← Сияса и кади

Сияса и кади · id 8678

السياسة الشرعية في الشئون الدستورية والخارجية والمالية

عبد الوهاب خلاف

Полный текст (140 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

٣- دار الإسلام هي الدار التي تسود فيها أحكامه ويأمن فيها المسلمون على الإطلاق ودار الحرب هي الدار التي تبدلت علاقتها السلمية بدار الإسلام بسبب اعتداء أهلها على المسلمين أو على بلادهم أو على دعوتهم أو دعاتهم. وعلى هذا إنما يتحقق اختلاف الدارين بين بلاد الدولة الإسلامية وبلاد غير المسلمين الذين بدءوا المسلمين بالعدوان أو حالوا بينهم وبين بث دعوتهم وقام المسلمون بما يجب عليهم من دفع العدوان عنهم وحماية دعوتهم وقطعوا بتلك البلاد علاقتهم وانقطعت العصمة بينهم بحيث يصبح أهل البلدين لا يأمن واحد منهم في بلاد الآخر. أما الأمة غير الإسلامية التي لم تبدأ المسلمين بعدوان، ولم تعترض لدعاة الإسلام وتركتهم أحرارًا يعرضون دينهم على من يشاءون، ويقيمون براهينهم بما يريدون، لا تقاوم داعيًا ولا تفنن مدعوا، ولم ترسل إليها بعثة من الدعاة؛ فهذه لا يحل قتالها ولا قطع علاقتها السلمية، والأمان بينها وبين المسلمين ثابت، لا ببذل أو عقد، وإنما هو ثابت على أساس أن الأصل السلم ولم يطرأ ما يهدم هذا الأساس من عدوان على المسلمين أو على دعوتهم. وخلاصة الفروق بين الرأيين أنه على الرأي الأول: الجهاد مشروع على أنه طريق من طرق الدعوة إلى الإسلام، على معنى أن غير المسلمين لا بد أن يدينوا بالإسلام: طوعًا بالحكمة والموعظة الحسنة، أو كرهًا بالغزو والجهاد.

стр. 72

وعلى الرأي الثاني: الجهاد مشروع لحماية الدعوة الإسلامية ودفع العدوان على المسلمين فمن لم يجب الدعوة ولم يقاومها ولم يبدأ المسلمين باعتداء لا يحل قتاله ولا تبديل أمنه خوفًا. وكذلك على الرأي الأول لا يكون بين المسلمين وغيرهم أمان إلا بسبب طارئ من تأمين خاص أو عام أو موادعة أو عقد ذمة وعلى الرأي الثاني لا يكون بين المسلمين وغيرهم حرب إلا بسبب طارئ من اعتداء أو مقاومة للدعوة أو إيذاء الدعاة أو المدعوين وعلى الرأي الأول يتحقق اختلاف الدارين بانقطاع العصمة. وليس مناط الاختلاف الإسلام وعدمه وإنما مناطه الأمن والفزع. والنظر الصحيح يؤيد أنصار السلم القائلين بأن الإسلام أسس علاقات المسلمين بغيرهم على المسالمة والأمان لا على الحرب والقتال إلا إذا أريدوا بسوء لفتنتهم عن دينهم أو صدهم عن دعوتهم فحينئذ يفرض عليهم الجهاد دفعًا للشر وحماية للدعوة وهذا بين في قوله تعالى في سورة الممتحنة المدنية: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ١، وقوله تعالى في سورة النساء المدنية: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً﴾ ٢، وقوله في سورة الأنفال المدنية: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ٣. وفي

стр. 73

كثير من آي الكتاب وأصول الدين ما يعزز هذه الروح السلمية ويبعد أن يكون الإسلام أسس علاقات المسلمين بغيرهم على الحرب الدائمة وأن يكون فرض الجهاد وشرع القتال على أنه طريق الدعوة إلى الدين لأن الله نفى أن يكون إكراه على الدين وأنكر أن يكره الناس حتى يكونوا مؤمنين. وكيف يتكون الإيمان بالإكراه ويصل السيف إلى القلوب. إن طريق الدعوة إلى التوحيد والإخلاص لله وحده هي الحجة لا السيف ولو أن غير المسلمين كفوا عن فتنتهم وتركوهم أحرارًا في دعوتهم ما شهر المسلمون سيفًا ولا أقاموا حربًا. وما احتج به الفريق الأول من آيات القتال التي جاءت مطلقة ليس برهانًا قاطعًا على ما يقولون لأنه لم يوفق بين هذه الآيات المطلقة والآيات المقيدة بحمل المطلق على المقيد على معنى أن الله سبحانه أذن في القتال لقطع الفتنة وحماية الدعوة وتارة ذكره مقرونًا بسببه وتارة ذكره مطلقًأ اكتفاء بعلم السبب في آيات أخرى. ولو كان بين الآيات تعارض كانت المتأخرة ناسخة للمتقدمة فلم يذكر السبب الذي من أجله أذن في القتال آخرًا كما ذكر السبب في الأذن به أولًا، وكيف تكون الآيات المقيدة منسوخة مع أن وجوب القتال لدفع العدوان مجمع عليه ولم يقل بنسخ هذا الوجوب أحد. فلا موجب لتقرير تعارض الآيات والقول بنسخ المطلق للمقيد لأن هذا تمزيق للآيات ويترتب عليه نسخ كثير منها، حتى قال بعض المفسرين: إن المنسوخ بآية السيف نحو مائة وعشرين آية ومن هذه الآيات كل ما يدل على أخذ بالعفو أو دعوة بالحكمة أو جدال بالحسنى أو نفي للإكراه على الدين.

стр. 74

وما احتجوا به ثانيًا من حديث "أمرت أن أقاتل الناس" فهو لا يثبت مدعاهم؛ لأن جميع المسلمين متفقون على أن المراد من الناس في هذا الحديث مشركو العرب خاصة لأن غيرهم من أهل الكتاب ومشركي غير العرب حكمهم يخالف ما جاء في الحديث لأنهم يقاتلون حتى يسلموا أو يعطوا الجزية وإذا كان المراد من الناس مشركي العرب خاصة وهؤلاء حالهم من العدوان على المسلمين والدعوة غير مجهولة فالله أمر رسوله أن يقاتلهم حتى يدفع شرهم، ولجمودهم على ما وجدوا عليه آباءهم ولشدة طغيانهم لم يكن سبيل إلى دفع شرهم إلا بأن يسلموا أو يستأصلوا، ولو كان يرجى منهم خير لأبيح معهم عقد الذمة وقبول الجزية كما شرع لغيرهم، فالحديث في طائفة خاصة والقتال فيه لدفع الشر لا للدعوة ولو كان للدعوة لكانوا هم وغيرهم سواسية. وما احتجوا به ثالثًا من النهي عن اتخاذ الكافرين أولياء فهذا ليس بدليل لأن مورد النهي موالاتهم ومخالفتهم ونصرتهم على المسلمين وهذا لا خلاف في حظره، وأما موالاتهم بمعنى المسالمة والمعاملة بالحسنة وتبادل المنافع فهذا غير محظور وكيف يكون محظورًا وقد أباح الله للمسلم أن يتزوج بالكافرة الكتابية. وليس بعد علاقة الزوجية موالاة. ونفى الله سبحانه النهي عن برهم والقسط إليهم ما داموا لم يقاتلوا المسلمين ولم يعتدوا عليهم وقد قال الفخر في تفسيره "الموالاة تحتمل درجات ثلاثًا": ١- أن تكون موالاته توجب الرضا بكفره وذلك حرام لأن الرضا بالكفر كفر.

стр. 75

٢- المعاشرة الجميلة في الدنيا وذلك غير ممنوع منه. ٣- وهي كالوسط بين الدرجتين الأوليين وهي بمعنى الركون إليهم والمظاهرة والنصرة مع اعتقاد أن دينه باطل فهذا منهي عنه لأن الموالاة بهذا المعنى قد تجر إلى استحسان طريقه والرضا بدينه وذلك يخرج عن الإسلام. ومن أقوال العلماء التي تؤيد الروح السلمية قول الفخر الرازي في تفسير قوله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَي﴾ إنه تعالى لما بين دلائل التوحيد بيانًا شافيًا قاطعًا للمعذرة قال بعد ذلك إنه لم يبق بعد إيضاح هذه الدلائل عذر للكافر في الإقامة على كفره إلا أن يقسر على الإيمان ويجبر عليه وذلك مما لا يجوز في دار الدنيا التي هي دار الابتلاء؛ إذ إن في القهر والإكراه على الدين بطلان معنى الابتلاء والامتحان، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ١. ويؤكد هذا التأويل قوله سبحانه بعد نفي الإكراه في الدين: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيْ﴾ ٢ يعني وهو أعلم قد ظهرت الدلائل ووضحت البينات ولم يبق بعدها إلا طريق القسر والإلجاء والإكراه، وذلك غير جائز لأنه ينافي التكليف والابتلاء. وقال ابن تيمية في كتابه "السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية": وإذا كان أصل القتال المشروع هو الجهاد ومقصوده هو أن

стр. 76

يكون الدين كله لله وأن تكون كلمة الله هي العليا فمن منع هذا قوتل بتفاق المسلمين وأما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة كالنساء والصبيان والراهب والشيخ الكبير والأعمى والزمن ونحوهم فلا يقتل عند جمهور العلماء إلا أن يقاتل بقوله أو فعله، وإن كان بعضهم يرى إباحة قتل الجميع لمجرد الكفر إلا النساء والصبيان لكونهم مالا للمسلمين. والأول هو الصواب لأن القتال هو لمن يقاتلنا إذا أردنا إظهار دين الله كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ١. وفي السنن عنه ﷺ أنه مر على امرأة مقتولة في بعض مغازيه قد وقف عليها الناس فقال: "ما كانت هذه لتقاتل". وقال لأحدهم الحق خالدًا فقل له لا تقتلوا ذرية ولا عسيفًا. وفيها أيضًا عنه ﷺ أنه كان يقول: "لا تقتلوا شيخًا فانيًا ولا طفلا صغيرًا ولا امرأة" وذلك أن الله تعالى أباح من قتل النفوس ما يحتاج إليه في صلاح الخلق كما قال تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْل﴾ أي أن القتل وإن كان فيه شر وفساد ففي فتنة الكفار من الشر والفساد ما هو أشد فمن لم يمنع المسلمين من إقامة دين الله لم تكن مضرة كفره إلا على نفسه". وقال الأستاذ الإمام في تفسير قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ ٢. الآيات: مجمل تفسير الآيات ينطبق على ما ورد من سبب نزولها وهو إباحة القتال للمسلمين في الإحرام بالبلد الحرام والشهر الحرام إذا بدأهم المشركون بذلك وأن لا يبغوا عليهم إذا نكثوا عهدهم واعتدوا في هذه المدة وحكمها بأن لا

стр. 77

ناسخ فيه ولا منسوخ فالكلام فيها متصل بعضه ببعض في واقعة واحدة فلا حاجة لتمزيقه ولا لإدخال آية براءة فيه. وقد نقل عن ابن عباس أنه لا نسخ فيها ومن حمل الأمر بالقتال فيها على عمومه ولو مع انتفاء الشرط فقد أخرجها عن أسلوبها وحملها ما لا تحتمل، وآية سورة آل عمران نزلت في غزوة أحد وكان المشركون هم المعتدين، وآيات الأنفال نزلت في غزوة بدر الكبرى وكان المشركون هم المعتدين أيضًا، وكذلك آيات سورة براءة نزلت في ناكثي العهد من المشركين ولذا قال: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُم﴾ ١، وقال بعد ذكر نكثهم ﴿أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَأُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ٢. الآيات. كان المشركون يبدءون المسلمين بالقتال لأجل إرجاعهم عن دينهم ولو لم يبدءوا في كل واقعة لكان اعتداؤهم بإخراج الرسول من بلده وفتنة المؤمنين وإيذائهم ومنع الدعوة كل ذلك كان كافيًا في اعتبارهم معتدين فقتال النبي ﷺ كله كان مدافعة عن الحق وأهله وحماية لدعوة الحق، ولذلك كان تقديم الدعوة شرطًا لجواز القتال وإنما تكون الدعوة بالحجة والبرهان لا بالسيف والسنان، فإذا منعنا من الدعوة بالقوة بأن هدد الداعي أو قتل فعلينا أن نقاتل لحماية الدعوة ونشر الدعوة لا للإكراه على الدين فالله تعالى يقول: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ ٣، ويقول: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ٤. وإذا لم يوجد من يمنع الدعوة ويؤذي الدعاة أو يقتلهم أو يهدد الأمن

стр. 78

ويعتدي على المؤمنين فالله تعالى لا يفرض علينا القتال لأجل سفك الدماء وإزهاق الأرواح ولا لأجل الطمع في الكسب، ولقد كانت حروب الصحابة في الصدر الأول لأجل حماية الدعوة ومنع المسلمين تغلب الظالمين لا لأجل العدوان، فالروم كانوا يعتدون على حدود البلاد العربية التي دخلت في حوزة الإسلام ويؤذونهم وأولياءهم من العرب المتنصرة ومن يظفرون به من المسلمين. وكان الفرس أشد إيذاء للمؤمنين منهم فقد فرقوا كتاب النبي ﷺ ورفضوا دعوته وهددوا رسوله وكذلك كانوا يفعلون. وما كان بعد ذلك من الفتوحات اقتضته طبيعة الملك ولم يكن كله موافقًا لأحكام الدين فإن طبيعة الكون أن يبسط القوي يده على جاره الضعيف. ولم تعرف أمة قوية أرحم في فتوحاتها بالضعفاء من الأمة العربية شهد لها علماء الإفرنج بذلك. وجملة القول في القتال أنه شرع للدفاع عن الحق وأهله وحماية الدعوة ونشرها فعلى من يدعي من الملوك والأمراء أنه يحارب للدين أن يحمي الدعوة الإسلامية ويعد لها عدتها من العلم والحجة بحسب حال العصر وعلومه ويقرن ذلك بالاستعداد التام لحمايتها من العدوان ومن عرف حال الدعاة إلى الدين عند الأمم الحية وطرق الاستعداد لحمايتهم يعرف ما يحب على المسلمين في ذلك وما ينبغي في هذا العصر. وبما قررناه بطل ما يهذي به أعداء الإسلام حتى من المنتمين إليه من زعمهم أن الإسلام قام بالسيف، وقول الجاهلين والمتعصبين أنه ليس دينًا إلهًيا لأن الإله الرحيم لا يأمر بسفك الدماء وأن العقائد الإسلامية خطر على المدنية فكل ذلك باطل، والإسلام هو الرحمة العامة للعالمين.

стр. 79

أحكام الإسلام الحربية مقارنة بالقانون الدولي: سواء أكانت الحرب أساس العلاقة بين المسلمين وغيرهم أم كانت تدبيرًا استثنائيًّا لا يلجأ إليه إلا لضرورة دفع العدوان وقطع الفتنة، فإن الأحكام التي أوجب الإسلام مراعاتها لتخفيف ويلات القتال من خير ما عرف من قوانين الرحمة بالإنسان. وهذه الأحكام وإن كانت تتفق مع أحكام القانون الدولي في كثير من المواضع إلا أنها تخالفها من جهة أنها أحكام دينية شرعها الدين ويقوم بتنفيذها إيمان المسلمين وقوة يقينهم مثل سائر الأحكام الدينية. وأما أحكام القانون الدولي فإنها ليس لها قوة تنفيذية تكفل إمضاءها حتى إن بعض الباحثين يرى في تسمية الأحكام الدولية قانونًا ضربًا من التسامح لأن القانون لا يكسب هذا الوصف إلا إذا كان من ورائه قوة لحمايته وتنفيذ أحكامه ولا توجد قوة ما لإخضاع الدول لأحكام القانون الدولي فالأحكام الإسلامية الحربية مع أنها ترمي إلى العدل والرحمة لها من إيمان المسلم قوة تنفيذية تكفل إمضاءها. والأصل في هذا الباب ما رواه الجماعة إلا البخاري من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله تعالى وبمن معه من المسلمين خيرًا ثم قال: "اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر

стр. 80

بالله. اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا. وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى خصال ثلاث فأيتهن ما أجابوك إليها فأقبل منهم وكف عنهم: ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأعلمهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين وأن عليهم ما على المهاجرين فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة نصيب إلا أن يجاهدوا مع المسلمين فإن أبوا فاسألهم الجزية فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك فإنكم إن تخفروا ذمتكم وذمة أصحابكم خير من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه. وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم فإنك لا تدري أصبت حكم الله فيهم أم لا، ثم اقضوا فيهم بعد ما شئتم". وعلى هذا الأساس شرعت الأحكام الحربية في الإسلام كما يأتي: ١- قرر القانون الدولي أن الدولة التي تضطر إلى إعلان الحرب على دولة أخرى يجب عليها قبل البدء أن تعلن الدولة الأخرى بميعاد الحرب وتعلن رعايها وتخطر الدول الأخرى لتلزم حيادها، والغرض من هذا الإعلان توقي الغدر والأخذ على غرة.

стр. 81

وجاء في الشرع الإسلامي أنه يجب على المسلمين قبل البدء بقتال الكافرين أن يدعوا من لم تبلغه الدعوة منهم، ويندب أن يجددوا دعوة من بلغته. فقد قال أبو يوسف: "لم يقاتل رسول الله ﷺ قومًا قط فيما بلغنا حتى يدعوهم إلى الله ورسوله" وقال صاحب الأحكام السلطانية: "ومن لم تبلغهم دعوة الإسلام يحرم علينا الإقدام على قتالهم غرة وبيانًا بالقتل والتحريق ويحرم أن نبدأهم بالقتال قبل إظهار دعوة الإسلام لهم وإعلامهم من معجزات النبوة ومن ساطع الحجة بما يقودهم إلى الإجابة. فإن بدأ بقتالهم إلى الإسلام وإنذارهم بالحجة وقتلهم غرة وبياتًا ضمن ديات نفوسهم". وفي هذا من إعلان الحرب والإنذار به قبل ابتدائه وتوقي الغدر والخيانة ما يحبب في الإسلام حتى إن الإمام إذا عقد صلحًا مع الأعداء لمصلحة رآها فقد أجازوا له نقض الصلح إذا تبدلت الحال وصارت المصلحة في استئناف القتال، لكن حرموا عليه استئناف القتال في هذه الحال إلا إذا مضى زمان يتمكن فيه ملك الأعداء من إنفاذ خبر النقض إلى أطراف مملكته توقيًا عن الغدر وحذرًا من الأخذ على غرة. ٢- قرر القانون الدولي أن الرعايا غير المنتظمين في الجيش لا يعدون أعداء ولا يجوز إلحاق الأذى بهم، وأن وصف المحاربين خاص بكل جند أو جيش محارب، ونصت الشريعة الإسلامية على أنه لا يجوز قتل النساء والصبيان والقسس في كنائسهم والرهبان في صوامعهم.

стр. 82

والشيوخ الكبار والزمنى والمرضى ومن اعتزل القتال أو حالت عاهته دون أن يكون من المقاتلة إلا إذا اشترك واحد من هؤلاء في الحرب بقول أو فعل أو رأي. ٣- أوجب القانون الدولي العناية بالمرضى والجرحى، وقرر حياد المستشفيات، وصيانة الأطباء والممرضين، والجنود النقالة. ونهت الشريعة الإسلامية عن قتل الوصفاء، والعسفاء والوصفاء هم المملكون والعسفاء هم المستخدمون ويدخل في هؤلاء الممرضون والنقالة وكل من يستخدمون لإسعاف الجرحى والمرضى والقيام بحاجتهم وتخفيف آلامهم. ٤- حرم القانون الدولي الإجهاز على الجرحى وتعذيب العدو والفتك به غيلة واستعمال القنابل والقذائف والأسلحة التي تزيد في التعذيب وحرم تسميم الآبار والأنهار والأطعمة. وقد نهى رسول الله ﷺ عن الغدر وعن المثلة وقال: "لا تعذبوا عباد الله". وجاء في الشريعة الإسلامية النهي عن قتل الأعزل وعن الإحراق بالنار لميت أو حي وعن إفساد الثمار والزروع وإحراق الدور والأمتعة وعن كل إتلاف وإفساد تكون منه مندوحة. ٥- جوز القانون الدولي التضييق على المحصورين وتعجيزهم حتى يضطروا إلى التسليم. وجوزت الشريعة الإسلامية -في حصار العدو- نصب العرادات والمنجنيقات، وعمل كل ما يستضيفهم للظفر بهم، على أن لا يقطع

стр. 83

نخيلهم، ولا تسمم مياههم. ومن هذا يتبين أن الإسلام في بدء القتال قرر من الأحكام ما يقضي به توقي الغدر والأخذ غرة. وفي أثناء القتال قرر من الأحكام ما يستوجبه تخفيف ويلات الحرب: من تجنب المثلة والتعذيب وإتلاف ما لا تدعو الحاجة إلى إتلافه حتى إن أعداء المسلمين إذا مثلوا بهم فالأفضل عدم مجاراتهم في هذا التمثيل. يدل على هذا ما روي من أنه لما مثل المشركون في غزوة أحد بحمزة بن عبد المطلب وغيره من الشهداء قال الرسول ﷺ : "لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بضعفي ما مثلوا بنا"، فأنزل الله عليه قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ، وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ ١ فقال الرسول ﷺ : "بل نصبر" وقال عمران بن حصين: ما خطبنا رسول الله ﷺ خطبة إلا أمرنا بالصدقة ونهانا عن المثلة. وأساس هذه الأحكام أن الإسلام ما قصد من تشريع القتال إزهاق الأرواح وتعذيب عباد الله وإنما أراد دفع الشر وحماية المسلمين ودعوتهم من العدوان، فهو وسيلة لا يلجأ إليها إلا للضرورة ولا يتجاوز فيها أدنى حدودها والله سبحانه لما بعث رسوله وأمره بدعوة الخلق إلى دينه لم يأذن له في قتل ولا قتال حتى بدأ المدعوون بظلم الداعين وإخراجهم من ديارهم وأموالهم بغير حق فأذن الله للمسلمين بقوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ ٢.

стр. 84

أحكام الإسلام السلمية: مما قدمنا من أحكام الإسلام الحربية تبين أن الإسلام شرع من الأحكام في حال القتال ما يكفل تجنب الغدر والاغتيال والتعذيب والمثلة والإتلاف، وما يدل على أنه إنما أراد هداية الناس وحسم شرهم لا إبادتهم وسحقهم. ونحن نبين ما شرعه الإسلام من الأحكام تدبيرًا لعلاقة المسلمين بغيرهم في حال السلم، ومنها يتبين أن الإسلام أسس هذه العلاقة على قواعد العدل واحترام حقوق الأفراد وكفالة الحرية لهم وتبادل المعاملات معهم. والأصل في هذا قوله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ١، وقوله ﷺ : "ألا من ظلم معاهدًا أو كلفه فوق طاقته أو انتقصه أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفسه فأنا حجيجه يوم القيامة". والأحكام التي قررها الإسلام في هذا الباب يعامل بها غير المسلمين الذين لم يقاتلوا المسلمين في الدين ولم يعتدوا عليهم أي عدوان سواء كانوا مقيمين مع المسلمين في دار الإسلام أم في دارهم وهذا على الرأي

стр. 85

الراجح من أن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم السلم وأن الأمان ثابت بينهم لأنه أساس العلاقة ولم يطرأ ما ينقضه لا لأنه مكتسب ببذل أو عقد ذمة. وأما على الرأي الآخر فانما يعامل بهذه الأحكام من اكتسبوا حق الأمان بتأمين إمام المسلمين ودخولهم في ذمتهم. قرر الإسلام المساواة بين الذميين والمسلمين فلهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، وكفل لهم حريتهم فأمر المسلمين أن يتركوهم وما دينون ولا يتعرضوا لهم فيما يتعقتدون. وعلى أساس هذه المساواة لهم أن يتعاملوا مع المسلمين جميع المعاملات المباحة. قال صاحب البدائع: "ويسكنون في أمصار المسلمين يبيعون ويشترون لأن عقد الذمة شرع ليكون وسيلة إلى إسلامهم. وتمكينهم من المقام في أمصار المسلمين أبلغ في هذا المقصود، وفيه أيضًا منفعة للمسلمين بالبيع والشراء". وما يحرم على المسلم التعامل به ولا يحرم على الذمي مثل الخمر أو الخنزير فإنه يباح للذميين الإتجار بها حيث شاءوا. ولكن ليس لهم أن يجاهروا بالإتجار بها في أمصار المسلمين لأن المصر الإسلامي إنما يجهر فيه بما لا يأباه شعار الإسلام. وعلى أساس هذه المساواة لم يفرق الإسلام على أرجح الأقوال بين المسلم والذمي في العقوبات ففي القصاص ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ

стр. 86

بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ . وفي أحكام الديات والضمان والتعازير يجري على الذميين ما يجري على المسلمين. وفي الأحوال الشخصية أبيح لهم كل زواج يتفق ودينهم ولو خالف شرائط الزواج عند المسلمين. واعتبر كل طلاق صدر من أحدهم ولو لم يتفق وأحكام الطلاق عند المسلمين. ولا يتعرض لهم في شيء من ذلك إلا إذا ترافعوا إلى المسلمين وطلبوا إجراء حكم الإسلام بينهم. وكما حرم الزواج بالمحصنات من المؤمنات حرم الزواج بالمحصنات من الكتابيات كما قال تعالى في عد المحرمات: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء﴾ ١، هكذا بإطلاق من النساء حتى لا يتوهم أن المحرمات المحصنات من المسلمات خاصة فدفعًا لهذا التوهم قال سبحانه: ﴿مِنَ النِّسَاء﴾ ، احترامًا لحق الزوج من غير المسلمين. وفي الميراث سوى في الحرمان بين الذمي والمسلم، فلا يرث الذمي قريبه المسلم ولا يرث المسلم قريبه الذمي. وفي المعاملة وحسن العشرة شرع الإسلام من الأحكام ما شرح له صدور مخالفيه وحببه إليهم، وكفى أن الله سبحانه نفى النهي عن برهم والإقساط إليهم وأباح للمسلمين طعامهم، وأحل لهم ذبائحهم وأباح

стр. 87

مصاهرتهم والتزوج منهم كما قال تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ١. وللزوجة غير المسلمة من الحقوق على زوجها ما للزوجة المسلمة. ونهى الله عن مجادلتهم إلا بالتي هي أحسن. ونص علماء المسلمين على أن للمسلم أن يضيفهم ويذهب إلى ضيافتهم ويتبادل معهم التهادي والتصافح. وفي العبادات والاعتقادات أطلقت لهم الحرية ومنع التعرض لهم فيما يعبدون وما يعتقدون، فلهم إقامة شعائر دينهم في كنائسهم وبيعهم، ولهم في القرى إعادة ما تهدم من الكنائس والبيع وإنشاء ما يريدون إحداثه منها. وأما في الأمصار الإسلامية فلهم إعادة المهدوم فحسب، ولهم دق النواقيس في جوف كنائسهم، ولهم أن يفعلوا كل ما لا يثير العداء ولا يعارض شعار الإسلام. وفي ظل هذه الأحكام السمحة والعدالة والمساواة عاش غير المسلمين معهم في بلاد الإسلام طوال السنين لا يشكون ضيمًا ولا يبخسون حقًا. ومن نظر إلى العهود التي كان يقطعها المسلمون على أنفسهم لغير المسلمين أيام قوة الإسلام وسطوة أهليه تتجلى له الروح السمحة التي عامل بها الإسلام غير المسلمين لأنه لا يعقل أن تكون تلك العهود مما

стр. 88

يأباها الدين ثم يلتزمها الخلفاء الراشدون وقواد المسلمين بمحضر من كبار الصحابة وأولي العلم بالدين، فلولا أنهم مؤمنون بسماحة الإسلام وتقبله لهذ المعاملات ما أقروا تلك الشروط. ولولا أن هذه السماحة من طبيعة الإسلام ما كانت لتتفق وروح العهود التي تلتزم لغير المسلمين من مختلف القواد في مختلف البلدان. وهذا عهد خالد بن الوليد لأهل الحيرة في عهد أبي بكر الصديق وعهد أبي عبيدة بن الجراح لأهل الشام في عهد عمر بن الخطاب قد كان لهما أثرهما في أنحاء الإمبراطورية الفارسية والإمبراطورية الرومانية لما تضمنه كل منهما من الوفاء وحسن المعاملة حتى وجد غير المسلمين من المسلمين ما لم يروه ممن كانوا يدينون بدينهم. روى الإمام أبو يوسف في كتاب الخراج أن خالد بن الوليد صالح أهل الحيرة على أن لا يهدم لهم بيعة ولا كنيسة ولا قصرًا من قصورهم التي كانوا يتحصنون فيها إذا نزل بهم عدو لهم ولا يمنعون من ضرب النواقيس ولا من إخراج الصلبان في يوم عيدهم وعلى أن لا يشتملوا على نغبة وعلى أن يضيفوا من مر بهم من المسلمين مما يحل لهم من طعامهم وشرابهم وكتب بينهم هذا الكتاب. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هذا كتاب من خالد بن الوليد لأهل الحيرة: إن خليفة رسول الله ﷺ أبا بكر الصديق ﵁ أمرني أن أسير بعد منصرفي من أهل اليمامة إلى أهل العراق من العرب والعجم

стр. 89

بأن أدعوهم إلى الله جل ثناؤه وإلى رسوله ﵇، وأبشرهم بالجنة وأنذرهم من النار. فإن أجبوا فلهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين. وأني انتهيت إلى الحيرة فخرج إلى إياس بن قبيصة الطائي في أناس من أهل الحيرة من رؤسائهم وأني دعوتهم إلى الله وإلى رسوله فأبوا أن يجيبوا فعرضت عليهم الجزية أو الحرب فقالوا: لا حاجة لنا بحربك ولكن صالحنا على ما صالحت عليه غيرنا من أهل الكتاب في إعطاء الجزية. وأني نظرت في عدتهم فوجدت عدتهم سبعة آلاف رجل: ثم ميزتهم فوجدت من كانت به زمانة ألف رجل فأخرجتهم من العدة فصار من وقعت عليه الجزية ستة آلاف فصالحوني على ستين ألفًا. وشرطت عليهم أن عليهم عهد الله وميثاقه الذي أخذ عن أهل التوراة والإنجيل أن لا يخالفوا ولا يعينوا كافرًا على مسلم من العرب ولا من العجم ولا يدلوهم على عورات المسلمين. عليهم بذلك عهد الله وميثاقه الذي أخذه أشد ما أخذه على نبي من عهد أو ميثاق أو ذمة. فإن هم خالفوا فلا ذمة لهم ولا أمان. وإن هم حفظوا ذلك ورعوه وأدوه إلى المسلمين فلهم ما للمعاهد وعلينا المنع لهم. فإن فتح الله علينا فهم على ذمتهم لهم بذلك عهد الله وميثاقه أشد ما أخذ على نبي من عهد أو ميثاق، وعليهم مثل ذلك أن لا يخالفوا. فإن غلبوا فهم في سعة يسعهم ما وسع أهل الذمة ولا يحل فيما أمروا به أن يخالفوا. وجعلت لهم أيما شيخ ضعف عن العمل أو أصابته آفة من الآفات أو كان غنيا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه طرحت جزيته وعيل

стр. 90

من بيت مال المسلمين وعياله ما أقام بدار الهجرة ودار الإسلام، فإن خرجوا إلى غير دار الهجرة ودار الإسلام فليس على المسلمين النفقة على عيالهم. وأيما عبد من عبيدهم أسلم أقيم في أسواق المسلمين فبيع بأعلى ما يقدر عليهم في غير الوكس ولا تعجيل ودفع ثمنه إلى صاحبه ولهم كل ما لبسوا من الزي إلا زي الحرب من غير أن يتشبهوا بالمسلمين في لباسهم وأيما رجل منهم وجد عليه شيء من زي الحرب سئل عن لبسه ذلك فإن جاء منه بمخرج وإلا عوقب بقدر ما عليه من زي الحرب. وشرطت عليهم جباية ما صالحتهم عليه حتى يؤدوه إلى بيت مال المسلمين. عما لهم منهم. فإن طلبوا عونًا من المسلمين أعينوا به. ومؤنة العون من بيت مال المسلمين. وروى الإمام أبو يوسف قال: حدثني بعض أهل العلم عن مكحول الشامي أن أبا عبيدة بن الجراح صالحهم بالشام واشتراط عليهم حين دخلها على أن تترك كنائسهم وبيعهم على أن لا يحدثوا بناء بيعة ولا كنيسة. وعلى أن عليهم إرشاد الضال، وبناء القناطر على الأنهار من أموالهم، وأن يضيفوا من مر بهم من المسلمين ثلاثة أيام. وعلى أن لا يشتموا مسلمًا ولا يضربوه، ولا يرفعوا في نادي أهل الإسلام صليبًا، ولا يخرجوا خنزيرًا من منازلهم إلى أفنية المسلمين وأن يوقدوا النار للغزاة في سبيل الله ولا يدلوا للمسلمين على عورة، ولا يضربوا نواقيسهم قبل أذان المسلمين ولا في أوقات أذانهم ولا يخرجوا الرايات في أيام عيدهم ولا يلبسوا السلاح يوم عيدهم ولا يتخذوه في بيوتهم فإن فعلوا من ذلك شيئًا

стр. 91

عوقبوا وأخذ منهم. فكان الصلح على هذا الشرط. فقالوا لأبي عبيدة اجعل لنا يومًا في السنة نخرج فيه صلباننا بلا رايات وهو يوم عيدنا الأكبر ففعل ذلك لهم وأجابهم إليه. فلما رأى أهل الذمة وفاء المسلمين لهم وحسن السيرة فيهم صاروا أشداء على عدو المسلمين وعونا للمسلمين على أعدائهم فبعث أهل كل مدينة ممن جرى الصلح بينهم وبين المسلمين رجالًا من قبلهم يتجسسون الأخبار عن الروم وعن ملكهم وما يريدون أن يصنعوا فأتى أهل كل مدينة رسلهم يخبرونهم بأن الروم قد جمعوا جمعًا لم ير مثله. ولما تتابعت الأخبار على أبي عبيدة اشتد ذلك عليه وعلى المسلمين فكتب أبو عبيدة إلى كل والٍ ممن خلفه في المدن التي صالح أهلها بأمرهم أن يردوا عليهم ما جبي منهم من الجزية والخراج وكتب إليهم أن يقولوا لهم: إنما رددنا عليكم أموالكم لأنه قد بلغنا ما جمع لنا من الجموع وأنكم قد اشترطتم علينا أن نمنعكم وإنا لا نقدر على ذلك. وقد رددنا عليكم ما أخذنا منكم، ونحن لكم على الشرط وما كتبنا بيننا وبينكم إن نصرنا الله عليهم. فلما قالوا ذلك لهم وردوا عليهم الأموال التي جبوها منهم قالوا: ردكم الله علينا ونصركم عليهم فلو كانوا هم لم يردوا علينا شيئًا وأخذوا كل شيء بقي لنا حتى لا يدعوا لنا شيئًا. وكان أن غلبت الروم ونصر الله المسلمين وكتب أبو عبيدة إلى عمر بن الخطاب بما أفاء الله على المسلمين وما أعطى أهل الذمة من الصلح فكتب إليه عمر ﵁ كتابًا مما جاء فيه قوله: "وامنع المسلمين من ظلمهم

стр. 92

والإضرار بهم وأكل أموالهم إلا بحقها. ووف لهم بشرطهم الذي شرط لهم في جميع ما أعطيتهم". ومما تقدم من الأحكام السلمية التي شرعها الإسلام لمعاملة غير المسلمين، ومن نصوص العهود التي التزمها القواد في صلحهم يتبين أن الإسلام لا يأبى مسالمة من لا يدينون به ما داموا غير عادين. وأنه لا مانع يمنع أية دولة إسلامية من أن تتبادل مع دولة غير إسلامية علاقات تجارية وسفراء لنظر المصالح ومعاهدات لضمان حقوق أفراد كل من الدولتين وإجراء العدل بينهم كما أنه لا يأبى حسن معاشرة المسلمين لغير المسلمين والمساواة بينهم في الحقوق والحريات وتبادل الحاجات والبر والإقساط ويؤخذ من قول خالد بن الوليد في عهده: "ولهم كل ما لبسوا من الزي إلا زي الحرب من غير أن يتشبهوا بالمسلمين في لباسهم" ومن قول أبي عبيدة في عهده "ولا يلبسوا السلاح يوم عيدهم" إن المسلمين لم يحرموا على غير المسلمين أي لباس إلا زي الحرب لأنه يثير الشحناء ولا يتفق والمسالمة. ولم يحرموا عليهم التشبه بالمسلمين في زيهم ازدراء لهم لأنهم قد يلبسون ما هو أغلى وأقوم وإنما أراد المسلمون أن تكون لكل طائفة قومية مميزة بمميزاتها من دين ولغة ولباس وسائر المميزات، ولهذا يوجد في السنة كثير من الأحاديث ترمي إلى الاحتفاظ بالقومية وعدم فناء الأمة في غيرها، مثل "خالفوا سنة المجوس"، ومثل النهي عن التشبه بغير المسلمين.

стр. 93

السياسة الشرعية المالية: شروط عدلها: السياسة المالية للدولة هي تدبير مواردها ومصارفها بما يكفل سد النفقات التي تقتضيها المصالح العامة من غير إرهاق للأفراد ولا إضاعة لمصالحهم الخاصة. وهي إنما تكون عادلة إذا تحقق فيها أمران: الأول: أن يراعى في الحصول على الإيراد العدل والمساواة بحيث لا يطالب فرد بغير ما يفرضه القانون ولا يفرض على فرد أكثر مما تحتمله طاقته وتستدعيه الضرورة. الثاني: أن يراعى في تقسيم الإيراد جميع مصالح الدولة على قدر أهميتها بحيث لا تراعى مصلحة دون أخرى ولا يكون نصيب المهم أوفر من نصيب الأهم. والموارد الإسلامية التي رتبت لسد نفقات المصالح العامة هي ما يأتي: ١- الزكاة في الأموال، وعروض التجارة، والسوائم، والزروع والثمار. ٢- ضريبة الأرض الزراعية من الخراج والعشر ونصف العشر. ٣- ضريبة الأشخاص التي تؤخذ من أهل الكتاب وهي الجزية. ٤- العشور: وهي الرسوم التي تؤخذ على الواردات إلى البلاد الإسلامية والصادرات منها. ٥- خمس الغنائم. وخمس ما يعثر عليه من الركاز والمعادن. ٦- تركة من لا وارث له أصلا أو لا وارث له غير أحد الزوجين،

стр. 94

ومال اللقطة، وكل مال لم يعرف له مالك، وكل مال صولح عليه المسلمون. هذه أبواب الإيراد المالي للدولة الإسلامية وبعضها ثابت أصله في الكتاب والسنة، وبعضها ثبت باجتهاد الصحابة في صدر الإسلام ولكل باب منها أحكام تفصيلية مبسوطة في مواضعها. وسنقتصر في كل باب على الكلم الجامعة التي تتبين منها أسس الموارد الإسلامية والشرائط التي أحيطت بها، ثم نبحث في المصارف التي قسمت بينهم هذه الأموال لتتضح من جملة هذا السياسة الشرعية المالية.

стр. 95

أسس الموارد الإسلامية مدخل ... أسس الموارد الإسلامية: للباحثين في أساس فرض الضرائب رأيان: فالقائلون بنظرية العقد الاجتماعي يرون أن أساس فرض الضرائب تراضي الأفراد على أن يؤدي كل واحد منهم للحكومة جزءًا من ماله في مقابل قيامها بحماية الأجزاء الباقية وتمتعه بماله وحقوقه في ظل هذه الحماية كما تراضى الأفراد على أن يخرج كل واحد منهم عن عزلته ويعقد مع بني جنسه عقدًا اجتماعيًا يتنازل به عن مطلق حريته في مقابل كفالتهم لأمنه وسلامته. فالضريبة في رأي هؤلاء معاوضة أساسها التراضي. وغير القائلين بنظرية العقد الاجتماعي يرون أن أساس فرض الضرائب ما للحكومة بمقتضى وظيفتها من الولاية العامة التي تخولها إلزام الأفراد بدفع جزء من مالهم لتقوم بمصالحهم من توطيد الأمن وتأمين البلاد من العدوان وإصلاح طرق مواصلاتها وري أرضها وكل ما تقتضيه مرافق الحياة فيها. فالضريبة في رأي هؤلاء فرض إلزامي تفرضه الحكومة على الأفراد بما لها من السلطان الذي كسبته بالتزامها تدبير المصالح العامة. ولا خلاف بين اصحاب هذين الرأيين في أن الأفراد ملزمون بالضرائب وإنما الخلف في منشأ الإلزام. فعلى الرأي الأول منشأ الإلزام التزام الأفراد أنفسهم بأدائها في نظير قيام الحكومة بمصالحهم وحماية أموالهم. وعلى الرأي الثاني منشأ الإلزام ما للحكومة من السلطان باعتبارها مسئولة عن تأمين الأفراد وتدبير مصالحهم وليس لهذا الخلف أثر عملي.

стр. 96

أما أساس الموارد الإسلامية فالذي يؤخذ مما ورد في شأنها أن هذه الموارد واجبات ألزم بها الأفراد في مقابل تمتعهم بالحقوق. فالزكاة وسائر أنواع الصدقات أوجبت على ذوي الأموال في مقابل تمتعهم بحقين: أحدهما أمانهم على أنفسهم وأموالهم من أضغان المعوزين وأطماعهم، لأن المحاويج إذا لم يكن لهم من مال ذوي المال نصيب كان خطرًا عليهم وعلى أموالهم. وثانيها تمتعهم باستغلال مرافق الدولة في سبيل تزكية هذه الأموال وتنميتها والمحافظة عليها. وإلى هذه الإشارة بقول الله سبحانه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ ١، وقوله عز شأنه في وصف المتقين: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ، لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ ٢، وقوله في زكاة الزروع: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِه﴾ ٣. والجزية أوجبت على غير المسلمين كما أوجبت الزكاة على المسلمين في مقابل تمتعهم بحقوقهم، وأمانهم على أنفسهم وأموالهم لأن أهل الكتاب ينتفعون بمرافق الدولة العامة كما ينتفع المسلمون وهم لا تجب عليهم الزكاة وأنواع الصدقات الواجبة على المسلمين لأنهم غير مخاطبين بفروع الشريعة فأوجبت عليهم الجزية بدلا من الزكاة التي أوجبت على المسلمين، ولهذا إذا أسلم واحد منهم سقطت عنه الجزية وأوجبت عليه أداء الزكاة في ماله إن كان ذا مال فهي كسائر الموارد الإسلامية واجب في نظير حقوق، يدل على ذلك أن أبا عبيدة بعدما صالح أهل الشام وجبى منهم الجزية والخراج ثم بلغه أن الروم قد جمعوا له واشتد الأمر عليه

стр. 97

وعلى المسلمين كتب إلى الولاة الذين خلفهم في المدن أن يردوا إلى أهلها ما جبي منهم وكتب إليهم أن يقولوا لهم: إنما رددنا عليكم أموالكم لأنه قد بلغنا ما جمع لنا من الجموع وأنكم قد اشترطتم علينا أن نمنعكم وأنا لا نقدر على ذلك وقد رددنا عليكم ما أخذنا منكم ونحن على الشرط وما كتبنا بيننا وبينكم إن نصرنا الله عليهم. والخراج ضرب على الأرض التي في يد غير المسلمين مؤنة لها كما ضرب العشر ونصف العشر على الأرض التي في يد المسلمين. قال القاضي أبو يوسف في كتاب الخراج "لما قدم على عمر بن الخطاب جيش العراق من قبل سعد بن أبي وقاص شاور أصحاب محمد ﷺ في قسمة الأرضين التي أفاء الله على المسلمين من أرض العراق والشام، فتكلم قوم فيها وأرادوا أن يقسم لهم حقوقهم وما فتحوا، فقال عمر: فكيف بمن يأتي من المسلمين فيجدون الأرض بعلوجها قد اقتسمت وورثت على الآباء وحيزت. ما هذا برأي. فقال له عبد الرحمن بن عوف: فما الرأي؟، ما الأرض والعلوج إلا مما أفاء الله عليهم. فقال عمر: ما هو إلا ما تقول ولست أرى ذلك والله لا يفتح بعدي بلد فيكون فيه كبير نيل بل عسى أن يكون كلا على المسلمين، فإذا قسمت أرض العراق بعلوجها وأرض الشام بعلوجها فما يسد به الثغور؟ وما يكون للذرية والأرامل بهذا البلد وبغيره من أهل الشام والعراق؟ فأكثروا على عمر وقالوا: نقف ما أفاء الله علينا بأسيافنا على قوم لم يحضروا ولم يشهدوا ولأبناء القوم ولأبناء أبنائهم ولم يحضروا؟ فكان عمر لا يزيد على أن يقول هذا رأي. قالوا: فاستشر. قال: فاستشار

стр. 98

المهاجرين الأولين فاختلفوا. فأما عبد الرحمن بن عوف فكان رأيه أن تقسم لهم حقوقهم. ورأى عثمان وعلي وطلحة وابن عمر رأي عمر. فأرسل إلى عشرة من الأنصار خمسة من الأوس وخمسة من الخزرج من كبرائهم وأشرافهم، فلما اجتمعوا حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: إني لم أزعجكم إلا لأن تشركوا في أمانتي وفيما حملت من أموركم فإني واحد كأحدكم وأنتم اليوم تقرون بالحق خالفني من خالفني ووافقني من وافقني، ولست أريد أن تتبعوا هذا الذي هواي، معكم من الله كتاب ينطق بالحق، فوالله لئن كنت نطقت بأمر أريده ما أريد به إلا الحق. قالوا: قل نسمع يا أمير المؤمنين. قال: قد سمعتم كلام هؤلاء القوم الذين زعموا أني أظلمهم حقوقهم، وأني أعوذ بالله أن أركب ظلمًا، لئن كنت ظلمتهم شيئًا هو لهم وأعطيته غيرهم لقد شقيت، ولكن رأيت أنه لم يبق شيء يفتح بعد أرض كسرى، وقد غنمنا الله أموالهم وأرضهم وعلوجهم فقسمت ما غنموا من أموال بين أهله وأخرجت الخمس فوجهته على وجهه وأنا في توجيهه، وقد رأيت أن أحبس الأرضين بعلوجها وأضع عليهم فيها الخراج، وفي رقابهم الجزية يؤدونها فتكون فيئًا للمسلمين المقاتلة والذرية ولمن يأتي بعدهم، أرأيتم هذه الثغور لا بد لها من رجال يلزمونها، أرأيتم هذه المدن العظام -كالشام والجزيرة والكوفة والبصرة ومصر- لا بد لها من أن تشحن بالجيوش وإدرار العطاء عليهم فمن أين يعطى هؤلاء إذا قسمت الأرضون والعلوج فقالوا جميعًا: الرأي رأيك فنعم ما قلت وما رأيت. إن لم تشحن هذه الثغور وهذه المدن بالرجال وتجرى عليهم ما يتقوون به رجع أهل الكفر إلى مدتهم. فقال: قد بان لي الأمر، فمن رجل له جزالة وعقل يضع الأرض مواضعها ويضع

стр. 99

على العلوج ما يحتملون؟ فاجتمعوا له على عثمان بن حنيف وقالوا: تبعثه إلى أهم ذلك فإن له بصرًا وعقلًا وتجربة، فأسرع إليه عمر وولاه مساحة أرض السواد". وعلى هذا الأساس حبس عمر الأرضين عن قسمتها بين الفاتحين وتركها في يد أهليها يؤدون عنها الخراج للمسلمين وفعل بالشام ما فعل بالعراق. قال القاضي أبو يوسف: والذي رأى عمر ﵁ من الامتناع من قسمة الأرضين بين من افتتحها عندما عرفه الله ما كان في كتابه من بيان ذلك توفيقًا من الله كان له فيما صنع، وفيه كانت الخيرة لجميع المسلمين. وفيما رآه من جمع خراج ذلك وقسمته بين المسلمين عموم النفع لجماعتهم لأن هذا لو لم يكن وقوفًا على الناس في الأعطيات والأرزاق لم تشحن الثغور ولم تقوَ الجيوش على السير في الجهاد ولما أمن من رجوع أهل الكفر إلى مدنهم إذا خلت من المقاتلة والمرتزقة. والله أعلم بالخير حيث كان. والعشور التي تؤخذ في البلاد الإسلامية على عروض التجارة الواردة إليها والصادرة منها أساسها تبادل المعاملة المتماثلة بينها وبين غيرها من البلدان والمساواة بين التجار وأموالهم في المعاملة بالبلاد الإسلامية وغيرها.

стр. 100

وما يؤخذ غنيمة بالقتال فرض فيه خمسة لمصلحة عامة بينها الله سبحانه في قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ ١. وفي تخصيص هذا الخمس لمن سمى الله رعاية للمصلحة العامة وتزكية الأربعة الأخماس للفاتحين حتى لا يحقد عليهم اليتامى والمساكين وأبناء السبيل وما يوجد من الركاز في موات أو طريق سابل يؤخذ منه خمسه لصرفه في مصارف الزكاة الثمانية التي مرجعها إلى المصلحة العامة وسد حاجات المعوزين. ويكون للواحد أربعة أخماسه. وأما أخذ كل مال لا وارث له ومال اللقطة وما لم يعرف له مالك فأساسه أن الغرم بالغتم وأن كل مال لا يستحقه مالك خاص فالمصلحة العامة أحق به، كما أن من لا يجد نفقة ولا منفقًا فنفقته في بيت مال المسلمين. وجملة القول أن النصوص الواردة في شأن الموارد المالية الإسلامية ووجهة النظر التي أبانها كبار الصحابة في اجتهادهم وشوراهم يؤخذ منها أن الأساس الذي بنيت عليه هذه الموارد هو توفير ما تتطلبه المصالح العامة من النفقات وتأمين أرباب الأموال على أنفسهم وأموالهم، وتحقيق ما تقضي به الوحدة الاجتماعية من التضامن والتعاون؛ وهذه أسس تتقبل رعاية كل المصالح وتتفق وقواعد العدل.

стр. 101

شرائط الضريبة العادلة: جباية الضرائب من الأفراد فيها استيلاء على جزء من مالهم وحرمان لهم من التمتع به. وهذا الحرمان إنما رخص فيه لأن الضرورة قضت به إذ لا يمكن القيام بالمصالح العامة بدونه. وبما أن الضرورات تقدر بقدرها فيجب أن لا يتجاوز بالضريبة القدر الضروري وأن يراعى في تقديرها وطرائق تحصيلها ما يخفف وقعها، ولهذا ذكر علماء الاقتصاد أنه لا بد أن يتوفر في كل ضريبة شرائط أربعة: الأول: العدل والمساواة بحيث تفرض الضرائب على جميع الأفراد بطريق واحدة تناسب مقدرتهم المالية. الثاني: الاقتصاد بحيث لا يفرض إلا القدر الضروري. الثالث: النظام المبين الذي يعلم به كل فرد ما يجب عليه أداؤه وموعده وطريقة أدائه. الرابع: مراعاة مصلحة الأفراد في تعيين مواعيد الأداء وطرائقه. وذكروا كذلك أنه لا يجوز فرض الضريبة إلا في مال نام متجدد حتى تكون الضريبة من ثمرة المال ولا تكون من عوامل نقص أصله حتى قال بعضهم: "ما يؤخذ من الثمرة ضريبة وما يؤخذ من الأصل نهب وسلب". ولا يجوز أن تستنفذ الضريبة كل الثمرة حتى لا يشعر الفرد بأنه إنما يعمل لغيره فيذهب نشاطه.

стр. 102

والناظر في الضرائب الإسلامية يتبين أنها مشروطة بعدة شرائط اقتصادية مراعي فيها العدل والتوفيق بين مصالح الأفراد والمصالح العامة: فنماء المال الواجبة فيه الضريبة شرط مراعى في كل الموارد الإسلامية، ففي الزكاة لا تجب إلا في مال نام حال عليه الحول الذي هو مظنة إنتاجه وإثماره ومظنة لأن يكون أداء الزكاة من ثمرته لا من أصله. وفي الخراج لا يجبي إلا من أرض أمكن زرعها بل قال مالك بن أنس: لا يجبى إلا من أرض مزروعة وإنما شرط زرعها أو إمكان زرعها لتكون الضريبة من ثمرتها ونمائها. وفي العشر أو نصف العشر الواجب من نفس الثمرة ووجوبه مشروط بأن يكون الزرع قد بدا صلاحه. والمقصود من هذه الشرائط أن لا يرهق ذو المال وأن تكون الضريبة من ثمرة ماله لا من أصله. وأما تناسب الضريبة الواجبة مع الحال المالية لمن تجب عليه فهو مراعى في الموارد الإسلامية كذلك ففي الزكاة والعشر ونصف العشر والعشور الواجب مقدار نسبي لا يفترق فيه مال عن مال ولا فرد عن فرد فما دون النصاب عفو. وما بلغ النصاب يؤخذ منه الواجب بنسبة معينة. وفي الجزية لا تؤخذ إلا من الغني القادر ولا يؤخذ من أحد إلا ما يناسب ماليته ودرجة يساره. وفي الخراج يجب أن يراعى ما تخرجه الأرض وما يطيقه أهلوها: روى القاضي أبو يوسف عن عمر بن ميمون قال: بعث عمر ﵁ حذيفة بن اليمان على ما وراء دجلة وبعث عثمان بن حنيف على ما دونه، فأتياه فسألهما: كيف وضعتما على الأرض؟ لعلكما كلفتما أهل عملكما ما لا يطيقون. قال حذيفة: لقد تركت فضلا. وقال عثمان: لقد تركت الضعف ولو شئت لأخذته.

стр. 103

فقال عمر عند ذلك: أما والله لئن بقيت لأرامل أهل العراق لأدعنهم لا يفترقون إلى أمير بعدي. وأما مقدار الواجب وموعد أدائه وطريقته فقد روعي فيها أيضا الاقتصاد والرفق بذوي الأموال من غير تفويت حق المصلحة العامة فجعل موعد أداء الواجب حين يحول الحول على المال وجعل الأداء موكولا إلى رب المال في الأموال الباطنة كالنقود لأن في عدها على صاحبها واستقصائها حرجا وإضرارا به فوكل إليه أداؤها بوازع من دينه وسائر الأموال جعل لولاة الأمور تحصيلها لصرفها في مصارفها على أن يراعوا في هذا التحصيل ما يقضي به الرفق والعدل. قال القاضي أبو يوسف في خطابه إلى أمير المؤمنين الرشيد في كتاب الخراج وتقدم إلى من وليت أن لا يكون عسوفا لأهل عمله. ولا محتقرا لهم. ولا مستخفا بهم. ولكن يلبس لهم جلبابا من اللين يشوبه بطرف من الشدة والاستقصاء من غير أن يظلموا أو يحملوا ما لا يجب عليهم. وقد كان العدل في الضرائب الإسلامية وإحاطتها بالشرائط الاقتصادية من أقوى الأسباب التي ساعدت المسلمين على فتح البلدان وثبتت أقدامهم فيما فتحوه؛ لأن الفرس والرومان كانوا قد أرهقوا الناس بالضرائب الفادحة وحملوهم فوق ما يطيقون ولم ينصفوا مالكا ولا زارعا. وفيما دار بين أبي عبيدة وأهل الشام لما أمر أن يرد عليهم ما جبي منهم دليل على ما كانت تكنه صدورهم وما كانت ترهقهم به الإمبراطورية الرومانية.

стр. 104

الموارد المالية الإسلامية مدخل ... الموراد المالية الإسلامية: تنقسم الموارد المالية التي يتكون منها إيراد بيت مال المسلمين إلى قسمين: موارد دورية يجبى منها الإيراد في مواعيد معينة من السنة، وموارد غير دورية. فالموارد الدورية هي: الزكاة، والخراج، والجزية، والعشور. والموارد غير الدورية هي: خمس الغنائم، وخمس المعادن، والركاز، وتركة من لا وارث له، ومال اللقطة، وكل مال لم يعرف له مستحق معين من الأفراد. وسنبين ما شرعه الإسلام في كل مورد من هذه الموارد من الأحكام الكلية، وما راعاه من الشرائط.

стр. 105

الموارد الدورية: ١- الزكاة: فرضت على المسلمين بعدة نصوص في الكتاب الكريم منها قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ ١، وقوله سبحانه: ﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ ٢، وقوله عز شأنه: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ ٣.

стр. 106

ووردت في السنة عدة أحاديث قررت فرضيتها، وفسرت المجمل من آياتها. وأبانت حكمتها والسر في تشريعها. ففي حديث قواعد الإسلام عد إيتاء الزكاة من الدعائم الخمس التي بني عليها الإسلام. وفي حديث أنس بن مالك ﵁ قال: أتى رجل من تميم رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله: إني ذو مال كثير وذو أهل ومال وحاضرة فأخبرني كيف أصنع وكيف أنفق فقال رسول الله ﷺ : "تخرج الزكاة من مالك فإنها طهرة تطهرك وتصل أقرباءك، وتعرف حق المسكين، والجار والسائل". وفي كثير من أحاديث الرسول ﷺ وكتبه إلى ولاة الصدقات بيان أنصباء الأموال المزكاة، ومقدار الواجب أداؤه من كل نصاب ومن أشهر ما ورد في هذا كتابه ﷺ إلى عمر بن حزم. ومن المقرر في الإسلام أنه ليس في مال المسلم حق مفروض سوى الزكاة. والأموال التي تفرض فيها الزكاة أربعة: النقود من الذهب والفضة، وما في حكمها من عروض التجارة، والسوائم من الإبل والبقر والغنم، وما تخرج الأرض العشرية من زروع، وما تثمر الأشجار والكروم من ثمار. ولا تفرض الزكاة في مال من هذه الأموال إلا إذا بلغ مقداره النصاب المعين الذي اعتبره الشارع مناطا للغني واليسار واعتبر ما دونه قليلا لا تؤخذ منه زكاة. ونصاب النقود من الذهب عشرون دينارا، ومن الفضة مائتا درهم. وبهذا يقدر النصاب في قيم العروض التجارية، ونصاب السوائل من الإبل خمس ومن البقر ثلاثون ومن الغنم أربعون.

стр. 107

ونصاب الزرع والثمار خمس أوسق. وقد شرط لاستحقاق الزكاة من كل نصاب من هذه الأموال عدة شرائط كلها ترجع إلى توفير نمائه حتى تكون الزكاة من ثمرته وليست من عوامل نقص أصله. فشرط في المال المزكى الذي بلغ مقداره نصابا أن يكون ناميا، وليس الشرط نموه فعلا وإنما الشرط كونه قابلا للنماء ومعدا له سواء أكان معدا له بأصل خلقه كالنقود أم معدا له بإعداد مالكه كعروض التجارة. وشرط أن يحول عليه الحول لأنه لا بد لنماء المال من مدة تكون مظنة له، وأقل مدة لهذا عادة هي الحول، ولذا جاء في الحديث "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول". وشرط أن يكون فاضلا عن حاجة المالك الأصلية لأن المال المعد للحاجة الأصلية لا يتحقق به يسار ولا يكون له نماء وفي الأخذ منه مخبئة لنفس صاحبه، وفي الحديث "وأدوا زكاة أموالكم طيبة بها أنفسكم". وشرط في الماشية أن تكون سائمة ترعى الكلأ في أكثر السنة لأنها بالسوم تقل مؤنتها ويتوفر درها ونسلها فيكون أداء الزكاة من نمائها ولا كذلك إن كانت عاملة أو معلوفة. وشرط في الزروع أن تبلغ حد قوتها واشتدادها وفي الثمار أن يبدو صلاحها ويستطاب أكلها.

стр. 108

والمقدار المفروض أداؤه زكاة لهذه الأموال منه مقرر ومنه نسبي. فالمقرر هو زكاة السوائم ففي خمس من الإبل شاة إلى تسع فإذا بلغت عشرا ففيها شاتان إلى أربع عشرة، فإذا بلغت خمس عشرة ففيها ثلاث شياه، إلى آخر الترتيب المنصوص عليه. وفي ثلاثين من البقر تبيع أتم ستة أشهر، فإذا بلغت أربعين ففيها مسنة أتمت سنة، إلى آخر المنصوص عليه. وفي أربعين شاه شاه غلى مائة وعشرين، فإذا بلغت مائة وإحدى وعشرين ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت عن مائتين ففيها ثلاث شياه، إلى آخر المنصوص عليه. والنسبي هو زكاة سائر الأموال المستحق فيها الزكاة ففي النصاب من الذهب والفضة ربع العشر، وفي النصاب من أوثق الزروع والثمار نصف العشر إذا احتمل المالك مئونة سقيها بأن سقيت بالآلات والعشر إذا لم يحتمل المالك مئونة سقيها بأن سقيت سيحا أو بالأمطار. ومن هنا يتبين أن الشارع راعى في الزكاة وشرائط استحقاقها ومقدار المستحق ما يتفق وقواعد الاقتصاد وما يوفق بين مصلحة المالك والمصالح العامة. ٢- الخراج: الأرض الزراعية من حيث الضريبة الواجبة فيها نوعان: أرض يجب فيها عشر ما يخرج منها أو نصف عشره وتسمى الأرض العشرية. وأرض

стр. 109

يجب فيها مقدار يعين عليها باعتبار مساحتها أو الخارج منها يسمى الخراج وتسمى الأرض الخراجية. ومرجع هذا التقسيم إلى صفة اليد الموضوعة على الأرض ابتداء وقت فرض ضريبتها، فإن كانت يدا إسلامية كانت الأرض عشرية وإن كانت غير إسلامية كانت الأرض خراجية. فكل أرض استأنف المسلم إحياءها من أرض الموات، أو أسلم أهلها عليها طوعا وكانوا أحق بها، أو غنمها المسلمون وقسموها بين الفاتحين فهي أرض عشرية يجبى منها عشر الخارج أو نصفه على ما فصلناه في الزكاة. وكل أرض ظهر عليها المسلمون عنوة وتركوها في يد أهليها، أو صولح أهلها عليها بخراج يؤدى عنها فهي أرض خراجية يجبى منها ما يعين عليها. وكل من الخراج والعشر ونصف العشر هو ضريبة الأرض الزراعية. ولكن منشأ هذا التفصيل أن الأرض الزراعية إذا كانت اليد عليها في مبدأ فرض ضريبتها يد مسلم يكون ذو اليد مخاطبا بقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ١. وهذا الحق المجمل بينته السنة في حديث "ما سقته السماء ففيه العشر وما سقي بغرب أو دالية ففيه نصف العشر".

стр. 110

فيكون المفروض عليه في أرضه الزراعية مقدارا نسبيا معينا بالنصوص ولا يتدخل في تقديره أحد ويكون من أنواع الزكاة ومصرفه مصارفها. أما إذا كانت اليد التي على الأرض في مبدأ فرض ضريبتها يد غير مسلم فلا يخاطب ذو اليد عليها بالآية الكريمة لأن غير المسلمين لا يخاطبون بفروع الشريعة فلا يفرض عليها ما قضت به النصوص. ولا يسوغ تركها بدون فرض ضريبة عليها ما قضت به النصوص. ولا يسوغ تركها بدون فرض ضريبة عليها؛ لأنه لا بد للأرض من مئونة يكون بها بقاؤها واستثمارها وصلاحها ولهذا جعل للإمام أن يفرض عليها خراجا حسبما يقدره فالخراج من الأرض الخراجية هو في مقابلة العشر من الأرض العشرية غير أنه للفارق الذي بيناه عد العشر أو نصفه من الزكاة وصرف في مصارفها وعد الخراج من الفيء وصرف في مصارفه، ولهذا لا يوضع الخراج ابتداء على أرض في يد مسلم ولا يوضع العشر أو نصفه ابتداء على أرض في يد غير مسلم. أما بعد حال الابتداء فقد تنتقل الأرض الخراجية إلى يد المسلم وتبقى خراجية، وتنتقل العشرية إلى يد غير المسلم وتبقى عشرية. وقد يضرب الخراج قدرا معينا على كل مساحة من الأرض كأن يضرب على كل فدان قدر معين وهذا يسمى خراج وظيفة. وقد يضرب حصة شائعة فيما يخرج من الأرض وهذا يسمى خراج مقاسمة، ولا حد لأقل ما يضرب ولا لأكثره. وأول إمام اجتهد في فرض الخراج عمر بن الخطاب ﵁ ضربه على أرض السواد لما حبسها أهلها على خراج يؤدونه بعد أن استشار كبار المهاجرين والأنصار وكان عمله سنة متبعة في كل أرض
следующие страницы →