الكتابيات المحربات وسائر المشركات على التحريم، ولو اقترنت الآيتان لقلت: إن ذلك تخصيص للعموم، كما اشتهر في المذهب وعند الشافعية من أن ذلك من تخصيص العام، ومن جواز تأخير دليل الخصوص في العموم، ولو كانت مقارنة بين العام والخاص، ولك أن تقول: لا نسخ ولا تخصيص؛ بل المشركات في الآية غير الكتابيات؛ لأنه كثر في القرآن مقابلة المشركات بالكتابيات؛ كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ ١، ولو كان أهل الكتاب أيضًا مشركين؛ لقوله سبحانه: ﴿عَمَّا يُشْرِكُون﴾ ٢، وأجاز بعض قومنا نكاح الحربيات الكتابيات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب وليس بشيء، ونص ابن عباس على المنع وهو الصحيح"٣.
وقد أكد هذا المنع في تفسيره لآية المائدة فقال: "ولا تحل الحربية ولو حرة عندنا، وهو قول ابن عباس؛ لبعد شأنها، ولأن التزوج بر، وقد قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّه﴾ ٤ ... إلخ، وقال الله : ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا﴾ ٥ ... إلخ، وقال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ ٦، وكيف يكون الود والرحمة للكافرة؟! ويستثنى من ذلك الحب الممنوع مقدار مخصوص للكتابية التي ليست محاربة، فيجوز في حقها لها على متزوجها، وذهب البعض إلى أن هذه الآيات تفيد الكراهة فقط، وعن الشافعي كراهة تزوج الحرة الكتابية المحاربة، وأباحها الشافعية"٧.
стр. 527
الإصباح على جنابة:
وعند الإباضية أنه يجب الكف عن الجماع قبل وقت الإمساك بوقت كافٍ للغسل، فإن أصبح جنبًا فقد أفطر، وقد أشار إلى ذلك إشارة سريعة الشيخ إطفيش عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْر﴾ ١، فقال: "حتى" غاية للأكل والشرب لا لهما وللجماع؛ لقوله ﷺ : "من أصبح جنبًا أصبح مفطرًا" ٢؛ فيجب الكف عنه إذا لم يبق ما يتطهر فيه"٣.
هذه بعض الأمثلة على تفسير آيات الأحكام عند الشيخ محمد بن يوسف إطفيش، وإن كنت قد اكتفيت بالقليل فمرجع ذلك غلى ضيق مجال الخلاف بيننا وبينهم في الأحكام الفقهية؛ وإنما ينحصر الخلاف الكبير في بعض العقائد، وقد سبق تناولنا لهذا الخلاف في موضع آخر ليس هذا محله.
وبنهاية حديثي عن تفسير آيات الأحكام عند الإباضية ينتهي حديثنا عن تفسير آيات الأحكام في العصر الحديث.
ولا أحسبني بحاجة إلى إبداء الرأي فيه؛ فقد ذكرت رأيي في كل منهج من هذه المناهج عند ذكره وتناوله أمثلته، وما لم أناقشه من الآراء الفقهية عند الشيعة أو الإباضية فإنما فعلت ذلك اكتفاءً بذِكْرِي تفسير أهل السنة له في موضعه؛ إذ هو المقياس الصحيح، وبالله التوفيق.
стр. 528
الفصل الثاني: المنهج الأثري في التفسير
المراد به:
نقصد بالمنهج الأثري في التفسير ما يُعرف بالتفسير بالمأثور، وقد اتفق أهل التفسير -إلا فيما ندر- على أن المراد به: ما جاء في القرآن الكريم نفسه من البيان والتفصيل لبعض آياته، وما نقل عن الرسول ﷺ ، وما نقل عن أصحابه ﵃ من ذلك، واختلفوا فيما نقل عن التابيعن -رحمهم الله تعالى- هل هو من التفسير بالمأثور أو من التفسير بالرأي؟
ومما لا شك فيه أن أصح طرق التفسير تفسير القرآن بالقرآن، ثم تفسيره بالسنة، ثم تفسيره بأقوال الصحابة، وإلى هذه الدرجات ينقسم التفسير بالمأثور.
وقد أَوْلَى علماء التفسير من السلف التفسير بالمأثور -بأنواعه السالفة- عناية كبيرة؛ فأوردوا في تفاسيرهم الكثير والكثير منها، وزادوا عليه أحيانًا ببيان آرائهم بالترجيح فيما فيه احتمال.
وليس من الحق الاعتقاد بأن التصنيف في التفسير بالمأثور عمل آلي ليس لصاحبه من عمل فيه إلا النقل؛ بل إن هذا النوع من التفسير يحتاج إلى جُهْد من المفسر وجُهْد من القارئ للتفسير لتحري مذهب المفسِّر، جُهْد من المفسر ليجمع حول الآية "ما يرى" أنها متجهة إليه، فيقصد إلى "ما يتبادر إلى ذهنه" من معناها، وتحت هذا التأثير قد يقبل مرويًّا ويُعنَى به ولو لم يكن صحيحًا، ويرفض
стр. 529
مرويًّا حين لا يرتاح إليه، وجُهْد من القارئ لاستشفاف مذهب المفسر وآرائه، وتحري الآثار التي رفضها المفسر لعدم موافقتها له؛ ومن ثم كان التفسير المأثور لصاحب الرأي من أخطر التفاسير؛ حيث إن المفسر بالرأي ينص على رأيه صريحًا؛ بينما ذو الرأي المفسر بالمأثور يلبس آراءه ثوب المأثور فيخدع به مَن لا يعرف صحيحه من ضعيفه.
ولا يقلل هذا بحال من الأحوال من قيمة التفسير بالمأثور؛ إذ المراد بثناء العلماء ما صح من التفسير بالمأثور وليس ما دونه.
وليس من شأننا هنا بحيث هذا النوع من التفسير والتوسع فيه، فذلك شأن آخر لا يعنينا هنا، ما دام الاتفاق على تقدميه قائمًا وعلى فضله دائمًا، فلننظر في تفاسير القرن الرابع عشر الهجري، ولننظر موقعها من هذا التفسير.
стр. 530
التفسير بالمأثور في القرن الرابع عشر الهجري:
مما يؤسف له ويحز في النفس أني لم أكد أجد مَن يُعنَى بهذا النوع من التفسير، ويوليه جل اهتمامه من مفسير القرن الرابع عشر الهجري، وحاشا أن أسيء بهم الظن فأعتقد أنهم ينكرونه، وحاشا أن أسيء الظن بعلمهم فأظنهم لا يدركونه.
وإن التمست لهم عذرًا بعد ذلك فلا أظنه إلا أنهم اكتفوا من التفسير بالمأثور بمعانيه عن ألفاظه ونصوصه، فإن عرضت لهم آية من القرآن يفسرونها ذكروا التفسير من غير أن يذكروا الآية المفسرة، أو ذكروه من غير ذكر الحديث الصحيح فيه.
والذي يجعلني أجزم جزمًا بقيمة هذا النوع من التفسير عند مفسري القرن الرابع عشر حرص بعضهم على وصف تفاسيرهم به؛ بل اشتقاق أسمائها منه، فهذا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله تعالى- يسمي تفسيره: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، وأحسبه اسمًا على مسمى.
стр. 531
بل تعلق بهذه التسمية مَن لم يلتزمها ولا يقصد التزامها، فهذا الأستاذ عبد الكريم الخطيب يسمِّي تفسيره: "التفسير القرآني للقرآن"، وهو كما يقول في مقدمة تفسيره لم يكتب فيه إلا ما وقع في مشاعره "!! " من صور العجب والدهش والروعة عندما يرتيل آيات الله ترتيلًا.
وتعلق بهذه التسمية مَن ادعاها لدس آراء مختلفة وتلبيسها هذا اللباس المحبب إلى المؤمنين، فهذا محمد الصادقي من مفسري الشيعة يسمِّي تفسيره: "الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنة".
بل وقد تعلَّق بهذه التسمية أحد الملحدين في هذا العصر، واتخذ من هذه التسمية ستارًا لإلحاده وكفره، يحسب أنه يخدع بهذا المؤمنين، فهذا محمد أبو زيد يسمِّي تفسيره -بل إلحاده- "الهداية والعرفان في تفسير القرآن بالقرآن".
قصدت من هذا بيان أن التفسير بالمأثور ليس شعارًا يُتخذ؛ بل هو مضمون يُلتزم، وقصدت أن أبيِّن منزلة هذا النوع من التفسير -أعني: التفسير بالمأثور- عند المعاصرين؛ حتى التزمه أهل الحق وادعاه أهل الضلال والإلحاد.
ثم أني نظرت فيما بين يدي من التفاسير في القرن الرابع عشر فوجدت أكثرها اهتمامًا بالتفسير بالمأثور هما:
١- أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، للشيخ محمد الأمين الشنقيطي.
٢- الموجز في تفسير القرآن الكريم "المصفى" الجامع بين صحيح المأثور وصريح المعقول، تأليف المستشار محمد رشدي حمادي.
ولذا، فإني آثرت أن أفرد كلًّا منهما بدراسة موجزة:
стр. 532
أولا: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
مدخل
...
أولًا: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
أما المؤلف: فهو الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، وقد سبقت ترجمته.
أما الكتاب: فهو هو أضربه مثلًا مرة أخرى؛ ولكن للتفسير بالمأثور هنا.
وما ذنبي إذا كان المؤلف -رحمه الله تعالى- التزم مذهب هل السنة والجماعة فضربته لهم مثلًا، وما ذنبي إذا كان ﵀ قد برع في تفسير آيات الأحكام؛ فاقتبست من تفسيره لها أمثلة للتفسير الصحيح، وما ذنبي ثالثة إذا كان ﵀ قد برز على أقرانه في التفسير بالمأثور؛ فكان بحق إمام المفسرين في القرن الرابع عشر.
فهل يشفع لي إن ذكرته وشكرته في جانب أن أغمطه حقه في جانب آخر؟ لا أظن هذا، ولا يخطر لي ببال، كيف وهو قد صرح في مقدمة تفسيره تصريحًا لا لبس فيه أن من أهم المقصود بتأليفه أمرين:
أحدهما: بيان القرآن بالقرآن؛ لإجماع العلماء على أن أشرف أنواع التفسير وأجلها تفسير كتاب الله بكتاب الله؛ إذ لا أحد أعلم بمعنى كلام الله جلا وعلا من الله جل وعلا١.
ثم شرح الطريقة التي التزمها في هذا النوع من التفسير بقوله: "وقد التزمنا أنا لا نبيِّن القرآن إلا بقراءة سبعية، سواء كانت قراءة أخرى في الآية المبينة نفسها، أو آية أخرى غيرها، ولا نعتمد على البيان بالقراءات الشاذة، وربما
стр. 533
ذكرنا القراءة الشاذة استشهادًا للبيان بقراءة سبعية، وقراءة أبي جعفر ويعقوب وخلف ليست من الشاذ عندنا ولا عند المحققين من أهل العلم بالقراءات"١.
وذكر أن الأمر الثاني من مقصوده في هذا التفسير بيان الأحكام الفقهية، فإذا كان مقصوده بيان القرآن وتفسير آيات الأحكام، فهو بلا شك مثال صحيح لهذين المنهجين في التفسير، وإذا كان قد التزم فيهما بمذهب أهل السنة والجماعة لم يحد عنه فهو مثال أيضًا يجب اعتباره.
стр. 534
أمثلة من تفسيره:
ذكرنا آنفًا أن التفسير بالمأثور على ثلاثة طرق؛ أصحها تفسير القرآن بالقرآن، ثم بالسنة، ثم بأقوال الصحابة. وعلى هذه الطرق الثلاثة سيكون سيرنا بإذن الله في هذا التفسير المبارك.
أولًا: تفسير القرآن بالقرآن:
وهذا النوع من التفسير هو الذي أبرزه المؤلف في تفسيره واعتنى به عناية كبيرة؛ بل أفرده بدراسة قيِّمة في مقدمة تفسيره، لا أحسبك تجدها بهذا الجمع والتتريب عند سواه، ولولا أنه ذكر من أنواع بيان القرآن بالقرآن أكثر من عشرين نوعًا في أكثر من عشرين صفحة لسقتها لك بحذافيرها؛ فهي الكنز عليك به من معدنه، وتعجب حين تقرأ له بعد أن عدَّد هذه الأنواع قوله: "واعلم -وفقني الله وإياك لما يحبه ويرضاه- أن هذا الكتاب المبارك -يعني: تفسيره- تضمن أنواعًا كثيرة جدًّا من بيان القرآن بالقرآن غير ما ذكرنا، وتركنا ذكر غير هذا منها خوف إطالة الترجمة، والمقصود بما ذكرنا من الأمثلة مطلق بيان كثرة الأنواع التي تضمنها واختلاف جهاتها -وفي البعض تنبيه لطيف على الكل- والغرض أن يكون الناظر في الترجمة على بصيرة مما يتضمنه الكتاب في الجملة قبل الوقوف على جميع ما فيه"١.
стр. 535
ولذا فلا تثريب عليَّ أن ذكرت بعض الأمثلة لبعض الأنواع التي جاءت في تفسيره -رحمه الله تعالى- فهي أنواع كثيرة وأمثلة أكثر، فمن ذلك:
بيان الإجمال:
وقد ذكر -رحمه الله تعالى- في مقدمة تفسيره أن الإجمال يكون بسبب الاشتراك، سواء كان الاشتراك في اسم أو فعل أو حرف.
ومن الاشتراك في اسم قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق﴾ ١، قال -رحمه الله تعالى- في ذلك: "في المراد بالعتيق هنا للعلماء ثلاثة أقوال:
الأول: أن المراد به القديم؛ لأنه أقدم مواضع التعبد.
الثاني: أن الله أعتقه من الجبابرة.
الثالث: أن المراد بالعتق فيه الكرم، والعرب تسمي القديم عتيقًا وعاتقًا، ومنه قول حسان ﵁:
كالمسك تخلطه بماء سحابة ... أو عاتق كدم الذبيح مدام
لأن مراده بالعاتق الخمر القديمة التي طال مكثها في دنها زمنًا طويلًا، وتسمي الكرم عتقًا، ومنه قول كعب بن زهير:
قنواء في حرتيها لبصير بها ... عتق مبين وفي الخدين تسهيل
فقوله عتق مبين؛ أي: كرم ظاهر، ومنه قول المتنبي:
وبين عتق الخيل في أصواتها
أي: كرمها، والعتق من الجبابرة كالعتق من الرق، وهو معروف.
وإذا علمت ذلك فاعلم أنه قد دلت آية من كتاب الله على أن العتيق في الآية بمعنى: القديم الأول، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ الآية، مع أن المعنيين الآخرين كلاهما حق؛ ولكن القرآن دل على
стр. 536
ما ذكرنا، وخير ما يفسر به القرآن القرآن"١.
وقد يكون الإجمال بسبب إبهام في اسم جنس جمعًا كان أو مفردًا أو اسم جمع أو صلة موصول أو معنى حرف.
ومثال الإجمال بسبب الإبهام في اسم جنس مجموع قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ ٢، قال -رحمه الله تعالى- في ذلك: "لم يبين هنا ما هذه الكلمات؛ ولكنه بيَّنها في سورة الأعراف بقوله: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ "٣، ٤.
ومثال الإجمال بسبب الإبهام في اسم جنس مفرد قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ ٥ الآية، قال -رحمه الله تعالى- في تفسيرها: "لم يبين هنا هذه الكلمة الحسنى التي تمت عليهم؛ ولكنه بينها في القصص بقوله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ "٦، ٧.
ومن أمثلة هذا النوع -أعني: أن يكون الإجمال بسبب الإبهام في اسم جنس مفردًا- قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ٨، قال -رحمه الله تعالى-: "فقد بينها بقوله: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ٩ ونحوها من الآيات"١٠.
стр. 537
ومثال الإجمال بسبب الإبهام في اسم جمع قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ ١ الآية، قال -رحمه الله تعالى- في تفسيرها: "لم يبين هنا مَن هؤلاء القوم؛ ولكنه صرح في سورة الشعراء بأن المراد بهم بنو إسرائيل؛ لقوله في القصة بعينها: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرائيل﴾ ٢ الآية، وأشار إلى ذلك هنا بقوله بعده: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ﴾ ٣ الآية" ٤.
ومثال الإجمال بسبب الإبهام في صلة موصول قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] قال -رحمه الله تعالى- في تفسيرها: "لم يبين هنا مَن هؤلاء الذين أنعم الله عليهم، وبيَّن ذلك في موضع آخر بقوله: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ "٥.
ومثال الإجمال بسبب الإبهام في معنى حرف قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ٦، وقال -رحمه الله تعالى- في تفسيرها: "عبر في هذه الآية الكريمة بمن التبعيضية الدالة على أنه ينفق لوجه الله بعض ماله لا كله، ولم يبين هنا القدر الذي ينبغي إنفاقه، والذي ينبغي إنفاقه هو الزائد على الحاجة وسد الخلة التي لا بد منها، وذلك كقوله: ﴿وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ ٧، والمراد بالعفو: الزائد على قدر الحاجة التي لا بد منها على أصح التفسيرات، وهو مذهب الجمهور"٨.
стр. 538
ومن أنواع البيان: بيان الإجمال الواقع بسبب احتمال في مفسر الضمير، ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيد﴾ ١.
قال -رحمه الله تعالى-: "فإن الضمير يحتمل أن يكون عائدًا إلى الإنسان، وأن يكون عائدًا إلى رب الإنسان المذكور في قوله: ﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُود﴾ ١؛ ولكن النظم الكريم يدل على عوده إلى الإنسان، وإن كان هو الأول في اللفظ؛ بدليل قوله بعده: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ١، فإنه للإنسان بلا نزاع وتفريق الضمائر بجعل الأول للرب والثاني للإنسان لا يليق بالنظم الكريم"٢.
ومن أنواع البيان: أن يذكر شيء في موضع ثم يقع سؤاله عنه في موضع آخر؛ كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ ٣، قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: "لم يبين هنا ما العالَمون، وبيَّن ذلك في موضع آخر بقوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ ٤ الآية"٥.
ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّين﴾ ٦، قال -رحمه الله تعالى-: "لم يبينه هنا وبينه في قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ، ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ، يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ ٧ الآية"٨.
ومن أنواع البيان التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى أن يذكر أمر في موضع، ثم يذكر في موضع آخر شيء يتعلسق بذلك الأمر، كأن يذكر له سبب أو مفعول او ظرف مكان أو ظرف زمان أو متعلق.
стр. 539
فمثال ذكر سببه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ ١، قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: "لم يبين هنا سبب قسوة قلوهم؛ ولكنه أشار إلى ذلك في موضع آخر كقوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ ٢، وقوله: ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ ٣ الآية"٤.
ومن أمثلة المتعلق قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَان﴾ ٥ الآية، وقوله: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَة﴾ ٦، وقوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ ٧ فقد ذكر لانشقاقها متعلقًا في الفرقان في قوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ ٨ الآية٩.
هذه بعض الأمثلة الكثيرة جدًّا، والتي وردت في تفسيره -رحمه الله تعالى- على أصح طرق التفسير؛ ألا وهو تفسير القرآن بالقرآن، وهو النوع الأول من التفسير بالمأثور.
ثانيا: تفسير القرآن بالسنة
أما تفسير القرآن بالسنة ومن أقوال الرسول ﷺ فقد أورد -رحمه الله تعالى- عددًا كثيرًا منها، وهذه بعضها:
فمن ذلك: تفسيره لقوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ
стр. 540
وَلا الضَّالِّينَ﴾ ١، قال: "قال جماهير من علماء التفسير: "المغضوب عليهم" اليهود "الضالون" النصارى، وقد جاء الخبر بذلك عن رسول الله ﷺ من حديث عدي بن حاتم ﵁"٢.
وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ٣، وأما الذين قالوا الأطهار فاحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِن﴾ ٤ "قالوا: عدتهن المأمور بطلاقهن لها الطهر لا الحيض كما هو صريح الآية، ويزيده إيضاحًا قوله ﷺ في حديث ابن عمر المتفق عليه: "فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرًا قبل أن يمسها فتلك العدة كما أمره الله"٥، قالوا: إن النبي ﷺ صرح في هذا الحديث المتفق عليه بأن الطهر هو العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء، مبينًا أن ذلك هو معنى قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِن﴾ ، وهو نص من كتاب الله وسنة نبيه في محل النزاع.
قال مقيده -عفا الله عنه- الذي يظهر لي أن دليل هؤلاء هذا فصل في محل النزاع؛ لأن مدار الخلاف هل القروء الحيضات أو الأطهار؟ وهذه الآية وهذا الحديث دل على أنها الأطهار.
ولا يوجد في كتاب الله ولا سنة نبيه ﷺ شيء يقاوم هذا الدليل، لا من جهة الصحة، ولا من جهة الصراحة في النزاع؛ لأنه حديث متفق عليه مذكور في معرض بيان معنى آية من كتاب الله تعالى"٦.
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ ٧، قال -رحمه الله تعالى-: "أنكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة على مَن يتقي غيره؛ لأنه لا ينبغي أن يتقي إلا
стр. 541
من بيده النفع كله والضَّر كله؛ لأن غيره لا يستطيع أن ينفعك بشيء لم يرده الله لك، ولا يستطيع أن يضرك بشيء لم يكتبه الله عليك" -إلى أن قال- وقد ثبت في الصحيح عنه ﷺ أنه قال: "اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد" ١، وفي حديث ابن عباس المشهور: "واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف" ٢، ٣.
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ ٤ الآيتين، قال: وهذا الذي دلت عليه الآيتان من الزجر عن النظر إلى ما لا يحل جاء موضحًا في أحاديث كثيرة.
منها ما ثبت في الصحيح عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إياكم والجلوس بالطرقات"، قالوا: يا رسول الله، ما لنا من مجالسنا بُدٌّ نتحدث فيها، قال: "فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه"، قالوا وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: "غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر" انتهى.
هذا لفظ البخاري في صحيحه٥، وذكر -رحمه الله تعالى- عددًا من الأحاديث غير هذا.
والأمثلة في تفسيره القرآن بالسنة كثيرة جدًّا؛ منها ما هو تفسير مُبهم، ومنها ما هو تخصيص للعام، ومنها ما هو مقيد لمطلق، ومنها ما هو بيان لمعنى أو متعلقه،
стр. 542
ومنها ما هو بيان أحكام زائدة على ما جاء في القرآن، ومنها ما هو بيان للناسخ والمنسوخ، ومنها ما هو تأكيد لما جاء في القرآن، وغير ذلك.
ثالثا: تفسير القرآن بأقوال الصحابة:
والمؤلف -رحمه الله تعالى- كثيرًا ما يستشهد بالتفسير الصحيح لصحابة رسول الله ﷺ ، وكثيرًا ما يذكر لتفاسيرهم شواهد من آيات القرآن الكريم أو من سنة المصطفى ﷺ .
ففي تفسير قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ .
قال -رحمه الله تعالى-: " ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ وقع نظيره قطعًا لأهل مكة لما لجوا في الكفر والعناد، ودعا عليهم رسول الله ﷺ وقال: "اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف" ٢، فأصابتهم سنة أذهبت كل شيء حتى أكلوا الجيف والعلهز -وهو وبر البعير يخلط بدمه إذا نحروه- وأصابهم الخوف الشديد بعد الأمن، وذلك الخوف من جيوش رسول الله ﷺ وغزواته وبعوثه وسراياه، وهذا الجوع والخوف أشار لها القرآن على بعض التفسيرات؛ فقد فسر ابن مسعود آية "الدخان" بما يدل على ذلك".
ثم ذكر -رحمه الله تعالى - بعض الروايات عن ابن مسعود ﵁ وعقب عليها قائلًا: "وفي تفسير ابن مسعود ﵁ لهذه الآية الكريمة- ما يدل دلالة واضحة أن ما أذيقت هذه القرية المذكورة في "سورة النحل" من لباس الجوع أذيقه أهل مكة حتى أكلوا العظام، وصار الرجل منهم
стр. 543
يتخيل له مثل الدخان من شدة الجوع، وهذا التفسير من ابن مسعود ﵁ له حكم الرفع لما تقرر في علم الحديث من أن تفسير الصحابي المتعلق بسبب النزول له حكم الرفع، كما أشار له صاحب طلعة الأنوار بقوله:
تفسير صاحب له تعلق ... بالسبب الرفع له محقق
وكما هو معروف عند أهل العلم"١.
وقال -رحمه الله تعالى- مثل هذا التوثيق لتفسير الصحابي عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ ٢، فساق الحديث الذي رواه الشيخان وأبو داود والترمذي٣، عن جابر ﵁ قال: كانت اليهود تقول إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول؛ فنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ ٤، ثم علق على ذلك قائلًا: "فظهر من هذا أن جابرًا ﵁ يرى أن معنى الآية: فائتوهن في القبل على أية حالة شئتم ولو كان من ورائها"٥، ثم قال: "والمقرر في علوم الحديث" ... إلخ النص السابق قبل أسطر.
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ٦ الآية، قال -رحمه الله تعالى-: "لا يخفى ما يسبق إلى الذهن في هذه الآية الكريمة من عدم ظهور وجه الربط بين هذا الشرط وهذا الجزاء؛ وعليه ففي الآية نوع إجمال، والمعنى كما قالت أم المؤمنين عائشة ﵂: إنه كان الرجل تكون عنده اليتيمة في حجره، فإن كانت جميلة تزوجها
стр. 544
من غير أن يقسط في صداقها، وإن كانت دميمة رغب عن نكاحها وعضلها أن تنكح غيره؛ لئلا يشاركه في مالها، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا إليهن، ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن ... وهذا المعنى الذي ذهبت إليه أم المؤمنين عائشة ﵁ يبينه ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ ١.
وقالت ﵂: إن المراد بما يُتلَى عليكم في الكتاب هو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ الآية؛ فتبين أنها يتامى النساء؛ بدليل تصريحه بذلك في قوله: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ الآية، فظهر من هذا أن المعنى: وإن خفتم ألا تقسطوا في زواج اليتيمات فدعوهن, وانكحوا ما طاب لكم من النساء سواهن، وجواب الشرط دليل واضح على ذلك؛ لأن الربط بين الشرط والجزاء يقتضيه، وهذا هو أظهر الأقوال لدلالة القرآن عليه"٢.
وكذا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ ٣، قال -رحمه الله تعالى-: "في معنى هذه الآية أوجه للعلماء؛ منها: أن المعنى: ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين يوم القيامة سبيلًا، وهذا مروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس ﵃ ويشهد له قوله تعالى في أول الآية: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ﴾ الآية، وهو ظاهر"٤.
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً﴾ ٥، قال -رحمه الله تعالى-: "والتحقيق أن المراد بالكلالة عدم الأصول والفروع، وهذا قول
стр. 545
أبي بكر الصديق ﵁ وأكثر الصحابة، وهو الحق إن شاء الله تعالى"١.
هذه بعض الأمثلة لتفسير الصحابة ﵃ التي أوردها المؤلف -رحمه الله تعالى- في تفسيره، والمطلع على تفسيره يدرك بحق اهتمامه -رحمه الله تعالى- بتحري تفسير الصحابة -الصحيح منه- والقول به، والاستشهاد لما يعضده من الآي والحديث.
ومن هذه الأمثلة التي سقناها من تفسيره القرآن بالقرآن وبالسنة وبأقوال الصحابة ﵃ يظهر أثر التفسير بالمأثور في تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن "بما يجعله في مقدمة التفاسير في العصر الحديث من غير منازع حسب ما اطعلت عليه من التفاسير".
стр. 546
ثانيا: الموجز في تفسير القرآن الكريم
منهجه في التفسير
...
ثانيًا: الموجز في تفسير القرآن الكريم
ِ"المصفى: الجامع بين صحيح المأثور وصريح المعقول"
أما المؤلف: فهو المستشار محمد رشدي حمادي، ولم أجد له ترجمة.
أما الكتاب: فهو الموجز في تفسير القرأن الكريم "المصفى الجامع بين صحيح المأثور وصريح المعقول".
وبين يدي الجزء الأول منه، ويقع في ٥٥١ صفحة بدون الفهارس، وفيه تفسير سور: الفاتحة والبقرة وآل عمران، والجزء الثاني ويقع في ٥٦٧ صفحة كذلك، وفيه تفسير سورة النساء والمائدة والأنعام.
وهما ما حصلت عليه من هذا التفسير الذي ليس فيه ما يدل على رَقْمِ الطبعة ولا تاريخها، وطبع هذان الجزآن في دار إحياء الكتب العربية.
منهجه في التفسير:
قال المؤلف في مقدمته للتفسير معرفًا به: "هو خلاصة التفاسير المجمع عليها بين المفسرين من علماء الأمة الإسلامية، وقد خلا من تأويلات المذاهب الشاذة، والإسرائيليات، والتفسير بالرأي، التي عمرت بها كتب التفاسير دون مبرر، فضلًا عن أنه تفسير وافٍ لفهم نصوص القرآن العظيم كما بيَّنها الرسول الكريم، وكما أجمع عليها المفسرون طوال العصور من تفسيرات لا تخرج النصوص عن مبانيها، وليس لي فيه من فضل سوى الاقتباس والاختيار، ولم أضف إليه بدعًا من المذاهب أو الآراء، وعلى الله قصد السبيل"١، وسنذكر إن شاء الله -آخر- ما التزم به من هذه الأمور وما لم يلتزم به.
стр. 547
أمثلة من تفسيره:
تفسير القرآن بالقرآن:
ففي الفاتحة مثلًا فسَّر "يوم الدين: من قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّين﴾ ١ بقوله: "وبينه الله تعالى في سورة الانفطار بقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ، ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ، يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ "٢ [الانفطار: ١٧-١٩] .
وفسر قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ١ بقوله: "ويعني: الأنبياء والمؤمنين، وقد بينه في سورة النساء بقوله: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ "٣ [النساء: ٩٦] .
وفسر قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ ١ بقوله: "وقال السهيلي: وشاهد ذلك قوله تعالى في اليهود: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ ٤، وفي النصارى: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ ٥، ٦.
ومن سورة البقرة مثلًا فسر قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ ٧ الآية، بقوله: "ونحن ذاكرون لك -إن شاء الله- ما يجلي المعنى في الآية، مقتفين أثر ابن العدل٨ والقرطبي فيما قالاه في معنى "كان"، وأنها للثبوت لا للمضي، غير أنا نقدم لك ما جاء في كتاب الله من وصف الأمة بالواحدة، والمعنى من ذلك الوصف في مواضعه المختلفة؛ ليكون في ذلك توضيح لما نقصد إليه، وسند لنا فيما إليه نعمد، والله الموفق.
стр. 548
ورد وصف الأمة بالواحدة في قوله تعالى في سورة الأنبياء ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ، وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ [٢١: ٩٢، ٩٣] جاءت هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ إلخ بعد ذكر جمع من الأنبياء -صلوات الله عليهم- وذكر ما كان من شأنهم مع قومهم، والخطاب فيها للأنبياء كما يفسره قوله تعالى في سورة المؤمنين بعدما ذكر من أحوال الأنبياء والمرسلين وما كان من أقوامهم معهم: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ، وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ، فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [٢٣: ٥١-٥٤] .
وقد جاء لفظ "أمة" بالنصب في الآيتين على الحال، والخبر قد تم في قوله: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ أي: هذا الجمع من الأنبياء والمرسلين أمتكم؛ أي: جماعتكم حال أنها أمة واحدة؛ أي: ليس جمعًا تربطه الروابط البعيدة، كما يقال: أمة الهند على اختلاف مللها وتفرق كلمتها؛ بل هي أمة تربطها رابطة قريبة هي رابطة الاهتداء بنور الله، والدعوة إلى توحيده، والقيام على شرعه، وحمل الناس على اتباع أحكامه، فهي مجتمعة على أمر واحد لا تعدد فيه هو الحق والعدل، فهي جديرة بأن تكون أمة واحدة، وإن شئت قلت كما قالوا: إن الأمة بمعنى الملة -في الآيتين- يراد بذلك أن الله يخبر المرسلين بأن هذا الذي سبق في الكلام من السير في الناس بهداية الله، والمثابرة على ذلك، وعدم المبالاة بما يكون منهم من تكذيب أو تعذيب، هذه هي ملتكم ودينكم وهو أمر واحد لا تعدد فيه، يأتي به السابق، ويتبعه عليه اللاحق، لا يختلف فيه نبي عن نبي، ولا يناكر فيه مرسل مرسلًا.
هذا المعنى من الوَحْدَة هو الذي جاء في قوله تعالى في سورة هود: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِين﴾ [١١: ١١٨] ، وفي قوله في سورة الشورى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِير﴾ ١ [٤٢: ٨] ".
стр. 549
هذا بعض ما قاله المؤلف جزاه الله خيرًا، وقد وأطال في الحديث عن هذه الآيات ونحوها وصلة بعضها ببعض.
وفي سورة آل عمران في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ ١ الآية، قال بعد بيان: "واعلم أن نص القرآن دل على أنه تعالى حين رفعه ألقى شبهه على غيره، قال تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٧، ١٥٨] "٢.
ومنه أيضًا تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ ٣، قال: "وهذا هو الغيب الذي أمر المكلفون بالإيمان به ومدحوا عليه في مثل قوله تعالى: ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [٢: ١، ٢] والدليل على كون المراد أن من يجتبيهم من رسله يطلعهم على ما شاء أن يبلغوه لعباده من خبر الغيب هو مثل قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا، لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ﴾ [٧٢: ٢٦-٢٩] "٤.
ومن سورة النساء قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا﴾ ٥، قال في تفسيرها: "في الكلام إضمار تقديره: ﴿وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فقرينهم الشيطان ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا﴾ والقرين:
стр. 550
المقارن؛ أي: الصاحب والخليل، والمعنى: مَن قَبِلَ من الشيطان في الدنيا فقد قارنه؛ أي: أن الحامل لأولئك المتكبرين على ما ذكر هو وسوسة الشيطان التي عبر عنها في آية البقرة بقوله: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [٢: ٢٦٨] ، فبيَّن أن هؤلاء قرناء الشيطان"١.
ومن سورة المائدة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ ٢، قال: "إلا ما يُتلى عليكم مما حرم؛ أي: يقرأ عليكم في القرآن والسنة من قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَة﴾ ٣ الآية، من هذه السورة، وقوله ﵊: "وكل ذي ناب من السباع حرام"، وهو الذي استثناه"٣.
ومن سورة الأنعام في قوله تعالى عن نبيه محمد ﷺ : ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ٤، قال: "أي: قرأت الكتب، وقيل: "دارست" أي: دارست أهل الكتاب وتعلمت منهم، رُوي هذا عن ابن عباس، وأولى القراءات بالصواب عند الطبري قراءة مَن قرأ: "وليقولوا درست" بتأويل قرأت وتعلمت؛ لأن المشركين كذلك كانوا يقولون للنبي ﷺ وقد أخبر الله عن قيلهم ذلك بقوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣] فهذا خبر من الله ينبئ عنهم أنهم كانوا يقولون: إنما يتعلم محمد ما يأتيكم به من غيره"٥.
هذه بعض الأمثلة على تفسيره القرآن بالقرآن أصح طرق التفسير بالمأثور؛ بل أصح طرق التفسير على الإطلاق.
стр. 551
تفسير القرآن بالسنة:
فمن ذلك مثلًا تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم﴾ ١،: قال: "يقول: لا تجعلوا الله بالحلف به مانعًا لكم من أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس؛ ولكن إذا حلفتم على ألا تصلوا رحمًا ولا تتصدقوا ولا تصلحوا وعلى أشباه ذلك من أبواب البر؛ فكفروا وائتوا الذي هو خير، وفي الحديث: "إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فائتِ الذي هو خير وكفر عن يمينك" ٢ "٣.
وفي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا﴾ ٤ الآية، قال: "وفي الحديث: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء" ٥، ٦.
وفي قوله تعالى عن امرأة عمران لما وضعت ابنتها مريم: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ ٧، قال: "وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يُولد فيستهل صارخًا من مس الشيطانه إيَّاه إلا مريم وابنها"، ثم يقول أبو هريرة: واقرءوا إن شئتم: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ "٨.
стр. 552
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ١، قال: "وفي الصحيحين عن ابن مسعود لما نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ ، وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله: "ليس هو كما تظنون؛ إنما هو كما قال لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ " ٢، ٣.
ولولا خشية الإطالة لسقنا أكثر من ذلك من تفسيره القرآن بالسنة، وفيما ذكرنا كفاية إن شاء الله.
تفسير القرآن بأقوال الصحابة:
وهي الدرجة الثالثة من التفسير بالمأثور، وقد أورد الأستاذ محمد رشدي حمادي كثيرًا من هذا النوع من التفسير في تفسيره، نذكر منه:
في تفسيره: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ٤، قال: "وعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ أي: قاضي يوم الدين، وهو يوم الحساب والقضاء فيه بين الخلائق؛ أي: يوم يدان فيه الناس بأعمالهم لا قاضي غيره"٥.
وفي قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ ٦ الآية، قال: "عن ابن عباس: هو قول الرجل في درج كلامه واستعجاله في المحاورة، لا والله، وبلى والله، دون قصد لليمين"٧.
وفي قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ٨، قال:
стр. 553
"وفي كتاب أبي داود والنسائي عن ابن عباس قال في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ الآية، وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق بها، وإن طلقها ثلاثًا فنسخ ذلك وقال: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآية" ١.
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ ٢ قال: "ورُوي عن ابن عباس أيضًا أنه قال: هذا مَثَلٌ ضربه الله للمرائين بالأعمال يبطلها يوم القيامة أحوج ما كان إليها كمثل رجل كانت له جنة وله أطفال لا ينفعونه، فكَبِرَ وأصاب الجنة أعصار؛ أي: ريح عاصف فيه نار فاحترقت؛ ففقدها أحوج ما يكون إليها"٣.
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ ٤، قال: "قال ابن عباس: أمرهم بالإنفاق من أطيب المال وأجوده وأنفسه، ونهاهم عن التصدق برذالة المال ودنيئه -وهو خبيثه- فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا"٥.
وبعد هذه بعض الأمثلة أيضًا من تفسيره للقرآن بأقوال الصحابة، وبهذا يكون هذا التفسير محتويًا على أنواع التفسير بالمأثور الثلاثة: تفسير القرآن بالقرآن، وتفسيره بالسنة، وتفسيره بأقوال الصحابة.
رأيي في هذا التفسير:
والحق أن هذا التفسير مع حرصه على إيراد التفسير بالمأثور إلا أنا نراه لم يلتزم تمامًا بما وعد به في مقدمة تفسيره.
فهو تفسير لم يخلُ من الإسرائيليات كما وعد صاحبه؛ بل إنه ينقل عن هذه
стр. 554
الكتب مباشرة؛ أعني: التوراة والإنجيل، وعن غيرها من مصادر الإسرائيليات، وأحسب أن الذي أدَّى به إلى ذلك توسعه في التاريخ القديم منه توسعًا يوقعه أحيانًا في الإسرائيليات وما لا فائدة تُرجَى من تناوله.
ومن المآخذ عليه أيضًا تلك الأبحاث العلمية والفلكية التي يتوسع فيها أحيانًا توسعًا مذمومًا في تفسيره للقرآن؛ ومن ذلك مثلًا: ذلك الحديث المسهب١ عن علم الفلك الذي تحدث فيه عن علم الفلك عند علماء المسلمين، وتسلسل هذا العلم إلى نزول رجلين على سطح القمر، ثم حديث عن المجموعة الشمسية والمسافات بينها ودرجات الحرارة فيها، ثم حديث عن المجرات، ثم حديث عن علم النجوم، وكان الأَوْلَى لمثل تفسيره ألا يعرض فيه مثل هذه الأبحاث خاصة أنه وعد في المقدمة بأن تفسيره خلا من التفسير بالرأي، فهل هذه المعلومات خارجة عن الرأي؟!
ومنها أيضًا ذلك البحث الذي ألحقه بالجزء الأول تحت عنوان "تفسير فواتح السور"٢، أدرج فيه ما سماه بتفسير علمي لفواتح سور القرآن، وذلك فيه أيضًا ما ينبغي تنزيه مثل هذا التفسير عنه.
ومآخذ أخرى هي أقل شأنًا مما ذكرنا، ومع هذا فتبقى لهذا التفسير محاسنه من التفسير بالمأثور، ومن معالجته لشئون الحكومة الإسلامية، ووجوب تعديل القوانين حتى توافق التشريع الإسلامي، وتكراره لذلك عند كل مناسبة، ثم تشخيصه لداء العالم الإسلامي في العصور الحديثة، ووصفه الدواء لكثير من مشاكله.
رأيي في تفاسير هذا اللون في القرن الرابع عشر:
الحق أني لم أجد مثل هذين التفسيرين عناية بالمأثور مع الفارق الكبير بين عناية الأول منهما -أعني: الشيخ محمد الأمين الشنقيطي- وعناية الثاني -أعني:
стр. 555
المستشار محمد رشدي حمادي- فقد تفوق الأول بلا نزاع في هذا اللون من التفسير تفوقًا لا يدانيه الثاني، ومع هذا يبقى للأستاذ محمد رشدي حمادي درجته المتقدمة في هذا اللون.
ومع هذا وذاك فلا يزال ميدان التفسير بالمأثور يعاني قلة خائضي عبابه، وكم كنت أتمنى أن يقوم مَن آتاه الله سَعَة في العلم بتأليف أو بجمع الآيات التي يفسر بعضها بعضًا وأن يضم إليها سعة في العلم بتأليف أو بجمع الآيات التي يفسر بعضها بعضًا، وأن يضم إليها الأحاديث الصحيحة المرفوعة إلى الرسول ﷺ ، مبينًا درجة كل حديث، ويرتب هذا كله حسب ترتيب المصحف، وليس له فيما جمع إلا الربط بين آية وآية أو آية وحديث، وله أيضًا مع هذا تخريج الأحاديث ليس إلا، وأحسب أن العلماء والعامة بحاجة ماسة إلى هذا التفسير، وعسى أن يكون فرجًا قريبًا.
وإن كان لي من رأي بعد هذا أقوله في الموجود من التفاسير الحديثة فهو أنها -أو غالبها- لا تهتم بالتفسير بالمأثور، حاشى أن أتهمهم بقصد هذا؛ ولكن الأمر فيما أظن اعتقاد بعضهم أن الناس قد انصرفوا عن هذا اللون من التفسير، وإيراد بعضهم الآخر التفسير بالمأثور بالمعنى من غير إيراد الآيات أو الأحاديث بنصوصها، وانشغال بعض ثالث إلى مباحث أخرى على حساب التفسير بالمأثور، وقد يكون هنا تعليلات أخرى، والله الموفق.
стр. 556
الفصل الثالث: المنهج العلمي التجريبي في التفسير
المراد به:
بادئ ذي بدء ينبغي أن ننبه إلى أمرين هامين في هذه المسألة:
أولهما: جواب لشبهة أو سؤال: ماذا نعني بالعلمي من قولنا: التفسير العلمي؟ هل يعني هذا أن التفاسير الأخرى غير علمية؟ ولا شك أن مدار الخلاف ومركزه في المراد بالعلم هنا.
فالعلم كلمة شاملة تشمل شتى أنواع المعارف البشرية القديم منها والجديد، ثم تجاذبت هذه الاصطلاح أيدي العلماء، كلٌّ يطلقه على ما تدور فلك أبحاثه عليه، فقال الحكماء في تعريفه: إنه صورة الشيء الحاصلة في العقل، أو حصول الصورة في العقل، أو تعلق النفس بالشيء على جهة انكشافه.
وقال المتكلمون: إنه صفة يتجلى بها الأمر لمن قامت به، وزعم الماديون أنه ليس إلا خصوص اليقينيات التي تستند إلى الحس وحده، وقال علماء التدوين: إنه المسائل المضبوطة بجهة واحدة، والغالب أن تكون تلك المسائل نظرية كلية، وقد تكون ضرورية، وقد تكون جزئية١.
هذا ما قاله أولئك، وليس سبيلنا هنا بيان تلك الاصطلاحات ونقدها؛ وإنما سبيلنا عرضها دون ما سواه؛ لنقف منه على إطلاقات هذا اللظ "العلم".
стр. 557
وإذا ما نظرت إلى المراد به عند علماء الشرع وجدت الغزالي يوضح ذلك بقوله: "قد كان العلم يُطلق على العلم بالله تعالى وبآياته وبأفعاله في عباده وخلقه ... وقد تصرفوا فيه بالتخصيص حتى شهروه في الأكثر بمن يشتغل بالمناظرة مع الخصوم في المسائل الفقهية وغيرها ... ولكن ما ورد من فضائل العلم والعلماء أكثره في العلماء بالله تعالى وبأحكامه وبأفعاله وصفاته، وقد صار الآن مطلقًا على مَن لا يحيط من علوم الشرع بشيء سوى رسوم جدلية في مسائل خلافية؛ فيعد بذلك من فحول العلماء مع جهله بالتفسير والأخبار وعلم المذهب وغيره، وصار ذلك سببًا مهلكًا لخَلْق كثير من أهل الطلب للعلم"١.
هذه بعض الاصطلاحات في لفظة "علم"، فهل هي أو أحدها المراد في التفسير العلمي للقرأن؟ نظرة واحدة إلى كتب التفسير العلمي تفيدك أن ليست هذه الاصطلاحات أو أحدها هي المراد من "العلمي" أو "العلم"؛ فلنبحث عن اصطلاح آخر، ولنطوِ صفحات التاريخ إلى العصر الحديث.
إذ قد ظهر في هذا العصر مدلول آخر للعلم نلمس جوانبه في وصفهم لهذا القَرْن أو العصر بأنه عصر العلم "والتطور والنهضة" إلى آخره؛ وإنما يهمنا وصفه بعصر العلم وهم يقصدون بذلك أن العلم هو العلم الطبيعي القائم على دراسة ما في الكون من مواد وعناصر وكائنات، لها خصائصها الذاتية وأنظمتها التي تحكمها من كيمياء وطبيعة وميكانيكا، وغير ذلك من علوم الطب والرياضة والفلك، وما يتضمنه ذلك من حقائق كونية، وأن العمل في إطار هذا المفهوم للعلم هو تطبيق العلم عمليًّا باستعمال الأجهزة والأدوات والوسائل الأخرى الحديثة من مختبرات ومراصد وتجارب واستنباطات منطقية وغير ذلك٢.
هذا ما قصدوه من وصف عصرهم بعصر العلم، وهو ما تناولوه فيما سموه بالتفسير العلمي.
стр. 558
ونحن وإن كنا نقول: إنه لا مشاحة في الاصطلاح؛ لكنه ينبغي أن يكون في الاصطلاح ما يميزه عن سواه؛ حتى لا تلتبس الأمور وتتداخل الأسماء؛ ولذا فإني نظرتُ -ونظر غيري- إلى هذه العلوم التي تناولها المفسرون تحت عنوان التفسير العلمي فوجدتها تجمعها التجربة والتجارب، فهي علوم ماثلة للأعيان وخاضعة في غالبها للتجربة؛ إذًا فلِمَ لا نخصها بهذه الصفة؟ فلنسمِّ هذا اللون من التفسير "التفسير العلمي التجريبي للقرآن الكريم"؛ حتى يتيمز هذا اللون من التفسير العلمي عن الألوان العلمية الأخرى من العقائد والفقه ونحوها، وكلها علم لا شك فيه.
ثانيهما: وهو متولد عن الأمر الأول؛ إذ يظهر من إطلاق التفسير العلمي على هذه العلوم في العصر الحديث ان هذه التسمية "التفسير العلمي للقرآن الكريم" تسمية حديثة؛ وإنما قلنا: التسمية، ولم نقل: التفسير العلمي نفسه؛ لأنا نجزم بوجود هذا اللون في وقت مبكر؛ لكنه لم يكن مثل العصر الحديث كثرة ولا مقاربًا له.
بل إن كتب التفسير في العصر الحديث أفردته بمؤلفات خاصة.
وظهرت تفاسير تحمل في عنوانها: "التفسير العلمي" أو "الإعجاز العلمي" ونحو ذلك؛ فكان التفسير العلمي من خصائص العصر الحديث في التفسير وإن وُجِدَ بقلة فيما قبله.
стр. 559
تعريفه:
ومن الطريف أنك لا تكاد تجد في كتب التفسير العلمي وغيره مَن يذكر تعريفه وبيان المراد منه، ولعله لظهروه يغفل أولئك تعريفه؛ ولكنه على كل حال بحاجة إلى تعريف يحدد مجاله؛ فيعرف ما يدخل فيه وما لا يدخل.
ولم أجد من ذكر له تعريفًا إلا الأستاذ أمين الخولي؛ حيث قال: "هو التفسير الذي يُحَكِّمُ الاصطلاحات العلمية في عبارة القرآن، ويجتهد في استخراج مختلف العلوم والآراء الفلسفية منها"١.
стр. 560
ونقل هذا التعريف بحروفه الشيخ محمد حسين الذهبي في كتابه التفسير والمفسرون١، وهو وإن لم يُشر إلى مصدر التعريف فإن كتاب الخولي من مصادره؛ فتبادر إلى الذهن أنه نقله عنه، والله أعلم.
واختصر هذا التعريف الدكتور موسى شاهين لاشين فقال في تعريفه: "يقصد بالتفسير العلمي التفسير الذي يحكم الاصطلاحات العلمية في عبارات القرآن، ويحاول استخراج العلوم المختلفة من آياته"٢.
وهذا التعريف الذي ذكره الدكتور موسى هو نفس التعريف السابق مع بعض التغيير، ولم يُشر الدكتور أيضًا إلى مصدره.
وتأثر بهذا التعريف أيضًا الأستاذ محمد الصباغ؛ فقال في تعريفه: "إنه تحكيم مصطلحات العلوم في فَهْمِ الآية، والربط بين الآيات الكريمة ومكتشفات العلوم التجريبية والفلكية والفلسفية"٣.
ولعلك تقول بعد هذا: تذكر هذه التعريفات ثم تقول: إنك لا تكاد تجد تعريفًا؟ ومخلصي وعذري من هذا أن التعريفات الثلاثة الأخيرة مرجعها كلها إلى التعريف الأول، فهي إما ناقلة له بحروفه، وإما ناقلة له بتقديم وتأخير، وإما متأثرة به وبألفاظه.
وتجد القاسم المشترك بين هذه التعريفات أنها تصف هذه اللون من التفسير بأنه "تحكيم"!! للمصطلحات العلمية في عبارة القرآن، ولا شك أن في هذا التعبير شيء من القسوة.
وتجد أيضًا أنها اتفقت على عبارة "المصلطحات العلمية"، ولم يذكر أحدهم الحقائق أو النظريات أو المكتشفات
أو المشاهدات العلمية، وهذا يؤيد اتحاد مصدر التعريف عندهم.
стр. 561
وتجدها أيضًا تصف صاحب التفسير العلمي بأنه "يجتهد في استخراج مختلف العلوم والآراء الفلسفية"، والذي أعتقده أن التفسير العلمي بمعناه المعروف لا يشمل إيراد الآراء الفلسفية، كما لا يعم مختلف العلوم؛ بل في أنواع معينة منها كالطب والرياضيات والفلك وعلم الحيوان والنبات والكيمياء وعلم طبقات الأرض، ونحو ذلك من العلوم التجريبية، فلا يشمل مختلف العلوم على إطلاقها.
ولذا فإني أعتقد قصور هذا التعريف، وقد انتقد هذا التعريف أيضًا الشيخ عبد الله الأهدل في رسالته "التفسير العلمي للقرآن الكريم"، فقال عن تعريف الخولي والذهبي: "فقولهما: يحكم الاصطلاحات العلمية في عبارة القرآن غير دقيق؛ لأنه ما كل تفسير علمي، كذلك وتعبيرهما هذا "يحكم" يُوحي بأن الآية المراد تفسيرها لها معنى آخر، غير المعنى العلمي الذي يراد منها أن تدل عليه، وهذا وإن صدق على بعض التفسير المتمحل والشطحات العلمية، فإنه لا ينطبق على البعض الآخر". ثم قال: "وربما كان التعريف الصحيح للتفسير العلمي أن يقال: "هو تفسير الآيات الكونية الواردة في القرآن على ضوء معطيات العلم الحديث، بغض النظر عن صوابه وخطئه"؛ ليشمل التفسير الصحيح والتفسير الخاطئ"١.
والذي يظهر لي -والله أعلم- أن التعريف الأقرب إلى أن يكون جامعًا مانعًا أن يقال: "المراد بالتفسير العلمي هو اجتهاد المفسر في كشف الصلة بين آيات القرآن الكريم الكونية ومكتشفات العلم التجريبي، على وجه يظهر به إعجاز للقرآن، يدل على مصدره، وصلاحيته لكل زمان ومكان".
ولا شك أن وصفه بـ"اجتهاد المفسر" يدخل فيه التفسير العلمي المقبول والمرفوض؛ لأن المجتهد قد يخطئ وقد يصيب، وقولنا: "الربط" ليشمل ما هو تفسير وما هو من قبيله؛ كالاستئناس بالآية في قضية من قضاياه ونحو ذلك، وقولنا: "العلم
стр. 562
التجريبي" يُخرج بقية العلوم الكلامية والفلسفية ونحوها، وقولنا: "على وجه" لبيان ثمرته، وقولنا: "يدل على مصدره" نقصد به أنه إذا ما ثبت هذا التوافق بين نصوص القرآن الكريم وحقائق العلوم، ولم يقع أيُّ تعارض بين نص قرآني وحقيقة علمية -مهما كانت جدتها وحداثتها- فإنه لا يمكن أن يقول مثل هذه النصوص بشر قبل اكتشافها بقرون، ولا بُدَّ من أن يكون المتكلم بها هو موجِدُ هذه الحقائق ومكونها؛ وهو الله ، وقولنا: "وصلاحيته لكل زمان ومكان" نقصد به أنه صالح لكل عصر، لا تأتي عليه الأيام ولا الحدثان بما يبطل شيئًا منه، فهو صالح لكل عصر وأوان.
هذا ما ظهر لي الآن من المعنى المراد به، والله أعلم.
стр. 563
موقف العلماء السابقين من التفسير العلمي التجريبي
مدخل
...
موقف العلماء السابقين من التفسير العلمي التجريبي:
مما لا شك فيه أن مثل هذا اللون في تفسير القرآن الكريم في جدته وتجدده سيكون له خصوم، وسيكون له أنصار، يلتمس كل منهم دليلًا ينصر به رأيه ويؤيده به، ثم يكر على دليل الخصم فيبطله.
وقد كان هذا الأمر في التفسير العلمي للقرآن الكريم منذ لحظات بزوغه، ونحن وإن كنا لا نعرف هذا الحدث باليوم أو بالسنة، إلا أن العلماء اتفقوا على أن الإمام الغزالي -المتوفَّى سنة ٥٠٥هـ- من أوائل المتكلمين في هذا النوع من التفسير؛ وعلى هذا فيكون ظهوره على وجه التقريب في أواخر القرن الخامس الهجري، واتفقوا أيضًا على أن الغزالي نفسه أكثر مَن استوفى بيان هذا القول إلى عهده١.
ومما لا شك فيه أن الإمام الغزالي لم يكن وحيدًا في الميدان يجول ويصول،
стр. 564
فقد نزل معه أنصار، ونازله خصوم، وما زالت المعركة الفكرية قائمة لم تهدأ لها ثائرة، ولم تقعد لها قائمة، ولم تطفأ لها نار.
وما دام حديثنا هنا محصورًا في العصر الحديث، فإنه لا يسعنا ونحن ندخل معركة طال عمرها، وسد الأفق غبارها، إلا وأن يكون لدينا علم ومعرفة بما قاله السابقون من الأنصار والخصوم؛ حتى نبدأ الطريق من أوله، ونأتي البيوت من أبوابها.
وبما أن الإمام الغزالي من أوائل المتكلمين في ذلك، وهو أيضًا من المؤيدين والمروجين لهذا اللون من التفسير؛ فإنا نبدأ بذكر آراء المؤيدين وبرأيه هو قبلهم.
стр. 565
رأي المؤيدين:
ونذكر من هؤلاء المؤيدين لهذا التفسير العلمي عددًا من العلماء المسلمين، الذين أظهروا تأييدهم له وأعلنوه، وكانوا من أوائل مطبقيه على نصوص القرآن الكريم؛ ومن هؤلاء:
الإمام الغزالي:
وقد بسط القول في هذا في كتابيه: إحياء علوم الدين، وجواهر القرآن، فقد عقد في أولهما الباب الرابع من كتاب آداب تلاوة القرآن في: "فهم القرآن وتفسيره بالرأي من غير نقل"، دلل فيه على أن القرآن يشتمل على مجامع العلوم كلها، فقال مثلًا: "اعلم أن مَن زعم أن لا معنى للقرآن إلا ما ترجمه ظاهر التفسير فهو مخبر عن حد نفسه، وهو مصيب في الإخبار عن نفسه؛ ولكنه مخطئ في الحكم برد الخَلْق كافة إلى درجته التي هي حده ومحطه؛ بل الأخبار والآثار تدل على أن في معاني القرآن متسعًا للأرباب الفهم، قال علي ﵁: "إلا أن يؤتي الله عبدًا فهمًا في القرآن"، فإن لم يكن سوى الترجمة المنقولة فما ذلك الفهم، وقال ﷺ : "إن للقرآن ظهرًا وبطنًا وحدًّا ومطلعًا"١.