أكبر، إن من البلاغة لسحرًا، والله ما أظن هذا الاتفاق الغريب اتفق لناثر، ولإهلال كاتب المأمون في هذا الاستهلال بزاهر، وهذا المثال الشريف ليس له مثال، منه صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس السامي تثني على عزائمه التي دلت على كل أمر رشيد، وأتت على كل جبار عنيد، وحكمت بعدل السيف في كل عبد سوء ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيد﴾ ١.
وبراعة الشيخ جمال الدين بن عبد الرزاق الأصفهاني، في رسالة القوس تجاري براعة القاضي محي الدين بن عبد الظاهر في هذه الحلبة، وتساويها في علو هذه الرتبة، فإنه أتى بالعجائب، وأصاب غرض البلاغة بسهم صائب، واستهلها بعد البسملة بقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا، إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا، فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ ٢ منها: شيطان تطلع شمس النصرة من بين قرنيه، مارد لا يصلح إلا بتعريك أذنيه، صورة مركبة ليس لها من تركيب النظم إلا ما حملت ظهورها أو الحوايا٣ أو ما اختلط بعظم.
وأما براعة الشيخ جمال الدين بن نباتة، في خطبة كتابه المسمى "بخبز الشعير" فإنها خاص الخاص ولا بد من مقدمة تكون هي النتيجة الموجبة لتسمية هذا الكتاب بخبز الشعير، فإنه مأكول مذموم، وما ذاك إلا إنه كان يخترع المعنى الذي لم يسبق إليه، ويسكنه بيتًا من أبياته العامرة بالمحاسن، فيأخذه الشيخ صلاح الدين الصفدي بلفظه، ولا يغير فيه غير البحر، وربما عام به في بحر طويل يفتقر إلى كثرة الحشو واستعمال ما لا يلائم، فلم يسع الشيخ جمال الدين إلا أنه جمعه من نظمه ونظم الشيخ صلاح الدين، واستهل خطبته بقوله تعالى: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِي مُؤْمِنًا﴾ ٤ ورتب كتابه المذكور على قوله: قلت أنا فأخذه الشيخ صلاح الدين وقال. فمن ذلك قول الشيخ جمال الدين: قلت:
ومولع بفخاخ ... يمدها وشباك
قالت لي العين ماذا ... يصيد قلت كراكي٥
стр. 37
فأخذه الشيخ صلاح الدين وقال:
أغار على سرح الكرى عندما رمى ال ... كراكي غزال للبدور يحاكي١
فقلت ارجعي يا عين عن ورد حسنه ... ألم تنظريه كيف صاد كراكي
ومن ذلك، قال الشيخ جمال الدين قلت:
اسعد بها يا قمري برزة ... سعيدة الطالع والغارب
صرعت طيرًا وسكنت الحشا ... فما تعديت عن الواجب
فأخذه الشيخ صلاح الدين وقال من البحر نفسه:
قلت له والطير من فوقه ... يصرعه بالبندق الصائب٢
سكنت في قلبي فحركته ... فقال لم أخرج عن الواجب
قال الشيخ جمال الدين: قلت:
وبمهجتي رشأ يميس قوامه ... فكأنه نشوان من شفتيه٣
شغف العذار بخلده ورآه قد ... نعست لواحظه فدب عليه
فأخذه الصلاح وقال:
وأهيف كالغصن الرطيب إذا انثنى ... تميل حمامات الأراك إليه
لمه عارض لما رأى الطرف ناعسًا ... أتى خده سرا فدب عليه
وأحسن ما وقع في هذا الباب للشيخ جمال الدين أنه قال:
بروحي عاطر الأنفاس ألمى ... مليّ الحسن خالي الوجنتين٤
له خالان في دينار خد ... تباع له القلوب بحبتين
فأخذه الصلاح وقال:
بروحي خده المحمر أضحت ... عليه شامة شرط المحبة
كأن الحسن يعشقه قديمًا ... فنقطه بدينار وحبه
стр. 38
فلما وقف الشيخ جمال الدين على هذين البيتين قال: لا إله إلا الله، الشيخ صلاح الدين سرق كما يقال من الحبتين حبة.
قال الشيخ جمال الدين: قلت:
يا غادرا بي ولم أغدر بصحبته ... وكان مني محل السمع والبصر
قد كنت من قلبك القاسي أخال جفا ... فجاء ما خلته نقشًا على حجر
فأخذه الشيخ صلاح الدين وقال:
ما زلت أشكو حين وفر لي الضنا ... فسما وأسلمني إلى البلوى وفر
حتى توفر من شكاية لوعتي ... لي قلبه فرأيت نقشا في حجر
قال الشيخ جمال الدين: قلت:
يا عاذلي شمس النهار جميلة ... وجمال قاتلتي ألذ وأزين١
فانظر إلى حسنيهما متأملًا ... وادفع ملامك بالتي هي أحسن
فأخذه صلاح الدين مع البحر، بل أخذ الكل مع القافية وقال:
بأبي فتاة من كمال صفاتها ... وجمال بهجتها تحار الأعين
كم قد دفعت عواذلي عن وجهها ... لما تبدت بالتي هي أحسن
ومن ذلك قال الشيخ جمال الدين وأجاد إلى الغاية:
فديتك أيها الرامي بقوس ... ولحظ يا ضنى قلبي عليه
لقوسك نحو حاجبك انجذاب ... وشبه الشيء منجذب إليه
فأخذه الشيخ صلاح الدين وقال:
تشرط من أحب فذت وجدًا ... فقال وقد رأى جزعي عليه٢
عقيق دمي جرى فأصاب خدي ... وشبه الشيء منجذب إليه
وما أظن الشيخ صلاح الدين، غفر الله له، لما سمع ما قاله الشيخ جمال الدين ونظم بعده هذين البيتين، كان في حيز الاعتدال، وأين انجذاب القوس إلى الحاجب من
стр. 39
انجذاب الدم إلى الخد، وليته في براعة استهلاله بقول الله تعالى: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِي مُؤْمِنًا﴾ ١ قال بعدها: اللهم ومن دخل بيتي كافرًا بفوائدي المنعمة وبيت شعري، سارقًا من ألفاظه ومعانيه المحكمة، فأخجله في سره وعلانيته، وعاقب على قوله ونيته.
ومنها بلغني أن بعض أدباء عصرنا، ممن منحته ودي، وأنفقت على ذهنه الطالب ما عندي، وأقمته، وهو لا يدري الوزن، مقام من زكاه نقدي، وأودعته ذخائر فكري فأنفقتها، وأعرته أوراقي العتيقة فلا والله ما ردها ولا أعتقها، بل إنه غير الثناء بالهجاء والولاء بالجفاء، ونسبني إلى سرقة الأشعار مع الغناء عنها والغنى، فتغاضيت وقلت: هماز مشاء، بنميم٢ وغصة صديق أتجرعها ولو كانت من حميم، وأخليت من حديثه باب فمي ومجلس صدري ذكره عن فكري.
ولكن، وقفت له على تصانيف وضعها في علم الأدب، والعلم عند الله تعالى، ووشحها بشعره المغصوب المنهوب، يقول: يا صاحبي، ألا لا. وما يتوضح من جيد تلك الأشعار لمعة إلا ومن لفظي مشكاتها٣ ولا تتضوع زهرة إلا ومني في الحقيقة نبتها، فضحكت والله من ذهنه الذاهل وذكرت على زعمه قول القائل:
وفتى يقول الشعر إلا لأنه ... فيا علمنا يسرق المسروقا
وعجبت له كيف رضي لنفسه هذا الأمر منكرا، وكيف حلا لذوقه اللطيف هذا الحرام مكررًا، وقد أوردت الآن، في هذا الكتاب، قدرًا كافيًا ووزنًا من الشعر وافيًا، وسميته، خبز الشعير المأكول المذموم، وعرضته على معدلة مولانا، ليعلم أينا مع خليله مظلوم.
ولولا الإطالة لأوردت جميع أبيات الشيخ جمال الدين التي دخلها الشيخ صلاح الدين، بغير طريق، ليرتدع القاصر عن التطاول إلى معاني الغير.
ومن البراعات التي يستهل بها في هذا الأفق الذي مرآة سمائه صقيلة، براعة المقر المخدومي القضائي الفخري عبد الرحمن بن مكانس، مالك أزمة البلاغة، وملك المتأخرين، نظمًا ونثرًا، في رسالة كتبها إلى المقر المرحومي القضائي الزيني أبا بكر
стр. 40
ابن العجمي، عين كتاب الإنشاء الشريف بالأبواب الشريفة، وبقية الفضلاء الذين فضلوا بالطريق الفاضلية، بسبب عبد الله القيرواني الضرير، فإني نقلت من خط المشار إليه ما صورته: ورد علينا شخص من القيروان ضرير، يتعاطى نظم الشعر المقفى الموزون الخالي من المعاني، فتردّد إليّ مجالس متفرقة، ثم بلغني بعد ذلك أنه وشى إلى صاحبي الشيخ زين الدين بن العجمي، بأني اهتضمت من جانبه وانتقصته وغضضت منه، بالنسبة إلى الأدب وأنه يستعين بكلام الغير كثيرًا، فتأذى بسبب ذلك وتأذيت من كذب الناقل، فكتبت إليه رقعة براعة استهلالها ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ﴾ ١.
أقول: إنه يستغني بهذه البراعة عن الرسالة.
منها: وبلغ المملوك أنه رماه بعض الأصحاب برمية مثل هذه فأصمي٢ وتردد إليه مرة أخرى فعبس وتولى أن جاءه الأعمى. ولقد خسرت صفقته، إذ المملوك ما برح مخلصًا لمولانا في ولائه، ومبايعًا له على سلطنة البلاغة وأجل من تشرف بحمل لوائه.
ومولانا بحمد الله أولى من استفتى قلبه، واستدل على صفاء صدق محبته، بشواهد المحبة، ولمسئول من صدقاته أمران: أحدهما الجواب، فإنه يقوم عند المملوك مقام الفرج من هذه الشدة، والآخر رد كل فاسق عن هذا الباب العالي، فإن أبا بكر أولى من يصلب في الردة. انتهى كلام القاضي فخر الدين.
ولقد كشف الشيخ جمال الدين بن نباتة عن هذا الوجع القناع، وأظهر من بهجته، في رسالة السيف والقلم، ما ليس لمطالع البدور عليه اطلاع، فإن الرسالة مبنية على المفاخر بينهما، ولما انتصب القلم لمفاخرة السيف كانت براعته ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ، مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ ٣ واستهل بعدها بقوله: الحمد لله الذي علم بالقلم وشرفه بالقسم. وبراعة استهلال السيف قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ٤ واستهل بعده بقوله: الحمد الله الذي جعل الجنة تحت ظلال السيوف، وشرع حدها في ذوي العصيان فأغصتهم بماء الحتوف٥، وما أظن أن أحدًا من المتقدمين نسج على هذا المنال، ولا نفث في عقد أقلامهم مثل هذا السحر الحلال.
стр. 41
وممن طلع من العصريين في هذا الأفق الساطع فأبدر ورقي ببلاغته أعواد هذا المنبر، القاضي ناصر الدين بن البرازي، صاحب دواوين الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية، فإنه اتفق له بحماة محنة، كان لطف الله تعالى متكفلًا له بالسلامة منها، ولم يضرم نارها إلا من غذي بلبان نعمته، قديمًا وحديثًا، فالحمد لله الذي أسعف الإسلام والمسلمين بنجاته، وأمتع العلم الشريف والرياسة بطول حياته، ولما هاجر من حماة المحروسة إلى دمشق المحروسة، كان إذ ذاك مولانا السطلان الملك المؤيد كافلها، ففوض إليه خطاب الجامع الأموي، فلم يبق أحد من أعيان دمشق حتى حضر في تلك الجمعة، لأجل سماع الخطبة، فكانت براعة خطبته: الحمد الله الذي أيد محمدًا بهرجته، ونقله من أحب البقاع إليه لما اختاره من تأييده ورفعته، فعلت١ بالجامع الأموي أصوات ترنم حركت أعواد المنبر طربًا، وكاد النسر أن يصفق لها بجناحيه عجبًا.
وما ألطف براعة الشيخ العلامة نور الدين أبي الثناء محمود الشافعي، الناظر في الحكم العزيز بحماة المحروسة، والشهير بخطيب الدهشة بحماة المحروسة، في كتاب أدعيته المسمى "بدواء المصاب في الدعاء المجاب"، وهي: الحمد لله سامع الدعاء، ودافع البلاء. وفيها البناء والتأسيس، فإنه أشار بسامع الدعاء إلى الدعاء المجاب، وبدافع البلاء إلى دواء المصاب.
وأما براعة خطيب الخطباء أبي يحيى عبد الرحمن بن نباتة الفارقي، فإنها شغلت أفكاري مدة ولم يسعني غير السكوت والإحجام عنها، فإنه استهلها في خطبة وفاة النبي ﷺ بقوله: الحمد لله المنتقم ممن خالفه، المهلك من آسفه. ولقد اعتذر عنها جماعة من أكابر العلماء.
وأورد الشيخ سري الدين بن هانئ، في شرحه الذي كتبه على ديوان الخطب، على هذه البراعة عذر لأبي البقاء، أرجو أن تهب عليه نسمات القبول.
وما أحشم ما استهل الشيخ جمال الدين أبو الفرج بن الجوزي، في خطبة وفاة النبي ﷺ بقوله: الحمد لله الذي استأثر بالبقاء، وحق له أن يستأثر وحكم بالفناء على سكان هذا الفناء٣، فأذعنوا لحكمه القاهر.
وأما خطبة الشيخ صفي الدين، في صدر شرح بديعيته، فإن استهلالها نير، ولكن فيه نظر وبعض مباينة عما نحن فيه، فإنه قال: الحمد لله الذي حلل لنا سحر البيان.
стр. 42
وكتابه مبني على البديع. ولهذا استهليت خطبة شرح بديعيتي بقوله: الحمد لله البديع الرفيع. ولما جمعت ديواني استهليت خطبتي بقولي: الحمد لله الذي لا يحصر مجموع فضله ديوان.
وكان قد رسم لي أن أنشئ صداقا للملك الناصر، وأنا إذ ذاك بدمشق، وقد حل ركابه الشريف بها على بنت المرحوم الشريف السيفي كشبغا الظاهر الحموي، فاستهليت بقولي: الحمد لله الذي أيد السنة الشريفة بقوة ناصر. وتمثلت، بعد هذا التاريخ بالمواقف الشريفة الإمامية الخليفية المستعينية العباسية، زاد الله شرفها تعظيمًا، فبرزت إلى أوامرها المطاعة، أن أنشئ عهدًا بكفالة السلطنة، بالبلاد الهندية للسلطان العادل مظفر شاه شمس الدنيا والدين صاحب دهلي١ والفتوحات الهندية، فاستهليت براعته بقولي: الحمد لله الذي وثق عهد النجاح للمستعين به. وقلت بعد الاستهلال: وثبت أوتاده ليفوز من تمسك، من غير فاصلة، بسببه، وزين السماء الدنيا بمصابيح وحفظًا، فأفرغ على أطراف الأرض حلل الخلافة الشريفة، وعلم أن في خلفها الزاهر زهرة الحياة الدنيا، فقال عز من قائل: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ ٢ واختارها من بيت براعة استهلاله من أول بيت وضع للناس، وسبقت إرادته وله الحمد أن تكون هذه النهاية الشريفة، من سقاية بني العباس، وذلك في العشر الأواخر من رمضان، سنة ثلاث عشرة وثمانمائة.
ومما أنشأته في الديار المصرية وقد استقريت منشئ ديوان الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية، تقليد مولانا المقر الأشرف القاضوي الناصري محمد بن البارزي الجهني الشافعي، عظم الله شأنه، بصحابة ديوان الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية، بتاريخ شوال سنة خمس عشرة وثمانمائة، واستهليته بقولي: الحمد الله الذي أودع محمدًا سره. وقلت بعد الاستهلال: وجعله ناصر دينه، فحل به عقد الشرك، وشدّ أزره، وأرسله لينشئ مصالح الأمة، فهذبنا برسالته، والله أعلم حيث يجعل رسالاته، وبين ديوان الإنشاء الشريف، بصاحب من بيت ظهر التمييز بكتابته، وأيد الإسلام والمسلمين بملك مؤيد تمسك بمحمد وصحابته. وأنشأت بعد هذا التاريخ توقيعًا لرئيس الطب بالديار المصرية، فكانت براعته: الحمد لله الحكيم اللطيف.
وبراعة الشيخ صلاح الدين الصفدي، في شرح لامية العجم، في غاية الحسن،
стр. 43
فإنه استهلها بقوله: الحمد لله الذي شرح صدر من تأدب. والكتاب مبني على شيء من علم الأدب.
وأما البراعات التي يحلو تقبيلها بوجنات الطروس، فمنها براعة الشيخ جمال الدين بن نباتة، من رسالة كتبها إلى القاضي علاء الدين الحسني، واستهلها بقوله: يقبل الأرض العلية على السحاب نسبًا. وقال بعد الاستهلال: الموفية على حصباء الأنجم حسبًا. هذا الأدب إن أطنبت في وصفه فهو فوق الوصف.
وكتب إليه الشيخ برهان الدين القيراطي، من القاهرة المحروسة إلى دمشق المحروسة، رسالة بليغة واستهلها بقوله: يقبل الأرض التي سقت السماء نباتها. وقال بعد البراعة: وحرس الله ذاتها وعمر معاني الحسن أبياتها.
ومن أظرف ما وقع من البراعات المتوشحة برداء التبكيت، براعة القاضي فخر الدين عبد الوهاب، كاتب الدرج، فإنه كان له صديق منهم يعبده، فكتب إليه رسالة يداعبه فيها، واستهلها بقوله: يقبل اليد الشهابية، كثر الله عبيدها. وقال بعد البراعة: وضاعف خدمها وأضعف حسودها. وقد خطر لي أن أوردها بكمالها لوجازتها١ وغرابة أسلوبها، فإنه قال بعد يقبل الأرض إلخ: وينهي بعد ولاء يمتد ودعاء يستد٢ وثناء كأنه عنبر أو كافور راوند٣، إن مولانا توجه، والأعضاء خلفه سائره، وكل عين لغيبته ساهره، ولا يخفى عليه شوق العليل إلى الشفاء، والظمآن إلى صيِّب الماء، والغريب إلى بلده، والمحصور إلى سعة مسلكه ومقعده، فمولانا يطوي هذه الشقة، ويقصر هذه المدة، ويدع أحد غلمانه يسد مسده٤، فالمملوك قلق لسماع أخبار التشويش في البلاد، وتطرق أهل الجرائم والفساد، فمولانا يرسم لغلمانه أن يشمروا في خدمته ذيلًا، ويسهروا عليه بالنوبة٥ لمن يطرق ليلًا، والله المسئول أن تكون هذه السفرة معجلة، ويخص فيها بالتبرك مخرجه ومدخله، ويبلغه من فضله مزيدًا، ويجعل يومه عليه مباركًا وليله عليه سعيدًا.
وكتب المقر للمخدومي فضل الله بن مكانس، مجد الأدب الذي ظهر من بيته
стр. 44
فجره، ورضيع لبانه الذي ما سقانا منه ذره إلا قلنا لله دره، إلى والد المقر المرحومي الفخري، من القاهرة إلى حلب، وهو صحبة الركاب الشريف الظاهري يشكو إليه رمدًا حصل له بعده، وكان مبدأ الرسالة قوله:
ما الطرف بعدكم بالنوم مكحول ... هذا وكم بيننا من ربعكم ميل١
وقال بعد الاستهلال: لا استهلت لمولانا دموع، ولا جفا جفنه مدى الليالي هجوع٢.
منها: يطالع العلوم الكريمة بما قاساه طرف المملوك من الرمد، وما حصل عليه من الكمد٣.
إن عيني مذ غاب شخصك عنها ... يأمر السهد في كراها وينهى
بدموع كأنهن الغوادي ... لا تسل ما جرى على الخد منها٤
فلو رآه وقد أخذت عيناه من العناصر الثلاثة بنصيب، وعوضها الهاء عن التراب بمضاعفة الماء اللهيب، لرأى من نارها ما يفحم القلوب، ومن دمعها ما هو البلاء المصبوب، واستمر انهمالها حتى أنشدها المتوجع: قارنها الدمع فبئس القرين. وطالت مدّة رمده، حتى لقد أتى على الإنسان حين وتزايد خوف المملوك على مقلتيه، وشحه بكريمتيه، ففصد في الذراعين، وكاد أن يصير، لولا أن منََّ الله تعالى عليه، أثرًا بعد عين.
وكتب إلى المقر المخدومي المشار إليه، سيدنا الإمام العلامة الذي وصلت جماعة أهل العصر خلف إمامته، وملك قياد البلاغة ببراعته وعبارته، بدر الدين، رحلة الطالبين، أبو عبد الله محمد بن الدماميني المخزومي المالكي، جوابًا عن حل لغز في ورد أرسله إليه، فاستهله بقوله: يقبل الأرض وينهي ورود الجواب الذي شفى الصدور وروده؛ وقال بعد الاستهلال: واللغز الذي نسي بوروده منه، بأن الحمى وزروده منه، فاستحلى المملوك منه بالتحريف ورده، وود لو اقتطف من أغصان حروفه ورده، فرده ذل التقصير عاريًا عن ملابس عزه، وأنشد قول ابن قلاقس وهو يقلي بنار عجزه.
إذا منعتك أشجار المعالي ... جناها الغض فاقنع بالشميم٥
стр. 45
فظهر من طريق سعده نصره، وعلم أن هذا الورد لا يحسن من غير تلك الحضرة، وأن هذه الفاكهة لا تخرجها إلا أغصان أقلام لها بيدي الراحة المخدومية بهجة ونضرة.
ومنه: وتمشى بنظر المملوك من هذا اللغز في بساتين الوزير على الحديقة، فرأى كل وردة وأخت الوجنات الحمر فتحير أوردة هي أم شقيقة، وعلمت أن الفكر القاصر لا يجارى من بديهته من بحار الفضل رويه، وأن الخاطر الذي هو على ضعف من رعايا الأدب لا يقوى على سلطان هذا اللغز لأن شوكته قوية.
منه: وتمتعت من ورده الوارد بالمشموم، ثم تذكرت البعد عن جناب المخدوم، فاستقطر البين ماء الورد من حدقي١.
وكتبت إليه من القاهرة المحروسة، في منتصف ربيع الآخر سنة اثنتين وثمانمائة، عند دخولي إليها في البحر هاربًا من طرابلس الشام، وقد عضت عليَّ أنياب الحرب، بثغرها، رسالة مشتملة على حكاية الحال وربت في براعتها بمصنفين له: أحدهما الفواكه البدرية الذي جمعه من ثمار أدبه، والثاني نزول الغيث الذي نكت فيه على الغيث الذي انسجم٢ في شرح لامية العجم، للشيخ صلاح الدين الصفدي، واستهليتها بقولي: يقبل الأرض التي سقى دوحها بنزول الغيث، وأثمر بالفواكه البدرية. وقلت بعد الاستهلال: وطلع بدر كمالها من الغرب، فسلمنا لمعجزاته المحمدية، وجرى لسان البلاغة في ثغرها فسما على العقد بنظمه المستجاد، وأنشد، لا فض الله فاه، وقد ابتسم عن محاسنه التي لم يخلق مثلها في البلاد:
لقد حسنت بك الأيام حتى ... كأنك في فم الدنيا ابتسام
فأكرم به من مورد فضل ما برح منهله العذب كثير الزحام، ومدينة علم تشرفت بالجناب المحمدي فعلى ساكنها السلام، ومجلس حكم ما ثبت لمدعي الباطل به حجة، وعرفات أدب إن وقفت بها وقفة صرت على الحقيقة ابن حجة، وأفق معان بالغ في سمو بدر فلم يقنع بما دون النجوم، وميدان عربية يجول فيه فرسان العربية من بني مخزوم، ومنها: أورى بدخوله إلى دمشق ومطارحته للجماعة، وتالله ما لفرسان الشقر أو البلق٣ في هذا الميدان مجال، وإذا عرفوا ما حصل للفارس المخزومي عندهم من الفتح، كفى الله المؤمنين القتال، وينهي بعد أدعية ما برح المملوك منتصبًا لرفعها، وتعريدًا ثنية ما
стр. 46
لسجع المطوق١ في الأوراق النباتية مثل سجعها، وأشواقًا برحت بالمملوك ولكن تمسك في مصر بالآثار:
وأبرح ما يكون الشوق يومًا ... إذا دنت الديار من الديار
وهذه الرسالة لكونها نظمت في طويل البحر ومديده، يفتقر إلى سرد غالبها لتعلقها بحكاية الحال وينهي وصول المملوك إلى مصر مخيمًا بكنانتها، وهو بسهم البين مصاب مذعور لما عاينه من المصارع عند مقاتل الفرسان في منازل الأحباب، مكلمًا٢ من ثغر طرابلس الشام بألسنة الرماح، محمولا على جناح غراب، وقد حكم عليه البين أن لا يبرح سفره على جناح:
وكان في البين ما كفاني ... فكيف بالبين والغراب٣
منها: يا مولانا، وأبثك ما لاقيت من أهوال البحر، وأحدث عنه ولا حرج، فكم وقع المملوك من أعاريضه في زحاف تقطع منه القلب لما دخل إلى دوائر تلك اللجج، وشاهدت منه سلطانًا جائرًا يأخذ كل سفينة غصبًا، ونظرت إلى الجواري الحسان وقد رمت أزر قلوعها٤ وهي بين يديه لقلة رجالها تسبى، فتحققت أن رأى من جاء يسعى في الفلك غير صائب، واستصوبت هنا رأي من جاء يمشي وهو راكب، وزاد الظمأ بالمملوك وقد اتخذ في البحر سبيله، وكم قلت، من شدة الظمأ، يا ترى قبل الحفرة أطوي من البحر هذه الشقة الطويلة:
وهل أباكر بحر النيل منشرحًا ... وأشرب الحلو من أكواب ملاح
بحر تلاطمت علينا أمواجه حتى متنا من الخوف، وحملنا على نعش الغراب، وقامت واوات دوائره مقام مع، فنصبنا للغرق لما استوت المياه والأخشاب، وقارن العبد فيه سوداء، استرقت مواليها وهي جارية، وغشيهم منها في اليم ما غشيهم، فهل أتاك حديث الغاشية، واقعها الريح فحملت بنا، ودخلها الماء فجاءها المخاص، وانشق قلبها لفقد رجالها وجرى ما جرى على ذلك القلب ففاض، وتوشحت بالسواد في هذا المأتم، وسارت على البحر وهي مثل وكم، سمع فيها للمغاربة على ذلك التوشيح زجل برج
стр. 47
مائي، ولكن تعرب في رفعها وخفضها عن النسر والحوت، وتتشامخ كالجبال وهي خشب مسندة، من تبطنها عد من المصبرين في التابوت، تأتي بالطباق ولكن بالمقلوب، لأن بياضها سواد، وتمشي مع الماء، وتطير مع الهواء، وصلاحها عين الفساد، إن نقر الموج على دفوقها لعبت أنامل قلوعها بالعود، وترقصنا على آلتها الحدباء، فتقوم قيامتنا من هذا الرقص الخارج ونحن قعود، وتتشامم١ وهي كما قيل أنف من السماء وإست٢ في الماء، وكم تطيل الشكوى إلى قامة صاريها٣ عند الميل، وهي الصعدة الصماء، فيها الهدى وليس لها عقل ولا دين، وتتصابى إذا هبت الصبا، وهي ابنة مائة وثمانين، وتوقف أحوال القوم وهي تجري بهم في موج كالجبال، وتدعي براءة الذمة وكم أغرقت لهم من أموال، هذا وكم ضعف نحيل خصرها عن تثاقل أرداف الأمواج، وكم وجلت القلوب لما صار لأهداب مجاذيفها على مقلة البحر اختلاج٤ وكم أسبلت على وجنة البحر طرة قلعها، فبالغ الريح في تشويشها، وكم مر على قريتها العامرة فتركها وهي خاوية على عروشها٥، تتعاظم فتهزل إلى أن ترى ضلوعها من السقم تعد، ولقد رأيتها بعد ذلك التعاظم وقد تبت وهي حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد٦.
وأما البراعة التي لخطبة كتابي المسمى "بمجرى السوابق في وصف الخيول المسومة" فإنها أحرزت قصبات السبق، وهي: الحمد الله الذي يقف عند سابق فضله كل جواد ويقصر في حلبة هذا الكرم الذي ليس له غاية في بديع الاستطراد، فمن ألهمه الحزم وأرشده إلى حد المعرفة، حاز قصبات السبق ولا نقول كاد، نحمده على أن جعل لنا الخير معقودًا بنواصي الخيل، ونشكره شكرًا نعلو به على أشهب الصبح ونمتطي أدهم٧ الليل، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة نرجو أن نكون منها في ميادين الرحمة من السابقين، ونشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله قائد الغر المحجلين.
وقد آن أن نقطع طول هذا البحث برسالة السكين، فإن استهلالها يسن ما كل٨
стр. 48
من الذوق: ويبرزه من قراب الشك إلى القطع باليقين، وما ذاك إلا أنه لما انفرد كمال الدين عبد الرزاق الأصفهاني برسالة القوس، واستوفى جميع المحاسن، وجاء الشيخ جمال الدين بن نباتة برسالة السيف والقلم، وأظهر فيها معجزات الأدب، أردت أن أعززهما من اختراع رسالة السكين بثالث، واستهليتها بقولي: يقبل الأرض التي قامت حدود مكارمها، وقطعت عنا مكروه الفاقة بمسنون عزائمها. منها: وينهى وصول السكين التي قطع المملوك بها أوصال الجفا، وأضافها إلى الأدوية، فحصل بها البرء والشفا، وتالله ما غابت إلا وبلغ الأقلام من تقشيرها إلى الحفى١. منها: ما شاهدها موسى إلا سجد في محراب النصاب، وذل بعدما خضعت له الرءوس والرقاب، كم أيقظت طرف القلم بعد ما خط، وعلى الحقيقة ما رؤي مثلها قط، وكم وجد الصاحب بها في المضايق نفعًا، وحكم بحسن صحبتهما قطعًا، من أجل أنها تدخل في مضايق ليس للسيف قط فيها مدخل، وكلما تفعله توجزه والرمح في تعقيده مطول، تطرف بأشعتها الباهرة عين الشمس، وبإقامتها الحد حافظت الأقلام على مواظبة الخمس، وكم لها من عجائب تركت السيف في بحر غمده كالغريق، ولو سمع بها من قبل ضربه ما حمل التطريق.
انتهى ما أوردته من براعة الاستهلال نثرًا ونظمًا ومن لم ير بهجة ما أبرزته للمتأخرين فهو في هذه أعمى.
стр. 49
الجناس:
ذكر الجناس المركب والمطلق:
بالله سر بي فسربي طلقوا وطني ... وركبوا في ضلوعي مطلق السقم
أما الجناس، فإنه غير مذهبي ومذهب من نسجت على منواله من أهل الأدب، كذلك كثرة اشتقاق الألفاظ، فإن كلًا منهما يؤدي إلى العقادة والتقييد عن إطلاق عنان البلاغة في مضمار المعاني المبتكرة، كقول القائل، وأستحيي أن أقول إنه أبو الطيب:
فقلقت بالهم الذي قلقل الحشا ... قلاقل عيش كلهن قلاقل١
ولقد تصفحت ديوانه فلم أجد لوافد هذا النوع نزولًا، إلا ما قبل في أبياته وهو نادر جدًّا، ولا العرب من قبل خيمت بأبياتها عليه، غير أن هذا البيت حكمت على أبي الطيب به المقادير، ومثله قول القائل:
وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر
فقرب وقبر، لأجل الجناس المقلوب هو الذي قلب عليه القلوب، اللهم إلا أن يقع الجناس في حشو بيت من البحور التي تحمل ثقله من غير اعتناء بأمره، كقول القائل:
لله لبنى كلما لبنا على ... تعنيقها ونهودها تتقاعد٢
وبنار أسما وهي أسمى زينة ... لقد احترقت وريقها يتبارد
стр. 50
ففي طلعة شمس التورية هنا ما يغني عن النظر إلى زحل الجناس ولقد أحسن من قال:
انظر إلى صور الألفاظ واحدة ... وإنما بالمعاني تعشق الصور
والجناس من صور الألفاظ، وممن وافق على ذلك علامة عصره الشهاب محمود، وقال: إنما يحسن الجناس إذا قل، وأنى في الكلام عفوًا، من غير كد ولا استكراه ولا بعد ولا ميل إلى جانب الركة١، ولا يكون كقول الأعشى.
وقد غدوت إلى الحانوت يتبعني ... شاو مشل شلول شلشل شول٢
ولا كقول مسلم بن الوليد:
شلت وشلت ثم شل شليلها ... فإني شليل شليلها مشلولا٣
ولا بأس به في مطالع القصائد، إن تعذر على الناظم أن يركبه تورية، فإنه نوع متوسط، بالنسبة إلى ما فوقه من أنواع البديع، كما قرره مشايخه، كالتورية والاستخدام والاستعارة والتشبيه، وما قارب ذلك من أنواع البديع. وحكي عن ابن جني: أن الأصمعي كان يدفع قول العامة إذا قالوا هذا يجانس هذا إذا كان من شكله، ويقول ليس بعربي خالص. وقال ابن رشيق صاحب العمدة: هو من أنواع الفراغ. وقلة الفائدة، ومما لا يشك في تكلله. وقد كثر منه هؤلاء الساقة المتعقبون في نظمهم ونثرهم حتى برد ورك "انتهى كلامه". ولم يحتج إليه، بكثرة استعماله، إلا من قصرت همته عن اختراع المعاني التي هي كالنجوم الزاهرة في أفق الألفاظ، وإذا خلت بيوت الألفاظ من سكان المعاني تنزلت منزلة الأطلال البالية، وما أحلى قول الفاضل هنا:
إنما الدار قبل بالسكان ... ثم بعد السكان بالجيران
فإذا ما الأرواح شردها الحتـ ... ـف فماذا يراد بالأبدان
وكان الشيخ صلاح الدين الصفدي يستسمن ورمه ويظنه شحمًا، فيشبع أفكاره منه ويملأ بطون دفاتره، ويأتي فيه بتراكيب تخف عندها جلاميد الصخور، كقوله غفر الله له:
стр. 51
ونم في أمان بالحبيب ولا تخف ... لقائط واش في لقاء طواشي١
وقوله:
وكم ساق في الظلماء والليل شاهد ... رواحل واط في رواح لواط٢
وقوله:
وإني إذا كان الفراق معاندي ... مطالع ناء في مطال عناء٣
وقوله في الراح:
وكم ألبست نفسي الفتى بعد نورها ... مدارع قار في مدار عقار٤
وقوله:
إذا جرح العشاق قالوا أقمت في ... مدار جراح في مدارج راح
وقوله:
وكم شمت لما قست مقدار ودكم ... بوارق ياس في بوار قياس
وقوله:
ولا تفتحن باب الهدايا وعدها ... مطار فراش لا مطارف راش٥
وقوله:
ثنت نحوه الأغصان قامة لينها ... طواعن شاط في طواع نشاط
وقوله:
ومر على غيري سقام وصحة ... ولم يبر قان مثل ذي برقان٧
ورأيت بخط الشيخ بدر الدين البشتكي، تحت هذا البيت والذي قبله وهو الضعيف بالريقان، وأن من ذلك مبلغه من النظم لجدير أن يقعد مع صغار المتأدبين، "انتهى" ومنه قوله:
فجار وأجرى حين جاورت واجترى ... فما فاتته مما يروم جناس٨
وقوله:
زاروا وزانوا وزادوا ... هذا الجناس المليح
في ذلك من الركة ما لا يخفى على أهل الذوق السليم، ولولا الخشية من سأم الأسماع لأوردت له كثيرًا من هذا النمط، وما أظرف ما وقع له مع الشيخ جمال الدين بن نباتة، وذلك أنه لما وقف على كتابه المسمى "بجنان الجناس" وقد اشتمل على كثير من هذا النوع، قرأه: جنان الخناس، وجرى بينهما بسبب ذلك ما يطول شرحه، وهذا
стр. 52
مما يؤيد قولي أنه غير مذهبي ومذهب من نسجت على منواله، ويعجبني هنا قول الشيخ زين الدين عمر بن الوردي رحمه الله تعالى:
إذا أحببت نظم الشعر فاختر ... لنظمك كل سهل ذي امتناع
ولا تقصد مجانسة ومكن ... قوافيه وكله إلى الطباع
وكان الأسعد بن مماتى أيضًا، ممن لم يجعل الجناس له مذهبًا في نظمه، وما أحلى ما قال:
طبع المجنس فيه نوع قيادة ... أو ما ترى تأليفه للأحرف
ومن غريب ما يحكى: أن الشيخ صلاح الدين الصفدي، مع تهافته على الجناس والتزامه بما صنفه في جنسه وأنواعه، زاحم ابن مماتى في لفظ بيته ومعناه فقال:
ألا إن من عانى القريض بطبعه ... يقود فأرسله لمن صد واحتشم
ألم تره إن قال شعرًا مجانسًا ... يؤلف ما بين الحروف إذا نظم
فانظر كيف أخذ المعنى وغالب الألفاظ، ولم يتمكن من نظم ذلك إلا في بيتين، أتى فيهما بكثرة الحشو مع قلة الأدب على أهله، فإن الأسعد أثبت القيادة لطبع المجنس، والشيخ صلاح الدين أثبت الحكم المذكور لمن يعاني نظم الشعر، وقد طال الشرح وتعين الكلام على الجناس، لأن الشروع فيه يلزم لأجل المعارضة لمن تقدمني من ناظمي البديعيات.
أما هذا النوع فإنه ما سمي جناسًا إل لمجيء حروف ألفاظه من جنس واحد، ومادة واحدة، ولا يشترط فيه تماثل جميع الحروف، بل يكفي في التماثل ما تعرف به المجانسة. وأما اشتقاق الجنس فمنهم من يقول: التجنيس، هو تفعيل من الجنس، ومنهم من يقول: المجانسة، المفاعلة من الجنس أيضًا، إلا أن إحدى الكلمتين، إذا تشابهت بالأخرى، وقعت١ بينهما مفاعلة الجنسية. والجناس مصدر جانس، ومنهم من يقول: التجانس، التفاعل من الجنس لأنه مصدر تجانس الشيئان، إذا دخلا في جنس واحد، ولما انقسم أقساما كثيرة وتنوع أنواعًا عديدة، تنزل منزلة الجنس الذي يصدق على كل واحد من أنواعه، فهو حينئذ جنس، وأنواع: التام والمحرف والمصحف والملفق، وهلم جرا. كما أن البديع جنس وأنواعه: الجناس واللف والنشر والاستعارة والتورية والاستخدام وغير ذلك من أنواع البديع، وأما حدود أنواع الجناس، فقد اختلفت
стр. 53
فيها عبارات البديعيين، ولكن نأتي بحد كل واحد من الأنواع في موضعه ونذكر ما وقع الاتفاق عليه.
وقد صدرت بديعيتي هذه بالجناس المركب والمطلق، حسب ما رتبه الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته، ولكن فاته شنب التسمية وإبرازها في شعار التورية، من جنس التغزل، فحد المركب أن يكون أحد الركنين كلمة مفردة، والأخرى مركبة من كلمتين، وهو ضربين: فالأول ما تشابه لفظًا وخطًّا، كقول الشاعر:
عضنا الدهر بنابه ... ليت ما حل بنا به
ومثله قول القائل:
ناظراه فيما جنى ناظراه ... أو دعاني أمت بما أودعاني١
وحفظت من شيخي العلامة الشيخ شمس الدين الهيتي الحسني النحوي، وأنا في مبادي العمر والاشتغال من الجناس المركب المتشابه قول القائل من دوبيت٢:
في مصر من القضاة قاض وله ... في أكل مواريث اليتامى وله٣
إن رمت عدالة فقل مجتهدًا ... من عد له دراهمًا عدله
وكان يقول لا أعرف لهما ناظمًا، وما ألطف قول القائل:
يا سيدا حاز رقى ... بما حباني وأولى
أحسنت برًّا فقل لي ... أحسنت في الشكر أولا
وقال العلامة شهاب الدين محمود: أنشدني الشيخ شمس الدين محمد بن عبد الوهاب لنفسه، من المتشابه لفظًا وخطًّا:
حار في سقمي من بعدهم ... كل من في الحي داوى أورقا٤
بعدهم لا طل وادي المنحنى ... وكذا بأن الحمى لا أورقا٥
стр. 54
وأورد الشيخ صلاح الدين الصفدي، لنفسه، في كتابه المسمى "بجناس الجناس" من هذا النوع، قوله:
يا من إذا ما أتاه ... أهل المودة أولم١
أنا محبك حقًّا ... إن كنت في القوم أو لم٢
وهذا النوع لم يذكره الشيخ صفي الدين في بديعيته.
انتهى الكلام على المتشابه من المركب لفظًا وخطًّا والثاني ما هو متشابه لفظًا لا خطًّا، ويسمى المفروق: وهو الذي نظمه صفي الدين في بديعيته، كقول الشاعر:
لا تعرضن على الرواة قصيدة ... ما لم تكن بالغت في تهذيبها
وإذا عرضت الشعر غير مهذب ... عدوه منك وساوسًا تهذي بها
ومثله قول القائل:
يا من تدل بمقلة ... وأنامل من عندم٣
كفى جعلت لك الفدا ... أسياف لحظك عن دمي
ومثله قول ابن أسد الفارقي:
غدونا بآمال ورحنا بخيبة ... أماتت لنا أفهامنا والقرائحا
فلا تلق منا غاديًا نحو حاجة ... لتسأله عن حاجة والق رائحًا
ويحسن هنا قول أبي الفتح البستي فيه:
وإن أقر على رق أنامله ... أقر بالرق كتاب الأنام له٤
وما ألطف قول العلامة شهاب الدين محمود من هذا النوع:
ولم أر مثل نشر الروض لما ... تلاقينا ببنت العامري
جرى دمعي وأومض برق فيها ... فقال الروض في ذا العام ريي٥
стр. 55
ومن لطائف الشيخ جمال الدين بن نباتة:
قمرًا نراه أم مليحًا أمردا ... ولحاظه بين الجوانح أم ردى١
ومثله قول شمس الدين محمد بن العفيف:
أسرع وسر طالب المعالي ... بكل واد وكل مهمه٢
وإن لحا عاذل جهول ... فقل له يا عذول مه مه
ومثله قوله:
إن الذي منزله ... من سحب دمي أم رعى٦
لم أدر من بعدي هل ... ضيع عهدي أم رعى
ومثله قولي للقاضي بهاء الدين السبكي، رحمه الله تعالى:
كن كيف شئت عن الهوى لا أنتهي ... حتى تعود لِيَ الحياة وأنت هي
وأنشدني قاضي القضاة، تقي الدين بن الحسني الحنفي، بحماة في مبادئ العمر، وقد ذكرت بين يديه الجناس المركب
قلت للعهاذ الملح على الدمع ... وإجرائه على الخد نيلا
سل سبيلا إلى النجاة ودع دمع ... عيوني تجري لهم سلسبيلا
ومن أنواع الجناس المركب نوع يسمى المرفوّ: وهو أن يكون أحد الركنين جزءًا مستقلًا والآخر مجزأ من كلمة أخرى، كقول الحريري:
والمكر مهما استطعت لا تأته ... لتقتني السؤدد والمكرمه
ولا تله عن تذكار ذنبك وابكه ... بدمع يحاكي المزن حال مصابه
ومثل لعينيك الحمام ووقعه ... وروعة ملقه ومطعم صابه٤
وهذا النوع لا يخلو من تعسف وعقاده٥ في التركيب
انتهى الكلام على الجناس المركب وأقسامه، غير أن هنا بحثًا لطيفًا وهو أنه قد
стр. 56
تقرر: إن ركني الجناس يتفقان في اللفظ ويختلفان في المعنى؛ لأنه نوع لفظي لا معنوي، وهو نوع متوسط بالنسبة إلى ما فوقه من أنواع البديع، والتورية من أعز أنواعه وأعلاها رتبة، فإذا جعلت الجناس تورية، انحصر المعينان في ركن واحد وخلصت من عقادة الجناس، وحركة الأذواق وأبهجت خاطر السامع، بما أتحفته من بديع تركيبها وتأهيله بغريبها، وأنا أذكر المثالين هنا ليتضح في الأذهان الصحيحة، أن النهار لم يحتج إلى إقامة دليل. قال صاحب الجناس المركب:
أعن العقيق سألت برقًا أومضا ... أأقام حاد بالركائب أو مضى١
قال صاحب التورية:
وإذا تبسم ضاحكًا لم ألتفت ... إن عاد برقا في الدياجي أو مضا
وهنا يحسن أن يتمثل بقول القائل:
ومن يقل للمسك أين الشذا ... كذبه في الحال من شما
ومثله قول الشاعر:
نديمي لا تسقني ... سوى الصرف فهو الهني
ودع كأسها أطلسا ... ولا تسقني مع دني٢
ومن التورية المركبة ما أنشدني، من لفظه، علامة عصرنا القاضي بدر الدين بن الدماميني، بما كتب به إلى مولانا الحافظ الشيخ شهاب الدين ملك المتأدبين، وعمدة المحققين، أبي العباس أحمد بن حجر الشافعي:
حمى ابن علي حوزة المجد والعلا ... ومن رام المعالي وحازها
وكم مشكلات في البيان بفهمه ... تبينها من غير عجب ومازها٣
فأجابه شيخنا المشار إليه:
بروحي بدرًا في الندا ما أطاع من ... نهاه وقد حاز المعالي فزانها
يسائل أن ينهي عن الجود نفسه ... وها هو قد بر العفاة ومانها٤
стр. 57
وما أحلى ما قال متغزلا:
سألت من لحظه وحاجبه ... كالسهم والقوس موعدا حسنا
ففوق السهم من لواحظه ... وانقوس الحاجبان وقت رنا١
ومن نثر الشيخ بدر الدين المشار إليه في التورية المركبة، يشير إلى تقريظ٢ كتبه لبعض أهل الأدب، على مصنف سافل، لم تمكن تسميته، والتزم في التقريظ نوع الإيهام من الأول إلى الآخر، وكتب الشيخ بدر الدين على ذلك المصنف قوله: ولقد كنت أرتجي بابًا أدخل منه إلى التقريظ، ففتحي لي المقر التقوي بابا مرتجًّا، ونهج الطريق إلى المدح، فاقتفيت آثاره واهتديت حين رأيت منهجًا. ومثله قوله في التقريظ الذي كتبه على بديعيتي هذه: كتبت وأسياف الخطوب ليس لها إلا الجوائح أغماد، والزمن قد كادني بسهام أوتاره المصيبة ورماني بعد أن كاد ومثله ما أنشدني من لفظه لنفسه الكريمة أحد أعيان العصر، القاضي مجد الدين بن مكانس، حيث قال:
أقول لحيي قم ومس يا معذبي ... كميسة خود حرك السكر راسها٣
ولا تسه عن شيء إذا ما حكيتها ... فقام كغصن البان لينا وما سها٤
وأحجية الشيخ شهاب الدين بن حجر، في هذا الباب، من طرف الأدب، فإنها تورية خفية مركبة في الأصل:
يا فاضلات هو في الأحا ... جي ليس يخلو من ولع٥
ما مثل قولك للذي ... يشكو الحبيب أسكت رجع
فصه، مرادف أسكت، وباء مرادف رجع، فحصلت التورية في صهباء، وصه باء، ومن النظم في هذا النوع الغريب قول المعمار:
وخادم يعلو على عشاقه ... برتبة من الجمال نالها
واسمه وهو العجيب محسن ... وكم دموع في الهوى أسا لها
стр. 58
ومثله قول الشيخ شمس الدين المزين في غلام مليح وله لألاء مليح:
ومليح لالاه يحكيه حسنًا ... فهو كالبدر في الدجا يتلالا
قلت قصدي من الأنام مليح ... هكذا هكذا وإلا فلا لا
ومن نظمي الغريب في هذا النوع:
تصديتم لقتل ضعيف جسم ... لغير الوجد فيكم ما تصدى
وعد ضلوعه بالسقم لما ... تعديتم عليه وما تعدى
وقلت فيه:
بعد عند وبعد سلمى تعط ... ـشت إلى رشف كل العس المى١
وفؤادي يقول لا تطلب الري ... من الريق بعد هند وسلمى
وقلت من قصيدة مطولة:
حين قابلت خده بدموعي ... أثرت خلت ثوب خز منمم٢
وانظر اليوم خده من دموعي ... واحك ما شئت عن عقيق وعن دم٣
والبيت الأول من المعاني المخترعة التي لم يسبق إليها.
انتهى ما أوردته من الكلام على الجناس المركب، واستجلاء عرائس التورية، وأما الجناس المطلق فإن للناس، في الفرق بينه وبين المشتق معارك، وسماه السكاكي وغيره المتشابه والمتقارب، لشدة مشابهته وقربه من المشتق، وكل منهما يختلف في الحروف والحركات ولكن الفرق بينهما دقيق، قل من أتى بصحته ظاهرًا، فإن المشتق غلط فيه جماعة من المؤلفين وعدوه تجنيسًا، وليس الأمر كذلك، فإن معنى المشتق يرجع إلى أصل واحد. والمراد من الجناس اختلاف المعنى في ركنيه، والمطلق كل ركن منه يباين الآخر في المعنى، وأنا أذكر لكل واحد منهما شاهدًا يزول به الالتباس، فالمشتق كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ﴾ ١٤ وقيل: إن ما مصدرية أي: لا أعبد عبادتكم ولا تعبدون عبادتي، فعلى كل تقدير، الجميع راجع إلى العبادة، والمعنى في الاشتقاق راجع إلى أصل واحد، ومنه قوله
стр. 59
تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿أَزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ ٣ ومن النظم قول عمرو بن كلثوم في معلقته:
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
وما ألطف قول كشاجم، في خادم أسود مشهور بالظلم:
يا مشبهًا في فعله لونه ... لم تحظ ما أوجبت القسمه
فعلك من لونك مستخرج ... والظلم مشتق من الظلمه
فإن النبي ﷺ قال: "الظلم ظلمات يوم القيامة" ومن السحر الحلال قول بعض المتأخرين في هذا الباب.
عاتبت طيف الذي أهوى وقلت له ... كيف اهتديت وجنح الليل مسدول٤
فقال آنست نارًا من جوانحكم ... يضيء منها لدى السارين قنديل
فقلت نار الجوى معنى وليس لها ... نور يضيء وهذا القول مقبول٥
فقال نسبتنا في الحال واحدة ... أنا الخيال ونار الشوق تخييل
وقد نبه على الاشتقاق في قوله نسبتنا في الحال واحدة.
ورأيت الشيخ شمس الدين بن الصائغ، في شرحه على البردة، لما انتهى إلى قول المصنف:
ظلمت سنة من أحيا الظلام إلى ... أن اشتكت قدماه الضر من ورم
قال: ظلمت وظلام جناس اشتقاق، وهو كقوله تعالى: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ ٦ قلت: أما ظلمت وظلام فاشتقاق بلا خلاف، وأسلمت مع سليمان جناس مطلق لأنه لم يرجع في المعنى إلى أصل واحد، وهو أعظم شواهد البديعيين على الجناس المطلق.
انتهى الكلام على المشتق وأما الجناس المطلق، فلشدة تشابهه بالمشتق، يوهم
стр. 60
أحد ركنيه أن أصلهما واحد وليس كذلك، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ ١ وكقوله تعالى: ﴿لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ﴾ ٢ ومنه ما كتب به إلى المأمون في حق عامل له وهو: فلان ما ترك فضة إلا فضها، ولا ذهبًا إلا أذهبه، ولا مالا إلا مال عليه، ولا فرسًا إلا افترسه، ولا دارا إلا أدارها ملكا، ولا غلة إلا غلها، ولا ضيعة إلا ضيعها، ولا عقارًا إلا عقره، ولا حالا إلا أحاله، ولا جليلًا إلا أجلاه، ولا دقيقًا إلا دقه، فهذه الأركان، هنا شواهد على الجنس المطلق، ليس فيها ركنان يرجعان إلى أصل واحد كالمشتق، بل جميع ما ذكرنا أسماء أجناس، وهي محمولة على دم الاشتقاق، ومثل ذلك من النظم قول الشاعر:
عرب تراهم أعجمين من القرى ... متنزلين على الضيوف النزل٣
فأقمت بين الأزد غير مزود ... ورحلت عن خولان غير مخول٤
ومثله قول الآخر:
بجانب الكرخ من بغداد عنَّ لنا ... ظبيٌ ينفره عن وصلنا نفر٥
ضفيرتاه على قتلي تظافرتا ... يا من رأى شاعرًا أودى به الشعر٦
وما أحلى قول القائل: سلم على الربع من سلمى بذي سلم
فالثلاثة عنان٧ جنسها، مطلق في المطلق، وقال الآخر وأجاد:
إذا أعطشتك أكف اللئام ... كفتك القناعة شبعا وريا
فكن رجلا رجله في الثرى ... وهامة همته في الثريا
وما أحلى قول أبي فراس في هذا النوع:
فما السلاف ازدهتني بل سوالفه ... ولا الشمول دهتني بل شمائله٨
стр. 61
ومثله قوله الصاحب بهاء الدين زهير:
با من لعبت به شمول ... ما ألطف هذه الشمائل
وللبحتري:
وإذا ما رياح جودك هبت ... صار قول العذول فيها هباء١
ويحسن هنا قول الشاب الظريف محمد بن العفيف:
أراك فيمتلي قلبي سرورًا ... وأخشى أن تشط بك الديار٢
فجر واهجر وصد ولا تصلني ... رضيت بأن تجور وأنت جار٣
وما أحسن ما قال الشيخ شرف الدين عبد العزيز الأنصاري، شيخ شيوخ حماة، ﵀ بمنه وكرمه:
تولى شبابي فولى الغرام ... ولازم شيبي لزوم الغريم
ولو لم يصدني بازيه ... لما صارمتني مهاة الصريم٤
انتهى الكلام على الملطق وعلى الفرق بينه وبين المشتق منه نظمًا ونثرًا، وقد رسم لي أن أثبت في بديعيتي هذه أبيات من تقدّمني في النظم كالشيخ صفي الدين الحلي والشيخ عز الدين الموصلي، وما ورد في بديعية العميان من القدر الذي استعملوه، ليشاهد المتأمل في هذا الميدان مجرى السوابق، فإن الشيخ صفي الدين جمع بين الجناس المركب والمطلق، في بيت واحد وهو المطلع فقال:
إن جئت سلعًا فسل عن جيرة العلم ... وأقر السلام على عرب بذي سلم
والعميان لم يأتوا في البيت إلا بنوع واحد، فقالوا في المركب:
دع عنك سلمى وسل ما بالعقيق جرى ... وأم سلعًا وسل عن أهله القدم٥
стр. 62
وقالوا في الجناس المطلق:
جار الزمان فكفوا جوره وكفوا ... وهل أضام لدى عرب على أضم١
فالمطلق في أضام وأضم، وأما جار وجور فمشتق، ولكن لم يخف ما في البيتين من الثقل، مع خفة الالتزام، وبيت الشيخ عز الدين الموصلي:
فحي سلمى وسل ما ركبت بشذا ... قد أطلقته أمام الحي عن أَمَم٢
فالشيخ أتى بالنوعين في بيت واحد، وورى بالاسمين من جنس الغزل، ومع ذلك تلطف وتضاءل عليهم واحتشم، وبيتي، تقدّم ذكره، ولكن دعت الضرورة إلى ذكره هنا حسب المرسوم وهو:
بالله سر بي فسربي طلقوا وطني ... وركبوا في ضلوعي مطلق السقم
وفي تسمية النوع، هنا ما يغني عن التنبيه عليهما. وقد تقدم الشرح على كل واحد منهما، والشيخ صفي الدين والعميان لم يثقل التقييد بتسمية النوع لهم كاهلًا مع أن يكون مورى به من جنس الغزل، وشتان بين عالم الإطلاق والتقييد بضيق هذا الخناق، لأن الرقيق لم يقم له سوق، بل يصدق إذا ما ادعى عتقه، والله المسئول أن يقيم لنا سوق القبول، في متاجر الرقة، فإن الشيخ صفي الدين قال في خطبته، مع إطلاق قياده، فانظر أيها العالم الأديب إلى غزارة الجمع، وهي ضمن الرياقة٣ في السمع، ثم قال بعد ذلك:
ودع كل صوت غير صوتي فإنني ... أنا الصائح المحكي والآخر الصدى
стр. 63
ذكر الجناس الملفق:
ورمت تلفيق صبري كي أرى قدمي ... يسعى معي فسعى لكن أراق دمي
حد الملفق أن يكون كل من الركنين مركبًا من كلمتين، وهذا هو الفرق بينه وبين المركب وقل من أفراده عنه، وغالب المؤلفين ما فرقوا بينهما، بل عدوا كل واحد منهما مركبًا إلا الحاتمي وابن رشيق وأمثالهما، ولعمري لو سموا الملفق مركبًا والمركب ملفقًا،
стр. 64
لكان أقرب إلى المطابقة في التسمية، لأن الملفق مركب في الركنين، والمركب ركن واحد كلمة مفردة، والثاني مركب من كلمتين، وهذا هو التلفيق وما ألم بالملفق أحد من أصحاب البديعيات غير الشيخ صفي الدين الحلي، وما ذاك إلا أنه قال، في خطبة بديعيته، أنها نتيجة سبعين كتابًا في هذا الفن، وهذا دليل على أنه لما عارضه الشيخ عز الدين، والتزم تسمية الأنواع التي ذكرها الشيخ صفي الدين، لم يجد بدًّا من نظمه لأجل المعارضة، ولكن نحت فيه بيتًا من الجبال، وسيأتي. وأما العميان فإنهم عدوه في بديعيتهم من المركب، فاختصرته هنا، وكذلك بقية أبياتهم في أنواع الجناس تعين اختصارها، فإنهم لم يأتوا في البيت إلا بالنوع الواحد.
ومن الملفق في النظم قول الشاعر:
وكم لجباه الراغبين إليه من ... مجال سجود في مجالس جود
وما ألطف ما قال القاضي أبو علي عبد الباقي بن أبي حصين في هذا النوع، وقد ولي القضاء بالمعرة وهو ابن خمس وعشرين سنة، واقام في الحكم خمس سنين وهو:
وليت الحكم خمسًا وهي خمس ... لعمري والصبا في العنفوان
فلم تضع الأعادي قدر شاني ... ولا قالوا فلان قد رشاني
وأما أحلى قول الشيخ شرف الدين بن عنين في هذا الباب:
خبروها بأنه ما تصدى ... لسلو عنها ولو مات صدا١
ويعجبني قوله بعد المطلع:
وسلوها في زروة من خيال ... إن تكن لم تجد من الهجر بدا٢
وبيت الحلي في الملفق:
فقد ضمنت وجود الدمع من عدم ... لهم ولم أستطع من ذاك منع دمي
ولم يمكن الشيخ صفي الدين أن يحصر مع الملفق غيره من أنواع الجناس في بيت واحد، لما تقدم من صعوبة مسلكه، وهو عزيز الوقوع، ولكن له رونق وموقع في الذوق لطلاوة٣ تركيبه، وغرابة أسلوبه، وبيت الشيخ صفي الدين في غاية الرقة والانسجام،
стр. 65
غير أن التحريف حكم عليه فصار مشوشًا، والمشوش كل جنس تجاذبه طرفان من الصنعة، فلا يمكن إطلاق أحدهما على الآخر، وبيت صفي الدين تجاذبه المحرف والملفق انتهى.
وبيت الشيخ عز الدين:
ملفق ظاهر سرى وشان دمي ... لما جرى من عيوني إذ وشى ندمي١
هذا البيت فيه الجناس الملفق على الصنعة، وتسميته على الشروط المذكورة، ولكن عجزت لعقاده تركيبه، عن الطيران بأجنحة الفهم لا أحوم له على معنى، ونظرت بعد ذلك في شرحه فوجدته قد قال: إن لفظه ملفق صفة للجار والمجرور في قوله فحيي سلمى وسل ما ركبت بشذا، يعني إن الشذا الذي أطلقته سلمى أمام الحي كان ملفقًا، وبيتي المسئول له من الله السلامة:
ورمت تلفيق صبري كي أرى قدمي ... يسعى معي فسعى لكن أراق دمي
والكلام في رقة قولي: ورمت تلفيق صبري إلخ البيت، إنما وقع من أصحاب الغراميات، لا من أصحاب البديعيات، وقد تقدم قولي: إن الفرقة الناجية من التعسف والتكلف، فيب النظم، لم ترض بالجناس إذا أمكنت التورية، وقال المقر المرحومي الفخري، في التورية التي سماها جناسًا ملفقًا:
إن الهواءين يا معشوق قد عبثا ... بالروح والجسم في سري وفي علني
فالرروح تفديك بالممدود قد تلفت ... والجسم حوشيت بالمقصور فيك فني٢
وأنشدني، من لفظه لنفسه، علامة عصره الشيخ بدر الدين الدماميني:
تدري لماذا أتاك قلبي ... في عسكر الوحد وهو ذائب
أذنب ثم اختشى فوافى ... من ذلك الذنب فيك تائب
وأنشدني، من لظفه لنفسه الكريمة، أحد أعيان العصر ابن مكانس:
كمال أوصافي يا منيتي ... في الحب أن أصبحت مثل الخلال
وملت من سكر الهوى نشوة ... فارحم معنىً مغرمًا فيك مال٣
стр. 66
ومن نظمي في هذا النوع الغريب:
رأت حياة شبابي قد قضت أجلا ... والسقم قد زاد لما قل مصطبري
قالت سرقت نحول الخصر قلت لها ... ما يحمل الشيخ هذا وهو في كبري١
انتهى والله أعلم.
стр. 67
الجناس المذيل واللاحق:
وذيل الهمم همل الدمع لي فجرى ... كلاحق الغيث حيث الأرض في ضرم١
المذيل اختلف جماعة المؤلفين في اسمه، ولم يتقرر له أحسن من هذه التسمية، فإن فيها مطابقة للمسمى، وما ذاك إلا أن المذيل: هو ما زاد أحد ركنيه على الآخر حرفًا في آخره فصار له كالذيل، وهو الفرق بينه وبين المطرف، ويأتي الكلام على المطرف في موضعه، فالمذيل كقول كعب بن زهير:
ولقد علمت وأنت خير عليمة ... أن لا يقرّ بني الهوى لهوان٢
وما ألطف من قال:
وسألتها بإشارة عن حالها ... وعلي فيها للوشاة عيون
فتنفست صعدًا وقالت ما الهوى ... إلا الهوان فزال عنه النون
ومنه قول أبي تمام:
يمدون من أيد عواصٍ عواصم ... تصول بأسيف قواضٍ قواضب٣
وقال آخر:
عذيري من دهر موار موارب ... له حسنات كلهن ذنوب٤
стр. 68
ومن النثر فلان حام حامل لأعباء الأمور، كاف كافل لمصالح الجمهور. ومثله فلان سال عن إخوانه سالم من زمانه، ومن غراميات البها زهير في الجناس المذيل قوله من قصيدة:
أشكو وأشكر فعله ... فاعجب لشاك منه شاكر
طرفي وطرف النجم فيك ... كلاهما ساه وساهر
ولم يخرج عما نحن فيه قوله منها:
يا ليل بدرك حاضر ... يا ليت بدري كان حاضر
حتى يبان لناظري ... من منهما زاه وزاهر
وما أحلى ما ختم القصيدة بقوله:
بدري أرق محاسنًا ... والفرق مثل الصبح ظاهر
وقد تأتي الزيادة في آخر المذيل بحرفين، كقول حسان بن ثابت:
وكنا متى يغزو النبي قبيلة ... نصل جانبيه بالقنا والقنابا١
ومنه قول النابغة:
لها نار جن بعد أنس تحولوا ... وزال بهم صرف النوى والنوائب٢
ومنه في رثاء قوله:
فيا لك من حزم وعزم طواهما ... جديد الردى تحت الصفا والصفائح٣
وأرق ما سمعته في هذا الباب قول القائل:
إن البكاء هو الشفا ... ء من الجوى بين الجوانح
انتهى الكلام على الجناس المذيل وأما اللاحق، فقل من فرق بينه وبين المضارع، والمراد بالمضارع هنا المشابه، والفرق بينهما دقيق، فإن اللاحق هنا ما أبدل من أحد ركنيه حرف من غير مخرجه، ومتى كان الحرف المبدل من مخرج المبدل منه
стр. 69
سمي مضارعًا، وإن كان قريبًا منه كان مضارعًا أيضًا، وأنا أذكر شاهد كل منهما، فإن الفرق بينهما يدق عن كثير من الأفهام، ولم يساعده على ظلمة شكه غير ضياء الحسن.
والمضارع هو المتشابه في المخرج، كقوله تعالى، وهو إلى الغاية التي لا تدرك: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ ١ ومنه قوله ﷺ : "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة". ومثله قول بعضهم: البرايا أهداف البلايا.
ومن النظم قول الشريف الرضي ﵀:
لا يذكر الرمل إلا حسن مغترب ... له إلى الرمل أوطار وأوطان٢
فاللام والراء والنون من مخرج واحد، عند قطرب والجرمي وابن دريد والفراء. قال بعض أهل الأدب في كتاب: راش سهامه بالعقوق، ولوى ماله عن الحقوق. فالعين والحاء من مخرج واحد. ويعجبني قول الشيخ جمال الدين بن نباتة في هذا الباب:
رق النسيم كرقني من بعدكم ... فكأننا في حيكم نتغاير
ووعدت بالسلوان واش عابكم ... فكأننا في كذبنا نتخاير٣
فالغين والخاء من مخرج واحد.
انتهى الكلام على المضارع ومقاربه في مخارج حروفه على الأبدال، واللاحق قد تقدم أنه ما أبدل من أحد ركنيه حرف منغير مخرجه، كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ ٤ وكتب بعضهم في جواب رسالة: وصل كتابك فتناولته باليمين، ووضعته مكان العقد الثمين. ومن النظم، قول البحتري، وأجاد إلى الغاية:
عجب الناس لاعتزالي وفي الأطراف ... تلفى منازل الأشراف
وقعودي عن التقلب والأر ... ض لمثلي رحيبة الأكناف٥
ليس عن ثروة بلغت مداها ... غير أن امرؤ كفاني كفافي٦
стр. 70
فكفاني وكفافي هو اللاحق الذي لا يلحق. وهنا نكتة لطيفة تؤيد قول البحتري في بيته الأول وهو:
عجب الناس لاعتزالي وفي الأطـ ... راف تلفى منازل الأشراف
قيل لبعضهم: في أي موضع في القرآن الأطراف منازل الأشراف؟ فقال: في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ ١ فهذا أشرفهم، وكان ﷺ ينزل من أقصى المدينة والأطراف والأشراف مما نحن فيه. وما أحرى قول أبي هلال العسكري في اللاحق:
أراعي تحت حاشية الدياجي ... شقائق وجنة سقيت مداما٢
وإذن ذكرت لواحظ مقلتيه ... حسبت قلوبنا مطرت سهاما
وإن مالت بعطفيه شمول ... سقانا من شمائله سقاما٣
انتهى الكلام على الجناس اللاحق، والفرق بينه وبين المضارع، ومن الناس من يسمي كل ما اختلف بحرف، تجنيس التصريف، سواء كان من المخرج أو من غيره، ولكن رأيت استجلاء الفرق أنور، ولا يشترط أن يكون الإبدال في الأول ولا في الوسط ولا في الآخر، فإن جل القصد الإبدال كيفما اتفق، وبيت الشيخ صفي الدين يشتمل على المذيل واللاحق وهو:
أبيت والدمع هام هامل سرب ... الجسم في أضم لحم على وضم٤
وبيت الشيخ عز الدين الموصلي:
يذيل الدمع جار جارح بأذى ... كلاحق ما حق الآثار في الأكم٥
قال شيخنا الشيخ شمس الدين الهيتي، وقد تقدمت ترجمته لما أنشدته هذا البيت والذي قبله، بعد حفظي لهما من المصنف بحماة: لو عزا أحد هذين البيتين إلى الجان ما شككت في قوله. وبيت بديعيتي:
стр. 71
وذيل الهم همل الدمع لي فجرى ... كلاحق الغيث حيث الأرض في ضرم
فالمذيل في هم وهمل واللاحق في غيث وحيث.
стр. 72
الجناس التام والمطرف:
يا سعد ما تم لي سعد يطرفني ... بقربهم وقليل الحظ لم يلم١
أما الجناس التام: فهو ما تماثل ركناه واتفقا لفظًا واختلفا معنى، من غير تفاوت في تصحيح تركيبهما، واختلاف حركتهما، سواء كانا من اسمين، أو من فعلين، أو من اسم وفعل، فإنهم قالوا: إذا انتظم ركناه، من نوع واحد، كاسمين أو فعلين، سمي مماثلًا، وإن انتظما من نوعين، كاسم وفعل، سمي مستوفى، وجل القصد تماثل الركنين في اللفظ والخط والحركة واختلافهما في المعنى، سواء كانا من اسمين أو من غير ذلك، فإن المراد أن يكون الجناس تاما، على الصفة المذكورة، من حيث هو أكمل الأنواع إبداعا وأسماها رتبة وأولها في الترتيب، فمنه قول الإمام أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه: صولة الباطل ساعة، وصولة الحق إلى الساعة. وقيل: ما وقع في القرآن العظيم غير هذين الركنين، وهو قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ ٢ ولكن استخرج ابن حجر من القرآن جناسا آخر تاما عظيما، وهو قوله تعالى: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ، يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ ٣ ومن الشعر قول بعضهم وأجاد:
وسميته يحيى ليحيى فلم يكن ... إلى رد أمر الله فيه سبيل
ومن ملح هذا النوع قول ابن الرومي:
للسود في السود آثار تركن بها ... وقعا من البيض يثني أعين البيض٤
ومنه قول أبي الفتح البستي:
سما وحمى بني سام وحام ... فليس كمثله سام وحام
стр. 73
أما أبو الفتح، فإنه ثابر على استعمال الجناس كثيرا، ولكن ما أعلم أنه نظم أحسن من هذا البيت، وقد تجمل به نوع الجناس وكاد أن يكون تورية، وما أحسن قول المعري فيه وأحشمه:
لم نلق غيرك إنسانًا يلاذ به ... فلا برحت لعين الدهر إنسانًا١
ومطلع الشيخ صفي الدين، في قصيدته البائية التي عارض بها المتنبي، وامتدح بها السلطان الملك الناصر، سقى الله عهده، حسن في هذا الباب وهو:
أسبلن من فوق النهود ذوائبًا ... فتركن حبات القلوب ذوائبا٢
ومن محاسنها:
عاتبته فتضرجت وجناته ... وازور ألحاظا وقطب حاجبا٣
فأذابني الخد الكليم وطرفه ... ذو النون إذ ذهب الغداة مغاضبا٤
ومطلع قصدية ابن نباتة التي امتدح بها الملك الأفضل، صاحب حماة، غاية في هذا النوع، وقد عارض أبا الطيب المتنبي، ولكن أتى فيها بما لو سمعه أبو العلاء لرجع عن ديوان أحمد، وأقر بمعجمات محمد. فمطلع المتنبي:
أرق على أرق ومثلي يأرق ... وجوى يزيد وعبرة تترقرق٥
ومطلع ابن نباتة:
ما بت فيك بدمع عيني أشرق ... إلا وأنت من الغزالة أشرق٦
ولأجل إطنابي في هذه القصيدة تعين إيراد شيء من محاسنها هنا. فمنها:
أنفقت عيني في البكاء وحبذا ... عين على مرأى جمالك تنفق
وتكاثرت في الجفن أنجم أدمعي ... فكأن غرب الجفن مني مشرق
стр. 74
وأخافني فيك العذول وما درى ... أني لجورك في الهوى أتشوق
قسما بمن جعل الأسى بك لذة ... والدمع راحة من يحب ويعشق
إن العذول هو الغبي وإن من ... يفني عليك حياته لموفق
لي من نصيب هواك سهم وافر ... وسهام سحر من جفونك ترشق
يمتار من دمعي عليك ذووا البكا ... فاعجب له من سائل يتصدق
ولقد سقيت بكأس فيك مدامة ... في غيظ عذالي عليك فلا سقوا١
وضممت من عطفيك غصن ملاحة ... بالحلى يزهر والغلائل يورق
وقرأت من خديك بعد تأمل ... خطابه حب القلوب معلق
ورزقت من جفنيك ما حسد الورى ... حظي عليه وهو رزق ضيق
ونعمت باللذات وهي جديدة ... ولبست ثوب الراح وهو معتق
في ليل أراح كأن هلاله ... للشرب ما بين الندامى زورق
حتى استطال الفجر يطعن في الدجى ... فهو السنان أو العدو الأزرق
يا حبذا ليل تبيع به الكرى ... لكننا لا عن رضا نتفرق
حيث الشباب إلى المسرة راكض ... لا يستقر وطالب لا يرفق٢
ما سرني أن الكميت يحثها ... نحوي السقاة وأن فودي أبلق٣
زار الضنا ونأى الحبيب وعادني ... أرق على أرق ومثلي يأرق
والعذر عن طول ما أوردته واضح لغرابة أسلوبها غزلًا ومدحا. منها في المدح:
قوم لذكراهم على صحف العلا ... أصل الفخار وكل ذكر ملحق
الملك بعض ديارهم فلينزلوا ... والنجم بعض جدودهم فليرتقوا٤
إن يسجع الدين الحنيف بمدحهم ... فلأنه بأبي الفتوح مطوق
أو يبق ماضيهم على سنن الوفا ... فلأنهم ببقاء أفضلهم بقوا
ملأت مواهبه القلوب مهابة ... فالقلب قبل الطرف فيها مطرق
стр. 75
وكأنما أقلامه بسوادها ... غربان بين في الخزائن تنعق١
لا عيب فيه سوى العزائم قصرت ... عنها الكواكب وهي بعد تحلق
منها:
يا أيها الملك المكمل فضله ... وقيت من حدق إليكم تحدق
وبقيت للمداح تجلب عيسهم ... جلبا بغير بلادكم لا ينفق٢
أذكرتنا زمن المؤيد لا عدت ... مثواه باكية الغمامة تشهق٣
حتى تجر به ذيول حديقة ... أكمامها بيد النسيم تفتق٤
منها:
وبديعة كالروض إلا أنها ... تجلى بجارحة السماع وتنشق
نظمتها عقدا بدون مثاله ... في النظم شاب من الوليد المفرق
لا فضل لي فيها وبحرك قاذف ... درر الصفاء يقول للناس انفقوا
من عش بيتك قد درجت فطار لي ... في الخافقين جناح ذكرك يخفق
ولكم علقت من القريض صناعة ... ما كنت لولاكم بها أتعلق
لكم الولا مني لأن نداكم ... في كل حادثة لفقري يعتق٥
ومن مطالعي في الجناس التام قولي:
يا طيب الأخبار يا ريح الصبا ... يا من إليه كل قلب قد صبا
وهذه القصيدة كتبت بها من القاهرة المحروسة سنة اثنتين وثمانمائة إلى القاضي تاج الدين بن البارزي، صاحب دواوين الإنشاء الشريف، تشوقًا إليه وإلى حماة المحروسة،
وقلت بعد المطلع أخاطب النسيم بما هو أرق منه.
يا صادق الأنفاس يا أهل الذكا ... يا طاهر الأذيال كم لك من نبا٦