← Сияса и кади

Сияса и кади · id 8678

السياسة الشرعية في الشئون الدستورية والخارجية والمالية

عبد الوهاب خلاف

Полный текст (140 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

المساواة بين الأفراد في الحقوق المدنية والسياسية ... المساواة بين الأفراد في الحقوق المدنية والدستورية: المساواة شعار من أظهر شعائر الإسلام، ونصوصه وأحكامه ناطقة بتقريرها على أكمل وجوهها: وذلك أن الإسلام لا يفرق بين واحد وآخر في الخضوع لسلطان قانونه، وليس فيه فرد فوق القانون مهما علت منزلته، وأمير المؤمنين والوالي وكل واحد من الأفراد متساوون في أحوالهم المدنية والجنائية، لا يمتاز واحد بحكم خاص ولا بطرق محاكمة خاصة بل جميعهم أمام القانون سواء. وكذلك لا يميز الإسلام واحدًا في التمتع بالحقوق: فلم يجعل منزلة أو ميزة حقًا لأفراد أسرة معينة، لا يستمتع بها سواه، بل ناط الأمر بالعمل له، ومهد السبيل لكل عامل، فكل مناصب الدولة إمارة المؤمنين إلى أصغر منصب فيها حق مشاع بين أفراد الأمة، لا يحول بينه وبينها نسب أو عصبية وينطق بهذا قوله ﷺ : "لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى" وقوله ﷺ لبني هاشم: "يا بني هاشم. لا يجئني الناس بالأعمال وتجيئوني بالأنساب. إن أكرمكم عند الله أتقاكم".

стр. 37

وفي كثير من النصوص تقرير المساواة وجعلها من شعائر الإيمان، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ وقوله ﷺ : "إخوانكم خدمكم" وقوله ﵇: "الناس سواسية كأسنان المشط، لا فضل لأحمر على أسود ولا لعربي على عجمي". وفي كثير من الأحكام تحقيق هذه المساواة: ففي الحج كلهم بلباس واحد عراة الرءوس لا يلبسون مخيطًا، وفي الصلاة كلهم في صفوف متساوية، وفي التناصح للوضيع على الرفيع ما للرفيع على الوضيع وفي الجنايات النفس بالنفس والعين بالعين والجروح قصاص، ... وهكذا في سائر الأحكام الإسلامية الناس سواسية. وقد كانت هذه المساواة في صدر الإسلام شعار المسلمين في حربهم وسلمهم، وكان الذميون والمعاهدون يستمتعون في بلادهم بنعمة هذه المساواة عملًا بقول الرسول ﷺ : "لهم ما لنا وعليهم ما علينا" وقوله ﷺ : "من آذى ذميًا فأنا خصمه يوم القيامة".

стр. 38

ثالثا: السلطات في الإسلام مصدرها ومن يتولاها السلطة التشريعية ... ثالثًا: السلطات في الإسلام مصدرها ومن يتولاها ا- السلطة التشريعة: يتولى السلطة التشريعية في الحكومات الدستورية الحاضرة أعضاء المجالس النيابية، فهم الذين يقومون بسن القوانين وتشريع الأحكام التي تقتضيها حاجات الزمن ومصالح الناس ويشرفون على تنفيذها. وأما في الدولة الإسلامية فالذي يتولى السلطة التشريعية هم المجتهدون وأهل الفتيا، وسلطتهم لا تعدو أمرين: أما بالنسبة إلى ما لا نص فيه فعلمهم قياسه على ما فيه نص واستنباط حكمه بواسطة الاجتهاد وتخريج العلة وتحقيقها، وذلك أن الدولة الإسلامية لها قانون أساسي إلهي شرعه الله في كتابه وعلى لسان رسوله فحيث يوجد نص في هذا القانون يجب اتباعه ولا يكون تطبيق النص صحيحًا. وإذا لم يوجد نص في هذا القانون كان لرجال التشريع الإسلامي مجال نصوص القانون الأساسي فيشرعون الأحكام فيما لا نص فيه بواسطة القياس على ما فيه نص. وكل دولة إسلامية في أي عصر من العصور لا تستغني عن وجود جماعة من أهل الاجتهاد الذين استكملوا شرائطه وتوفرت لهم القدرة التامة. يرجع إليهم في فهم نصوص القانون الأساسي الإلهي وتطبيقه.

стр. 39

وفي تشريع الأحكام لما يحدث في الأقضية والحوادث وما يطرأ من المصالح والحاجات. وقد انقضى القرن الأول الهجري ولم يكن للدولة الإسلامية قانون مدون سوى القرآن الكريم الذي جمع في عهد الخليفة الأول أبي بكر الصديق وكان التشريع في ذلك القرن على عهد الخلفاء الراشدين وصدر الدولة الأموية بالرجوع إلى القرآن وإلى حفاظ السنة، فإن وجد أهل الفتيا -من الصحابة والتابعين وتابيعهم- نصًا اتبعوه وإلا اجتهدوا رأيهم، وما كانت تدون هذه الآراء الاجتهادية ولا تعتبر قانونًا ولا شرعًا إلا باعتبار أن مستندها ومرجعها إلى القرآن والسنة. لكن ما اتسعت دائرة الفتح وانتشر الإسلام في الممالك القاصية وتفرق حفاظ الشريعة ورواتها في مختلف الأنحاء مع زيادة وسائل الحضارة والعمران وتجدد الأقضية والحوادث بتشعب المعاملات والأحوال خيف من تشتت أحكام الشريعة ودخول الفوضى في التشريع فكان هذا باعثًا على أمرين: الأول: تدوين الحديث للرجوع إلى ما فيه من الأحكام. الثاني: تدوين المجتهدين اجتهاداتهم وأصولهم التي استندوا إليها في التفريع والاستنباط. وأول من قام بالأمر الأول الإمام الزهري بأمر من الخليفة عمر بن عبد العزيز فقد دون ما وصل إليه من السنة في صحف وعني الخليفة بتوزيعه على الأمصار في أواخر القرن الأول الهجري، وقام بالأمر الثاني الأئمة المجتهدون: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وداود وزيد بن علي وجعفر الصادق وغيرهم، ومن هذا الحين صار رجال

стр. 40

التشريع يرجعون إلى الكتاب والسنة واجتهادات الأئمة، وما كان في هذا من بأس لأن الرجوع إلى مجتهدات الأئمة ما كان إلا للاهتداء إلى فهم نصوص الكتاب والسنة والاستعانة على الاستنباط لا لأنها أصل في الدين وقانون أساسي. وهذه هو الغرض الذي قصد إليه المجتهدون، فهم إنما أرادوا أن يضيئوا السبيل لمن يريد الاستنباط من أهله وأن لا يدعوا السبيل ليتهجم على الكتاب والسنة من ليس أهلًا للاستنباط، وبعبارة أخرى أرادوا أن يسنوا طريق التشريع لرجال التشريع الذين يأتون بعدهم ويمكنوا من ليس له وسائل الاجتهاد من تعرف الأحكام. وما خطر لإمام منهم ﵃ أن تلتزم الأمة آراءهم ولا أن يكون تدوين مجتهداتهم حائلًا بين أولي العلم وبين الرجوع إلى نصوص القانون الأساسي ليفهموا كما فهموا ويستنبطوا كما استنبطوا ولكن من جاء بعدهم أساء فهم غرضهم وحمل المسلمين على اتباع آرائهم وحرم الاجتهاد بالرجوع إلى أصل القانون الأساسي فكان من ذلك الحرج قصور التشريع الإسلامي عن مسايرة الزمن وتحقيق مصالح الناس والتجاء بعض الحكومات الإسلامية إلى العمل بقوانين أمم إسلامية. والحق أن السلطة التشريعة في الإسلام لو أنها مع اعتمادها على القانون الأساسي الإلهي وضع لها نظام لانتخاب رجالها من بين من تتوفر فيهم شرائط الاجتهاد وحدد عددهم واختصاصهم والتزمت الدولة بآرائهم قضاء وتنفيذًا لكانت كأفضل سلطة تشريعية في حكومة دستوية ولكفلت حاجات المسلمين في مختلف العصور.

стр. 41

ولكن ترك أمر التشريع فوضى فادعى الاجتهاد من ليس أهلًا له وتعذر تعيين من له السلطة التشريعية واستحال اجتماعهم وتبادلهم الآراء، وكان من هذا تشعب الآراء واختلاف الأحكام اختلافًا لم يتيسر للحكومات الإسلامات معه أن ترجع إلى آرائهم أو تلتزمها. ولما وجد العلماء أن هذه الفوضى التشريعية لا تقف عند حد اضطروا إلى تدبير علاج لها، وكانت الحكمة في أن يعالجوها بوضع نظام لرجال السلطة التشريعية يحول بين التشريع وبين هذه الفوضى، ولكنهم عالجوها بسد باب الاجتهاد ووقف حركة التشريع فوقعوا في شر مما اتقوه ونبا التشريع الإسلامي عن مصالح الناس وحاجاتهم لأن المصالح في تغير والحاجات في تجدد والتشريع الإسلامي واقف عندما وصل إليه الأئمة في القرن الثاني الذين راعوا في استنباطهم حال عصرهم ومصالح الناس في زمنهم وبلادهم. ومن هذا يتبين أن فتح باب الاجتهاد الفرد شر على التشريع الإسلامي لأنه يمهد السبيل للأدعياء ويكثر الخلف ويشعب الآراء. وشر منه سد باب الاجتهاد لأنه يوقف حركة التشريع ويجعل القانون الإسلامي قاصرًا عن مصالح الناس والخير كله هو اجتهاد الجماعة وتشريعهم، وهذا هو سبيل الصحابة ومن تبعهم بإحسان فقد كان أبو بكر إذا أعياه أن يجد في الأمر نصًا في كتاب الله أو سنة رسوله جمع رءوس الناس وخيارهم فاستشارهم فإن أجمع رأيهم على أمر قضى به. وكذلك كان يفعل عمر.

стр. 42

وفي الدولة الأموية بالأندلس أنشئت دار في قرطبة لشورى القضاء أعضاؤها من جلة العلماء يرجع إليهم في تقرير الأحكام وكثيرًا ما يذكر في تراجم علماء الأندلس أن فلانًا كان مشاورًا. وطلب فلان إلى الشورى فأبى وذكر القرطبي هذه الشورى بقوله إن الشورى خالفت الإمام مالكًا في عدة أحكام أخذت الدولة العثمانية في وضع أساس لعلاج وقوف حركة التشريع الإسلامي فكونت من علماء الأمة وفقهائها جماعة سمتهم "جمعية المجلة" وانتخبوا من كتب مذهب أبي حنيفة "مجلة الأحكام العدلية" وقد كان مبدأ عملها قاصرًا على الترتيب وتهذيب الوضع والاختيار من كتب المذهب، ولو طال زمنها لتطور عملها إلى التشريع ومسايرة الزمن.

стр. 43

ب- السلطة القضائية: الذي يتولى هذه السلطة في الإسلام هم رجال القضاء. وقد روعي في الحكومات الدستورية الحاضرة أن يكون رجال القضاء غير رجال التشريع تطبيقًا لمبدأ الفصل بين السلطات ولكن في صدر الإسلام كانت السلطة التشريعية والقضائية تجتمع في يد واحدة لأن الخليفة كان يتولاها فإن وجد نصًا قضى به وإن لم يجد يستشير الفقهاء والمفتين من الصحابة بالقضاء: فكان رجال القضاء من المجتهدين الذين لهم السلطة التشريعية وكان قانونهم هو كتاب الله والسنة الصحيحة وما يستقر عليه رأي جماعة التشريع.

стр. 44

أخرج البغوي عن ميمون بن مهران قال: كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصوم نظر في كتاب الله فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به، وإن لم يكن في الكتاب وعلم من رسول الله في ذلك الأمر سنة قضى بها، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين وقال: أتاني كذا وكذا فهل علمتم أن رسول الله قضى في ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع عليه النفر كلهم يذكر عن رسول الله فيه قضاء فيقول أبو بكر: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا. فإن أعياه أن يجد فيه سنة عن رسول الله جمع رءوس الناس وخيارهم فاستشارهم فإن أجمع رأيهم على أمر قضى به. وكان عمر يفعل ذلك فإن أعياه أن يجد في القرآن والسنة نظر هل كان فيه لأبي بكر قضاء فإن وجد أبا بكر قضى فيه بقضاء قضى به وإلا دعا رءوس المسلمين فإذا اجتمعوا على أمر قضى به. وأول خليفة ولى السلطة القضائية نفرًا هو عمر بن الخطاب. فقد ولى أبا الدرداء قضاء المدينة وولى شريحًا قضاء البصرة وولى أبا موسى الأشعري قضاء الكوفة وكان هؤلاء جميعًا يولون القضاء والتشريع مما يدل على ذلك ما ورد في كتب تعيين القضاة فقد جاء في رسالة عمر لأبي موسى الأشعري ... "الفهم الفهم فيما ورد عليك مما ليس فيه نص في كتاب ولا سنة". ولما دون الأئمة المجتهدون اجتهاداتهم واتخذها رجال القضاء مرجعًا لهم كان عمل القضاة لا يخرج عن تطبيق ما رآه غيرهم وكانوا يقلدون

стр. 45

المجتهدين والمفتين حتى وصل الأمر إلى أن قال علماء الحنفية: إن تقليد الجاهل القضاء صحيح عندنا ويحكم بفتوى غيره. ومن هذا أن القضاء في الحكومات الإسلامية كان له طوران: الأول: كان مرجع القضاة فيه إلى القانون الأساسي وكانت لهم مع السلطة القضائية سلطة التشريع. والثاني: كان مرجع القضاة فيه إلى اجتهاد الأئمة وما كان لهم إلا التطبيق بالتقليد. وتعيين القضاء من حق الخليفة فتارة يتولى حقه بنفسه ويعين رجال القضاء وتارة يكل هذا التعيين إلى ولاة الأمصار. يدل على هذا ما جاء في عهد علي بن أبي طالب إلى الأشتر النخعي حين ولاه مصر إذ يقول له: "ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الأمور ولا يمحكه الخصوم ... إلى آخر ما جاء فيه. وليس تعيين القضاة مانعًا الخليفة أن ينظر بنفسه في فصل بعض الخصومات لأنه هو صاحب السلطة القضائية وهؤلاء إنما يعملون بالنيابة عنه وهذه الإنابة لا تسلبه حقه. وقد حالت فوضى التشريع دون أن يكون للقضاة في الحكومة الإسلامية قانون مفصل يرجعون إليه في أحكامهم بل كان المرجع إلى اجتهادهم في الدور الأول من القضاء الذي كان يرجع فيه إلى الأصول وإلى اجتهاد سائر المجتهدين والمفتين في الدور الثاني الذي كان فيه القضاة مقلدين يرجعون إلى مجتهدات غيرهم. ولذا كانت تضطرب الأحكام ولا يتقيد القضاة بقانون.

стр. 46

والأحكام يخالف بعضها في الولاية الواحدة والولايات المختلفة. وأظهر فرق بين رجال السلطة القضائية في الحكومات الحاضرة ورجالها في الحكومة الإسلامية، أن القضاة في الحكومة الإسلامية لم يحد اختصاصهم بحد يمنع غيرهم من أرباب السلطة التنفيذية أن يعتدى على اختصاصهم ويتصرف فيما هو من حقهم. ولذلك سلب منهم النظر في المظالم والجرائم وإقامة الحدود. وكذلك لم يوضع نظام يبين علاقتهم برجال السلطة التنفيذية، بل ترك الأمر بين ضعفاء وأقوياء بدون قانون، فكان تنفيذ الأحكام إلى الولاة إن رضوا نفذوا وإن لم يرضوا عطلوا. ولا كذلك الحال في الحكومات الحاضرة فإن اختصاص القضاء مبين بالقانون وما يدخل من السلطة القضائية في اختصاص غير القضاء مبين بالقانون ولا سبيل إلى الاعتداء. وكذلك علاقة القضاء برجال السلطة التنفيذية التي يناط بها تنفيذ الحكم القضائي أن تنفذوه ولو بالقوة بحيث إذا وجدت هوادة في التنفيذ تكون مسئولية الجهة التنفيذية كبيرة بحكم القانون وليس في الإسلام ما يمنع وضع نظام للسلطة القضائية يحد اختصاصها ويكفل تنفيذ أحكامها ويضمن برجالها حريتهم في إقامة العدل بين الناس.

стр. 47

ج- السلطة التنفيذية: أما رجال السلطة التنفيذية فهم ولاة الأمصار وقواد الجيوش وجباة الضرائب ورجال الشرطة وسائر عمال الحكومة. وكانت الأعمال التنفيذية في الحكومات الإسلامية مقسمة بين هؤلاء العمال على غير نظام معروف فقد جمع ليحيى بن أكثم بين القضاء وقيادة الجهاد في بعض الغزوات وجمع لآخر بين الحسبة والشرطة وبين ولاية الحرب والنظر في المظالم، وكان عموم الولاية وخصوصها لا يستند إلى نظام ولا يعتمد على قانون. وقد أدى هذا إلى تشعيب مسالك الولاة وجعل ديدنهم تناهب السلطة يسعى كل منهم في بسط نفوذه وإضعاف نفوذ غيره لأنه لم يكن لكل ولاية حد معروف. وليس أضيع لحقوق الأفراد وأدعى إلى سلب حريتهم من عدم تحديد وظيفة كل من القابضين على مقاليد السلطة العامة. وكان أشد الولايات تأثرًا بهذه الفوضى السلطة القضائية لحاجتها إلى معاونة السلطة التنفيذية في تنفيذ أحكامها فكانت كرامة القضاء موقوفة على شخصية القاضي فإذا كان مؤيدًا من الوالي نفذت أحكامه وأحلت مكانتها من الاحترام وإذا لم يكن مؤيدًا منه لم يكن له حق تكليف السلطة التنفيذية بأن تنفذ أحكامه. وهذا ما دعا الناس إلى طرق أبواب رجال السلطة التنفيذية للمطالبة بحقوقهم لأنه ليس للقضاء سلطان في نظرهم.

стр. 48

رابعا: الخلافة، وجوبها وشروطها مدخل ... رابعا: الخلافة وجوبها وشروطها الإمامة الكبرى والخلافة وإمارة المؤمنين ألفاظ مترادفة على معنى واحد رسمه العلماء بأنه رياسة عامة في الدين والدنيا قوامها النظر في المصالح وتدبير شئون الأمة وحراسة الدين وسياسة الدنيا. والبحث في هذا الموضوع ذو شعب متفرقة والباحثون أفاضوا القول فيه من جميع نواحيه. والموضوعات التي سنخصها بالبحث ثلاثة: ما الذي أوجب نصب الخليفة؟ وما الشروط المعتبرة فيمن يولى الخلافة؟ وما مكانة الخلافة من الحكومة الإسلامية؟

стр. 49

أ- وجوب نصب الخليفة: جمهور المسلمين على أن نصب الخليفة أي توليته على الأمة واجب بالشرع، ومستندهم في هذا الإيجاب أمور: أولًا: إجماع الصحابة على تولية خليفة حتى قدموا أمر البيعة على دفن الرسول. وثانيًا: أن ما هو واجب من إقامة الحدود وسد الثغور لا يتم إلا به، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وثالثًا: أن فيه جلب المنافع ودفع المضار، وهذا واجب بالإجماع. وفريق من المسلمين ذهبوا إلى أنه واجب بالعقل محتجين بأن كل أمة لا تستغنى عن قوة تحمي قوانينها وتدير شئون أفرادها وبأن وجود الحاكم الوازع ضروري من ضروريات الاجتماع البشري. والنظر الصحيح ينتج أن هذين الرأيين يمكن التوفيق بينهما لأنه لا مانع أن تكون تولية الخليفة مما يقضي به العقل لحياطة القوانين وحماية الأفراد وقرره الشرع تأييدًا لمقتضى العقل فيكون العقل والشرع متوافقين على إيجاب تولية الخليفة غير أن العقل قاض بوجود الوازع المطلق والشرع داع إلى مثل أعلى ووازع يستمد سلطانه من بيعة الأمة لا من القهر فمقتضى الشرع أكمل فرد من أفراد ما يقتضيه العقل. قال ابن خلدون في المقدمة "وقد شذ بعض الناس فقال بعدم وجوب نصب الخليفة رأسًا لا بالعقل ولا بالشرع، منهم الأصم من

стр. 50

المعتزلة وبعض الخوارج وغيرهم. والواجب عند هؤلاء إنما هو إمضاء أحكام الشرع فإذا تواطأت الأمة على العدل وتنفيذ أحكام الله تعالى لم تحتج إلى إمام ولا يجب نصبه. وهؤلاء محجوجون بالإجماع والذي حملهم على هذا المذهب إنما هو الفرار من الملك ومذاهبه من الاستطالة والتغلب" والنتيجة أن عامة العلماء متفقون على أن من الواجب أن يكون للمسلمين إمام أكبر أو رياسة عليا تجتمع حولها كلمة الأمة وتكون شعار وحدتها والمنفذة لإرادتها. والخلف في منشأ هذا الوجوب لا يتوقف عليه عمل.

стр. 51

ب- الشروط المعتبرة فيمن يولى الخلافة: قال أبو الحسن المارودي في الأحكام السلطانية "وأما أهل الإمامة فالشروط المعتبرة فيهم سبعة: الأول: العدالة على شروطها الجامعة. الثاني: العلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام. الثالث: سلامة الحواس من السمع والبصر واللسان ليصح معها مباشرة ما يدرك بها. الرابع: سلامة الأعضاء من نقص يمنع من استيفاء الحركة وسرعة النهوض. الخامس: الرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح. السادس: الشجاعة والنجدة المؤدية إلى حماية البيضة وجهاد العدو. السابع: النسب وهو أن يكون من قريش لورود النص فيه وانعقاد

стр. 52

الإجماع عليه ولا اعتبار بضرار حين شذ فجوزها في جميع الناس لأن أبا بكر الصديق ﵁ احتج يوم السقيفة على الأنصار في دفعهم عن الخلافة لما بايعوا سعد بن عبادة عليها بقول النبي ﷺ : "الأئمة من قريش". فأقلعوا عن التفرد بها ورجعوا عن المشاركة فيها حين قالوا: منا أمير ومنكم أمير تسليمًا لروايته وتصديقًا لخبره ورضوا بقوله: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، وقال النبي ﷺ : "قدموا قريشًا ولا تتقدموها" وليس مع هذا النص المسلم شبهة لمنازع فيه ولا قول لمخالف له". فأما الشروط الستة الأولى: من العدالة، والعلم، وسلامة الحواس وسلامة الأعضاء، والرأي، والشجاعة فظاهر اشتراطها وكلها ترجع إلى العدلة والكفاية والقدرة على حمل المسلمين أن يتبعوا قانونهم ومنع غيرهم أن يعتدي عليهم. وكلها لا بد منها ليقوم الإمام بواجبه من حراسة الدين وسياسة الدنيا. وكلها متفق عليها. وأما الشرط السابع فمختلف فيه ومنشأ الخلاف عدم القطع بصحة النص الوارد فيه، ومعارضته للنصوص الكثيرة التي وردت بإلغاء اعتبار الأنساب والاعتماد على الأعمال والنعي على من دعا إلى عصبية وفقد الرابطة بينه وبين الغاية التي من أجلها يولى الإمام، لأن شرط الشيء لا بد أن يكون ذا صلة في الوصول إلى المقصود به. والنسب القرشي إن كان مشروطًا لذاته فليست الغاية تقتضيه لأن حراسة الدين وسياسة الدنيا تكون من الكفء القادر أيا كان نسبه، وإن كان مشروطًا لما كان لقريش من المنعة والقوة التي يستعين بها الخليفة على أداء واجبه وجمع

стр. 53

الكلمة حوله فهو شرط زمني مآله اشتراط أن يكون الخليفة من قوم أولي عصبية غالبة ولا طراد لاشتراط القرشية. قال ابن خلدون بعد بحث مستفيض: "فإذا ثبت أن اشتراط القرشية إنما هو لدفع التنازع بما كان لهم من العصبية والغلب، وعلمنا أن الشارع لا يخص الأحكام بجيل ولا عصر ولا أمة، علمنا أن ذلك إنما هو من الكفاية فرددناه إليها وطردنا العلة المشتملة على المقصود من القرشية وهي وجود العصبية. فاشترطنا في القائم بأمر المسلمين أن يكون من قوم أولي عصبية غالبة ليستتبعوا من سواهم، وتجتمع الكلمة على حسن الحماية ولا يعلم ذلك في الأقطار والآفاق كما كان في القرشية إذ الدعوة الإسلامية التي كانت لهم كانت عامة وعصبية العرب كانت وافية بها فغلبوا سائر الأمم، وإنما يخص لهذا العهد كل قطر بمن تكون له فيه العصبية الغالبة. وإذا نظرت سر الله في الخلافة لم تعد هذا. لأنه سبحانه إنما جعل الخليفة نائبًا عنه في القيام بأمور عبادة ليحملهم على مصالحهم ويردهم عن مضارهم وهو مخاطب بذلك ولا يخاطب بالأمر إلا من له قدرة عليه". ومن استجمع الشروط المتفق عليها لا يصير إمامًا له على الناس حق الطاعة إلا إذا بايعه أهل الحل والعقد الذين تختارهم الأمة من أهل العدالة والعلم والرأي وتتبعهم في أمورها العامة وأهمها اختيار الخليفة ومبايعته. وقد ذكر العلماء أن الإمام كما يصير إمامًا بالبيعة يصير إمامًا بالاستخلاف وبولاية العهد. وهذا القول ظاهره ليس صوابًا لأن الاستخلاف والعهد إن لم يقره أهل الحل والعقد لا يكون المستخلف به

стр. 54

إمامًا ولا يجب له حق الطاعة. فالعمدة على بيعة أهل الحل والعقد، لا على الاستخلاف والعهد. ولو أن المسلمين رأوا بعد وفاة أبي بكر خيرًا من عمر وبايعوه ما عارضهم معارض ولا كان عهد أبي بكر حجة عليهم، وكذلك لو بايع المسلمون واحدًا غير الستة الذين جعل عمر الشورى فيهم، فالعهد أو الاستخلاف لا يعدو أن يكون ترشيحًا من السلف للخلف. والأمة بعد ذلك صاحبة القول الفصل فيمن تختاره إمامًا، كما أن لها الحق في الإشراف على سياسته في عهد إمامته ولها الحق في عزله إذا لم يقم بما عاهدهم عليه في بيعته. فالرأي في تولية الخليفة لأولي الحل والعقد لا للفرد أيا كان ولذلك عد عمر مبادرته ببيعة أبي بكر فلته وقي الله المسلمين شرها لأنه بايعه قبل التشاور بين أولي الحل والعقد. وأبو بكر لم يرشح عمر حتى أطال التشاور مع كبار الصحابة ولم يعبه أحد إلا بشدته، ولما أخرج عبد الرحمن بن عوف نفسه من رجال الشورى الستة وجعلوا له الاختيار بقي ثلاثًا لا تنكحل عينه بكثير نوم وهو يشاور كبراء المهاجرين والأنصار.

стр. 55

ج- مكانة الخلافة من الحكومة الإسلامية: قدمنا أن أمر المسلمين يجب أن يكون شورى بينهم لا يستقل به واحد منهم وأن تكون الرياسة العليا لمن يبايعه أولو الحل والعقد أيا كانت أسرته وأيا كان منبته.

стр. 56

وهذه الرياسة العليا مكانتها من الحكومة الإسلامية مكانة الرياسة العليا من أية حكومة دستورية، لأن الخليفة إنما يستمد سلطانه من الأمة الممثلة في أولي الحل والعقد ويعتمد في بقاء هذا السلطان على ثقتهم به ونظره في مصالحهم، ولهذا قرر علماء المسلمين أن للأمة خلع الخليفة لسبب يوجبه، وإن أدى إلى الفتنة احتمل أولى المضرتين وعللوا هذا بأن من ملك المسئولية ليستقيم الأمر يملك العزل عند اعوجاجه، وأبو بكر الصديق أول من ولي الخلافة قال في فاتحة خطبته: "أيها الناس قد وليت عليكم ولست بخيركم. فإن أحسنت فأعينوني، وإن صدقت فقوموني" وقال في خاتمتها: "أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم". وروي مثل هذا عن عمر وعثمان مما يؤيد إيمانهم بسلطة الأمة عليهم وشعورهم بالمسئولية أمامها. وإنما تختلف الخلافة عن سائر الرياسات العليا في الحكومات الدستورية في أن الخلافة رياسة عامة في أمور الدين والدنيا وكما أن الخليفة تشمل ولايته التشريع والقضاء والتنفيذ وغير هذا مما تقتضي به سياسة الملك ونظام الشئون الدنيوية فإن له أيضًا إمامة الصلاة وإمارة الحج والإذن بإقامة الشعائر في المساجد والخطبة في الجمع والأعياد، وغير هذا من الشئون الدينية. ومنشأ الجمع بين الولايتين له أن الغاية من إقامته ومبايعته أن يقوم بحراسة الدين وسياسة الدنيا به، وذلك قاض بأن يكون له النظر في الشئون الدينية والدنيوية معًا، وكذلك جميع الشئون هي وسائل لإصلاح الرعية واستقامة أمورها، وهذا الإصلاح هو الغاية

стр. 57

المرجوة من نصب الخليفة ومبايعته، ولا تجد في الإسلام شأنًا دينيًا لا صلة بينه وبين سعادة الإنسان في دنياه. وليس عموم ولاية الخليفة وشمولها للشئون الدينية بجاعل الخليفة ذا صلة إلهية أو مستمدًا سلطانه من قوة غيبية، وما هو إلا فرد من المسلمين وثقوا بكفايته لحراسة الدين وسياسة الدنيا فبايعوه على أن يقوم برعاية مصالحهم، وله عليهم حق السمع والطاعة، وسلطانه مكتسب من بيعتهم له وثقتهم به. ومن هذا يتبين أن الصفة الآلهية التي ألصقها بالرياسة العليا في الحكومة الإسلامية بعض الجهال من عباد السلطة تفخيمًا لشأن الخلفاء وتقديسًا لهم ليست من أصل الدين في شيء وقد قيل لأبي بكر: يا خليفة الله فقال: لست بخليفة الله ولكني خليفة رسول الله. وجمهور العلماء على أنه لا يجوز تلقيب الخلفاء بهذا اللقب ونسبوا قائله إلى الفجور وقالوا: يستخلف من يغيب أو يموت، والله لا يغيب ولا يموت. وكثير من آيات الكتاب الكريم تنفي أن يكون للرسول سلطة دينية على أحد، وأولى أن لا تكون هذه السلطة لواحد من خلفائه. قال تعالى لرسوله: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ ١، وقال: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ ٢، وقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ٣. وفي كثير من آي الكتاب وسنة الرسول وخلفائه الراشدين ما يؤيد الاهتداء برأي الجماعة ورجوع الخليفة عن رأيه إذا بان الصواب في رأي غيره. في كتاب الإسلام والنصرانية "الخليفة عن المسلمين ليس بالمعصوم ولا هو مهبط

стр. 58

الوحي ولا من حقه الاستئثار بتفسير الكتاب والسنة وهو لا يخصه الدين في فهم الكتاب والعلم بالأحكام بمزية ولا يرتفع به إلى منزلة بل هو وسائر طلاب الفهم سواء إنما يتفاضلون بصفاء العقل، وكثرة صاحبة الحق في السيطرة عليه وهي التي تخلعه متى رأت ذلك من مصلحتها فهو حاكم مدني من جميع الوجوه، وليس في الإسلام سلطة دينية سوى سلطة الموعظة الحسنة والدعوة إلى الخير والتنفير عن الشر وهي سلطة خولها الله لأدنى المسلمين يقرع بها أنف أعلاهم كما خولها لأعلاهم يتناول بها من هو أدناهم".

стр. 59

السياسة الشرعية الخارجية مدخل ... السياسة الشرعية الخارجية: السياسة الخارجية للدولة تدبير علاقاتها بغيرها من الدول. والأمم قديمًا كانت حالها لا تساعد على وجود صلات بين إحداها والأخرى لأن القوية كانت تطمع في استبعاد الضعيفة والضعيفة كانت في خوف من تغلب القوية، وما كانت إذ ذاك ضمانات تقف بالمطامع أو تنفي المخاوف، فلهذا كانت كل أمة في عزلة عن الأخرى، وما كانت لواحدة منها سياسة خارجية إلا تدبير الحروب والإغارات. ولكن الأمم حديثًا لما اشتدت حاجة كل واحدة منها إلى الأخرى وأصبحت كالأفراد مدينة بطبعها لا غنى لأمة عن غيرها، مست هذه الحاجات المتبادلة إلى تدبير العلاقات الخارجية بوضع الأسس التي تبنى عليها، والقوانين التي تتبع فيها، والقوى الكفيلة بتنفيذها. ولهذا وضع علم القانون الدولي لتقرير القواعد التي تستبين بها حقوق كل دولة وواجباتها قبل غيرها من الدول في حالي السلم والحرب. وأول ما قرره العلماء من قواعده أن تكون علاقات الدول أساسها السلم حتى يتيسر لها تبادل المنافع والتعاون على بلوغ النوع الإنساني درجة كماله وقرروا أنه لا يسوغ قطع هذه الصلة السلمية إلا عند الضرورة القصوى التي تلجئ إلى الحرب وبعد أن تفشل جميع الوسائل السلمية في حسم الخلاف. وسنوا لحال السلم أحكامًا تكفل لكل دولة حقوقها وواجباتها قبل غيرها حتى تقطع أسباب الخلاف بالقدر الممكن وسنوا لحال الحرب -إذا اضطر الخلاف إلى وقوعها- أحكامًا تخفف ويلاتها وتهون من شرورها بالقدر الممكن كذلك. فمن الأحكام السليمة وجوب اعتراف الدول بوجود الدولة التي استكملت شرائط الدولية.

стр. 60

ووجوب تمتع كل دولة بحريتها التامة في سياستها الداخلية واحترام حدودها ومعاملة رعايها بالحسنى وإزالة العقبات من طريق تجارتها وإكرام وفادة سفرائها وقناصلها وغير هذا من الأحكام التي يقصد بها تجنب وقوع الخلاف. ومن الأحكام الحربية وجوب إعلان الحرب بطريق يمنع الغدر والأخذ غيله، وتحريم استعمال أنواع من القنابل والقذائف والأسلحة التي تزيد في تعذيب الإنسان، وإحسان المعاملة للجرحى والأسرى وغير هذا من الأحكام التي يراد بها تخفيف ويل الحرب، ورحمة الإنسان بالإنسان. وهذا بيان ما قرره الإسلام أساسًا لعلاقة الدولة الإسلامية بغيرها وما شرعه لتدبير هذه العلاقة في حالي السلم والحرب:

стр. 61

علاقة الدولة الإسلامية بالدول غير الإسلامية: اتفقت كلمة علماء المسلمين على أن الدولة الإسلامية إنما تعتمد في تكونها على الوحدة الدينية وأن جميع من جمعتهم هذه الوحدة هم أمة واحدة وإن اختلفوا في اللغة أو الجنس أو الحكومات أو الملوك أو سائر المميزات القومية، لأن وحدة الدين غلبت كل هذه الفروق. واختلفوا في أساس العلاقة بين الدولة الإسلامية وغيرها، فقال فريق منهم: إن الإسلام يأمر بدعوة مخالفيه إلى أن يدينوا به وهذه الدعوة دعوتان دعوة باللسان ودعوة بالبنان. فمن دعوا باللسان وبلغوا هذا الدين على وجه صحيح يتبين به الحق ولم يجيبوا الدعوة وجب على المسلمين دعوتهم بالسيف وقتالهم. وإن كانوا من مشركي العرب لا يحل الكف عن قتالهم حتى يسلموا. وإن كانوا من أهل الكتاب أو من مشركي غير العرب لا يحل الكف عن قتالهم حتى يسلموا. وإن كانوا من أهل الكتاب أو من مشركي غير العرب لا يحل الكف عن قتالهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. وقبل الوصول إلى هذه الغاية لا تجوز مسالمتهم ولا يحل الكف عن قتالهم إلا للضرورة بأن كان بالمسلمين ضعف وبمخالفيهم قوة فحينئذ تجوز المسالمة المؤقتة للضرورة ويجب أن تقدر هذه الضرورة بقدرها. واحتج هؤلاء على رأيهم بعدة براهين: الأول: أن الله سبحانه أمر المسلمين في كتابه الكريم بأن يقاتلوا غير المسلمين حتى يسلموا أو يعطوا الجزية أمرًا مطلقًا غير مقيد بأن

стр. 62

يكون القتال رفعًا لعدوان أو في مقابلة قتال فدل هذا الإطلاق على أنه أمر بالقتال على أنه دعوة إلى الإسلام وحمل للمخالفين على نبذ دينهم واعتناق الإسلام. وإذا كان القتال دعوة إلى الدين فلا يحل تركه مع القدرة عليه بحال. فمن هذه الآيات قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ١، وقوله في سورة النساء: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ ٢، وقوله في سورة الأنفال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَال﴾ ٣، وقوله في سورة التوبة: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٤، وقوله فيها ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ٥ وقوله فيها: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ ٦. والثاني: ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة. فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله" وهذا

стр. 63

نص على أن الأمر بقتال الناس هو للدخول في الإسلام أي أنه طريق الدعوة إليه. والثالث: أن الله سبحانه في كثير من آي الكتاب الكريم نهى عن اتخاذ الكافرين أولياء وعن الإلقاء إليهم بالمودة. وفي هذا دلالة على أن لا تكون للمسلمين بغيرهم محالفة أو موالاة. فمن هذه الآيات قول الله تعالى في سورة آل عمران: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١، وقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ ٢، وقوله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ ٣. والرابع: أن من دعوا إلى الإسلام على وجه صحيح لا عذر لهم في البقاء على غيره، لأن الله سبحانه أبلى معاذيرهم بدلائله التي أقامها على وحدانيته وصدق بها رسوله، وإذا لم يجيبوا الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة ولا معذرة لهم في الإباء فلا مندوحة أن نسوقهم إلى خيرهم وهداهم بوسائل قسرية، حتى إذا لم تفلح وسائل القهر بعد أن لم تفلح سبل الحكمة لم يكن بد من قتلهم وقطع دابر شرهم وقاية للمجتمع من ضلالهم كالعضو المصاب إذا تعذر علاجه تكون مصلحة الجسم في بتره.

стр. 64

وأصحاب هذا الرأي أسسوا السياسة الخارجية للدولة الإسلامية على القواعد الآتية: ١- الجهاد فرض ولا يحل تركه بأمان أو موادعة إلا أن يكون الترك سبيلًا إليه بأن كان الغرض منه الاستعداد حين يكون بالمسلمين ضعف وبمخالفيهم في الدين قوة. وإذا بدئ المسلمون، بالقتال فهو فرض عين على كل مسلم أهل للجهاد وإذا لم يبدءوا به فهو فرض على الكفاية إذا قام به فريق من الأمة سقط عن الباقين وإذا لم يقم به فريق من الأمة كانت كلها آثمة. ٢- أساس العلاقة بين المسلمين ومخالفيهم في الدين الحرب ما لم يطرأ ما يوجب السلم من إيمان أو أمان. والأمان نوعان: أمان مؤقت، وأمان مؤبد. والمؤقت نوعان: خاص، وعام. أما الأمان المؤقت الخاص: فهو ما يبذله المسلم من المقاتلة لواحد أو جمع محصورين. وقد منح كل مسلم من المقاتلة حق هذا التأمين الخاص لأن الضرورة قد تقضي به وتكون فيه المصلحة للمسلمين ويمكن لكل مقاتل أن يقدر هذه المصلحة الجزئية ويعمل لتحقيقها بدون حاجة إلى الرجوع إلى الإمام أو نائبه، فإذا قال مقاتل من المسلمين لواحد أو جمع معين من المحاربين أمنتكم أو أنتم آمنون كانت هذه الكلمة ذمة في عنق المسلمين جميعهم وصار بها هذا الواحد أو الجمع المعين آمنا لا يحل قتاله ولا التعرض له.. وأصل هذا قول الرسول ﷺ : "المسلمون

стр. 65

تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم" وفي رواية "ويجبر عليهم أدناهم". وأما الأمان المؤقت العام: فهو ما يبذل لكافة المسلمين ولا يخص واحدًا أو جمعًا معينًا، وهذا حق لا يملكه إلا الإمام أو نائبه لأن المصلحة العامة من شئونه هو النظر فيها وهو الذي يرجع إليه في تقدير الضرورة القاضية بالتكاف عن القتال في مدة معينة. وفي حكم هذا الأمان المؤقت العام المهادنة وهي المعاقدة بين المسلمين ومخالفيهم في الدين على نبذ الحرب والتكاف عن القتال مدة معينة تقدر في العقد. وأصل هذه المهادنة التي تعاقد عليها المسلمون مع مشركي قريش في صلح الحديبية فإنه كان من مواد معاهدة ذلك الصلح التكاف عن القتال عشر سنين وقد أمضى رسول الله ﷺ ذلك لما كان يقدره من المصلحة العامة في هذا التكاف عن القتال وذلك لأن المسلمين أمنوا من الاعتداء عليهم واختطلوا بمخالفيهم في الدين وأسمعوهم آيات الله وبثوا بينهم الدعوة إليه فدخل المشركون في دين الله أفواجًا ونال المسلمون بهذه الهدنة من النصر أكثر مما نالوه بالقتال حتى قال بعض العلماء: إن الفتح المبين المراد من قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِينا﴾ ١ هو صلح الحديبية لا فتح مكة.

стр. 66

والأمان المؤقت بنوعيه والمهادنة إنما تجوز إذا كان فيها خير المسلمين ودعت إليها حالهم حتى لو رأى الإمام أن الخير والمصالحة في نقضه واستئناف القتال كان له ذلك. وإذا نقضه فلا بد من النبذ إلى المؤمنين أو المهادنين قبل القتال تحرزًا عن الغدر والأخذ على غرة. وأصل هذا قول الرسول ﷺ "في العهود وفاء لا غدر" ولا بد من اعتبار مدة يبلغ فيها خبر النبذ إلى جميعهم ويكتفي في ذلك بمضي مدة يتمكن فيها ملكهم بعد علمه بالنبذ من إنفاذ الخبر إلى أطراف مملكته لأن ذلك أنفى للغدر. وأما إذا كان النقض من قبلهم هم فإنهم يقاتلون من غير أن ينبذ إليهم لأنهم هم الذين نقضوا العهد وآذنوا بالحرب وفي هذه الحال إذا كانت في يد المسلمين رهائن لا يحل قتلهم لأن الوفاء بالغدر خير من الغدر بالغدر ولقول الرسول ﷺ "لا تخن من خانك". وأما الأمان المؤبد فهو ما يكتسب بعد الذمة، وإنما يتولى هذا العقد من قبل المسلمين الإمام أو نائبه وهو إنما يصح مع أهل الكتاب ومشركي غير العرب، ولا يصح مع مشركي العرب والمرتدين ولا يصح إلا أن يكون مؤبدًا. وإذا عقد فهو لازم في حق المسلمين فلا يملكن نقضه بحال. وأما في حق الذميين فيقبل النقض بأحد ثلاثة أمور بإسلام من يسلم منهم. أو بلحوقة بدار الحرب. أو بثورته على المسلمين وتغلبه على بعض أماكنهم. وأما امتناعه عن إعطاء الجزية أو جنايته على

стр. 67

مسلم أو ارتكابه أية جناية فردية فلا تستوجب نقض العقد. والأصل في هذا أن كل ما صدر من ذمي واحتمل أن يؤول لغير النقض لا ينقض به عقد الذمة. ٣- دار الإسلام: هي الدار التي تجرى عليها أحكام الإسلام ويأمن من فيها بأمان المسلمين سواء أكانوا مسلمين أم ذميين. ودار الحرب: هي الدار التي لا تجرى عليها أحكام الإسلام ولا يأمن من فيها بأمان المسلمين. وإنما أسس أصحاب هذا الرأي رأيهم وقواعدهم على أساس أن غير المسلمين إذا دعوا إلى الإسلام وأقيمت لهم دلائله الحقة وأبليت معاذيرهم برفع الشبهات وإيضاح الآيات كان إصرارهم على خلافهم وإعراضهم عن الإسلام وآياته ورفضهم إجابة دعاته بمثابة إيذان المسلمين بالحرب، فيجب على المسلمين أن يسوقهم إلى الحق قسرًا ما داموا لم يذعنوا له بالحكمة والموعظة الحسنة. وقال فريق آخر من العلماء: إن أساس علاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول لا تغاير ما قرره علماء القانون الدولي أساسًا لعلاقات الدول الحاضرة. وإن الإسلام يجنح للسلم لا للحرب. وأنه لا يجيز قتل النفس لمجرد أنها تدين بغير الإسلام، ولا يبيح للمسلمين قتال مخالفيهم لمخالفتهم في الدين وإنما يأذن في قتالهم ويوجبه إذا اعتدوا على المسلمين، أو وقفوا عقبة في سبيل الدعوة الإسلامية ليحولوا دون بثها فحينئذ يجب القتال دفعًا للعدوان وحماية للدعوة حتى إذا لم يكن من المخالف في الدين

стр. 68

عدوان لا على المسلمين ولا على دعوتهم فلا يحل قتاله، ولا تحرم معاملته ومبادلته المنافع. فلم يؤذن في القتال لأنه طريق الدعوة إلى الدين وإنما أذن فيه لحماية الدعوة من اعتداء المعتدين. واحتجوا على هذا ببراهين: أولًا: أن آيات القتال في القرآن الكريم جاءت في كثير من السور المكية والمدنية مبينة السبب الذي من أجله أذن في القتال وهو يرجع إلى الكفار على عهد الرسول ﷺ سواء أكانوا من المشركين أم من أهل الكتاب أمعنوا في إيذاء المسلمين بألوان العذاب فتنة لهم وابتلاء حتى يرجعوا من أسلم عن دينه ويثبطوا من عزيمة من يريد الدخول في الإسلام، وغايتهم من هذه الفتن والمحن أن يخمدوا الدعوة ويسدوا الطريق في وجه الدعاة، فالله سبحانه أوجب على المسلمين أن يقاتلوا هؤلاء المعتدين دفعًا لاعتدائهم وإزالة لعقابتهم حتى لا تكون فتنة ولا محنة، ولا يحول حائل بين المدعوين وإجابة الدعوة وإذ ذاك يكون الدين كله لله. قال تعالى في سورة البقرة المدنية: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ، وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِين َ، فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ١، وقال تعالى في سورة النساء المدنية: ﴿مَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ

стр. 69

الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ ١، وقال تعالى في سورة الأنفال المدنية: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٢. وقال سبحانه في سورة الحج المكية: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ ٣. ثانيًا: احتجوا باتفاق جمهور المسلمين على أنه لا يحل قتل النساء والصبيان والرهبان والشيخ الكبير والأعمى والزمن ونحوهم لأنهم ليسوا من المقاتلة، ولو أن القتال كان للحمل على إجابة الدعوة وطريقًا من طرقها حتى لا يوجد مخالف في الدين ما ساغ استثناء هؤلاء فاستثناؤهم برهان على أن القتال إنما هو لمن يقاتل دفعًا لعدوانه. ولو قيل إنهم استثنوا لأنهم لغيرهم تبع فهذا إن سلم في الصبيان والنساء لا يسلم في البواقي وخاصة في الرهبان. وثالثًا: وسائل القهر والإكراه ليست من طرق الدعوة إلى الدين لأن الدين أساسه الإيمان القلبي والاعتقاد وهذا أساس تكونه الحجة لا السيف، ولهذا يقول الله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ ٤، ويقول سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ٥.

стр. 70

وأصحاب هذا الرأي أسسوا السياسة الخارجية للدولة الإسلامية على القواعد الآتية: ١- دعوة غير المسلمين إلى الإسلام فرض كفاية على الأمة الإسلامية إذا قام به فريق منها سقط عن الباقين، وإذا لم يقم به فريق منها كانت كلها آثمة وذلك لأن رسالة محمد ﷺ عامة، فهو مرسل من الله إلى الناس كافة لا فرق بين أمة وأمة، ولا بين من كانوا في عصره ومن وجدوا بعده. والله أمره أن يبلغ ما أنزل إليه من ربه إلى كل من أرسل إليهم، وقد قام في حياته بتبليغ كل من استطاع أن يبلغهم بلسانه وكتبه ورسله. وفي خطبته يوم حجة الوداع أشهد ربه على البلاغ وأمر أن يبلغ الشاهد الغائب، فمن هذا وجب على المسلمين في عصورهم المتتابعة أن لا ينقطعوا عن هذه الدعوة وأن يبلغوا ما أنزل على محمد ﷺ إلى كل من لم يبلغه. وأن يكون أول شئونهم الخارجية تنظيم الدعوة إلى الإسلام وإعداد الدعاة وبثهم بين الأمم التي لا تدين بالإسلام في مختلف البلدان مع مدهم بجميع الوسائل التي تقدرهم على القيام بواجبهم. ٢- أساس العلاقة بين المسلمين ومخالفيهم في الدين السلم، ما لم يطرأ ما يوجب الحرب من اعتداء على المسلمين أو مقاومة لدعوتهم بمنع الدعاة من بثها ووضع العقبات في سبيلها وفتنة من اهتدى إلى إجابتها.

стр. 71

٣- دار الإسلام هي الدار التي تسود فيها أحكامه ويأمن فيها المسلمون على الإطلاق ودار الحرب هي الدار التي تبدلت علاقتها السلمية بدار الإسلام بسبب اعتداء أهلها على المسلمين أو على بلادهم أو على دعوتهم أو دعاتهم. وعلى هذا إنما يتحقق اختلاف الدارين بين بلاد الدولة الإسلامية وبلاد غير المسلمين الذين بدءوا المسلمين بالعدوان أو حالوا بينهم وبين بث دعوتهم وقام المسلمون بما يجب عليهم من دفع العدوان عنهم وحماية دعوتهم وقطعوا بتلك البلاد علاقتهم وانقطعت العصمة بينهم بحيث يصبح أهل البلدين لا يأمن واحد منهم في بلاد الآخر. أما الأمة غير الإسلامية التي لم تبدأ المسلمين بعدوان، ولم تعترض لدعاة الإسلام وتركتهم أحرارًا يعرضون دينهم على من يشاءون، ويقيمون براهينهم بما يريدون، لا تقاوم داعيًا ولا تفنن مدعوا، ولم ترسل إليها بعثة من الدعاة؛ فهذه لا يحل قتالها ولا قطع علاقتها السلمية، والأمان بينها وبين المسلمين ثابت، لا ببذل أو عقد، وإنما هو ثابت على أساس أن الأصل السلم ولم يطرأ ما يهدم هذا الأساس من عدوان على المسلمين أو على دعوتهم. وخلاصة الفروق بين الرأيين أنه على الرأي الأول: الجهاد مشروع على أنه طريق من طرق الدعوة إلى الإسلام، على معنى أن غير المسلمين لا بد أن يدينوا بالإسلام: طوعًا بالحكمة والموعظة الحسنة، أو كرهًا بالغزو والجهاد.

стр. 72

وعلى الرأي الثاني: الجهاد مشروع لحماية الدعوة الإسلامية ودفع العدوان على المسلمين فمن لم يجب الدعوة ولم يقاومها ولم يبدأ المسلمين باعتداء لا يحل قتاله ولا تبديل أمنه خوفًا. وكذلك على الرأي الأول لا يكون بين المسلمين وغيرهم أمان إلا بسبب طارئ من تأمين خاص أو عام أو موادعة أو عقد ذمة وعلى الرأي الثاني لا يكون بين المسلمين وغيرهم حرب إلا بسبب طارئ من اعتداء أو مقاومة للدعوة أو إيذاء الدعاة أو المدعوين وعلى الرأي الأول يتحقق اختلاف الدارين بانقطاع العصمة. وليس مناط الاختلاف الإسلام وعدمه وإنما مناطه الأمن والفزع. والنظر الصحيح يؤيد أنصار السلم القائلين بأن الإسلام أسس علاقات المسلمين بغيرهم على المسالمة والأمان لا على الحرب والقتال إلا إذا أريدوا بسوء لفتنتهم عن دينهم أو صدهم عن دعوتهم فحينئذ يفرض عليهم الجهاد دفعًا للشر وحماية للدعوة وهذا بين في قوله تعالى في سورة الممتحنة المدنية: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ١، وقوله تعالى في سورة النساء المدنية: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً﴾ ٢، وقوله في سورة الأنفال المدنية: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ٣. وفي

стр. 73

كثير من آي الكتاب وأصول الدين ما يعزز هذه الروح السلمية ويبعد أن يكون الإسلام أسس علاقات المسلمين بغيرهم على الحرب الدائمة وأن يكون فرض الجهاد وشرع القتال على أنه طريق الدعوة إلى الدين لأن الله نفى أن يكون إكراه على الدين وأنكر أن يكره الناس حتى يكونوا مؤمنين. وكيف يتكون الإيمان بالإكراه ويصل السيف إلى القلوب. إن طريق الدعوة إلى التوحيد والإخلاص لله وحده هي الحجة لا السيف ولو أن غير المسلمين كفوا عن فتنتهم وتركوهم أحرارًا في دعوتهم ما شهر المسلمون سيفًا ولا أقاموا حربًا. وما احتج به الفريق الأول من آيات القتال التي جاءت مطلقة ليس برهانًا قاطعًا على ما يقولون لأنه لم يوفق بين هذه الآيات المطلقة والآيات المقيدة بحمل المطلق على المقيد على معنى أن الله سبحانه أذن في القتال لقطع الفتنة وحماية الدعوة وتارة ذكره مقرونًا بسببه وتارة ذكره مطلقًأ اكتفاء بعلم السبب في آيات أخرى. ولو كان بين الآيات تعارض كانت المتأخرة ناسخة للمتقدمة فلم يذكر السبب الذي من أجله أذن في القتال آخرًا كما ذكر السبب في الأذن به أولًا، وكيف تكون الآيات المقيدة منسوخة مع أن وجوب القتال لدفع العدوان مجمع عليه ولم يقل بنسخ هذا الوجوب أحد. فلا موجب لتقرير تعارض الآيات والقول بنسخ المطلق للمقيد لأن هذا تمزيق للآيات ويترتب عليه نسخ كثير منها، حتى قال بعض المفسرين: إن المنسوخ بآية السيف نحو مائة وعشرين آية ومن هذه الآيات كل ما يدل على أخذ بالعفو أو دعوة بالحكمة أو جدال بالحسنى أو نفي للإكراه على الدين.

стр. 74

وما احتجوا به ثانيًا من حديث "أمرت أن أقاتل الناس" فهو لا يثبت مدعاهم؛ لأن جميع المسلمين متفقون على أن المراد من الناس في هذا الحديث مشركو العرب خاصة لأن غيرهم من أهل الكتاب ومشركي غير العرب حكمهم يخالف ما جاء في الحديث لأنهم يقاتلون حتى يسلموا أو يعطوا الجزية وإذا كان المراد من الناس مشركي العرب خاصة وهؤلاء حالهم من العدوان على المسلمين والدعوة غير مجهولة فالله أمر رسوله أن يقاتلهم حتى يدفع شرهم، ولجمودهم على ما وجدوا عليه آباءهم ولشدة طغيانهم لم يكن سبيل إلى دفع شرهم إلا بأن يسلموا أو يستأصلوا، ولو كان يرجى منهم خير لأبيح معهم عقد الذمة وقبول الجزية كما شرع لغيرهم، فالحديث في طائفة خاصة والقتال فيه لدفع الشر لا للدعوة ولو كان للدعوة لكانوا هم وغيرهم سواسية. وما احتجوا به ثالثًا من النهي عن اتخاذ الكافرين أولياء فهذا ليس بدليل لأن مورد النهي موالاتهم ومخالفتهم ونصرتهم على المسلمين وهذا لا خلاف في حظره، وأما موالاتهم بمعنى المسالمة والمعاملة بالحسنة وتبادل المنافع فهذا غير محظور وكيف يكون محظورًا وقد أباح الله للمسلم أن يتزوج بالكافرة الكتابية. وليس بعد علاقة الزوجية موالاة. ونفى الله سبحانه النهي عن برهم والقسط إليهم ما داموا لم يقاتلوا المسلمين ولم يعتدوا عليهم وقد قال الفخر في تفسيره "الموالاة تحتمل درجات ثلاثًا": ١- أن تكون موالاته توجب الرضا بكفره وذلك حرام لأن الرضا بالكفر كفر.

стр. 75

٢- المعاشرة الجميلة في الدنيا وذلك غير ممنوع منه. ٣- وهي كالوسط بين الدرجتين الأوليين وهي بمعنى الركون إليهم والمظاهرة والنصرة مع اعتقاد أن دينه باطل فهذا منهي عنه لأن الموالاة بهذا المعنى قد تجر إلى استحسان طريقه والرضا بدينه وذلك يخرج عن الإسلام. ومن أقوال العلماء التي تؤيد الروح السلمية قول الفخر الرازي في تفسير قوله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَي﴾ إنه تعالى لما بين دلائل التوحيد بيانًا شافيًا قاطعًا للمعذرة قال بعد ذلك إنه لم يبق بعد إيضاح هذه الدلائل عذر للكافر في الإقامة على كفره إلا أن يقسر على الإيمان ويجبر عليه وذلك مما لا يجوز في دار الدنيا التي هي دار الابتلاء؛ إذ إن في القهر والإكراه على الدين بطلان معنى الابتلاء والامتحان، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ١. ويؤكد هذا التأويل قوله سبحانه بعد نفي الإكراه في الدين: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيْ﴾ ٢ يعني وهو أعلم قد ظهرت الدلائل ووضحت البينات ولم يبق بعدها إلا طريق القسر والإلجاء والإكراه، وذلك غير جائز لأنه ينافي التكليف والابتلاء. وقال ابن تيمية في كتابه "السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية": وإذا كان أصل القتال المشروع هو الجهاد ومقصوده هو أن
следующие страницы →