وذيل الهم همل الدمع لي فجرى ... كلاحق الغيث حيث الأرض في ضرم
فالمذيل في هم وهمل واللاحق في غيث وحيث.
стр. 72
الجناس التام والمطرف:
يا سعد ما تم لي سعد يطرفني ... بقربهم وقليل الحظ لم يلم١
أما الجناس التام: فهو ما تماثل ركناه واتفقا لفظًا واختلفا معنى، من غير تفاوت في تصحيح تركيبهما، واختلاف حركتهما، سواء كانا من اسمين، أو من فعلين، أو من اسم وفعل، فإنهم قالوا: إذا انتظم ركناه، من نوع واحد، كاسمين أو فعلين، سمي مماثلًا، وإن انتظما من نوعين، كاسم وفعل، سمي مستوفى، وجل القصد تماثل الركنين في اللفظ والخط والحركة واختلافهما في المعنى، سواء كانا من اسمين أو من غير ذلك، فإن المراد أن يكون الجناس تاما، على الصفة المذكورة، من حيث هو أكمل الأنواع إبداعا وأسماها رتبة وأولها في الترتيب، فمنه قول الإمام أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه: صولة الباطل ساعة، وصولة الحق إلى الساعة. وقيل: ما وقع في القرآن العظيم غير هذين الركنين، وهو قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ ٢ ولكن استخرج ابن حجر من القرآن جناسا آخر تاما عظيما، وهو قوله تعالى: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ، يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ ٣ ومن الشعر قول بعضهم وأجاد:
وسميته يحيى ليحيى فلم يكن ... إلى رد أمر الله فيه سبيل
ومن ملح هذا النوع قول ابن الرومي:
للسود في السود آثار تركن بها ... وقعا من البيض يثني أعين البيض٤
ومنه قول أبي الفتح البستي:
سما وحمى بني سام وحام ... فليس كمثله سام وحام
стр. 73
أما أبو الفتح، فإنه ثابر على استعمال الجناس كثيرا، ولكن ما أعلم أنه نظم أحسن من هذا البيت، وقد تجمل به نوع الجناس وكاد أن يكون تورية، وما أحسن قول المعري فيه وأحشمه:
لم نلق غيرك إنسانًا يلاذ به ... فلا برحت لعين الدهر إنسانًا١
ومطلع الشيخ صفي الدين، في قصيدته البائية التي عارض بها المتنبي، وامتدح بها السلطان الملك الناصر، سقى الله عهده، حسن في هذا الباب وهو:
أسبلن من فوق النهود ذوائبًا ... فتركن حبات القلوب ذوائبا٢
ومن محاسنها:
عاتبته فتضرجت وجناته ... وازور ألحاظا وقطب حاجبا٣
فأذابني الخد الكليم وطرفه ... ذو النون إذ ذهب الغداة مغاضبا٤
ومطلع قصدية ابن نباتة التي امتدح بها الملك الأفضل، صاحب حماة، غاية في هذا النوع، وقد عارض أبا الطيب المتنبي، ولكن أتى فيها بما لو سمعه أبو العلاء لرجع عن ديوان أحمد، وأقر بمعجمات محمد. فمطلع المتنبي:
أرق على أرق ومثلي يأرق ... وجوى يزيد وعبرة تترقرق٥
ومطلع ابن نباتة:
ما بت فيك بدمع عيني أشرق ... إلا وأنت من الغزالة أشرق٦
ولأجل إطنابي في هذه القصيدة تعين إيراد شيء من محاسنها هنا. فمنها:
أنفقت عيني في البكاء وحبذا ... عين على مرأى جمالك تنفق
وتكاثرت في الجفن أنجم أدمعي ... فكأن غرب الجفن مني مشرق
стр. 74
وأخافني فيك العذول وما درى ... أني لجورك في الهوى أتشوق
قسما بمن جعل الأسى بك لذة ... والدمع راحة من يحب ويعشق
إن العذول هو الغبي وإن من ... يفني عليك حياته لموفق
لي من نصيب هواك سهم وافر ... وسهام سحر من جفونك ترشق
يمتار من دمعي عليك ذووا البكا ... فاعجب له من سائل يتصدق
ولقد سقيت بكأس فيك مدامة ... في غيظ عذالي عليك فلا سقوا١
وضممت من عطفيك غصن ملاحة ... بالحلى يزهر والغلائل يورق
وقرأت من خديك بعد تأمل ... خطابه حب القلوب معلق
ورزقت من جفنيك ما حسد الورى ... حظي عليه وهو رزق ضيق
ونعمت باللذات وهي جديدة ... ولبست ثوب الراح وهو معتق
في ليل أراح كأن هلاله ... للشرب ما بين الندامى زورق
حتى استطال الفجر يطعن في الدجى ... فهو السنان أو العدو الأزرق
يا حبذا ليل تبيع به الكرى ... لكننا لا عن رضا نتفرق
حيث الشباب إلى المسرة راكض ... لا يستقر وطالب لا يرفق٢
ما سرني أن الكميت يحثها ... نحوي السقاة وأن فودي أبلق٣
زار الضنا ونأى الحبيب وعادني ... أرق على أرق ومثلي يأرق
والعذر عن طول ما أوردته واضح لغرابة أسلوبها غزلًا ومدحا. منها في المدح:
قوم لذكراهم على صحف العلا ... أصل الفخار وكل ذكر ملحق
الملك بعض ديارهم فلينزلوا ... والنجم بعض جدودهم فليرتقوا٤
إن يسجع الدين الحنيف بمدحهم ... فلأنه بأبي الفتوح مطوق
أو يبق ماضيهم على سنن الوفا ... فلأنهم ببقاء أفضلهم بقوا
ملأت مواهبه القلوب مهابة ... فالقلب قبل الطرف فيها مطرق
стр. 75
وكأنما أقلامه بسوادها ... غربان بين في الخزائن تنعق١
لا عيب فيه سوى العزائم قصرت ... عنها الكواكب وهي بعد تحلق
منها:
يا أيها الملك المكمل فضله ... وقيت من حدق إليكم تحدق
وبقيت للمداح تجلب عيسهم ... جلبا بغير بلادكم لا ينفق٢
أذكرتنا زمن المؤيد لا عدت ... مثواه باكية الغمامة تشهق٣
حتى تجر به ذيول حديقة ... أكمامها بيد النسيم تفتق٤
منها:
وبديعة كالروض إلا أنها ... تجلى بجارحة السماع وتنشق
نظمتها عقدا بدون مثاله ... في النظم شاب من الوليد المفرق
لا فضل لي فيها وبحرك قاذف ... درر الصفاء يقول للناس انفقوا
من عش بيتك قد درجت فطار لي ... في الخافقين جناح ذكرك يخفق
ولكم علقت من القريض صناعة ... ما كنت لولاكم بها أتعلق
لكم الولا مني لأن نداكم ... في كل حادثة لفقري يعتق٥
ومن مطالعي في الجناس التام قولي:
يا طيب الأخبار يا ريح الصبا ... يا من إليه كل قلب قد صبا
وهذه القصيدة كتبت بها من القاهرة المحروسة سنة اثنتين وثمانمائة إلى القاضي تاج الدين بن البارزي، صاحب دواوين الإنشاء الشريف، تشوقًا إليه وإلى حماة المحروسة،
وقلت بعد المطلع أخاطب النسيم بما هو أرق منه.
يا صادق الأنفاس يا أهل الذكا ... يا طاهر الأذيال كم لك من نبا٦
стр. 76
يا من نراه عبارة عن حاجر ... يا روح نجد مرحبا بك مرحبا
يا نسمة الخير الذي من طيبه ... نتنشق الأخبار عن تلك الربا
بالله إن رنحت ذيلك بالحمى ... ووردت شعبًا من دموعي معشبا١
وهززت فيه كل عود أراكة ... أضحى بهاتيك الثغور مطيبا
ولثمت من ثغر الأقاحي مبسما ... أبدى بدر الطل ثغرا أشنبا٢
ودخلت كل خباء زهر قد غدا ... بدموع أجفان الغمم مطنبا
وطرقت حي العامرية ظامئا ... فنعمت في الوادي بريا زينبا٣
وحملت من نشر الخزامي نقحة ... مشمولة بالطيب من ذاك الخبا٤
عج بالعذيب فإن محجر عينه ... أضحى لما حملته مترقبا
واصحب عبير المسك منه فإنه ... لشوارد الغزلان أضحى مشربا
وإذا تنسمت الشذا وتعطرت ... منك الذيول وطبت يا ريح الصبا
عرج على وادي حماة بسحرة ... متيمما منه صعيدا طيبا
واحمل لنا في طي بردك نشره ... فبغير ذاك الطيب لن نتطيبا
واسرع إليّ وداو في مصر به ... قلبا على نار البعاد مقلبا
لله ذاك السفح والوادي الذي ... مازال روض الأنس فيه مخصبا٥
وانعم بمصر نسبة لكن أرى ... وادي حماة ولطفه لي أنسبا
أرض وضعت بها ثدي شبيبتي ... ومزجت لذاتي بكاسات الصبا
يا ساكني مغنى حماة وحقكم ... من بعدكم ما ذقت عيشًا طيبا
ومهالك الحرمان تمنع عبدكم ... من أن ينال من التلاقي مطلبا
وإذا اشتهيت السير نحو دياركم ... قرأ النوى لي في الأواخر من سبا
وقد التفت إليك يا دهر يطو ... ل تعتبي ويحق لي أن أعتبا
قررت لي طول الشتات وظيفة ... وجعلت دمعي في الخدود مرتبا٦
وأسرتني لكن بحق محمد ... يا دهر كن في مخلصي متسببا
стр. 77
فمحمد ومدينة قد حلها ... لم ألق غيرهما لقلبي مطلبا
مولى إذا قصد الزمان بلحنه ... خفضي غدا عن رفع قدري معربا
ذو رتبة نصب السعود بيوتها ... من فوق هام الفرقدين وطنبا١
وفضائل أمست على حلل العلو ... م برقمها الزاهي طرازًا مذهبا
وكتابة منسوبة لكن إلى ... عين الكمال وحقها أن تنسبا
وإذا تسنم ذروة من منبر ... لخطابة فابن الخطيب هنا هبا٢
من بيت فضل قد علت طبقاته ... وأراه للعلم الشريف مبوبا
وإذا وقفت لحاجة في بابه ... تلقاه بابا للنجاح مجربا
يا كاتب الأسرار يا من فضله ... قد جمل الدنيا وزان المنصبا
أقلامك السمر الرشاق إذا انثنت ... أغنت نهار الخطب عن بيض الظبا٣
سود العيون كأنما ألحاظها ... قد كحلت بسواد أحداق الظبا٤
لكن إلى وجه الطروس إذا رنت ... أبدت لنا سحرا حلالًا طيبًا٥
وسرى نسيم الذوق في صباتها ... فغدا بها بين الأنام مشيبا٦
فلأجل ذا إن رجعت أقوالها ... لم نلق إلا مرقصًا أو مطربا
رجع إلى ما كنا فيه من الجناس التام، ومن نظمي فيه أيضًا مع زيادة التورية:
طلبت تقبيل من أحب وقد ... أنكرت في الخد نقطة حسنه
فرق لي قلبه وقال إذا ... لثمت خدي لا تنكر الحسنه
انتهى الكلام على الجناس التام، وقد تقدم قولي إن جميع من نهلت من شرابهم الصافي لم يرضوا بالجناس التام، إذا أمكن استدراك التورية من ركنيه، لعلمهم بعلو رتبتها عنه والتفات الأذواق الصحيحة السليمة إلى حسن موقعها، وإذا راجعت النظر في كلامهم وجدت غالب ما نظموه من التورية جناسًا تامًا، فمن ذلك قول الشيخ صدر الدين بن الوكيل من دو بيت:
стр. 78
كم قال معاطفي حكتها الأسل ... والبيض سرقن ما حوته المقل١
والآن أوامري عليهم حكمت ... البيض تحد والقنا تعتقل٢
ففي تحد وتعتقل جناسان تامان، إذا أبطلت الاشتراك وأبرزت كلا من الركنين في موضعه، على طريق من له رغبة في الجناس، ومثله قول محي الدين بن عبد الظاهر في كوز٣.
وذي أذن بلا سمع ... له قلب بلا قلب
إذا استوى على حب ... فقل ما شئت في الصب
ومثله قول بدر الدين يوسف بن لؤلؤ الذهبي:
تعشقته لدن القوام مهفهفًا ... شهي اللمى أحوى المراشف أشنبا٤
وقالوا بدا حب الشباب بوجهه ... فيا حسنه وجهًا إلي محببا
ومثله قول الشيخ شرف الدين الأنصاري شيخ شيوخ حماة:
لنا من ربة الخالين جاره ... تواصل تارة وتصد تاره ٥
املني بما يحلو وتلوي ... ولكن ليس في جوفي مراره
ومثله قول الشيخ ظهر الدين البارزي، سقى الله ثراه:
يا لحية الحب التي ... طال لها تلفتي
هل أنت مسك الترك أو ... هل أنت مسك نبتي
ومثله قول الشيخ علاء الدين الوداعي:
أثخنت عينها الجراح ولا إث ... ـم عليها لأنها نعساء٦
زاد في عشقها جنوني فقالوا ... ما بهذا فقلت بي سوداء٧
стр. 79
ومثله قول لسان الدين بن الخطيب:
جلس المولى لتسليم الورى ... ولفصل البرد في الجو احتكام
فإذا ما سألوا عن يومنا ... قلت هذا اليوم برد وسلام
ومثله قول الشيخ سراج الدين الوراق، فيمن بخل بالراح، والتورية ثلاثة وهو:
لا تطمعن براحة من معشر ... سادوا بغير مآثر السادات
قطعت عن المعروف أيديهم وقد ... سرقوا العلا فخلت من الراحات
ومثله قول نصير الدين الحمامي:
لي منزل معروفه ... ينهل غيثا كالسحب
أقبل ذا العذر به ... وأقبل الجار الجنب١
ومثله قول شهاب الدين الحاجي:
له عين لها غزل وغزو ... مكحلة ولي عين تباكت
وحاكت في فعائلها المواضي ... فيا لك مقلة غزلة وحاكت
ومثله قول ابن الوردي:
قالت إذا كنت ترجو ... وصلي وتخشى نفوري
صف ورد خدي وإلا ... أجور ناديت جوري
ومثله قول ابن الصائغ:
هجرت فأحشائي لذاك توقدت ... جمرًا وليست في المحبة فاتره
هذا وتحرمني الثقيل الهوى ... من ذا الذي يرضى بنار الهاجره٢
ومثله قول ابن نباتة في الملك المؤيد صاحب حماة:
لنا ملك قد قاسمتنا هباته ... فنثر العطا منه ونظم الثنا منا٣
يذكرنا أخبار معن بجوده ... وننشي له لفظا فينشي لنا معنى٤
стр. 80
ومثله قوله، وهو أعدل شاهد في هذا الباب:
دمعي عليك مجانس قلبي ... فانظر على الحالين في الصب
فذكر التجانس هنا أحد لازمي التورية، والدمع هو اللازم الآخر، وقد نبهنا الشيخ جمال الدين على أنه لم يرض بالجناس، ويؤيد ذلك قوله على الحالين، ومنه قول القيراطي:
أبح لي نرجس ألحاظه ... في مجلس ما فيه ما نكره
فقلت ورد الخد جد لي به ... أيضًا فقال الكل في الحضره١
ومثله قول بدر الدين بن الصاحب:
فتنت بنبت من عوارض خده ... فها أنا في قيد الغرام أسير
وما كان لي بالعشق قط تعلق ... ولا بالهوى قبل العذار شعور٢
ومثله قول صلاح الدين الصفدي:
إن لم تصدقني تصدق بالكرى ... ليزورني فيه الخيال الزائل
وانظر إلى فقري لوصلك واغتنم ... أجري وقل للدمع قف يا سائل
ومثله قول ابن أبي حجلة:
يا صاح قد حضر الشراب ومنيتي ... وحظيت بعد الهجر بالإيناس
وكسا العذار الخد حسنا فاسقني ... واجعل حديثك كله في الكاس
وما أظرف قول يحيى الخباز الحموي:
أصبحت في العالم أعجوبة ... عند ذوي المعقول والفهم
جدي حموي فاسمعوا واعجبوا ... وما كفى حتى أبي أمي
ومثله قول المعمار:
قد بت من كربي لفقد النسا ... أفور كالتنور من ناريه٣
وقد طغى الماء فمن لي بأن ... أحمل بالجود على جاريه
стр. 81
ومثله قول الشيخ شرف الدين حسن المشهور بالزغاري:
قيل لي إذا رأيت أقمار تم ... عن بدور السماء للطرف تلهي١
أي وجه أضناك قلت دعوني ... فسقامي قد صح من كل وجه
ومثله قول عز الدين الموصلي:
حديث عذار الحب باد وساقه ... له أوجه تبدي لقلبي اشتياقه
درى أننا نصغي إلى الحسن دائمًا ... فأبدى لنا ذاك الحديث وساقه
ومثله قول ابن مكانس:
يقول معذبي إذا همت فيه ... بخد خلت فيه الشعر نملا٢
أتعرف خده للعش أهلا ... فقلت له نعم أهلا وسهلا
وأنشدني، من لفظه نفسه، بقية السلف ومن كان للفروع النباتية نعم الخلف، الشيخ زيد الدين أبو بكر بن العجمي، عين كتاب الإنشاء الشريف بالديار المصرية، وقد تمثلت بين يديه بالقاهرة المحروسة، سنة إحدى وثمانمائة، وطالبته بشيء من لفظه في المواليا، فإنه كان إمام فنونه المتشعبة فقال:
للحب قالوا معناك الذي أذبلتو ... جدلو بقبلة فقلبوا فيك خبلتو٣
فقال أقسم لو أن البوس سبلتو ... ومات للشرق مادرتو وقبلتو٤
ومنه قول ابن خطيب داريا:
تقول وقد أتتني ذات يوم ... مخبرة عن الظبي الجموح٥
يسرك أن أروح إليه أجري ... فقلت لها خذي مالي وروحي
ومنه قول بدر الدين الدماميني:
قم بنا نركب طرف ال ... لهو سبقا للمدام
واثن يا صاح عناني ... لكميت ولجام٦
стр. 82
ومثله قول ابن حجر:
سألوا عن عاشق في ... قمر باد سناه
أسقمته مقلتاه ... قلت لا بل شفتاه
ومثله قولي:
عاتبته ودموعي غير جارية ... لأن دمعي من طول البكا نشفا
فقال لم أر وكف الدمع قلت له ... حسيبك الله يا بدر الدجى وكفى١
ولم أستطرد إلى هذا إلا لتأييد قولي: إن جميع من نسجت على منوالهم لم يرضوا بالجناس التام إذا أمكنت التورية التامة، وصبح الفرق بينهما بحمد الله ظاهر، وبدر مثاله في ليالي السطور سافر.
انتهى ما أوردت من محاسن التورية التامة، ووجوب تقديمها على الجناس التام إذا كان عند الناظم يقظة، وكان ممن يميل إلى هذا المذهب، وأما الجناس المطرف، فهو ما زاد أحد ركنيه على الآخر حرفا في طرفه الأول، وهذا هو الفرق بينه وبين المذيل، فإن الزيادة في المذيل تكون في آخره، وأما المطرف لتكون زيادته في أوله لتصير له كالطرف، ويسمى: الناقص والمردف، وفي تسميته اختلاف كثير، ولكن مطابقة الطرف في التسمة طرفة، كقوله تعالى: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ، إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ ٢ والزيادة تارة تكون في أول الركن الثاني كما تقدم، وتارة في أول الركن الأول، كقول أبي الفتح البستي:
أبا العباس لا تحسب بأني ... بشيء من حلى الأشعار عاري
فلي طبع كسلسال معين ... زلال من ذرى الإحجار جاري٣
إذا ما كبت الأدوار زندًا ... فلي زند على الأدوار وارى٤
ومثله:
وكم سبقت منه إليّ عوارف ... ثنائي على تلك العوارف وارف٥
وكم غرر من بره ولطائف ... فشكري على تلك اللطائف طائف
стр. 83
ومثله قول القائل:
قام يسعى ما بين شرب أعزه ... من بني الترك أغيد فيه عزه
وقصيدة هذا المطلع رأيتها في بعض التذاكر، بخط الشهاب محمود، ولم أعرف لها ناظمًا وأعجبني فيها أبيات منها:
يقظ ما يشير طرف إليه ... بمرام إلا ويعرف رمزه
كلما تفعل الصوارم تغني ... عنه ألحاظه المراض بغمزه
ومن نظم ابن نباتة الذي جعله نفثا:
عطفت كأمثال القسي حواجبا ... فرمت غداة البيت قلبا واجبا١
ومثله قولي:
والله ما هب النسيم بحاجر ... إلا ترقرق مدمعي بمحاجري
انتهى الكلام على الجناس التام والمطرف، وهما في بيت البديعية ظاهران، وبيت صفي الدين الحلي قوله:
من شأنه حمل أعباء الهوى كمدا ... إذا هم شأنه بالدمع لم يلم
وبيت عز الدين الموصلي:
مذ نم للعين أنس حين طرفها ... مرأى الحبيب ببذل العين لم يلم
وبيتي:
يسعد ما تم لي سعد يطرفني ... بقربهم وقليل الحظ لم يلم
وللمتأمل أن يستحلي ويستجلي ما يظهر في مرآة ذوقه، ولا يميل عن جادة الإنصاف.
стр. 84
الجناس المصحف والمحرف ١:
هل من يفي إن صحفوا عذلي ... وحرفوا وأتو بالكلم في الكلم
стр. 85
يفي ويقي فيهما جناس التصحيف، ومنهم من يسميه جناس الخط، وهو ما تماثل ركناه خطًّا واختلفا لفظًا، والمقدم في هذا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ، وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ ١ ومنه قول النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه: "قصر ثوبك فإنه أنقى وأتقى وأبقى" وقول النبي ﷺ حين سمع رجلًا ينشد على سبيل الافتخار، وقيل: سأله عن نسبه فقال:
إني امرؤ حميري حين تنسبني ... لا من ربيعة آبائي ولا مضر
فقال له النبي ﷺ : "ذلك والله ألأم لجدك وأقل لحدك" ومنه قول عمر بن الخطاب ﵁: لو كنت تاجرًا ما اخترت غير العطر، إن فاتني ربحه لم تفتني ريحه ومنه قول القاضي الفاضل، في بعض رسالاته: فأنتم يا بني أيوب أيديكم آفة أنفس الأموال، كما أن سيوفكم آفة أنفس الأبطال، فلو ملكتم الدهر لامتطيتم لياليه أداهم وقلدتم بيض أيامه صوارم، ووهبتم شموسه وأقماره دنانير ودراهم، وأوقاتكم أعراس ومآتم إلا على الأموال فهي مآثم، والجود خاتم في أيديكم، ونفس حاتم٢ نقش في ذلك الخاتم. وقال أهل الأدب: خلف الوعد خلق الوعد٣ والأربعة أركان بغير حشو، وهو غاية في هذا الباب ومن النظم قول الشاعر:
فإن حلو فليس لهم مقر ... وإن رحلوا فليس لهم مفر
ومثله قول أبي فراس:
من بحر جودك أغترف ... وبفضل علمك أعترف
ولم أذكر هنا من جناس التصحيف إلا النوع السالم من اختلاف الحركة بالتحريف، فإنه إذا اجتمع فيه النوعان صار مشوشًا، كقول الحريري: "زينت زينب بقد يقد" فهذا في التحريف والتصحيف. وقد تقدم أن الركنين، إذا تجاذبهما نوعان من التجنيس ولم يخلصا لواحد، كان الجناس مشوشًا، ومثله قول أبي تمام: "في حده الحد بين الجد واللعب".
ومن المصحف السالم، ما كتبت به إلى المقر المخدومي، فخر الدين بن مكانس، في رسالتي التي ذكرت فيها حريق دمشق وهو: وأضحت أوقات الربوة، بعد ذلك العيش
стр. 86
الخضل واليسر، عسيره، ولقد كان أهلها في ظل ممدود وماء مسكوب وفاكهة كثيرة، فعبس بعد ذلك ثغر روضها الباسم، وضاع من غير تورية عطره الناسم.
ومن غراميات البهاء زهير ولطائفه في الجناس المصحف قوله:
وليس مشيبًا ما ترون بعارضي ... فلا تمنعوني أن أهيم وأطربا١
وما هو إلا نور ثغر لثمته ... تعلق في أطراف شعري فألهبا
وأعجبني التجنيس بيني وبينه ... فلما تبدى أشنبا رحت أشيبا٢
وما أظرف قول شمس الدين بن العفيف، وقد كنى بأحد الركنين عن الآخر، وهو:
يا ذا الذي صد عن محب ... فيه أذاب الغرام قلبه
مالك في الهجر من دليل ... لكن هذي علوّ قلبه
ولم يطالب فيه التشويش لظرافته ولطافته.
انتهى الكلام على الجناس المصحف. وأما قولي وحرفوا وأتوا بالكلم في الكلم، فهذا جناس التحريف، وهو ما اتفق ركناه في عدد الحروف وترتيبها واختلفا في الحركات، سواء كانا من اسمين أو فعلين أو من اسم وفعل أو من غير ذلك، فإن القصد اختلاف الحركات كما تقرر، والمقدّم فيه, وهو الغاية التي لا تدرك، قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنذِرِينَ، فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ﴾ ٣. ولا يقال: إن اللفظين متحدان في المعنى، لأنهما من الإنذار، فلا يكون بينهما تجنيس، فاختلاف المعنى ظاهر، إذ المراد بالأول الفاعلون وهم الرسل، وبالثاني المفعولون وهم الذين وقع عليهم الإنذار، وقول النبي ﷺ : "اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي". ومثله قوله: جبة البرد جنة البرد، ومثله قولهم: رطب الرطب ضرب من الضرب، ومنه قول القاضي الفاضل: لا زالت الملوك ببابه وقوفًا، والقدار له سيوفًا، والخلق له في دار الدنيا ضيوفًا، ودين دين الحق إذا جردوا لتقاضيه سيوفا سيوفي.
ومن النظم قولي أبي تمام:
هن الحمام فإن كسرت عيافة ... من حائهن فإنهن حِمام٤
стр. 87
وما أحلى قول أبي العلاء المعري:
لغيري زكاة من جمال فإن تكن ... زكاة جمال فاذكري ابن سبيل
ومثله قول ابن الفارض رحمه الله تعالى:
هلا نهاك نهاك عن لوم امرئ ... لم يلف غير منعم بشقاء١
ومثله قول الشيخ عبد العزيز شيخ شيوخ حماة:
لعيني كل يوم فيه عبرة ... تصيرني لأهل العشق عبره٢
وغاص، هو القاضي الفاضل، في هذا البحر وأظهرا من هذا الروي جواهر العقود، فمن قصيد شيخ الشيوخ بحماة:
إذا غفل الوشاة بعثت دمعي ... فيغدو مرسلًا من غير فتره٣
علامة شقوتي في الحب أني ... ثقلت عليك لا من طول عشره
سألزم باب خمار الثنايا ... ليطلق لي ولو في العمر سكره
وظريف هنا قول الشاب الظريف، شمس الدين محمد بن العفيف، من قصيدة:
لا أجازي حبيب قلبي بظلمه ... أنا أحني عليهمن قلب أمه
جوره مثل عدله عند من ... يهواه مثلي وظلمه مثل ظلمه
وما أظرف قول الصاحب بهاء الدين زهير من غرامياته في هذا النوع:
زهاد ورد خديك لكنه ... بغير النواظر لم يقطف
وقد زعموا أنه مضعف ... وما علموا أنه مضعفي
وأورد الشيخ كمال الدين الدميري، في كتابه المسمى بحياة الحيوان عندما انتهى إلى ذكر المها٤ أبياتًا تعجني في هذا الباب أولها تام وآخرها مطرف، وباقي الأبيات تحريفها، تمتزج بالأذواق حلاوته المعتدلة والأبيات لجميل بثينة:
خليليّ إن قالت بثينة ما له ... أتانا بلا وعد فقولا لها لها٥
стр. 88
أني وهو مشغول لعظم الذي به ... ومن بات طول الليل يرعى السُّها سها١
بثينة تزري بالغزالة في الضحى ... إذا برزت لم تبق يوما بها بها٢
لها مقلة كحلاء نجلاء خلقة ... كأن أباها الظبي أو أمها مها
دهتني بود قاتل وهو متلفي ... وكم قتلت بالود من ودها دها٣
ويعجبني قول من قال: إن الصديق الصدوق أول العقد وواسطة العقد: ومثله قولهم: البدعة شرك الشرك. وما أحلى قول ابن نباتة:
قوامك تحت شعرك يا أمامه ... غدا لك حاملا علم الإمامه
ولي مع زيادة التورية:
ولما أراني الشعر وهو مذيل ... وجانب ذاك الصدغ وهو مطرف
بدا بخمار من خمار بريقه ... فقلت لهم هذا الجناس المحرف
انتهى الكلام على الجناس المصحف والمحرف "ومنه" بيت الشيخ صفي الدين الحلي:
من لي بكل غرير من ظبائهم ... غزير حسن يداوي الكلم بالكلم٤
وبيت الشيخ عز الدين الموصلي الحنبلي:
هل من تقي نقي حين صحف لي ... محرف القول زان الحكم بالحكم
أما التصحيف والتحريف في هذا البيت فظاهران، وأما المعنى فالسريرة عند الله.
وبيتي:
هل من يقي ويفي إن صحفوا عذلي ... وحرفوا وأتوا بالكلم في الكلم
стр. 89
الجناس اللفظي والمقلوب:
قد فاض دمعي وفاظ القلب إذ سمعا ... لفظي عذول ملا الأسماع بالألم
أما اللفظي فهو النوع الذي إذا تماثل ركناه وتجانسا خطًّا خالف أحدهما الآخر، بإبدال حرف منه فيه مناسبة لفظية، كما يكتب بالضاد والظاء، وشاهده قولي في البيت فاض وفاظ فإن الأول من فيض الماء والثانيمن التلف، وجاء في هذا النوع من القرآن العظيم: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ١ فالأول من النضارة، والثاني من النظر، وألحقوا به ما يكتب بالهاء والتاء، كقولهم: جبلت القلوب على معاداة المعادات، وقيل هو حديث أو بالنون والتنوين، كقول الأرجاني:
وبيض الهند من وجدي هواز ... بإحدى البيض من عليا هوازن٢
أو بالألف والنون، كقول الشاعر ابن العفيف:
أحسن خلق الله وجهًا وفما ... إن لم يكن أحق بالحسن فمن
ولم ينظم هذا النوع غير الصفي وهو قليل جدًّا، وأصعب مسالكه تركيبه بالضاد والظاء، لأجل إبدال الحرف الذي فيه المناسبة اللفظية، وقد تقدم قول الشيخ شمس الدين بن الصائغ أنه أورد في شرحه الذي سماه رقم البردة، شيئًا من محاسن الزجل على هذا النوع البديعي الذي أطلق عنان القلم في الكلام عليه.
والزجل فن يتمكن الناظم فيه من المعاني لجولانه في ميادين الأغصان والخرجات٣، وهو لا يحسن رسمه في الكتابة إلا من عرف اصطلاحه. وكان الشيخ علاء الدين بن مقاتل، إذا ذكر الزجل، كان ابن بجدته وأبا عذرته، وممن سلمت إليه مقاليد هذا الفن. وأورد الشيخ صلاح الدين الصفدي له نبذة من غرر أزجاله، في تذكرته وتاريخه، تغني عن الإكثار في ترجمته، وله في الجناس اللفظي زجل جانسه بالظاء والضاد لم يسبق إليه ومطلعه قوله:
إن مع معشوقي جفون ولحاظ ... لو رآهم عابد لهام وحاض
ومع أنوار من سحر عينيه إذا ... حفظوه باب أنساه صلا تودا
إن ماعو عيون فواتر حور ... في بحور ولدانها بواتر جفون
كيف لا يفتن عشاقوا ذاك الفتور ... وعلى خده شامه بنقطة فنون
من نظرهم نظره بقى مسحور ... وكيف أنو ما ينسحر من عيون
стр. 90
يعتقدهم رقود وهم إيقاظ ... وجفون كل جفن بسيف أي قاض١
يقضي فيمن بسر ورباح وهذي ... حكمه ممن أضل ناس وهدى
حضرني لما أن يغيب عني ... في غيابو ياما بتحفظ فصول
حتى نوا يصير قريب مني ... ولو أنو يكون في ميدان يجول
أيش تضيق الدنيا على ذهني ... ولا يدري أيش كان يريد لو يقول
وأنسى ما قد حفظتو من الألفاظ ... ويضيق بي رحب المكان الفاض٢
ولا أطلب يومي شراب وغدا ... فأبقى سكران طول ليلتي وغدا
يا نسيم السحر على حبي ... بث مني طيب السلام كلو
لله وأوصيه بالعاشق المسبي ... وبقلبي ذاك الذي استلو٣
وأن تيسر لك أن ترى قلبي ... وأن يسل عن جسمي الضعيف لو
أنو نخيل من بعدك إلى أن فاظ ... واغتسل مما من عيونو فاض
وعلى حذو الدارجين قد حذا ... وفي نايو حادي المنايا حدا
أذكراني في عتبو وخد البهار ... عصتو حتى وقف على ما حرا
وبقي هو يحمرونا بصفار ... ونوادر مني ومنوا ترا
فلا تعجب من خد وكيف يحمار ... فوق ورد الخدود وتحتو جرا
ماء الحيا في وجناتو لما انغاظ ... ونشف ماء لوني إلى أن غاض٤
وما ينكر حالي وحالوا فذا ... سر فيه ممن أنا لو فدا
ونظت في هذا النوع الغريب، تورية فجاءت في غاية الحسن، ولم أسبق إليها إلا من الشاب الظريف، محمد بن العفيف، كقوله:
عبتم من المحبوب حمرة شعره ... وأظنكم بدليله لم تشعروا
لا تنكوا ما احمر منه فإنه ... بدماء أرباب الغرام مضفر٥
وقولي:
خاطرت في عشقي له يا مهجتي ... لا تشغلي قلبي الحزين وخاطري
فالطرف شاهد منه ناضر قده ... فغدا يهيم بكل غصن ناضر
стр. 91
وقولي:
مرج حماة بنوا غيره ... زاد على المقياس في روضته
واغتاظ نمروذ دمشق له ... فقلت لا أفكر في غيضته
وقولي:
حضيت عزمي إليك شوقًا ... فلم أطق مكثة بأرض١
وحيث لم أحظ بالتلاقي ... فغايتي أن ألوم حضي
انتهى الكلام على الجناس اللفظي، وأما الجناس المقلوب، وسماه قوم جناس العكس، وهو الذي يشتمل كل واحد من ركنيه على حروف الآخر من غير زيادة ولا نقص، ويخالف أحدهما الآخر في الترتيب، كقوله تعالى حكاية عن هارون: ﴿خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ٢ ومنه قول النبي ﷺ : "يقال لصاحب القرآن يوم القيامة اقرأ وارق" وما ألطف ما أشار الصاحب بن عباد إلى الجناس المقلوب، بقوله لأبي العباس بن الحرث في يوم قيظ، وقد طلب مروحة الخيش: ما يقول الشيخ في قلبه، يعني الخيش، ومروحة الخيش أحدثها بنو العباس، وذكرها الحريري في المقامات، وقال اسمعوا وقيتم الطيش، وأنشد لغزًا في مروحة الخيش:
وجارية في سيرها مشمعلة ... ولكن على أثر السير قفولها٣
لها سائق من جنسها يستحثها ... على أنه في الاحتثاث رسيلها
ترى في أوان القيظ تنطف بالندى ... ويبدو إذا ولى المصيف فحولها٤
وكان السبب في حدوث هذه المروحة أن هارون الرشيد دخل يومًا على أخته علية بنت المهدي، في يوم قيظ، فألقاها وقد صبغت ثيابها من زعفران وصندل٥ ونشرتها على الحبال لتجف، فجلس هارون قريبًا من الثياب المنشورة، فصارت الريح تمر على الثياب فتحمل منها ريحًا بليلة عطرة، فوجد لذلك راحة من الحر واستطابه، وأمر أن يصنع له مثل ذلك، وقال ابن الشريشي، في شرح المقامات: وهذه المروحة شبه الشراع للسفينة، تعلق بالسقف ويشد بها حبل وتبل بالماء وترش بالماورد، فإذا أراد الرجل في القائلة٦
стр. 92
أن ينام جذبها بحبلها فتذهب بطول البيت وتجيء، فيهب على النائم منها نسيم بارد رطب. اهـ.
رجع إلى الجناس المقلوب، فمنه قول بعضهم:
حكاني بهار الروض حين ألفته ... وكل مشوق للبهار مصاحب١
فقلت له ما بال لونك شاحبا ... فقال لأني حين أقلب راهب
وما أحلى قول ابن العفيف مع زيادة التورية:
أسكرني باللفظ والمقلة الـ ... ـكحلاء والوجنة والكاس
ساق يريني قلبه قسوة ... وكل ساق قلبه قاس
وبديع هنا قول الشيخ جمال الدين بن نباتة، في الأمير شجاع الدين بهرام:
قيل كل القلوب من ... رهب الحرب تضطرب
قلت هذا تخرص ... قلب بهرام ما رهب٢
وبيت عبد الله بن رواحة غاية في هذا النوع، وقيل "هو" أمدح بيت قالته العرب، فإنه من جملة مديح النبي ﷺ وهو قوله:
تحمله الناقة الأدماء معتجرًا ... بالبرد كالبدر جلى نوره الظلما٣
وما أحلى قول القائل:
وألفيتهم يستعرضون حوائجا ... إليهم ولو كانت عليهم جوائجا٤
ومثله:
إن بين الضلوع مني نارا ... تتلظى فكيف لي أن أطيقا
فبحقي عليك يا من سقاني ... أرحيقا سقيتني أم حريقا
ومن الغايات في هذا الباب قول القائل:
لبق أقبل فيه هيف ... كلما أملك إن غنى هبه
стр. 93
فهذا البيت كل كلمة منه، بانضمامها إلى أ×تها، تجانسها في القلب، وأعلى منه رتبة قول سيف الدين ابن المشد:
ليل أضاء هلاله ... أنى يضيء بكوكب
وهذا البيت كل كلمة منه تقرأن مستوية ومقلوبة، وهو مما لا يستحيل بالانعكاس، كقول الحريري: ساكب كاس، وهذا النوع يأتي الكلام عليه في موضعه لأن المراد هنا جناس القلب، وللشيخ علاء الدين بن مقاتل الحموي أيضا زجل في هذا النوع، سارت به الركبان أنشده المصنف في حماة، بحضرة الملك المؤيد، والشيخ صفي الدين، والشيخ جمال الدين بن نباتة، فوقع في المجلس شيء إذا استوعبت الزجل كتابة علمته:
قلبى بحب تياه ... ليس يعشق إلا إياه
فاز من وقف وحياه ... يرصد على محياه
بدر السما لو يطبع ... من رام وصالوا يعطب١
صغير بحير في أمرو ... غزال قهر بسمرو
ليث الهوى ونمرو ... فاعجب لصغر عمرو
ريم ابن عشر وأربع ... أردى الأسود وأرعب
اذكر نهار تبعتو ... وروحي كنت بعتو
وخيب ما فيه طمعتو ... فقال وقد سمعتو
ارجع ولا لي تتبع ... أخشى عليك لا تتعب
كم قدامو وخلفوا ... مشيت مطيع لحلفو
ورمت لثم كفو ... قال دع مناك وكفو
فإن لثم أصبع ... من الثريا أصعب
ما زلت لو نداري ... حتى حصل في داري
ناديت ودمعي جاري ... ايش كان يصيب يا جاري
لو كنت من فيك أشبع ... قال ايش يكن لك أشعب
من حاز حسن خدو ... لحظو لقتلي حدو
وورد خد وندو٢ ... ما في الرياض شيء
روض الحيا مبرقع ... عليه ساج معقرب
من في الجمال فريدو ... للصب من وريدو
يذبح ولو يزيدو ... وكم ذا شيخ مريدو
خلاه دموعو يبلع ... وهو بعقلو يلعب
كم خصم في المقاتل ... صابوا ابن مقاتل
وكم ذا في المحافل ... قد أنشالوا جحافل
من كل بيت مربع ... ملحون بألف معرب
والشيء اللطيف الذي وقع في المجلس المشار إليه، ووعدت بذكره: ذكروا أن الشيخ علاء الدين بن مقاتل، لما وصل إلى قوله ملحون بألف معرب، صار الشيخ جمال
стр. 94
الدين بن نباتة ينظر إلى الشيخ علاء الدين بن مقاتل، ويشير إلى الشيخ صفي الدين الحلي، ويقول: ملحون بألف معرب. والملك المؤيد يتبسم لذلك. اهـ.
وإذا نظر المتأمل إلى بعض هذه الأحرف في رسم كتابة الزجل لا ينتقد، فإن شرط رسمه أن يوضع كذا لأجل تحرير وزنه.
انتهى الكلام على الجناس اللفظي والمقلوب، وبيت الشيخ صفي الدين الحلي فيهما:
بكل قد نضير لا نظير له ... لا ينقضي أملي منه ولا ألمي١
وبيت الشيخ عز الدين:
لفظي حض على حظ يمانعه ... مقلوب معنى ملا الأحشاء من ألم
وبيتي:
قد فاض دمعي وفاظ القلب إذ سمعا ... لفظي عذول ملا الأسماع بالألم
انتهى والله أعلم.
стр. 95
ذكر الجناس المعنوي:
أبا معاذ أخا الخنساء كنت لهم ... يا معنوي فهدّوني بجورهم١
أما الجناس المعنوي فإنه ضربان: تجنيس إضمار، وتجنيس إشارة. ومنهم من سمى تجنيس الإشارة، تجنيس الكناية، وكل منهما مطابق التسمية. ولم ينظرم الشيخ صفي الدين الحلي، في بديعيته، غير نوع الإضمار، وهو أصعب مسلكًا من جناس الإشارة، ولا بد أن أنوع هذا الشرح بمحاسن النوعين: فإن المعنوي طرفة من طرف الأدب عزيز الوجود جدًّا، ولم يذكره الشيخ جلال الدين القزويني، في التلخيص، ولا في الإيضاح، ولا ذكره ابن رشيق في العمدة، ولا زكي الدين بن أبي الأصبع في التحرير، ولا ابن منقذ في كتابه، والعميان ذكروه في شرح بديعيتهم، ولكن ما تيسر لهم نظمه، وذكر الشهاب محمود، في كتابه المسمى بحسن التوسل في صناعة الترسل، منه نوع
стр. 96
الإشارة لا نوع الإضمار، ولكن ما نظمه، ولم يذكر نوع الإضمار في بديعيته غير الشيخ صفي الدين الحلي، وقد تقدم القول أنه قال عن بديعيته: إنها نتيجة سبعين كتابًا في هذا الفن. وأن شيخنا قاضي القضاة علاء الدين بن القضامي ﵀ يقول: وهو إمام هذا العلم: ما أعلم لبيت أبي بكر بن عبدو، في إضمار الركنين ثانيًا، غير بيت الشيخ صفي الدين الحلي ولو لم يفتح ابن عبدون هذا الباب في بيته، ما حصل للشيخ صفي الدين دخول إلى نظم هذا النوع. انتهى.
والكلام على البيتين يأتي بعد تعريف النوع، فالمعنوي المضمر: هو أن يضمر الناظم ركني التجنيس، ويأتي في الظاهر بما يرادف المضمر للدلالة عليه، فإن تعذر المرادف أتى بلفظ فيه كناية لطيفة تدل على المضمر بالمعنى، كقول أبي بكر بن عبدون المشار إليه، وقد اصطبح بخمرة ترك بعضها إلى الليل فصارحت خلا:
ألا في سبيل اللهو كأس مدامة ... أتتنا بطعم عهده غير ثابت١
حكت بنت بسطام بن قيس صبيحة ... وأمست كجسم الشنفرى بعد ثابت
فبنت يسطام بن قيس كان اسمها الصهباء، والشنفرى قال:
اسقنيها يا سواد بن عمرو ... إن جسمي من بعد حالي لخل
والخل هو الرقيق المهزول، فظهر من كناية اللفظ الظاهر جناسان مضمران في صهباء وصهباء، وخل وخل، وهما في صدر البيت وعجزه، ومن هنا أخذ الشيخ صفي الدين الحلي وقال:
وكل لحظ أتى باسم ابن ذي يزن ... في فتكه بالمعنى أو أبي هرم٢
فابن ذي يزن اسمه سيف، وأبو هرم اسمه سنان، فظهر له جناسان مضمران من كنايات الألفاظ الظاهرة، فظهر قول شيخنا، فاقضي القضاة علاء الدين: إن هذا الباب ما فتحه، للشيخ صفي الدين، غير ابن عبدون، وكنت أود أن يكون شيخنا ﵀ حيًّا ويراني قد عززتهما بثالث وهو:
أبا معاذ أخا الخنساء كنت لهم ... يا معنويّ فهدّوني بجورهم
أبو معاذ اسمه جبل، وأخو الخنساء اسمه صخر، فظهر له من كنايات الألفاظ
стр. 97
الظاهرة أيضًا جناسان مضمران في صدر البيت، وهما جبل وجبل، وصخر وصخر، وبالنسبة إلى الجبل في الركن الواحد يحسن قولي: فهدوني بجورهم، وقد أظهرت محاسن هذا الجناس المضمر، وكشفت عن جماله الباهر سطور الأشكال، ليتمتع به صاحب الذوق السليم، فإن فحول المتأخرين وقفوا عن المجاراة في حلبته، ولم يتعلق أحد منهم إلا بأذيال الضرب الثاني، وهو جناس الإشارة، ويأتي الكلام عليه.
ومن غريب ما يحكى: أن الشيخ صلاح الدين الصفدي قال في شرح لامية العجم، وفي كتابه السمى بجنان الجناس، لما اعترضه الجناس المعنوي، قال: هذا النوع عندي باطل، ولم يتيسر له منه نظم بيت واحد، مع كثرة تهافته على الجناس وأنواعه. والذي يظهر لي أنه عجز عن نظمه، فإنه قال في غضون ذلك: وقد استخرجت من شعر أبي الطيب المتنبي من الجناس المعنوي، قوله:
حاولن تقريبي وخفن مراقبا ... فوضعن أيديهن فوق ترائبا١
وهذا دليل على أنه لم يفهمه:
انتهى الكلام على الجناس المعنوي الذي يضمر فيه الركنان وما أخرت بيت الشيخ عز الدين الموصلي، ونثرت نظم الترتيب الذي تقدم إلا لتنحيه عن نظم الجناس المعنوي المضمر الركنين، وميله إلى جناس الإشارة، لسهولة مأخذه، فلم يبق لبيته طاقة على المناظرة، لتحوله عن النوع الذي عارض فيه الشيخ صفي الدين، والظاهر أنه قنع بقول القائل:
إذا منعتك أشجار المعالي ... جناها الغض فاقنع بالشميم٢
والضرب الثاني من المعنوي، وهو جناس الإشارة والكناية هو غير الأول، وسبب ورود هذا النوع في النظم أن الشاعر يقصد المجانسة في بيته، بين الركنين من الجناس، فلا يوافقه الوزن على إبرازهما فيضمر الواحد، ويعدل بقوته إلى مرادف فيه كناية تدل عى الركن المضمر، فإن لم يتفق له مرادف الركن المضمر يأتي بلفظة فيها كناية لطيفة تدل عليه، وهذا لا يتفق في الكلام المنثور، والذي يدل عليه المرادف قول امرأة من عقيل، وقد أراد قومها الرحيل عن بني ثهلان وتوجه منهم جماعة يحضرون الإبل، وهو:
فما مكثنا دام الجمال عليكما ... بثهلان إلا أن تشد الأباعر٣
стр. 98
وأرادت أن تجانس، بين الجمال والجمال، فلم يساعدها الوزن ولا القافية، فعدلت إلى مرادفة الجمال بالأباعر، والذي يدل على مضمره اللفظة الظاهرة بالكناية اللطيفة، قول دعبل في امرأته سلمى:
إني أحبك حبًّا لو تضمنه ... سملى سميك ذاك الشاهق الراسي١
فالكناية اللطيفة في سميك، لأنها أشعرت أن الركن المضمر في سلمى يظهر منه جناس الإشارة بين الركن الظاهر والمضمر، في سلمى وسلمى الذي هو الجبل، ومثله قول الآخر:
وتحت البراقع مقلوبها ... تدب على ورد تلك الخدود٢
فكنى عن العقارب بمقلوب البراقع، ولا شك أن بين اللفظ المصرح به والمكنى عنه تجانسًا، ومثله قول الآخر، يهجو مغنيًا ثقيلًا:
قال غنيت ثقيلا ... قلت قد غنيت نفسك
ومن الكنايات بالمرادف، قول شرف الدين بن الحلاوي، وهو غاية في هذا النوع:
وبدت نظائر ثغره في قرطه ... فتشابها متخالفين فأشكلا٣
فرأيت تحت البدر سالفة الطلا ... ورأيت فوق الدر مسكرة الطلا٤
أراد أن يجانس بين سالفة الطلا وسلافة الطلا، فلم يساعده الوزن، فعدل بقوته إلى المسكرة وهي مرادفة السلافة، وقد تقدم أن الشيخ عز الدين الموصلي لم ينظم من المعنوي إلا هذا الضرب، وهو الذي أوجب تأخير بيته عن المناظرة، وقد تقرر أن الشاعر يريد في هذا النوع إظهار الركنين، فلا يساعده الوزن، فيعدل بحسن تصرفه إلى مرادفه، وأراد الشيخ عز الدين أن يمشي على هذا الطريق فحصل له في الطريق عقلة، فإنه قال:
وكافر يضمر الإحسان في عذل ... كظلمة الليل عن ذا المعنوي عمي
فالليل يسمى كافرًا وهو الذي يستر الأشياء، وكافر هنا بمعنى ساتر، وهذا هو الركن الذي أضمره عز الدين ورادفه بالظلمة، وكنى بها عنه، فظهر منها جناس الإشارة كافر
стр. 99
وكافر، غير أن الوزن ما عصى على عز الدين حتى عدل إلى المرادف، فلو أراد أن يبرز الركنين لكان الوزن داخلًا تحت طاعته إذا قال:
وكافر يضمر الإحسان في عذل ... ككافر الليل عن ذا المعنوي عمى
ولما وقف مولانا الشيخ شهاب الدين بن حجر على هذا النوع قال: هذا عزيز الوجود: وأنشدني، بعد أيام مولانا السلطان الملك المؤيد هذين البيتين وهما في نوع المضمر المقدم، ذكره غاية، وهما:
جمع الصفات الصالحات مليكنا ... فغدا بنصر الحق منه مؤيدا
كأبي الأمين برأيه وكجده ... أنى توجه وابن يحيى في الندى١
ومن نظمي، في نوع الإشارة الغريبة، قولي، من جملة قصيد في سكر حماة:
وجناس ذاك السكر يحلو للورى ... تحريفه ويروق في تشرين
ففي صريح الجناس وتورية التحريف كنايتان لطيفتان، يظهر منهما جناس الإشارة محرفا بين السكر والسكر، والمراد بقولي يروق في تشرين: أن عاصي حماة يروق في هذا الفصل، إلى أن يرى قراره من أعالي شطوطه، وهذه القصيدة كتبت بها من القاهرة المحروسة، في عام ثماني عشرة وثمانمائة، إلى مولانا المقر الأشرف القاضوي الناصري محمد بن البارزي، كاتب دواوين الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية، وقد حل ركابه الكريم بحماة المحروسة، وقالت شطوطها أهلا بعيش أخضر يتجدد، وروي عاصيها بعد نار شوقه الكامل عن المبرد، وعادت إلى عصر الشبيبة وقد شاهدت الملك المؤيد ومطلع القصيدة:
خلى التعلل في حمى يبرين ... فهوى حماة هو الذي يبريني٢
وأطع ولا تذكر مع العاصي حمى ... ما في وراء النهر ما يرضيني٣
أنا سائل والنهر فيها لذلي ... ومع افتقاري نظرة تغنيني
والنبت يضطبها بشكل معرب ... لما يزيد الطير في التلحين
والغصن يحكي النون في ميلانه ... وخياله في الماء كالتنوين
والله ما أنا آيس من قربها ... بالله صدقني وخذ بيميني٤
стр. 100
فالطرف قد أبقى بقايا أدمع ... وهناك أجبرها برجع أنيني
فاحذر ملامي عند فيض مدامعي ... فالدمع دمعي والعيون عيوني
قالوا تسلى عن ثمار شطوطها ... فأجبت لا والتين والزيتون
يا لائمين على شريعتها لكم ... في ذاك دينكم ولي أنا ديني
فلنا على الأعراف من ريحانها ... قصص أتت بتناسخ البشنين١
ويشط شرعا يا لنا كم شرعت ... أعوادها وتثقفت باللين
لكن إذا اشتبكت رأيت الظل قد ... ألفته مضطربًا شبيه طعين
وخيال ضوء الشمس في تدويره ... يحكي فم الطعنات في التكوين
وعيونها كما قال هدب نباتها ... ما للبناني مثل شرح عيوني
تلك المعالم والمعاهد بغيتي ... بحماة لا الجيران من جيرون٢
كما قال دمع الصب ليتهم على ... تلك الرسوم بفضلهم يجروني
يا نازلين حمى حماة نعمتم ... فيها صباحا نوره يهديني
قد كنت أنساها برؤيتكم وقد ... صرتم بها فالصبر غير معيني
غبتم وهذا محضري لي شاهد ... بالعسر من صبري وبالمضمون
وحللتم دار السعادة بالحمى ... فبحقكم بالبعد لا تشقوني
ذنبي عظيم لانقطاعي عنكم ... فلأجله في مصر لا تبقوني
وتكونت نار اشتياقي في الحشا ... لفساد تكويني فدع تكويني
وعجزت ضعفا عن وفا دين اللقا ... فترفقوا بؤادي المرهون
فعسى يزول ظلام بعدي عنكم ... وأرى ضياء القرب من شمسين
ولرقة فيكم أظن بأنكم ... حنيتم طربا لرجع حنيني
هذي غراميات صب ماله ... أرب بتورية ولا تضمين٣
لكن إذا ذكروا بديع مدائح ... في البارزي فكل فوق دوني
ما القصد فخري إنما أنا عبده ... فالشك أدفعه بحسن يقيني
الغصن نسقيه وغصن يراعه ... يسقي الورى لكن أنا ينشيني٤
стр. 101
فالطرس وهو مطوق بيمنيه ... ينسي السواجع معرب التلحين١
هو كامل في فضله وعلومه ... والله أعطاه كمال الدين
حسنت لياليه وأيام له ... فهدى الزمان بطرق وجبين٢
يا صاحب البيت الذي عن وصفه ... قد أحجمت شعراء هذا الحين
إن جاء نظمي قاصرًا عن وصفه ... عذرًا فهذي نشطة الخمسين
ونعم كبرت وبان عجزي إنما ... كانت مسراة اللقاء تصبيني٣
وحجبتموني عن حماة وغبتموا ... عني فهذا من فنون جنوني
وقعدت عن ديوان شيخ شيوخنا ... في مصر جار عويس والمتيني
برهان شوقي قد أقمت دليله ... بسنا نجوت مع ضياء الدين
لا زلتم بكمالكم في نعمة ... مقرونة بالنصر والتمكين
стр. 102
ذكر الاستطراد:
واستطردوا خيل صبري عنهم فكبت ... وقصرت كليالينا بوصلهم١
الاستطراد في اللغة، مصدر استطرد الفارس من قرنه في الحرب، وذلك أن يفر من بين يديه يوهمه الانهزام، ثم يعطف عليه على غرة منه، وهو ضرب من المكيدة، وفي الاصطلاح، أن تكون في غرض من أغراض الشعر توهم أنك مستمر فيه، ثم تخرج منه إلى غيره، لمناسبة ينهما، ولابد من التصريح باسم المستطرد به، بشرط أن لا يكون قد تقدم له ذكر، ثم ترجع إلى الأول وتقطع الكلام، فيكون المستطرد به آخر كلامك، وهذا هو الفرق بينه وبين المخلص، فإن الاستطراد يشترط فيه الرجوع إلى الكلام الأول، وقطع الكلام بعد المستطرد به، والأمران معدومان في المخلص، فإنه لا يرجع إلى الأول ولا يقطع الكلام، بل يستمر إلى ما يخلص إليه.
وحد صاحب الإيضاح الاستطراد بحد أتى فيه بالغرض، بعد ما بالغ في الإيجاز فإنه قال: الاستطراد هو الانتقال من معنى إلى معنى متصل به، ثم يقصد بذكر الأول التوصل إلى الثاني، ففي قوله متصل به، جل القصد وعدم الاحتياج إلى الكلام الكثير.
وذكر الخاتمي في حلية المحاضرة أنه نقل هذه التسمية عن البحتري. وذكر غيره أن البحتري نقلها عن أبي تمام، وقال ابن المعتز: الاستطراد هو الخروج من معنى إلى معنى، وفسره بأن قال: هو أن يكون المتكلم في معنى فيخرج منه بطريق التشبيه، أو الشرط، أو الإخبار، أو غير ذلك، إلى معنى آخر يتضمن مدحًا أو هجوًا، أو وصفًا، وغالب وقوعه في الهجاء، فمنه قوله تعالى في كتابه العزيز: ﴿أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ
стр. 103
ثَمُودُ﴾ ١ فذكر ثمود استطراد. وقيل: إن أول شاهد ورد في هذا النوع، وسار مسير الأمثال، قول السموأل:
وإنا لقوم لا نرى القتل سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول٢
فانظر إلى خروجه الداخل في الافتخار إلى الهجو، وحسن عوده إلى ما كان عليه الافتخار بقوله:
يقرب حبّ الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول
ومنه قول حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه:
إن كنت كاذبة الذي حدثتني ... فنجوت منجى الحرث بن هشام
ترك الأحبة أن يقاتل دونهم ... فنجا برأس طِمِرِّهِ ولجام٣
فانظر كيف خرج من الغزل إلى هجو الحرث بن هشام، والحرث هو أخو أبي جهل، أسلم يوم الفتح وحسن إسلامه، ومات يوم اليرموك بالشام، ومنه قول البحتري، من قصيدة في وصف فرس:
كالهيكل المبني إلا أنه ... في الحسن جاء كصورة في هيكل
ملك العيون فإن بدا أعطيته ... نظر المحب إلى الحبيب المقبل
ما إن يعاف قذى ولو أوردته ... يومًا خلائق حمدويه الأحول٤
ومنه قول أحمد بن يحيى البلاذري يرثي أبا تمام:
أمسى حبيب رهن قبر موحش ... لم يدفع الأقدار عنه بكيد
لم ينجه لما تناهى عمره ... أدب ولم يسلم بقوة أيد٥
قد كنت أرجو أن تنالك رحمة ... لكن أخاف قرابة ابن حميد
стр. 104
ما أحسن ما خرج من الرثاء إلى الهجو، في حميد بن قحطبة، والقرابة التي بينه١ وبين ابن حميد أنهما كانا طائيين، ومنه قول الحسين بن علي القمي:
جاورت أجيالًا كأن صخورها ... وجنات نجم ذي الحياء البارد
والشوك يفعل في ثيابي مثل ما ... فعل الهجاء بعرض عبد الواحد
ومنه قول أبي محمد بن مكدم، وهو غاية في هذا الباب:
وليل كوجه البرقعيدي ظلمة ... وبرد أغانيه وطول قرونه٢
قطعت فنومي عن جفوني مشرد ... كعقل سليمان بن فهد ودينه
بذي أونق فيه اعوجاج كأنه ... أبو جابر في خبطه وجنونه٣
إلى أن بدا ضوء الصباح كأنه ... سنا وجه قرواش ونور جبينه
فانظر إلى قوة الاستطراد من وصف حاله مع الليل، إلى هجاء الثلاثة ومدح قرواش.
ومنه:
إذا ما اتقى الله الفتى وأطاعه ... فليس به باس وإن كان من جرم
انظر ما أبلغ ما خرج من الوعظ إلى الهجو المؤلم، في قبيلة جرم.
ومثله:
وشادن بالدلال عاتبني ... وا ميتتي من تدلل العاتب٤
فكان ردي عليه من خجل ... أبرد من شعر خالد الكاتب
ومنه قول ابن المعتز:
ولقد شربت مدامة كرخية ... مع ماجد طلق اليدين حميد٥
عليت بماء براد فكأنما ... عليت ببرد قصيدة ابن سعيد
ومثله قول بعضهم، يصف خمرًا طبخت حتى راقت وصفت:
لم يبق منها وقود الطابخين لها ... إلا كما أبقت الأنواء من داري٦
стр. 105
انظر ما أحلى استطراده، من وصف الخمر إلى وصف داره بالخراب، بألطف كناية.
والغريب في هذا الباب الاستطراد من الهجو إلى الهجو، وهو كقول جرير يهجو أم الفرزدق:
لها برص بأسفل اسكتيها ... كعنفقة الفرزقد حين شابا١
ومثله قوله:
وكأني أقرأ بحرف أبي عمرو ... على القوم سورة الأنعام
محنة تصفع ابن عمرو بن يحيى ... في دماغ الأعشى ينعل القطامي
ولقد أردت أن أستطرد هنا، إلى ذكر ما وقع لي وللمتأخرين من الاستطرادات الغريبة، فلم أجد أبدع من بيت البديعية، فاكتفين عند قضاة الأدب بحسن آدابه، فإنه أعدل شاهد في هذا الباب، وحبست عنان القلم عن الاستطراد في وصفه، علما أن في إنصاف علماء الأدب، إذا وقفوا عليه، ما يغني عن ذلك.
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته:
كأن آناء ليلي في تطاولها ... تسويف كاذب آمالي بقربهم٢
الذي يظهر لي أن الشيخ صفي الدين، عبر على الاستطراد، بتقديم أداة التشبيه في أول البيت، وقد تقدم قول صاحب الإيضاح: أن يقصد بذكر الأول التوصل إلى الثاني، وما خرج أحد من الاستطراد، بطريق التشبيه، إلا جعل أداة التشبيه مع المستطرد به، في آخر الكلام، كقول السري الرفاء:
لنا روضة بالدار صيغ لزهرها ... قلائد من حلي الندى وشنوف٣
يمر بنا فيها إذا ما تبسمت ... نيسم كعقل الخالدي ضعيف
стр. 106
فأداة التشبيه جاءت هنا في الآخر، مع المستطرد به كما تقرر، ولم يقدم الناظم في أول البيت، ما يتوصل به إلى آخره. اهـ.
ومثل هذا الإيراد قول ابن جلنك الحلبي، وهو أظرف ما رأيت في هذا الباب، حكي أنه كتب رقعة إلى بعض الحكام، وقيل: إلى قاضي القضاة، كمال الدين بن الزملكاني، يسأله فيها شيئًا فوقع له بخبز، وأستحيي أن أقول إنه رطلان، فتوجه ابن جلنك يومًا إلى بستان يرتاض فيه، فقيل: إنه لقاضي القضاة المشار إليه، فكتب على حائط البستان:
لله بستان حللنا دوحه ... في جنة قد فتحت أبوابها
والبان تحسبها سنانيرًا رأت ... قاضي القضاة فنفشت أذنابها١
فاستطراده من وصف البستان، وتشبيه البان التشبيه المخترع، إلى هجو قاضي القضاة، مرقص عند سماعه. وما شك أحد من أهل الأدب أن التشبيه غريب في اختراعه وقيل: إن الشيد بدر الدين بن مالك أملى عليهم كراسة في البديع، وأنا بالأشواق إلى رؤيتها.
ومن استطرادات أبي عبد الله محمد بن حجاج البغدادي، في طريقه التي لم ينسج على منوالها غيره، فإن الشيخ جمال الدين بن نباتة قال فيها في خطبة كتابه المسمى بـ"تلطيف المزاج في شعر ابن حجاج": "فإني رأيت نتائج أفكار الشعراء، ذرية بعضها من بعض، وأمم أشعارهم تبعث جميعها في صعيد واحد من الأرض، إلا أشعار الأريب الفريد أبي عبد الله الحسين بن حجاج، فإنها أمة غريبة تبعث وحدها، وذرية عجيبة تبلغ بإتقان اللهو واللعب رشدها، لم يحط خاطر أحد بمثلها خبرًا، ولا استطاع على معارضة شهدها صبرًا"، انتهى قول الشيخ جمال الدين.
واستطرده الموعود بذكره "هو" قوله:
تفديك أمي وأبي ... وابني وإن كان صبي
يا من إليه حينما ... وجدته منقلبي٢
стр. 107
يا من مديح غيره ... عندي عزيز المطلب
لحية من يشناك في ... حال رضا أو غضب١
من عين من يطلبها ... بالليل في استي تختبي٢
وأمه أم الشكو ... ك في استها والريب
ذات حر أوسع من ... شارع باب اللعب٣
وشعرة غليظة ... ذات نبات أشيب
قد شاب منها بعضها ... وبعضها لم يشب
نتفت منها طاقة ... بشدة أو تعب
فما شككت أنها ... لحية ابن الحلبي
ومنها في الاستطرادات الغريبة، لما بلغه أن المهذب يعشق ابن أخيه، وينكر ذلك ويعقد الأيمان عليه بسببه، قوله:
جارية مثل شرا ... ع المضرب المطنب٤
صعدت من عليها ... بالليل فوق مرقب٥
حتى رأيت ابن أخي ... بحضرة المهذب
ومثله قوله من قصيدة:
حتى متى أفديك يا ستي ... يندف قطن استك دق إستي
متى أرى سرمك منهدما ... وخصيتي تنهز من تحتي
قالت بهذا الأير واستحقرت ... وكان قد نام على بختي
قلت نعم هذا على ما به ... قد ضرط البخت فما أنت
هذا إذا قام استوى طوله ... بطوله ساقيك إذا نمت
فلو رأيتيه على بيضه ... مثل أبي منصور في الدستِ
خريت بالطول على عارضي ... صاحب ديوان أبو بلتِ
стр. 108
يا أيها الأستاذ يا من به ... يمسي كما أملته وقتي
خذ بيدي إني في محنة ... زلقت فيها في خرا تحتي
وأما قول القاضي الفاضل في هذا الباب، على طريقته الفاضلية، فإنه عجيب وهو:
لي عندكم دين ولكن هل له ... من طالب فؤادي المرهون
فكأنني ألف ولام في الهوى ... وكأن موعد وصلكم تنوين
ومثله قول مسلم بن الوليد:
سريت بها حتى تجلت بغرّة ... كغرة يحيى حين يذكر خالد
وغاية الغايات في هذا الباب، قول عبد المطلب جد النبي ﷺ :
لنا نفوس لنيل المجد عاشقة ... ولو تسلت أسلناها على الأسل١
لا ينزل المجد إلا في منازلنا ... كالنوم ليس له مأوى سوى المقل
انظر إلى البلاغة الهاشمية، كيف جمعت بين حمشة الافتخار وتفخم الحماسة٢ وبديع الافتنان وغريب الاستطراد ورقة الانسجام.
انتهى الكلام على بيت الشيخ صفي الدين الحلي. وبيت العميان، هو:
قد أفصح الضب تصديقًا لبعثته ... إفصاح قس وسمع القوم لم يهم٣
وهذا البيت على طريق الشيخ صفي الدين الحلي فإن ناظمه قصد بذكر الأول التوصل إلى الثاني، وبيت الشيخ عز الدين الموصلي هو:
يستطرد الشوق خيل الدمع سابقة ... فيفضل السحب فضل العرب للعجم
الذي أقوله إن الشيخ عز الدين ﵀ أحرز قصبات السبق، بما استطرده هنا، على الشيخ صفي الدين وعلى العميان، مع التزامه بتسمية النوع المورى به من أنس الغزل، ومراعاة جانب الرقة نظام الاستطراد على الشرط المذكور، وبيت بديعيتي هو:
واستطردوا خيل شوقي عنهم فكبت ... وقصرت كليالينا بوصلهم
وهذا البيت غريب، ولا بد لأهل الأدب من تأهيل غريبه. انتهى.
стр. 109
ذكر الاستعارة:
وكان غرس التمني يانعا فذوى ... بالاستعارة من نيران هجرهم
الاستعارة عندهم أقصى من المجاز، وهي أخص منه، إذ قصد المبالغة شرط في الاستعارة دون المجاز، وموقعها في الأذواق السليمة أبلغ، وليس في أنواع البديع أعجب منها، إذا وقعت في مواقعها، وللناس فيها اختلاف كثير.
وأما أصحاب المعاني والبيان فإنهم أطلقوا فيها أعنة أقلامهم، وجالوا بها في ميادين البحوث. وليس الغرض هنا إلا نفس الاستطراد إلى مواقع فيها من المحاسن، نظمًا ونثرًا، بعد تقريبها إلى الأذهان بحدود يزول بها الالتباس.
حد الرماني الاستعارة فقال: هي تعليق العبارة على غير ما وضعت له في أصل اللغة، على سبيل النقل. وذكر الخفاجي كلام الرماني وقال: تفسير هذه الجملة قوله : ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ ١ استعارة، لأن الاشتعال للنار، ولم يوضع في أصل اللغة للشيب، وقلما نقل إليه بأن المعنى، لما اكتسبه من التشبيه، لأن الشيب لما كان يأخذ من الرأس شيئًا فشيئًا، حتى يحيله إلى غير لونه الأول، كان بمنزلة النار التي تسري في الخشب، حتى تحيله إلى غير حالة المتقدمة، فهذا هو نقل العبارة عن الحقيقة في الوضع للبيان.
ولا بد أن تكون الاستعارة أبلغ من الحقيقة، لأجل التشبيه العارض فيها، لأن الحقيقة لو قامت مقامها، لكانت ولى بها، ولا يخفى على أهل الذوق أن قوله تعالى.
стр. 110
﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ أبلغ من كثر شيب الرأس، وهو حقيقة، ولا بد للاستعارة من مستعار منه ومستعار ومستعار له، فالنار مستعار منها، والاشتعال مستعار، والشيب مستعار له. انتهى.
ومنهم من قال: هي ادعاء معنى الحقيقة في الشيء للمبالغة في التشبيه، وهذا يؤيد قول ابن جني: إن لم تكن الاستعارة للمبالغة، وإلا فهي حقيقة. وكلام ابن جني حسن في موضعه، فإن الشيء إذا أعطي وصف نفسه لم تكن استعارة.
وقال ابن المعتز: هي استعارة الكلمة لشيء لم يعرف بها من شيء عرف بها، كقول النبي ﷺ : "ضموا مواشيكم حتى تذهب فحمة العشاء"، فاستعار ﷺ للعشاء، لقصد حسن البيان.
ومنهم من قال: هي استعارة الشيء المحسوس للشيء المعقول. قال فخر الدين الرازي: هي جعلك الشيء للشيء للمبالغة في التشبيه. وقال ابن أبي الأصبع في "تحرير التحبير" هي نقل اسم الراجح إلى المرجوح، لطلب المبالغة في التشبيه وحسن البيان، فإنك إذا قلت: زيد أسد، فقد نقلت اسم الأسد لزيد، لكن الأسد راجح في الجراءة، وزيد مرجوح، وقد بالغت في تشبيه زيد بالأسد، وأحسنت البيان، انتهى.
ولا تحسن الاستعارة إلا إذا كان التشبيه مقررًا، وكلما زاد التشبيه خفاء زادت الاستعارة حسنًا، وما أحسن قول ذي الرمة هنا:
أقامت بها حتى ذوي العود في الثرى ... وكف الثريا في ملاءته الفجر١
فاستعار للفجر ملاءة، وأخرج لفظه مخرج التشبيه، وكان أبو عمرو بن العلاء لا يرى أن لأحد مثل هذه الاستعارة، وأحسن الاستعارات ما قرب منها دون ما بعد، وأعظمها، في هذا الباب، قوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ ٢ فإن ظهور الأنوار من المشرق من أشعة الشمس قليلًا قليلًا، بينه وبين إخراج النفس مشابهة شديدة القرب، ومن هذا النور استضاء الحريري، في مقاماته، بقوله: إلى أن عطس أنف الصباح، وقد تقدم أن بُعْدَ الاستعارة يبعد من القلوب، عند أهل الذوق، كقول أبي نواس مع يقظته:
بح صوت المال مما ... منك يشكو ويصيح