← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 8679

اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر

فهد الرومي

Полный текст (1 278 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المجلد الأول مقدمة ... المقدمة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله جعل القرآن ربيع قلوبنا وبهجة نفوسنا ونور عقولنا وهادي علومنا ومدبر أمورنا ومرجع خلافنا وموئل شقاقنا وحكم ما بيننا ونظام دولتنا ومنهج أمتنا ومحار١ فكرنا وملجأ تائهنا وهادي ضالنا وشفاء لما في صدورنا. الحمد لله أنزل الفرقان وخلق الإنسان علمه البيان ومنحه عقلا يميز به بين الحق والضلال على هدي القرآن. الحمد لله أرسل إلينا أفضل رسله من صفوة خلقه ليبين لنا خير كتبه فأخرجنا من أحلك ظلمة إلى أوضح سبيل, ووضح لنا معالم دينه وبسط لنا شرعه فهدى إلى صراط مستقيم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم بلغ الرسالة وأدى الأمانة وجاهد في الله حق جهاده فكان خير قدوة ومنار الهدى. ورضي الله عن صحبه الكرام وأرضاهم, ذادوا عن حياض الإسلام وباعوا المهج والأرواح في سبيله, كانوا جنود الإسلام حقا وجذوره الأولى فكانوا خير القرون. وكيف لا يكونون خير القرون وفيهم رسوله وبينهم كتابه ... وهم هم ... ؟! إذا أشكل عليهم معنى أو غمض عليهم مرمى جاءوا إليه عليه الصلاة

стр. 2

والسلام فوضحه لهم وبينه وجلا غموضه فحيوا بالقرآن حياة طيبة وتحركوا، وأبصروا به السبيل وأدركوا, وتهذبوا به وتخلقوا وعملوا به وتأدبوا، وصلوا به وأخبتوا وبه حاربوا وسالموا وبه قاموا ونهضوا وإن شئت فقل: ترقوا وتمدنوا وبلغوا ما بلغوا, فكانوا بحق جيلا قرآنيا فريدا. وكيف لا يكونون كذلك وهم يستقون من نبع القرآن الصافي ومن معينه العذب ... وكيف لا يكونون كذلك وهم إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل إدراكا منهم أنهم إنما يتلقون أوامر الله لهم بالعمل فور سماعه ومن ثم لم يكن أحدهم ليستكثر منه في الجلسة الواحدة؛ لأنه كان يحس أنه إنما يستكثر من واجبات وتكاليف يجعلها على عاتقه١. ذلكم الإحساس كان يفتح لهم آفاق القرآن ويفتح لهم أبواب العلم والمعرفة ومع هذا فقد كانوا، ﵃، لا يجدون في بسيط الأرض على سعتها ومديد السماء على عرضها ملجأ إن هم قالوا في القرآن بغير علم, أو بما لا يعلمون. على هذا المنهج الصافي والمورد العذب والنبع النقي كانت سيرة خير القرون ... وقدوة المسلمين وعلى قدر صفائه ونقائه كان صفاء ونقاء قلوبهم وعلى قدر مضائه كان مضاء سيوفهم فحملوا الكلمة والسيف يحميها ووصلوا في سنوات معدودة ما حسبوه أقصى الأرض, ولو علموا أحدا خلف ما وصلوا لخاضوا البحر إليه أداء للأمانة, وعرفانا للحق. سار هذا المنهج يشق له طريقا في مسار التاريخ محافظا على صفائه ونقائه تماما كما يجري النهر العذب على سطح الأرض يسقيها, فينبت الزرع ويروي العطش ومتعة للناظرين. هذا المنهج كهذا النهر, شق له طريقا في أرض التاريخ ينبوعه القرآن

стр. 3

الكريم ومصبه رضوان رب العالمين, من سلكه نجا وفاز فوزا عظيما, ومن حاد عنه هلك وخسر خسرانا مبينا. وككل سبيل وكل طريق تحف به الدروب والطرق متقاطعة متخالفة كان هذا المنهج, فنشأت بجانبه مناهج أخرى وطرق شتى واتجاهات عدة, منها ما سلك هذا النهر، ومنها ما حاد عنه زاغ، ومنها ما وقف على شاطئه يلقي فيه بالأذى والحجارة يحسب نفسه تستطيع له سدا أو منعا. وما درى ذلك المسكين أنه يجني على نفسه، وأنه لن يبلغ شأوا ولن يقوم له أثر. وما زالت هذه المناهج تزداد وتتنوع وتتسع وتضيق وتتجدد وتدرس, منها ما هو في دائرة المقبول, ومنها ما هو في دائرة المرفوض, ومنها ما يتردد بين الدائرتين يضرب هنا وهناك. ولعل بزوغ شمس القرن الرابع عشر الهجري نفث في روح هذه المناهج الحياة من جديد -بعد أن فترت حينا من الدهر- بما جاء به من وسائل وأدوات حديثة تعين على الاطلاع, وتساعد على الانتشار. فأشرقت بشروقها شمس المناهج التفسيرية للقرآن الكريم بما فيها من حق, وبما فيها من باطل. وغربت شمسه منذ بضع سنين وغلقت أبوابه بما فيها من مناهج قديمة وجديدة, لكن المؤلفات فيه نفذت منه إلى القرن الجديد وما زالت بين أيدينا نتلوها ونقرؤها ونطبعها وننشرها. فكان حقا واجبا أن تقدم دراسة وافية للمناهج في هذا القرن يبين فيها الأصيل والدخيل والصحيح والسقيم والمقبول والمردود علَّنا نتدارك في قرننا الجديد مساوئ سابقة ونأخذ منه محاسنه فنكون بذلك قد خطونا خطوات جادة ونكون بذلك قد استفدنا ممن قبلنا ونفيد من بعدنا في تنقية التفسير ومناهجه مما أصابه من الشوائب عبر القرون الماضية منذ أن كان صافيا نقيا إلى يومنا هذا فنعود به كما كان, ويصلح آخر هذه الأمة بما صلح به أولها. وإذا كان الأمر كذلك فقد اخترت لنفسي أن أكتب هذه الدراسة

стр. 4

لاتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر الهجري وإن كنت أدرك من نفسي قصورها ومن الموضوع سعته, لكني أعلم أن كل نفس مكلفة بما تستطيع فما وجدت لي عذرا أن أتركه ولم أجد أحدا قد سده. فاخترت "اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر الهجري" عنوانا لموضوع رسالتي لنيل درجة الدكتوراه؛ لأسباب عديدة سبقت الإشارة إليها ومجملها خمسة أمور: أولها: أنا نعيش بعد القرن الرابع عشر الهجري مباشرة وما زالت الكتابة فيه بكرا, وما تزال الاتجاهات فيه واضحة المعالم بينة السبل, المستقيم منها والمنحرف. ثانيها: أن في الإمكان توجيه الأذهان إلى الحق منها لسلوكه والتحذير من المنحرف وتقويم المعوج وتعديله, فما تزال الجادة فيه رطبة وما زالت الأغصان منه لينة. ثالثها: ما اختص به هذا القرن من بين القرون السالفة كلها, من سهولة نشر المؤلفات وعرضها على الناس في وقت قصير مما كان له الأثر في كثرة المؤلفات وسرعة انتشارها بين الناس, فكانت دراسة هذه المناهج وعرضها أولى من غيرها نظرا للحاجة إلى ذلك. رابعها: ما جد في هذا القرن من مناهج في التفسير, بعضها له جذور في القرون الماضية وبعضها جديد كل الجدة مما يوجب درسه ونقده وبيان ما له وما عليه. خامسها: أن وسائل التفسير لم تكن فيه كما كانت من قبل بالكتابة والتدوين, بل جد فيها وسائل الإعلام الحديثة كالإذاعة والصحافة والرائي والندوات والمؤتمرات وغير ذلك, فكانت الحاجة ماسة لوضع المقاييس الصحيحة في أيدي الناس يزنون بها ما يسمعون, وينقدون بها ما يقرءون. والأسباب غير ذلك كثيرة لا أظن أحدا يجهلها، ولعل فيما ذكرت منها الكفاية.

стр. 5

ويلمس الحاجة الماسة إلى ذلك كل من جلس مجلسا ضم أشخاصا اختلفت درجات علمهم وتنوعت وطرح فيه للحديث موضوع التفسير وحدوده, سيدرك لأول وهلة أن منهم من تلتبس عليه السبل وتختلط عليه المناهج فلا يدرك إدراكا صحيحا أبعاد التفسير المقبول وحدوده, ولا معالم التفسير المردود, فقد يرد الصحيح ويقبل الخاطئ لا لشيء إلا لقصور في مقاييسه أو لأنه سمعه من فلان أو علان. وقد تلمس الحاجة الماسة عند من هم أعلى درجة من أولئك حين ترى كثيرا من طلبة العلم وأهله يسألون بين حين وآخر عن ذلك التفسير أو ذلكم المفسر: ما منهجه, وما طريقته؟ ويسألون عن الحق في تفسيره وسواه. وقد تجد هذا واضحا في رجوعهم الكثير للكتب التي تختص بدراسة التفسير والمفسرين. ذلكم -مثلا- كتاب "التفسير والمفسرون" للشيخ محمد حسين الذهبي، رحمه الله تعالى، درس فيه اتجاهات التفسير من العهد النبوي إلى العصر الحديث, ودراسته هذه وإن كانت دراسة سريعة عجلى إلا أنها قد سدت فراغا كبيرا في الدراسات القرآنية يظهر هذا في أنه قل أن تجد باحثا في هذا المجال إلا ويرجع إلى هذا الكتاب ويستفيد منه. وقد تلمس الحاجة لمسا سريعا حين يوجه إليك أحدهم -وكثيرا ما يحدث هذا- سؤالا يطلب منك فيه أن تدله على كتاب في التفسير يقرؤه, يسأل هذا ليس لعدم معرفته لتفسير للقرآن, ولكن لأنه يعرف كثيرا منها فاختلط عليه الحابل بالنابل وأصبح لا يفرق بين غثها وسمينها, فهو هنا بحاجة إلى من يميز له بين هذا وذاك فوجه إليك سؤاله. لست أريد هنا أن أقرر الحاجة إلى مثل هذا البحث, لكني أردت أن أبسط الواقع الذي يعيشه الناس في عصرنا هذا مع هذا الفيض من المؤلفات في التفسير

стр. 6

الدراسات السابقة: وقد عثرت على بعض المؤلفات التي لها صلة في موضوعي هذا, وإن كان بينها وبينه فارق إلا أني أحب أن أشير إليها سريعا, فمنها: ١- اتجاهات التفسير في مصر في العصر الحديث, للدكتور عفت محمد الشرقاوي، ومن عنوانه يظهر اقتصاره على بلد واحد من بلدان العالم الإسلامي وإن كانت هذه البلاد من أوفى البلاد الإسلامية وأكثرها علما إلا أن هناك اتجاهات ظهرت في مناطق أخرى ولا وجود لها في مصر, زد على هذا أنه بحث فيه ثلاثة اتجاهات هي: أ- الاتجاه الاجتماعي في التفسير الحديث. ب- الاتجاه الأدبي في التفسير الحديث. جـ- الاتجاه العلمي في التفسير الحديث. وليست هذه -كما سيظهر إن شاء الله في هذه الدراسة- هي كل اتجاهات التفسير في العصر الحديث. ولعل لهذا أثره في تغيير اسم الكتاب لما طبعه صاحبه مرة أخرى فسماه: "الفكر الديني في مواجهة العصر". ٢- اتجاهات التجديد في تفسير القرآن الكريم في مصر, للدكتور محمد إبراهيم شريف، ومع أن هذه الدراسة قيمة وجادة إلا أن تقييدها بكلمتي "التجديد" و"في مصر" قصر الدراسة عن الهدف الذي أريده, زد على هذا اختلاف منهج الدراسة وطريقتها اختلافا كليا. ولا يقلل هذا من شأن هذا الكتاب فله عندي مكانة رفيعة في موضوعه, ولكني أردت بيان الفاصل بين موضوع بحثه وموضوع بحثي. ٣- اتجاه التفسير في العصر الحديث منذ عهد الإمام محمد عبده إلى مشروع التفسير الوسيط للشيخ مصطفى محمد الحديدي الطير. وهو بحث ألقاه المؤلف في المؤتمر السادس لمجمع البحوث الإسلامية, والغرض الذي كتب له هذا البحث لا يوجب الاستيفاء والشمول فكان فيه إجمال لمناهج كثيرة أو عدم تعرض لها على الإطلاق.

стр. 7

٤- اتجاهات التفسير في العصر الراهن, للدكتور عبد المجيد عبد السلام المحتسب. وقد صدر هذا الكتاب بعد تسجيلي لرسالة الدكتوراه بفترة قصيرة وقد بادرت للحصول على نسخة منه وكنت أظنه كمسماه ولكنه لم يكن كذلك. فقد صدر الجزء الأول منه, وفيه اتجاهات ثلاثة: أ- اتجاه سلفي. ب- اتجاه عقلي. جـ- اتجاه علمي. ووعد بصدور الجزء الثاني وفيه مناهج أخرى ولم يصدر هذا الجزء حتى ساعتنا هذه -فيما أعلم- زد على هذا أن دراسته لهذه الاتجاهات الثلاثة بحاجة إلى إعادة النظر: فقد انخدع بعناوين بعض التفاسير, فهو يصنف مثلا تفسير "التفسير القرآني للقرآن" للأستاذ عبد الكريم الخطيب تحت الاتجاه السلفي لا لشيء إلا لعنوان التفسير ولست بهذا أغمط تفسير الخطيب, ولكني أراه ذا اتجاه آخر. أضف إلى هذا أنه يعنى بكتاب التفسير أكثر من عنايته بالمنهج الذي ينتمي إليه هذا التفسير, فهو أشبه ما يكون في جزئه الأول بدراسة لكتب في التفسير أكثر منه دراسة لاتجاهات التفسير, وبينهما فرق لا يخفى. أما ما عدا ذلك من الدراسات التي اطلعت عليها فهي دراسات غير منهجية أو دراسات خاصة بمنهج واحد من مناهج عديدة. لهذا, فقد عزمت بتوفيق الله سبحانه على الكتابة في موضوعي هذا "اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر الهجري". مخطط البحث: وبعد دراسة لهذا القرن الرابع عشر والمؤلفات التفسيرية فيه وبعد سؤال أهل الذكر ومشورتهم, قرَّ قراري على أن تكون خطة البحث في مقدمة وتمهيد وخمسة أبواب وخاتمة كالآتي:

стр. 8

- المقدمة. - التمهيد: تحدثت فيه عن نشأة التفسير في عصر الرسول ﷺ ثم المراحل التي مر بها عبر العصور الإسلامية, ثم تحدثت عن مناهج المفسرين السابقين وأهم المؤلفات في كل منهج, قصدت بهذا أن أضع قاعدة ترتكز عليها مناهج واتجاهات المفسرين في العصر الحديث؛ لنعرف من الجديد ما كانت جذوره ضاربة في القديم وراسخة وما كان منها جديدا يزيدها جمالا وبهاء وما كان نشازا منحرفا, ثم تحدثت عن فترة الركود في العالم الإسلامي, حتى عصر النهضة الإسلامية الحديثة ونهضة المؤلفات التفسيرية خاصة والمناهج التي قامت مع قيامها إجمالا. - الباب الأول: تحدثت فيه عن الاتجاه العقدي في التفسير, وعنيت فيه بالتفاسير الحديثة التي تعنى بإبراز جوانب العقيدة وبيان دقائقها والرد على الخصوم بحيث يظهر فيها طابع الاهتمام ببسط العقيدة التي يعتقدها صاحب التفسير وإن كان لا يهمل إهمالا تاما الجوانب الأخرى. وتطلب هذا مني أن أنظر في الفرق الإسلامية المعاصرة, الحق منها والباطل, وأن أنظر في النتاج العلمي لهذه الفرق عامة, وفي التفسير خاصة. أما الفرق فكثيرة وعديدة منها ما هو إسلامي حقا, ومنها ما شطح وانحرف, ومنها ما خرج عنه وابتعد، ولو كانت دراستي هنا دراسة ملل ونحل للزمني الحديث عن كل واحدة منها, وما دام الأمر غير ذلك فإني تحدثت عن الفرق التي لها نتاج في التفسير منشور, ومن هنا فإني تحدثت عن أربع فرق: أولاها أهل السنة والجماعة, وثانيتها الشيعة, وثالثتها الأباضية, ورابعتها الصوفية, وما عدا هذه الفرق فلم أتحدث عنه؛ إما لأنه اندثر وباد أو لأنه لا نتاج لهم في التفسير أو لأنهم خارجون عن الإسلام بالإجماع كالبهائية والقاديانية وغيرهم. وعلى هذا فقد جاء الباب الأول في أربعة فصول: الفصل الأول: منهج أهل السنة والجماعة في التفسير.

стр. 9

الفصل الثاني: منهج الشيعة في التفسير. الفصل الثالث: منهج الأباضية في التفسير. الفصل الرابع: منهج الصوفية في التفسير. ولا أكتمكم حديثا أني عانيت في هذا الباب والباب الأخير -كما سيأتي بيانه إن شاء الله- كثيرا في جمع المادة العلمية أولا ثم قراءتها ثانيا واستخراج مناهجها ثالثا ولا تخفى صعوبة العثور على مؤلفات أرباب الفرق المعاصرة خاصة إذا علمنا أن بعض هؤلاء لا يحرصون على نشر كتبهم ولا على اطلاع غيرهم عليها، بل ولا يسمحون أحيانا لأصحابهم بالاطلاع وقد حدثنا أصغر فيضي مثلا في مقدمته لتحقيق كتاب "دعائم الإسلام" وهو من كتب الإسماعيلية ما لاقاه من صعوبة في جمع المخطوطات حتى إن صاحب إحدى النسخ لم يسمح له بالاطلاع على نسخته إلا لمدة ساعة واحدة ولم يتركه ينفرد بها، بل أقام ابنه على رأسه حتى انتهت الساعة فأخذها منه هذا مع أصحاب مذهبهم, فكيف بالآخرين. وأضرب مثلا لمعاناتي ما حدث لي في الحصول على تفسير لأحد المذاهب المعاصرة مع أن أتباعه ينكرون التقية ويرفضونها ومع هذا فقد التقيت بأحد علمائهم وشرحت له مهمتي فرفض أن يعيرني أو يقدم لي شيئا من كتبهم واتصلت بالمكتب الثقافي الذي يقوم بطبع مؤلفاتهم ولم أجد أية مساعدة, واتصلت بسفارتهم هناك وكان الصدود المقصود. وعدت إلى الرياض هنا وكتبت إلى سفارة بلادهم وإلى وزارة التراث القومي عندهم وإلى مفتي بلادهم وفي كل حالة لا أجد إلا الصمت المطبق ثم ومن حيث لا أحتسب, هيأ الله لي الحصول على ما أردت. ولم ينته الأمر إلى هنا أو لم أشأ أن ينتهي إليه فأردت أن أصل معهم إلى أقصى خطوة فكتبت إلى أحد علمائهم البارزين والمختصين بنشر تراثهم أعرض عليه أن أرسل إليه صورة لما كتبته عن مذهبهم ليبدي رأيه فيما كتبت أو إن كنت

стр. 10

قد قلت عنهم حرفا ليس من بطون مؤلفاتهم أو إن كنت نسبت إليهم عقيدة أو قولا ليس في عقائدهم. ومع هذا فقد كان الجواب الصمت. كنت أظن الأمر غير مقصود أول مرة وثانيها وثالثها, أما بعد ذلك فقد حسبته غير ذلك, لا تسألونني عن السبب فما زلت أبحث عنه. عذرا لحكاية حادثة ما دعاني لذكرها هنا إلا أنها ليست حادثة شخصية بل هي حادثة علمية من حق أهل العلم علي أن أنشرها وأن يعلموا بها. أولئك نفر وذلك موضع واحد من المواضع التي جهدت في الحصول على بعض مؤلفاتهم حتى حصلت عليها, والحمد لله. أما من لم أحصل على كتبهم, فيرجع سبب ذلك إلى أحد أربعة أسباب: أولها: أن كتبهم سرية لا يطلع عليها أحد سواهم, كالفرق الباطنية. ثانيها: أن كتبهم مصادرة أو لم يؤذن لها بالنشر. ثالثها: أنهم لم يؤلفوا في التفسير أو لم يطبعوا ما تم تأليفه لأسباب خاصة كالزيدية مثلا. رابعها: قصوري الشخصي الذي لا يمكنني من الاطلاع على كل المؤلفات في التفسير. هذا ما أردت بيانه في المقدمة فيما يتعلق بالباب الأول ومعذرة إن كان فيه إطالة, فما قصدت إلا البيان. - الباب الثاني: وتحدثت فيه عن الاتجاهات العلمية في التفسير, وقسمته إلى ثلاثة فصول: الفصل الأول: تحدثت فيه عن المنهج الفقهي في التفسير, وتناولت كتب تفسير آيات الأحكام. وفي الفصل الثاني: تحدثت عن المنهج الأثري في التفسير, ونعني به كتب التفسير بالمأثور.

стр. 11

وإن كانت كتب التفسير عامة تكاد لا تخلو من تفسير آيات الأحكام كما أن بعضها يوجد فيه تفسير بالمأثور, لكني عنيت المؤلفات التي اقتصرت على تفسير آيات الأحكام ولم تتناول غيرها في الفصل الأول أو المؤلفات التي أبرزت التفسير بالمأثور وأولته مزيد اهتمام وتتبعته حتى أصبح طابعها العام في الفصل الثاني. أما الفصل الثالث: فتحدثت فيه عن المنهج العلمي التجريبي في التفسير وهو منهج وإن ضربت جذوره في عصور مبكرة في تاريخ الإسلام إلا أنه اتسع في العصر الحديث اتساعا كبيرا حتى كاد أن يصبح من سمات التفسير في هذا العصر أو كأنه ولد في هذا العصر وقد بينت أصوله التي يضرب بها في العصور السابقة ثم نهضته في العصر الحديث والحدود التي وصل إليها وما لهذا المنهج وما عليه, أو المقبول منه والمردود. - الباب الثالث: وتحدثت فيه عن الاتجاه العقلي الاجتماعي في التفسير، وإنما مزجت فيه بين صفتين "العقلية والاجتماعية" لأنه قد اشتهرت بهما في العصر الحديث مدرسة واحدة في التفسير هي مدرسة الأستاذ الإمام محمد عبده ولا يعني هذا أن لا يكون قد شاركها أحد في التفسير الاجتماعي الذي يعنى بإصلاح المجتمع وتشخيص عيوبه ثم علاجها على ضوء القرآن وإنما يعني أن هذه المدرسة قد أولت هذا الجانب من التفسير اهتماما خاصا وأنزلته منزلة كبيرة حتى اشتهرت به وعرفت، بل ولقبت به فصار بعضهم يسميها المدرسة العقلية وآخرون يسمونها المدرسة الاجتماعية؛ ولذا رأيت أن أمزج بين الصفتين في اتجاه واحد. - الباب الرابع: وتحدثت فيه عن الاتجاه الأدبي في التفسير, وفيه فصلان الفصل الأول: المنهج البياني في التفسير، وتحدثت فيه عن مدرسة أمين الخولي التي اهتمت بهذا اللون من التفسير حتى أصبح سمة لتفاسيرهم, وقام به من بعده تلاميذه حتى كان له أسسه وقواعده.

стр. 12

وفي الفصل الثاني: تحدثت عن منهج التذوق الأدبي للقرآن الكريم ومع ندرة المؤلفات في هذا المنهج, فإن ما أحدثه تفسير سيد قطب، رحمه الله تعالى، من أثر في العصر الحديث ومن تلقي الأمة له بالقبول والرضا يرسم خطوطا واضحة لمنهج في التفسير جديد حتى وإن لم يسلكه حتى الآن إلا مفسر واحد؛ لأن السالك هنا هو سيد قطب, وحسبك به. - الباب الخامس: "الاتجاه المنحرف في التفسير" وهذا المنهج وإن كانت ولادته بدأت منذ العصور الأولى في صدر الإسلام إلا أنه في العصر الحديث اتخذ أشكالا وألوانا أخرى؛ ولهذا فقد قسمت الحديث فيه إلى ثلاثة فصول: الفصل الأول: المنهج الإلحادي في التفسير وقصرت الحديث فيه على التفاسير المنحرفة لعلماء متخصصين توافرت فيهم أكثر شروط المفسر, ومع هذا جاء تفسيرهم منحرفا ملحدا وينبغي أن أنبه هنا إلى أمرين هامين جدا في هذا المنهج بالذات: أولهما: أنه يجب التفريق بين التفسير الملحد والمفسر الملحد, فقد يكون أحدهم ملحدا وتفسيره مقبولا؛ لأن الإلحاد جاء في غير هذا الموضع وقد يكون الأمر عكس هذا, فنعرض تفسيرا ملحدا وصاحبه غير ذلك؛ لأنه قال بهذا التفسير من غير أن يعلم ما يوقعه فيه أو ما يلزمه وحين نبه إلى خطئه وضلال تفسيره تاب وأناب, وبقي تفسيره ملحدا. قصدت من هذا أن أبين أن من الأعلام الذين ذكرتهم من استقام وقد يكون فيهم من رجع عن تفسيره وقد يكون منهم غير ذلك. ثانيهما: أني تحدثت أولا عن المنهج بعامة, فأجمع فيه الشوارد من هنا وهناك, وقد لا يكون لصاحب التفسير الذي أتيت به غير هذا التفسير, وبهذا فلا يكون من أصحاب المنهج ولا من ملتزميه. وأضرب لذلك مثلا حين أورد تفسيرا ملحدا لآية قرآنية أو لآيتين لأحمد

стр. 13

حسن الباقوري, فإن هذا لا يعني أن الباقوري صاحب منهج, ولا يعني أنه من ملتزميه بقدر ما يعني أن هذا التفسير لهذه الآية أو لهما تفسير ملحد يدخل في هذا المنهج من غير أن يدخل صاحبه معه في المنهجية والالتزام. ثم إني تحدثت ثانيا عن أمثلة خاصة للمنهج فذكرت تفاسير التزمت المنهج الإلحادي في التفسير التزاما حقيقيا ليس في آية أو آيات, بل في قدر من الآيات تظهر فيه أسس متكاملة للمنهج الإلحادي, حتى صار طابعها فأصبحت جزءا منه. هذان أمران أحببت التنبيه إليهما حتى لا يقول قائل: وضعت فلانا مع الملحدين وهو ليس كذلك أو يقول آخر: جعلت لفلان منهجا في التفسير وهو الذي لم يفسر من القرآن إلا آية أو آيتين, ولعل ما أردت بيانه قد بان. وفي الفصل الثاني: تحدثت عن منهج المقصرين في التفسير وأعني بهم طائفة لم يدركوا شروط المفسر ولم يمنعهم هذا من أن يقولوا في القرآن بغير علم، وإنما سميته بهذا الاسم؛ لأن أصحابه قصروا عن استيفاء شروط المفسر, فكانوا كالقاصر في التصرفات. وفي الفصل الثالث: تحدثت عن اللون اللامنهجي في التفسير وهم قوم ليسوا من هؤلاء ولا من أولئك حيث جاءوا بتفاسير لا تقوم على سند شرعي ولا على سند علمي آخر, بل جاءوا بها خبط عشواء فلا تناسق ولا تناسب فيما بينها, فهم لا يسيرون على منهج ولا يسلكون دربا واحدا، بل يذهبون يمنة ويعودون من حيث لا يشعرون يسرة, عافانا الله وإياكم من الزيغ والضلال. - الخاتمة: وفي الخاتمة تحدثت عما توصلت إليه من نتائج وبينت المنهج السليم في تفسير القرآن الكريم، وعن أسس المنهج الذي يطلبه أبناء العصر الحديث والذي يجب -فيما أرى- أن يوليه أصحاب العلم والمعرفة من ذوي الاختصاص عنايتهم, وأن يوجهوا إليه همتهم. وينبغي أن أشير إلى أمور أرى ضرورة التنبيه إليها هنا في المقدمة, منها: أني

стр. 14

جانبت -ما استطعت- الاستطراد في الأبحاث وكان بإمكاني ما دامت أرض البحث مترامية الأطراف أن أستطرد في أبحاثه وأتوسع إلا أني خشيت أن يكون الاستطراد على حساب المادة العلمية الأصيلة, ولذا فإني اقتصرت في أكثر الأبحاث والمناهج على تقديم موجز لتاريخها والدراسات السابقة لها إن كان لها سابق, ثم ذكر أصولها وقواعدها وذكر أهم المؤلفات فحسب ثم إثبات ذلك بذكر نصوص متفرقة من هذه المؤلفات جميعا حسب أسس المنهج ثم دراسة لتفسير واحد أو لتفسيرين أظهر بها توافر هذه الأسس مجتمعة في كل واحد منهما وبهذا أثبت أسس المنهج أولا ثم التزام بعض المؤلفات به ثانيا وأرى ما نقص عن هذا قصورا حاولت تجنبه وما زاد عليه إطنابا حاولت تلافيه, ولعلي وفقت في ذلك إن شاء الله. ومما يلزم التنبيه إليه أيضا أني قدمت الاتجاه العقائدي في التفسير وقدمت فيه منهج أهل السنة والجماعة فيه ليكون في أول الدراسة ميزانا يزن به القارئ ما يراه بعد من آراء, ونورا يتبين به معالم الطريق, ومعولا يهدم به صوامع الضلال والانحراف. ولهذا فإني لم أقف كثيرا عند الرد على بعض التفاسير الضالة إذ لو فعلت لجاء البحث بأضعاف حجمه, ولكان فيه من التكرار ما يبعث الملل ويفقد المنهجية فاكتفيت بتقديم بيان المنهج الحق في التفسير وحاولت جهدي أن أبين فيه الحكم الصحيح والتفسير الحق للمواضع التي تعد أصولا لمنهج آخر ليكون ردا متقدما على تفسير أو تفاسير خاطئة متأخرة. فأذكر مثلا موقف أهل السنة والجماعة من الصحابة ﵃ وأرضاهم- وبه يرد على ما يتلوه من مناهج يقلل أصحابها مكانة الصحابة -رضوان الله عليهم- أو من مكانة بعضهم. وأذكر مثلا موقف أهل السنة من عقيدة البداء والتقية والعصمة ونكاح المتعة وإن كانت هذه الأبحاث لا تعد من أصول عقائد أهل السنة أو من أسس منهجهم, كرد على من صرفوا آيات القرآن لتوافق ما جاءوا به. وأظن الأمر بعد هذا قد أصبح واضحا.

стр. 15

ومن الملاحظات التي أنبه إليها أني لا أنقل عقائد مذهب وأصوله إلا من مؤلفات أتباعه فلم أنقل عقائد الشيعة مثلا إلا من مؤلفاتهم ولا الأباضية إلا من كتبهم, وهذا أمر واجب في مثل هذه الأبحاث فألزمت به نفسي فالتزمته والحمد لله. ومنها أني قد أذكر تفسيرا في منهج وأذكره في منهج آخر لا يكون متعارضا مع المنهج الأول. فقد يكون مثلا تفسير "أضواء البيان" للشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله تعالى- مثالا لمنهج أهل السنة والجماعة في التفسير ولا يمنع هذا أن يكون مثالا للتفسير بالمأثور؛ لاشتماله على المنهجين وعدم التعارض بينهما. وحين أفعل ذلك فقد يكون الباعث له أحد أمرين: إما قلة التفاسير في منهج فأضطر إلى ذكر تفسير سبق التمثيل به لمنهج آخر، وإما لكون هذا التفسير التزم المنهجين التزاما بينا حتى ظهرا فيه ظهورا أوضح من غيره, فأذكره هنا وأذكره هناك. ومن ذلك أيضا أنه لم يكن من شأني بطبيعة الحال أن أتحدث عن المفسرين جميعا أو التفاسير كلها, فهذا عمل تقصر عنه طاقتي ويعجز عنه جهدي ويضيق عنه مجال البحث؛ لذلك ذكرت في كل منهج ما يثبت وجوده في فترة البحث ومجاله، ودرست أبرز التفاسير في ذلك وعنيت بالجانب التطبيقي لإثبات ما أقول, حتى لا يكون فيما أسوقه مظنة وقد سُبِقْتُ إلى هذه الطريقة١. ولذلك قد لا أذكر في كتابي هذا تفسيرا بعينه وإن كان كبيرا ما دمت أشرت إلى غيره مثالا لمنهجه. ولقد أثار التزام هذه الطريقة كما أثار على غيري ممن نهجوا هذا النهج صعوبات كثيرة, لعل أولها أني لا أكاد آنس إلى طريقة مفسر وأسلوبه حتى تنقلني طبيعة البحث إلى مفسر آخر له أسلوبه الخاص وطريقته الخاصة بل ومذهبه الخاص وعقائده الخاصة, وتلك صعوبة قد لا يعانيها إلا من يكابدها.

стр. 16

وألفت الانتباه أيضا إلى أني أذكر التاريخ حينا ولا أضع حرف الهاء علامة للهجري لأنه الأصل، وإذا ما ذكرت التاريخ الآخر فإني أذكر حرف الميم. وأخيرا أحب أن أوضح أمرا هاما كان حقه التقديم إلا أن المسائل زاحمته فزحمته مع أنه قد يثور مع أول كلمة يواجهها قارئ هذا البحث حين يقرأ عنوانه "اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر الهجري" ما المراد بالاتجاه؟ وما المراد بالمنهج؟ وما المراد بالطريقة؟ والحقيقة أن تلكم الكلمات الثلاث اصطلاحات حديثة لم أجد لها -فيما قرأت- ذكرا عند أصحاب الدراسات القرآنية الأوائل، وحتى أصحابها في العصر الحديث لا تكاد تجد اتفاقا على معنى واحد لكل منها؛ ولهذا ترى كثيرا منهم يعبر بهذه الكلمة مرة وبالأخرى مرة عن مدلول واحد وترى آخرين منهم يذكرون تعريفا لكل مصطلح منها ويذكر غيرهم غيره. وعلى كل حال ما دامت هذه المصطلحات لم يقر قرارها, فإن من حقي أن أذكر هنا ما أردت بكل واحد منها. وإذا كان الأمر كذلك فإن الاتجاه -عندي- هو الهدف الذي يتجه إليه المفسرون في تفاسيرهم ويجعلونه نصب أعينهم وهم يكتبون ما يكتبون, أما المنهج فهو السبيل التي تؤدي إلى هذا الهدف المرسوم، وأما الطريقة فهي الأسلوب الذي يطرقه المفسر عند سلوكه للمنهج المؤدي إلى الهدف أو الاتجاه. أضرب لذلك مثلا: جماعة يريدون السفر إلى مدينة واحدة، فانطلقوا واتجاههم تلكم المدينة لكنهم سلكوا مناهج مختلفة, منهم من سلك المنهج البري الأول ومنهم من سلك المنهج الثاني ومنهم من سافر جوا ومنهم من سافر بحرا وغير ذلك, وهذه كلها مناهج لاتجاه واحد. أما الطريقة فتظهر حيث إن أحد هؤلاء اتجه اتجاها مباشرا إلى الهدف وجعل آخرون سفرهم سياحة فلا يمرون في استراحة إلا واستراحوا فيها ولا يمرون بمدينة أو بقرية إلا ويتجولون فيها ولا يمرون بروضة أو حديقة إلا ويقضون سحابة يومهم فيها ولا يمرون بوادٍ

стр. 17

أو بجبل إلا ويملئون النظر من تأمله, يفعلون هذا وهم سائرون على المنهج لا يخرجون عنه بعيدا ولا يسلكون منهجا آخر بعيدا عن الهدف. ذلكم في رأيي هو مثل الطرق الخاصة للمفسرين وإن شئت تطبيقه على اتجاهات ومناهج وطرق المفسرين فإليك البيان: قد يكون الهدف "الاتجاه" هو مسائل العقيدة وتقريرها وبسط معالمها والذود عنها وما يتعلق بهذا, ويظهر هذا الهدف على مجموعة من التفاسير فيكون الاتجاه لهذه التفاسير "الاتجاه العقدي". ويسلك كل واحد من هؤلاء المفسرين سبيلا خاصا لتقرير العقيدة, فيسلك أحدهم أصول عقيدة أهل السنة والجماعة فيكون منهجه "منهج أهل السنة والجماعة" ويسلك آخر أصول عقيدة الشيعة فيكون منهجه "منهج الشيعة" ويسلك ثالث أصول عقيدة الأباضية فيكون منهجه "منهج الأباضية" وهكذا. وقد تختلف طرق هؤلاء في التفسير، بل قد تختلف طرق أصحاب المنهج الواحد, فيبدأ أحدهم بالنص أولا ثم بيان المفردات ثم المعنى الإجمالي للآيات ثم يستخرج أحكامها, ويختلف آخر فيذكر النص أولا ويمزج بين المفردات والمعنى الإجمالي ويتوسع في هذا المقام فيبسط الحديث عند كل قضية ويرد على الشبه أثناء ذلك, ويختلف ثالث فيذكر بعد النص بيان المفردات ويخلطها بشيء من المعنى الإجمالي ثم يعقد الأبحاث المطولة بعد ذلك للقضايا التي تناولتها الآيات, وقد يفسر الآيات مرتبة كما هي في المصحف وقد يختار سورا محددة وقد يختار موضوعا خاصا يجمع أطرافه من مختلف السور, وهذا كله هو ما نقصده بطريقة المفسر. ولعلي بهذا قد وضحت ما أردت من الاتجاه والمنهج والطريقة, وإن كنت قد خالفت فيه غيري فلا مشاحة في الاصطلاحات. وقد كتبت ما كتبت, فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان غير ذلك فمني وغفر الله لي. وجزى الله عني خير الجزاء أستاذي الدكتور مصطفى مسلم محمد المشرف

стр. 18

على هذه الرسالة, الذي وجدت فيه خير معين بعد الله, فقد كان -وفقه الله- دقيق الملاحظة حسن التوجيه ولا نزكي على الله أحدا، فجزاه الله عني خير الجزاء وأجزل له المثوبة. وجزى الله عني خير الجزاء كل من ساعد على إظهار هذه الدراسة بمساعدتي عند سفرهم لبعض البلدان بالبحث عن كتب معينة وإحضارها لي أو إعارتي إياها وإرشادي إليها وأخص بالشكر سمو الأمير فهد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الذي كان له فضل لا ينكر في ظهور هذه الدراسة, وفقه الله وسدد خطاه. كما لا يفوتني أن أدعو لوالديّ أن يجزيهما الله عني من الخير أجزله ومن الثواب أعظمه جزاء ما أولياني إياه من حسن رعاية من غير سابق فضل مني ومن غير كلل ولا ملل, فلهما مني الدعاء أن يحفظهما ويمتع بحياتهما ويجعل الجنة ثوابهما وسائر المسلمين. وختام شكري وخالصه من قبل ومن بعد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم على خير خلقه محمد وصحبه إلى يوم الدين. فهد بن عبد الرحمن الرومي الرياض يوم السبت ١٢/ ٥/ ١٤٠٥هـ

стр. 19

التمهيد: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ نشأة التفسير: قد أتى حين من الدهر على البشرية وهي تائهة ضالة على بسيط الأرض تعيش في بحار من الظلام وتسير في غمرة من الأوهام، ثم شاء الله أن يبعث فيهم رسولا منهم, يخرجهم من الظلمات إلى النور. فدبّ فيها دبيب الصحة والعافية في جسد أنهكه المرض، وإن شئت فقل: أشرق فيهم نوره كما تشرق الشمس بعد ليل بهيم، فإذا بالنور يضيء أرجاء الأرض لا يستطيع له عدو منعا ولا يستطيع له دفعا، وإذا به يغشى أبصار الذين كفروا وإذا به يحرق أبصار الذين ألفوا الظلمة واعتادوا الضلال حتى صار جزءا من حياتهم فكانوا له محاربين وكانوا له معاندين ومكذبين، ولم يكن هؤلاء ولا أمثالهم بالذي يزعزع من كيان هذا النور أو يؤثر في سيره في الكون. لم يكن ذلكم النور إلا دين الإسلام, وعماده وأساسه القرآن الكريم الذي تداعى المسلمون لقراءته وحفظه والعمل به فلم يكونوا ليتجاوزوا العشر الآيات حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل. والعمل لا يكون إلا بعد علم وبعد فهم وتدبر لمعاني القرآن الكريم, وهكذا كان القوم ﵃ والفهم والتدبر لا يكون إلا بعد الكشف عن مرامي القرآن الكريم وبيان معانيه وحل ألفاظه وجلاء دلالاته, وهذه المعاني هي ما يجمعها مصطلح التفسير.

стр. 20

والقوم كانوا خالصي العروبة والقرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين, فلا عجب أن يدركوا جل ذلك بهذه الخاصة إدراكا لا تعكره عجمة ولا يشوهه قبح ابتداع ولا يكدر صفوه عقيدة زائفة. وكان ﵊ يشرح لهم ما صعب عليهم فهمه بعد ذلك مما لا يعود فهمه إلى اللغة, ويجلي لهم ما عجزوا عن إدراكه امتثالا لأمر ربه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ١. وكان هذا الفهم المرتكز أساسا على مدلول اللغة وبيان الرسول ﷺ هو النواة الأولى للتفسير، وبهذا المنهج الصافي النقي كانت طريقة الصحابة ﵃ في فهم القرآن, وإن شئت أن ترى أثره فيهم فانظر إلى أثرهم في مجتمعهم بل وخارج مجتمعهم. كانوا في مجتمعهم مثالا شامخا للمجتمع الإسلامي الذي بعث من أجله محمد ﷺ حين جعلهم خير القرون, وجعلهم القدوة لمن سيأتي بعدهم من المسلمين. وكانوا خارج مجتمعهم جنودا للدعوة إلى الإسلام بالكلمة الصالحة وبالنفس والنفيس حتى ارتفعت راية الإسلام في شرق الأرض وغربها في بضع سنين, وحتى دانت لهم أرجاء المعمورة. كيف لا والقرآن الكريم احتوى جميع ما تحتاج إليه البشرية في أمور دينها ودنياها, ماضيها وحاضرها ومستقبلها, في عقائدها وفي أخلاقها, في عباداتها وفي معاملاتها, في اقتصادها وفي سياستها الداخلية والخارجية, في سلمها وفي حربها. كيف لا وتفسير القرآن الكريم هو الجسر الموصل لهذه المبادئ والمفتاح لهذه الكنوز. لذلك فلا عجب أن يحرص المسلمون في ذلك الوقت على تلقي علوم

стр. 21

التفسير وأن يحضروا ذلك في مجالس الصحابة -رضوان الله عليهم- للتلقي عنهم مباشرة, أو عن تلاميذهم من بعدهم. واتسعت رقعة البلاد الإسلامية أرضا فدخلت فيه بلدان أخرى, واتسعت رقعته لسانا فدخلت فيه أمم أعجمية شتى بمختلف الألسنة ومختلف المذاهب والعقائد, دخل فيه بعد المشركين الذين يعبدون الأوثان أمم مجوسية وأهل كتاب وملل ونحل أخرى, وكان لهذا أثره في مسار التفسير. فكدرته من بعد العجمة وخالطه قبح الابتداع وتحكمت فيه عقائد فاسدة زائفة جعلها بعض ذوي الملل والنحل أصلا يصرفون إليها التفسير, ويلوونه إليها ليا. فتعددت من ثم مشارب التفسير وتنوعت من بعد مناهجه وطرقة فجد فيه مصادر محدثة وطرق مبتدعة وأهواء منكرة، وبقيت طائفة على المنهج الصافي الذي لا تكدره الأهواء ولا تبلبل أفكاره زائف العقائد, تحكي مثال التزام المنهج الحق في تفسير القرآن. ولم يكن الفاصل بين تينكم المرحلتين وجيزا أو قصيرا, بل كان بينهما مراحل أخرى نحسبها مجتمعة هي مراحل التفسير التي مر بها من عهد الرسول ﷺ إلى عصرنا الحاضر. مراحل التفسير: المرحلة الأولى: عصر الصحابة، ﵃: وهو الذي سبقت الإشارة إليه، وقد كانوا أن غمض عليهم معنى أو دق عليهم مرمى رجعوا إليه ﵊ فجلاه لهم وبينه أحسن وأصدق بيان. وقد كان التفاوت بينهم بينا فيما يحتاج إلى اجتهاد شأن التفاوت في عقول سائر البشر فكان بعضهم يرجع إلى من قد يكون أكثر منه فهما لمعنى أو إدراكا لرمز، وقد يكون أعلم فيما أحاط بالآية عند نزولها من أحداث لها التأثير في فهم مدلولها.

стр. 22

ونضرب لذلك مثلا ما رواه البخاري عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- أنه قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال: لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟! فقال عمر: إنه من حيث علمتم, فدعاه ذات يوم فأدخله معهم فما رئيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم قال: ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ؟ فقال بعضهم: أمرنا نحمد الله ونستغفره, إذا نصرنا وفتح علينا وسكت بعضهم فلم يقل شيئا. فقال لي: أكذاك تقول يابن عباس؟ فقلت: لا. قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله ﷺ , أعلمه له قال: " ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ وذلك علامة أجلك ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ ". فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول١. هذا مثل واحد من أمثلة كثيرة على تفاوتهم ﵃ أجمعين- في إدراك معاني القرآن الكريم وإشاراته. ومع هذا فقد كان كثير منهم ﵃ يمتنع -متحرجا- عن تفسير القرآن الكريم خشية من أن لا يوافق الحق قوله, فهذا أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه- وهو مثال الورع والإيمان يقول: "أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في القرآن برأيي أو بما لا أعلم" وروي عن كثير من الصحابة نحو ذلك في التحرج من القول في التفسير من غير علم ولم يكن هذا التخوف ليمنعهم عن القول فيما لهم به علم. ولم يكن ذلك الجيل الفريد من المسلمين يتناول الإسرائيليات في تفسيره, فقد كان ﵊ حريصا على أن لا يستقوا من غير نبع الإسلام الصافي؛ ولذا فقد غضب ﵊ حين رأى في يد عمر ﵁ قطعة من التوراة. وبطبيعة حالهم الذي أوتوه من المعرفة بدقائق اللغة, فقد كانوا لا يحتاجون

стр. 23

إلى الوقوف عند كل آية يتناولونها بالتفسير حيث يعرفون معناها بالسليقة التي طبعوا عليها؛ ولذا لم يكن تفسيرهم شاملا للقرآن كله كما هو حال من جاء من بعدهم. ومن خصائص هذه المرحلة أيضا أنهم لا يتكلفون في التفسير ولا يتعمقون ذلك التعمق المذموم فاكتفوا من الآيات بمعناها العام ولم يلتزموا تفصيل ما لا فائدة كبيرة في تفصيله، فيكتفون مثلا بمعرفة أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ ١, أنه تعداد لنعم الله تعالى على عباده٢. ومن خصائصه قلة التدوين, فقد كانوا في غالبهم أميين ولم تتوافر لهم وسائل وأدوات الكتابة ثم بعد هذا كله فقد نهاهم ﵊ أن يكتبوا عنه شيئا غير القرآن خشية أن يلتبس عليهم كلامه بالآيات, ثم أذن لهم بالكتابة بعد أن أمن عليهم من اللبس. فكتب عبد الله بن عمرو بن العاص "الصحيفة الصادقة" كما سماها صاحبها حيث قال: "هذه الصادقة فيها ما سمعته من رسول الله ﷺ ليس بيني وبينه فيها أحد"٣. المرحلة الثانية: عهد التابعين: انتشر عدد من الصحابة في أرجاء العالم الإسلامي يحملون على كاهلهم عبء الأمانة ويؤدون الرسالة, فكانت لهم مدارس للتفسير في أنحاء البلاد. فأقامها عبد الله بن عباس ﵁ في مكة المكرمة وكان من تلاميذه أئمة في التفسير منهم: سعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة مولى ابن عباس وطاوس بن كيسان وعطاء بن أبي رباح.

стр. 24

وأقامها أبي بن كعب ﵁ في المدينة وكان من تلاميذه زيد بن أسلم وأبو العالية ومحمد بن كعب القرظي. وأقامها عبد الله بن مسعود ﵁ في العراق وكان من تلاميذه علقمة بن قيس ومسروق والأسود بن يزيد وعامر الشعبي والحسن البصري وقتادة بن دعامة السدوسي. ولم يكن هناك من فارق كبير يذكر بين منهج الصحابة ومنهج التابعين لكونهم إنما تلقوا التفسير عن الصحابة, وورثوا عنهم أيضا الورع عن القول في القرآن الكريم بغير علم, فهذا سعيد بن المسيب كان إذا سئل عن تفسير آية من القرآن سكت كأنه لم يسمع, وهذا الشعبي يقول: والله ما من آية إلا وقد سألت عنها ولكنها الرواية عن الله، وهذا -كما قلنا عن الصحابة ﵃ محمول على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم به, فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعا فلا حرج عليه١. وثمة فروق بين المنهجين هي ثمرة اتساع انتشار العلم ودخول أمم شتى ذات أفكار ومنازع متعددة كان لها أثر في التفسير. فاتسعت رواية الإسرائيليات لدخول كثير من أهل الكتاب في الإسلام وكان عندهم علم من الكتاب لاقى نفوسا متفتحة لسماع تفاصيل أخبار القرآن وقصصه فزجت طائفة منهم في التفسير بكثير من تلك الأخبار دون تحرٍّ لصحة أو تحقق لخبر. وكثرت الاختلافات والأقوال في تفسيرهم للآية الواحدة، بل للكلمة الواحدة، ومن جهة أخرى اتسع نطاق التفسير فشمل آيات لم يشملها في الفترة السابقة؛ وذلك لدخول أمم أعجمية وأشخاص لم يعارضوا نزول الآيات وأسبابها, فكانت حاجة هؤلاء وأولئك ماسة لأن يبين لهم ما لم يبين من قبل فاتسع بهذا مجال التفسير عمقا ومساحة.

стр. 25

وازداد التدوين للتفسير في هذه الفترة فقد كثر عدد الكتَّاب وتوفرت وسائل الكتابة, لكنه لم يكن مبوبا فكانت الأحاديث فيه غير مرتبة فحديث عن الزكاة يتلوه تفسير آية عن الخمر مثلا ثم يتلوه حديث عن البيع ونحو ذلك، ومما تم تدوينه في هذه المرحلة الصحيفة الصحيحة وهي التي أملاها أبو هريرة ﵁ على همام بن منبه, وهي موجودة في مسند الإمام أحمد بكاملها ونقل الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- منها عددا كثيرا. هذه بعض الفوارق بين منهج الصحابة ﵃ ومنهج التابعين. المرحلة الثالثة: عصر التدوين: ونقصد بهذه المرحلة تدوين الحديث النبوي مبوبا، وكون التفسير بابا من أبوابه حيث نشط في عهد الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، رحمه الله تعالى. وكان لهم عناية خاصة بالإسناد, ولم تكن التفسيرات كلها مرفوعة إلى النبي ﷺ ، بل ضم إليها تفاسير الصحابة ﵃ وتفاسير التابعين، رحمهم الله تعالى. ودخل في التفسير في تلك المرحلة الكثير من الإسرائيليات وزادت كثيرا عن المرحلة السابقة. واتسع التفسير بالرأي, فهذا مجاهد بن جبر يفسر قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ ١، بقوله: "مسخت قلوبهم ولم يمسخوا قردة, وإنما هو مثل ضربه الله لهم كمثل الحمار يحمل أسفارا". وقد رد عليه تفسيره هذا ابن جرير الطبري -رحمه الله تعالى- وعقب عليه بما أبطله٢, وهذا الحسن البصري -رحمه الله تعالى- يفسر القرآن على

стр. 26

إثبات القدر ردا على من ينكره، وهذا قتادة بن دعامة السدوسي كان يقول بشيء من القدر١. وهذا ولا شك كان نواة لظهور المذاهب الفكرية ونشأة التفسير بالرأي بعد ذلك. المرحلة الرابعة: مرحلة "التصنيف": ونعني بها كتابة التفسير بالمأثور مستقلا عن الحديث, شاملا لآيات القرآن, مرتبا حسب ترتيب المصحف, ومن المؤلفات في تلك المرحلة نسخة كبيرة جمعها أبو العالية, في التفسير عن أبي بن كعب٢ ﵁ وكتب عمرو بن عبيد شيخ المعتزلة تفسيرا للقرآن عن الحسن البصري٣ -رحمه الله تعالى- وكان عند زيد بن أسلم كتاب في التفسير٤. وألف إسماعيل بن عبد الرحمن السدي تفسيرا للقرآن٥, بل ومن أشهرها تفسير الطبري، رحمه الله تعالى. ومن خصائص تلك المرحلة: ١- أن ما دون فيها كان التفسير بالمأثور عن الرسول ﷺ وعن أصحابه وتابعيهم, وكان مشوبا بالرأي وتأييد بعض المذاهب. ٢- أنهم اعتنوا بالإسناد المتصل إلى صاحب التفسير المروي. ٣- لم تكن لهم عناية بالنقد وتحري الصحة في رواية الأحاديث في التفسير اكتفاء منهم بذكر السند، بل كان بعضهم يذكر كل ما روي في الآية من صحيح وسقيم ولم يتحر الصحة, بل لم يقصدها كابن جريج مثلا٦.

стр. 27

٤- اتسعت الرواية بالإسرائيليات في تلك الفترة، اتساعا كبيرا ودون كثير منها في التفسير. المرحلة الخامسة: وهي من أهم مراحل التفسير وأخطرها, وكأنما كان كل ما شاب التفسير في المراحل السابقة من كدر إنما هو تمهيد وتوطئة لتلك المرحلة. حيث وجدت فيها طائفة من أعداء الإسلام فرصة لبث أفكارهم وشبهاتهم ودس أكاذيبهم عبرها. وكان من خصائص تلك المرحلة أنهم اختصروا فيها الأسانيد ونقلوا الآثار المروية عن السلف دون أن ينسبوها لقائليها١؛ مما سهل لأعداء هذا الدين وممن يريد الكيد له أن يبث سمومه بهذه الطريقة فتلتبس على كثير من المسلمين. ومن خصائصها أن ازداد القول في التفسير بالرأي واتسع مجاله المذموم منه والمحمود، وتجرءوا على القول في القرآن من غير علم وحرص بعضهم على الإكثار من إيراد الأقوال في تفسير الآية الواحدة، فصار كل من يسنح له قول يورده ومن يخطر بباله شيء يعتمده, فيأتي من بعده فيظنه صحيحا أو أن له أصلا. أما عن الإسرائيليات وغزوها للتفسير في هذه المرحلة فحدث ولا حرج, فهو عصرها الذهبي واشتغلوا بها عن البحث الجاد الأسمى في أمور الدين. المرحلة السادسة: وهي نتيجة حتمية للمرحلة السابقة, حيث انفتح الباب على مصراعيه فدخل منه الغث والسمين, الصحيح والعليل, ولم يزل الباب مفتوحا إلى عصرنا هذا. فدخل في التفسير من هو ليس من أهله وتحول مسار التفسير إلى أن يعتني أرباب العلوم بما يوافق مذاهبهم وعلومهم, فكان كل من برع في علم من العلوم

стр. 28

غلب ذلك على تفسيره. فالفقيه يكاد يسرد فيه الفقه ولا شيء سواه وربما استطرد إلى إقامة أدلة الفروع والرد على المخالفين, كالقرطبي والجصاص والإخباري ليس له هم إلا سرد القصص واستيفاءها كالثعلبي والنحوي ليس له هم إلا الإعراب وتكثير الأوجه المحتملة فيه, كالزجاج والواحدي وأبي حيان وصاحب العلوم العقلية ملأ تفسيره بأقوال الحكماء والفلاسفة وشبههم والرد عليها كالفخر الرازي حتى قال فيه بعضهم: "فيه كل شيء إلا التفسير"١. ونشأ كثير من الفرق والمذاهب المنحرفة, وكلها يستدل بآيات من القرآن يدعم بها أصول مذهبه وإن لم توافقها انحرف بمعانيها انحرافا يلحد بها إليها. وظهر التعصب المذهبي بأسوأ أحواله فتشعبت الآراء والمذاهب الفلسفية وتعددت مسائل الكلام. ذلكم موجز المراحل التي مر بها التفسير في العصور السالفة مراحل بعضها لا يحتوي إلا على منهج واحد في التفسير وتعددت المناهج بتقدم المراحل فجاءت المرحلة الأخيرة شاملة لمناهج في التفسير عديدة. مناهج التفسير عند السابقين: يحدثنا التاريخ الإسلامي عن نكبات كبرى مر بها العالم الإسلامي من أعدائه المتربصين به, الذين أفرغوا جام غضبهم على تراث المسلمين كيف لا وهو نتاج فكرهم فأحرقوا ما أحرقوا وسرقوا ما سرقوا وألقوا في النهر ما ألقوا؛ ولذا فإنه ليس من السهل أن نجزم جزما بحصر اتجاهات التفسير عند السابقين, وإنما هو التحري المستطاع أو بعضه. وقد تعددت مناهج التفسير وتنوعت, فإن أردنا أن نعرض لذكرها هنا فإنما هو ذكر الإشارة وإلا تداخلت الأبحاث وتشعبت, والحق أن كل عصر من

стр. 29

العصور السالفة بحاجة لدراسة اتجاهات التفسير فيه, حتى تظهر لنا جلية سلسلة التفسير بمناهجه واتجاهاته وحتى يكتمل العقد. وبهذا الطريق -طريق الإشارة- نعرض سريعا لتعداد مناهج واتجاهات التفسير عند السابقين, وأمثلة للمؤلفات في كل منهج. الاتجاهات العقائدية: وهو من الاتجاهات التي تأثرت بمرور السنين, حيث اندثرت بعض المذاهب التي كان لها صولة وكان لها جولة فلم نعد نجد لها في العصر الحديث من أثر يذكر. وضعفت مذاهب أخرى واندثرت أكثر فرقها كفرقة الخوارج مثلا حتى لم يبق إلا فرقة واحدة هي فرقة الأباضية, وهي في صراع مع خصومها الذين يلصقونها بالخوارج, وهي تنكرهم وترفضهم. ولم يعد للفرق الباطنية من نشاط في التفسير كسابق عهدهم، بل اكتفى أتباعهم وغيرهم بنشر كتبهم القديمة. ولم تعد فرقة الزيدية ولا الصوفية تولي التفسير عناية كتلك العناية لسلفهم فلم يؤلفوا تلك المؤلفات العديدة والتفاسير المطولة. وفي جانب آخر نشأت المدرسة العقلية الحديثة متأثرة بعض التأثر بمدرسة الاعتزال، والمدرسة العقلية القديمة. وجدَّ في هذا الاتجاه مناهج إلحادية ليست هي بالباطنية الذين يقولون بتفسير القرآن بالباطن أو الذين يظهرون خلاف ما يبطنون، وليست بالتي تسلك التفسير الصحيح، بل تعلن التفسير الملحد وتعلن اعتقادها له, وتعلن أنه التفسير الصحيح للقرآن. المؤلفات في منهج أهل السنة: ونحمد الله أن تفاسير أهل السنة في الفترة السابقة كثيرة تحفظ للمسلمين النبع الصافي للعقيدة الإسلامية الصحيحة, وقد أجمل ابن تيمية -رحمه الله تعالى- الحديث عن تفاسير أهل السنة بقوله: "وأما "التفاسير" التي في أيدي

стр. 30

الناس فأصحها "تفسير محمد بن جرير الطبري" فإنه يذكر مقالات السلف بالأسانيد الثابتة وليس فيه بدعة ولا ينقل عن المتهمين كمقاتل بن بكير، والكلبي، والتفاسير غير المأثورة بالأسانيد كثيرة، كتفسير عبد الرزاق، وعبد بن حميد, ووكيع, وابن أبي قتيبة، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه"١. قلت: ومنها تفسيره هو -رحمه الله تعالى- الذي طبع عدة مرات مستقلا مرة وضمن مجموع التفاوى مرات أخرى. ومنها تفسير ابن كثير -رحمه الله تعالى- الذي طبع أيضا عدة طبعات واختصره بعض العلماء. هذه بعض التفاسير لأهل السنة والجماعة. المؤلفات في منهج المعتزلة: وقد ألف كثير من مفسريهم تفاسير للقرآن الكريم على أصول مذهبهم يعلنونها صريحة مرة ويخفونها حينا حتى لا تكاد تستخرج إلا بالمناقيش. ومن أشهر مؤلفاتهم تفسير عبد الرحمن بن كيسان الأصم٢، المتوفى سنة ٢٤٠، وتفسير أبي علي الجبائي٣ "ت ٣٠٣"، ومنها التفسير الكبير للقاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني٤، وتفسير علي بن عيسى الرماني٥, ولأبي القاسم عبد الله بن أحمد البلخي المعروف بالكعبي المعتزلي تفسير في اثني عشر مجلدا٦، ولأبي مسلم محمد بن بحر الأصفهاني "ت ٣٢٢" تفسير "جامع التأويل لمحكم

стр. 31

التنزيل"، ويقع في أربعة عشر مجلدا١, وعبد السلام بن محمد القزويني له تفسير في ثلاثمائة مجلد منها سبعة مجلدات في الفاتحة, كذا قال السيوطي٢. ومن أهم مؤلفاتهم المطبوعة والموجودة في العصر الحاضر تنزيه القرآن عن المطاعن للقاضي عبد الجبار, وهو في مجلد واحد فسر فيه الآيات المتشابهة. ومنها وهو أهمها: تفسير الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل, تأليف محمود بن عمر الزمخشري, ويقع تفسيره في أربعة مجلدات كبار وقد نال هذا التفسير اهتمام كثير من العلماء, فكتبوا التعليقات والحواشي وأخرجوا اعتزالياته وخرجوا أحاديثه. ومنها غرر الفوائد ودرر القلائد المعروف بـ "أمالي المرتضى" ومؤلفه علي بن الطاهر الملقب بـ "الشريف المرتضى" وهو كتفسير القاضي عبد الجبار لا يشمل تفسير القرآن كله، بل آيات تدور حول العقائد. المؤلفات في منهج الشيعة: وهم كما هو معلوم فرق شتى غالى بعضهم حتى خرج عن ربقة الإسلام كالإسماعيلية وغيرها من الباطنية واعتدل بعضهم حتى كاد أن يكون من أهل السنة والجماعة كالزيدية. وعلى ضوء هذا الميزان فإنا نشير لأهم مؤلفاتهم في هذه المواقع الثلاثة الباطنية، والزيدية, والمتوسطين بين هؤلاء وهؤلاء أعني الإمامية الاثني عشرية. مؤلفات الباطنية: نحمد الله أن هذه الطائفة لم تجمع تفسيرا كاملا للقرآن الكريم. وقد علل الشيخ محمد حسين الذهبي -رحمه الله تعالى- ذلك بقوله:

стр. 32

"إنهم لم يستطيعوا أن يتمشوا بعقائدهم مع القرآن آية آية, ولو أنهم حاولوا ذلك لاصطدموا بعقبات وصعاب لا يستطيعون تذليلها ولا يقدرون على التخلص منها"١. وقد بحثت كثيرا فلم أجد تفسيرا مستقلا كما ذكر الذهبي ﵀ ووجدت ابن النديم في كتابه الفهرست يعد من الإسماعيلية الحسين بن منصور الحلاج، الزنديق المتصوف والذي يتبرأ بعض الصوفية من نسبته إليهم٢, وقد عد ابن النديم والداودي في طبقات المفسرين من كتبه كتاب "تفسير ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ﴾ "٣. أما ما عدا ذلك, فمدسوس في ثنايا كتبهم. مؤلفات الإمامية الاثني عشرية: وهذه الطائفة تعد أكثر فرق الشيعة تأليفا في التفسير, ويشهد لذلك تلك المؤلفات الكثيرة عددا وحجما على أصول مذهبهم الشيعي, ومن هذه المؤلفات: تفسير الحسن العسكري "ت ٢٥٤" طبع في مجلد واحد وتفسير العياشي من علماء القرن الثالث الهجري وتفسير إبراهيم بن محمد بن هلال "ت ٣٨٣"، وتفسير علي بن إبراهيم القمي من القرن الثالث وأوائل الرابع وطبع في مجلد واحد كبير وتفسير أبي عبد الله محمد بن عمر الواقدي المسمى: الرغيب في علوم القرآن وتفسير أبي الفتوح الرازي الحسين توفي في القرن السادس وتفسير الصافي لمحمد بن مرتضى الشهير بملا محسن الكاشي وتفسير الأصفى للمؤلف السابق اختصره من الصافي وطبع في مجلد واحد والبرهان لهاشم البحراني "ت ١١٠٧" وطبع في مجلدين كبيرين ومرآة الأنوار ومشكاة الأسرار للمولى عبد اللطيف الكازراني وتفسير "المؤلف" لمحمد مرتضى الحسيني من علماء القرن الثاني عشر

стр. 33

وهو مخطوط في مجلد واحد صغير بدار الكتب المصرية. وتفسير المولى السيد عبد الله بن محمد رضا العلوي "ت ١٢٤٢" ويقع في مجلد كبير وتفسير التبيان لأبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي "ت ٤٦٠"، وتفسير مجمع البيان في تفسير القرآن لأبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي من علماء القرن السادس, وهو تفسير كبير يقع في عدة مجلدات وتفسير نور الثقلين لمؤلفه عبد علي بن جمعة العروسي الحويزي من علماء القرن الحادي عشر, ويقع في خمسة مجلدات كبار١. هذه أهم مؤلفات الاثني عشرية في التفسير. مؤلفات الزيدية: وهم أيضا من المقلين في التأليف في التفسير, وأشهر مؤلفاتهم فيه التفسير المشهور فتح القدير للعلامة محمد بن علي الشوكاني وهو في خمسة مجلدات كبار وجمع فيه -رحمه الله تعالى- بين الرواية والدراية, وهناك تفسير آخر هو شرح لآيات الأحكام واسمه: "الثمرات اليانعة والأحكام الواضحة القاطعة" لمؤلفه شمس الدين يوسف بن أحمد بن محمد الثلاثي, في ثلاثة أجزاء كبار. وقد نقب الشيخ محمد حسين الذهبي -رحمه الله تعالى- عن مؤلفاتهم فلم يعثر على غير ما ذكرنا, لكنه وجد ذكرا لمؤلفات أخرى لهم في التفسير لكنها غير موجودة الآن, وذكر منها: كتاب التفسير الكبير، وكتاب نوادر التفسير وكلاهما لمقاتل بن سليمان, والتفسير الكبير والتفسير الصغير وهما للمرادي, وتفسير غريب القرآن للإمام زيد بن علي جمعة بن يزيد وتفسير البستي وتفسير التهذيب لابن كرامة المعتزلي ثم الزيدي وتفسير عطية النجراني "ت ٦٦٥" والتيسير في التفسير للحسن النحوي "ت ٧٩١" وتفسير ابن الأقضم وشرح الخمسمائة آية "تفسير آيات الأحكام" لحسين بن أحمد النجري من علماء القرن الثامن ومنتهى المرام شرح

стр. 34

آيات الأحكام لمحمد بن الحسين بن القاسم من القرن الحادي عشر وتفسير القاضي عبد الرحمن بن مجاهد من علماء القرن الثالث عشر١. المؤلفات على منهج الخوارج: والخوارج -أيضا- من المقلين في التفسير في القديم والحديث, ولعل ما ذكره ابن النديم في الفهرست عن كتبهم بأنها "مستورة محفوظة"٢ يكشف قلة مؤلفاتهم وقلة انتشارها ولا أدري إن كان من أثره ما عانيته في الحصول على بعض مؤلفاتهم ومطبوعاتهم في العصر الحديث. وقد سأل الشيخ محمد حسين الذهبي -رحمه الله تعالى- أحد علمائهم المعاصرين وهو الشيخ إبراهيم أطفيش عن أهم مؤلفاتهم في التفسير فذكر له ستة مؤلفات, ثلاثة منها قديمة وهي: ١- تفسير عبد الرحمن بن رستم الفارسي من أهل القرن الثالث الهجري. ٢- تفسير هود بن محكم الهواري من أهل القرن الثالث الهجري, مخطوط في أربعة مجلدات. ٣- تفسير أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الورجلاني, من أهل القرن السادس الهجري٣. وقد بحثت كثيرا عن ذكر لهذه المؤلفات في كتب التفسير وطبقات المفسرين فلم أعثر لها على أثر إلا أني وجدت الزركلي ذكر أن لعبد الرحمن بن رستم تفسيرا ولم يذكر ليوسف بن إبراهيم الورجلاني شيئا في التفسير وكذا عمر كحالة في معجمه للمؤلفين، أما هود بن محكم فلم يترجما له إلا أن الأستاذ فؤاد سزكين ذكر له ترجمة وأشار إلى أن له تفسيرا للقرآن ووصل إلينا وتوجد منه نسخة مخطوطة في الجزائر٤.

стр. 35

وعلى هذا فلا يوجد شيء من مؤلفات الخوارج في التفسير إلا تفسير هود بن محكم الذي يقع في أربعة مجلدات وهو متداول بين الأباضية في بلاد المغرب, ويوجد عند الأستاذ إبراهيم أطفيش المذكور آنفا جزآن مخطوطان, هما الأول والرابع منه١. المؤلفات على منهج الصوفية: ومن المؤلفات الصوفية في التفسير, تفسير بشير لنجم داية٢ ومنها تفسير القرآن العظيم لسهل بن عبد الله التستري وهو مطبوع في مجلد صغير ومنها "حقائق التفسير" لأبي عبد الرحمن السلمي وهو في مجلد واحد كبير مخطوط، ومنها عرائس البيان في حقائق القرآن لأبي محمد الشيرازي وهو مطبوع في جزأين, ومنها التأويلات النجمية لنجم الدين داية وأتمه علاء الدولة السمناني وهو مخطوط في خمسة مجلدات كبار. وأهم هذه المؤلفات وأخطرها التفسير المسمى "تفسير القرآن الكريم" والمنسوب لأبي بكر محيي الدين محمد بن علي المعروف بابن عربي وإنما قلت: المنسوب؛ لأن هناك من يشكك في نسبته لابن عربي, وليس المقام هنا مقام تحقيق ذلك. هذه أهم المؤلفات في التفسير لأهم الفرق والمذاهب قديما, وكلها تحت الاتجاه العقدي في التفسير. الاتجاه العلمي في التفسير: وهو اتجاه يتسع فيشمل -فيما نرى- مناهج ثلاثة: ١- منهج التفسير بالمأثور. ٢- منهج التفسير الفقهي. ٣- منهج التفسير العلمي التجريبي.

стр. 36

وسنذكر هنا بعض المؤلفات لكل من: منهج التفسير بالمأثور: ولا شك أن أهم المؤلفات في هذا اللون في التفسير هو جامع البيان عن تأويل آي القرآن والمعروف بتفسير الطبري وقد طبع عدة مرات آخرها بتحقيق وتعليق الشيخ محمود محمد شاكر وخرَّج أحاديثه الشيخ أحمد محمد شاكر -رحمه الله تعالى- وصدر منه ستة عشر مجلدا حتى الآن وتوقف عند الآية ٢٨ من سورة إبراهيم, أما الطبعة التي لم تحقق فكاملة. ومن المؤلفات في ذلك: الدر المنثور في التفسير بالمأثور لجلال الدين السيوطي, وهو مطبوع في ستة مجلدات كبيرة. ومنها تفسير القرآن العظيم لابن كثير الدمشقي في أربعة مجلدات, وطبع عدة مرات وحظي هذا التفسير باهتمام العلماء به فخرجوا أحاديثه وعلقوا عليه، واختصروه. منهج التفسير الفقهي: وهي مؤلفات كثيرة جدا. ففي الفقه الحنفي ألف أبو بكر الرازي المعروف بالجصاص تفسيره: أحكام القرآن, وطبع عدة مرات في ثلاثة مجلدات. وفي الفقه المالكي ألف أبو بكر بن العربي كتابه: أحكام القرآن, المطبوع في أربعة مجلدات، وألف أبو عبد الله القرطبي تفسيره: الجامع لأحكام القرآن المطبوع في عشرة مجلدات كبار. وفي الفقه الشافعي ألف أبو الحسن الطبري المعروف بـ "إلكيا الهراسي" كتابه: أحكام القرآن, وألف السيوطي كتابه: الإكليل في استنباط التنزيل, وطبع في مجلد كبير. وفي الفقه الحنبلي تفسير الخرقي لأبي القاسم عمر بن أبي على الحسين

стр. 37

الخرقي١, وأحكام القرآن لأبي يعلى محمد بن الحسين بن الفراء٢. وفي الفقه الزيدي ألف مقاتل بن سليمان كتاب "تفسير الخمسمائة آية"٣ وكذا ألف حسين بن أحمد النجري "شرح الخمسمائة آية" وألف محمد بن الحسين بن القاسم من علماء القرن الحادي عشر كتاب "منتهى المرام شرح آيات الأحكام"٤. وفي الفقه الجعفري ألف مقدار السيوري "كنز العرفان في فقه القرآن"٤. منهج التفسير العلمي التجريبي: وأشهر المؤلفات فيه التي أصبحت عَلَما في هذا تفسير "مفاتيح الغيب في تفسير القرآن" أو التفسير الكبير لأبي عبد الله محمد بن عمر المعروف بالفخر الرازي وقد أطنب فيه مؤلفه في أبحاث عديدة واستطرد إلى العلوم الرياضية والطبيعية والعلوم الفلكية وغير ذلك, حتى قيل عنه في كل شيء إلا التفسير. وبعد, فتلكم هي أبرز الاتجاهات والمناهج في تفسير القرآن الكريم عند العلماء السابقين لم نقصد استيفاء لها ولا استقصاء وإنما رسم هيكل عام من زواياه ننظر إلى اتجاهات التفسير في العصر الحديث ومناهجه, فنعرف ما جد منها وما اندثر وما بقي على المناهج السابقة. وقد جدت في العالم الإسلامي بعد ذلك أحداث, ووقعت الوقائع فأصبح المسلمون بعد أن كانوا يجوبون الآفاق بجيوشهم لنشر الإسلام يغزون في عقر دارهم, وبعد أن كانت الأرض الإسلامية في حالة تمدد أضحت في حالة تقلص وانكماش.

стр. 38

بدأت الحروب الصليبية الواحدة بعد الأخرى وكان العالم الإسلامي في حالة ضعف وتفكك, فكان لهذه الحروب أثرها حيث نقلت الحضارة الإسلامية إلى بلاد الإفرنج متمثلة بالكتب والمؤلفات في شتى العلوم والمعارف, وحتى تدرك أبعاد هذا الأثر يكفي أن تعلم أن نقل هذه العلوم بث الحياة العلمية وأوقد نارها, فكثر طلابها وكثرت النظريات والاكتشافات العلمية ووقع الصدام بين العلم والكنيسة, ولم يزل إلى أن قامت الثورة على الكنيسة بعد ذلك. أما أثر هذه الحروب داخل العالم الإسلامي, فقد أشغلته عن العلم وطلبه؛ لأن الحرب في أرضه وفي دياره خلاف الإفرنج الذين كانت ديارهم بعيدة عن أتون الحرب وسعارها. أضف إلى ذلك إن شئت الحروب التي عاناها العالم الإسلامي بعد ذلك من هجمات المغول وسقوط الدولة العباسية والمذابح التي ارتكبت والمجازر التي انتشرت, زد على هذا القضاء على الفكر بإحراق الكتب وإغراقها في نهر دجلة, حتى صارت جسرا يعبر عليه المعتدون. هذه ولا شك أمور لها أثرها في إنهاك الشعوب الإسلامية والشعوب كالأفراد يصيبها ما يصيبهم, والفرد إذا أنهكت قواه ركن إلى الاستسلام وطلب الراحة, وقد يستغرق في نوم عميق. وقد كانت هذه حال العالم الإسلامي. وكما يدخل اللصوص الدار إذا نام صاحبها, دخل المستعمرون العالم الإسلامي وهو يغط في نومته هذه، فسلبوا خيرات البلاد الإسلامية وسخروا أهلها وهم نيام لتحقيق مآربهم وأهدافهم, وبثوا أفكارهم وسمومهم حتى ألفت طائفة النوم وأزعجها الضجيج فوضعت في آذانها العجين وباتت في نوم كالموت، بل هو أشد. وأبت طائفة النوم ولم يقر لها قرار ولم يطب لها مضجع ولم يغمض النوم لها جفنا, فأخذت على عاتقها عبء هذه الرسالة والقيام بهذه الأمانة, فلم يزالوا في كفاح وجهاد, ولم يزالوا يصرخون في النائمين حتى استيقظ الجميع أو أكثرهم. وكانت النهضة الإسلامية الحديثة متمثلة في مظاهر شتى في مختلف أرجاء

стр. 39

بلاد المسلمين فبدأت شعائر الإسلام -والحمد لله- ترفع وانتشر الدعاة في أرجاء الأرض وفتحت المدارس والجامعات وانتشر التعليم وعدلت المناهج والمقررات المدرسية, وانجلى الحق وسيزهق الباطل بإذن الله عما قريب. وصاحب هذا كله عودة إلى مصادر الإسلام, يدرسونها ويتذاكرونها فصدرت المؤلفات العديدة الكثيرة في مختلف جوانب الثقافة الإسلامية, وكان نصيب الدراسات القرآنية منها عامة والتفسير خاصة كبيرا. وكغيره من العلوم لم يكن التفسير صورة مطابقة كل التطابق لسابق عهده في مناهجه وطرقه في مؤلفيه واتجاهاتهم, وإنما كان هناك وجوه تشابه ووجوه اختلاف. وليس من المناسب أن أعرض لهذين النوعين قبل أن نعرف مناهج التفسير واتجاهاته في القرن الرابع عشر, وهما ولا شك صلب الدراسة وأسّها, فلنرجئ هذا الحديث إلى الخاتمة إن شاء الله. وإنما المناسب أن نجمل إجمالا مناهج التفسير واتجاهاته في القرن الرابع عشر: وهي متعددة, منها الجديد ومنها القديم كما أشرت آنفا, وقد جمعت منها حسب قدرتي المحدودة. ١- الاتجاه العقدي في التفسير: وتحته مناهج: ١- منهج أهل السنة والجماعة. ٢- منهج الشيعة, ويشمل: أ- المذهب الإمامي الاثنا عشري. ب- المذهب الزيدي. ج- مذهب الإمامية السبعية أو "الإسماعيلية". ٣- منهج الأباضية. ٤-منهج الصوفية.

стр. 40

٢- الاتجاه العلمي في التفسير: وتحته أيضا مناهج: ١- منهج التفسير بالمأثور. ٢- منهج التفسير الفقهي "تفسير آيات الأحكام". ٣- منهج التفسير العلمي التجريبي. ولعلي ألمح سؤالا يوحي باعتراض على هذا التقسيم أحب أن أجيب عليه ما دام رطبا، يقول السؤال فيما أحسبه: لم فصلت الاتجاه العقدي عن الاتجاه العلمي ولم تجعل الأول منهجا من مناهج الاتجاه الثاني؟ أقول لهذا المعترض: لقد رأيت في الاتجاه الأول "العقدي" ما يوجب فصله عن الاتجاه الثاني واستقلاله باتجاه خاص, ذلكم أن العقيدة أصل تنبثق منها العلوم الأخرى وليست فرعا صغيرا منه. وبعبارة أوضح: إن التفسير السني وهو منهج من مناهج الاتجاه العقدي قد تكون وسيلته التفسير بالمأثور وقد يصطبغ بالمنهج العلمي التجريبي وقد يكون فقهيا وهو باقٍ متربع في منهج أهل السنة والجماعة, لكنه لا يكون بحال من الأحوال متأثرا بالمذهب الشيعي أو الأباضي, فبينهما فاصل كبير. وكذا المذهب الشيعي وهو فرع من فروع الاتجاه الأول "العقدي" قد يكون بالمأثور عن أئمتهم, وقد يكون فقهيا وقد يكون مصطبغا بالصبغة العلمية التجريبية, لكنه لا يكون سنيا ولهذا فإني رأيت فصل الاتجاه العقدي بمناهجه عن الاتجاه العلمي بمناهجه. ٣- الاتجاه العقلي الاجتماعي: وإنما أفردته كذلك؛ لأن أصحابه لم يتأثروا كل التأثر بالمدرسة العقلية القديمة "المعتزلة" وإلا لاعتبرتها امتدادا لمدرسة الاعتزال وأدخلتها ضمن الاتجاه الأول "العقدي" لكن الفاصل بينهم يبدو كبيراحيث لم يلتزموا أصولهم الخمسة التي لا يصح الاعتزال بدونها كما يعترف بذلك أئمة المعتزلة، وإنما كان نصيبهم التأثر بتحكيم العقل تأثرا بينا، بقي أن أقول: إني لم أدخلهم أيضا في الاتجاه
следующие страницы →