← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 8679

اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر

فهد الرومي

Полный текст (1 278 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

العصمة: ويعتقدون أن الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- معصومون فيما يخبرون به عن الله وفي تبليغ رسالاته باتفاق الأمة بخلاف غير الأنبياء فإنهم ليسوا معصومين كما عصم الأنبياء ولو كانوا أولياء لله١. وقد سئل ابن تيمية -رحمه الله تعالى- عمن ادعى العصمة لغير نبي فقال: "فإن الرافضة ادعت ذلك فيمن لا شك في إيمانه وتقواه، بل فيمن لا يشك أنه من أهل الجنة, كعلي والحسن والحسين ﵃ ومع هذا فقد اتفق أهل العلم والإيمان على أن هذا القول من أفسد الأقوال وأنه من أقوال أهل الإفك والبهتان, فإن العصمة في ذلك ليست لغير الأنبياء ﵈" ثم قال: "والمقصود أن من ادعى عصمة هؤلاء السادة المشهود لهم بالإيمان والتقوى والجنة هو في غاية الضلال والجهالة, ولم يقل هذا القول من له في الأمة لسان صدق، بل ولا من له عقل محمود"٢. المهدي: والمهدي حق, قال السيوطي, رحمه الله تعالى: "قال أبو الحسن محمد بن الحسين بن إبراهيم بن عاصم السحري: قد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى ﷺ بمجيء المهدي وأنه من أهل بيته وأنه سيملك سبع سنين وأنه يملأ الأرض عدلا وأنه يخرج مع عيسى ﵇ فيساعده على قتل الدجال بباب لدّ بأرض فلسطين وأنه يؤم هذه الأمة وعيسى يصلي خلفه٣, وحكى التواتر أيضا محمد بن رسول الحسيني في كتابه: الإشاعة لأشراط الساعة٤، وحكاه ابن قيم الجوزية في: المنار المنيف في الصحيح والضعيف٥.

стр. 72

قال الشيخ الذهبي, رحمه الله تعالى: "لم نر من المسلمين من ذهب مذهب الإمامية من تعيين المهدي ودعواهم أنه الإمام الثاني عشر الذي اختفى حيا وسيعود في آخر الزمان"١. إنكار الرجعة: ومن عقائد أهل السنة إنكار رجعة أحد من الأموات قبل قيام الساعة, فلا يرجع محمد رسول الله ﷺ ولا أحد من أصحابه إلا يوم القيامة إذا رجع الله المؤمنين والكافرين للحساب والجزاء, هذا إجماع أهل الإسلام قبل حدوث الروافض٢. وقد نص القرآن الكريم نصا صريحا على أن لا رجعة, قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ٣، وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ ٤. الميزان والصراط حسيان: ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما جاء في الكتاب, وبكل ما أخبر به رسول الله ﷺ مما يكون بعد الموت. فيؤمنون بنصب الموازين لوزن أعمال العباد, قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ ٥، والذي دلت عليه السنة أن ميزان الأعمال له كفتان

стр. 73

حسيتان مشاهدتان١. قال شارح الطحاوية: "فلا يلتفت إلى ملحد معاند يقول: الأعمال أعراض لا تقبل الوزن, وإنما يقبل الوزن الأجسام!! فإن الله يقلب الأعراض أجساما"١، وقال: فعلينا الإيمان بالغيب كما أخبرنا به الصادق ﷺ من غير زيادة ولا نقصان٢. ونؤمن بالصراط وهو جسر على جهنم يمر الناس عليه على قدر أعمالهم؛ فمنهم من يمر كلمح البصر ومنهم من يمر كالبرق ومنهم من يمر كالريح ومنهم من يمشي مشيا ومنهم من يزحف زحفا ومنهم من يخطف فيلقى في جهنم, فإن الجسر عليه كلاليب تخطف الناس بأعمالهم, فمن مر على الصراط دخل الجنة٣. أهل الكبائر يوم القيامة: ثار جدل طويل بين الفرق والمذاهب الإسلامية: هل يسمى مرتكب الكبيرة مؤمنا أو غير مؤمن؟ وهل يخلد في النار أو يخرج منها؟ وهل يشفع له أو لا يشفع له؟ وأصل النزاع بين هذه الفرق يتعلق بأصل الإيمان: هل يكون شيئا واحدا إذا زال زال جميعه, وإذا ثبت ثبت كله أم لا؟ أما المرجئة والجهمية والخوارج والمعتزلة, فجماع شبهتهم أن الحقيقة المركبة تزول بزوال بعض أجزائها. وانقسم هؤلاء إلى قسمين: المرجئة قالوا: كل فاسق فهو كامل الإيمان, وإيمان الخلق متماثل لا متفاضل, والتفاضل في غير الإيمان من الأعمال, والأعمال ليست من الإيمان. وقالت الجهمية والخوارج والمعتزلة: لا يكون مع الفاسق إيمان, ثم انقسموا إلى قسمين: الخوارج قالت: هو كافر، والمعتزلة قالت: هو في منزلة بين المنزلتين، ثم اتفقوا في الحكم فقالوا: هو خالد في النار لا يخرج منها بشفاعة, ولا غيرها.

стр. 74

وكما أن الإسلام وسط بين الأديان, فإن أهل السنة استقروا في وسط الوسط بين الفرق والمذاهب وتوسطهم في هذه المسألة أنهم قالوا: إن الإيمان يتبعض فيذهب بعضه ويبقى بعضه كما في قوله ﵊: "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان". ولهذا مذهبهم أن الإيمان يتفاضل ويتبعض, وهذا -كما قال ابن تيمية- مذهب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم١. ولهذا, فإنهم لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر، بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي كما قال في آية القصاص: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ٢، وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ ٣. ويقولون: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته, فلا يعطى الاسم المطلق ولا يسلب مطلق الاسم٤. وقالوا: إن أهل الكبائر لا يخلدون في النار كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ، جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ الآية٥. قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: وقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ مما يستدل به أهل السنة على أنه لا يخلد في النار أحد من أهل التوحيد, وأما دخول كثير من أهل الكبائر النار فهذا مما تواترت به السنن عن النبي ﷺ كما تواترت بخروجهم من النار٦.

стр. 75

وما داموا لا يخلدون في النار فإنهم يخرجون منها, فالصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر الأئمة الأربعة وغيرهم يقرون بما تواترت به الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ أن الله يخرج من النار قوما بعد أن يعذبهم الله ما شاء أن يعذبهم, يخرجهم بشفاعة محمد ﷺ ويخرج آخرين بشفاعة غيره, ويخرج قوما بلا شفاعة١. ذلكم رأي أهل السنة في إيمان أهل الكبائر, وعدم خلودهم في النار والشفاعة لهم. الولاء والبراء: ومذهب أهل السنة محبة أهل العدل والأمانة وبغض أهل الجور والخيانة, وهذا من كمال الإيمان وتمام العبودية فإن العبادة تتضمن كمال المحبة ونهايتها، وكمال الذل ونهايته، فمحبة رسل الله وأنبيائه وعباده المؤمنين من محبة الله وإن كانت المحبة التي لله لا يستحقها غيره فغير الله يحب في الله لا مع الله, فإن المحب يحب ما يحب محبوبه ويبغض ما يبغضه ويوالي من يواليه ويعادي من يعاديه ويرضى لرضائه ويغضب لغضبه ويأمر بما يأمر به وينهى عما ينهى عنه, فهو موافق لمحبوبه في كل حال، وقد يجتمع في العبد سبب الولاية وسبب العداوة والحب والبغض, فيكون محبوبا من وجه ومبغوضا من وجه والحكم للغالب٢. محبة الصحابة: وخلاصة عقيدة أهل السنة في محبة الصحابة -رضوان الله عليهم- ما عبر عنه الطحاوي ﵀ بقوله: "ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ولا نفرط في حب أحد منهم ولا نتبرأ من أحد منهم ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم, ولا نذكرهم إلا بخير, وحبهم دين وإيمان وإحسان, وبغضهم كفر ونفاق وطغيان"٣.

стр. 76

وما قاله ابن تيمية، رحمه الله تعالى: "ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ كما وصفهم الله به في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ١, وطاعة النبي ﷺ في قوله: "لا تسبوا أصحابي, فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" ٢، ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع من فضائلهم ومراتبهم٣. محبة أهل البيت: وأهل السنة والجماعة يحبون أهل بيت رسول الله ﷺ ويتولونهم ويحفظون فيهم وصية رسول الله ﷺ , حيث قال يوم غدير خم: "أذكركم الله في أهل بيتي, أذكركم الله في أهل بيتي" ٤. ويتولون أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين, ويؤمنون بأنهن أزواجه في الآخرة٥. وهم مع هذا لا يشهدون لهم بعصمة ولا يغالون في أوصافهم ولا يعتقدون سقوط التكاليف عنهم, روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ , حين أنزل الله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ ٦ قال: "يا معشر قريش -أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم

стр. 77

لا أغني عنكم من الله شيئا, يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئا, يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا, ويا صفية عمة رسول الله ﷺ لا أغني عنك من الله شيئا, ويا فاطمة بنت محمد ﷺ , سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئا" ١. التقية: التبس الأمر على طائفة من الناس جلاء هذا اللبس, ونبراس هذه القضية يكمن في التفريق بين كلمتي الإكراه والخوف، وبالتفريق بينهما تتضح جوانب القضية وتضيء زواياها. فالخوف هو توقع حلول مكروه أو فوت محبوب٢, أما الإكراه فهو من الكره وهو فعل المضطر٣ ولا يكون الاضطرار إلا بعد خوف، إذن فالإكراه خوف وزيادة. والخوف ليس عذرا في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإذن لو كان عذرا لما نهض أحد بتكاليف الإسلام، بل لما بلغ الأنبياء رسالاتهم التي أرسلوا بها إلا إذا ارتقى الخوف من درجة "التوقع" إلى درجة "اليقين" فحينئذ يكون بمنزلة الإكراه. وهل للمكره أن يقول أو يفعل ما يخالف عقيدته الإسلامية تقية ممن ألزمه بذلك؟ نصوص القرآن صريحة في جواز لا وجوب, قول ما يخلص المؤمن من إكراه الكفار له, قال تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ ٤، وقال سبحانه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ

стр. 78

وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ ١. قال القرطبي، رحمه الله تعالى: "والقضية لا تحل إلا مع خوف القتل أو القطع أو الإيذاء العظيم ومن أكره على الكفر فالصحيح أن له أن يتصلب ولا يجيب إلى التلفظ بكلمة الكفر، بل يجوز له ذلك"٢. بل حكى الإجماع فقال: "أجمع العلماء على أن من أكره على الكفر فاختار القتل أنه أعظم عند الله ممن اختار الرخصة, واختلفوا فيمن أكره على غير القتل من فعل ما لا يحل له"٣. بل روي عن معاذ بن جبل ومجاهد، ﵄: "وكانت التقية في جدة الإسلام قبل قوة المسلمين, فأما اليوم فقد أعز الله الإسلام أن يتقوا من عدوهم"٤. هذا إذا كانت التقية مع الكفار والإكراه بالقتل، فإنها تكون رخصة وأجمعوا على أن تركها أفضل فكيف بمن اتخذها مطية للكذب المطلق بالقول والفعل بلا حدود ولا قيود مع المسلمين, وزعم أنها من أصول الدين، بل إنها تسعة أعشار الدين وإن لا دين لمن لا تقية له٥، ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٦. الإيمان بالقدر خيره وشره: قال ابن تيمية, رحمه الله تعالى: "وتؤمن الفرقة الناجية -أهل السنة والجماعة- بالقدر خيره وشره, والإيمان بالقدر على درجتين, كل درجة تتضمن شيئين: فالدرجة الأولى: الإيمان بأن الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه

стр. 79

القديم الذي هو موصوف به أزلا, وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال. ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق, فأول ما خلق الله القلم قال له: "اكتب قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة"١. فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه, جفت الأقلام وطويت الصحف كما قال : ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ٢، وقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ٣ ... فهذا القدر قد كان ينكره غلاة القدرية قديما, ومنكره اليوم قليل. وأما الدرجة الثانية: فهو مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة, وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن, وأنه ما في السموات والأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه, لا يكون في ملكه إلا ما يريد, وأنه على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات. فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه لا خالق غيره ولا رب سواه. ومع ذلك, فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسله ونهاهم عن معصيته، وهو سبحانه يحب المتقين والمحسنين والمقسطين ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا يحب الكافرين ولا يرضى عن القوم الفاسقين ولا يأمر بالفحشاء ولا يرضى لعباده الكفر ولا يحب الفساد. والعباد فاعلون حقيقة والله خالق أفعالهم, والعبد هو المؤمن والكافر والبر والفاجر والمصلي والصائم، وللعباد قدرة على أعمالهم ولهم إرادة والله خالقهم

стр. 80

وخالق قدرتهم وإرادتهم, كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ، وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ١. وهذه الدرجة من القدر يكذب بها عامة القدرية الذين سماهم النبي ﷺ مجوس هذه الأمة, ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات حتى سلبوا العبد قدرته واختياره، ويخرجون عن أفعال الله وأحكامه حكمها ومصالحها٢. ذلكم تفصيل ما أردت تفصيله من عقيدة أهل السنة والجماعة وإنما خصصت بعضها به؛ لأنه موضع خلاف بين أهل السنة ومن عداهم من المذاهب فيما يلي من أبحاث, فكان لزاما أن أذكره تفصيلا هنا حتى إذا ما تناولته في مواضع تالية لعقائد منحرفة أكون قد قدمت الرأي الحق لمن أراده وتبرأ ذمتي من عرض آراء ضالة, من غير تبيان الصراط السوي.

стр. 81

أسس تفسير أهل السنة: يقوم منهج أهل السنة والجماعة في التفسير على أسس واضحة بينة, أهمها: أولا: تفسير القرآن بالقرآن: وهو أصح طرق التفسير, فما أجمل في مكان فإنه قد فسر في موضع آخر, وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر. ثانيا: تفسير القرآن بالسنة: فإنها شارحة للقرآن وموضحة له، بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: كل ما حكم به رسول الله ﷺ فهو مما فهمه من القرآن, قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ

стр. 82

لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٢. ولهذا قال رسول الله ﷺ : "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه" ٣ يعني السنة٤. وقال -أيضا- الإمام الشافعي ﵀: "وسنن رسول الله مع كتاب الله وجهان: أحدهما نص كتاب فاتبعه رسول الله كما أنزل الله والآخر جملة بين رسول الله فيه عن الله معنى ما أراد بالجملة وأوضح كيف فرضها عاما أو خاصا, وكيف أراد أن يأتي به العباد, وكلاهما اتبع فيه كتاب الله"٥. وقال الطبري, رحمه الله تعالى: "إن مما أنزل الله من القرآن على نبيه ﷺ ما لا يوصل إلى علم تأويله إلا ببيان الرسول ﷺ وذلك تأويل جميع ما فيه من وجوه أمره: واجبه وندبه، وإرشاده، وصنوف نهيه، ووظائف حقوقه وحدوده ومبالغ فرائضه ومقادير اللازم بعض خلقه لبعض وما أشبه ذلك من أحكام آيه التي لم يدرك علمها إلا ببيان رسول الله ﷺ لأمته, وهذا وجه لا يجوز لأحد القول فيه إلا ببيان رسول الله ﷺ تأويله بنص منه عليه, أو بدلالة قد نصبها دالة أمته على تأويله"٦. وقال الإمام الشاطبي, رحمه الله تعالى: "إن السنة توضح المجمل وتقيد المطلق وتخصص العموم, فتخرج كثيرا من الصيغ القرآنية عن ظاهر مفهومها في أصل اللغة, وتعلم بذلك أن بيان السنة هو مراد الله تعالى من تلك الصيغ, فإذا طرحت واتبع ظاهر الصيغ بمجرد الهوى صار صاحب هذا النظر ضالا في نظره

стр. 83

جاهلا بالكتاب خابطا في عمياء لا يهتدي إلى الصواب فيها، إذ ليس للعقول من إدراك المنافع والمضار في التصرفات الدنيوية إلا النزر اليسير وهي في الأخروية أبعد على الجملة والتفصيل"١. هذا بعض ما قاله علماء السنة في تفسير القرآن بالسنة, ومنه يعرف منزلة هذا النوع من التفسير، بل إنهم لا يقبلون سواه إذا صح عندهم. قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: "ومما ينبغي أن يعلم أن القرآن والحديث إذا عرف تفسيره من جهة النبي ﷺ لم يحتج في ذلك إلى أقوال أهل اللغة, فإنه قد عرف تفسيره"٢، وقال أيضا: "ولم يكن السلف يقبلون معارضة الآية إلا بآية أخرى تفسرها أو تنسخها أو بسنة الرسول ﷺ تفسرها, فإن سنة رسول الله ﷺ تبين القرآن وتدل عليه وتعبر عنه"٢. ثالثا: تفسير القرآن بأقوال الصحابة: فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرآن والأحوال التي اختصوا بها كمعرفة أوضاع اللغة وأسرارها، ومعرفة عادات العرب وقت نزول القرآن, ومعرفة عادات اليهود والنصارى حينذاك, وقوة الفهم وسعة الإدراك ومعرفة أسباب النزول وما أحاط بآيات القرآن من أحداث وقت نزولها؛ لذا ولغيره تبوأ تفسيرهم هذه المنزلة من القبول عند علماء أهل السنة والجماعة لا سيما علماء الصحابة وكبراؤهم كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين كابن مسعود وابن عباس. رابعا: اعتبار أقوال التابعين: لأنهم تلقفوا علم الصحابة ووعوه ودارسوهم القرآن الكريم وسألوهم عنه كما قال مجاهد بن جبر رحمه الله تعالى: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته, أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها, وقال قتادة: ما في القرآن آية إلا وقد سمعت فيها شيئا.

стр. 84

وإنما قلت: اعتبار أقوال التابعين؛ لأن بعض علماء أهل السنة والجماعة اعتبر أقوالهم حجة ملزمة وبعضهم لم يعتبرها كذلك إلا أنه يأخذ بها ويميزها عن أقوال من جاء بعدهم. خامسا: تفسير القرآن بعموم لغة العرب: لأن القرآن الكريم نزل ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ١، ويتوقف فهمه على شرح مفردات الألفاظ ومدلولاتها بحسب الوضع، والمعاني تختلف باختلاف إعرابها، ومن هنا مست الحاجة إلى اعتبار علم النحو والتصريف الذي تعرف به الأبنية والكلمة المبهمة يتضح معناها بمصادرها ومشتقاتها٢ ونقل عن بعض علماء السلف تأكيد مثل هذا فقال مجاهد: "لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلم في كتاب الله إذا لم يكن عالما بلغات العرب"٣، وروى البيهقي في شعب الإيمان عن مالك بن أنس قال: "لا أوتى برجل غير عالم بلغات العرب يفسر كتاب الله إلا جعلته نكالا"٤، بل قال الشاطبي: "كل معنى مستنبط من القرآن غير جار على اللسان العربي فليس من علوم القرآن في شيء, لا مما يستفاد منه ولا مما يستفاد به, ومن ادعى فيه ذلك فهو في دعواه مبطل"٥. سادسا: التحذير من التفسير بالرأي المجرد: وأهل السنة حين جعلوا هذه الدرجات الخمس السابقة للتفسير حسب ترتيبها السالف, حذروا بعد هذا من التفسير بمجرد الرأي لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ٦، وقوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٧، وقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ٨. فأضاف البيان

стр. 85

إليه وعليه حملوا قوله ﷺ : "من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار"، رواه البيهقي من طرق من حديث ابن عباس، وقوله ﷺ : "من تكلم في القرآن برأيه فأصاب, فقد أخطأ" أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي، وقال: غريب من حديث ابن جندب, وقال البيهقي في "شعب الإيمان": هذا إن صح, فإنما أراد -والله أعلم- الرأي الذي يغلب من غير دليل قام عليه, فمثل هذا الذي لا يجوز الحكم به في النوازل, وكذلك لا يجوز تفسير القرآن به١. ولهذا تحرج بعض الصحابة ﵃ من نحو هذا, فقال أبو بكر الصديق ﵁: أي سماء تظلني, وأي أرض تقلني إن أنا قلت في كتاب الله ما لا أعلم! وغير ذلك كثير, حكى ابن تيمية -رحمه الله تعالى- طائفة منها ثم قال: "فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف محمولة على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم به, فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعا فلا حرج عليه؛ ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير ولا منافاة لأنهم تكلموا فيما علموه, وسكتوا عما جهلوه, وهذا هو الواجب على كل أحد"٢. سابعا: العبرة بعموم اللفظ, لا بخصوص السبب: والشمول متفرع من الشمول في الرسالة الإسلامية, فهي عامة لكل الناس, قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ ٣، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ ٤. وما دامت الشريعة الإسلامية ليست لطائفة دون أخرى، بل هي للناس كافة في كل زمان ومكان, فلا عجب أن يكون كتابها القرآن الكريم شاملا وعاما: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ ٥، ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا

стр. 86

الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ ١. لهذا بنى أهل السنة قاعدة ساروا عليها في تناول آيات القرآن بشمول آيات القرآن الكريم ومنع اختصاصها بسبب نزولها. قال ابن تيمية, رحمه الله تعالى: "قولهم: إن هذه الآية نزلت في فلان وفلان, لا يريدون به أنها آية مختصة به كآية اللعان وآية القذف وآية المحاربة ونحو ذلك لا يقول مسلم: إنها مختصة بمن كان نزولها بسببه ... " ثم قال: "فلا يقول مسلم: إن آية الظهار لم يدخل فيها إلا أوس بن الصامت, وآية اللعان لم يدخل فيها إلا عاصم بن عدي أو هلال بن أمية وإن ذم الكفار لم يدخل فيه إلا كفار قريش, ونحو ذلك مما لا يقوله مسلم ولا عاقل. فإن محمدا ﷺ قد عرف بالاضطرار من دينه, أنه مبعوث إلى جميع الإنس والجن والله تعالى خاطب بالقرآن جميع الثقلين"٢. حتى ما خوطب به النبي ﷺ فإنهم شملوا به أمته ما لم يقم دليل على التخصيص, وجعلوا هذا هو الأصل في الخطاب فقال ابن تيمية: "إن الأصل فيما خوطب به النبي ﷺ في كل ما أمر به ونهي عنه وأبيح له سارٍ في حق أمته كمشاركة أمته له في الأحكام وغيرها حتى يقوم دليل التخصيص فما ثبت في حقه من الأحكام ثبت في حق الأمة إذا لم يخصص, هذا مذهب السلف والفقهاء"٣. وقال أيضا: "إن قصر عمومات القرآن على أسباب نزولها باطل"٤، وهذا ما عبر عنه علماء السلف بالقاعدة الشرعية: "العبرة بعموم اللفظ, لا بخصوص السبب".

стр. 87

ثامنا: ترك الإطناب فيما أبهم من القرآن: قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ ١، وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ٢. لمحة ترشدنا إلى أن في خلق الله أسرارا لا تدرك للعباد, فإن في الصلاة من جهة أعداد ركعاتها وأوقاتها, وفي أنصبة الزكاة ومقادير الكفارات لمحات أخرى واضحة جلية في أن لله سبحانه في تكاليفه ما يعجز البشر عن إدراك أسراره وما عليهم إلا أن يؤمنوا ويمتثلوا, فتصدق فيهم العبودية ويخلص منهم الإيمان٣. والقرآن الكريم فيه مما نعجز نحن البشر عن إدراك حقائقه وأمرنا أن نقول عنه: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ ٤. وهذا لا يطرد فيما وضحت دلالته العربية وثبت عن الرسول ﷺ بيانه، بل الواجب أن نفهم منه ما بين فيه في موضع آخر أو بينه رسول الله ﷺ أو أحد أصحابه أو وضحت دلالته العربية. وما سوى ذلك نكل علمه إلى الله , فلو كان في ذكره فائدة لنا دنيا أو أخرى لذكره سبحانه وهو أعلم بصلاح أمورنا وما يستقيم عليه ديننا؛ ولهذا لما صعد عمر بن الخطاب ﵁ المنبر وقرأ: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ ٥، فقال: ما الأب؟ ثم قال: إن هذا لهو التكلف, فما عليك أن لا تدريه, وسأل رجل ابن عباس ﵄ عن: ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ ٦ فقال له ابن عباس: فما ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ ٧؟ فقال

стр. 88

الرجل: إنما سألتك لتحدثني! فقال ابن عباس: هما يومان ذكرهما الله في كتابه, الله أعلم بهما١. والفرق بين هذا الأساس في التفسير والأساس السادس الخاص بالتحذير من التفسير بالرأي المجرد, أن الأساس السابق خاص في الآيات التي للرأي مجال فيها إذا لم يكن مجردا, أما هذا النوع -أعني المبهمات- مرجعه النقل المحض ولا مجال للرأي فيه, كما قال السيوطي٢، والله أعلم. تاسعا: التقليل من شأن الإسرائيليات: وخلاصة موقف أهل السنة والجماعة من الإسرائيليات, أنهم يقسمونها إلى أقسام ثلاثة: أولها: ما وافق شريعتنا, فتجوز روايته للاستشهاد لا للاعتقاد. ثانيها: أن ما خالف شريعتنا, لا تصح روايته. ثالثها: أن ما ليس في شريعتنا ما يوافقه ولا ما يخالفه, فلا بأس بحكايته من غير تصديق ولا تكذيب. قال ابن كثير ﵀: فأما ما شهد له شرعنا بالصدق فلا حاجة بنا إليه استغناء بما عندنا، وما شهد له شرعنا منها بالبطلان فذاك مردود لا يجوز حكايته إلا على سبيل الإنكار والإبطال٣. أما النوع الثالث فقال عنه: "وما ليس فيه موافقة ولا مخالفة لا نصدقه ولا نكذبه، بل نجعله وقفا، وما كان من هذا الضرب منها فقد رخص كثير من السلف في روايته, وكثير من ذلك مما لا فائدة فيه ولا حاصل له مما ينتفع به في الدين, ولو كانت فائدته تعود على المكلفين في دينهم لبينته هذه الشريعة الكاملة الشاملة"٤.

стр. 89

وقال ابن تيمية -رحمه الله تعالى- عن هذا النوع: "وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني"، وضرب لذلك مثالا بما ذكر عن أسماء أصحاب الكهف ولون كلبهم وعدتهم وعصا موسى من أي الشجر كانت وأسماء الطيور التي أحياها الله لإبراهيم، وتعيين البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة١، وغير ذلك.

стр. 90

نماذج من تفسير أهل السنة والجماعة في العصر الحديث: تزخر المكتبة الإسلامية بعدد كبير من تفاسير أهل السنة والجماعة والحمد لله، وحين نتناول هذه التفاسير بالدراسة هنا فإن هذا لا يعني سلامتها كلها من أي شائبة أو خطأ, لكنه يعني أنها في الجملة على هذا المنهج وإن كان في بعضها ما يؤخذ منها وما يرد. تنزيه الله عن البداء: قال الشيخ عبد الرحمن الدوسري١ في تفسيره لقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ ٢: "لقد أقام اليهود -عليهم لعائن الله- حملات عنيفة مركزة ضد الإسلام والمسلمين متخذين من نسخ بعض

стр. 91

الآيات والأحكام ذريعة للطعن في ذات الله, زاعمين أن النسخ منافٍ لعلم الله مستلزم للبداء"١ ثم رد ﵀ على هذا الزعم وأبطله. ورفض الأستاذ محمد حمزة٢ الزعم بأن القول بالنسخ يلزم منه وصف الله بالبداء, رفض هذا وأنكره ورد عليه بأدلة العقل والنقل, قال: "وأما النقل, فإن الآيات التي تدل على إحاطة علم الله بجميع المعلومات أكثر من أن تذكر؛ قال الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ٣، وقال سبحانه: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ، عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ ٤, وقال جل شأنه: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ٥، نعلم من هذا أن البداء لا يجوز أن يتصف به الرب سبحانه وقد خسئ الروافض والمختارية إذ أجازوا على الله سبحانه أن يتصف بالبداء, فهذا ميزان العقل والشرع بين أيدينا ولكن شتان ما بين البداء والنسخ, فالبداء تجدد وحدوث في العلم، والنسخ تجدد في المعلوم لا في العلم, فالعلم واحد. فإنه لم ينكشف لله تعالى ما كان جاهلا به حتى أمر بنقيض ما كان آمرا، بل علم الله سبحانه أنه يأمر عباده بأمر مطلق معلوم النهاية لديه مستور على خلقه لحكمة يعلمها ثم يقطع ذلك التكليف في الوقت المعلوم عنده للحكمة التي أرادها، فلا جهل ولا بداء ولكن حكمة واختبار٦. أما الدكتور أحمد الكومي والدكتور محمد طنطاوي, فأكدا في تفسيرهما لقوله

стр. 92

تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ١ أكدا إحاطة علم الله بكل شيء وأنه يعلم الكليات والجزئيات فقالا: "إن علم الله تعالى محيط بالكليات والجزئيات وبكل شيء في هذا الكون, وبذلك يتبين بطلان رأي بعض الفلاسفة الذين قالوا بأن الله يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات"٢ وما دام علمه سبحانه في الكليات والجزئيات, فإنه منزه عن البداء. إثبات الرؤية: وقد أثبت مفسرو أهل السنة والجماعة رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة, مستدلين بآيات من القرآن الكريم وأحاديث من السنة النبوية. ففي تفسير قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ٣ قال الشيخ محمد العثمان القاضي٤: "أي: وجوه يومئذ حسنة مشرقة, تعرف فيها نضرة النعيم، تنظر إلى وجه ربها عيانا بلا حجاب, وقد تواترت بها أحاديث سنة رسول الله وهي من المتواتر"٥. وقال الأستاذ علي رفاعي محمد٦ في تفسيرها بعد أن أورد بعض أحاديث

стр. 93

الرؤية: "هذه الأحاديث وغيرها كثير تدل دلالة قاطعة على أن المؤمنين يوم القيامة ينظرون إلى ربهم في عرصات القيامة وفي الجنات, ومن تأول ﴿نَاظِرَةٌ﴾ بأنها تنتظر الثواب فقد بعد عن الحق والصواب ولم يفهم قوله تعالى في حق الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ١، فقد قال الإمام الشافعي: ما حجب الفجار إلا وقد علم أن الأبرار يرونه وقد تواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ بما دلت عليه الآية الكريمة"٢. وقال به الشيخ محمد عبد الله الجزار٣, فقال في تفسيرها: "في هذا اليوم نرى وجوه أهل الإيمان الخالص مشرقة مبتهجة ممتعة بالنظر إلى ربها الكريم, فتراه سبحانه بلا كيف ولا إحاطة فيكون ذلك كمال لذتها وتمام سرورها, وفي الحديث عن النبي ﷺ : "وأسألك لذة النظر إلى وجهك, والشوق إلى لقائك" وفي معنى الحديث الآخر: "إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر"، ولما كانت رؤية المؤمنين لربهم سبحانه في الآخرة تكميلا لسرورهم فإن الله تعالى حرم الكفار من ذلك: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ٤، ومن عقائد أهل السنة أن المؤمنين يرون الله تعالى في الآخرة ونعوذ بالله من طريقة من يلحد في آيات الله كالمعتزلة الذين يقولون تحريفا لمعنى الآية: منتظرة نعم ربها, فنحن نقول حقيقة: وجوه المؤمنين ناظرة إلى ربها ورائية له وهم يقولون: منتظرة ... إلخ، ونعوذ بالله من اتباع غير سبيل المؤمنين"٥. وقد رجح الدكتوران أحمد السيد الكومي، ومحمد سيد طنطاوي في تفسيرهما لسورتي الأنعام والأعراف مذهب أهل السنة والجماعة في ذلك, فقالا في تفسير قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ ٦: "والذي نراه أن

стр. 94

رأي أهل السنة أقوى؛ لأن ظواهر النصوص تؤيدهم ولا مجال هنا لبسط حجج كل فريق فقد تكفلت بذلك كتب علم الكلام"١، وقالا في تفسير قوله تعالى حكاية لقول موسى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ ٢: والذي نراه أن رؤية الله في الآخرة ممكنة كما قال أهل السنة لورود الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة التي تشهد بذلك"٣. وقال الدكتور محمد عبد المنعم خفاجي٤ في تفسيرها: "وفي هذا دليل على أن رؤيته تعالى جائزة في الجملة؛ لأن طلب المستحيل من الأنبياء محال" قال له: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ هذا كلام على سبيل الاستدراك, يريد أن يبين به أنه لا يطيق الرؤية، وفي تعليق الرؤية على الاستقرار دليل على جوازها لأن استقرار الجبل عند التجلي ممكن بأن يجعل الله تعالى له قوة على ذلك"٥. وقال الشيخ حسنين مخلوف٦ في تفسير الزيادة في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ : هي النظر إلى وجه الله الكريم, وهي المغفرة والرضوان٧. وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ : "وأما في النشأة

стр. 95

الأخرى فقد ثبت في الحديث الصحيح أن المؤمنين يرون ربهم في عرصات يوم القيامة وفي روضات الجنات, ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ١، وفي الآية دلالة على إمكان الرؤية في ذاتها؛ لأنه تعالى علقها على استقرار الجبل وهو ممكن, وتعليق الشيء بما هو ممكن يدل على إمكانه, وإليه ذهب أهل السنة"٢. وفسر الأستاذ عبد الله كنّون٣ النظر في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ، عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ ٤ بقوله: "ينظرون ما أعطاهم الله من عظيم الكرامة وجليل النعمة, وأفضلها النظر إلى وجهه الكريم فهذا في مقابل ما عومل به الفجار من حجبهم عن الله "٥. وفسر قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ٦ بقوله: "فلا يرونه كما يراه المؤمنون, قال الشافعي: لما حجب الله قوما بالسخط, دل على أن قوما يرونه بالرضى"٧. الاستواء: وقد قال مفسرو أهل السنة والجماعة في القرن الرابع عشر الهجري في آيات الصفات, كما قال سلفهم.

стр. 96

ففسر الأستاذ عبد الله كنون الاستواء في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ١ بقوله: "استواء يليق به كما هو مذهب السلف, وقد سئل عنه مالك ﵀ فقال: "الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عن هذا بدعة"٢. وفسره بهذا الأستاذ علي رفاعي محمد فقال: "استوى على العرش استواء يليق بجلاله, والله وحده هو الذي يعلم حقيقة معنى استوائه على العرش"٣. وفسره بهذا الأستاذ حسنين محمد مخلوف فال: "أي: استواء يليق بكماله تعالى, بلا كيف ولا تشبيه ولا تمثيل"٤. أما السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني, فرفض تفسير الاستواء في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٥ بالاستيلاء؛ لأن الاستيلاء معناه حصول الغلبة بعد العجز وهو محال في حقه تعالى ولأنه لا يقال: استولى على كذا إلا إذا كان له منازع فيه، وهذا في حقه تعالى محال أيضا, وإنما يقال: استولى إذا كان المستولى عليه موجودا قبل والعرش إنما حدث بتخليقه تعالى وتكوينه له وأيضا الاستيلاء واحد بالنسبة إلى كل المخلوقات فلا يبقى إلى تخصيص العرش بالذكر فائدة لذلك, فالأولى أن يفسر بما فسرناه هنا من أنه استواء يليق بذاته كما هو الحال في آيات الصفات من المجيء واليد والقبضة وغيرها؛ لأن القانون الصحيح وجوب حمل كل لفظ ورد في القرآن العظيم على ظاهره إلا إذا قامت الأدلة القطعية على وجوب الانصراف عن الظاهر ولا داعي للتأويل بما قد يوجب الوقوع في الخطأ وزلة القدم وانظر ما قاله السلف الصالح في هذا الباب٦، ثم أورد عددا من أقوال علماء السلف -رحمهم الله تعالى- في الاستواء.

стр. 97

أما الشيخ محمد العثمان القاضي فاكتفى في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ١ بالاستشهاد بتفسير ابن كثير -رحمه الله تعالى- لذلك، ثم أورد قول مالك -رحمه الله تعالى- ورد بعد هذا تفسير المعتزلة للاستواء بالاستيلاء قائلا: "ورد هذا القول بأن العرب لا تعرف استوى بمعنى: استولى وإنما يقال: استولى فلان على كذا, إذا لم يكن في ملكه ثم ملكه والله تعالى لم يزل مالكا للأشياء كلها ومستوليا عليها, فأي تخصيص للعرش هنا دون غيره من المخلوقات"٢. يمين الرحمن: قال الشيخ محمد العثمان القاضي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ٣، قال: "كثير من المفسرين فسرها بالقدرة, وهذا صرف للفظ عن ظاهره, وقد روى البخاري في٤ صحيحه عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يقبض الله الارض ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك, أين ملوك الأرض؟ " والسلف الصالح يثبتون الصفات ولا يتعرضون للكيفية، قال سفيان بن عيينة: كل ما وصف الله به نفسه في كتابه, فتفسيره تلاوته والسكوت عن كيفيته"٥. وقال الشيخ فيصل بن عبد العزيز المبارك٦ في تفسير قوله تعالى:

стр. 98

﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ١، قال ابن جرير: واختلف أهل الجدل في تأويل قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ فقال بعضهم: عنى بذلك: نعمتاه وقال آخرون منهم: عنى بذلك: القوة، وقال آخرون منهم: بل يد الله صفة من صفاته هي يد غير أنها ليست بجارحة كجوارح آدم وبذلك تظاهرت الأخبار عن رسول الله ﷺ , وقال به العلماء وأهل التاويل. انتهى ملخصا. قال البغوي: ويد الله صفة من صفات ذاته كالسمع والبصر والوجه، وقال جل ذكره: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٢، وقال النبي ﷺ : "كلتا يديه يمين" والله أعلم بصفاته, فعلى العباد فيها الإيمان والتسليم، وقال أئمة السلف من أهل السنة في هذه الصفات: أمروها كما جاءت بلا كيف٣. القرآن كلام الله منزل, غير مخلوق: قال الأستاذ محمد رشدي حمادي٤ في تفسير قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوه﴾ الآية٥: احتج كثير من المعتزلة به٦ على نفي الصفات وعلى أن القرآن مخلوق أما الثاني فلأن القرآن شيء فيدخل تحت العموم وأما الأول فلأن الصفات لو كانت موجودة له تعالى للزم أن تكون مخلوقة له. وأجيب بأنكم تخصون هذا العام بحسب ذاته ضرورة أنه يمتنع أن يكون خالقا لنفسه، وبحسب أفعال العباد، فنحن أيضا نخصصه بحسب الصفات وبحسب القرآن ونظرا لأن كثيرا من آراء المعتزلة تطل برءوسها عند كل آية من القرآن الكريم يشتمّون من لفظها الظاهري أنها يصح أن تكون دليلا على خلق القرآن, فسدا لهذه الذرائع وردا عليهم فيما يختص بقضية خلق القرآن

стр. 99

فإني أحيلهم إلى كتاب "لكي تكون ... من قادة الفكر" تأليف صاحب هذا التفسير١. ثم نقل في تفسيره بعض الأقوال لعلماء السلف وجاء فيها: والقول المحفوظ عن جمهور السلف هو ترك الخوض في ذلك والتعمق فيه والاقتصار على القول بأن القرآن كلام الله وأنه غير مخلوق٢. سلامة القرآن من التحريف: وقد نص على حفظ القرآن قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٣، قال الشيخ فيصل المبارك في تفسيرها: "وقال في آية أخرى: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ ٤ فأنزله الله ثم حفظه فلا يستطيع إبليس أن يزيد فيه باطلا ولا ينقص منه حقا حفظه الله من ذلك, وقال ابن كثير: ثم قرر تعالى أنه هو الذي أنزل عليه الذكر وهو القرآن وهو الحافظ له من التغيير والتبديل قلت: والحكمة في حفظ الله تعالى للقرآن دون سائر كتبه أنه آخرها وأن الذي جاء به خاتم الأنبياء فأبقاه الله محفوظا حجة على خلقه"٥. وقال الشيخ محمد العثمان القاضي في تفسيرها: "الضمير في قوله: ﴿لَهُ﴾ راجع إلى الذكر يعني: وإنا للذكر الذي أنزلناه على محمد لحافظون يعني: من الزيادة فيه والنقص منه والتغيير والتبديل والتحريف, فالقرآن العظيم محفوظ من هذه الأشياء كلها، لا يقدر أحد من جميع الخلق من الجن والإنس أن يزيد فيه أو ينقص منه حرفا واحدا أو كلمة واحدة, وهذا مختص بالقرآن العظيم بخلاف سائر الكتب المنزلة فإنه قد دخل في بعضها التحريف والتبديل والزيادة والنقصان.

стр. 100

ولما تولى الله حفظ هذا الكتاب بقي مصونا على الأبد, محروسا من الزيادة والنقصان"١. وكذا الشيخ حسنين مخلوف في تفسيرها قال: " ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ أي: من كل ما يقدح فيه كالتحريف والتبديل والزيادة والنقصان"٢. العصمة: وعند تفسير قوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى، ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ ٣ عقد السيد عبد القادر ملا العاني مطلبا في عصمة الأنبياء جاء فيه: "واعلم أن خبط القول فيها على ما قاله الإمام فخر الدين الرازي يرجع إلى أربعة أقسام: الأول: ما يقع في باب الاعتقاد وهو اعتقاد الكفر والضلال، فإن ذلك غير جائز في حقهم البتة، الثاني: ما يقع بالتبليغ فكذلك ممتنع في حقهم حتى الخطأ والنسيان فضلا عن التعمد على الصحيح؛ لأن الأمة٤ أجمعت على عصمتهم من الكذب ومواظبتهم على التبليغ والتحريض وإلا لارتفع الوثوق بالأداء واتفقوا على أن ذلك لا يجوز وقوعه منهم عمدا ولا سهوا ولا خطأ ولا نسيانا ومن الناس من جوز سهوا؛ لأن الاحتراز منه غير ممكن وليس بشيء، ولا عبرة ولا قيمة له، الثالث: ما يقع بالفتيا, فقد أجمعوا أيضا على أنه لا يجوز قطعا خطؤهم فيها ونسيانهم وسهوهم سواء، فعدم جواز العمد من باب أولى. وما أجازه بعضهم على طريق السهو لا صحة له؛ لأن الفتيا من قسم التبليغ بالنسبة إليهم إذ لا فرق في وجوب اتباعهم في أفعالهم وأقوالهم. الرابع: ما يقع من أفعالهم, قال الإمام الفخر: والمختار عندنا أهل السنة والجماعة أنه لم يصدر

стр. 101

منهم ذنب لا صغيرة ولا كبيرة من حين تنبئهم؛ لأن الذنب لو صدر عنهم لكانوا أقل درجة من أحد الأمة. ولأن معنى النبوة والرسالة أن يشهد على الله أنه شرع هذا الحكم مثلا وهو يوم القيامة شاهد على الكل, راجع الآية ٤٠ من سورة النساء, والآية ٨٩ من سورة النحل ... وهذا ما عليه إجماع أهل السنة والجماعة. واجتمعت الأمة على أن الأنبياء كانوا يأمرون الناس بطاعة الله فلو لم يطيعوه هم لدخلوا تحت قوله تعالى: ﴿تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ ١، وقد قال تعالى حكاية عن شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ ٣، ٤. لا رجعة لأحد قبل يوم القيامة: وقال بهذا أهل السنة والجماعة مستدلين بالكتاب والسنة، وقد سلف إيراد الأدلة. وفسر الشيخ محمد علي الصابوني٥ قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ٦. قال:

стр. 102

"أي: لو ردوا على سبيل الفرض؛ لأنه لا رجعة إلى الدنيا بعد الموت لعادوا إلى الكفر والإضلال, وإنهم لكاذبون في وعدهم بالإيمان"١. الميزان: قال الشيخ محمد العثمان القاضي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ ٢: أي وزن الأعمال والتمييز بين راجحها وخفيفها ... واختلف في كيفية الوزن فقيل: توزن صحف الأعمال بميزان له لسان وكفتان تنظر إليه الخلائق تأكيدا للحجة وإظهارا للنصفة وقطعا للمعذرة ... وقيل: توزن الأعمال قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ ٣، ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ ... الآية٤. وقيل: يوزن الأشخاص دليله حديث: "يؤتى بالرجل العظيم السمين يوم القيامة فلا يزن عند الله جناح بعوضة" ٥, وقول النبي ﷺ لعبد الله بن مسعود: "ألا تعجبون من دقة ساقيه! لهما عند الله أعظم من جبل أحد " ٦، ٧.

стр. 103

وقال الشيخ حسنين مخلوف في تفسيرها: "أي: والوزن الحق -أي العدل الذي لا ظلم فيه لصحائف الأعمال- كائن يوم يسأل الله الأمم ورسلهم، وإنما توزن الصحائف يومئذ بميزان لإظهار العدل الإلهي على رءوس الأشهاد"١. أما الشيخ محمد علي الصابوني, فأورد في تفسيرها رأي ابن كثير -رحمه الله تعالى- ثم قال: "أقول: لا غرابة في وزن الأعمال ووزن الحسنات والسيئات بالذات، فإذا كان العلم الحديث قد كشف لنا عن موازين للحر والبرد واتجاه الرياح والأمطار أفيعجز القادر على كل شيء عن وضع موازين لأعمال البشر"٢. أهل الكبائر: قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا, ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ ٣. قال الشيخ محمد العثمان القاضي في تفسيرها: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الشرك وهم المؤمنون ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ جاثين على الركب. قالت المعتزلة: في هذه الآية حجة على مذهبنا وهو تخليد أهل الكبائر والفساق في النار، بدليل أن الله بين أن الكل يردونها ثم بين صفة من ينجو منها وهم المتقون, والفاسق لا يكون متقيا، فيبقى مخلدا في النار، وهذا احتجاج باطل. فالمتقي هنا هو الذي يتقي الشرك بقوله: "لا إله إلا الله" فصاحب الكبير متق للشرك؛ لأنه مؤمن بالله ورسوله, ومن آمن بذلك صح أن يقال: إنه متق للشرك, فصارت الآية التي توهموها حجة لهم هي عليهم لا سيما والنص شاهد بذلك، فقد روى البخاري في صحيحه عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن برة من خير, ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه

стр. 104

وزن ذرة من خير, وفي لفظ: من إيمان". وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة الطويل: أن الناس قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فذكر الحديث إلى قوله: "ويحك يابن آدم ما أغدرك" الحديث بألفاظه. فصاحب الكبيرة قد يعاقب بقدر ذنبه ثم ينجو, والنصوص الصحيحة تؤيد هذا قطعا١. أما السيد عبد القادر ملا حويش فقال في تفسير هاتين الآيتين: "ولا دليل في هذه الآية لمن يقول: إن الفاسق وصاحب الكبيرة يخلد في النار؛ لأن المراد بالتقي المستثنى من الورود: من اتقى الشرك؛ لأن من آمن بالله ورسوله يصح أن يقال له: متقٍ الشرك, ولو كان مقترفا الكبائر من غير استحلال لأن المستحل لها كافر، ومن صدق عليه أنه متقٍ الشرك صح عنه أنه متقٍ؛ لأن التقى جزء من التقي من الشرك٢. ومن صدق عليه المركب صدق عليه المفرد فثبت أن صاحب الكبيرة والفاسق متق، وإذا ثبت لك هذا وجب أن لا يخلد في النار وأنه يخرج منها لعموم هذه الآية، وعليه إجماع الأمة من علماء التوحيد"٣، ثم استدل بالحديث السالف الذي رواه البخاري ثم قال: "فدلت الآية الأولى على أن الكل دخلوا النار، ودلت الثانية والأحاديث على أن الله أخرج منها المتقين والموحدين وترك فيها الظالمين المشركين فقط"٣، وقال: "هذا, وإن مذهب أهل السنة والجماعة هو أن صاحب الكبيرة قد يعاقب بقدر ذنبه ثم ينجو لا محالة، ويجوز أن يعفو الله عنه، وهذه الطريقة يجب التمسك بها والجنوح إليها فكل قول يخالف هذا باطل لا قيمة له, إذ لا مستند له على الآيات الصريحة والأحاديث الصحيحة, أما أقوال المخالفين فهي كيفية لا عبرة بها"٣. ثم ذكر أقوال المخالفين وأبطلها.

стр. 105

الولاء والبراء: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ١. فسرها الأستاذ محمد سيد طنطاوي وقال: "والخطاب في قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ للمؤمنين جميعا في كل زمان ومكان, إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب, والأولياء جمع ولي, ويطلق بمعنى النصير والصديق والحبيب. والمراد بالولاية هنا: مصافاة أعداء الإسلام والاستنصار بهم والتحالف معهم دون المسلمين, أي: يا أيها الذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ... لا يتخذ أحد منكم أحدا من اليهود والنصارى وليا ولا نصيرا أي: لا تصافوهم مصافاة الأحباب ولا تستنصروا بهم, فإنهم جميعا يد واحدة عليكم، يبغونكم الغوائل ويتربصون بكم الدوائر. فكيف يتوهم بينكم وبينهم موالاة؟ "٢. وأما المراد بالذين آمنوا من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ ٣, فقال في بيانه: "وما ورد من آثار تفيد أن المراد بالذين آمنوا شخص معين وهو علي بن أبي طالب ﵁ لا يعتمد عليها؛ لأنها كما يقول ابن كثير: "لم يصح شيء منها بالكلية لضعف أسانيدها وجهالة رجالها"، وقد توسع الإمام الرازي في الرد على الشيعة الذين وضعوا هذه الآثار, فارجع إليه إن شئت"٤. وأكد الدكتور طنطاوي هذه المعاني عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ

стр. 106

يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ١, بتحريم موالاة الكافرين مهما بلغت درجة قرابتهم, واعتبار هذه الموالاة من الكبائر؛ لوصف فاعلها بالظلم٢. أما الأستاذ محمد رشدي حمادي فبين المراد بالولاية، في آية سورة المائدة السابقة فقال: "المراد بالولاية التناصر والمحالفة, وقيده بعضهم بكونها على المؤمنين، وليس المقصود استعمالهم في الوظائف غير القيادية والشئون العامة التي لا تمس عزة المؤمنين"٣. ثم قال: "وهذا الحكم" في قطع الموالاة "باقٍ إلى يوم القيامة"٣. أما الشيخ محمد العثمان القاضي فبين معنى الولاية في الآية المشار إليها بقوله: "والمراد من النهي عدم معاملتهم ومعاشرتهم ومناصرتهم, فلا يجوز وصفهم بالإخوة كما نسمع في بعض الإذاعات, والله يقول: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ ٤، والمفهوم نفي الأخوة عنهم إذا لم يتوبوا ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة. ويقول: ﴿وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ ٥، وليت المسلمين طبقوا أحكام شريعتهم وسلكوا ما كان عليه سلفهم الصالح"٦، لكنه قال: "وأما مبايعتهم فلا بأس بها, فقد قبض رسول الله ﷺ ودرعه مرهون عند يهودي"٦. محبة الصحابة وسائر المؤمنين: وقد ورد الأمر بذلك في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٧، قال الشيخ محمد العثمان القاضي وفي قوله سبحانه:

стр. 107

﴿سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ ، دليل على المشاركة فيه، وأنهم تابعون للصحابة في عقائد الإيمان وأصوله، وهم أهل السنة والجماعة، الذين لا يصدق هذا الوصف التام إلا عليهم ووصفهم بالإقرار بالذنوب والاستغفار منها, واستغفار بعضهم لبعض، واجتهادهم في إزالة الغل والحقد عن إخوانهم المؤمنين, وأن يحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه وأن يكونوا كالعضو الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى, ثم قال: وفي ذلك حثّ على وجوب محبة من تقدم من المؤمنين ومراعاة حقوقهم علينا في السبق، وصفاء القلوب من بغض أحد منهم، عن ابن عمر أنه سمع رجلا يتناول بعض المهاجرين بالسب، فقرأ عليه: " ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ ١الآية. ثم قال: هؤلاء المهاجرون، أفمنهم أنت؟ قال: لا. ثم قرأ عليه: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ١ الآية، ثم قال: هؤلاء الأنصار، أفأنت منهم؟ قال: لا. ثم قرأ عليه: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ ١ الآية، ثم قال: أفمن هؤلاء أنت؟ قال: أرجو أن أكون منهم. قال: ليس من هؤلاء, واللهِ, من سبهم"٢. وقال الأستاذ علي رفاعي محمد في الآية السابقة: "وترشد الآية إلى الترغيب في الدعاء للصحابة ولكل مؤمن، وثمرة ذلك تصفية القلوب وتطهيرها من الحقد والعداوة، وفي الآية تحذير من بغض أحد من الصحابة, أخرج ابن مردويه عن ابن عمر ﵄-٣، ثم ساق الحديث السابق". محبة أهل البيت: قال تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ ٤. قال الشيخ محمد القاضي في تفسيرها: "أي: لا أسألكم على تبليغ الرسالة جعلا "إلا المودة في القربى".

стр. 108

قال الزجاج: استثناء ليس من الأول أي: إلا أن تؤدوا قرابتي فتحفظوها, والخطاب لقريش خاصة. قاله ابن عباس وعكرمة ومجاهد. والمعنى: إلا أن تودوني في قرابتي منكم، أي: تراعوا ما بيني وبينكم فتصدقوني. فالقربى ههنا قرابة الرحم, كأنه قال: اتبعوني للقرابة إن لم تتبعوني للنبوة. وقيل: القربى: قرابة الرسول ﷺ أي: لا أسألكم أجرا إلا أن تؤدوا لقرابتي حقهم وهم أهل البيت، للحديث الصحيح: "أذكركم الله في أهل بيتي". وقد وردت أحاديث صحيحة فيها الأمر بإكرام أهل بيت رسول الله ﷺ وقرابته ... فواجب على الإنسان مودتهم، وحب قرابته وآله من حبه١. ووضح الأستاذ أبو الأعلى المودودي٢ المراد بأهل البيت في تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ ٣، فقال: "يظهر من السياق الذي وردت فيه هذه الآية أن المراد بأهل البيت أزواج النبي ﷺ الطاهرات؛ لأن الخطاب بدأ بقوله: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ﴾ ، وهن بعينهن المخاطبات فيما قبل الآية التي بين يدينا وما بعدها. كما أن لفظ "أهل البيت" -علاوة على هذا- يستخدم في اللغة العربية في نفس المعنى الذي نستخدم نحن٤ فيه لفظ أصحاب البيت ويدخل بالطبع في هذا المعنى زوجة الرجل وأولاده ولا يستطيع أحد أن يطلق لفظ "أهل البيت" مستثنيا منه

стр. 109

الزوجة، بل إن هذا اللفظ جاء في موضعين آخرين من القرآن الكريم نفسه بمعنى يشمل "الزوجة" في داخله إن لم تكن مقدمة فيه على غيرها، فقد جاء في سورة هود حين بشرت الملائكة إبراهيم ﵇ بولده إسحاق وتعجبت زوجته حين سمعت ذلك وقالت: ﴿يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ فردت عليها الملائكة: ﴿أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [آيات ٧٢ و٧٣] ، وجاء في سورة القصص حين وصل موسى ﵇ إلى بيت فرعون وهو رضيع وكانت امرأة فرعون تبحث عن مرضعة لترضع موسى فقالت أخته: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ [آية: ١٢] فاستخدام أهل اللغة إذن واستخدام القرآن نفسه لهذا اللفظ وسياق الآية ذاتها, كل ذلك يدل دلالة قاطعة على أن زوجات النبي المطهرات يدخلن كذلك في أهل بيته ﷺ , كما يدخل أولاده. بل الأصح أن الخطاب في الآية إليهن أصلا أما أولاده فيدخلون فيه ضمنا وعلى هذا الأساس قال ابن عباس وعروة بن الزبير وعكرمة: إن المراد بأهل البيت في هذه الآية أزواج النبي صلى الله عليه وسلم١. ثم قال: "وهناك فرقة لم تكتف في تفسير هذه الآية بارتكاب ظلم إخراج نساء النبي من زمرة أهل البيت وقصر اللفظ على سيدنا علي وفاطمة وأولادهما، بل بلغت في الظلم والعسف قدرا أكبر وأعظم, إذ استنتجت من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ ٢، أن عليا وفاطمة وأولادهما ﵃ معصومون كعصمة الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام, فهم يقولون: إن المراد بالرجس الخطأ والذنب وقد طهر أهل البيت منه بنص هذه الآية غير أن لفظ الآية لا يقول: إن الله قد أذهب عنكم الرجس وطهركم تماما، بل إن الله يريد إذهاب الرجس عنكم وتطهيركم وسياق الآية وما يتصل بها من قبل ومن بعد لا يفصح عن أن المقصود هنا ذكر

стр. 110

مناقب أهل البيت إنما الموضوع هنا هو نصح أهل البيت أن افعلوا كذا ولا تفعلوا كذا؛ لأن الله يريد أن يطهركم. وبألفاظ أخر يعني أنكم إذا اخترتم كذا وكذا من السلوك فسوف تنالكم نعمة الطهر والنظافة وإلا فلا. ذلكم أننا لو فهمنا من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ أنه قد عصمهم فليس هناك ما يمنعنا من التسليم بأن كل المسلمين المتوضئين والمغتسلين والمتيممين معصومون كذلك؛ لأن الله تعالى قال فيهم: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٦] "١. وقد بين المراد بأهل البيت وبالتطهير في الآية السابقة -آية الأحزاب- الدكتور مصطفى زيد فقال في المراد بأهل البيت: "إن نساء النبي هن سبب نزول هذه الآيات، فدخولهن في أهل البيت موضع اتفاق بين جميع المفسرين إما وحدهن على قول، وإما مع غيرهن على قول آخر هو الصحيح"٢، ثم ذهب يستدل لما رجحه من القولين وأورد بعد هذا ما زعمه ابن المطهر الحلي من الشيعة بقوله: "وفي هذه الآية دلالة على العصمة مع التأكيد بلفظ "إنما" وإدخال اللام في الخبر والاختصاص في الخطاب بقوله: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ ، وغيرهم ليس بمعصوم ... إلخ"، وعلق الدكتور مصطفى زيد على هذا الزعم بأنه لا اعتبار له وساق بعد هذا نصا لابن تيمية -رحمه الله تعالى- في كتابه: منهاج السنة في الرد على ما زعمه ابن المطهر وهو طويل, لكن فيه البيان كل البيان فليرجع إليه من شاء، وقد عقب الدكتور مصطفى عليه بقوله: "وقد آثرنا أن ننقل عن ابن تيمية هذا النص كاملا بالرغم من طوله؛ لأن مسألة الاستدلال بالآية على الإمامة والعصمة مسألة بالغة الخطر، فإن فيها تحميلا للآية ما لا تحتمله بحال ولا تدل عليه من قريب ولا بعيد, وفيها فوق هذا خروج على مبدأ مقرر ينبغي ألا يكون موضع رأي، وألا يكون محلا لاجتهاد قد يخطئ وقد يصيب, وهذا المبدأ هو الوقوف بالآيات عند ما تدل عليه، دون تكلف ولا انحراف بها عما أنزلت لتقرره, وأنه إذا كان فريق من المفسرين يقصر ما تدل عليه الآية على سبب
следующие страницы →