← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 8679

اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر

فهد الرومي

Полный текст (1 278 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وسنذكر هنا بعض المؤلفات لكل من: منهج التفسير بالمأثور: ولا شك أن أهم المؤلفات في هذا اللون في التفسير هو جامع البيان عن تأويل آي القرآن والمعروف بتفسير الطبري وقد طبع عدة مرات آخرها بتحقيق وتعليق الشيخ محمود محمد شاكر وخرَّج أحاديثه الشيخ أحمد محمد شاكر -رحمه الله تعالى- وصدر منه ستة عشر مجلدا حتى الآن وتوقف عند الآية ٢٨ من سورة إبراهيم, أما الطبعة التي لم تحقق فكاملة. ومن المؤلفات في ذلك: الدر المنثور في التفسير بالمأثور لجلال الدين السيوطي, وهو مطبوع في ستة مجلدات كبيرة. ومنها تفسير القرآن العظيم لابن كثير الدمشقي في أربعة مجلدات, وطبع عدة مرات وحظي هذا التفسير باهتمام العلماء به فخرجوا أحاديثه وعلقوا عليه، واختصروه. منهج التفسير الفقهي: وهي مؤلفات كثيرة جدا. ففي الفقه الحنفي ألف أبو بكر الرازي المعروف بالجصاص تفسيره: أحكام القرآن, وطبع عدة مرات في ثلاثة مجلدات. وفي الفقه المالكي ألف أبو بكر بن العربي كتابه: أحكام القرآن, المطبوع في أربعة مجلدات، وألف أبو عبد الله القرطبي تفسيره: الجامع لأحكام القرآن المطبوع في عشرة مجلدات كبار. وفي الفقه الشافعي ألف أبو الحسن الطبري المعروف بـ "إلكيا الهراسي" كتابه: أحكام القرآن, وألف السيوطي كتابه: الإكليل في استنباط التنزيل, وطبع في مجلد كبير. وفي الفقه الحنبلي تفسير الخرقي لأبي القاسم عمر بن أبي على الحسين

стр. 37

الخرقي١, وأحكام القرآن لأبي يعلى محمد بن الحسين بن الفراء٢. وفي الفقه الزيدي ألف مقاتل بن سليمان كتاب "تفسير الخمسمائة آية"٣ وكذا ألف حسين بن أحمد النجري "شرح الخمسمائة آية" وألف محمد بن الحسين بن القاسم من علماء القرن الحادي عشر كتاب "منتهى المرام شرح آيات الأحكام"٤. وفي الفقه الجعفري ألف مقدار السيوري "كنز العرفان في فقه القرآن"٤. منهج التفسير العلمي التجريبي: وأشهر المؤلفات فيه التي أصبحت عَلَما في هذا تفسير "مفاتيح الغيب في تفسير القرآن" أو التفسير الكبير لأبي عبد الله محمد بن عمر المعروف بالفخر الرازي وقد أطنب فيه مؤلفه في أبحاث عديدة واستطرد إلى العلوم الرياضية والطبيعية والعلوم الفلكية وغير ذلك, حتى قيل عنه في كل شيء إلا التفسير. وبعد, فتلكم هي أبرز الاتجاهات والمناهج في تفسير القرآن الكريم عند العلماء السابقين لم نقصد استيفاء لها ولا استقصاء وإنما رسم هيكل عام من زواياه ننظر إلى اتجاهات التفسير في العصر الحديث ومناهجه, فنعرف ما جد منها وما اندثر وما بقي على المناهج السابقة. وقد جدت في العالم الإسلامي بعد ذلك أحداث, ووقعت الوقائع فأصبح المسلمون بعد أن كانوا يجوبون الآفاق بجيوشهم لنشر الإسلام يغزون في عقر دارهم, وبعد أن كانت الأرض الإسلامية في حالة تمدد أضحت في حالة تقلص وانكماش.

стр. 38

بدأت الحروب الصليبية الواحدة بعد الأخرى وكان العالم الإسلامي في حالة ضعف وتفكك, فكان لهذه الحروب أثرها حيث نقلت الحضارة الإسلامية إلى بلاد الإفرنج متمثلة بالكتب والمؤلفات في شتى العلوم والمعارف, وحتى تدرك أبعاد هذا الأثر يكفي أن تعلم أن نقل هذه العلوم بث الحياة العلمية وأوقد نارها, فكثر طلابها وكثرت النظريات والاكتشافات العلمية ووقع الصدام بين العلم والكنيسة, ولم يزل إلى أن قامت الثورة على الكنيسة بعد ذلك. أما أثر هذه الحروب داخل العالم الإسلامي, فقد أشغلته عن العلم وطلبه؛ لأن الحرب في أرضه وفي دياره خلاف الإفرنج الذين كانت ديارهم بعيدة عن أتون الحرب وسعارها. أضف إلى ذلك إن شئت الحروب التي عاناها العالم الإسلامي بعد ذلك من هجمات المغول وسقوط الدولة العباسية والمذابح التي ارتكبت والمجازر التي انتشرت, زد على هذا القضاء على الفكر بإحراق الكتب وإغراقها في نهر دجلة, حتى صارت جسرا يعبر عليه المعتدون. هذه ولا شك أمور لها أثرها في إنهاك الشعوب الإسلامية والشعوب كالأفراد يصيبها ما يصيبهم, والفرد إذا أنهكت قواه ركن إلى الاستسلام وطلب الراحة, وقد يستغرق في نوم عميق. وقد كانت هذه حال العالم الإسلامي. وكما يدخل اللصوص الدار إذا نام صاحبها, دخل المستعمرون العالم الإسلامي وهو يغط في نومته هذه، فسلبوا خيرات البلاد الإسلامية وسخروا أهلها وهم نيام لتحقيق مآربهم وأهدافهم, وبثوا أفكارهم وسمومهم حتى ألفت طائفة النوم وأزعجها الضجيج فوضعت في آذانها العجين وباتت في نوم كالموت، بل هو أشد. وأبت طائفة النوم ولم يقر لها قرار ولم يطب لها مضجع ولم يغمض النوم لها جفنا, فأخذت على عاتقها عبء هذه الرسالة والقيام بهذه الأمانة, فلم يزالوا في كفاح وجهاد, ولم يزالوا يصرخون في النائمين حتى استيقظ الجميع أو أكثرهم. وكانت النهضة الإسلامية الحديثة متمثلة في مظاهر شتى في مختلف أرجاء

стр. 39

بلاد المسلمين فبدأت شعائر الإسلام -والحمد لله- ترفع وانتشر الدعاة في أرجاء الأرض وفتحت المدارس والجامعات وانتشر التعليم وعدلت المناهج والمقررات المدرسية, وانجلى الحق وسيزهق الباطل بإذن الله عما قريب. وصاحب هذا كله عودة إلى مصادر الإسلام, يدرسونها ويتذاكرونها فصدرت المؤلفات العديدة الكثيرة في مختلف جوانب الثقافة الإسلامية, وكان نصيب الدراسات القرآنية منها عامة والتفسير خاصة كبيرا. وكغيره من العلوم لم يكن التفسير صورة مطابقة كل التطابق لسابق عهده في مناهجه وطرقه في مؤلفيه واتجاهاتهم, وإنما كان هناك وجوه تشابه ووجوه اختلاف. وليس من المناسب أن أعرض لهذين النوعين قبل أن نعرف مناهج التفسير واتجاهاته في القرن الرابع عشر, وهما ولا شك صلب الدراسة وأسّها, فلنرجئ هذا الحديث إلى الخاتمة إن شاء الله. وإنما المناسب أن نجمل إجمالا مناهج التفسير واتجاهاته في القرن الرابع عشر: وهي متعددة, منها الجديد ومنها القديم كما أشرت آنفا, وقد جمعت منها حسب قدرتي المحدودة. ١- الاتجاه العقدي في التفسير: وتحته مناهج: ١- منهج أهل السنة والجماعة. ٢- منهج الشيعة, ويشمل: أ- المذهب الإمامي الاثنا عشري. ب- المذهب الزيدي. ج- مذهب الإمامية السبعية أو "الإسماعيلية". ٣- منهج الأباضية. ٤-منهج الصوفية.

стр. 40

٢- الاتجاه العلمي في التفسير: وتحته أيضا مناهج: ١- منهج التفسير بالمأثور. ٢- منهج التفسير الفقهي "تفسير آيات الأحكام". ٣- منهج التفسير العلمي التجريبي. ولعلي ألمح سؤالا يوحي باعتراض على هذا التقسيم أحب أن أجيب عليه ما دام رطبا، يقول السؤال فيما أحسبه: لم فصلت الاتجاه العقدي عن الاتجاه العلمي ولم تجعل الأول منهجا من مناهج الاتجاه الثاني؟ أقول لهذا المعترض: لقد رأيت في الاتجاه الأول "العقدي" ما يوجب فصله عن الاتجاه الثاني واستقلاله باتجاه خاص, ذلكم أن العقيدة أصل تنبثق منها العلوم الأخرى وليست فرعا صغيرا منه. وبعبارة أوضح: إن التفسير السني وهو منهج من مناهج الاتجاه العقدي قد تكون وسيلته التفسير بالمأثور وقد يصطبغ بالمنهج العلمي التجريبي وقد يكون فقهيا وهو باقٍ متربع في منهج أهل السنة والجماعة, لكنه لا يكون بحال من الأحوال متأثرا بالمذهب الشيعي أو الأباضي, فبينهما فاصل كبير. وكذا المذهب الشيعي وهو فرع من فروع الاتجاه الأول "العقدي" قد يكون بالمأثور عن أئمتهم, وقد يكون فقهيا وقد يكون مصطبغا بالصبغة العلمية التجريبية, لكنه لا يكون سنيا ولهذا فإني رأيت فصل الاتجاه العقدي بمناهجه عن الاتجاه العلمي بمناهجه. ٣- الاتجاه العقلي الاجتماعي: وإنما أفردته كذلك؛ لأن أصحابه لم يتأثروا كل التأثر بالمدرسة العقلية القديمة "المعتزلة" وإلا لاعتبرتها امتدادا لمدرسة الاعتزال وأدخلتها ضمن الاتجاه الأول "العقدي" لكن الفاصل بينهم يبدو كبيراحيث لم يلتزموا أصولهم الخمسة التي لا يصح الاعتزال بدونها كما يعترف بذلك أئمة المعتزلة، وإنما كان نصيبهم التأثر بتحكيم العقل تأثرا بينا، بقي أن أقول: إني لم أدخلهم أيضا في الاتجاه

стр. 41

الأول "العقدي" كفرقة مستقلة؛ لأنهم لم يأتوا بما يجعلهم ذوي عقيدة مستقلة تنفصل انفصالا كاملا عن أهل السنة والجماعة, وإن أتوا بما يميز فكرهم بعض التمييز ويجعل لهم اتجاها خاصا في سبيل الوصول إلى المعرفة. أضف إلى هذا تلك الصبغة الاجتماعية التي يحلون بها تفسيرهم من العناية بالقضايا الاجتماعية وتطبيق الآيات القرآنية مباشرة على تلك القضايا والمجتمع الذي يعيشون فيه, مما كان له الأثر في إحداث الوعي بين مختلف الطبقات, فكان حقا أن يستقلوا باتجاه خاص من سماته العقلانية والاجتماعية، بغض النظر عن إصابة الحق أو الحيدة عنه. ٤- الاتجاه الأدبي: وتحته: ١- المنهج البياني. ٢- منهج التذوق الأدبي للقرآن الكريم. وهذا الاتجاه كالاتجاه الذي قبله جديد, من سمات هذا القرن الرابع عشر, وسنعرض إن شاء الله لبيان ذلك في موضعه. ٥- الاتجاه المنحرف: وتحته مناهج: ١- المنهج الإلحادي. ٢- منهج المقصرين. ٣- اللون اللامنهجي. وهذا الاتجاه فيه أوجه اتفاق وأوجه تجديد -وإن كان تجديدا إلى الأسوأ- مع المناهج القديمة. ذلكم أن الإلحاد موجود في القديم من التفاسير, لكنه كان يسير على مبادئ واحدة تجمعها عقيدة واحدة وإن كانت ضالة، أما الإلحاد في العصر الحديث فهو أضل؛ ذلكم أنه لا يلتزم أصلا حتى وإن كان باطلا يقوم عليه وإنما نزعات نفسية متأثرة بمطالب أو أهواء ورغبات خاصة تعرض لبعض المفسرين, فتظهر آثارها جلية في تفاسيرهم.

стр. 42

وإنما قسمت الإلحاد إلى هذه الأقسام أو المناهج الثلاثة لأمور سيأتي الحديث عنها في موضعها, إن شاء الله. وعلى هذا, فالمنهج الأول الإلحادي موجود في القديم والحديث مع الاختلاف في القاعدة التي يقوم عليها. أما المنهج الثاني واللون الثالث فأحسبها مناهج جديدة من السمات السيئة لهذا العصر. تلكم -فيما أرى- اتجاهات التفسير ومناهجه في القرن الرابع عشر, وهذا أوان الحديث عنها مفصلة، والله المستعان.

стр. 43

الباب الأول: الاتجاه العقائدي في التفسير تمهيد: نشأة الفرق الإسلامية: جاء الرسول ﷺ والناس في جاهلية جهلاء وضلالة عمياء, فنشر ﵊ العقيدة الصحيحة ونفى زغل الجاهلية, وتوفي رسول الله ﷺ والعقيدة السليمة الطاهرة النقية هي السائدة بين المسلمين. إلى أن دخل في الإسلام من ليس الحق هدفهم ولا الوصول إليه مرادهم, فعملوا على تزييف الحقائق ونشر العقائد الضالة والمنحرفة, ونشأت المذاهب الإسلامية المتعددة, وافترقت أمة محمد إلى فرق عديدة كلها في النار إلا من هم على ما عليه نبينا محمد ﷺ وأصحابه ﵃ ودافع علماء كل فرقة عن مذهبهم وعقائدهم بكل وسيلة. وحمل التعصب المذهبي بعض أرباب هذه المذاهب والفرق إلى تأييدها بتفسير الآيات القرآنية الكريمة بما يتناسب مع أصول مذاهبهم وقواعدهم ولو بطريق إخضاع النصوص القرآنية لذلك, وصرفها عن معارضته وإنكار جميع التفاسير الأخرى إذا لم توافق آراءهم. وتعددت مذاهب التفسير بتعدد المذاهب في العقيدة وكان لها صولة وكان لها جولة ثم خبا سعيرها وأصبح لا يرى في رمادها إلا وميض نار ونام العالم الإسلامي نومته.

стр. 44

إلى أن جاء بعض المجددين ونبهوا المسلمين إلى دينهم وأيقظوهم من نومهم, وأفاق المسلمون وعاد الكثير منهم إلى الإسلام عودا حميدا, واشتعل وميض النار من خلال الرماد؛ فنشطت أيضا بعض الفرق الإسلامية وأصبح كل منهم يدعو إلى مذهبه وإلى فرقته. وإذا ما نظرنا إلى الفرق القائمة الآن وأردنا أن ندرس تفاسير المعاصرين منهم في القرن الرابع عشر, فإنا نجد أن الفرق القائمة الآن هي: ١- أهل السنة والجماعة. ٢- الشيعة. ٣- الأباضية. ٤- الصوفية. ولو كان بحثنا هذا بحث عقيدة, لكان لزاما علينا أن ندرس بتفصيل نشأة هذه الفرق، أما وقد كان مرادنا عرض مناهج هذه الفرق في التفسير فقد اكتفينا بالإشارة السريعة لنشأة كل فرقة, والاتجاه بعد ذلك لبيان منهجهم في التفسير. وإنما قدمنا منهج أهل السنة والجماعة على المناهج الأخرى؛ ليكون ميزانا بيد القارئ يزن به ما يرد من عقائد للفرق الأخرى، وليكون أيضا مرجعا يرجع إليه إذا ما التبس عليه رأي أو أراد الحقيقة في حكم أو قضية. ومن ثم فلا تثريب علي إذا ما أوجزت في شرح مذهب أهل السنة في أمر متفق عليه، أو إذا ما أطنبت في أمر خالفتهم فيه فرقة من الفرق. ولا تثريب علي أيضا إذا لم أرد على كثير من الآراء لبعض الفرق خشية تكرار ما سبق. ولنبدأ بعد هذا بمرادنا.

стр. 45

وإنما سموا بأهل السنة لالتزامهم قول الرسول ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي"١، الحديث ونحوه. ويسمون أيضا بأهل الكتاب والسنة؛ لأنهم "يعلمون أن أصدق الكلام كلام الله, وخير الهدي هدي محمد ﷺ , ويؤثرون كلام الله على كلام غيره من كلام أصناف الناس, ويقدمون هدي محمد ﷺ على هدي كل أحد, وبهذا سموا أهل الكتاب والسنة"٢. ويسمون أيضا بالجماعة, فيقال: أهل السنة والجماعة, وعلل ابن تيمية -رحمه الله تعالى- هذه التسمية بقوله: "وسموا أهل الجماعة؛ لأن الجماعة هي الاجتماع وضدها الفرقة وإن كان لفظ الجماعة قد صار اسما لنفس القوم المجتمعين و"الإجماع" هو الأصل الثالث الذي يعتمد عليه في العلم والدين"٣. وزاد هذا الأمر توضيحا في مكان آخر فقال: "فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة"٤.

стр. 46

الفصل الأول: منهج أهل السنة والجماعة في تفسير القرآن الكريم: التعريف بهم: أما السنة فهي الطريقة, وتطلق شرعا على عدة معانٍ؛ فعند المحدثين هي ما جاء عن النبي ﷺ من أقواله وأفعاله وتقريره وما همَّ بفعله١, وأما في عرف أهل الفقه والأصول فإنهم يطلقونها على المندوب, وهو ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه. وليس هذا ولا ذاك هو المقصود في مباحث العقائد؛ إذ هي عندهم عبارة عما سلم من الشبهات في الاعتقادات, خاصة في مسائل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وكذلك مسائل القدر وفضائل الصحابة وصنفوا في هذا العلم تصانيف وسموها كتب السنة, وإنما خصوا هذا العلم باسم السنة؛ لأن خطره عظيم والمخالف فيه على شفا هلكة٢. ولا ريب في أن أهل النقل والأثر المتبعين آثار رسول الله ﷺ وآثار أصحابه هم أهل السنة -كما يقول ابن الجوزي وغيره- لأنهم على تلك الطريق التي لم يحدث فيها حادث, وإنما وقعت الحوادث والبدع بعد رسول الله ﷺ وأصحابه٣.

стр. 47

نشأتهم: لم يكن في عهده ﵊ فرقة بين المسلمين أي فرقة, وإنما ظهر الافتراق بعد وفاته ﷺ فكلما افترقت فرقة ظهر لها اسم خاص بها وبقي السالمون من الافتراق والخروج هم أهل السنة والجماعة؛ لأنهم الأصل فبقوا على أصلهم هذا, ولذا لما سئل مالك -رحمه الله تعالى- عن أهل السنة قال: أهل السنة: الذين ليس لهم لقب يعرفون به, لا جهمي ولا قدري ولا رافضي١, ولذا -أيضا- قال ابن تيمية, رحمه الله تعالى:

стр. 48

"ومذهب أهل السنة والجماعة مذهب قديم معروف قبل أن يخلق الله أبا حنيفة ومالكا والشافعي وأحمد, فإنه مذهب الصحابة الذين تلقوه عن نبيهم"١. إذن: فالسؤال عن نشأتهم إنما هو سؤال عن نشأة الإسلام, فإن قلت: إنما أسأل عن نشأة تسميتهم بأهل السنة والجماعة وانفرادهم بهذا اللقب دون غيرهم وهو لقب شرفهم الله بحمله, وهو عنوان عقيدتهم ويتضمن الشهادة بسلامتها, أعمى الله أرباب الفرق الأخرى فسلموا لهم بهذا اللقب واعترفوا لأنفسهم بألقاب لا تحمل من الإسلام ما يربطها به أو يدل من قريب أو بعيد على انتمائهم إليه. فهي عقيدة ترفع ويرفع معها خصومها حجتها فوق رأسها, وهل هناك أسمى من اعتراف الخصم بأن عقيدتك هي السنة, وهي عقيدة الجماعة جماعة المسلمين؟! عودة إلى التساؤل عن تاريخ إطلاق هذه التسمية وهو تساؤل أحسب أنه ليس بذي كبير فائدة خاصة أن أصول التاريخ الإسلامي لم تبين بالتحديد تاريخ هذه التسمية, إذ لا يوجد يوم أو شهر أو سنة بارزة ظهرت فيها هذه التسمية وإنما كانت تبرز هذه التسمية في مقابلة أهل البدع فيقول مثلا ابن سيرين -رحمه الله تعالى- وهو من أهل القرن الأول الهجري: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد, فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم, وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم"٢. الخلاصة: إن نشأة أهل السنة مع نشأة الإسلام, وإن إطلاق هذا الوصف عليهم كان معروفا في القرن الأول الهجري.

стр. 49

عقيدة أهل السنة والجماعة: مرادي في هذا البحث أن أذكر من عقائد أهل السنة الأصول التي خالفهم فيها أهل الفرق والمذاهب التي سأعرضها في مناهج التفسير العقدي. أما ما وافقت هذه الفرق فيه أهل السنة فلا أرى موجبا لذكره اللهم إلا ضمن

стр. 50

مجمل عقائد أهل السنة. ولذا سيكون تناولي لعقيدة أهل السنة والجماعة على سبيل الإجمال, ثم على سبيل التفصيل لبعض الأصول. مجمل عقيدة أهل السنة والجماعة: أفرد هذه العقيدة عدد من العلماء -رحمهم الله تعالى- منهم ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في العقيدة الواسطية, ومنهم أبو جعفر الطحاوي -رحمه الله تعالى- بشرح ابن أبي العز الحنفي -رحمه الله تعالى- وغيرهما كثير. ونذكر هنا مجمل عقيدة أهل السنة ملخصا من أولها, أعني العقيدة الواسطية، حيث بدأه -رحمه الله تعالى- بقوله: أما بعد، فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة -أهل السنة والجماعة- وهو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه, ورسله، والبعث بعد الموت, والإيمان بالقدر خيره وشره. الإيمان بالله: ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه, وبما وصفه به رسوله محمد ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل, ومن غير تكييف ولا تمثيل، يل يؤمنون بأن الله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١. فمن الكتاب: ما وصف به نفسه في سورة الإخلاص، وآية الكرسي، وقوله سبحانه: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٢، وقوله: ﴿نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ ٣, وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ ٤، وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٥، وقوله: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ

стр. 51

قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ ١، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ ٤, وقوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ٥، وقوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ٦، وقوله: ﴿مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ ٧، وقوله: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ ٨، وقوله: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا، وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ ٩، وقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ ١٠، وقوله: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ ١١، وقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ ١٢، وقوله: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا، وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ ١٣، وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ١٤، وقوله: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ ١٥، وقوله: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ ١٦، وقوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ ١٧، وقوله:

стр. 52

﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ١, وقوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ ٢، وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ٣. وهذا الباب في كتاب الله تعالى كثير, من تدبر القرآن طالبا للهدي منه, تبين له طريق الحق. ومن السنة: وأهل السنة يؤمنون بما وصف الرسول ﷺ به ربه في الأحاديث الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول. مثل: قوله ﷺ : "ينزل ربنا إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر"، الحديث متفق عليه٤، وقوله: "لله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم براحلته" الحديث٥ متفق عليه، وقوله: "يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر, كلاهما يدخل الجنة" متفق عليه٦، وقوله: "لا تزال جهنم يلقى فيها وهي تقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها رجله -وفي رواية: عليها قدمه- فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط" متفق عليه٧. وقوله: "يقول الله تعالى: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك, فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار" رواه البخاري ٨، وقوله للجارية: "أين الله؟ " قالت: في السماء قال: "من أنا؟ " قالت: أنت رسول الله. قال:

стр. 53

"أعتقها؛ فإنها مؤمنة" رواه مسلم١، وقوله: "إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر, لا تضامون في رؤيته, فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا"، متفق عليه٢. إلى أمثال هذه الأحاديث التي يخبر فيها رسول الله ﷺ عن ربه بما يخبر به. فإن الفرقة الناجية -أهل السنة والجماعة- يؤمنون بذلك كما يؤمنون بما أخبر الله به في كتابه العزيز من غير تحريف ولا تعطيل, ومن غير تكييف ولا تمثيل. الإيمان بكتبه: ومن الإيمان بالله وبكتبه الإيمان بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود، وأن الله تعالى تكلم به حقيقة, وأن هذا القرآن الذي أنزل على محمد ﷺ هو كلام الله حقيقة لا كلام غيره. الإيمان باليوم الآخر: ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت, فيؤمنون بفتنة القبر وبعذاب القبر وبنعيمه وبالبعث والموازين والدواوين -وهي صحائف الأعمال- فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله, وبالحساب وبالعرض والحوض والصراط وهو الجسر الذي بين الجنة والنار يمر الناس عليه على قدر أعمالهم, فمنهم من يمر كالبرق الخاطف ومنهم من يمر كالريح ومنهم من يمر كالفرس الجواد ومنهم من يمر كركاب الإبل ومنهم من يعدو عدوا ومنهم من يمشي مشيا ومنهم من يزحف زحفا ومنهم من يخطف فيلقى في جهنم، ويؤمنون بالشفاعة، ويؤمنون بأصناف ما تضمنته الدار الآخرة من الحساب والثواب والعقاب والجنة والنار, وتفاصيل ذلك مذكورة في

стр. 54

الكتب المنزلة من السماء, والآثار من العلم المأثور عن الأنبياء, وفي العلم الموروث عن محمد ﷺ من ذلك ما يشفي ويكفي. الإيمان بالقدر: وتؤمن الفرقة الناجية -أهل السنة والجماعة- بالقدر خيره وشره, والإيمان بالقدر على درجتين: الأولى: الإيمان بأن الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلا, وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال. الثانية: مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة, وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن, وأنه ما في السموات والأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه لا يكون في ملكه إلا ما يريد وأنه على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات. والعباد فاعلون حقيقة والله خالق أفعالهم والعبد هو المؤمن والكافر, والبر والفاجر, والمصلي والصائم, وللعباد قدرة على أفعالهم ولهم إرادة, والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم, كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ، وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ١. ومن أصول أهل السنة أن الإيمان قول وعمل, قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان والجوارح, وأنه يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان. ولا يكفرون أحدا من أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر، بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي كما قال في آية القصاص: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ٢، ولا يسلبون الفاسق الملي اسم الإيمان بالكلية ولا يخلدونه في النار, ويقولون: هو مؤمن ناقص الإيمان أو مؤمن بإيمانه, فاسق بكبيرته. ومن أصول أهل السنة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله -صلى

стр. 55

الله عليه وسلم- كما وصفهم الله به في قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ١، وطاعة النبي ﷺ في قوله: "لا تسبوا أصحابي, فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا, ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" ٢. ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع من فضائلهم ومراتبهم, ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين على بن أبي طالب ﵁ وعن غيره من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، ويثلثون بعثمان ويربعون بعلي ﵃ كما دلت عليه الآثار واختلف بعض أهل السنة في عثمان وعلي ﵄ وإن كانت مسألتهما ليست في الأصول التي يضلل فيها المخالف عند جمهور أهل السنة والجماعة لكن المسألة التي يضلل المخالف فيها هي مسألة الخلافة, وذلك أنهم يؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي, ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء الأئمة, فهو أضل من حمار أهله. ومن عقائد أهل السنة أنهم يحبون أهل بيت رسول الله ﷺ ويتولونهم ويحفظون فيهم وصية رسول الله ﷺ , حيث قال يوم غدير خم: "أذكركم الله في أهل بيتي, أذكركم الله في أهل بيتي" ٣. ويتولون أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين ﵅ ويمسكون عما شجر بين الصحابة -رضوان الله عليهم- وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة ولهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم, وقد ثبت بقول رسول الله ﷺ , أنهم خير القرون, وأن المد من أحدهم إذا تصدق به أفضل من جبل أحد ذهبا ممن بعدهم.

стр. 56

ثم القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزر في جنب فضائل القوم ومحاسنهم, من الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله والهجرة والنصرة والعلم النافع والعمل الصالح. ومن أصول أهل السنة والجماعة التصديق بكرامات الأولياء وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات كالمأثور عن سالف الأمم في سورة الكهف وغيرها, وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين, وسائر قرون الأمة إلى يوم القيامة. ومن أصولهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما توجبه الشريعة, ويرون إقامة الحج والجهاد والجمع والأعياد مع الأمراء أبرارا كانوا أو فجارا ويحافظون على الجماعات، ويدينون بالنصيحة للأمة ويأمرون بالصبر عند البلاء والشكر عند الرخاء والرضا بمر القضاء، ويندبون إلى أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك, ويأمرون ببر الوالدين وصلة الأرحام وحسن الجوار والإحسان إلى اليتامى والمساكين وابن السبيل والرفق بالمملوك, وينهون عن الفخر والخيلاء والبغي والاستطالة على الخلق بحق أو بغير حق, ويأمرون بمعالي الأخلاق وينهون عن سفاسفها, وكل ما يقولونه أو يفعلونه من هذا أو غيره فإنما هم متبعون للكتاب والسنة, وطريقتهم هي دين الإسلام الذي بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم١. ذلكم مجمل عقيدة أهل السنة والجماعة, أما تفصيل ما وعدت بتفصيله مما كان موضع خلاف بين أهل السنة والجماعة وما عداهم من الفرق, فإني مورده هنا بتفصيل مناسب لأبحاث في التفسير لا لأبحاث في العقيدة.

стр. 57

بيان بعض عقائدهم: تنزيه الله عن البداء: البداء في لغة العرب على معنيين: أولهما: الظهور بعد الخفاء, وورد هذا المعنى في القرآن الكريم في عدة مواضع, منها قوله سبحانه: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ ١، وقوله سبحانه: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾ ٢، وقوله : ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ ٣. ثانيهما: نشأة الرأي الجديد, ومنه في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ ٤. والبداء بهذين المعنيين لا يجوز نسبته إلى الله ؛ لما يلزمهما من سبق الجهل وحدوث العلم بعده وكلاهما تنزه الله عنه؛ لأنهما صفتا نقص والأدلة كثيرة من الكتاب والسنة كقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ٥، وقوله سبحانه: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ٦، وغير ذلك من الآيات, وكقول الرسول ﷺ : "قدر الله تعالى مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة, وكان عرشه على الماء" ٧. وكما أن أهل السنة والجماعة وسط في فرق الأمة كما أن الأمة هي الوسط في الأمم٨, فإنهم هنا أيضا في هذا المعتقد يتربعون على عرش الوسطية مرتفعين

стр. 58

عن اليهود والرافضة, حيث أنكر اليهود النسخ؛ لأنه يستلزم البداء على الله بزعمهم, وقالت الرافضة بالنسخ وأثبتوا لازمه بزعمهم وهو البداء، وتوسط أهل السنة والجماعة فأخذوا بأدلة الكتاب والسنة وقالوا بالنسخ, وأنكروا البداء وقالوا: إنه سبحانه يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ ١ وإن كان يعلم أنهم لا يردون ولكن أخبر أنهم لو ردوا لعادوا كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ ٢، ٣، وقالوا: على العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه, فقدر ذلك تقديرا محكما مبرما ليس فيه ناقض ولا معقب ولا مزيل ولا مغير ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سمواته وأرضه٤, وسيأتي تفسير الآيات المتعلقة بهذا البحث في موضعه عن شاء الله. إثبات الرؤية: ويعتقد أهل السنة أن أهل الجنة يرون ربهم يوم القيامة بغير إحاطة ولا كيفية كما نطق به كتاب ربنا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ, ِإلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ٥, وتفسيره على ما أراد الله تعالى وعلمه وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن سول الله ﷺ فهو كما قال, ومعناه على ما أراد لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله ولرسوله ﷺ , ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه -وهي عندهم أعني الرؤية- من أشرف مسائل أصول الدين وأجلها, وهي الغاية التي شمر إليها المشمرون وتنافس المتنافسون٦. واستدلوا لإثبات الرؤية بعدة أدلة من الكتاب والسنة, فمن الكتاب قوله

стр. 59

تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، ِإلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ١، وقوله سبحانه على لسان موسى، ﵇: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ ٢ ولا يجوز أن يسأل موسى ﵇ ربه ما يستحيل عليه, فإذا لم يجز ذلك على موسى ﵇ علمنا أنه لم يسأل ربه مستحيلا وأن الرؤية جائزة على ربنا تعالى٣, واستدلوا بقوله سبحانه جوابا لموسى، ﵇: ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ ٢, قالوا: لما كان الله تعالى قادرا على أن يجعل الجبل مستقرا, كان قادرا على الأمر الذي لو فعله لرآه موسى ﵇ فدل ذلك على أن الله تعالى قادر أن يري عباده نفسه, وأنه جائز رؤيته٤. واستدلوا بقوله سبحانه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ٥ ققالوا: إن الزيادة هي النظر إلى الله ولم ينعم الله تعالى على أهل الجنة بأفضل من نظرهم إليه ورؤيتهم له, وقال تعالى: ﴿ولدينا مَزِيدٌ﴾ ٦، قيل: النظر إلى الله وقال تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ ٧, وإذا لقيه المؤمنون رأوه, وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ٨، فحجبهم عن رؤيته, ولا يحجب عنها المؤمنين٩. ومن السنة: وقد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ الدالة على الرؤية, رواها أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن١٠، ومنها حديث أبي هريرة، رضي

стр. 60

الله عنه: أن ناسا قالوا: يا رسول الله, هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ : "هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟ " قالوا: لا يا رسول الله، قال: "هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ " قالوا: لا، قال: "فإنكم ترونه كذلك" الحديث١. وحديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: كنا جلوسا مع النبي ﷺ فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة فقال: "إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون هذا, لا تضامون في رؤيته"٢. وما رواه صهيب ﵁ قال: قرأ رسول الله ﷺ : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ٣، قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة, وأهل النار النار نادى منادٍ: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون: ما هو؟ ألم يثقل موازيننا ويبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار؟! فيكشف الحجاب فينظرون إليه, فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه, وهي الزيادة" ٤. وقد روى أحاديث الرؤية نحو ثلاثين صحابيا٥. الأسماء والصفات: أما على سبيل الإجمال فقد سلف بيان عقيدة أهل السنة في ذلك, وأما على التفصيل فسأعرض لبعضها بشيء من ذلك وهو ما كان موضع خلاف بين أهل السنة والفرق التالية, في هذه الدراسة.

стр. 61

الجهة: قلنا: إن أهل السنة يصفون الله سبحانه بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل, ومن غير تكييف ولا تمثيل، ومعلوم أنه ليس في النص إثبات لفظ الجهة ولا نفيه١. وأحسن من اطلعت على قوله في هذا ابن تيمية -رحمه الله تعالى- حيث وضح ذلك توضيحا شافيا في مثل هذا اللفظ ونحوه من الألفاظ حيث قال، رحمه الله تعالى: وبالجملة, فمعلوم أن الألفاظ "نوعان": لفظ ورد في الكتاب والسنة أو الإجماع، فهذا اللفظ يجب القول بموجبه, سواء فهمنا معناه أو لم نفهمه؛ لأن الرسول ﷺ لا يقول إلا حقا, والأمة لا تجتمع على ضلالة. "والثاني": لفظ لم يرد به دليل شرعي كهذه الألفاظ التي تنازع فيها أهل الكلام والفلسفة, هذا يقول: هو متحيز وهذا يقول: ليس بمتحيز، وهذا يقول: هو في جهة، وهذا يقول: ليس هو في جهة، وهذا يقول: هو جسم أو جوهر وهذا يقول: ليس بجسم ولا جوهر, فهذه الألفاظ ليس على أحد أن يقول فيها بنفي ولا إثبات حتى يستفسر المتكلم بذلك, فإن بين أنه أثبت حقا أثبته وإن أثبت باطلا رده وإن نفى باطلا نفاه وإن نفي حقا لم ينفه, وكثير من هؤلاء يجمعون من هذه الأسماء بين الحق والباطل في النفي والإثبات٢. ثم طبق -رحمه الله تعالى- هذا القول على من قال بالجهة, فقال عنه: "فمن قال: إنه في جهة وأراد بذلك أنه داخل محصور في شيء من المخلوقات -كائنا من كان- لم يسلم إليه هذا الإثبات, وهذا قول الحلولية, وإن قال: إنه مباين للمخلوقات فوقها لم يمانع في هذا الإثبات، بل هذا ضد قول الحلولية،

стр. 62

ومن قال: ليس في جهة, فإن أراد أنه ليس مباينا للعالم ولا فوقه, لم يسلم له هذا النفي"١. وبهذا يتضح مذهب أهل السنة في نحو هذه الألفاظ, أعني: الجهة والجسم والجوهر والحيز ونحوها. الاستواء: ورد لفظ الاستواء في القرآن الكريم سبع مرات, منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ٢، ومنها قوله سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٣. وأهل السنة والجماعة يؤمنون باستواء الله على عرشه بالكيفية التي يعلمها سبحانه, ويقولون كما قال ربيعة بن عبد الرحمن: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول, ومن الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ المبين وعلينا التصديق، وكما قال تلميذه مالك بن أنس, حين جاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرحضاء٤! ثم قال: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وما أراك إلا مبتدعا, ثم أمر به أن يخرج. قال ابن تيمية: "فقول ربيعة ومالك: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب موافق لقول الباقين, أَمِرُّوها كما جاءت بلا كيف فإنما نفوا علم الكيفية, ولم ينفوا حقيقة الصفة"٥.

стр. 63

يمين الرحمن: والحديث عن يمين الرحمن حديث عن يدي الله , وعقيدة أهل السنة في ذلك أن لله تعالى يدين مختصتين به ذاتيتين له كما يليق بجلاله, وأنه سبحانه خلق آدم بيده وأنه يقبض الأرض ويطوي السموات بيده اليمنى وأن يديه مبسوطتان, ومعنى بسطهما بذل الجود وسعة العطاء١، وقد أثبت أهل السنة اليدين لله تعالى؛ لنصوص القرآن الكريم الكثيرة, ومنها قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ ٢، وقال سبحانه: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٣، وقال : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ٤، وقال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ ٥. وقد تواتر في السنة مجيء اليد في حديث النبي, صلى الله عليه وسلم١. هذه بعض الأبحاث الداخلة تحت عقيدة الإيمان بالله عند أهل السنة, وإنما خصصناها بالذكر لورود بعض التفاسير المخالفة لها عند بعض أرباب الفرق فيما سيأتي من أبحاث. أما العقيدة في القرآن الكريم فهي: القرآن كلام الله منزل غير مخلوق: يعتقد أهل السنة والجماعة أن القرآن كلام الله, منه بدا بلا كيفية قولا، وأنزله على رسوله وحيا، وصدَّقه المؤمنون على ذلك حقا، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة ليس بمخلوق ككلام البرية, فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد

стр. 64

كفر, وقد ذمه الله وأوعده بسقر حيث قال تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ ١, فلما أوعد الله بسقر لمن قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ ١ علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر, ولا يشبه قول البشر٢. تلكم عقيدة أهل السنة والجماعة في القرآن الكريم, قال عنها شارح الطحاوية: "هذه قاعدة شريفة وأصل كبير من أصول الدين ضل فيه طوائف كثيرة من الناس, وهذا الذي حكاه الطحاوي ﵀ هو الحق الذي دلت عليه الأدلة من الكتاب والسنة لمن تدبرهما, وشهدت به الفطرة السليمة التي لم تغير بالشبهات والشكوك والآراء الباطلة"٢. سلامة القرآن من التحريف: قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٣، وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ, لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ٤. لذا ولغيره من النصوص أجمع أهل السنة على سلامة القرآن من التحريف أو التغيير أو التبديل أو الزيادة أو النقص, ومن اعتقد أن القرآن الكريم غير محفوظ فقد خرج عن ربقة الإسلام. ونصوص علماء أهل السنة في ذلك كثيرة, ومنها قول القاضي عياض رحمه الله تعالى: قد أجمع المسلمون أن القرآن المتلو في جميع أقطار الأرض, المكتوب في المصحف بأيدي المسلمين مما جمعه الدفتان من أول ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إلى آخر ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ , أنه كلام الله ووحيه المنزل على نبيه محمد ﷺ وأن جميع ما فيه حق, وأن من نقص منه حرفا قاصدا لذلك

стр. 65

أو بدله بحرف آخر مكانه أو زاد فيه حرفا مما لم يشتمل عليه المصحف الذي وقع الإجماع عليه وأجمع على أنه ليس من القرآن عامدا لكل هذا, أنه كافر؛ ولهذا رأى مالك قتل من سب عائشة ﵂ بالفرية لأنه خالف القرآن, ومن خالف القرآن قتل أي: لأنه كذب بما فيه, وقال ابن القاسم: من قال: إن الله تعالى لم يكلم موسى تكليما يقتل, وقاله عبد الرحمن بن المهدي، وقال محمد بن سحنون فيمن قال: المعوذتان ليستا من كتاب الله, يضرب عنقه إلا أن يتوب, وكذلك كل من كذب بحرف منه. وقال أبو عثمان الحداد: جميع من ينتحل التوحيد متفقون أن الجحد لحرف من التنزيل كفر وكان أبو العالية إذا قرأ عنده رجل لم يقل له: ليس كما قرأت ويقول: أما أنا فأقرأ كذا فبلغ ذلك إبراهيم فقال: أراه سمع أنه من كفر بحرف منه فقد كفر به كله، وقال عبد الله بن مسعود: من كفر بآية من القرآن, فقد كفر به كله ... ١. وقال ابن قدامة: "ولا خلاف بين المسلمين في أن من جحد من القرآن سورة أو آية أو كلمة أو حرفا متفقا عليه, أنه كافر"٢. وكذا قال البغدادي: "وأكفروا -أي: أهل السنة- من زعم من الرافضة أن لا حجة اليوم في القرآن والسنة لدعواه أن الصحابة غيروا بعض القرآن وحرفوا بعضه"٣. وقال ابن حزم: "القول بأن بين اللوحين تبديلا كفر صريح, وتكذيب لرسول الله ﷺ "٤. وها أنت ترى حكم علماء أهل السنة والجماعة فيمن أنكر حرفا واحدا من القرآن الكريم, فكيف بمن ادعى أكثر من ذلك, والعياذ بالله. وما كنت لأزيد عن الإشارة لعقيدة أهل السنة في مثل هذا لولا أن نابتة

стр. 66

من علماء الشيعة في العصر الحديث كادت ومكرت في سبيل تقرير هذه العقيدة إذ لم يثبتوها بطريق مألوف مباشر، بل أنكروا قولهم بالتحريف وزعموا أنها عقيدة أهل السنة وذهبوا يستدلون لافترائهم هذا بأدلة لا أشك في اعتقادهم وهنها وضعفها دلالة وثبوتا وإنما أوردوها خداعا وتمويها وما عدا ذلك فاستدلوا بقول أهل السنة بالناسخ والمنسوخ وباختلاف القراءات وشبه لهم أن قول أهل السنة بهذا قول بالتحريف قلبوا الحقيقة فقول أهل السنة بهذا دليل على الحفظ لا على ضده إذ إنهم لم يفتهم من القرآن حتى ما نسخ وحتى القراءات المتعددة للكلمة, فإذا كان لم يفتهم شيء من هذا ولا ذاك، بل دونوه وميزوا بين الناسخ والمنسوخ وبين ما يقرأ به وما لا يقرأ به, وهذا لعمري من أقوى الأدلة على حفظ هذا القرآن الكريم إلا عند صاحب هوى وبدعة. وإن المسلم ليعجب لحماس الشيعة في إيراد الأدلة عند أهل السنة والتكلف لإثباتها وتقرير دلالتها وهم يزعمون إنكار التحريف, ويعجب لهذا الحرص على تصحيحهم لهذه الأدلة ولا يدري سببا لم ينكرون -بزعمهم- القول بالتحريف إذا كانوا يعتقدون صحة هذه الأقوال. ويبطل عجب المسلم اللبيب إذا عرف أنهم ينكرون القول بالتحريف تقية وكيدا ومكرا, ويعوضون هذا الإنكار بإيراد الأدلة والشبه وحشو ذهن القارئ بها ونسبة ذلك إلى عقيدة أهل السنة حتى إذا ما قبل القارئ دلالة هذه الأدلة وصدقها قال بتحريف القرآن, فوافق معتقدهم حقيقة وإن رفضها وأنكرها فإنما أنكر أدلة أهل السنة ورفض رأي أهل السنة وخرجوا منه أبرياء.. وهذا لعمري كيد أي كيد, ومكر أي مكر. وأمر آخر, ذلكم أن كل من خالف من أهل الفرق فإنه أوّل آيات القرآن وحرف معانيها وحرف مدلولاتها عن حقيقتها إلى ما يؤيد مذهبه ولم يجرؤ أحد من أصحاب المذاهب والفرق إلى القول بالزيادة أو النقصان في القرآن إلا فرقة واحدة فرقة الشيعة, إذ لم يجدوا من النصوص القرآنية ما يؤيد عقيدتهم ولم يستطيعوا تأويلها وصرف معانيها عن حقيقتها صرفا يوازي انحراف عقيدتهم

стр. 67

فلم يجدوا موازيا لهذا الانحراف إلا القول بتحريف القرآن وبغيره لا يستطيعون إثبات عقائدهم. وما كان نهجي أن أعرض للرأي المخالف وأنا أسوق عقائد أهل السنة لولا أن المخالف هنا متعين أولا، والحاجة ماسة إلى بيان أسلوبه ومكره في هذا ثانيا. ظاهر القرآن وباطنه: وجل ما يعتمد عليه أصحاب القول بأن للقرآن ظهرا وبطنا وحدا ومطلعا, ما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أنزل القرآن على سبعة أحرف, لكل حرف منها ظهر وبطن, ولكل حرف حد, ولكل حد مطلع" والحديث الذي سئل عنه ابن تيمية: "للقرآن باطن, وللباطن باطن إلى سبعة أبطن" فكان جوابه، رحمه الله تعالى: "أما الحديث المذكور فمن الأحاديث المختلقة التي لم يروها أحد من أهل العلم ولا يوجد في شيء من كتب الحديث, ولكن يروى عن الحسن البصري موقوفا أو مرسلا: "إن لكل آية ظهرا وبطنا وحدا ومطلعا"١. وأما حديث ابن مسعود ﵁ فقد أورده الإمام الطبري -رحمه الله تعالى- بسندين قال عنهما الشيخ أحمد شاكر: "هو حديث واحد بإسنادين ضعيفين, أما أحدهما فلانقطاعه بجهالة راويه عمن ذكره عن أبي الأحوص، وأما الآخر فمن أجل إبراهيم الهجري راويه عن أبي الأحوص"، ثم قال: "والحديث بهذا اللفظ الذي هنا ذكره السيوطي في الجامع الصغير رقم ٢٧٢٧ ونسبه للطبراني في المعجم الكبير, ورمز له بعلامة الحسن ولا ندري إسناده عند الطبراني"٢. ومع وصف ابن تيمية -رحمه الله تعالى- لنحو هذه الأحاديث بالاختلاق وتضعيف أحمد شاكر لهما, فإن أهل السنة بينوا المراد بالظاهر والباطن فيهما.

стр. 68

بين ذلك الإمام الطبري -رحمه الله تعالى- فقال: "وقوله ﷺ : " وإن لكل حرف منها ظهرا وبطنا" فظهره الظاهر في التلاوة, وبطنه ما بطن من تأويله"١، وعلق على هذا الشيخ أحمد شاكر -رحمه الله تعالى- بقوله: "الظاهر: ما تعرفه العرب من كلامها وما لا يعذر أحد بجهالته من حلال وحرام, والباطن: هو التفسير الذي يعلمه العلماء بالاستنباط والفقه ولم يرد الطبري ما تفعله طائفة الصوفية وأشباههم في التلعب بكتاب الله وسنة رسوله والعبث بدلالات ألفاظ القرآن وادعائهم أن لألفاظه "ظاهرا" هو الذي يعلمه علماء المسلمين و"باطنا" يعلمه أهل الحقيقة، فيما يزعمون"١. وبين ذلك ابن تيمية -رحمه الله تعالى- حيث قسم الباطن إلى قسمين "أحدهما: باطن يخالف العلم الظاهر و"الثاني" لا يخالفه, فأما الأول فباطل: فمن ادعى علما باطنا أو علما بباطن وذلك يخالف العلم الظاهر كان مخطئا إما ملحدا زنديقا وإما جاهلا ضالا، وأما الثاني فهو بمنزلة الكلام في العلم الظاهر قد يكون حقا وقد يكون باطلا ... فإن علم أنه حق قبل وإن علم أنه باطل رد وإلا أمسك عنه، وأما الباطن المخالف للظاهر المعلوم فبمثل ما يدعيه الباطنية القرامطة من الإسماعيلية والنصيرية وأمثالهم, ممن وافقتهم من الفلاسفة وغلاة المتصوفة والمتكلمين"٢. ووضح هذا في موضع آخر فقال: "وجماع القول في ذلك أن هذا الباب نوعان: "أحدهما": أن يكون المعنى المذكور باطلا؛ لكونه مخالفا لما علم, فهذا هو في نفسه باطل فلا يكون الدليل عليه إلا باطلا؛ لأن الباطل لا يكون عليه دليل يقتضي أنه حق. و"الثاني": ما كان في نفسه حقا, لكن يستدلون عليه من القرآن والحديث بألفاظ لم يرد بها ذلك, فهذا الذي يسمونه "إشارات" و"حقائق التفسير"

стр. 69

لأبي عبد الرحمن فيه من هذا الباب شيء كثير, وأما النوع الأول فيوجد كثيرا في كلام القرامطة والفلاسفة المخالفين للمسلمين في أصول دينهم. وأما "النوع الثاني": فهو الذي يشتبه كثيرا على بعض الناس, فإن المعنى يكون صحيحا لدلالة الكتاب والسنة عليه، ولكن الشأن في كون اللفظ الذي يذكرونه دل عليه, وهذان قسمان: "أحدهما": أن يقال: إن ذلك المعنى مراد باللفظ, فهذا افتراء على الله, فمن قال: المراد بقوله: ﴿تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ هي النفس وبقوله: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ هو القلب ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ أبو بكر ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ عمر ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ عثمان ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ علي، فقد كذب على الله, إما متعمدا وإما مخطئا. "القسم الثاني" أن يجعل ذلك من باب الاعتبار والقياس لا من باب دلالة اللفظ, فهذا من نوع القياس فالذي تسميه الفقهاء قياسا هو الذي تسميه الصوفية إشارة, وهذا ينقسم إلى صحيح وباطل كانقسام القياس إلى ذلك"١. ثم قال: "وقد تبين من ذلك أن من فسر القرآن أو الحديث وتأوله على غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين, فهو مفترٍ على الله ملحد في آيات الله محرف للكلم عن مواضعه, وهذا فتح لباب الزندقة والإلحاد وهو معلوم البطلان بالاضطرار من دين الإسلام، وأما ما يروى عن بعضهم من الكلام المجمل مثل قول بعضهم: لو شئت لأوقرت من تفسير فاتحة الكتاب ... إلخ٢ فهذا إذا صح عمن نقل عنه كعلي وغيره لم يكن فيه دلالة على الباطن المخالف للظاهر، بل يكون هذا من الباطن الصحيح الموافق للظاهر الصحيح. وقد تقدم أن الباطن إذا أريد به ما لا يخالف الظاهر المعلوم, فقد يكون حقا وقد يكون باطلا, ولكن ينبغي أن يعرف أنه قد كذب على علي وأهل بيته, لا سيما على جعفر الصادق ما لم يكذب على غيره من الصحابة"٣.

стр. 70

وعذرا إذا ما استطردت بعض الاستطراد في بيان هذا, إذ إن كثيرا من الفرق يقوم انحرافها على التأويلات الباطنية, فلزم أن أفصل مذهب أهل السنة في ذلك. الإمامة: إن الإمامة فرض واجب على الأمة لأجل إقامة الإمام، ينصب لهم القضاة والأمناء ويضبط ثغورهم ويغزي جيوشهم ويقسم الفيء بينهم وينتصف لمظلومهم من ظالمهم, وبالجملة١ يقيم شأن الدولة بجميع مرافقها. ويرون أن طريق عقد الإمامة للإمام في هذه الأمة الاختيار بالاجتهاد. وقالوا: ليس من النبي ﷺ نص على إمامة واحد بعينه٢ نصا صريحا ويثبتون الخلافة بعد رسول الله ﷺ أولا لأبي بكر الصديق ﵁ تفضيلا له وتقديما على جميع الأمة, ثم لعمر بن الخطاب ﵁ ثم لعثمان ﵁ ثم لعلي بن أبي طالب ﵁ وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون٣. وقالوا: لا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا, ولا ندعو عليهم ولا ننزع يدا من طاعتهم ونرى طاعتهم من طاعة الله فريضة، ما لم يأمروا بمعصية, وندعو لهم بالصلاح والمعافاة، والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين برهم وفاجرهم إلى قيام الساعة, لا يبطلهما شيء ولا ينقضهما٤، والرافضة أخسر الناس صفقة في هذه المسألة؛ لأنهم جعلوا الإمام المعصوم هو الإمام المعدوم الذي لم ينفعهم في دين ولا دنيا!! فإنهم يدعون أنه الإمام المنتظر محمد بن الحسن العسكري٥. هذا مجمل عقيدتهم في الإمامة.

стр. 71

العصمة: ويعتقدون أن الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- معصومون فيما يخبرون به عن الله وفي تبليغ رسالاته باتفاق الأمة بخلاف غير الأنبياء فإنهم ليسوا معصومين كما عصم الأنبياء ولو كانوا أولياء لله١. وقد سئل ابن تيمية -رحمه الله تعالى- عمن ادعى العصمة لغير نبي فقال: "فإن الرافضة ادعت ذلك فيمن لا شك في إيمانه وتقواه، بل فيمن لا يشك أنه من أهل الجنة, كعلي والحسن والحسين ﵃ ومع هذا فقد اتفق أهل العلم والإيمان على أن هذا القول من أفسد الأقوال وأنه من أقوال أهل الإفك والبهتان, فإن العصمة في ذلك ليست لغير الأنبياء ﵈" ثم قال: "والمقصود أن من ادعى عصمة هؤلاء السادة المشهود لهم بالإيمان والتقوى والجنة هو في غاية الضلال والجهالة, ولم يقل هذا القول من له في الأمة لسان صدق، بل ولا من له عقل محمود"٢. المهدي: والمهدي حق, قال السيوطي, رحمه الله تعالى: "قال أبو الحسن محمد بن الحسين بن إبراهيم بن عاصم السحري: قد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى ﷺ بمجيء المهدي وأنه من أهل بيته وأنه سيملك سبع سنين وأنه يملأ الأرض عدلا وأنه يخرج مع عيسى ﵇ فيساعده على قتل الدجال بباب لدّ بأرض فلسطين وأنه يؤم هذه الأمة وعيسى يصلي خلفه٣, وحكى التواتر أيضا محمد بن رسول الحسيني في كتابه: الإشاعة لأشراط الساعة٤، وحكاه ابن قيم الجوزية في: المنار المنيف في الصحيح والضعيف٥.

стр. 72

قال الشيخ الذهبي, رحمه الله تعالى: "لم نر من المسلمين من ذهب مذهب الإمامية من تعيين المهدي ودعواهم أنه الإمام الثاني عشر الذي اختفى حيا وسيعود في آخر الزمان"١. إنكار الرجعة: ومن عقائد أهل السنة إنكار رجعة أحد من الأموات قبل قيام الساعة, فلا يرجع محمد رسول الله ﷺ ولا أحد من أصحابه إلا يوم القيامة إذا رجع الله المؤمنين والكافرين للحساب والجزاء, هذا إجماع أهل الإسلام قبل حدوث الروافض٢. وقد نص القرآن الكريم نصا صريحا على أن لا رجعة, قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ٣، وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ ٤. الميزان والصراط حسيان: ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما جاء في الكتاب, وبكل ما أخبر به رسول الله ﷺ مما يكون بعد الموت. فيؤمنون بنصب الموازين لوزن أعمال العباد, قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ ٥، والذي دلت عليه السنة أن ميزان الأعمال له كفتان

стр. 73

حسيتان مشاهدتان١. قال شارح الطحاوية: "فلا يلتفت إلى ملحد معاند يقول: الأعمال أعراض لا تقبل الوزن, وإنما يقبل الوزن الأجسام!! فإن الله يقلب الأعراض أجساما"١، وقال: فعلينا الإيمان بالغيب كما أخبرنا به الصادق ﷺ من غير زيادة ولا نقصان٢. ونؤمن بالصراط وهو جسر على جهنم يمر الناس عليه على قدر أعمالهم؛ فمنهم من يمر كلمح البصر ومنهم من يمر كالبرق ومنهم من يمر كالريح ومنهم من يمشي مشيا ومنهم من يزحف زحفا ومنهم من يخطف فيلقى في جهنم, فإن الجسر عليه كلاليب تخطف الناس بأعمالهم, فمن مر على الصراط دخل الجنة٣. أهل الكبائر يوم القيامة: ثار جدل طويل بين الفرق والمذاهب الإسلامية: هل يسمى مرتكب الكبيرة مؤمنا أو غير مؤمن؟ وهل يخلد في النار أو يخرج منها؟ وهل يشفع له أو لا يشفع له؟ وأصل النزاع بين هذه الفرق يتعلق بأصل الإيمان: هل يكون شيئا واحدا إذا زال زال جميعه, وإذا ثبت ثبت كله أم لا؟ أما المرجئة والجهمية والخوارج والمعتزلة, فجماع شبهتهم أن الحقيقة المركبة تزول بزوال بعض أجزائها. وانقسم هؤلاء إلى قسمين: المرجئة قالوا: كل فاسق فهو كامل الإيمان, وإيمان الخلق متماثل لا متفاضل, والتفاضل في غير الإيمان من الأعمال, والأعمال ليست من الإيمان. وقالت الجهمية والخوارج والمعتزلة: لا يكون مع الفاسق إيمان, ثم انقسموا إلى قسمين: الخوارج قالت: هو كافر، والمعتزلة قالت: هو في منزلة بين المنزلتين، ثم اتفقوا في الحكم فقالوا: هو خالد في النار لا يخرج منها بشفاعة, ولا غيرها.

стр. 74

وكما أن الإسلام وسط بين الأديان, فإن أهل السنة استقروا في وسط الوسط بين الفرق والمذاهب وتوسطهم في هذه المسألة أنهم قالوا: إن الإيمان يتبعض فيذهب بعضه ويبقى بعضه كما في قوله ﵊: "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان". ولهذا مذهبهم أن الإيمان يتفاضل ويتبعض, وهذا -كما قال ابن تيمية- مذهب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم١. ولهذا, فإنهم لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر، بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي كما قال في آية القصاص: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ٢، وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ ٣. ويقولون: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته, فلا يعطى الاسم المطلق ولا يسلب مطلق الاسم٤. وقالوا: إن أهل الكبائر لا يخلدون في النار كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ، جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ الآية٥. قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: وقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ مما يستدل به أهل السنة على أنه لا يخلد في النار أحد من أهل التوحيد, وأما دخول كثير من أهل الكبائر النار فهذا مما تواترت به السنن عن النبي ﷺ كما تواترت بخروجهم من النار٦.

стр. 75

وما داموا لا يخلدون في النار فإنهم يخرجون منها, فالصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر الأئمة الأربعة وغيرهم يقرون بما تواترت به الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ أن الله يخرج من النار قوما بعد أن يعذبهم الله ما شاء أن يعذبهم, يخرجهم بشفاعة محمد ﷺ ويخرج آخرين بشفاعة غيره, ويخرج قوما بلا شفاعة١. ذلكم رأي أهل السنة في إيمان أهل الكبائر, وعدم خلودهم في النار والشفاعة لهم. الولاء والبراء: ومذهب أهل السنة محبة أهل العدل والأمانة وبغض أهل الجور والخيانة, وهذا من كمال الإيمان وتمام العبودية فإن العبادة تتضمن كمال المحبة ونهايتها، وكمال الذل ونهايته، فمحبة رسل الله وأنبيائه وعباده المؤمنين من محبة الله وإن كانت المحبة التي لله لا يستحقها غيره فغير الله يحب في الله لا مع الله, فإن المحب يحب ما يحب محبوبه ويبغض ما يبغضه ويوالي من يواليه ويعادي من يعاديه ويرضى لرضائه ويغضب لغضبه ويأمر بما يأمر به وينهى عما ينهى عنه, فهو موافق لمحبوبه في كل حال، وقد يجتمع في العبد سبب الولاية وسبب العداوة والحب والبغض, فيكون محبوبا من وجه ومبغوضا من وجه والحكم للغالب٢. محبة الصحابة: وخلاصة عقيدة أهل السنة في محبة الصحابة -رضوان الله عليهم- ما عبر عنه الطحاوي ﵀ بقوله: "ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ولا نفرط في حب أحد منهم ولا نتبرأ من أحد منهم ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم, ولا نذكرهم إلا بخير, وحبهم دين وإيمان وإحسان, وبغضهم كفر ونفاق وطغيان"٣.
следующие страницы →