← Адаб

Адаб · id 8675

خزانة الأدب وغاية الأرب لابن حجة الحموي

الحموي، ابن حجة

Полный текст (986 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المجلد الأول المقدمات: تمهيد وتقديم: بسم الله الرحمن الرحيم، رب اليراع والرقيم، والحمد لله رب العالمين الذي لا ننفك نستهدي به ونستعين، حمدًا يبلغ غاية رضاه، ويعجز الكل عن إدراك كنهه ومداه. والصلاة والسلام على هادي الأدباء ومعلم الفصحاء والبلغاء، محمد ﷺ رسول الله وخاتم الأنبياء، وعلى آله المطهرين النجباء، كلما سال مداد على طرس، وأشرقت على بني الغبراء شمس، وبعد. اعلم، هداك الله، أن أهم العلوم على مدار الزمان، باعتراف العلماء أهل الملل والأديان، هو ذلك العلم الذي يسعى إلى اكتشاف هذا الكون وفهمه وتفسيره، ومن ثم تسخيره في سبيل سعادة الإنسانية وخيرها، والسير بها في مدارج الكمال، وأن كل ما عدا ذلك وانحرف عن هذا الهدف من العلوم، إنما هو سفسطة ومضيعة للوقت، ومجلبة للزهو والعجب، بل هو حجر عثرة في طريق تقدم بني البشر وسعادتهم ورقيهم. ورأس العلوم ما يوصل إلى معرفة خالق هذا الكون، عن طريق تعلم القرآن وفهمه، لأنه كتاب الله المعجز الذي يدل على مبدعه، ويوقف المرء على نواهيه وأوامره، إذ هو الخبير بما يصلح مخلقواته ويسعدهم في رحلتهم الدنيوية، وينجيهم من العذابات الأخروية. واعلم أن هذا العلم هو علم البلاغة التي تبدأ بمعرفة الفصاحة، أو معرفة اللغة والتبحر فيها، إذ هي لغة القرآن ووعاء الفكر، ومن ثم معرفة الأساليب التي يعبر بها أصحاب هذه اللغة عن أفكارهم وما تنطوي عليه صدورهم. والفصاحة والبلاغة، في نظرنا وفي نظر الكثيرين، هي أولى العلوم بالتعلم، وأحقها

стр. 2

بالتحفظ، إذ لا يجوز الإخلال بها مادام الهدف الذي تسعى إليه هو غاية الغايات، فليس بعد معرفة الله حكمة. كما أن للفصاحة والبلاغة فضائل أخرى مشهورة، ومناقب لا تخفى معروفة، ومنها كما يذكر أبو هلال العسكري١: أن من لا يتقنها لا يمكنه التفريق بين جيد الكلام ورديئه، أو بين حسن اللفظ وقبيحه، ولا بين نادر الشعر وبارده، فيظهر بذلك جهله ونقصه. "فإذا أراد أن يصنع قصيدة أو ينشئ رسالة -وقد فاته هذا العلم- مزج الصفو بالكدر، وخلط الغرر بالعرر٢، واستعمل الوحشي العكر، فجعل نفسه مهزأة للجاهل". "وإذا أراد أيضا تصنيفث كلام منثور، أو تأليف شعر منظوم، وتخطى هذا العلم، ساء اختياره له، وقبحت آثاره فيه، فأخذ الرديء المرذول، وترك الجيد المقبول.... وقد قبل: اختيار الرجل وافد عقله٣. تطور علم البديع حتى عصر ابن حجة: كان علم البديع في بداياته، سليقة لدى الكتاب والأدباء العرب، ولم يكونوا يعرفونه بهذا الاسم، وإنما كانوا يطبقونه في ما ينشئونه أيام جاهليتهم. أيام كانوا يجتمعون في الأسواق والأندية الأدبية، أمثال المربد وعكاظ وغيرها، يتناشدون الأشعار أمام زهير والنابغة الذبياني ليحكما على جودتها أو رداءتها، حسب رؤيتهما لها بمنظار هذا العلم، وإن لم يكونوا قد عرفاه بعد، كعلم مستقل له حدوده ومصطلحاته الخاصة به. وظل علم البديع، كغيره من العلوم يتطور ويتوضح، حتى صار علما قائما بذاته، يعرف اليوم بعلم البلاغة التي تشمل ما نعرفه اليوم من علم المعاني وعلمي البديع والبيان. ولا يفوتنا أن نذكر أن علوم البلاغة هذه، مرت قبل أن تتوضح حدودها وتقر مصطلحاتها، بمرحلة كانت فيها تعرف بما سمي "علم البديع"، الذي هو أحدها، وأن أصولها تضرب -كما قلنا- إلى العصر الجاهلي، وأن أول من حاول وضع مصطلحات

стр. 3

بديعية هو الشاعر العباسي مسلم بن الوليد، المعروف بصريع الغواني، الذي "وضع مصطلحات لبعض الصور البيانية والمحسنات اللفظية، من مثل الجناس والطباق". ونذكر أن أبا عثمان عمرو بن بحر الجاحظ توسع قليلًا في ذكر البديع، دون أن يصضع، في كتابه "البيان والتبيين" تعريفات أو مصطلحات، بل بقي البديع عنده يعني الصور والمحسنات اللفظية والمعنوية معًا. وتبدأ علوم البلاغة بالاستقلال، بعضه عن البعض الآخر، أيام الخليفة ابن المعتز الذي ألف "كتاب البديع" فكان، بحق، مؤسسا لما يعرف اليوم بهذا الاسم. وجاء بعده قدامة بن جعفر، في كتابه "نقد الشعر" ليزيد علم البديع توضيحًا، وليضيف إلى مصطلحاته وفنونه جديدًا، فليقتي مع ابن المعتز في خمسة محسنات بديعية، كان هذا الأخير قد عرفها، مع اختلاف في التسمية، ويزيد قدامة إليها تسعة محسنات جديدة لم يذكرها ابن المعتز. وبعد قدامة، نلتقي بأبي هلال العسكري، في كتابه "الصناعتين" "الشعر والنثر" الذي عقد فيه بابًا خاصًّا "لشرح البديع والإبانة عن وجوهه وحصر أبوابه وفنونه". وإذا كان ابن المعتز قد توصل إلى معرفة ثمانية عشر نوعًا من أنواع البديع، زاد عليها قدامة تسعة أنواع، فإن أبا هلال العسكري قد بلغ بها واحدًا وأربعين نوعًا، أي بزيادة أربعة عشر نوعا على ما كان عرف قبله. وفي القرن الخامس الهجري، تزداد علوم البلاغة استقلالًا وتحديدًا، إذ يبدو، من خلال بعض المؤلفات في هذا القرن، أنه بدأ يستقر في الأذهان أن البيان شيء، والبديع شيء آخر. فقد أورد ابن رشيق القيرواني، في كتابه الشهير "العمدة" أبوابا خاصة لمباحث علم البيان، وأخرى تهتم بدراسة علم البديع. وقد ذكر فيه تسعة وعشرين نوعا من أنواع البديع، منها تسعة أبواب لم يسبقه إليها غيره ممن تقدموه في هذا المضمار. وبذلك يصبح عدد الأنواع البديعية المعروفة إلى أيامه، خمسين نوعًا. ويعتبر عبد القاهر الجرجاني، في هذا القرن "الخامس الهجري" واضع علم المعاني، في كتابه دلائل الإعجاز. كما أنه يعد منظر علم البيان، في كتاب أسرار البلاغة دون أن يحاول وضع نظرية لعلم البديع؛ وإن كان قد تكلم عن أنواع منه، بقدر اتصالها بعلم البيان فقط.

стр. 4

أما في القرن السادس الهجري، فنلتقي بالزمخشري والوطواط وبأسامة بن منقذ. فقد أكمل الزمخشري، في تفسيره "الكشاف" ما بدأه الجرجاني، بإضافات جديدة بثها في ثنايا كتابه. أما الوطواط فقد حاول تطبيق قواعد البلاغة العربية على الأدب الفارسي، في حين ألف ابن منقذ كتاب "البديع في نقد الشعر". ويحمل الراية، بعد هؤلاء، نفر من علماء القرن السابع الهجري الأفذاذ، منهم: الرازي والسكاكي وضياء الدين ابن الأثير والتيفاشي المغربي وزكي الدين بن أبي الأصبع المصري وعلي بن عثمان الأربلي وبدر الدين بن مالك. وقد أولى هؤلاء علم البديع عناية خاصة، في ما ألَّفوه من كتب وتصانيف. وإذا ما انتقلنا إلى القرنين الثامن والتاسع الهجريين، نجد أنهما قد امتازا بإيلاء العلماء والشعراء والأدباء علم البديع عناية ما بعدها عناية، إن لم نقل إنهم تفرغوا له، وجفت قرائحهم إلا منه. وتميز بعض الشعراء والأدباء، في هذين القرنين، بنظم "البديعيات" التي تعتبر، بحق، دراسات في هذا المجال تكاد لا تعدوه. ومن هؤلاء: يحيى بن حمزة العلوي، صاحب كتاب "الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز والتنوخي"، محمد بن عمرو، صاحب كتاب "الأقصى القريب في علم البيان"، وابن قيم الجوزية صاحب كتاب "الفوائد المشوقة إلى علوم القرآن وعلوم البيان"، وصفي الدين الحلي الشاعر المشهور، صاحب البديعية الشهيرة التي تبلغ ماية وخمسة وأربعين بيتًا من الشعر، قالها الحلي في مدح النبي محمد ﷺ ومطلعها: إن جئت سُلعًا فسل عن جيرة العلم ... وأقر السلام على عُرب بذي سلم ثم ابن جابر الأندلسي الضرير، صاحب البديعية المسماة "الحلة السيرا في محد خير الورى"، وهي في ماية وسبعة وعشرين بيتًا بدأها بقوله: بطيبة أنزل ويمم سيد الأمم ... وانثر له المدح وانثر طيب الكلم وقد سرد فيها ابن جابر المحسنات البديعية حسب ما أورده الخطيب القزويني. ونلتقي قبل أن نصل إلى القرن التاسع الهجري، بعز الدين، علي بن الحسين الموصلي، صاحب البديعية التي عارضها فيها بديعية الصفي الحلي، وزاد عليه فيها، بأن ذكر في كل بيت منها لفظة تدل على اسم النوع البديعي الذي استخدمه فيه.

стр. 5

وقد نظم الموصلي بديعيته في مدح النبي محمد ﷺ في ماية وأربعين بيتا استهلها بقوله: براعة تستهل الدمع في العلم ... عبارة عن نداء المفرد العلم وإذا ما وصلنا إلى القرن التاسع الهجري، يطالعنا أديبنا البارع ابن حِجة، صاحب هذا الكتاب الذي بين أيدينا، والذي نظم بيديعية في مدح الرسول الكريم، وعد فيها من أنواع البديع ماية واثنين وأربعين نوعًا، استهلها ببراعة الاستهلال قائلًا: لي في ابتدا مدحكم يا عُربَ ذي سلم ... براعة تستهل الدمع في العلم التعريف بخزانة الأدب وعملنا فيه: "خزانة الأدب" في الأصل، وكما يذكر صاحبه في مقدمته له، هو شرح لبديعيته الآنفة الذكر، والتي أنشأها كما يذكر هو "برسم من محمد بن البارزي الجهني الشافعي" صاحب ديوان الإنشاء بالممالك الإسلامية، وقد حذا فيها حذو "طرز البردة" بعد أن وقف محمد بن البارزي على بديعية الشيخ عز الدين الموصلي التي التزم فيها تسمية النوع البديعي، وورى فيها من جنس الغزل، ليتميز بذلك على الشيخ صفي الدين الحلي، الذي لم يلتزم ذلك في بديعيته. وقد سمى ابن حِجة بديعيته تلك "تقديم أبي بكر" وحاول فيها أن ينسج على منوال عز الدين الموصلي، في تضمين الأبيات ألفاظًا يشير بها إلى الأنواع البديعية التي بلغ بها ماية واثنين وأربعين نوعًا، دون تمييز بين البديع وغيره من علوم البلاغة، محاولًا أيضًا أن يجاري صفي الدين الحلي في رقة الشعر وجمال النظم والسلاسة. ثم إنه، أعني ابن حجة، وضع هذا الشرح المطول لبديعيته، وأسماه "خزانة الأدب وغاية الأرب" فكان أكثر أهمية وفائدة من البديعية ذاتها، إذ جاء كما يدل عليه اسمه، خزانة للأدب مليئة بدرر علومه وجواهر معارفه، وغاية ما يحتاجه المتأدب. و"خزانة الأدب" أشبه بالموسوعات الأدبية التي تجمع فنون الأدب المختلفة: من اللغة والبلاغة والنقد والتاريخ والتراجم، ومنثور الكلام ومنظومه، حتى المواليا١ والأزجال لكثرة ما يورده صاحبه فيه من الشواهد، والأمثلة والاستطرادات، وأحيانا النكت

стр. 6

والمساجلات الأدبية. ولا نبالغ إذا قلنا إنه مرجع أدبي خاص، للعصرين: المملوكي والأيوبي، بل هو مرجع أدبي عام. لذلك رأينا أن نوليه ما يستحقه من الاهتمام، تسهيلا للاستفادة منه، فقمنا بشرحه والتعليق عليه، وتخريج الآيات القرآنية الواردة فيه، وتحريره بضبطه، وتعيين بداية الفقرات ووضع النقاط والفواصل، وترجمنا لصاحبه، ومن ثم أشرفنا على طباعته، وقمنا بتصحيحه، حتى خرج بهذه الحلة، والله ولي التوفيق. ملاحظات حول الكتاب: من شروط البديعيات التي كان متعارفا عليها، أن يلتزم ناظموها بأن يكون كل بيت منها شاهدا على نوعه بمجرده، ليس له تعلق بما قبله ولا بما بعده. ومن هذه الزاوية وبناء لهذا الشرط، ولغيره من الشروط البديعية والبيانية، يقارن ابن حجة بين بديعيته وبديعية صفي الدين الحلي، وبديعية عز الدين الموصلي، وبديعية العميان فيقول: "أما براعة بديعيتي ... فإني جمعت فيها بين براعة الاستهلال وحسن الابتداء، بالشرط المقرر لكل منهما، وأبرزت تسمية نوعها البديعي في أحسن قوالب التورية، وشنفت١ بأقراط غزلها الأسماع، مع حشمة الألفاظ وعذوبتها، وعدم تجافي جنوبها عن مضاجع الرقة. وبديعية صفي الدين الحلي، غزلها لا ينكر، غير أنه لم يلتزم فيها بتسمية النوع البديعي ... ولو التزمه لتجافت عليه تلك الرقة. وأما الشيخ عز الدين الموصلي، فإنه لما التزم ذلك نحت من الجبال بيوتا". وإذا نحن نظرنا إلى الكتاب من هذه الزاوية، فإننا نلاحظ فعلا، شدة مراعاة ابن حجة لهذا الشرط، وعدِّه عدم الأخذ به عيبا وقع فيه البعض ممن نظموا البديعيات غيره. وأول ما يمكن أن نلاحظه على ابن حجة في "خزانة الأدب" أنه لم يتورع عن ذكر الأشعار التي فيها الكثير من الفحش، الذي يجدر بأرباب الأدب أن يربأوا بأنفسهم عن ذكره أو التلفظ به. خاصة وأنه كان باستطاعة ابن حِجة الابتعاد عن مثل هذا الشعر الفاحش، لأنه إنما أورده في مجال التمثيل على الأنواع البديعية، وكان يمكن أن يوجد له عذر في إيراده، لولا أن بعض أمثلته، وهو قصيدة لابن الفارض، بلغ أربعة وستين بيتا، مما لا يعقل معه أن يسمى مثلًا؛ أما وقد ظهر تعمده في إيراد فاحش الشعر، فلا عذر له عندنا.

стр. 7

ومما يلفت النظر في الخزانة أيضا ما نراه من الإطالة في الشرح. والتي قد تصل إلى حد الملل أحيانا، وإن كان ابن حجة أيضا يتحاشى الوقوع فيها فيقول: "ولولا الإطالة لأفعمت الأذواق من هذا السكر النباتي". وإن كان يبرر تطويله بمثل قوله: "فإن الشرح قد طال، ولم أطله إلا ليزداد الطالب إيضاحا، ويداوي علل فهمه بحكم المتقدمين، ويتنزه في رياض الأدب على النبات الغض من نظم المتأخرين". فإذا عرفنا أن الكتاب يحتوي ماية واثنين وأربعين نوعًا من أنواع البديع، وأن شرحه لنوع واحد، هو التورية، استغرق أكثر من ربع الكتاب، عرفنا مدى ما وصلت إليه الإطالة والاستطراد عند ابن حجة في "خزانته". بعد الإطالة والاستطراد، يطالعنا ابن حجة في كتابه بالتكرار، فنراه يكرر البيت أو الأبيات أكثر من مرة، ربما حسب ما يقتضيه الاستشهاد على النوع البديعي بأبيات يمكن الاستشهاد بها على أنواع أخرى، وأكثر ما يبرز هذا التكرار في إيراده لما أخذه جمال الدين بن نباتة عن علاء الدين الوداعي. ورغم أن ابن حجة يبدو من خلال "خزانة الأدب" واسع الاطلاع، مع ما تقتضيه هذه الصفة من صقل ملكة النقد الأدبي عنده، فإنه يبدو ناقدًا تعوزه الدقة ووضوح المقياس النقدي. فقد نراه، في أحيان كثيرة، يطلق أحكامًا تنقصها الدقة والصوابية، أو دون تعليل في كثير من الأحايين، وإن كانت له في أحيان أخرى، أحكام نقدية معللة لا تجانب الصواب؛ فإن له أيضا أحكاما خاطئة، وأخرى يتابع فيها غيره، دون روية أو إعمال فكر. فهو في معرض تعليقه على استهلال محي الدين بن عبد الظاهر، كاتب الملك الظاهر إلى الأمير سنقر الفراقاني، يقول: "الله أكبر! إن من البلاغة لسحرًا، والله ما أظن هذا الاتفاق الغريب اتفق لناثر". دون أن يذكر ابن حجة سبب إعجابه وهيامه بهذا الاستهلال. وكذلك نراه يفعل عندما يستحسن قول آخر. إذ يقول: "سبحان المانح! هذا الأديب الذي لم ينسج الأوائل على منواله. ولا تتعلق الأفاضل من المتأخرين بغبار أذياله". أو نراه يقول: "سبحان المانح! والله من لا يتعلم الأدب من هنا فهو من المحجوبين عن إدراكه". لماذا؟ وما هو المقياس؟ فإن ابن حجة لا يفصح عن شيء من ذلك.

стр. 8

ولكن ابن حجة في معرض انتقاده لابن رشيق القيرواني، والحاتمي في كلامهما على الجناس الملفق، نراه بعلل نقده ذاك فيقول: "ولعمري لو سموا الملفق مركبا، والمركب ملفقا، لكان أقرب إلى المطابقة في التسمية؛ لأن الملفق مركب في الركنين، والمركب ركن واحد، كلمة مقررة، والثاني مركب من كلمتين، وهذا هو التلفيق". كما أننا نراه، في معرض نقده لبيتين أخذهما الشيخ صلاح الدين الصفدي عن ابن نباتة، يقول معللًا: "وما أظن الشيخ صلاح الدين، غفر الله له، لما سمع ما قاله الشيخ جمال الدين، ونظم بعده هذين البيتين، كان في حيز الاعتدال. وأين انجذاب القوس إلى الحاجب، من انجذاب الدم إلى الخد"؟ وقد يستلطف ابن حجة في خزانته ما لا سبيل إلى استلطافه، فيذكر أن "من لطائف" مجون ابن تميم قوله: غطت محاسن وجهها عن ناظري ... هيفاء لم أر في البرية شبهها وغدت تمانعني فقمت مبادرًا ... وكشفت من بعد التمنع وجهها ترى! أي لطافة في هذين البيتين؟ إذا كانت اللطافة الأدبية تعني نكتة بديعية تعشقها الآذان، أو صورة بيانية تهيم بها النفوس؛ اللهم إلا أن يكون المجون مدعاة للاستلطاف! أو يكون أحد استلطف هذا المجون لانحراف في ذوقه الأدبي، فتابعه ابن حجة مستلطفًا على عادته، دون تدبر ولا روية أو إعمال فكر، كما فعل غير مرة حيث يبدو ذلك من قوله: "وعدوا من البديع قول فلان.... وعدوا من الحسن قول فلان.... وعدوا من اللطيف قول فلان" إلى آخر هذه المعزوفة، دون إبداء رأيه الشخصي. ليس هذا فحسب، بل إن ابن حجة يخطئ حين يذكر أنه "تقرر وتكرر أن تشبيه المحسوس بالمحسوس هو المقدم في باب التشبيه" إذا عرفنا أن المقرر: أن أبلغ التشبيه هو تشبيه المعقول بالمحسوس، أو إخراج ما لا يحس إلى ما يدرك بالحواس. وأخيرًا وليس آخرًا. فإننا نأخذ على الشيخ ابن حجة انحيازه في الحكم أثناء تحكيمه بين الشيخين، صفي الدين الحلي وجمال الدين ابن نباتة، إذ يقول: تصفحت ديوان الصفي فلم أجد ... لديه من السحر الحلال مرامي فقلت لقلبي دونك ابن نباتة ... ولا تتبع الحلي فهو حرامي وكذلك نأخذ عليه تحامله على المتنبي الشاعر، وجوره عليه وغمطه حقه، خاصة وأنه هو نفسه، أعني ابن حجة، أخذ على الشيخ صلاح الدين الصفدي وعجب منه

стр. 9

"كيف أخل، في كتابه المسمى بفض الختام عن التورية والاستخدام، بذكر علاء الدين ابن المظفر الكندي الشهير بالوادعي، وهو أشهر من "قفا نبك" في نظم التورية، بل هو امرؤ قيسها وكنديها". ولو كان ابن حجة، قد أخل بذكر المتنبي في كتابه هذا، لما كان لنا عليه مأخذ، وإنما نأخذ عليه ذكره له والتجني عليه، مع محاولته الخبيثة في إيهام القارئ بأنه هو، أي ابن حجة، من أنصاره ومريديه، بينما يبدو لنا أنه يغمطه حقه ويجور عليه في الحكم، حين نراه يتجاهل سبقه إذ يقول في معرض حديثه عنه وعن الطغرائي: "انظر إلى محاسن هذين الفحلين إلى الغاية التي تمثلا بها ... وتأخر سوابق الأفهام عن معرفة السابق منهما إلى الغاية". كما أننا نرى أن ابن حجة يحاول، في مكان آخر، التغطية والتعمية على القارئ، بإخفاء بغضه، وربما حسده، للمتنبي، مع الغمز الخفي من قناته فيقول: "وقد عن لي أن أجمع هنا ما حلا بذوقي من أمثال أبي الطيب المتنبي، وإن كان فيها ما ولّده من شعر أبي تمام". فإن في هذا الكلام ما يفهم منه أن المتنبي كان عيالًا على غيره من الشعراء، وفي هذا ما فيه من غمز من قناة هذا الشاعر الفحل، مع أن هذا لم يقل به غير ابن حجة، إذ المعروف بين الباحثين والنقاد أن الكثيرين من الشعراء هم عيال على المتنبي، ويقصر الكثيرون منهم عن التحليق في سمائه. ومهما يكن من أمر صاحب "الخزانة" فإننا لا يمكن أن نغمطه حقه وجهده في كتابه الموسوعي "خزانة الأدب" إذ إنه يبقى خزانة حقيقية للأدب. لا غنى عنها للباحث الأديب والمتأدب، بل تكاد تكون فريدة في عصرها، وفي غزارة مادتها وتنوعها. بيروت في ٨/ ٦/ ١٩٨٦م. عصام شعيتو

стр. 10

التعريف بالكاتب: ١ حياته وعلمه: هو الشيخ تقي الدين أبو بكر علي بن عبد الله الحموي الأزراري، المعروف بابن حِجة، وضبطه بكسر المهملة. وقد غلط الدكتور عبد العزيز عتيق، حين ضبطه بفتحها٢. ولد في حماة سنة سبع وستين وسبعماية للهجرة، وقيل: سنة سبع وسبعين وسبعماية للهجرة٣. والمرجح لدينا أن تكون ولادته سنة ثمانية وستين وسبعماية، لقوله، عام ثمانية عشر وثمانماية للهجرة. إن جاء نظمي قاصرًا عن وصفه ... عذرًا فهذي نشطة الخمسين كان من أعلام القرن التاسع الهجري، وذكر أنه كان رئيس الأدباء وإمام أهل الأدب في عصره. فقد سئل الحافظ ابن حجر: من شاعر العصر فقال: الشيخ تقي الدين ابن حجة. وهو زجّال، وشاعر جيد الإنشاء، طويل النفس في النظم والنثر، حسن الأخلاق والمروءة، فيه شيء من الزهو والإعجاب. عانى، في صباه، عمل الحرير وعقد الأزرار صناعة له، فنسب إليها. تتلمذ في صباه، على العلامة شمس الدين الهيتي الحسني النحوي، وعلى قاضي القضاة في حماة، تقي الدين بن الحسني الحنفي، كما تتلمذ على قاضي القضاة، علاء الدين بن القضاعي. عاش في العصر المملوكي، وعاصر الناصري محمد بن البارزي الجهني الشافعي،

стр. 11

واتصل بخدمة المحمودي، أمير دمشق، ثم قدم بصحبته هاربا من طرابلس الشام، إلى القاهرة، بعد أن عضته حرب الثغور بأنيابها، ووصل إليها سنة اثنتين وثمانماية للهجرة، وبقي فيها حتى توفي الملك المؤيد، حيث تسلط عليه، بعده، جماعة من شعراء عصره، لأنه كان ظنينا بنفسه وبشعره، مزريًا بغيره من الشعراء، فراحوا يقذعون في هجائه، حتى أن أحدهم قال فيه: زاد ابن حجة بالإسهال من فمه ... وصار يسلح منثورًا ومنظومًا وظن أن قد تنبا في ترسله ... لو صح ذلك قطعًا كان معصومًا وما زالوا به يضايقونه، حتى خرج من مصر، عائدًا إلى مسقط رأسه حماة، حيث مات فيها سنة سبع وثلاثين وثمانماية للهجرة، ودفن في تربة باب الجسر. مؤلفاته: لابن حجة مجموعة لا بأس بها من المؤلفات، إن دلت على شيء فإنما تدل على سعة اطلاعه وغزارة إنتاجه، وعلى طول باعه في النظم والتأليف. وقد عد له صاحب الأعلام الكثير من المؤلفات، منها ما هو مطبوع ومنها ما هو مخطوط، نذكر منها: - خزانة الأدب وغاية الأرب، وهو هذا الكتاب الذي بين أيدينا، وهو عبارة عن شرح المؤلف للبديعية التي كان أنشأها في مدح الرسول الكريم، معارضًا فيها كلًّا من الشيخ صفي الدين الحلي والشيخ عز الدين الموصلي، ملتزمًا فيها بذكر النوع البديعي، وقد طبع طبعة أولى وهذه هي طبعته الثانية. - ثمرات الأوراق، وهو عبارة عن مجموعة محاضرات، "مطبوع". - كشاف اللثام عن التورية والاستخدام. - حديقة زهري "مطبوع". - قهوة الإنشاء، في مجلدين ضخمين "مخطوط". - بروق الغيث أو شرح لامية العجم. - بلوغ المرام من سيرة ابن هشام "مخطوط". - بلوغ المراد من الحيوان والنبات والجماد. - الثمرات الشهية من الفواكه الحموية، وهو من النظم "مخطوط". - تأهيل الغريب "مطبوع". - أمان الخائفين من أمة سيد المرسلين. - وله ديوان شعر بديع.

стр. 12

مقدمة الكاتب: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله البديع الرفيع، الذي أحسن ابتداء خلقنا بصنعته، وأولانا جميل الصنيع فاستهلت الأصوات ببراعة توحيده وهو البصير السميع، أدّب نبينا محمدًا ﷺ فأحسن تأديبه حتى أرشدنا، جزاه الله عنا خيرًا إلى سلوك الأدب وأوضح لنا بديعه وغريبه. نحمده حمدًا يحصن به التخلص من غزل الشهوة إلى حسن الختام، ونشكره شكر من شعر ببديع صفاته فأحسن النظم، وأعوذ بالله من قوم لا يشعرون بهذا النظام، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة شاعر بأنه الواحد، وأن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، المبعوث من بيت عربي، فصاحته على الأعراب والإعراب أعظم شاهد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، الذين هم نظام هذا البيت الشريف، ودوائر بحره وأنواع بديعه وديباج صدره، وسلم تسليمًا كثيرًا. وبعد: فهذه البديعية التي نسجتها بمدحه ﷺ ، على منوال طرز البردة، [و] كان مولانا المقر الأشرف العالي المولوي القاضوي المخدومي الناصري، سيدي محمد بن البارزي الجهني الشافعي، صاحب ديوان الإنشاء، الشريف بالممالك الإسلامية المحروسة، جمل الله الوجود بوجوده، هو الذي ثقف لي هذه الصعدة وحلب لي ضرعها الحافل، لحصول هذه الزبدة، وما ذاك إلا أنه وقف بدمشق المحروسة على قصيدة بديعية للشيخ عز الدين الموصلي رحمه الله تعالى، التزم فيها بتسمية النوع البديعي، وورى بها من جنس الغزل، ليتميز بذلك على الشيخ صفي الدين الحلي تغمده الله تعالى برحمته، لأنه ما التزم في بديعيته بحمل هذا العبء الثقيل غير أن الشيخ عز الدين ما أعرب عن بناء بيوت أذن الله أن ترفع، ولا طالت يده لإبهام العقادة إلى شيء من إشارات ابن أبي

стр. 13

الأصبع، وربما رضي، في الغالب، بتسمية النوع ولم يعرب عن المسمى، ونثر شمل الألفاظ والمعاني، لشدة ما عقده نظمًا. فيا دارها بالخيف إن مزارها ... قريب ولكن دون ذلك أهوال فاستخار الله مولانا الناصري، المشار إليه، ورسم لي بنظم قصيدة أطرز حلتها ببديع هذا الالتزام، وأجازي الحلي برق السحر الحلال، الذي ينفث في عقد الأقلام، فصرت أشيد البيت فيرسم لي بهدمه. وخراب البيوت، في هذا البناء صعب على الناس، ويقول: بيت الصفي أصفى موردًا، وأنور اقتباسًا. فأسن كل ما حده الفكر؛ وأراجعه ببيت له على المناظرة طاقة، فيحكم لي بالسبق وينقلني إلى غيره، وقد صار لي فكرة إلى الغايات سباقة. فجاءت بديعية هدمت بها ما نخته الموصلي، في بيوته من الجبال، وجاريت الصفي١ مقيدًا بتسمية النوع، وهو من ذلك محلول العقال، وسميتها: تقديم أبي بكر، عالمًا أن لا يسمع من الحلي والموصلي في هذا التقديم مقال. وكان المشار إليه، عظم الله شأنه، هو الذي مشى أمامي وأشار إلى هذا السلوك وأرشد، فاقتديت برأيه، وهل يقتدي أبو بكر بغير محمد؟

стр. 14

في حسن الابتداء وبراعة الاستهلال: حسن الابتداء عند المتقدمين: لي في ابتداء مدحكم يا عُرب ذي سلم ... براعة تستهل الدمع في العلم اعلم أنه اتفق علماء البديع، على أن براعة المطلع عبارة عن طلوع أهلة١ المعاني واضحة في استهلالها، وأن لا يتجافى بجنوب الألفاظ عن مضاجع الرقة، وأن يكون التشبيب بنسبها مرقصا عند السماع، وطرق السهولة متكفلة لها بالسلامة من تجشم الحزن٢ ومطلعها، مع اجتناب الحشو، ليس له تعلق بما بعده. وشرطوا أن يجتهد الناظم في تناسب قسميه، بحيث لا يكون شطره الأول أجنبيا من شطره الثاني. وقد سمى ابن المعتز براعة الاستهلال، حسن الابتداء، وفي هذه التسمة تنبيه على تحسين المطالع، وإن أخل الناظم بهذه الشروط لم يأت بشيء من حسن الابتداء، وأورد في هذا الباب قول النابغة: كليني لهمٍ يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب٣ قال زكي الدين بن أبي الأصبع: لعمري لقد أحسن ابن المعتز الاختيار، فإني أظنه نظر بين هذا الابتداء وبين ابتداء امرئ القيس، حيث قال: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل٤

стр. 15

فرأى ابتداء امرئ القس، على تقدمه وكثرة معانيه، متفاوت القسمين جدًّا لأن صدر البيت جمع بين عذوبة اللفظ وسهولة السبك وكثرة المعاني، وليس في الشطر الثاني شيء من ذلك. وعلى هذا التقدير مطلع النابغة أفضل، من جهة ملايمة ألفاظه وتناسب النفوس، إلا الاقتصار على سماع صدر البيت؛ فإنه وقف واستوقف وبكى واستبكى وذكر الحبيب والمنزل في شطر بيت، وإذا تأمل الناقد البيت بكماله، ظهر له تفاوت القسمين. وقال، أعني ابن أبي الأصبع: إذا وصلت إلى قول البحتري، من هذا الباب، وصلت إلى غاية لا تدرك، وهو قوله: بودّي لو يهوى العذول ويعشقُ ... ليعلم أسباب الهوى كيف تعلق انتهى كلام زكي الدين بن أبي الأصبع. ولقد أحسن أبو الطيب المتنبي حيث قال: أتراها لكثرة العشاق ... تحسب الدمع خلقة في المآقي ومثله قوله، "أي قول حبيب": حشاشة نفس ودّعت يوم ودعوا ... فلم أدر أي الظاعنين أشيع١ وما ألطف قول أبي تمام في هذا الباب: لا أنت أنت ولا الديار ديار ... خف الهوى وتقضت الأوطار٢ ومثله قول أبي العلاء المعري: يا ساهر البرق أيقظ راقد السمر ... لعل بالجزع أعوانا على السهر وقد خلب القلوب ابن المعتز في تناسب القسمين بقوله: أخذت من شبابي الأيام ... وتولى الصبا ﵇

стр. 16

وما أحلى ما ناسب ابن هانئ، قسمي مطلعه بالاستعارات الفائقة، حيث قال: بسم الصباح لأعين الندماء ... وانشق جيب غلالة الظلماء١ وقال الشريف أبو جعفر البياضي، يشير إلى الرفق بالإبل عند السرى٢، وتلطف ما شاء في تناسب القسمين، حيث قال: رفقًا بهن فما خلقن حديدا ... أو ما تراها أعظمًا وجلودا وهذه القصيدة، طريقها الغريب، لم يسلكها غيره، فإن نسجها جميعها على هذا المنوال ومنها: يفلين ناصية الفلا بمناسم ... وسم الوجا بدمائهن البيدا٣ فكأنهن نثرن درًّا بالخطا ... ونظمن منه بسيرهن عقودا ومما يعذب في الذوق من هذا الباب قول ابن قاضي ميلة: يزيد الهوى دمعي وقلبي المعنف ... ويحيي جفوني الوجد وهو المكلف وقد نبه مشايخ البديع على يقظة الناظم في حسن الابتداء، فإنه أول شيء يقرع الأسماع ويتعين على ناظمه النظر في أحوال المخاطبين والممدوحين، وتفقد ما يكرهون سماعه ويتطيرون منه، ليتجنب ذكره، ويختار لأوقات المدح ما يناسبها. وخطاب الملوك في حسن الابتداء هو العمدة في حسن الأدب فقد حكي أن أبا النجم الشاعر، دخل على هشام بن عبد الملك في مجلسه، فأنشده من نظمه: صفراء قد كادت ولما تفعل ... كأنها في الأفق عين الأحول٤ وهشام بن عبد الملك أحول، فأخرجه وأمر بحبسه. وكذلك اتفق لجرير مع أبيه عبد الملك، فإنه دخل عليه وقد مدحه بقصيدة حائية أولها: "أتصحو أم فؤادك غير صاح". فقال له عبد الملك: بل فؤادك يا بن الفاعلة.

стр. 17

ومن هذه الجهة بعينها عابوا على أبي الطيب المتنبي خطابه لممدوحه، في مطلع قصيدة حيث قال: كفى بك داء أن ترى الموت شافيا ... وحسب المنايا أن يكنَّ أمانيا ومن مستقبحات الابتداء، قول البحتري وقد أنشد يوسف بن محمد قصيدته التي أولها: "لك الويل من ليل تقاصر آخره" فقال: بل لك الويل والخزي، وأما قصة إسحاق بن إبراهيم الموصلي، في هذا الباب، فإني أنفعل وأخجل عند سماعها، وما ذاك إلا أنه دخل على المعتصم وقد فرغ من بناء قصره بالميدان، فشرع في إنشاء قصيدة نزل بمطلعها إلى الحضيض، وكان هو وحكاية الحال في طرفي نقيض، وهو: يا دار غيرك البلا ومحاك ... يا ليت شعري ما الذي أبلاك فتطير المعتصم من قبح هذا المطلع، وأمر بهدم القصر على الفور، فتعوذ بالله من آفة الغفلة، هذا مع يقظة إسحاق وسير الركبان بحسن محاضرته ومنادمته للخلفاء، ولكنه قد يخبو الزناد وقد يكبو الجواد، مع أنه قيل: إن أحسن ابتداء ابتدأ به مولد، قول إسحاق الموصلي حيث قال: هل إلى أن تنام عيني سبيل ... إن عهدي بالنوم عهد طويل فانظر إلى هذا الأديب الحاذق المتيقظ، كيف استطردت به خيول السهو إلى أن خاطب المعتصم، في قصر رياحين تشييده غضة١ بخطاب الأطلال البالية، وانظر إلى حشمة أبي نواس كيف خاطب الدمن بخطاب تود القصور العالية أن تتحلى بشعاره، مع بلوغه في تناسب الطرف الأقصى، حيث قال: لمن دمن تزداد حسن رسوم ... على طول ما أقوت وطيب نسيم٢ وقصة ذي الرمة مع عبد الملك تقارب قصة إسحاق مع المعتصم، فإنه دخل عليه يومًا فأمره بإنشاد شيء من شعره فأنشد قوله: "ما بال عينك منها الماء ينسكب" وكان يعبين عبد الملك رمش فهي تدمع أبدًا، فتوهم أنه خاطبه وعرض به، فقال له: ما سؤالك عن هذا يابن الفاعلة. فمقته وأمر بإخراجه.

стр. 18

حسن الابتداء عند المحدثين: انتهى ما أوردته من حسن الابتداء للعرب والمولدين وفحول الشعراء، ونبهت على حسنه وقبيحه، ولكن جذبتني يا أخا العرب نسبة المتأخرين إلى أن أثبت، في هذا المحل، تشبيهًا ونسيبها وأظهر، في شرح هذه البديعة الآهلة، بديعها وغريبها ليعلم من تنزه في هذه الحدائق الزاهرة، أن ما ربيع الآخر من ربيع الأول ببعيد، وأن لكل زمان بديعًا تمتع بلذة الجديد، وهنا بحث لطيف وهو أن الاستشهاد بكلام المولدين وغيرهم من المتأخرين ليس فيه نقص، لأن البديع أحد علوم الأدب الستة، وذلك أنك إذا نظرت في الكلام العربي، إما أن تبحث عن المعنى الذي وضع له اللفظ، وهو علم اللغة، وإما أن تبحث عن ذات اللفظ بحسب ما يعتريه، وهو علم التصريف، وإما أن تبحث عن المعنى الذي يفهم من الكلام المركب بحسب اختلاف أواخر الكلم، وهو علم العربية، وإما أن تبحث عن مطابقة الكلام لمقتضى الحال بحسب الوضع اللغوي، وهو علم المعاني، وإما أن تبحث عن طرق دلالة الكلام إيضاحًا وخفاء بحسب الدلالة العقلية، وهو علم البيان، وإما أن تبحث عن وجوه تحسين الكلام، وهو علم البديع. فالعلوم الثلاثة الأول، يستشهد عليها بكلام العرب نظمًا ونثرًا، لأن المعتبر فيها ضبط ألفاظهم والعلوم الثلاثة الأخيرة يستشهد عليها بكلام العرب وغيرهم، لأنها راجعة إلى المعاني، ولا فرق في ذلك بين العرب وغيرهم، إذا كان الرجوع إلى العقل. وقال أبو الفتح عثمان بن جني: المولودون يستشهد بهم في المعاني، كما يستشهد بالقدماء في الألفاظ. قال ابن رشيق في العمدة: الذي ذكره أبو الفتح صحيح بين لأن المعاني اتسعت باتساع الناس في الدنيا وانتشار العرب بالإسلام في أقطار الأرض، فإنهم حضروا الحواضر، وتفننوا في المطاعم والملابس، وعرفوا بالعيان ما دلتهم عليه بداهة عقولهم، من فضل التشبيه ونحوه، ومن هنا يحكى عن ابن الرومي أن لائمًا لامه وقال له: لم لا تشبه تشبيه ابن المعتز، وأنت أشعر منه؟ فقال له: أنشدني شيئًا من قوله أعجز عن مثله، فأنشده في صفة الهلال: فانظر إليه كزورق من فضة ... قد أثقلته حمولة من عنبر فقال له ابن الرومي: زدني، فأنشده: كأن آذريونها ... والشمس فيه كاليه١ مداهن من ذهب ... فيها بقايا غاليه

стр. 19

فقال: واغوثاه لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ذاك إنما يصف ماعون١ بيته لأنه ابن الخلفاء، وأنا مشغول بالتصرف في الشعر وطلب الرزق به، أمدح هذا مرة وأهجو هذا كرة، وأعاتب هذا تارة، وأستعطف هذا طورا. انتهى كلام ابن رشيق. ورأيت الشيخ شمس الدين بن الصائغ، رحمه الله تعالى، قد استشهد في شرح البردة، الذي سماه بالرقم، بغالب أهل عصره، في ما عرض له من أنواع البديع، حتى أورد لهم شيئًا من محاسن الزجل. رجع إلى ما كنا فيه، من حسن الابتداء وتناسب القسمين، وإيراد ما وعدنا به من كلام المتأخرين. قال قاضي هذه الصناعة وفاضلها والمتأخر الذي لم يتقدم عليه بغير الزمان أوائلها: زار الصباح فكيف حالك يا دجى ... قم فاستذمَّ بفرعه أو فالنجا انظر إلى حسن هذا الابتداء، كيف جمع، مع اجتناب الحشو، بين رقة النسيب وطرق التشبيب وتناسب القسمين وغرابة المعنى. ومثله قوله يخاطب العاذل: أخرج حديثك من سمعي فما دخلا ... لا ترم بالقول سهمًا ربما قتلا وما أطلف ما قال بعده: وما يخف على قلبي حديثك لي ... لا والذي خلق الإنسان والجبلا ومثله قوله: سمعتك والقلب لم يسمع ... فكم ذا تقول وكم لا أعي وما ألطف ما قال بعده: يقول وما عنده أنني ... بغير فؤاد ولا أضلع أما مع هذا الفتى قلبه ... فقلت نعم يا فتى ما معي وأما مطلع قصيدة ابن النبيه، فإن الأذواق السليمة تنتبه به إلى فتح هذا الباب، وهو: يا ساكني السفح كم عين بكم سفحت ... نزحتم فهي بعد الباب ما نزحت

стр. 20

والقصيدة كلها تحف وطرف، وعارضها ابن نباتة، فما حلا معها مكرر نباته، وأجرى الصفي معها ينابيع فكره، فما صفا له معها مورد، وجاراها الصفدي فتصفدت١ سوابق قافية عن لحاقها، ومنها: وروضة وجنات الورد قد خجلت ... فيها ضحى وعيون النرجس انفتحت٢ تشاجر الطير في أفنانها سحرًا ... ومالت القضب للتعنيق فاصطلحت٣ والقطر قد رش نوب الدوح حين رأى ... مجامر الزهر في أذياله نفحت٤ ومما يحسن نظامه في هذا السلك قوله: رنا وانثنى كالسيف والصعدة السمرا ... فما أكثر القتلى وما أرخص الأسرى٥ ومما اختاره الشيخ جمال الدين بن نباتة، ﵀، من ديوان أبي الفتوح نصر الله بن قلاقس، وهو حسن في هذا الباب، قوله: كم مقلة للشقيق الغض رمداء ... إنسانها سابح في بحر أنداء٦ وقوله: قفا واسألا مني زفيرا وأدمعا ... أكانا لهم إلا مصيفًا ومربعا وهو من الغايات التي اختارها الشيخ جمال الدين بن نباتة، من شعر ابن قلاقس، فإنه قال: طالعت ديوان الأديب البارع، أبي الفتوح نصر الله بن قلاقس، فطالعت الفن الغريب وفتح علي بتأمل ألفاظه فتلوت: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ . بيد أني وجدت له حسنات تبهر العقول فضلًا وسيئات يكاد بذكرها ابن قلاقس يقلي٧. انتهى كلام الشيخ جمال الدين بن نباتة. ومما وقع في تناسب القسمين إلى الغاية، قول الشيخ ظهير الدين بن البارزي ﵀، وهو:

стр. 21

يذكرني وجدي الحمام إذا غنى ... لأنا كلانا في الهوى يعشق الغصنا١ ذكر الصلاح الكتبي، في كتابه فوات الوفيات، أن الشيخ أثير الدين أبا حيان قال: رأيت الشيخ المذكور صوفيا بحماة المحروسة، وأنشدني لنفسه هذه القصيدة وعدة مقاطيع منها: أراك فأستحيي فأُطرِقُ هيبة ... وأُخفي الذي بي من هواك وأكتُم وهيهات أن يخفى وأنت جعلتني ... جميعي لسانا في الهوى يتكلم وتوفي بعد الثمانين والستمائة، وأما مطلع الشيخ شمس الدين بن العفيف في هذا الباب، فظرافته لا تنكر، لأنه كان ينعت بالشاب الظريف، قال في شطره الأول: أعز الله أنصار العيون وفي الثاني "وخلد ملك هاتيك الجفون" وما أظرف ما قاله بعده: وضاعف بالفتور لها اقتدارًا ... وجدد نعمة الحسن المصون وما أحسن ابتداءات الشيخ عبد العزيز الأنصاري، شيخ شيوخ حماة، فجميعها نسجت على هذا المنوال، منها قوله: حروف غرامي كلها حرف إغراء ... على أن سقمي بعض أفعال أسماء وقوله: ويلاه من نومي المشرد ... أواه من شملي المبدد وقوله: أهلا بطيفكم وسهلا ... لو كنت للإغفاء أهلا وما أحلى ما قاله بعده: لكنه وافى وقد ... حلف السهاد علي أن لا وقد توارد هو وابن عنين في هذا المعنى، ولك كساه ديباجة تأخذ بمجامع القلوب، ومطلع ابن عنين قوله: ماذا على طيف الأحبة لو سرى ... وعليهم لو سامحوني بالكرى٢

стр. 22

وقول مهيار الديلمي، في هذا الباب، مشهور والذي أقوله: إن الشيخ جمال الدين بن نباتة، نبات هذا البستان وقلادة هذا العقيان، ومن مطالعه التي هي أبهج من مطالع الشمس قوله في هذا الباب: في الريق سكر وفي الأصداغ تجعيدُ ... هذا المدام وهاتيك العناقيد وقوله: بدا ورنت لواحظه دَلالا ... فما أبهى الغزالة والغزالا وقوله: سلبت عقلي بأحداث وأقداح ... يا ساجيَ الطرف بل يا ساقي الراح١ وما ألطف ما قال بعده: سكران من مقلة الساقي وقهوته ... فاترك ملامك في السكرين يا صاح وقوله: إنسان عيني بتعجيل السهاد بلي ... عمري لقد خلق الإنسان من عجلِ وقوله: قام يرنو بمقلة كحلاء ... علمتني الجنون بالسوداء وقوله: نفس عن الحب ما حادت وما غفلت ... بأي ذنب وقاك الله قد قتلت وقد تقدم شروط، لابد من اجتنابها في حسن الابتداء، منها الحشو، ولكن وقاك الله حشو اللوزينج٢. وقوله: لام العذار أطالت فيك تسهيدي ... كأنها لغرامي لام توكيد ولولا الإطالة لأفعمت الأذواق من هذا السكر النباتي. ورأيت للشيخ صفي الدين الحلي في "الأرتقيات" قصيدة قافية مطلعها في هذا الباب فيه، وهو قوله: قفي ودعينا قبل وشك التفرق ... فلما أنا من يحيا إلى حين نلتقي وأنشدني من لفظه، الشيخ عز الدين الموصلي قصيدة نونية، نظمها بحماة، ومطلعها في حسن الابتداء حسن: سمعنا حمام الدوح في روحة غنا ... فأذكرنا ربع الحبائب والمغنى ولقد سهوت عن مطلع الشيخ علاء الدين علي بن المظفر الكندي، الشهير بالوادعي، فإنه ليس له في تناسب القسمين قسيم وهو: بدر إذا ما بدا محياه ... أقول ربي وربك الله

стр. 23

وعارضة الشيخ جمال الدين بن نباتة، في هذه القصيدة بعينها، وترقى إلى مطلع بدره وزاحمه في حسنه فمطلع الشيخ جمال الدين: له إذا غازلتك عيناه ... سهام لحظ أجارك الله من مطالعي، التي حصل لي فيها الفتوح في هذا الباب، قولي: طلعتم بدورًا في أعزل المطالع ... فبشرني قلبي بسعد طوالعي١ وقولي: إغراء لحظك ما لي منه تحذير ... ولا لتعريف وجدي فيك تنكير وقولي: في عروض الجفا بحور دموعي ... ما أفادت قلبي سوى التقطيع وقولي: لله قوم لنظم الوصل قد نثروا ... شعرت في حبهم يا ليتهم شعروا وقولي: جردت سيف اللحظ عند تهددي ... يا قاتلي فسلبتني بمنجرد٢ وقولي: هواي بسفح القاسمية والجسر ... ذا هبَّ ذاك الريح فهو الهوى العذري وكأني بمنتقد تأمل قلبه على المتقدمين، بكثرة النقد، ومالت نفسه، إلي مع المتأخرين ليستوفي الشروط الأدبية في مباشرة هذا العقد. وقولي: قال مال غصن النقا عن صبه هيفًا ... يا ليته بنسيم العتب لو عطا٣ فأقول وبالله المستعان إن جماعة من المخاديم بدمشق رسموا أن أعارض شيئًا من نظم الشيخ جمال الدين بن نباتة وتخيروا لي خمس قصائد منها قصيدته الكافية التي مطلعها: تصرمت الأيام دون وصالك ... فمن شافعي في الحب يا ابنة مالك٤ فلما انتهت إلى معارضتها وجدت، بين الشطر الثاني من المطلع وبين الشطر الأول، مباينة، كما تقدم في مطلع امرئ القيس من الكلام على أن في شطره الأول ما ليس في الثاني. وقد اتفق علماء البديع على أن عدم تناسب القسمين نقص في حسن الابتداء، وقد تقدم قول زكي الدين بن أبي الصبع: إن مطلع النابغة أفضل من مطلع امرئ القيس، لتناسب القسمين، وإن كان مطلع امرئ القيس أكثر معاني. انتهى ولو قال الشيخ جمال الدين في مطلعه:

стр. 24

تمذهبت في هجري بطول مطالِكِ ... فمن شافعي في الحب يا ابنة مالك١ لجمع بين تناسب القسمين. ومطلعي الذي عارضت به الشيخ جمال الدين: رضيع الهوى يشكو فطام وصالك ... فداوي بني الحب يا ابنة مالك وكذلك من مطلع الشيخ صفي الدين الحلي، في قصيدته الجيمية التي هي من جملة القصائد الأرتقيات التي امتدح بها الملك المنصور صاحب ماردين: جاءت لتنظر ما أبقت من المهج ... فعطرت سائر الأرجاء بالأرج٢ فالشطر الثاني ليس من جنس الشطر الأول، فإن الشطر الأول في الطريق الغرامية ليس له مثيل ومن أنكر هذا النقد، ينتظر في مطلع الشيخ شرف الدين عمر بن الفارض قدس الله سره، فإنه في هذا الباب طرفة، وهو: ما بين معترك الأحداق والمهج ... أنا القتيل بلا إثم ولا حرج وهنا نكتة لطيفة تؤيد هذا النقد. اتفق أن الشيخ نور الدين علي بن سعيد الأندلسي الأديب المشهور الذي من نظمه قوله: وا طُول شوقي إلى ثغور ... ملأي من الشهد الرحيق عنها أخذت الذي تراه ... يعذب من شعري الرقيق لما ورد إلى هذه البلاد، اجتمع بالصاحب بهاء الدين زهير، وتطفل على موائد طريقته الغرامية، وسأله الإرشاد إلى سلوكها، فقال له: طالع ديوان الحاجري والتلعرفي وأكثر المطالعة فيهما وراجعني بعد ذلك، فغاب عنه مدة وأكثر من مطالعة الديوانين، إل أن حفظ غالبهما، ثم اجتمع به بعد ذلك وتذاكرا في الغراميات فأنشده الصاحب بهاء الدين زهير، في غصون المحاضرة: "يا بان وادي الأجرع"، وقال: أشتهي أن يكمل لي هذا المطلع فافْتَكَر قليلًا وقال: "سقيت غيث الأدمع" فقال: والله حسن لكن الأقر إلى الطريق الغرامي أن تقول: "هل ملت من طرب معي"، وما ألطف مطلع الحجاري في هذا الطريق:

стр. 25

لك أن تشوقني الأوطان ... وعلي أن أبكي بدمع قان والآراء على هذا النوع، تستحسن هنا مطلع ناصر الدين بن النقيب، فإنه أعدل شاهد مقبول، والتشبيب بنفسه الطيب يغني، في هذه الحضرة، عن الموصول، وهو: قلدت يوم البيت جيد مودعي ... دررًا نظمت عقودها من أدمعي وبالنسبة إلى حسن الابتداءات، مطلع اليخ برهان الدين القيراطي مع حسنه وبهجته، فيه نقص وهو: قسما بروضة خدها ونباتها ... وبآسها المخضل في جنباتها١ فإنه لم يأت بجوانب القسم، ولا ما يحسن السكوت على مطلعه، ولا تتم الفائدة إلا به. ومشايخ البديع قرروا أن لا يكون المطلع متعلقًا بما بعده، في حسن الابتداء. وقد آن أن أحبس عنان القلم، فإن الشرح قد طال، ولم أطله إلا ليزداد الطالب إيضاحًا ويداوي علل فهمه بحكم المتقدمين، ويتنزه في رياض الأدب على النبات الغض من نظم المتأخرين. براعة الاستهلال في النظم: انتهى من أوردته في حسن الابتداء وقد فرع المتأخرون منه براعة الاستهلال، وفي النظم والنثر، وفيها زيادة على حسن الابتداء، فإنهم شرطوا في براعة الاستهلال، أن يكون مطلع القصيدة دالًا على ما بنيت عليه، مشعرًا بغرض الناظم، من غير تصريح بل بإشارة لطيفة تعذب حلاوتها في الذوق السليم، ويستدل بها على قصده، من عتب أو عذر أو تنصل أو تهنئة أو مدح أو هجو، وكذلك في النثر، فإذا جمع الناظم بين حسن الابتداء وبراعة الاستهلال كان من فرسان هذا الميدان، وإن لم يحصل له براعة الاستهلال فليجتهد في سلوك ما يقوله في حسن الابتداء. وما سمي هذا النوع براعة الاستهلال إلا لأن المتكلم يفهم غرضه من كلامه، عند ابتداء رفع صوته به، ورفع الصوت في اللغة هو الاستهلال، يقال: استهل المولود صارخًا، إذا رفع صوته عند الولادة. وأهل الحجيج، إذا رفعوا أصواتهم بالتلبية، وسمي الهلال هلالًا، لأن الناس يرفعون أصواتهم عند رؤيته. ومما وقع من براعات الاستهلال التي

стр. 26

تشعر بغرض الناظم وقصده في قصيدة، براعة قصيدة الفقيه نجم الدين عمارة اليمني حيث قال: إذا لم يسالمك الزمان فحارب ... وباعد إذا لم تنتفع بالأقارب فإشارات العتب والشكوى لا تخفى على أهل الذوق في هذه البراعة، ويفهم منها أن بقية القصيدة تعرب عن ذلك، فإن زكي الدين بن أبي الإصبع قال: براعة الاستهلال هي ابتداء المتكلم بمعنى ما يريد تكميله، وهذه القصيدة، في حكمها وتحشمها وتسيير أمثالها، نهاية، والموجب لنظمها على هذا النمط، أنه كان بينه وبين الكامل بين شارر صحبة أكيدة، قبل وزارة أبيه، فلما وزر استحال عليه فكتب إليه هذه القصيدة التي من جملتها: ولا تحتقر كيدًا صغيرًا فربما ... تموت الأفاعي من سموم العقارب ومنها: إذا كان رأس المال عمرك فاحترز ... عليه من الإنفاق في غير واجب فبين اختلاف الليل والصبح معرك ... يكر علينا جيشه بالعجائب ومنها: وما راعني غدر الشباب لأنني ... ألفت لهذا الخلق من كل صاحب ومنها: إذا كان هذا الدر معدنه فمي ... فصونوه عن تقبيل راحة واهب١ رأيت رجالا حالهم في مآدب ... لديكم وحالي عندكم في نوادب٢ تأخرت لما قدمتكم علاكم ... عليّ وتأبى الأسد سبق الثعالب ترى أين كانوا في مواطني التي ... غدوت لكم فيهن أكرم خاطب٣ ليالي أتلوا ذكركم في مجالس ... حديث الورى فيها بغمز الحواجب٤ ومن ألطف البراعات وأحشمها، براعة مهيار الديلمي، فإنه بلغه أنه وشي به إلى ممدوحه فتنصل من ذلك، بألطف عذر وأبرزه في معرض التغزل والنسيب، فقال: أما وهواها حلفة وتنصلا ... لقد نقل الواشي إليك فامحلا٥ وما أحلى ما قال بعده: سعى جهده لكن تجاوز حده ... وكثر فارتابت ولو شاء قللا

стр. 27

وأذكرني مهيار، بحسن براعته، ما كتبت به إلى سيدنا ومولانا قاضي القضاة، صدر الدين ملك المتأدبين، أبي الحسن علي بن الآدمي الحنفي، الناظر في الحكم العزيز بالديار المصرية والممالك الإسلامية، جعل الله الوجود بوجوده، من حماة المحروسة إلى أبوابه العالية بدمشق المحروسة، ورياحين الشبيبة غضة، وكانت مطالعاتي قد تأخرت عن أبوابه العالية لعارض حجب الفكر عن هذا الفن، وهي رسالة مشتملة على نظم ونثر، فصدرت الجواب بقصيدة ترفل في حلل النسيب، على طريق مهيار، وكلها براعة استهلال أولها: وصلت ولكن بعد طول تشوقي ... ودنت وقد رقت لقلبي الشيق وما أحلى ما قلت بعده: فثملت من طرب يرجع حديثها ... فكأنما قد نادمت بمعتق١ وجميعها على هذا الطريق البديعي ومثله. إن المقر المخدومي الأميني الحمصي، لما انتقل من توقيع حمص المحروسة إلى حصابة ديوان الإنشاء بدمشق، قصد نقلتي من حماة المحروسة إلى أبوابه العالية، وحب حماة يفتر العزم عن ذلك، وهذا يفهم من قولي في بعض قصائدي فيها: يلذ عناق الفقر لي بفنائها ... وفي غيرها لم أرض بالملك والرهط٢ ولكنه قطع أسئلته العالية، بعد أن كانت كئوس الإنشاء دائرة بيننا، فكتبت إليه بقصيدة تشعر بعتب لطيف، وبلابل الغزل تغرد في أفنانها، على طريقة مهيار الديلمي وطريق مولانا قاضي القضاة صدر الدين عظم الله تعالى شأنه، وبراعة استهلالها: من بأسياف هجرهم كلمونا ... ما عليهم لو أنهم كلمونا٣ ولم أعرب في نحو هذه القصيدة عن غير هذه الإشارات اللطيفة. ومنها: غلقوا باب وصلهم فتح الله ... لهم بالهناء فتحا مبينًا وصلوا هجرنا وعيش هواهم ... لم نحل عنهم ولو قطعونا٤ ملكوا رقنا فصرنا عبيدًا ... ليتهم بعد رقنا كاتبونا٥

стр. 28

ولم أزل غازل عيون هذه المعاني إلى المخلص فقلت: حبكم فرضنا وسيف جفاكم ... قد غدا في بعادنا مسنونا والحشا لم يخن عهود وفاكم ... فاسألوا من غدا عليها أمينا ومما يشعر بالتهنئة والنصر على الأعداء، براعة العلامة لسان الدين بن الخطيب وهي: الحق يعلو والأباطل تسفل ... والحقل عن أحكامه لا يسأل فإنه قال: نظمت للسلطان أسعده الله، وأنا بمدينة سلا، لما انفصل طالبا حقه بالأندلس، قصيدة كان صنع الله مطابقًا لاستهلالها، ووجهت بها إلى رندة قبل الفتح، ثم لما قدمت أنشدتها بين يديه بعد الفتح وفاء بنذري، وسميتها الفتح الغريب في الفتح القريب، منها: فإذا استحالت حالة وتبدلت ... فالله لا يتبدل واليسر بعد العسر موعود به ... والصبر بالفرج القريب موكل والمستعد بما يؤمل ظافر ... وكفاك شاهد قيدوا وتوكلوا١ ومنها: محمد والحمد منك سجية ... بحليّها بين الورى يتجمل٢ أما سعودك فهو دون منازع ... عقد بأحكام القضاء يسجل٣ ولك السجايا الغر والشيم التي ... بغريبها يتمثل المتمثل٤ ولك الوقار إذا نزلت على الربا ... وهفت من الروع الهضاب المثل ومنها: عوذ كمالك ما استطعت فإنه ... قد تنقص الأشياء مما تكمل٥ تاب الزمان إليك مما قد جنى ... والله يأمر بالمتاب ويقبل إن كان ماض من زمانك قد مضى ... بإساءة قد سرك المستقبل هذا بذاك فشفع الثاني الذي ... أضراك فيما قد جناه الأول والله قد ولاك أمر عباده ... لما ارتضاك ولاية لا تعزل

стр. 29

وإذا تغمدك الإله بنصره ... وقضى لك الحسنى فمن ذا يخذل ومنها: وظعنت عن أوطان ملكك راكبا ... متن العباب فأي صبر يجمل١ والبحر قد خفقت عليك ضلوعه ... والريح تبتلع الزفير وترسل ولك الجواري المنشآت قد اغتدت ... تختال في برد الشباب وترفل٢ خرقاء يحملها ومن حملت به ... من يعلم الأنثى وماذا تحمل٣ صبحتهم غرر الجياد كأنما ... سد الثنة عارض متهلل من كل منجرد أغر محجل ... يرمي الجياد به أغر محجل زجل الجناح إذا أجد لغاية ... وإذا تغنى للصهيل، فبلبل٤ جيد كما التفت الظليم وفوقه ... أذن ممشقة وطرف أكحل٥ ومنها: وخليج هند راق حسن صفائه ... حتى يكاد به يقوم الصيقل٦ غرقت بصفحته النمال وأوشكت ... تبغى النجاة فأوثقتها الأرجل فالصرح منه ممرد والصفح منـ ... ـه مورد والشط منه مهدل وبكل أزرق إن شكت ألحاظه ... مره العيون فبالعجاجة يكحل٧ متأود أعطافه في نشوة ... مما يعل من الدماء وينهل٨ عجبًا له إن النجيع بطرفه ... رمد ولا يخفى عليه مقتل٩ لله موقفك الذي وثباته ... وثباته مثل به يتمثل١٠ والخيل خط والمجال صحيفة ... والسمر تنقط والصوارم تشكل١١ والبيض قد كسرت حروف جفونها ... وعوامل الأسل المثقف تعمل١٢

стр. 30

وهي طويلة وجميعها فرائد ولم أكثر منها إلا لعلمي أن نظم الوزير لسان الدين بن الخطيب رحمه الله تعالى، غريب في هذه البلاد. ومن البراعات التي يفهم من إشاراتها أنها تهنئة بمولود، قول أبي بكر بن الخازن رحمه الله تعالى: بشرى فقد أنجز الإقبال ما وعدا ... وكوكب المجد في أفق العلا صعدا ومما يشعر بقرينة الذوق، أن الناظم يريد الرثاء، قول التهامي: حكم المنية في البرية جاري ... ما هذه الدنيا بدار قرار وهذه القصيدة يرثي بها ولده، وهي نسيج وحدها وواسطة عقدها. ومها: ومكلف الأيام ضد طباعها ... متطلب في الماء جذوة نار١ جبلت على كدر وأنت تريدها ... صفوًا من الأقذاء والأقذار٢ وإذا رجوت المستحيل فإنما ... تبنى الرجاء على شفير هار٣ فالعيش نوم والمنية يقظة ... والمرء بينهما خيال سار وما أعلم أن أحدًا استهل للمراثي بأحسن من هذه البراعات، ومنها يشير إلى ولده وهو من المعانى المستغربة: جاورت أعدائي وجاور ربه ... شتان بين جواره وجواري وأما قصيدة الشيخ جمال الدين بن نباة، رحمه الله تعالى، في تهنئة السلطان للملك الأفضل بسلطنة حماة، وتعزيته بوفاة والده الملك المؤيد، سقى الله ثراه، فإنها من عجائب الدهر فإنه جمع فيها بين نقيضي٤ المدح والرثاء في كل بيت، وبراعتها: هناء محاذاك العزاء المقدما ... فما عبس المحزون حتى تبسما ثغور ابتسام في ثغور مدامع ... شبيهان لا يمتاز ذو السبق منهما يرد مجاري الدمع والبشر واضح ... كوابل غيث في ضحى الشمس قد همى٥

стр. 31

سبحان المانح والله من لا يتعلم الأدب من هنا فهو من المحجوبين عن إدراكه. وكتب إليه الشيخ صلاح الدين الصفدي قصيدة ضمن فيها أعجاز معلقة امرئ القيس، وصرح في براعتها بغليظ العتب، ولم يأت في البراعة بإشارة لطيفة يفهم منها القصد، بل صرح وقال: أفي كل يوم منك عتب يسوءني ... كجلمود صخر حطه السيل من عل فأجابه الشيخ جمال الدين بقصيدة ضمن فيها الأعجاز المذكورة، وبراعة استهلالها: فطمت ولائي ثم أقبلت عاتبًا ... أفاطم مهلًا بعض هذا التدلل١ والإشارة بقوله: أفاطم مهلًا بعض هذا التدلل، لا يخفى على حذاق الأدب ما مراده منها، وفي هذا القدر كفاية، وما أحلى ما قال بعده، وهو مما قصده في تلك الإشارة. فدونك عتب اللفظ ليس بفاحش ... إذا هي نصته ولا بمعطل٢ وهنا بحث وهو أني وقفت على بديعية الشيخ شمس الدين، أبي عبد الله محمد بن جابر الأندلسي، الشهيرة "ببديعية العميان" فوجدته قد صرح في براعتها بمدح النبي ﷺ ، وهي: بطيبة انزل ويمم سيد الأمم ... وانثر له المدح وانثر طيب الكلم٣ فهذه البراعة ليس فيها إشارة تشعر بغرض الناظم وقصده، بل أطلق التصريح ونثر المدح ونثر طيب الكلم، فإن قال قائل: إنها براعة استهلال، قلت: إن البديعية لابد لها من براعة وحسن مخلص وحسن ختام، فإذا كان مطلع القصيدة مبنيًّا على تصريح المدح، ولم يبق لحسن التخلص محل ولا موضع، ونظم هذه القصيدة سافل، بالنسبة إلى طريق الجماعة، غير أن الشيخ الإمام العلامة شهاب الدين أبا جعفر الأندلسي، شرحها شرحًا مفيدًا. وهنا فائدة وهو أن الغزل، الذي يصدر به المديح النبوي، يتعين على الناظم أن يحتشم فيه ويتأدب ويتضاءل وتشبب، مطربًا بذكر سلع ورامة وسفح العقيق والعذيب

стр. 32

والغوير ولعلع وأكناف حاجر١ ويطرح ذكر محاسن المرد٢ والتغزل في ثقل الردف٣ ودقة الخصر وبياض الساق وحمرة الخد وخضرة العذار٤ وما أشبه ذلك، وقل من يسلك هذا الطريق من أهل الأدب وبراعة الشيخ صفي الدين الحلي، في هذا الباب، من أحسن البراعات وأحشمها، وهي: إن جئت سلعا فسل عن جيرة العلم ... وأقر السلام على عرب بذي سلم فقد شبب بذكر سلع، والسؤال عن جيرة العلم، والسلام على عرب بذي سلم. ولا يشكل٥ على من عنده أدنى ذوق أن هذه البراعة صدرت لمديح نبوي، ومطلع البردة٦ أيضًا في هذا الباب، من أحسن البراعات أيضًا وهو: أمن تذكر جيران بذي سلم ... مزجت دمعًا جرى من مقلة بدم فمزج دمعه بدمه، عند تذكر جيران بذي سلم، من ألطف الإشارات إلى أن القصيدة نبوية، وما أحلى ما قال بعده. أم هبت الريح من تلقاء كاظمة ... وأومض البرق في الظلماء من أضم٧ وحشمة الشيخ جمال الدين بن نباتة في براعة قصيدته الرائية النبوية، يتعلم الأديب منها سلوك الأدب وهي: صحا القلب لولا نسمة تتخطر ... ولمعة برق بالفضا تتعسر٨ وما أحشم قوله بعده: وذكر جبين المالكية إن بدا ... هلال الدجى والشيء بالشيء يذكر سقى الله أكناف الفضا سائل الحيا ... وإن كنت أسقي أدمعًا تتحدر٩

стр. 33

وأما قصيدتي النبوية، الموسومة بأمانة الخائف، فإنها عزيب١ هذا البارق، وحلبة مجرى هذه السوابق، لأنني لم أخرج في تغزلها عن التباري والتشبيب بذكر المنازل المعهودة، وبراعتها: شدت بكم العشاق لما ترنموا ... فغنوا وقد طاب المقام وزمزم٢ وقلت بعده: وضاع شذاكم بين سلع وحاجر ... فكان دليل الظاعنين إليكم٣ وجزتم بواد الجزع فاخضر والتوى ... على خده بالنبت صدغ منمم٤ ولما روى أخبار نشر ثغوركم ... أراك الحمى جاء الهوى يتنسم٥ وما أليقه أن يكون صدرًا للمدائح النبوية، ومنها: فيا عرب الوادي المنيع حجابه ... وأعني به قلبي الذي فيه خيموا رفعتم قبابًا نصب عيني ونحوها ... تجر ذيول الشوق والقلب يجزم ويا من أماتونا اشتياقا وصيروا ... مدامعنا غسلا لنا وتيمموا منعتم تحيات السلام لموتنا ... غرامًا وقد متنا فصلوا وسلموا يقولون لي في الحي أين قبابهم ... ومن هم من السادات قلت هم هم عريب لهم طرفي خباء مطنب ... بدمعي وقلبي نارهم حين تضرم٦ ومن ألطف الإشارات إلى أن هذا التغزل صدر قصيدة نبوية قولي منها: أوري بذكر البان والزند والنقا ... وسفح اللوى والجزع والقصد أنتم٧ ولم أزل في براعة الاستهلال، أستهل أهلة هذه المعاني، إلى أن وصلت إلى حسن التخلص فقلت:

стр. 34

تقنعت في حبي لهم فتعصبوا ... علي وهم سادات من قد تلثموا لهم حسب عان ببطحاء مكة ... لأن رسول الله في الأصل منهم١ ومن الأغزال التي لا تليق أن يكون غزلها لمديح قصيد نبوي، قصيد السري الرفاء، فإنه مدح بها الفاطميين وجدهم ﷺ ، وجرح القلوب بندبة الحسين ﵇، فإنه قال منها: مهلًا فما نقلوا آثار والده ... وإنما نقضوا في قتله الدينا وهذه القصيدة مشتملة على مدح النبي ﷺ وآل بيته، وندبة الحسين بن علي ﵉، فما ينبغي أن تكون براعتها: نطوي الليالي علمًا أن ستطوينا ... فشعشعيها بماء المزن واسقينا٢ ما أحق هذه البراعة ليعدها من المديح بقول القائل: تمنيتهم بالرقمتين ودارهم ... بوادي الغضى يا بعد ما أتمناه وما كفاه حتى قال بعد ذلك: وتوجي بكئوس الراح راحتنا ... فإنماخلقت للراح أيدينا٣ قامت تهز قوامًا ناعمًا سرقت ... شمائل البان من أعطافه اللينا تدير خمرًا تلقاها المزاج لها ... ألقيت فوق جنى الورد نسرينا٤ فلست أدري أتسقينا وقد نفحت ... روائح المسك منها أم تحيينا وقد ملكنا زمان العيش صافية ... لو فاتنا الملك راحت عنه تسلينا أقول: غفر الله له هذا الغزل، فيه إساءة أدب على مماديحه، فإنه شبب بوصف القيان٥ وبذكر الخمر، وبينه وبين المديح مباينة عظيمة. رجع إلى البراعات البارعة التي تشعر أنها صدر المديح النبوي، بالإشارات اللطيفة، منها براعة الشيخ برهان الدين القيراطي وهي قوله: ذكر الملتقى على الصفراء ... فبكاه بدمعة حمراء

стр. 35

وأما براعة بديعتي فإنها، ببركة ممدوحها ﷺ ، نور هذه المطالع وقبلة هذا الكلام الجامع؛ فإني جمعت فيها بين براعة الاستهلال وحسن الابتداء، بالشرط المقرر لكل منهما، وأبرزت تسمية نوعها البديعي في أحسن قوالب التورية، وشنفت١ بأقراط غزلها الأسماع، مع حشمة الألفاظ وعذوبتها وعدم تجافي جنوبها عن مضاجع الرقة وبديعية صفي الدين غزلها لا ينكر، غير أنه لم يلتزم فيها تسمية النوع البديعي مورى به من جنس الغزل، ولو التزمه لتجافت عليه تلك الرقة. وأما الشيخ عز الدين الموصلي، فإنه لما التزم ذلك نحت من الجبال بيوتًا، وقد أشرت إلى ذلك في الخطبة بقولي: وهي البديعية التي هدمت بها ما نحته الموصلي في بيوته من الجبال، وجاريت الصفي مقيدًا بتسمية النوع وهو من ذلك محلول العقال، وسميتها تقديم أبي بكر عالمًا أنه لا يسمع من الحلي والموصلي في هذا التقديم مقال. ومن أحسن إشارات براعتي التي تشعر أنها صدر مديح نبوي تشبيبي، بعرب ذي سلم، وخطابي لهم بأن لي في مدائحهم براعة تستهل الدمع، وكأنني وعدتهم بشيء لابد من القيام به، وهذا حسبما أراده ابن أبي الأصبع بقوله: براعة الاستهلال هي ابتداء الناظم بمعنى ما يريد تكميله. براعة الاستهلال في النثر: انتهى ما أوردته هنا من البراعات البارعة نظمًا، وأما براعات النثر فإنها مثلها، إن لم تكن براعة الخطبة أو الرسالة أو صدر الكتاب المصنف دالة على غرض المنشئ وإلا فليست ببراعة استهلال. وقد رأيت غالب البديعيين قد اكتفوا عند استشهادهم على براعة الاستهلال في النثر، بقول الصاحب عمرو بن مسعدة، كاتب المأمون، فإنه امتحن أن يكتب للخليفة يخبره أن بقرة ولدت عجلًا وجهه كوجه الإنسان، فكتب: الحمد الله الذي خلق الأنام في بطون الأنعام. ورأيت الشيخ صفي الدين الحلي، في شرح بديعيته، قد ألقى عند الاستشهاد بها عصا التسيار، واحتجبت عنه في هذا الأفق الشموس والأقمار، أين هو من علو مقام القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر، وقد كتب عن السلطان الملك الظاهر، إلى الأمير سنقر الفارقاني، جوابًا عن مطالعته بفتح سوس من بلاد السودان، واستهل بقوله: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ ٢ الله

стр. 36

أكبر، إن من البلاغة لسحرًا، والله ما أظن هذا الاتفاق الغريب اتفق لناثر، ولإهلال كاتب المأمون في هذا الاستهلال بزاهر، وهذا المثال الشريف ليس له مثال، منه صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس السامي تثني على عزائمه التي دلت على كل أمر رشيد، وأتت على كل جبار عنيد، وحكمت بعدل السيف في كل عبد سوء ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيد﴾ ١. وبراعة الشيخ جمال الدين بن عبد الرزاق الأصفهاني، في رسالة القوس تجاري براعة القاضي محي الدين بن عبد الظاهر في هذه الحلبة، وتساويها في علو هذه الرتبة، فإنه أتى بالعجائب، وأصاب غرض البلاغة بسهم صائب، واستهلها بعد البسملة بقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا، إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا، فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ ٢ منها: شيطان تطلع شمس النصرة من بين قرنيه، مارد لا يصلح إلا بتعريك أذنيه، صورة مركبة ليس لها من تركيب النظم إلا ما حملت ظهورها أو الحوايا٣ أو ما اختلط بعظم. وأما براعة الشيخ جمال الدين بن نباتة، في خطبة كتابه المسمى "بخبز الشعير" فإنها خاص الخاص ولا بد من مقدمة تكون هي النتيجة الموجبة لتسمية هذا الكتاب بخبز الشعير، فإنه مأكول مذموم، وما ذاك إلا إنه كان يخترع المعنى الذي لم يسبق إليه، ويسكنه بيتًا من أبياته العامرة بالمحاسن، فيأخذه الشيخ صلاح الدين الصفدي بلفظه، ولا يغير فيه غير البحر، وربما عام به في بحر طويل يفتقر إلى كثرة الحشو واستعمال ما لا يلائم، فلم يسع الشيخ جمال الدين إلا أنه جمعه من نظمه ونظم الشيخ صلاح الدين، واستهل خطبته بقوله تعالى: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِي مُؤْمِنًا﴾ ٤ ورتب كتابه المذكور على قوله: قلت أنا فأخذه الشيخ صلاح الدين وقال. فمن ذلك قول الشيخ جمال الدين: قلت: ومولع بفخاخ ... يمدها وشباك قالت لي العين ماذا ... يصيد قلت كراكي٥

стр. 37

فأخذه الشيخ صلاح الدين وقال: أغار على سرح الكرى عندما رمى ال ... كراكي غزال للبدور يحاكي١ فقلت ارجعي يا عين عن ورد حسنه ... ألم تنظريه كيف صاد كراكي ومن ذلك، قال الشيخ جمال الدين قلت: اسعد بها يا قمري برزة ... سعيدة الطالع والغارب صرعت طيرًا وسكنت الحشا ... فما تعديت عن الواجب فأخذه الشيخ صلاح الدين وقال من البحر نفسه: قلت له والطير من فوقه ... يصرعه بالبندق الصائب٢ سكنت في قلبي فحركته ... فقال لم أخرج عن الواجب قال الشيخ جمال الدين: قلت: وبمهجتي رشأ يميس قوامه ... فكأنه نشوان من شفتيه٣ شغف العذار بخلده ورآه قد ... نعست لواحظه فدب عليه فأخذه الصلاح وقال: وأهيف كالغصن الرطيب إذا انثنى ... تميل حمامات الأراك إليه لمه عارض لما رأى الطرف ناعسًا ... أتى خده سرا فدب عليه وأحسن ما وقع في هذا الباب للشيخ جمال الدين أنه قال: بروحي عاطر الأنفاس ألمى ... مليّ الحسن خالي الوجنتين٤ له خالان في دينار خد ... تباع له القلوب بحبتين فأخذه الصلاح وقال: بروحي خده المحمر أضحت ... عليه شامة شرط المحبة كأن الحسن يعشقه قديمًا ... فنقطه بدينار وحبه

стр. 38

فلما وقف الشيخ جمال الدين على هذين البيتين قال: لا إله إلا الله، الشيخ صلاح الدين سرق كما يقال من الحبتين حبة. قال الشيخ جمال الدين: قلت: يا غادرا بي ولم أغدر بصحبته ... وكان مني محل السمع والبصر قد كنت من قلبك القاسي أخال جفا ... فجاء ما خلته نقشًا على حجر فأخذه الشيخ صلاح الدين وقال: ما زلت أشكو حين وفر لي الضنا ... فسما وأسلمني إلى البلوى وفر حتى توفر من شكاية لوعتي ... لي قلبه فرأيت نقشا في حجر قال الشيخ جمال الدين: قلت: يا عاذلي شمس النهار جميلة ... وجمال قاتلتي ألذ وأزين١ فانظر إلى حسنيهما متأملًا ... وادفع ملامك بالتي هي أحسن فأخذه صلاح الدين مع البحر، بل أخذ الكل مع القافية وقال: بأبي فتاة من كمال صفاتها ... وجمال بهجتها تحار الأعين كم قد دفعت عواذلي عن وجهها ... لما تبدت بالتي هي أحسن ومن ذلك قال الشيخ جمال الدين وأجاد إلى الغاية: فديتك أيها الرامي بقوس ... ولحظ يا ضنى قلبي عليه لقوسك نحو حاجبك انجذاب ... وشبه الشيء منجذب إليه فأخذه الشيخ صلاح الدين وقال: تشرط من أحب فذت وجدًا ... فقال وقد رأى جزعي عليه٢ عقيق دمي جرى فأصاب خدي ... وشبه الشيء منجذب إليه وما أظن الشيخ صلاح الدين، غفر الله له، لما سمع ما قاله الشيخ جمال الدين ونظم بعده هذين البيتين، كان في حيز الاعتدال، وأين انجذاب القوس إلى الحاجب من

стр. 39

انجذاب الدم إلى الخد، وليته في براعة استهلاله بقول الله تعالى: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِي مُؤْمِنًا﴾ ١ قال بعدها: اللهم ومن دخل بيتي كافرًا بفوائدي المنعمة وبيت شعري، سارقًا من ألفاظه ومعانيه المحكمة، فأخجله في سره وعلانيته، وعاقب على قوله ونيته. ومنها بلغني أن بعض أدباء عصرنا، ممن منحته ودي، وأنفقت على ذهنه الطالب ما عندي، وأقمته، وهو لا يدري الوزن، مقام من زكاه نقدي، وأودعته ذخائر فكري فأنفقتها، وأعرته أوراقي العتيقة فلا والله ما ردها ولا أعتقها، بل إنه غير الثناء بالهجاء والولاء بالجفاء، ونسبني إلى سرقة الأشعار مع الغناء عنها والغنى، فتغاضيت وقلت: هماز مشاء، بنميم٢ وغصة صديق أتجرعها ولو كانت من حميم، وأخليت من حديثه باب فمي ومجلس صدري ذكره عن فكري. ولكن، وقفت له على تصانيف وضعها في علم الأدب، والعلم عند الله تعالى، ووشحها بشعره المغصوب المنهوب، يقول: يا صاحبي، ألا لا. وما يتوضح من جيد تلك الأشعار لمعة إلا ومن لفظي مشكاتها٣ ولا تتضوع زهرة إلا ومني في الحقيقة نبتها، فضحكت والله من ذهنه الذاهل وذكرت على زعمه قول القائل: وفتى يقول الشعر إلا لأنه ... فيا علمنا يسرق المسروقا وعجبت له كيف رضي لنفسه هذا الأمر منكرا، وكيف حلا لذوقه اللطيف هذا الحرام مكررًا، وقد أوردت الآن، في هذا الكتاب، قدرًا كافيًا ووزنًا من الشعر وافيًا، وسميته، خبز الشعير المأكول المذموم، وعرضته على معدلة مولانا، ليعلم أينا مع خليله مظلوم. ولولا الإطالة لأوردت جميع أبيات الشيخ جمال الدين التي دخلها الشيخ صلاح الدين، بغير طريق، ليرتدع القاصر عن التطاول إلى معاني الغير. ومن البراعات التي يستهل بها في هذا الأفق الذي مرآة سمائه صقيلة، براعة المقر المخدومي القضائي الفخري عبد الرحمن بن مكانس، مالك أزمة البلاغة، وملك المتأخرين، نظمًا ونثرًا، في رسالة كتبها إلى المقر المرحومي القضائي الزيني أبا بكر

стр. 40

ابن العجمي، عين كتاب الإنشاء الشريف بالأبواب الشريفة، وبقية الفضلاء الذين فضلوا بالطريق الفاضلية، بسبب عبد الله القيرواني الضرير، فإني نقلت من خط المشار إليه ما صورته: ورد علينا شخص من القيروان ضرير، يتعاطى نظم الشعر المقفى الموزون الخالي من المعاني، فتردّد إليّ مجالس متفرقة، ثم بلغني بعد ذلك أنه وشى إلى صاحبي الشيخ زين الدين بن العجمي، بأني اهتضمت من جانبه وانتقصته وغضضت منه، بالنسبة إلى الأدب وأنه يستعين بكلام الغير كثيرًا، فتأذى بسبب ذلك وتأذيت من كذب الناقل، فكتبت إليه رقعة براعة استهلالها ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ﴾ ١. أقول: إنه يستغني بهذه البراعة عن الرسالة. منها: وبلغ المملوك أنه رماه بعض الأصحاب برمية مثل هذه فأصمي٢ وتردد إليه مرة أخرى فعبس وتولى أن جاءه الأعمى. ولقد خسرت صفقته، إذ المملوك ما برح مخلصًا لمولانا في ولائه، ومبايعًا له على سلطنة البلاغة وأجل من تشرف بحمل لوائه. ومولانا بحمد الله أولى من استفتى قلبه، واستدل على صفاء صدق محبته، بشواهد المحبة، ولمسئول من صدقاته أمران: أحدهما الجواب، فإنه يقوم عند المملوك مقام الفرج من هذه الشدة، والآخر رد كل فاسق عن هذا الباب العالي، فإن أبا بكر أولى من يصلب في الردة. انتهى كلام القاضي فخر الدين. ولقد كشف الشيخ جمال الدين بن نباتة عن هذا الوجع القناع، وأظهر من بهجته، في رسالة السيف والقلم، ما ليس لمطالع البدور عليه اطلاع، فإن الرسالة مبنية على المفاخر بينهما، ولما انتصب القلم لمفاخرة السيف كانت براعته ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ، مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ ٣ واستهل بعدها بقوله: الحمد لله الذي علم بالقلم وشرفه بالقسم. وبراعة استهلال السيف قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ٤ واستهل بعده بقوله: الحمد الله الذي جعل الجنة تحت ظلال السيوف، وشرع حدها في ذوي العصيان فأغصتهم بماء الحتوف٥، وما أظن أن أحدًا من المتقدمين نسج على هذا المنال، ولا نفث في عقد أقلامهم مثل هذا السحر الحلال.
следующие страницы →