← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 8679

اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر

فهد الرومي

Полный текст (1 278 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

ثانيا: فقه الشيعة الإمامية "الاثنى عشرية " فرض الرجلين في الوضوء ... ثانيًا: فقه الشيعة الإمامية "الاثنا عشرية" بعد بحث وتنقيب لم أعثر على تفسير لآيات الأحكام في القرآن الكريم عند الشيعة الإمامية "الاثنا عشرية"، وقد سبق القول مني أني سأعرض فقههم من كتب غير مقتصرة على آيات الأحكام؛ بل هي تفاسير شاملة لآيات القرآن الكريم. كما أن المجال لا يتسع لعرض كل مواضع الخلاف بين فقه أهل السنة وفقههم؛ وإنما نذكر بعض مواضعه؛ وذلك لأحد أمرين: أولهما: خشية الإطالة فيها لو أوردنا مواضع الخلاف كلها، حتى ولو كان العرض مختصرًا. ثانيهما: أن بعض مواضع الخلاف لم يرد دليله في القرآن الكريم؛ فلم يتناوله الفريقان أو تناوله أحدهما توسعًا في أبحاث الآية لا في تفسيرها، ومثله لا يدخل ي مجالنا هنا. أما المواضع التي رأينا تناولها، فهي المواضع التي عرضنا تفسيرها وأقوال العلماء يها عند أهل السنة والجماعة، وها نحن نعيد هذه الأبحاث لبيان الآراء الفقهية فيها عند الشيعة ليظهر رأي كل، والله الموفق. فرض الرجلين في الوضوء: وعرفنا -فيما سبق- أن فرض الرجلين عند أهل السنة غسلهما وأدلتهم في ذلك، أما الشيعة فيرون أن فرضهما المسح، وهذا محمد حسين الطباطبائي يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ ١: "وأما

стр. 492

قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُم﴾ فقد قرئ بالجر، وهو لا محالة بالعطف على رءوسكم، وربما قال القائل: إن الجر للإتباع كقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] وهو خطأ، فإن الإتباع على ما ذكروه لغة رديئة لا يحمل عليها كلام الله تعالى، وأما قوله: ﴿كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ فإنما الجعل هناك بمعنى الخلق، وليس من الإتباع في شيء. على أن الإتباع -كما قيل- إنما ثبت يما ثبت في صورة اتصال التابع والمتبوع، كما قيل في قولهم: جحر ضبٍّ خربٍ، بجر الخرب إتباعًا، لا في مثل المورد مما يفضل العاطف بين الكلمتين. وقرئ: ﴿وَأَرْجُلَكُم﴾ بالنصب، وأنت إذا تلقيت الكلام مخلَّى الذهن غير مشوب الفهم لم يلبث دون أن تقضي أن "أرجلكم" معطوف على موضع "رءوسكم" وهو النصب، وفهمت من الكلام وجوب غسل الوجه واليدين ومسح الرأس والرجلين، ولم يخطر ببالك أن ترد "أرجلكم" إلى "وجوهكم" في أول الآية مع انقطاع الحكم في قوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ بحكم آخر وهو قوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ ؛ فإن الطبع السليم يأبي عن حمل الكلام البليغ على ذلك، وكيف يرضى طبع متكلم بليغ أن يقول مثلًا: قبلت وجه زيد ورأسه ومسحت بكتفه ويدَه، بنصب "يد" عطفًا على "وجه زيد" مع انقطاع الكلام الأول، وصلاحية قوله "يده" لأن يعطف على محل المجرور المتصل به، وهو أمر جائز دائر كثير الورود في كلامهم. وعلى ذلك وردت الروايات عن أئمة أهل البيت ﵈، وأما الروايات من طرق أهل السنة فإنها وإن كانت غير ناظرة إلى تفسير لفظ الآية؛ وإنما تحكي عمل النبي ﵌، وفتوى بعض الصحابة؛ لكنها مختلفة: منها ما يوجب مسح الرجلين، ومنها ما يوجب غسلهما. وقد رجح الجمهور منهم أخبار الغسل على أخبار المسح، ولا كلام لنا

стр. 493

معهم في هذا المقام؛ لأنه بحث فقهي راجع إلى علم الفقه، خارج عن صناعة التفسير"١. إلى أن قال: "فالأحرى للقائل بوجوب غسل الرجلين في الوضوء أن يقول كما قال بعض السلف كأنس والشعبي وغيرهما على ما نقل عنهم: إنه نزل جبريل بالمسح والسنة الغسل "كذا"، ومعناه نُسخ الكتاب بالسنة. وينتقل البحث بذلك عن المسألة التفسيرية إلى المسألة الأصولية: هل يجوز نسخ الكتاب بالسنة أو لا يجوز؟ والبحث فيه من شأن الأصولي دون المفسر، وليس قول المفسر بما هو مفسر: إن الخبر الكذائي٢ مخالف للكتاب إلا للدلالة على أنه غير ما يدل عليه ظاهر الكتاب دلالة معولًا عليها في الكشف عن المراد دون الفتيا بالحكم الشرعي الذي هو شأن الفقيه"٣. ومن الشيعة أيضًا محمد جواد مغنية؛ حيث قال في تفسيره لهذه الآية ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ : ورد في الأرجل قراءتان؛ إحادها: النصب، والأخرى: الخفض. وقال: السنة يجب غسل الأرجل لا مسحها؛ لأنها معطوفة على الأيدي، على القراءتين. أما قراءة النصب فواضح إذ الأيدي منصوبة لفظًا ومحلًا. وأما على قراءة الجر فللجوار والإتباع؛ أي الرءوس مجرورة والأرجل مجاورة لها، فجرت الأرجل لعلاقة المجاورة، تمامًا كقول العرب: "جحر ضبٍّ خربٍ"، مع العلم بأن خرب يجب رفعه؛ لأنه صفة للجحر لا للضب؛ ولكنه خفض لمجاورته للضب. وقال الشيعة: يجب مسح الأرجل لا غسلها؛ لأنها معطفوة على الرءوس، أما على قراءة الجر فواضح؛ إذ الرءوس مجرورة بالياء، وأما على قراءة النصب فمعطوفة على محل الرءوس؛ لأن كل مجرور لفظًا منصوب محلًا. ثم قال الشيعة: إن العطف على الأيدي لا يجوز لأمرين:

стр. 494

الأول: إنه خلاف الفصاحة لوجود الفاصل بين الأيدي والأرجل؛ وهو قوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُم﴾ ولو كان الأرجل معطوفة على الأيدي لقال: "وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ" ولم يفصل بين الأيدي والأرجل بمسح الرأس. الثاني: إن العطف على الأيدي يستدعي أن يكون لكل قراءة معنى مغاير للآخر؛ إذ يكون المعنى على قراءة النصب الغسل، وعلى قراءة الجر المسح، وهذا بخلاف العطف على الرءوس، فإن المعنى يكون واحدًا على القراءتين، بالإضافة إلى أن الجر للجوار رديء لم يرد في كلام الله إطلاقًا١، ٢. هذا مذهب الشيعة في فرض الرجلين في الوضوء، ولا يخلو ما قاله الطباطبائي أولًا ومغنيه ثانيًا من بعض الأقوال التي يرد عليها؛ فتبطل وتهوى ولو تعقبناها لطال؛ وإنما بسطنا رأي أهل السنة قَبْلُ حتى يرجع إليه مَن لم يسعفه ذهنه بالدليل والحجة حتى يكون على المحجة، وسنفعل كذلك فيما سيأتي من أبحاث إن شاء الله تعالى.

стр. 495

صلاة الجمعة: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ ١ الآية.

стр. 496

قال محمد جواد مغنيه في تفسيرها: "صلاة الجمعة فرض كتابًا وسُنَّة وإجماعًا؛ وهي ركعتان مع خطبتين قبلها، ويُكتفَى بها عن صلاة الظهر، وتختص بالرجال دون النساء، ولا خلاف في شيء من ذلك بين المسلمين؛ وإنما الخلاف بينهم: هل تجب صلاة الجمعة مطلقًا من غير شرط، أو تجب مع وجود السلطان أو مَن يستنيبه لها؟ قال الحنفية والإمامية: وجود السلطان أو نائبه شرط؛ ولكن اشترط الإمامية عدالة السلطان، وإلا كان وجوده كعدمه، واكتفى الحنفية بوجود السلطان وإن لم يكن عادلًا. وقال الشافعية والمالكية والحنابلة: تجب مطلقًا وُجِدَ السلطان أم لم يوجد، وقال كثير من فقهاء الإمامية: إذا لم يوجد السلطان العادل أو نائبه ووُجِدَ فقيه عادل يخير بينها وبين الظهر"١. ومغنيه لم يوضح حالات وجوب الجمعة ووجود الإمام والعلاقة بينهما حتى يتسنى له أن يقرن الإمامية مع الحنفية، وهو وأتباعه حريصون كل الحرص على مثل هذا، والحالات التي لا تخرج عنها الأقوال كلها أربع: ١- وجوب صلاة الجمعة وجد السلطان أم لم يوجد، وهو رأي المالكية والشافعية والحنابلة. ٢- وجوب صلاة الجمعة إذا وُجد السلطان، وهو رأي الحنفية. ٣- وجوبها مع وجود الإمام العدل، وقال به طائفة من الشيعة. ٤- إنها لا تجب إلا مع وجود الإمام المعصوم، وقال به طائفة من الشيعة. ومن هذا يظهر أن الشيعة كلهم يشترطون وجود الإمام العادل، وخصته طائفة بالإمام المعصوم. وعلى القول الأخير: لا تجب الجمعة لعدم ظهور الإمام المنتظر، وعلى القول الثالث: لا تجب لعدم وجود الإمام العادل، وإن كانت نسبة الإمام للعدل أمر يُختلف فيه: متى يكون عدلًا يُصلَّى معه ومتى يكون غير ذلك.

стр. 497

وبهذا يظهر أن الشيعة -على القولين- لا توجب صلاة الجمعة في هذه العصور، أما وقد صدر أمر الخميني في السنوات الأخيرة بأدائها فلعله يرى أحد أمرين: ١- إما أنه الإمام العادل؛ فتجب لذلك عنده. ٢- وإما أن أمره أمر ندب لا إيجاب، ويؤيد هذا قوله في كتابه تحرير الوسيلة: "تجب صلاة الجمعة في هذه الأعصار مخيرًا بينها وبين صلاة الظهر، والجمعة أفضل، والظهر أحوط وأحوط من ذلك الجمع بينهما"١، وقوله أيضًا: "لا يحرم البيع يوم الجمعة بعد الأذان في أعصارنا مما لا تجب فيه تعيينًا"٢، هذا ما ادعاه، ودع عنك التعارض والتضارب في عبارته على قصرها، فكيف تجب على التخيير وكيف تكون الأفضل، ويكون الظهر الأحوط؟! وعلى كل حال قصدت من هذا أن أقول ما خلاصته: إن الشيعة في العصر الحديث إما أنهم يشترطون الإمام العادل، وإما أنهم يشترطون الإمام المعصوم. ومن الذين يشترطون الإمام العادل وينكرون شرط الإمام المعصوم محمد الصادقي؛ حيث يقول في تفسير الآية: "لا توجد أية حجة تختص فريضة الجمعة بالمؤمنين زمن حضور المعصومين، ولو كانت لضربت عرض الحائط؛ لمخالفتها الكتاب والسنة الثابتة، ومنها ما رواه الفريقان -يقصد السنة والشيعة- عن النبي ﵌ أنه خطب لأول جمعة أقامها في المدينة المنورة فقال: "إن الله افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا، في يومي هذا، في شهري هذا، في عامي هذا إلى يوم القيامة، فمن تركها استخفافًا بها، أو جحودًا لها، فلا جمع الله له شمله، ولا بارك له في أمره، ألا ولا صلاة له، ألا ولا زكاة له، ألا ولا حجَّ له، ألا ولا صيام له، ألا ولا بر له، ألا ولا بركة له حتى يتوب، فمن تاب تاب الله عليه"٣،

стр. 498

ولم يُستثنَ - فيمَن استُثنِيَ- المؤمنون زمن غيبة الإمام المعصوم، رغم استثناء المجنون والصغير اللذين لم يشملهما قلم التكليف"١. وقال أيضًا: "إن السعي إلى ذكر الله فيها، والاجتماع فيه، ليس إلا عند اجتماع الشرائط: عددًا ومسافة، وعدالة للإمام، وقدرة على إلقاء الخطبة، ثم ما دونها هراء مختلق كاشتراط حضور المعصوم أو إذنه الخاص، فلا أثر له إسلاميًّا عندنا"٢. إذًا، فصلاة الجمعة عنده واجبة إذا وُجد الإمام العدل؛ بل تؤدَّى حتى مع عدم وجود الإمام العدل وغيره من شروطها؛ ولكن بصورة أخرى غير الصورة المعروفة لصلاة الجمعة، فقال: "وعند فقد الشرائط أو بعضها فأربع ركعات بنية الجمعة"٢؛ والسبب في ذلك أنه "لا صلاة ظهرًا يوم الجمعة إلا صلاة الجمعة، هي ركعتان بعد خطبتين مع شرائطها، وهي أربع ركعات كصلاة الظهر لولا الشرائط أو إمكانيتها يجهر في الأوليين، كما في ركعتي الجمعة بنية الجمعة لا الظهر، وكما في المعتبرة المستفيضة"٢. وعلَّق على جملته الأخيرة في الهامش بقوله: "منها موثقة سماعه قال: سألت أبا عبد الله "ع" عن الصلاة يوم الجمعة، فقال: أما مع الإمام فركعتان، وأما مَن يصلي وحده فهي أربع ركعات بمنزلة الظهر "وسائل الشيعة ج٣ ص١٣، ١٤" راجع كتابنا: على شاطئ الجمعة"٣. قلت: وكل كلامه لتقرير ما جاء في هذا الأثر عن إمامهم، وخلاصة أقواله أنه إذا وُجد الإمام العادل فصلاة الجمعة ركعتان، وإذا لم يوجد فأربع ركعات بنية الجمعة، ولا دليل عنده ولا عندهم إلا رواياتهم الباطلة عند أهل السنة والجماعة.

стр. 499

خمس الغنائم: والمراد بالغنيمة وتوزيع الخمس منها موضع خلاف بين أهل السنة والجماعة وبين الاثنا عشرية، والنص الوارد في ذلك قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ ١ الآية. قال مغنيه من الشيعة في تفسيرها: "وقد اختلف السنة والشيعة في المعنى المراد من الغنيمة في الآية؛ فقال السنة: هي ما يغنمه المسلمون من الكفار بقتال؛ وعلى قولهم هذا تكون مسألة الخمس عبارة عن قضية لا واقع لها من الناحية العملية في هذه الأيام، تمامًا كمسألة العبيد والإماء؛ إذ لا دولة إسلامية تجاهد الكفار والمشركين في هذا العصر٢. وقال الشيعة: إن الغنيمة أعم مما يأخذه المسلمون من الكافرين بقتال، وإنها تشتمل المعدن كالنفط والذهب وغيرهما، وأيضًا تشمل الكنز المدفون تحت الأرض إذا لم يُعرف له صاحب، وتشمل ما يخرجه الإنسان من البحر بالغوص كاللؤلؤ، وما يفضل عن مؤنة الإنسان وعياله مما اكتسبه في سنته، وتشمل المال الذي فيه حلال وحرام، ولم يعلم شخص الحرام ولا مقداره ولا صاحبه، وتشمل الأرض التي يشتريها الذمي من المسلم، والتفصيل في كتب الشيعة، ومنها الجزء الثاني من كتابنا: فقه الإمام جعفر الصادق ... وعلى قول الشيعة تكون مسألة الخمس مسألة لها واقع من الناحية العملية "!! ".

стр. 500

وكما اختلف الشيعة والسنة في معنى الغنيمة فقد اختلفوا في عدد أسهم الخمس وتقسيمها على مستحقيها؛ قال الشيعة: يقسم الخمس إلى قسمين؛ والأول منهما ثلاثة أسهم: سهم لله وسهم لرسوله وسهم لذوي القربى، وما كان لله فهو للرسول، وما كان للرسول فهو لقرابته، وولي القرابة بعد النبي هو الإمام المعصوم القائم مقام النبي "!! " فإن وُجد أُعطي له، وإلا وجب إنفاقه في المصالح الدينية؛ وأهمها: الدعوة إلى الإسلام، والعمل على نشره وإعزازه. أما القسم الثاني فهو ثلاثة أسهم: سهم لأيتام آل محمد ﷺ وسهم لمساكينهم وسهم لأبناء السبيل منهم خاصة، لا يشاركهم أحد في ذلك؛ لأن الله حرَّم عليهم الصدقات فعوضهم عنها بالخمس. وقال الطبري في تفسيره وأبو حيان الأندلسي في البحر المحيط: "قال علي بن أبي طالب ﵇: اليتامى والمساكين أيتامنا ومساكيننا". وقال الطبري في تفسيره أيضًا: "إن علي بن الحسين ﵁ قال لرجل من أهل الشام: أما قرات في الأنفال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ ، قرأ الآية. قال الشامي: نعم وإنكم لأنتم؟ قال: نعم". أما مذهب السنة فندع الكلام عنه إلى عالِمَيْنِ كبيرين: أحدهما من القدماء وهو الرازي، والثاني من الجدد وهو المراغي"٢. ثم نقل نصًّا للرازي فيه ذكر أقوال أهل السنة، ونصًّا آخر للمراغي ذكر مغنيه منه ما يبين أن المراد بذوي القربى بنو هاشم وبنو المطلب، ولم يذكر السطر الذي قبله، ونص فيه المراغي على أن المراد باليتامى والمساكين وابن السبيل هم المحتاجون من سائر المسلمين٣؛ وإنما اكتفى بما نقل لأمر في نفسه يخفيه. ومن الشيعة أيضًا محمد حسين الطباطبائي، فقال في تفسيره للآية: "وظاهر

стр. 501

الآية أنها مشتملة على تشريع مؤبَّد كما هو ظاهر التشريعات القرآنية، وأن الحكم متعلق بما يسمى غنمًا وغنيمة، سواء كان غنيمة حربية مأخوذة من الكفار أو غيرها مما يطلق عليه الغنيمة لغة؛ كأرباح المكاسب، والغوص، والملاحة، والمستخرَج من الكنوز، والمعادن، وإن كان مورد نزول الآية هو غنيمة الحرب فليس للمورد أن يخصص. وكذا ظاهر ما عد من موارد الصرف بقوله: ﴿لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ انحصار الموارد في هؤلاء الأصناف، وأن لكل منهم سهمًا؛ بمعنى: استقلاله في أخذ السهم، كما يستفاد مثله من آية الزكاة من غير أن يكون ذكر الأصناف من قبيل التمثيل. فهذا كله مما لا ريب فيه بالنظر إلى المتبادر من ظاهر معنى الآية، وعليه وردت الأخبار من طرق الشيعة عن أئمة أهل البيت ﵈ وقد اختلفت كلمات المفسرين من أهل السنة في تفسير الآية، وسنتعرض لها في البحث الروائي التالي إن شاء الله تعالى"١. وإذا ما انتقلنا إلى ما أشار إليه وجدناه يسوق هناك عددًا من رواياتهم؛ ومنها: "في الكافي عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن أبي عمير عن الحسين بن عثمان عن سماعه قال: سألت أبا الحسن ﵇ عن الخمس فقال: في كل ما أفاد الناس من قليل أو كثير. وفيه عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن حماد بن عيسى عن بعض أصحابنا عن العبد الصالح قال: الخمس في خمسة أشياء: من الغنائم والغوص ومن الكنوز ومن المعادن والملاحة، يؤخذ من كل هذه الصنوف الخمس فيجعل لمن جعل الله له، ويقسم أربعة أخماس بين مَن قاتل عليه وولي ذلك، ويقسم بينهم الخمس على ستة أسهم: سهم لله، وسهم لرسوله، وسهم لذي القربى، وسهم للتيامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل، فسهم الله وسهم رسوله لأُولِي الأمر من بعد رسول الله وراثة، فله

стр. 502

ثلاثة أسهم: سهمان وراثة، وسهم مقسوم له من الله، فله نصف الخمس كلا، ونصف الخمس الثاني بين أهل بيته: فسهم ليتاماهم، وسهم لمساكينهم، وسهم لأبناء سبيلهم، يقسم بينهم على الكتاب والسنة ما يستغنون به في سنتهم، فإن فضل منهم شيء فهو للوالي، وإن عجز أو نقص عن استغنائهم كان على الوالي أن ينفق من عنده ما يستغنون به؛ وإنما صار عليه أن يمونهم؛ لأن له ما فضل عنهم ... وهؤلاء الذين جعل الله لهم الخمس هم قرابة النبي ﵌، الذين ذكرهم الله فقال: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ وهم بنو عبد المطلب أنفسهم، الذكر منهم والأنثى، ليس فيهم من أهل بيوتات قريش ولا من العرب أحد، ولا فيهم ولا منهم في هذا الخمس من مواليهم، وقد تحل صدقات الناس لمواليهم، وهم والناس سواء". وقال أيضًا: "أقول: والأخبار عن أئمة أهل البيت ﵈ متواترة في اختصاص الخمس بالله ورسوله والإمام من أهل بيته ويتامى قرابته ومساكينهم وأبناء سبيلهم، لا يتعداهم إلى غيرهم، وأنه يقسم ستة أسهم على ما مر في الروايات، وأنه لا يختص بغنائم الحرب؛ بل يعم كل ما يسمى غنيمة لغة من: أرباح المكاسب والكنوز والغوص والمعادن والملاحة، وفي رواياتهم -كما تقدم- أن ذلك موهبة من الله لأهل البيت بما حرم عليهم من الزكوات والصدقات"١. إذًا، فالخلاف بينهم وبين أهل السنة في أن الغنائم عندهم تشمل: أرباح التجارة والكنوز والغوص والمعادن والملاحة. أما عند أهل السنة والجماعة فهي غنائم الحرب مع الكفار، أما الخمس فلأهل البيت عند الشيعة، وعند أهل السنة فسهم الله ورسوله لمصالح المسلمين وذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل من سائر المسلمين.

стр. 503

نكاح المتعة: وهذا هو أشهر الاختلافات الفقهية بين أهل السنة والجماعة وبين الشيعة الاثنا عشرية؛ ذلك أن نكاح المتعة محرم عند أهل السنة إجماعًا، ومباح عند الشيعة؛ بل كاد أن يكون شعارًا لهم. وموضع استدلالهم قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ ١، قال مغنيه في تفسيره لها: "وقد كثر الكلام والنقاش حول هذه الآية: هل المراد بها الزواج الدائم فقط أو زواج المتعة فقط، أو هما معًا؟ وعلى فرض إرادة المتعة: فهل نُسخت هذه الآية ونُسخ معها زواج المتعة؟ وفيما يلي يتضح الجواب عن جميع ما أثير أو يثار من التساؤلات حول زواج المتعة. جاء في كتب الحديث والفقه والتفسير للسنة والشيعة أن المسلمين اتفقوا -قولًا واحدًا- على أن الإسلام شرع متعة النساء، وأن النبي ﷺ أمر بها أصحابه؛ من ذلك ما جاء في الجزء السابع من صحيح البخاري، كتاب الترغيب في النكاح: أن رسول الله ﷺ كان في جيش المسلمين، فقال لهم: "قد أَذِنَ الله لكم أن تستمتعوا؛ فاستمتعوا". وفي رواية ثانية للبخاري: "أيما رجل وامرأة توافقا فعشرة ما بينهما ثلاث ليال، فإن أحبا أن يتزايدا أو يتتاركا تتاركا"٢. وفي صحيح مسلم ج٢ باب "نكاح المتعة" ص٦٢٣ طبعة ١٣٤٨هـ عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنه قال: استمتعنا على عهد رسول الله وأبي بكر

стр. 504

وعمر، وفي الصفحة نفسها حديث آخر عن جابر قال فيه: ثم نهانا عمر١، ومثله عن الجزء الثالث من مسند الإمام أحمد بن حنبل. ثم قال: "وهذه الروايات ونظائرها موجودة في أكثر صحاح السنة وتفاسيرهم وكتبهم الفقهية؛ وعليه يكون النزاع في أنه: هل المراد بقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ﴾ إلخ، الزواج الدائم فقط، أو زواج المتعة فقط، أو هما معًا؟ يكون هذا النزاع عقيمًا لا جدوى منه؛ لأن النتيجة هي هي لا تختلف في شيء، سواء أقلنا: إن آية ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ﴾ عامة للمتعة، أو قلنا: هي مختصة بالزواج الدائم؛ إذ المفروض أن رسول الله ﷺ قد أمر بزواج المتعة باتفاق المسلمين، وأن كل ما أمر الرسول به فإن الله يأمر به أيضًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] . أجل بعد أن اتفق السنة والشيعة على أن الإسلام شرع المتعة اختلفوا في نَسْخِها وتحريمها بعد الجواز والتحليل؟ قال السنة: حرمت بعد أن كانت حلالًا، وقال الشيعة: كانت حلالًا ولا تزال إلى آخر يوم، وبديهة أن على السنة أن يثبتوا النسخ والتحريم من الرسول ﷺ ". إلى أن قال: "والسنة يعترفون بأن عليهم عبء الإثبات دون الشيعة؛ ولذلك استدلوا على ثبوت النسخ بروايات عن النبي ﷺ ، ورد الشيعة هذه الروايات وناقشوها متنًا وسندًا، وأثبتوا بالمنطق السليم أنها موضوعة على الرسول الأعظم ﷺ بأدلة. منها: أن السنة يعترفون بأنها مضطربة متناقضة، قال ابن رشد في الجزء الثاني من البداية في مسألة نكاح المتعة ما نصه بالحرف: "في بعض الروايات أن النبي ﷺ حرَّم المتعة يوم خيبر، وفي بعضها يوم الفتح، وفي

стр. 505

بعضها في غزوة تبوك، وفي بعضها في حجة الوداع، وفي بعضها في عمرة القضاء، وفي بعضها عام أوطاس، وهو اسم مكان في الحجاز، ومحل غزوة من غزوات الرسول ﷺ ". ثم قال ابن رشد: "رُوي عن ابن عباس أنه قال: ما كانت المتعة إلا رحمة من الله رحم بها أمة محمد ﷺ ، ولولا نهي عمر عنها ما اضطر إلى الزنا إلا شقي. ومنها -أي: من ردود الشيعة على روايات النسخ- أنها ليست بحجة حتى ولو سلمت من التناقض؛ لأنها من أخبار الآحاد، والنسخ إنما يثبت بآية قرآينة أو بخبر متواتر، ولا يثبت بالخبر الواحد. ومنها: ما جاء في صحيح مسلم من أن المسلمين تمنعوا على عهد الرسول ﷺ وعهد أبي بكر، وهذا ينفي نسخها في عهد الرسول، وإلا كان الخليفة الأول محللًا لما حرم الله والرسول ... وأصدق شيء في الدلالة على عدم النسخ في عهده ﷺ قول عمر بالذات: "متعتان كانتا على عهد رسول الله أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما"، ومهما شككت فلا أشك ولن أشك في أن عمر لو سكت عن هذا النهي لما اختلف اثنان من المسلمين في جواز المتعة وحليتها إلى يوم يبعثون. وتسأل: بعيد جدًّا أن يقول عمر هذا؛ لأنه تحريم لما أحله الله، وردٌّ على رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى؟ الجواب: أجل هو أبعد من بعيد؛ لأنه كما قلت: رد على الله ورسوله ... ولكن المسلمين اتفقوا على أن عمر قال ذلك، وما رأيت واحدًا منهم نفى نسبته إليه؛ بل في بعض الروايات أن عمر نهى عن ثلاثة أشياء أمر بها النبي لا شيئين، قال القوشجي في شرح التجريد -وهو من علماء السنة- قال في آخر مبحث الإمامة: "إن عمر صَعِدَ المنبر وقال: أيها الناس، ثلاث كن على عهد رسول الله أنا أنهى عنهن وأحرمهن وأعاقب عليهن: متعة النساء، ومتعة الحج، وحي على خير العمل". وروى كل من الطبري والرازي أن عليًّا قال: لولا أن

стр. 506

عمر نهى عن المتعة ما زنى إلا شقي، ومثله عن تفسير الثعلبي والسيوطي"١. هذا ما قاله مغنيه، ولقد عانيت ما عانيت من كبح جماح القلم عن الرد على مزاعمه؛ لأني آثرت اتصال حلقات كلامه حتى يتم له إتمام أدلته الواهية، ثم أعود عليها ناقضًا لها عودًا سريعًا خشية فوات ما فيه نفع، وأنفة من الخوض في الحديث مع مثله؛ ولكن آسف أن أقول مثل هذا لولا أني وقد قرأت في تفسيره ظهر لي ظهور الشمس في رابعة النهار كيف يصوغ ألفاظه ويبتر النصوص ويدلس على قراء كتابه بما لا يستغرب من مثله. ونأخذ بعد هذا ما زعمه من ردود الشيعة على روايات أهل السنة في نسخ نكاح المتعة، ووصفه لهذه الردود بأنها ناقشت الروايات متنًا وسندًا!! وإذا ما نظرنا للأمثلة التي ذكرنا فإنا لا نرى فيها نقدًا لا لسند ولا لمتن حديث بعينه!! دع عنك ما زعمه أنهم أثبتوا بالمنطق السليم أنها موضوعة على الرسول الأعظم ﷺ . ولا أدري كيف سوغ لنفسه مثل هذا القول؟! وهو الذي لم يذكر حديثًا واحدًا أثبت وضعه لا بالمنطق السليم ولا بمنطقه هو!! لا أحجه بأنه قد رواها البخاري ومسلم، فمنزلتهما عنده لا تخفى؛ ولكن أحجه باستشهاده هو بأحاديثهما التي تنص على تشريع المتعة، وهي نفسها تنص على أنها نُسخت، فأخذ ببعضه وأعرض عن بعض. ثم وعجب بعد عجب أو يحسب نفسه يؤلف تفسيرًا في سبعة مجلدات للعامة أم يستخف بقراء تفسيره؟! لا أشك في أن مَن يقرأ تفسيرًا بحجم تفسيره أنه قد ارتقى من درجة العامي الذي لا يعلم شيئًا من شئون العلماء إلى درجة من درجات العلم ومهما، كانت هذه الدرجة من العلم فإنه لا يخفى على صاحبها أن ورود أحاديث كثيرة تنص على أن تحريم المتعة كان يوم خيبر، وفي بعضها في غزوة تبوك، وفي بعضها في حجة الوداع، إلى آخر هذه الأحاديث، لا يعني تناقضها؛

стр. 507

وإنما يعني تكرر التنبيه على تحريم المتعة عدد هذه المرات؛ ولكن الرجل يحسب أنه وهو يسوق عبارة ابن رشد قد عثر على حجة له؛ فإذا هي عليه، ولا أظنه يخفى عليه هذا؛ ولكنه ما ذكرت؟! أما ما ذكره من أن روايات النسخ ليست بحجة؛ لأنها من أخبار الآحاد، فإنا نقول له: أوتظن أنت إن إباحة المتعة ثبت بالتواتر حتى تطلب ناسخًا متواترًا؟! إن زعمت أن الآية تنص على ذلك فلا يسلم لك عاقل؛ إذ الخلاف في المراد بها مشهور، وأنت نفسك قلت في تفسيرك: إن النزاع في المراد بالآية عقيم لا جدوى منه، وقلت: إن المفروض أن رسول الله ﷺ قد أمر بزواج المتعة باتفاق المسلمين. إذًا، فليست الآية دليلًا قاطعًا لكم ولا لنا؛ وإنما مرجعنا في ذلك إلى رسول الله ﷺ ، ولننظر بعد هذا في أحاديثه ﵊. قال أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي: "كل ما نقل إباحة المتعة نقل تحريمها أيضًا، وحصلت رواية التحريم عن غير من نقل الإباحة زيادة عليها، فإن كانت إباحتها بنقل من نقل من حيث الإجماع فتحريمها أيضًا من حيث الإجماع؛ لأن ما ثبت به الإباحة ثبت به التحريم"١. ودونك أحاديثه الصحيحة عنه ﷺ اقرأها بتمامها وسترى ما نقول، أما إن أغلقت عينًا وفتحت عينًا؛ فإنك لن ترى الحقيقة كاملة إن كانت الحقيقة ضالتك. وسأرشدك إلى النص الذي نقلته أنت عن ابن رشد، وقرأت فيه كم مرة حرمت المتعة وجاءت النصوص لتحريمها. أما ما ذكرت من أنه أبعد من بعيد أن يقول عمر ﵁: متعتان كانتا على عهد رسول الله أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما؛ لأنه رد على الله ورسوله، فقد كنت أتمنى لك الثبات على حُسْن الظن بصحابة رسول الله صلى الله عليه

стр. 508

وسلم، وأنك لم تستثنِ بقولك: "ولكن المسلمين اتفقوا على أن عمر قال ذلك، وما رأيت أحدًا منهم نفا نسبته إليه"، كنت أتمنى أن قومت ميزان فَهْمِك، وبحثت عن الفهم الصحيح الذي يناسب حُسْنَ الظن في صحابة الرسول ﷺ إن كنت تملكه، وأن تشك في فَهْمِك ولا تشك في عقيدة هذا الصحابي، وتسأل أهل الذكر إن كنت لا تعلم. فإن سألت أجابوك: إن هذا غلط قبيح؛ لأن عمر بن الخطاب ﵁ مع علمه وزهده لا يجوز أن يقول ما أحله رسول الله ﷺ أنا أحرمه وأعاقب عليه، وقد ثبت عنه في أخبار كثيرة أنه يقفو فيها أثر رسول الله ﷺ ، ويطلب البينة على ما يُدَّعَى على رسول الله ﷺ ، ويعاقب مَن خالف شيئًا من سنته، ويأمر بالمواظبة عليها والأخذ بها، والمنع من تعديها ومجاوزتها، ولو رام تحريم ما أحله رسول الله ﷺ لم يقره الصحابة عليه ولم يقبلوه منه، ولا اعترضوا عليه فيه كما اعترضوا فيما هو أيسر من ذلك وأخف؛ فبطل الدليل؛ وإنما أراد عمر ﵁ بذلك أنها كانت مباحة في أول الإسلام؛ فنُسخت الإباحة، وحُرمت من جهة النبي ﷺ . فمعنى قوله: "إن مَن استحلها وفعلها بعدما حرمها رسول الله ﷺ ونسخها عاقبته على ذلك"، وهذا واضح لا لبس فيه؛ فإنه قد ثبت أن رجلًا فعل ذلك ولم يعلم بالنسخ؛ فلذلك زجر عمر عنها لما يكون له من النظر في أمور الدين١. ولقالوا لك أيضًا: إن عمر بن الخطاب ﵁ نهى عنها على المنبر وتوعد عليها وغلظ أمرها، وذلك بحضرة المهاجرين والأنصاري، فلم يعارضه أحد منهم ولا رد عليه قوله في ذلك، ولا يجوز لمثلهم المداهنة في الدين، ولا السكوت على استماع الخطأ، لا سيما فيما هو راجع إلى الشريعة وثابت

стр. 509

في أحكامها على التأييد، فلما سكتوا على ذلك ولم ينكره منهم أحدٌ عُلِمَ أن ذلك هو الحق، وأنه ثابت في الشريعة من نسخ المتعة وتحريمها، كما ثبت عنده مضار ذلك، كأن جميعهم قرروا تحريمها وتثبتوا نسخها؛ فكانت حرامًا على التأييد، وقد رُوي ذلك عن جماعة من الصحابة سوى عمر؛ فروي تحريمها عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عباس؛ لأنه رجع عن إباحتها لما بان له الصواب في ذلك، ونقل إليه تحريمها عن النبي ﷺ ، وهو مذهب التابعين والفقهاء والأئمة أجمعين، ولو لم يقل بتحريم المتعة إلا واحد من الصحابة -رضوان الله عليهم- إذا لم يكن له فيهم مخالف لوجب علينا الأخذ بقوله، والمصير إلى علمه؛ لأنه لم يقل ذلك إلا عن علم ثاقب ورأي صائب، وقد أجمعوا كلهم على ذلك؛ فكان مَن خالف ذلك واستحل نكاح المتعة مخالفًا للإجماع معاندًا للحق والصواب١. وبعد، عذرًا أن أطلت في الرد بعض الإطالة، فما الرد عليه قصدت؛ ولكن شبهة أردت إزالتها حتى تنجلي الحقيقة لمن التبس عليه الأمر. وخشية من أن أحتاج إلى اعتذار آخر مع اعتذاري هذا؛ فإني أكتفي بالإشارة إلى ذلك البحث الطويل عن نكاح المتعة الذي بسطه محمد حسين الطباطبائي في تفسيره٢، وذلك البحث الآخر الذي أورده أبو القاسم الموسوي الخوئي في تفسيره٣، أيضًا أترك هذين البحثين اكتفاء بما نقلته عن مغينه في تفسيره أولًا، ولطول هذين البحثين حتى ولو اختصرتهما ثانيًا، وبالله التوفيق.

стр. 510

نكاح المشركات والكتابيات: قال تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ١ الآية، جاء في تفسير محمد جواد

стр. 511

مغنيه لها قوله: "اتفق فقهاء المذاهب على أن المسلم لا يحل له أن يتزوج بمن لا تدين بشيء إطلاقًا، ولا بمن تعبد الأوثان والنيران وما إليها، واختلفوا في زواج الكتابية؛ أي: النصرانية واليهودية، فقال أصحاب المذاهب الأربعة السنية: يجوز، واستدلوا بهذه الآية، واختلف فقهاء الشيعة بين مجيز ومانع ومفصل بين الزواج الدائم والمقطع، فأجاز الثاني ومنع الأول. ونحن مع القائلين بالجواز مطلقًا، ومستندنا: أولًا: الأدلة الدالة على إباحة الزواج بوجه عام. ثانيًا: قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ . ثالثًا: الروايات الكثيرة عن أهل البيت ﵃ وذكرها صاحب الوسائل والجواهر، ووصفها هذا بالمستفيضة؛ أي: بلغت حدًّا من الكثرة يقرب من التواتر، ونقلنا بعضها في الجزء الخامس من فقه الإمام جعفر الصادق. وتسأل: وما أنت صانع بقوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ ١، وقوله: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكوَافِرِ﴾ ٢؟ الجواب: المشركات غير الكتابيات؛ بدليل عطف المشركين على أهل الكتاب في الآية الأولى من سورة البينة: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ ، أما قوله: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكوَافِرِ﴾ فغير صريح في الزواج؛ لأن الإمساك بالمعصم كما يكنى به عن الزواج يكنى به عن غير الزواج أيضًا، قال صاحب المسالك: إن الآية ليست صريحة في إرادة النكاح ولا فيما هو أعم منه"٣. وهكذا أنهى مغنيه تفسيره لهذه الآية، وإن كان في جوابه المختصر هذا ما لا يسلم، وتثور فيه الأسئلة؛ لكنه مر عليها على عجل لا يمكنه من استقصاء الأدلة وإبطال الاعتراضات، وحسبنا أنه ذكر رأيه.

стр. 512

أما أبو القاسم الخوئي فقد تحدث في تفسيره عن بعض الآيات التي قيل: إنها ناسخة أو منسوخة، وبيَّن أنه لا تناسخ بينها؛ ومن هذه الآيات التي تناولها قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ ١، قال في تفسيره: "أدعي أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ٢، ذهب إليه ابن عباس، ومالك بن أنس، وسفيان بن سعيد، وعبد الرحمن بن عمر، والأوزاعي، وذهب عبد الله بن عمر إلى أن الآية الثانية منسوخة بالأُولَى فحرم نكاح الكتابية. والحق: أنه لا نسخ في شيء من الآيتين؛ فإن المشركة -التي حرمت الآية الأولى نكاحها- إن كان المراد منها التي تعبد الأصنام والأوثان -كما هو الظاهر- فإن حرمة نكاحها لا تنافي إباحة نكاح الكتابية التي دلت عليها الآية الثانية؛ لتكون إحداهما ناسخة والثانية منسوخة، وإن كان المراد من المشركة ما هو أعم من الكتابية- كما توهمه القائلون بالنسخ- كانت الآية الثانية مخصصة للآية الأولى، ويكون حاصل معنى الآيتين جواز نكاح الكتابية دون المشركة، نعم المعروف بين علماء الشيعة الإمامية أن نكاح الكتابية لا يجوز إلا بالمتعة إما لتقييد إطلاق آية الإباحة بالروايات الدالة على تحريم النكاح الدائم، وأما لدعوى ظهور الآية الكريمة في المتعة دون العقد الدائم، ونقل عن الحسين والصَدُوقَيْنِ جواز الدائم أيضًا"٣. وهذا محمد حسين الطباطبائي -أيضًا- يقول بجواز نكاح الكتابية في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ ٤، بعد أن بيَّن بيانًا فيه طول أن لفظ المشركين في القرآن غير ظاهر الإطلاق على أهل الكتاب، قال بعد ذلك: فقد ظهر من هذا البيان على طوله أن ظاهر الآية؛ أعني: قوله تعالى:

стр. 513

﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ قَصْرُ التحريم على المشركات والمشركين من الوثنيين دون أهل الكتاب. ومن هنا يظهر فساد القول بأن الآية ناسخة لآية المائدة؛ وهي قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ١ الآية. أو أن الآية؛ أعني قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ ، وآية الممتحنة؛ أعني قوله تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ ٢، ناسختان لآية المائدة، وكذا القول بأن آية المائدة ناسخة لآيتي البقرة والممتحنة. وجه الفساد: أن هذه الآية -أعني: آية البقرة- بظاهرها لا تشمل أهل الكتاب، وآية المائدة لا تشمل إلا الكتابية؛ فلا نسبة بين الآيتين بالتنافي حتى تكون آية البقرة ناسخة لآية المائدة أو منسوخة بها، وكذا آية الممتحنة، وإن أخذ فيها عنوان الكوافر، وهو أعم من المشركات ويشمل أهل الكتاب، فإن الظاهر أن إطلاق الكافر يشمل الكتابي بحسب التسمية؛ بحيث يوجب صدقة عليه انتفاء صدق المؤمن عليه، كما يشهد به قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِين﴾ ٣، إلا أن ظاهر الآية -كما سيأتي إن شاء الله العزيز- أن مَن آمن من الرجال وتحته زوجة كافرة يحرم عليه الإمساك بعصمتها؛ أي: إبقاؤها على الزوجية السابقة، إلا أن تؤمن فتمسك بعصمتها، فلا دلالة لها على النكاح الابتدائي للكتابية. ولو سلم دلالة الآيتين -أعني: آية البقرة، وآية الممتحنة- على تحريم نكاح الكتابية ابتدائيًّا لم تكونا بحسب السياق ناسختين لآية المائدة؛ وذلك لأن آية المائدة

стр. 514

وارادة مورد الامتنان والتخفيف، على ما يعطيه التدبر في سياقها، فهي آبية عن المنسوخية؛ بل التخفيف المفهوم منها هو الحاكم على التشديد المفهوم من آية البقرة، فلو بُني على النسخ كانت آية المائدة هي الناسخة. على أن سورة البقرة أول سورة نزلت بالمدينة بعد الهجرة، وسورة الممتحنة نزلت بالمدينة قبل فتح مكة، وسورة المائدة آخر سورة نزلت على رسول الله ناسخة غير منسوخة، ولا معنى لنسخ السابق اللاحق١.

стр. 515

الحجاب: والحجاب -كما قلنا- متفق على وجوبه بين المسلمين؛ ولكن اختلفوا في حدوده، وهذا محمد جواد مغنيه يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ١، والمراد بالزينة هنا موضعها؛ لأن الزينة بما هي لا يحرم النظر إليها، والمراد بالظاهر من موضع الزينة الوجه والكفان فقط، وقد استدل الفقهاء بهذه الآية على وجوب الحجاب، وأن جميع بدن المرأة عورة إلا ما استُثنِي منه؛ أي: الوجه والكفين، فقد سُئل الإمام جعفر الصادق "ع" عن الذراعين: هل هما من الزينة التي قال الله عنها: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ ؟ فقال: نعم، وما دون الوجه والكف من الزينة؛ أي: المحرمة. وفي أحكام الآيات للجصاص أحد أئمة الأحناف: "والمراد بما ظهر الوجه والكفان". وفي تفسير الرازي الشافعي: "اتفقوا على أن الوجه والكفين ليسا بعورة"٢. وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ ٣ الآية: "إن قوله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ عام يشمل الستر والحجاب لجميع أجزاء البدن، بما فيه الرأس

стр. 516

والوجه، ويؤيد هذا الشمول قوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ ، فقد كانت المسلمات في أول الإسلام يخرجن من بيوتهن سافرات متبذلات على عادة الجاهلية؛ فطلب سبحانه من نبيه الكريم في هذه الآية أن يأمرهن بالستر والحجاب، والأمر يدل على الوجوب فيكون الحجاب واجبًا. أجل، لقد خرج من هذا العموم الوجه والكفان؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ "١ ٢. وأما محمد حسين الطباطبائي فقال في تفسير آية الأحزاب: "وأما قوله: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ فالإبداء الإظهار، والمراد بزينتهن مواضع الزينة؛ لأن نفس ما يتزين به كالقرط والسوار ولا يحرم إبداؤها فالمراد بإبداء الزينة إبداء مواضعها من البدن. وقد استثنى الله سبحانه منها ما ظهر، وقد وردت الرواية أن المراد بـ ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ الوجه والكفان والقدمان كما سيجيء إن شاء الله"٣. وقد أورد الطباطبائي في البحث الروائي عددًا من رواياتهم في تحديد حجاب المرأة؛ منها قوله: "وفيه -الكافي- بإسناده عن مروك بن عبيد عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله ﵇ قال: قلت له: ما يحل أن يرى من المرأة إذا لم يكن محرمًا؟ قال: الوجه والكفان والقدمان. أقول: ورواه في الخصال عن بعض أصحابنا عنه ﵇ ولفظه: الوجه والكفين والقدمين. وفي قرب الإسناد للحميري عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر ﵇ قال: سألته عن الرجل ما يصلح له أن ينظر إليه من المرأة التي لا تحل له؟ قال: الوجه والكف وموضع السوار"٤.

стр. 517

هذا ما قاله محمد حسين الطباطبائي، وذاك ما قاله محمد جواد مغنيه، ومن هذه النصوص عنهما يتضح أنهما يريان أن المستثنى من الزينة التي لا يصح أن ينظر إليها الرجل الأجنبي هما الوجه والكفان، وزاد الطباطبائي القدمين، وقد سبق بيان آراء أصحاب المذاهب الأربعة أهل السنة والجماعة، بما يعفيني من مناقشة أدلتهما والرد عليهما، وبما يثبت الحق -إن شاء الله- فانظره عند حديثنا عن تفسير آيات الأحكام للشيخ محمد علي الصابوني.

стр. 518

إرث الأنبياء: والشيعة خلاف أهل السنة والجماعة في أن الأنبياء ﵈ يورثون، ويستدلون بما حكاه الله من دعاء زكريا ﵇: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا، يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ ١. وقد أفاض محمد حسين الطباطبائي في تفسير هذه الآية على مذهب الشيعة فقال: "والمراد بالوراثة وراثة ما تركه الميت من الأموال وأمتعة الحياة، وهو المتبادر إلى الذهن من الإرث بلا ريب؛ إما لكونه حقيقة في المال ونحوه مجازًا في غيره كالإرث المنسوب إلى العلم وسائر الصفات والحالات المعنوية، وإما لكونه منصرفًا إلى المال إن كان حقيقة في الجميع، فاللفظ على أيِّ حال ظاهر في وراثة المال، ويتعين بانضمامه إلى الولي كون المراد به الولد، ويزيد في ظهروه في ذلك قوله قَبْلُ: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائي﴾ "٢. ثم بدأ السيد الطباطبائي يرد على بعض الأقوال التي فسرت الإرث بإرث النبوة أو إرث العلم أو إرث التقوى، رَدَّ على القول الأول منها بقوله: "يدفعه ما عرفت آنفًا أن الذي دعاه ﵇ إلى هذا الدعاء والمسألة هو ما شاهده من مريم، ولا خبر في ذلك عن النبوة ولا أثر، فأي رابطة بين أن يشاهد منها عبادة وكرامة فيعجبه ذلك وبين أن يطلب من ربه ولدًا يرثه النبوة؟

стр. 519

على أن النبوة مما لا يورث بالنسب، وهو ظاهر، ولو أصلح ذلك بان المراد بالوراثة مجرد إتيان نبي بعد نبي أو ظهور نبي من ذرية نبي بنوع من العناية مجازًا ظهر الإشكال من جهة أخرى؛ وهي عدم ملاءمة ذلك قوله بعد: ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ ؛ إذ لا معنى لقول القائل: هب لي من لدنك ولدًا نبيًّا واجعله رضيًّا، ولو حُمل على التأكيد كان من تأكيد الشيء بما هو دونه، وكذا احتمال أن يكون المراد بالرضي المرضي عند الناس؛ لمنافاته إطلاق المرضي كما تقدم، مع عدم مناسبته لداعيه كما مر"١. وقد استطرد بعد ذلك في ردود أخرى على أقوال أخرى بما يطول نقله أو الإشارة إليه؛ فيكفي منها ما نقلناه. وإن أردت الحق في هذه المسألة فانظر بيانه فيما نقلناه من تفسير الشيخ الشنقيطي في أول هذا البحث.

стр. 520

قطع يد السارق: وهذا أيضًا من مسائل الخلاف في الأحكام الفقهية بين أهل السنة والجماعة وبين الشيعة، فقد اتفقت المذاهب الأربعة الإسلامية على أن اليد تُقطع من مفصل الكف، أما الشيعة فلهم رأي آخر. قال محمد جواد مغنيه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ١ الآية: "أما كيفية القطع فقد اتفقت المذاهب الأربعة على أن الكف اليمنى تقطع من المفصل، وقال الإمامية: تقطع أصابعه الأربعة من الكف اليمنى وتترك الراحة والإبهام"٢. أما الطباطبائي فقد اختصر الحديث هنا على غير عادته فيما نقلناه عنه من أحكام؛ بل قد جاءت عبارته مجملة محتملة؛ حيث قال: "واليد ما دون المنكب

стр. 521

والمراد بها في الآية اليمين بتفسير السنة، ويصدق قطع اليد بفصل بعض أجزائها أو جميعها عن البدن بآلة قطاعة"١. وكلامه هذا مجمل، تدخل تحته كل الأقوال التي قبلت من أن القطع من الكتف أو من المرفق أو من الكف أو أربعة أصابع؛ بل يدخل فيه ما لم يقل به أحد؛ وهو قطع بعض الأصبع. وأعيدك مرة أخرى إلى تفسير أهل السنة والجماعة معدن الحق ومنهله؛ لتعرف هناك صحيح القول من سقيمه، أعاذنا الله وإياكم من سقمه. تلكم أمثلة قليلة من آراء الفقه الشيعي المسمَّى بالفقه الجعفري، اقتصرت فيما أوردت من الخلاف بين فقههم وفق أهل السنة على ما ورد في القرآن الكريم -بل بعض ما ورد- أما باقي الخلاف وأكثره ففي آيات أخرى وفي مواضع لم يرد دليلها من الكتاب، وهي اختلافات كثيرة جعلت الفقه الجعفري فقهًا غير معترف به عند العلماء المعتبرَين. وأذكر في هذه المناسبة واقعة جرت في رابطة العالم الإسلامي، حينما قدم مندوب إيران طلبًا باعتراف الرابطة بالمذهب الجعفري، ومعه وثيقة من بعض الجهات العلمية ذات الوزن الكبير "!! " تؤيده على دعواه وتجيبه إلى طلبه؛ فإن قبلوا طلبه دخلوا مأزقًا، وإن رفضوه واجهوا حرجًا؛ فاقترحوا أن يتولى الأمر الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله تعالى- وكان حينذاك عضوًا في المجلس التأسيسي للرابطة؛ فعقدت جلسة خاصة لذلك، فقال ﵀ في هذا المجلس: لقد اجتمعنا للعمل على جمع شمل المسلمين والتأليف بينهم وترابطهم أمام خطر عدوهم، ونحن الآن مجتمعون مع الشيعة في أصول هي: الإسلام دين الجميع، والرسول محمد ﷺ رسول الجميع، والقرآن كتاب الله، والكعبة قبلة الجميع، والصلوات الخمس وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام، ومجتمعون على تحريم المحرمات؛ من قتل وشرب

стр. 522

وزنا وسرقة ونحو ذلك، وهذا القدر كافٍ للاجتماع والترابط، وهناك أمور نعلم جميعًا أننا نختلف فيها، وليس هذا مثار بحثها، فإن رغب العضو الإيراني بحثها واتباع الحق فيها فليختر من علمائهم جماعة ونختار لهم جماعة ويبحثون ما اختلفنا فيه، ويعلن الحق ويلتزم به أو يسحب طلبه الآن، فأقر الجميع قوله -رحمه الله تعالى- وسحب العضو طلبه١. وما أجمل أن نختم حديثنا عنهم وعن فقههم بهذه الحادثة!!

стр. 523

ثالثا: فقه الأباضي مدخل ... ثالثًا: الفقه الإباضي لا يكاد الباحث يجد من فارق كبير بين الفقه الإباضي وفقه المذاهب الأربعة عند أهل السنة والجماعة إلا النادر، وإلا مثل ما يقع بين مذهب وآخر منها. وقد ذكر الشيخ أبو الربيع سليمان الباروني -من الإباضية- بعض أوجه الخلاف بين أهل السنة والجماعة والإباضية في مسائل العقيدة، وعقب على ما ذكر قائلًا: "وما عدا ما تقدم فالخلاف فيه، سواء في العبادات والمعاملات، شأنه شأن الخلافات الواقعة بين المذاهب الأربعة، فما تجده سائغًا عند الإباضية والمالكية قد تجده ممنوعًا عند الحنفية والشافعية مثلًا والعكس، وهكذا في أغلب المسائل"١. وقد نظرت في بعض الخلافات ولم أجد من فارق، اللهم إلا المسح على الخفين؛ إذ يرى أهل السنة والجماعة أنه متواتر عن الرسول ﷺ ، إلا أن الإباضية لا يقولون به، وما عدا هذا فيما اطلعت لا يكاد يُذكر. ولذا فإني أقتصر على بعض الأمثلة على تفسيرهم لبعض ما ورد من آيات الأحكام. وكما كانت دراستي عن منهج الإباضية في التفسير معتمدة على تفسيرين للشيخ محمد بن يوسف إطفيش؛ لعدم وجود سواهما، فإن الأمر كذلك هنا. الأمثلة:

стр. 524

مسح الرجلين: وفرضهما في الوضوء ورد في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ ١، قال الشيخ إطفيش في تفسيرها: " ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ عطف على وجوه أو ايدي، فهو مغسولة كما جاءت به السنة وعمل الصحابة، وهو قول الجمهور، وكما جاء الحد بقوله : ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ ولم يجيء في المسح الحد، وساغ الفصل بين المتعاطفين بجملة غير معترضة -وهي ﴿فَاغْسِلُوا﴾ - للإيماء إلى تقليل صب الماء حتى كأنها تمسح كالرأس؛ لأنها مظنة الإسراف في الماء إلى الآن، وإلى الترتيب وجوبًا أو ندبًا، ولو كانت الواو لا تفيده لكن يستفاد بذكرها بعد، والترتيب يفاد بالذكر إذا لم يكن مانع كما يفاد بحرفه كالفاء، قال ﷺ في السعي: "أبدأ بما بدأ الله به"، ولولا قصد الترتيب لم يفصل بالرأس، وليس واجبًا عندنا وعند أبي حنيفة ... ثم إنها كانت إن تمسح فقد نسخ مسحها بالحديث. قال عطاء: والله ما علمت أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ مسح على القدمين، وعن عائشة ﵂: لأن تقطعا أحب إليَّ من أن تمسحا"٢. ولعل هناك صلة بين شدة إنكارهم لمسح الرجلين في الوضوء، وإنكارهم لمسح الخفين، إلا أن الشيخ إطفيش لم يتناول الأخير في تفسيره.

стр. 525

نكاح الكتابيات: أما نكاح الكتابية، فإنهم فرقوا بين الحربية والذمية؛ فحرموا الأولى منهن. قال الشيخ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ ١: "ولو كتابيات ذميات، جروا على تحريم الكتابيات الذميات كغيرهن، ثم نسخ تحريمهن بقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ ٢، وبقيت

стр. 526

الكتابيات المحربات وسائر المشركات على التحريم، ولو اقترنت الآيتان لقلت: إن ذلك تخصيص للعموم، كما اشتهر في المذهب وعند الشافعية من أن ذلك من تخصيص العام، ومن جواز تأخير دليل الخصوص في العموم، ولو كانت مقارنة بين العام والخاص، ولك أن تقول: لا نسخ ولا تخصيص؛ بل المشركات في الآية غير الكتابيات؛ لأنه كثر في القرآن مقابلة المشركات بالكتابيات؛ كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ ١، ولو كان أهل الكتاب أيضًا مشركين؛ لقوله سبحانه: ﴿عَمَّا يُشْرِكُون﴾ ٢، وأجاز بعض قومنا نكاح الحربيات الكتابيات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب وليس بشيء، ونص ابن عباس على المنع وهو الصحيح"٣. وقد أكد هذا المنع في تفسيره لآية المائدة فقال: "ولا تحل الحربية ولو حرة عندنا، وهو قول ابن عباس؛ لبعد شأنها، ولأن التزوج بر، وقد قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّه﴾ ٤ ... إلخ، وقال الله : ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا﴾ ٥ ... إلخ، وقال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ ٦، وكيف يكون الود والرحمة للكافرة؟! ويستثنى من ذلك الحب الممنوع مقدار مخصوص للكتابية التي ليست محاربة، فيجوز في حقها لها على متزوجها، وذهب البعض إلى أن هذه الآيات تفيد الكراهة فقط، وعن الشافعي كراهة تزوج الحرة الكتابية المحاربة، وأباحها الشافعية"٧.

стр. 527

الإصباح على جنابة: وعند الإباضية أنه يجب الكف عن الجماع قبل وقت الإمساك بوقت كافٍ للغسل، فإن أصبح جنبًا فقد أفطر، وقد أشار إلى ذلك إشارة سريعة الشيخ إطفيش عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْر﴾ ١، فقال: "حتى" غاية للأكل والشرب لا لهما وللجماع؛ لقوله ﷺ : "من أصبح جنبًا أصبح مفطرًا" ٢؛ فيجب الكف عنه إذا لم يبق ما يتطهر فيه"٣. هذه بعض الأمثلة على تفسير آيات الأحكام عند الشيخ محمد بن يوسف إطفيش، وإن كنت قد اكتفيت بالقليل فمرجع ذلك غلى ضيق مجال الخلاف بيننا وبينهم في الأحكام الفقهية؛ وإنما ينحصر الخلاف الكبير في بعض العقائد، وقد سبق تناولنا لهذا الخلاف في موضع آخر ليس هذا محله. وبنهاية حديثي عن تفسير آيات الأحكام عند الإباضية ينتهي حديثنا عن تفسير آيات الأحكام في العصر الحديث. ولا أحسبني بحاجة إلى إبداء الرأي فيه؛ فقد ذكرت رأيي في كل منهج من هذه المناهج عند ذكره وتناوله أمثلته، وما لم أناقشه من الآراء الفقهية عند الشيعة أو الإباضية فإنما فعلت ذلك اكتفاءً بذِكْرِي تفسير أهل السنة له في موضعه؛ إذ هو المقياس الصحيح، وبالله التوفيق.

стр. 528

الفصل الثاني: المنهج الأثري في التفسير المراد به: نقصد بالمنهج الأثري في التفسير ما يُعرف بالتفسير بالمأثور، وقد اتفق أهل التفسير -إلا فيما ندر- على أن المراد به: ما جاء في القرآن الكريم نفسه من البيان والتفصيل لبعض آياته، وما نقل عن الرسول ﷺ ، وما نقل عن أصحابه ﵃ من ذلك، واختلفوا فيما نقل عن التابيعن -رحمهم الله تعالى- هل هو من التفسير بالمأثور أو من التفسير بالرأي؟ ومما لا شك فيه أن أصح طرق التفسير تفسير القرآن بالقرآن، ثم تفسيره بالسنة، ثم تفسيره بأقوال الصحابة، وإلى هذه الدرجات ينقسم التفسير بالمأثور. وقد أَوْلَى علماء التفسير من السلف التفسير بالمأثور -بأنواعه السالفة- عناية كبيرة؛ فأوردوا في تفاسيرهم الكثير والكثير منها، وزادوا عليه أحيانًا ببيان آرائهم بالترجيح فيما فيه احتمال. وليس من الحق الاعتقاد بأن التصنيف في التفسير بالمأثور عمل آلي ليس لصاحبه من عمل فيه إلا النقل؛ بل إن هذا النوع من التفسير يحتاج إلى جُهْد من المفسر وجُهْد من القارئ للتفسير لتحري مذهب المفسِّر، جُهْد من المفسر ليجمع حول الآية "ما يرى" أنها متجهة إليه، فيقصد إلى "ما يتبادر إلى ذهنه" من معناها، وتحت هذا التأثير قد يقبل مرويًّا ويُعنَى به ولو لم يكن صحيحًا، ويرفض

стр. 529

مرويًّا حين لا يرتاح إليه، وجُهْد من القارئ لاستشفاف مذهب المفسر وآرائه، وتحري الآثار التي رفضها المفسر لعدم موافقتها له؛ ومن ثم كان التفسير المأثور لصاحب الرأي من أخطر التفاسير؛ حيث إن المفسر بالرأي ينص على رأيه صريحًا؛ بينما ذو الرأي المفسر بالمأثور يلبس آراءه ثوب المأثور فيخدع به مَن لا يعرف صحيحه من ضعيفه. ولا يقلل هذا بحال من الأحوال من قيمة التفسير بالمأثور؛ إذ المراد بثناء العلماء ما صح من التفسير بالمأثور وليس ما دونه. وليس من شأننا هنا بحيث هذا النوع من التفسير والتوسع فيه، فذلك شأن آخر لا يعنينا هنا، ما دام الاتفاق على تقدميه قائمًا وعلى فضله دائمًا، فلننظر في تفاسير القرن الرابع عشر الهجري، ولننظر موقعها من هذا التفسير.

стр. 530

التفسير بالمأثور في القرن الرابع عشر الهجري: مما يؤسف له ويحز في النفس أني لم أكد أجد مَن يُعنَى بهذا النوع من التفسير، ويوليه جل اهتمامه من مفسير القرن الرابع عشر الهجري، وحاشا أن أسيء بهم الظن فأعتقد أنهم ينكرونه، وحاشا أن أسيء الظن بعلمهم فأظنهم لا يدركونه. وإن التمست لهم عذرًا بعد ذلك فلا أظنه إلا أنهم اكتفوا من التفسير بالمأثور بمعانيه عن ألفاظه ونصوصه، فإن عرضت لهم آية من القرآن يفسرونها ذكروا التفسير من غير أن يذكروا الآية المفسرة، أو ذكروه من غير ذكر الحديث الصحيح فيه. والذي يجعلني أجزم جزمًا بقيمة هذا النوع من التفسير عند مفسري القرن الرابع عشر حرص بعضهم على وصف تفاسيرهم به؛ بل اشتقاق أسمائها منه، فهذا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله تعالى- يسمي تفسيره: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، وأحسبه اسمًا على مسمى.
следующие страницы →