل من تكلم فيه وأن كان ثقة مع أنه لا يحسن أن يقال "الكامل" للناقصين"٣. وقد رتب ابن عدي كتابه على حروف المعجم. ووصل إلينا بعض كتاب "الضعفاء والمتروكين" للدارقطني وقد رتبه على حروف المعجم٤. وآخر ما وصل إلينا من كتب الضعفاء المصنفة خلال هذه الفترة "المدخل إلى الصحيح" لأبي عبد الله الحاكم النيسابوري "ت٤٠٥هـ" حيث ترجم في القسم الأول منه للمجروحين جرحا شديدا اقتصر على ذكر أسمائهم وأسماء

стр. 105

آبائهم ونسبتهم وبعض شيوخهم وتلاميذهم مبينا رواية معظمهم للروايات الموضوعة والمنكرة والمعضلات. وعددهم ثلاث وثلاثون ومائتا رجل. ثم انتقل إلى قسم آخر تناول أسامي رجال الصحيحين.

стр. 106

مؤلفوا كتب الثقات ... مؤلفو كتب الثقات: أول من علمته صنف في الثقات. علي بن عبد الله المديني "ت٢٣٤هـ" في كتابه "الثقات والمتثبتون"١ - عشرة أجزاء. أبو الحسن أحمد بن عبد الله بن صالح العجلي "ت٢٦١هـ". ثم أبو العرب محمد بن أحمد التميمي "ت٣٣٣هـ". ثم محمد بن أحمد بن حبان البستي "ت٣٥٤هـ" في كتابيه "الثقات" و"مشاهير علماء الأمصار". ثم أبو حفص عمر بن بشران السكري "ت٣٦٧هـ"٢. ثم عمر بن أحمد بن شاهين الواعظ "ت٣٨٥هـ". ثم أبو عبد الله الحاكم "ت٤٠٥" في "المدخل إلى الصحيحين". ثم انطقع التأليف في هذا النوع من كتب الرجال حتى القرن الثامن الهجري٣ حيث ظهرت بعض المصنفات فيه، وقد بقي من هذه المصنفات

стр. 107

الأولى كتاب الثقات للعجلي "ت٢٦١هـ" وكتابا "الثقات" و"مشاهير علماء الأمصار" لابن حبان "ت٣٥٤هـ" وكتاب الثقات لعمر بن أحمد بن شاهين الواعظ. فأما كتاب الثقات للعجلي فقد وصل إلينا الجزء الثاني من أصله كما وصل إلينا بترتيب الحافظ نور الدين الهيثمي١ "ت٧٥٧هـ" حيث رتبه على حروف المعجم وبدأه بمن اسمه أحمد٢، ومن ذلك نعلم أن كتاب الثقات للعجلي لم يكن مرتبا على حروف المعجم بل على الطبقات حيث اقتصر في الجزء الثاني على طبقة التابعين ولم يرتب على الحروف داخل الطبقة، وهو مما أملاه المؤلف على ابنه صالح، ورواه أبو الحسن بن أبي زكريا النيسابوري عن صالح٣. وطريقة العجلي في التراجم -التي يتراوح طولها بين السطر إلى العشرين سطرا- أن يذكر الاسم واسم الأب والكنية والنسبة إلى المصر، ويطلق لفظا من ألفاظ التعديل كالقول أنه "ثقة ثقة" او "ثقة" أو "لا بأس به". وبين طبقته إن كان من الصحابة أو التابعين وربما يشير إلى المزايا العلمية لصاحب الترجمة كقوله عن إبراهيم بن الزبير التميمي أنه صاح سنة وصاحب تفسير كما يذكر عقائد المترجمين، وقد أورد في الثقات شيوخا يرون القدر أو التشيع كما يذكر بعض الضعفاء كبشر المريسي مع لعنه إياه ورميه بالفسق وربما ذكر تولي بعضهم القضاء، وقلما يذكر شيوخ صاحب الترجمة أو تلاميذه، وقد ذكر في بعض التراجم أحداثا وقعت لأصحابها كذكره بعض المناقشات مع الإمام أحمد في المحنة. والعجلي متساهل في توثيق المجهولين٤.

стр. 108

وأما كتاب "الثقات"١ لابن حبان البستي "ت٣٥٤هـ" فقد ذكر السخاوي أنه أحفل كتب الطبقات٢ وقد رتبه ابن حبان على الطبقات فالطبقة الأولى هم الصحابة وتناولهم في المجلد الأول والطبقة الثانية هم التابعون وتناولهم في المجلد الثاني أما الطبقة الثالثة والرابعة فهم أتباع التابعين وتبع الأتباع وقد خصص لهم المجلد الثالث. وذكر ابن حبان في المجلد الأول مولد النبي ومبعثه وهجرته ومغازيه إلى حين وفاته، ثم تناول الخلفاء الراشدين وأيامهم إلى مقتل علي ﵁ بحذف الأسانيد ولزوم سلوك الاختصار ليسهل حفظها ولا يصعب وعيها٣، ويحتوي المجلد الأول أيضا إضافة للسيرة على تراجم الصحابة وقال في بداية هذا القسم "أول كتاب الصحابة"٤، وذكر في بدايته أسماء الخلفاء الراشدين ولم يترجم لهم باعتبار أنه ترجم لهم بتفصيل في القسم الأول عقب السيرة مباشرة. ثم ذكر بقية العشرة المبشرة فترجم لهم ثم بدأ ترتيب الصحابة على حروف المعجم. وقد ذكر أنه يخص بالذكر في هذا القسم الصحابة الرواة قال "أنا ذاكرون أسماء الصحابة، ونقصد منهم من روى عنه الأخبار لأنه أدعى إلى العلم وأنشط للفهم، وأما من لم ترو عنه الأخبار وذكر بالأفعال والآثار فقد تقدم ذكرنا لهم قبل، ونقصد في ذكر هؤلاء إلى المعجم في أسمائهم ليكون أسهل عند البغية"٥ وكذلك فعل في

стр. 109

بقية المجلدات حيث رتب التابعين والأتباع وتبع الأتباع على حروف المعجم ضمن الطبقة، وحافظ على ذكر أسماء النساء بعد الرجال في كل حرف. وفي نهاية كل طبقة من الطبقات الأربع خصص قسما لذكر من يعرف بالكنى من الرجال ثم من اشتهرت بكنيتها من النساء. واقتصر ابن حبان في التابعين والأتباع على الثقات فقد قال: فكل شيخ ذكرته في هذا الكتاب فهو صدوق١، ويرى ابن حبان أن من صحت عدالته لم يستحق القدح ولا الجرح إلا بعد زوال العدالة عنه بأحد أسباب الجرح٢. ويرى ابن حبان أن الأصل في مشاهير الرواة العدالة حتى يتبين منهم ما يوجب القدح، فأما المجاهيل الذين لم يرو عنهم إلا الضعفاء فهم متروكون. وقد رد ابن حجر هذا الرأي فقال "وهذا الذي ذهب إلي ابن حبان من أن الرجل إذا انتفت جهالة عينه كان على العدالة حتى يتبين جرحه مذهب عجيب والجمهور على خلافه وهذا هو مسلك ابن حبان في كتاب الثقات فإنه يذكر خلقا ممن نص عليهم أبو حاتم وغيره على أنهم مجهولون"٣. أما طبيعة تراجمه فهو يذكر في ترجمة الراوي اسمه واسم أبيه وكنيته ونسبه، وربما ذكر أسماء الأمهات، وفي تراجم الصحابة ذكر عدادهم في البلدان وأماكن شيوع رواياتهم بقوله: روى عنه البصريون أو الكوفيون، وأحيانا يذكر عنوان واحد من أحاديثهم عن النبي ﷺ . ويشير إلى مشاركتهم في الغزوات أو الفتوح. وفي بعض التراجم ذكر سني الوفيات ومواضعها. وقد ذكر ابن حجر أن ابن حبان يتبع البخاري دائما في ذكر سني الوفيات٤. ويرى مغلطاي ان ابن حبان لا يتعدى البخاري غالبا يتبعه في جميع أقواله٥. أما كتاب ابن حبان الآخر وهو مشاهير علماء الأمصار٦ فإنه يقتصر فيه

стр. 110

على المشهورين من الثقات فقط، وقد رتبهم على الطبقات ثم على الأقاليم فذكر الحجاز أولا ثم العراق فالشام فمصر فاليمن فخراسان، ووصف هذه الأقاليم بأنها المعروفة بعلماء الأيام. وهو يبدأ بالصحابة من أهل المدينة ثم بالصحابة من أهل مكة وهكذا حتى تنتهي طبقة الصحابة ثم يذكر التابعين وتبع الأتباع مرتبا إياهم على المدن أيضا بنفس التسلسل السابق الذي أتبعه في ترتيب الصحابة، وهكذا اعتبر الزمن أولا ثم المكان. ومعظم التراجم لا تزيد على الثلاثة أسطر، ويعطي نسب الرجل وكنيته، وأحيانا سنة وفاته ويشير إلى شهوده المغازي أو الفتوح، وربما ذكر باقتضاب أحداثا وقعت لصاحب الترجمة وفي بعض التراجم ذكر شيوخ وتلاميذ المترجم والخصائص الخلقية والعقلية والجسمية للمترجم. وقد وصل إلينا كتاب "تاريخ أسماء الثقات ممن نقل عنهم العلم"١ ومؤلفه عمر بن أحمد بن شاهين الواعظ "ت٣٨٥هـ"، وهو مرتب على حروف المعجم وقد اقتصر على ذكر اسم الراوي واسم أبيه، ونقل أقوال أئمة الجرح والتعديل في توثيق أصحاب التراجم، وأحيانا بسند رواياته عنهم وأحيانا أخرى لا يسندها، وربما ذكر بعض شيوخ وتلاميذ صاحب الترجمة. كذلك وصل إلينا "المدخل إلى الصحيحين" للحاكم "ت٤٠٥هـ" حيث ترجم لرجال الصحيحين في القسم الثاني منه.
следующие страницы →