وهأنت ترى أن الشيخ شلتوت يرفض هذا اللون من التفسير، ويعده مما يجب أن ينزه عنه التفسير، ويذكر جوانب الخطأ فيه، ويدعو إلى أن ندع للقرآن عظمته وجلالته، مع اعترافه أن القرآن لم يصادم -ولن يصادم- حقيقة علمية.
والذي أعتقده أن الشيخ شلتوت ما اتخذ هذا الموقف إلا كردِّ فعل لما شاهده في عصره من جُرأة كثير من المفسرين ونحوهم على آيات القرآن، يفسرونها بكل ما فيه مسحة من العصر علمية، معرضين أو غافلين عن التفريق بين حقها وباطلها؛ مما أوقعهم وسيوقعهم في حرج شديد حين ظهور بطلان ما اتكئوا عليه من النظريات، وهو بُعْدُ نظر منه ﵀.
أمين الخولي:
ولئن كان الشيخ شلتوت من أبرز المعارضين ومن أشهرهم، فإن أمين الخولي هو أبرزهم وأشهرهم إن كان مقياس ذلك قوة الرفض وضعفه؛ فقد عقد أمين الخولي في رسالة له صغيرة عن "التفسير معالم حياته منهجه اليوم" عقد بحثًا عنوانه: "إنكار التفسير العلمي"، ذكر فيه قِدَمَ الاتجاه إلى التفسير العلمي، وقِدَمَ المخالفة في صحته، وعرض فيه أدلة الشاطبي وأقواله في إنكار هذا اللون من التفسير، ثم عقب على هذا بقوله:
"وإذا كان هذا هو الرأي القديم العهد في فهم القرآن فهمًا يجعله مصدر العلوم المختلفة، ويأخذ كَلِمَه باصطلاحات حادثة بعده بأزمنة غير قصيرة؛ فإنك لتضم إلى هذا البيان من النظرات الحديثة ما يؤيده ويعززه؛ فمنها:
١- الناحية اللغوية في حياة الألفاظ وتدرج دلالتها، لو ملكنا منها ما لَا بُدَّ لنا أن نملكه في تحديد هذا التدرج، وتأريخ ظهور المعاني المختلفة للكلمة الواحدة، وعهد استعمالها فيها؛ لوجدنا من ذلك ما يحول بيننا وبين هذا التوسع العجيب في فَهْم ألفاظ القرآن، وجعلها تدل على معاني وإطلاقات لم تعرف لها ولم تستعمل فيها، أو إن كانت تلك الألفاظ قد استعملت في شيء منها، فباصطلاح حادث في الملة بعد نزول القرآن بأجيال.
٢- الناحية الأدبية أو البلاغية -إن شئت- والبلاغة -فيما يقال- مطابقة
стр. 597
الكلام لمقتضى الحال، فهل كان القرآن على هذا النحو المتوسع من التفسير العلمي كلامًا يوجه إلى مَن خُوطب به من الناس في ذلك العهد، مرادًا به تلك المعاني المذكورة، مع أنها معانٍ من العلم لم تعرفها الدنيا إلا بعدما جازت آمادًا فسيحة، وجاهدت جهادًا طويلًا، ارتقى به عقلها وعلمها!!! وهب هذه المعاني العلمية المدعاة كانت هي المعاني المرادة بالقرآن، فهل فهمها أهل العربية منه إذا ذاك وأدركوها؟!
وإذا كانوا قد فهموها فما لنهضتهم العلمية في علوم الحياة المختلفة لم تبدأ بظهور القرآن، ولم تقم على هذه الآيات الشارحة لمختلف نظريات العلوم المفهمة لدقائقها!! وإن كانت لم تفهم منها، ولم يدركها أصحاب اللغة الخُلَّص من عبارتها كما هو الواقع فعلًا فكيف تكون معاني القرآن المرادة؟ وكيف تكون تلك الألفاظ مفهمة لها؟ وهل هذه هي المطابقة لمقتضى الحال؟!
٣- وهناك الناحية الدينية أو الاعتقادية؛ وهي التي تبين مهمة كتاب الدين، وهل هو كتاب يتحدث إلى عقول الناس وقواهم العالمة عن مشكلات الكون وحقائق الوجوه العلمية؟ وكيف يساير ذلك حياتهم ويكون أصلًا ثابتًا لها تختم به الرسالات السماوية كما هو الشأن في القرآن، مع أن هؤلاء المتدينين لا يقفون من معرفة هذه الحقائق عند غاية محدودة، ولا ينتهون منها عند مدى ما! فكيف تؤخذ جوامع الطب والفلك والهندسة والكيمياء من القرآن على نحو ما سمعت آنفًا، وهي جوامع لا يضبطها اليوم أحد إلا تغير ضطبه لها بعد يسير من الزمن أو كثير، وما ضبطه منها القدماء قد تغير عليهم فيما مضى، ثم تغير تغيرًا عظيمًا فيما تلا!!
والحق البيِّن أن كتاب الدين لا يُعنَى بهذا من حياة الناس، ولا يتولاه بالبيان، ولا يكفيهم مؤنته حتى يلتمسوه عنده، ويعدوه مصدرًا فيه.
وأما ما اتجهت إليه النوايا الطيبة من جعل الارتباط بين كتاب الدين والحقائق العلمية المختلفة ناحية من نواحي بيان صدقه أو
إعجازه أو صلاحيته للبقاء ... إلخ، فربما كان ضَرُّه أكثر من نفعه، على أنه إن كان لَا بُدَّ لأصحاب
стр. 598
هذه النوايا ومَن لف لفهم من أن يتجهوا إليه؛ ليدفعوا مناقضة الدين للعلم، فلعله يكفي في هذا ويفي، ألا يكون في كتاب الدين نص صريح يصادم حقيقة علمية يكشف البحث أنها من نواميس الكون ونظم وجوده، وحسب كتاب الدين بهذا القدر صلاحية للحياة ومسايرة للعلم وخلاصًا من النقد"١.
هذا ما يراه أمين الخولي، وفيه ما يُقبل وفيه ما يُرد، وما توقفت عند نصوصه مثل وقوفي عند قوله: "والحق البيِّن أن كتاب الدين لا يُعنَى بهذا من حياة الناس ولا يتولاه بالبيان ... إلخ"؛ إذ لا أدري على أي أساس قال هذا، وما هي المقدمات التي كانت نتائجها الفصل بين الدين والعلم، ولن أقف طويلًا في محاورته؛ إذ الحديث آتٍ بعدُ، إن شاء الله.
محمد حسين الذهبي:
أما الشيخ الذهبي -رحمه الله تعالى- فهو كالخولي يعقد فصلًا عنوانه: "إنكار التفسير العلمي"، بسط فيه رأي الشاطبي وأدلته وأطال في ذلك، ثم تحدث الذهبي عن اختياره في هذا الموضوع، قال فيه: "أما أنا فاعتقادي أن الحق مع الشاطبي ﵀ لأن الأدلة التي ساقها لتصحيح مدعاه أدلة قوية، لا يعتريها ضعف، ولا يترطق إليها خلل، ولأن ما أجاب به على أدلة مخالفيه أجوبة سديدة دامغة، لا تثبت أمامها حججهم ولا يبقى معها مدعاهم، وهناك أمور أخرى يتقوى بها اعتقادنا أن الحق في جانب الشاطبي ومن لفَّ لفه"٢.
ثم ذكر الذهبي -رحمه الله تعالى- نفس الأمور الثلاثة التي ذكرها قبله أمين الخولي في إنكار التفسير العلمي، مع بعض الاختلاف في بعض العبارات، وإن كانت المعاني في كل واحدة، والأمور الثلاثة -كما مر- هي:
١- الناحية اللغوية.
стр. 599
٢- الناحية البلاغية.
٣- الناحية الاعتقادية.
ثم عقب على هذه الأمور الثلاثة نحو تعقيب الخولي فقال: "وإذا كان أرباب هذا المسلك في التفسير يستندون إلى ما تناولته بعض آيات القرآن من حقائق الكون ومشاهده، ودعوة الله لهم بالنظر في كتاب الكون وآياته التي بثها في الآفاق وفي أنفسهم، إذا كانوا يستندون إلى مثل هذا في دعواهم أن القرآن قد جمع علوم الأولين والآخرين؛ فهم مخطئون ولا شك؛ وذلك لأن تناول القرآن لحقائق الكون ومشاهده، ودعوته إلى النظر في ملكوت السماوات والأرض وفي أنسهم، لا يراد منه إلا رياضة وجدانات الناس، وتوجيه عامتهم وخاصتهم إلى مكان العظة والعبرة، ولفتهم إلى آيات قدرة الله ودلائل وحدانيته، من جهة ما لهذه الآيات والمشاهد من روعة في النفس وجلال في القلب، لا من جهة ما لها من دقائق النظريات وضوابط القوانين، فليس القرآن كتاب فلسفة أو طب أو هندسة.
وليعلم أصحاب هذه الفكرة أن القرآن غنيٌّ عن أن يعتز بمثل هذا التكلف الذي يوشك أن يخرج به عن هدفه الإنساني الاجتماعي في: إصلاح الحياة، ورياضة النفس، والرجوع بها إلى الله تعالى.
وليعلم أصحاب هذه الفكرة أيضًا أن من الخير لهم ولكُتَّابهم ألا ينحوا بالقرآن هذا المنحى في تفسيرهم؛ رغبة منهم في إظهار إعجاز القرآن وصلاحيته للتمشي مع التطور الزمني، وحسبهم ألا يكون في القرآن نص صريح يصادم حقيقة علمية ثابتة، وحسب القرآن أنه يمكن التوفيق بينه وبين ما جد ويجد من نظريات وقوانين علمية تقوم على أساس من الحق، وتستند إلى أصل من الصحة"١.
والذهبي كما ترى يرفض التفسير العلمي أو تطبيق آيات القرآن عليه كل
стр. 600
الرفض، ويبدو لي أنه متأثر بهذا برجلين؛ أولهما: الإمام الشاطبي -رحمه الله تعالى- فقد بسط رأيه وأدلته مؤيدًا لها. وأما ثانيهما: فأمين الخولي؛ فقد أورد نفس حججه وأدلته التي زادها على أدلة الشاطبي.
محمد عزة دروزة:
رفض الأستاذ دروزة التفسير العلمي واستخراج النظريات العلمية والفنية والكونية من الكلمات والآيات عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ ١، فقال: "ولقد قرأنا مقالًا أراد كاتبه أن يجعل صلة بين اختصاص البنان بالذكر وبين ما ظهر حديثًا من علم بصمات الأصابع، وما صار له من خطورة في إثبات شخصيات الناس، وتمشيًا مع الفكرة التي سادت بعض الناس من استخراج النظريات العلمية والفنية والكونية من الكلمات والآيات القرآنية للتدليل على صدق القرآن وإعجازه، ومعجزات الله المشار إليها فيه، وفي هذا في اعتقادنا تحميل لكلمات القرآن وآياته غير ما تتحمل، وإخراج له من نطاق قدسيته وغايته، وتعريض له للجدل والنقاش.
ولقد نزل القرآن بلسان العرب على قوم يفهمونه، وأمر الله نبيه ﷺ بشرحه وتبيانه، والنظريات الحديثة لم تكن معلومة ولا مكشوفة، ولا يصح لمسلم مهما حسنت نيته أن يدعي أن النبي ﷺ لم يكن يعرف جميع ما تضمنته آيات القرآن"٢.
عباس العقاد:
أما العقاد ﵀ فقد رفض التفسير العلمي، وجعل سبب رفضه تجدد العلوم الإنسانية، وأنها لا تستقر على حال، وقد تتقوض قاعدة علمية بعد أن رسخت؛ ولهذا فهو يرفض أن يربط بين النص القرآني المحكَم مع هذه النظريات.
قال رحمه الله تعالى: "تتجدد العلوم الإنسانية مع الزمن على سنة
стр. 601
التقدم، فلا تزال بين ناقص يتم وغامض يتضح، وموزع يتجمع، وخطأ يقترب من الصواب، وتخمين يترقى إلى اليقين، ولا يندر في القواعد العلمية أن تتقوض بعد رسوخ أو تتزعزع بعد ثبوت، ويستأنف الباحثون تجاربهم فيها بعد أن حسبوها من الحقائق المفروغ منها عدة قرون.
فلا يطلب من كتب العقيدة أن تطابق مسائل العلم، كلما ظهرت مسألة منها لجيل من أجيال البشر، ولا يطلب من معتقديها أن يستخرجوا من كتبهم تفصيلات تلك العلوم، كما تعرض عليهم في معامل التجربة والدراسة؛ لأن هذه التفصيلات تتوقف على محاولات الإنسان وجهوده، كما تتوقف على حاجاته وأحوال زمانه.
قد أخطأ أناس في العصور الأخيرة؛ لأنهم أنكروا القول بدوران الأرض واستدارتها، واعتمادًا على ما فهموه من ألفاظ بعض الآيات"١.
ثم ذكر أمثلة أخرى نحو هذا من الأخطاء من التفسير العلمي وعقب عليها قائلًا: "وخليق بأمثال هؤلاء المعتسفين أن يحسبوا من الصديق الجاهل؛ لأنهم يسيئون من حيث يقدرون الإحسان، ويحملون على عقيدة إسلامية وزر أنفسهم وهم لا يشعرون.
كلَّا، لا حاجة بالقرآن الكريم إلى مثل هذا الادعاء؛ لأنه كتاب عقيدة يخاطب الضمير، وخير ما يطلب من كتاب العقيدة في مجال العلم أن يحث على التفكير، ولا يتضمن حُكْمًا من الأحكام يشل حركة العقل في تفكيره، أو يحول بينه وبين الاستزادة من العلوم ما استطاع، وكل هذا مكفول للمسلم في كتابه، كما لم يكفل قط في كتاب من كتب الأديان"٢.
عائشة عبد الرحمن:
حين ألف الدكتور مصطفى محمود كتابه "محاولة لفهم عصري للقرآن"
стр. 602
أصدرت بنت الشاطئ الدكتورة عائشة كتابها "القرآن والتفسير العصري" ردت فيه على الدكتور مصطفى.
ثم كتبت "مستخلصًا" لكتابها هذا، وألحقته بكتاب آخر لها هو "القرآن وقضايا الإنسان"، وزادت عليه ردودًا حتى جاء أضعاف الكتاب الأصلي.
وقد تساءلت وأجابت على تساؤلها بقولها: "فماذا عسانا أن نصنع لنرسخ الإيمان في ضمائر الشاب وعقولهم، ممن يدرسون علوم العصر، ويدخلون المشرحة والمعمل والمصنع، ويتابعون جهود علماء الفضاء ورحلات القمر!
هل نأتيهم بقرآن غير هذا الذي نزل على نبي أمي في بيئة بدوية، أو نضحك على عقولهم ببدع من التأويلات تقدم لهم من القرآن كل علوم الدنيا وعصريات التكولوجيا؟!
أبناء الجيل ليسوا من البلاهة والغفلة والسذاجة؛ بحيث يجوز عليهم أن يقول لهم قائل: إننا عرفنا الطائرات النفاثة؛ إذ عذنا برب الفلق من ﴿شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ واهتدنيا إلى أسرار الذرة بـ ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ ! ١.
إلى أن قالت: "وخطر على عقلية الجماهير أن نخايلها بهذه الألفاظ المضخمة من بدع التأويلات العصرية العلمية، تمسخ عقليتهم، ويختل بها منطقهم، وتخدر وعيهم بغرور السبق إلى علوم العصر"٢.
وقالت: "الإسلام يتجه إلى العقل في ترسيخ الإيمان، وكتابه المحكم يفصل الآيات لقوم يعقلون ويعلمون ويؤمنون، ويضرب الأمثال لعلنا نتفكر ونفقه ونؤمن. وقد حرر القرآن الإنسان من الأغلال التي تعوق تحقيقه لآية إنسانيته المكرمة أو تقيد مسعاه الطامح إلى ما سخر له الله: كل ما في السموات وما في الأرض.
стр. 603
بغير العقل لا يتميز حق من باطل، ولا هدى من ضلال، وبغير العلم لا سبيل إلى تسخير شيء مما في الأرض أو في السماء.
ولا حرج من الدين في أن يقرأ أبناؤنا نظرية التطور وأصل الأنواع في بحوث "دارون"، والنظرية المادية في إعلان "ماركس" ومؤلفاته، وشروح تلاميذه العلماء وإضافتهم.
لكن المحظور أن يقرءوا النظرية مشوهة ممسوخة مدسوسة على القرآن باسم العلم والعصرية والإيمان.
وأبناؤنا المسلمون يدرسون علوم العصر وأسرار الرياضيات والتكنولوجيا في موسكو ولندن وباريس وأدنبرة وفيينا وبرلين وبراج، ويطلبون العلم ولو كان في الصين.
ويحظر عليهم دينهم أن يطلبوا أيَّ علم إلا ممن وضح أنه أحاط بكل شيء علمًا، ووسع علمه السماوات والأرض والدنيا والآخرة.
أذكر أن فقيهًا من علمائنا سأله سائل في آية ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ١، فهل يُعلم من القرآن كم رغيفًا يخبز من إردب قمح؟ قال: نعم، واتصل تليفونيًّا بمخابز "الرمالي" فأعطاه مدبرها الجواب، قال السائل: لكن هذا ليس من القرآن؟ رد شيخنا: بلى، في القرآن: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ٢، وقد فعلت.
ومن أهل الذكر نلتمس العلم، ونطلب الدين؛ فنرجح فيه إلى الله وإلى الرسول في الكتاب والسنة وفقه الأئمة وبحوث العلماء"٣.
وهذا الموقف الذي وقفته من التفسير العلمي يبدو لي أنه متأثر بموقف أستاذها وزوجها أمين الخولي، الذي تأثرت به بنت الشاطئ كثيرًا، فلعل هذا من ذاك.
стр. 604
محمد كامل حسين:
وهو من أكثر المعارضين معارضة؛ بل إنه وصف التفسير العلمي بأوصاف لم يسبق إليها، فقال عنه خاصة الآيات الكونية: "إنه دعوى لا دليل عليها، ولا حاجة للمؤمنين بها، وأن هذه الآيات يجب أن تُفهم على ما فهمه المسلمون الأولون؛ حيث قالوا: هذا شيء نؤمن به ولا نصوره تصويرًا واقعيًّا، والذين يفسرون الآيات الكونية تفسيرًا علميًّا يدلون بذلك على ضعف إيمانهم، ولو كانوا مؤمنين حقًّا ما كانت بهم حاجة إلى شيء من ذلك يقوى به إيمانهم، فليس مقصودًا بالآيات الكونية غير الوعظ، والتفسير الحق هو الذي يقربها من أذهاننا تقريبًا يؤدي إلى الموعظة والعبرة، وكل تعمق في تصويرها تصويرًا واقعيًّا هو بدعة حمقاء"١.
ولم يكتفِ بوصفه على عجل بأنه بدعة حمقاء؛ بل جعل هذا الوصف عنوان فصل هو "التفسير العلمي بدعة حمقاء" وقال: "كنت أحسب أن أمر هذه البدعة لا يُعنَى به أحد ولا يقام له وزن حتى اعتنقها طبيب كبير، وقال بها قاضٍ ممتاز، ودافع عنها كيميائي معروف، وخُيِّل إلى الناس أن مفكرين وعلماء من هذا الطراز إذا قالوا: إن العلم الحديث موجود في القرآن؛ فلا بد أن يكون قولهم حقًّا"٢.
ومما لا شك فيه أن في عباراته وألفاظه ما لا يُقبل ولا يصح، لا نريد نقدها وليس هذا هدفنا، وإن كان مرادنا يتحقق بإثبات كونه من الرافضين المعارضين.
شوقي ضيف:
فقد تحدث شوقي ضيف في مقدمة كتابه "سورة الرحمن وسور قصار" عن منهج ابن تيمية وابن قيم الجوزية، ثم عن منهج الشيخ الإمام محمد عبده، إلى أن قال: "وقد تلت الشيخ الإمام تفاسير كثيرة؛ منها ما اهتدى بهديه، ومنها ما خاض
стр. 605
في مباحث علمية كنت ولا أزال أراها تجنح عن الجادة؛ إذ القرآن فوق كل علم، ومن الخطأ أن يُتخذ ذريعة لإثبات نظرية علمية في الطبيعة والعلوم الكونية والفلكية، وهو لم ينزل لبيان قواعد العلوم ولا لتفسير ظواهر الكون، وما ذكر فيه من خلق السماوات والأرض والأفلاك والكواكب إنما يراد به بيان حكمة الله، وأن للوجود خالقًا أعلى يدبره وينظم قوانينه، ولا ريب في أن القرآن يدعو أتباعه دعوة عامة إلى العلم والتعلم للعلوم الرياضية والطبيعية والكونية؛ ولكن هذا شيء والتحول بالقرآن إلى كتاب تستنبط منه النظريات العلمية شيء آخر لا يتصل برسالته ولا بدعوته، إنه دين لهداية البشرية يزخر بما لا يُحصى من قيم رُوحية واجتماعية وإنسانية، وحسب المفسر أن يُعنَى ببيان ما فيه من هذه القيم، ومن أصول الدين الحنيف وتعالميه، التي أضاءت المشارق والمغارب أضواء غامرة١.
الدكتور صبحي الصالح:
عدَّد الدكتور صبحي الصالح آفاق الدراسات القرآنية الحديثة؛ فعد الأفق الحديث الثاني التوفيق العلمي، وقال عنه: "هذا الأفق الثاني مدعاة إلى الزلل لدى أكثر الذين خاضوا فيه من المعاصرين؛ لأن عملية التوفيق تفترض غالبًا محاولة للجمع بين موقفين يتوهم أنهما متعاديان ولا عداء، أو يُظن أنهما متلاقيان ولا لقاء؛ أعني: أنه لا ينبغي أن يحالف النجاح بصورة حتمية كل عملية من عمليات التوفيق"٢.
إلى أن قال: "وقد تولى كبر هذا التوفيق المحفوف بكثير من الزلل طنطاوي جوهري في تفسيره الجواهر الذي قيل فيه: إن فيه كل شيء ما عدا التفسير! "٣.
ثم ذكر نصًّا للجوهري فيه دفاع عن منهجه، وعقَّب عليه بذكر أمور
стр. 606
أخذت على تفسير الجوهري، ثم قال: "لذلك انتقد شيخ الأزهر المرحوم محمود شتلوت هذه المحاولات التوفيقية الخاطئة التي تبعد الناس عن هداية القرآن"١، وساق بعد ذلك قول الشيخ محمود شلتوت.
أحمد محمد جمال:
عارض الأستاذ أحمد محمد جمال تفسير الآيات تفسيرًا علميًّا والخوض بها في ذلك، فقال في ذلك: "أجل ... القرآن الكريم هو كتاب الإسلام وحامل معجزاته الباهرة؛ من أنباء وقصص وغيوب غابرة وحاضرة وآتية، بعضها تحقق فعلًا، وبعضها يتحقق على مدار الزمن، وتعاقب الأجيال.
ولكن "القرآن" مع ذلك ليس كتابًا علميًّا؛ أي: ليس كتاب نظريات علمية، وليس من شأنه أن يكون كذلك؛ فالنظريات العلمية تتناقض وتصدق اليوم، أو هكذا يبدو أنها صادقة، ثم تكذب غدًا.
وحاشى القرآن ما تناقض قَطُّ في أنبائه، ولا في قصصه، ولا في مبادئه التشريعية والخلقية.
ويخطئ بعض المثقفين من المسلمين حتى يحاولون تطبيق بعض إشارات القرآن أو بعض لفتاته المعجزة على الاكتشافات أو النظريات الحديثة، وهم يظنون أنهم يرفعون بذلك شأن القرآن؛ بينما يعرِّضونه بادعاءاتهم للتناقض والانتقاد والتعارض، ويضعونه دون موضعه من التقديس والتصديق"٢.
وقد عرض الأستاذ أحمد جمال بعض التفاسير العلمية الحديثة وناقشها بما يبطلها.
عبد المجيد المحتسب:
أما الأستاذ عبد المجيد فهو ينكر نزعة التفسير العلمي للقرآن الكريم، ولا يسوغ إخضاع الآيات القرآنية للعلوم الكونية والطبيعية ألبتة، ولا يوافق
стр. 607
الذين يستخرجون النظريات العلمية من الآيات القرآنية، وعلل ذلك بـ"أن القرآن الكريم ليس كتاب علم؛ مثل: الكيمياء والذرة والهندسة والفلك والفيزياء وغير ذلك؛ وإنما هو كتاب أنزله الله تعالى على رسوله محمد ﵊؛ ليكون هدى ورحمة للناس١.
ثم ذكر أربعة أدلة لاتخاذه هذا الموقف من التفسير العلمي، وقد فصَّل القول في أدلته بعض التفصيل، فقال ما خلاصته:
"أولها: إن جعل الارتباط بين القرآن وبين الحقائق العلمية المختلفة ناحية من نواحي بيان صدقه أو إعجازه أو صلاحيته للبقاء هو خلط بين علم التفسير وعلم إعجاز القرآن.
وثانيها: من المعروف بداهة أن النبي ﷺ كان يفهم القرآن جملة وتفصيلًا، ومن الطبيعي كذلك أن يفهم أصحاب النبي ﷺ القرآن في جملته؛ أي: بالنسبة لظاهره وأحكامه، وكل مَن يرجع إلى كتب السنة يجد أنها قد أفردت للتفسير بابًا من الأبواب التي اشتملت عليها، ذكرت فيه كثيرًا من التفسير المأثور عن رسول الله ﷺ ، وإذا أمعنا النظر في هذا التفسير المأثور فإنا لا نجد فيه أي أصل من أصول العلوم المختلفة التي يتبجح بها أنصار وأصحاب الاتجاه العلمي في تفسير القرآن.
ثالثها: أن القرآن إما أن يكون من عند الله أو من العرب أو من محمد، ولا يمكن أن يكون من العجم؛ لأن العرب عجزوا عن الإتيان بسورة من مثله؛ فالأعاجم بالضرورة أعجز، فالقرآن ليس من عند العرب، أما محمد ﵇ فلو كان القرآن من عنده لكان أسلوب الحديث هو نفس أسلوب القرآن، والمعروف أن القرآن يختلف عن أسلوب الحديث؛ إذًا فالقرآن ليس من عند محمد، وإذا لم يكن القرآن من عند محمد ﵇ ولا من عند العرب فهو من عند الله .
стр. 608
هذه هي الطريقة الصحيحة لإثبات صدق القرآن وصلاحيته للحياة، وليست طريقة إثبات ذلك نظريات علمية في القرآن الكريم.
رابعها: أن القرآن الكريم يشير كثيرًا إلى أشياء في الكون؛ مثل: الشمس والقمر والأهلة والنجوم والرياح، وحث الإنسان على أن يتدبر خلق السماوات والأرض، كل ذلك لتهيئة الإنسان إلى الإيمان عن طريق العقل بالخالق، وليربط الإيمان بالله عن طريق الفطرة بالإيمان بالله عن طريق العقل؛ ولكن الله لم يطلق العِنَانَ للعقل البشري في بحث كل ما ورد في القرآن الكريم؛ لأن عقل الإنسان قاصر، وقد يضيع في متاهات إذا بحث بعض الموضوعات.
وقد يكون التقدم العلمي في أحوال كثيرة عاملًا مساعدًا على الوصول إلى الإيمان بالخالق الواجب الوجود، وقد يكون خلاف ذلك؛ ولكن هذا شيء، وإخضاع الآيات القرآنية للعلوم المختلفة شيء آخر، وبخاصة النظريات المتغيرة"١.
هذه خلاصة الأدلة التي أوردها الأستاذ عبد المجيد المحتسب في ردِّه التفسير العلمي للقرآن الكريم.
والذي يظهر لي أن في بعضها ضعفًا في الاستدلال لا يقوى على الاحتجاج به؛ وإنما ذكرتها كوجهة نظر لأحد الباحثين أولًا، ولأنها تقوى بإضافتها إلى حُجج العلماء الآخرين وتقويها، أحسبها كذلك.
سيد قطب:
وكما ختمت آراء المؤيدين برأي حسن البنا -رحمه الله تعالى- وهو مَن هو؛ فإني أختم آراء المعارضين برأي سيد قطب -رحمه الله تعالى- وهو مَن هو.
وقد أفاض -رحمه الله تعالى- الحديثَ في نقد التفسير العلمي، وعذرًا إن أكثرت من نقل جواهره، وإن كان لي من ملاحظات ليس على جواهره تلك؛ وإنما على تصنيفه مع الرافضين؛ فسأرجِئُه إلى آخر نصوصه حتى يُفهم عَنِّي ما أردت قوله.
стр. 609
قال -رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ ١: "لقد كان القرآن بصدد إنشاء تصور خاص، ونظام خاص، ومجتمع خاص، كان بصدد إنشاء أمة جديدة في الأرض، ذات دَوْرٍ خاص في قيادة البشرية؛ لتنشئ نموذجًا معينًا من المجتمعات غير مسبوق، ولتعيش حياة نموذجية خاصة غير مسبوقة، ولتقر قواعد هذه الحياة في الأرض، وتقود إليها الناس.
والإجابة "العلمية" عن هذا السؤال ربما كانت تمنح السائلين علمًا نظريًّا في الفلك إذا هم استطاعوا، بما كان لديهم من معلومات قليلة في ذلك الحين أن يستوعبوا هذا العلم، ولقد كان ذلك مشكوكًا فيه كل الشك؛ لأن العلم النظري من هذا الطراز في حاجة إلى مقدمات طويلة، كانت تعد بالقياس إلى عقلية العالم كله في ذلك الزمان معضلات.
من هذا عدل عن الإجابة التي لم تتهيأ لها البشرية ولا تفيدها كثيرًا في المهمة الأولى التي جاء القرآن من أجلها، وليس مجالها على أية حال هو القرآن؛ إذ القرآن قد جاء لما هو أكبر من تلك المعلومات الجزئية، ولم يجئ ليكون كتاب علم فلكي أو كيمياوي أو طبي، كما يحاول بعض المتحمسين له أن يلتمسوا فيه هذه العلوم، أو كما يحاول بعض الطاعنين فيه أن يتلمسوا مخالفاته لهذه العلوم!
إن كلتا المحاولتين دليل على سُوء الإدراك لطبيعة هذا الكتاب ووظيفته ومجال علمه. إن مجاله هو النفس الإنسانية والحياة الإنسانية. وإن وظيفته أن ينشئ تصورًا عامًّا للوجود وارتباطه بخالقه، ولوضع الإنسان في هذا الوجود وارتباطه بربه، وأن يقيم على اساس هذا التصور نظامًا للحياة يسمح للإنسان أن يستخدم كل طاقاته، ومن بينها طاقته العقلية، التي تقوم هي بعد تنشئتها
стр. 610
على استقامة، وإطلاق المجال لها لتعمل بالبحث العلمي في الحدود المتاحة للإنسان وبالتجريب والتطبيق، وتصل إلى ما تصل إليه من نتائج ليست نهائية ولا مطلقة بطبيعة الحال.
إن مادة القرآن التي يعمل فيها هي الإنسان ذاته: تصوره واعتقاده، ومشاعره ومفهوماته، وسلوكه وأعماله، وروابطه وعَلاقاته. أما العلوم المادية والإبداع في عالم المادة بشتى وسائله وصنوفه، فهي موكولة إلى عقل الإنسان وتجاربه وكشوفه وفروضه ونظرياته؛ بما أنها أساس خلافته في الأرض، وبما أنه مهيأ لها بطبيعة تكوينه.
والقرآن يصحح له فطرته كي لا تنحرف ولا تفسد، ويصحح له النظام الذي يعيش فيه كي يسمح له باستخدام طاقاته الموهوبة له، ويزوده بالتصور العام لطبيعة الكون وارتباطه بخالقه، وتناسق تكوينه، وطبيعة العَلاقة القائمة بين أجزائه -وهو أي الإنسان أحد أجزائه- ثم يدع له أن يعمل في إدراك الجزئيات والانتفاع بها في خلافته، ولا يعطيه تفصيلات؛ لأن معرفة هذه التفصيلات جُزْءٌ من عمله الذاتي.
وإني لأعجب لسذاجة المتحمسين لهذا القرآن، الذين يحاولون أن يضيفوا إليه ما ليس منه، وأن يحملوا عليه ما لم يقصد إليه، وأن يستخرجوا منه جزئيات في علوم الطب والكيمياء والفلك وما إليها، كأنما ليعظموه بهذا ويكبروه!
إن القرآن كتاب كامل في موضوعه، وموضوعه أضخم من تلك العلوم كلها؛ لأنه هو الإنسان ذاته الذي يكشف هذه المعلومات وينتفع بها.
والبحث والتجريب والتطبيق من خواص العقل في الإنسان، والقرآن يعالج بناء هذا الإنسان نفسه، بناء شخصيته وضميره وعقله وتفكيره، كما يعالج بناء المجتمع الإنساني الذي يسمح لهذا الإنسان بأن يحسن استخدام هذه الطاقات المذخورة فيه، وبعد أن يوجد الإنسان السليم التصور والتفكير والشعور، ويوجد المجتمع الذي يسمح له بالنشاط، يتركه القرآن يبحث ويجرب، ويخطئ ويصيب، في مجال العلم والبحث والتجريب، وقد ضمن له موازين التصور والتدبر والتفكير الصحيح.
стр. 611
كذلك لا يجوز أن نعلق الحقائق النهائية التي يذكرها القرآن أحيانًا عن الكون في طريقه لإنشاء التصور الصحيح لطبيعة الوجود وارتباطه بخالقه، وطبيعة التناسق بين أجزائه، لا يجوز أن نعلق هذه الحقائق النهائية التي يذكرها القرآن بفروض العقل البشري ونظرياته، ولا حتى بما يسميه "حقائق علمية" مما ينتهي إليه بطريق التجرِبة القاطعة في نظره.
إن الحقائق القرآنية حقائق نهائية قاطعة مطلقة. أما ما يصل إليه البحث الإنساني -أيًّا كانت الأدوات المتاحة له- فهي حقائق غير نهائية ولا قاطعة، وهي مقيدة بحدود تجاربه وظروف هذه التجارب وأداواتها. فمن الخطأ المنهجي -بحكم المنهج العلمي الإنساني ذاته- أن نعلق الحقائق النهائية القرآنية بحقائق غير نهائية، وهي كل ما يصل إليه العلم البشري!
هذا بالقياس إلى "الحقائق العلمية"، والأمر أوضح بالقياس إلى النظريات والفروض التي تُسمى "علمية"؛ ومن هذه النظريات والفروض كل النظريات الفلكية، وكل النظريات الخاصة بنشأة الإنسان وأطواره، وكل النظريات الخاصة بنفس الإنسان وسلوكه، وكل النظريات الخاصة بنشأة المجتمعات وأطوارها ... فهذه كلها ليست "حقائق علمية" حتى بالقياس الإنساني؛ وإنما هي نظريات وفروض، كل قيمتها أنها تصلح لتفسير أكبر قدر من الظواهر الكونية أو الحيوية أو النفسية أو الاجتماعية، إلى أن يظهر فرض آخر يفسر قدرًا أكبر من الظواهر، أو يفسر تلك الظواهر تفسيرًا أدق! ومن ثم فهي قابلة دائمًا للتغيير والتعديل والنقص والإضافة؛ بل قابلة لأن تنقلب رأسًا على عقب؛ بظهور أداة كشف جديدة، أو بتفسير جديد لمجموعة الملاحظات القديمة!
وكل محاولة لتعليق الإشارات القرآنية العامة بما يصل إليه العلم من نظريات متجددة متغيرة -أو حتى بحقائق علمية ليست مطلقة كما أسلفنا- تحتوي أولًا على خطأ منهنجي أساسي، كما أنها تنطوي على معانٍ ثلاثة كلها لا يليق بجلال القرآن الكريم:
الأولى: هي الهزيمة الداخلية التي تخيل لبعض الناس أن العلم هو المهيمن
стр. 612
والقرآن تابع؛ ومن هنا يحاولون تثبيت القرآن بالعلم، أو الاستدلال له من العلم، على حين أن القرآن كتاب كامل في موضوعه ونهائي في حقائقه، والعلم ما يزال في موضوعه ينقض اليوم ما أثبته بالأمس، وكل ما يصل إليه غير نهائي ولا مطلق؛ لأنه مقيد بوسط الإنسان وعقله وأدواته، وكلها ليس من طبيعتها أن تعطي حقيقة واحدة نهائية مطلقة.
والثانية: سُوء فَهْم طبيعة القرآن ووظيفته؛ وهي أنه حقيقة نهائية مطلقة تعالج بناء الإنسان بناء يتفق -بقدر ما تسمح طبيعة الإنسان النسبية- مع طبيعة هذا الوجود وناموسه الإلهي؛ حتى لا يصطدم الإنسان بالكون من حوله؛ بل يصادقه ويعرف بعض أسراره، ويستخدم بعض نواميسه في خلافته، نواميسه التي تكشف له بالنظر والبحث والتجريب والتطبيق، وفق ما يهديه إليه عقله الموهوب له ليعمل، لا ليتسلم المعلومات المادية جاهزة.
والثالثة: هي التأويل المستمر -مع التمحل والتكلف- لنصوص القرآن؛ كي نحملها ونلهث بها وراء الفروض والنظريات التي لا تثبت ولا تستقر، وكل يوم يجد فيها جديد.
وكل أولئك لا يتفق وجلال القرآن، كما أنه يحتوي على خطأ منهجي كما أسلفنا.
ولكن هذا لا يعني ألا ننتفع بما يكشفه العلم من نظريات ومن حقائق عن الكون والحياة والإنسان في فَهْمِ القرآن ... كلا! إن هذا ليس هو الذي عنينا بذلك البيان، ولقد قال الله سبحانه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ ١، ومن مقتضى هذه الإشارة أن نظل نتدبر كل ما يكشفه العلم في الآفاق وفي الأنفس من آيات الله، وأن نوسع بما يكشفه مدى المدلولات القرآنية في تصورنا.
فكيف ودون أن نعلق النصوص القرآنية النهائية المطلقة بمدلولات ليست نهائية ولا مطلقة؟ هنا ينفع المثال:
стр. 613
يقول القرآن الكريم مثلًا: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ ، ثم تكشف الملاحظات العلمية أن هناك موافقات دقيقة وتناسقات ملحوظة بدقة في هذا الكون؛ الأرض بهيئتها هذه ويبعد الشمس عنها هذا البعد، وبعد القمر عنها هذا البعد، وحجم الشمس والقمر بالنسبة لحجمها، وبسرعة حركتها هذه، ويميل محورها هذا، وبتكوين سطحها هذا، وبآلاف من الخصائص ... هي التي تصلح للحياة وتوائمها، فليس شيء من هذا كله فلتة عارضة ولا مصادفة غير مقصودة ... هذه الملاحظات تفيدنا في توسيع مدلول: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ ١، وتعميقه في تصورنا، فلا بأس من تتبع مثل هذه الملاحظات لتوسيع هذا المدلول وتعميقه ... وهكذا.
هذا جائز ومطلوب؛ ولكن الذي لا يجوز ولا يصح علميًّا هذه الأمثلة الأخرى:
يقول القرآن الكريم: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِين﴾ ٢، ثم توجد نظرية في النشوء والارتقاء لوالاس ودارون تفترض أن الحياة بدأت خلية واحدة، وأن هذه الخلية نشأت في الماء، وأنها تطورت حتى انتهت إلى خلق الإنسان، فنحمل نحن هذا النص القرآني ونلهث وراء النظرية لنقول: هذا هو الذي عناه القرآن!!
لا، إن هذه النظرية أولًا ليست نهائية؛ فقد دخل عليها من التعديل في أقل من قرن من الزمان ما يكاد يغيرها نهائيًّا، وقد ظهر فيها من النقص المبني على معلومات ناقصة عن وحدات الوراثة التي تحتفظ لكل نوع بخصائصه، ولا تسمح بانتقال نوع إلى نوع آخر ما يكاد يبطلها، وهي معرضة غدًا للنقض والبطلان؛ بينهما الحقيقة القرآنية نهائية، وليس من الضروري أن يكون هذا معناها؛ فهي تثبت فقط أصل نشأة الإنسان، ولا نذكر تفصيلات هذه النشأة، وهي نهائية في النقطة التي تستهدفها، وهي أصل النشأة الإنسانية ... وكفى ولا زيادة.
стр. 614
ويقول القرآن الكريم: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ ١، فيثبت حقيقة نهائية عن الشمس؛ وهي أنها تجري، ويقول العلم: إن الشمس تجري بالنسبة لما حولها من النجوم بسرعة قدرت بنحو ١٢ ميلًا في الثانية؛ ولكنها تجري في دورانها مع المجرة التي هي واحدة من نجومها تجري جميعًا بسرعة ١٧٠ ميلًا في الثانية؛ ولكن هذه الملاحظات الفلكية ليست هي عين مدلول الآية القرآنية. إن هذه تعطينا حقيقة نسبية غير نهائية قابلة للتعديل أو البطلان. أما الآية القرآنية فتعطينا حقيقة نهائية -في أن الشمس تجري- وكفى؛ فلا نعلق هذه بتلك أبدًا.
ويقول القرآن الكريم: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ ٢، ثم تظهر نظرية تقول: إن الأرض كانت قطعة من الشمس فانفصلت عنها؛ فنحمل النص القرآني ونلهث لندرك هذه النظرية العلمية، ونقول: هذا ما تعنيه الآية القرآنية!
لا، ليس هذا هو الذي تعنيه! فهذه نظرية ليست نهائية، وهناك عدة نظريات عن نشأة الأرض في مثل مستواها من ناحية الإثبات العلمي! أما الحقيقة القرآنية فهي نهائية ومطلقة، وهي تحدد فقط أن الأرض فُصِلَتْ عن السماء، كيف؟ ما هي السماء التي فُصلت عنها؟ هذا ما لا تتعرض له الآية؛ ومن ثم لا يجوز أن يقال عن أي فرض من الفروض العلمية في هذا الموضوع: إنه المدلول النهائي المطابق للآية!
وحسبنا هذا الاستطراد بهذه المناسبة؛ فقد أردنا به إيضاح المنهج الصحيح في الانتفاع بالكشوف العلمية في توسيع مدلول الآيات القرآنية وتعميقها، دون تعليقها بنظرية خاصة أو بحقيقة علمية خاصة تعليق تطابق وتصديق، وفرق بين هذا وذاك"٣.
стр. 615
ذلكم الرأي الواضح البيِّن لسيد قطب -رحمه الله تعالى- سقناه بطوله وبحروفه لما فيه من استفياء واستقصاء وشمول، ولئن سماه ﵀ "استطرادًا "فإني لا أسميه إلا وفاء وجلاء للحق، وإني أعترف أني قد حاولت أن أختصر هذا النص مع الوفاء بالمعنى فما استطعت، وما توقفت عند جملة أريد حذفها إلا ورأيت تمام المعنى لا يقوم إلا بها.
وقد وعدت قبل أن أسوق النص أن أوضح لِمَ صنفتُه -رحمه الله تعالى- مع المانعين للتفسير العلمي، ولعل معترضًا يقول: كيف تضعه هنا وهو يقول في النص المنقول نفسه مستدركًا: "ولكن هذا لا يعني ألا ننتفع بما يكشفه العلم من نظريات ومن حقائق عن الكون والحياة والإنسان في فَهْم القرآن ... ".
وللإجابة على هذا أقول: إنه ﵀ بيَّن أن مادة القرآن التي يعمل فيها هي الإنسان ذاته: تصوره واعتقاده ... إلخ، أما
العلوم المادية، فهي موكولة إلى عقل الإنسان وتجاربه وكشوفه ... إلخ.
وأقول: إنه ﵀ يعجب لسذاجة المتحمسين لهذا القرى، ووصفهم بأنهم:
١- يحاولون أن يضيفوا إليه ما ليس منه.
٢- وأن يحملوا عليه ما لم يقصد إليه.
٣- وأن يستخرجوا منه جزئيات في علم الطب والكيمياء والفلك وما إليها، فإذا كان وَصَفَهُمْ بهذا فكيف يكون مؤيدًا أو أن يقبل قولهم!!
وأقول: إنه -رحمه الله تعالى- وصف حقائق القرآن بأنها نهائية، ووصف ما يصل إليه البحث الإنساني بأنها حقائق غير نهائية ولا قاطعة، ثم وصف تعليق الحقائق النهائية القرآنية بحقائق غير نهائية بأنه خطأ منهجي.
هذا في "الحقائق العلمية"، أما النظريات والفروض العلمية فوصف كل محاولة لتعليق الإشارات القرآنية العامة بها -إضافة إلى الخطأ المنهجي- بأنها تنطوي على ثلاثة معانٍ، كلها لا تليق بجلال القرآن.
стр. 616
أولها: الهزيمة الداخلية ... إلخ.
ثانيها: سوء فَهْم طبيعة القرآن ووظيفته ... إلخ.
ثالثها: التأويل المستمر مع التمحل والتكلف لنصوص القرآن ... إلخ.
فإذا كان ﵀ وصف تعليق الآيات القرآنية بالحقائق العلمية بأنه خطأ منهجي، ومجرد محاولة التعليق للإشارات القرآنية بالنظريات والفروض العلمية بأنه خطأ منهجي أيضًا، وذكر فيه زيادة ما ذكر ... فأين التأييد أو القبول عنده للتفسير العلمي؟
فإن قلت: إنه أيد الانتفاع بالكشوف العلمية في توسيع مدلول الآيات القرآنية وتعميقها.
قلت: إن هذا لا يعد قبولًا للتفسير العلمي كتفسير؛ وإنما وهذا ما فهمته أن تذكر كشواهد لتوسيع المدلول، وفرق بين هذا وذاك، ويذكرني موقفه منه بموقف ابن تيمية -رحمه الله تعالى- من الإسرائيليات؛ حيث ذكر أنها تُذكر للاستشهاد لا للاعتقاد١.
стр. 617
الرأي المختار:
قبل أن أذكر الرأي الذي أميل إليه يجب أن أذكر حقيقة قد كنت أظنها لا تخفى إلى أن رأيت أحد الباحثين يقع في خلافها.
تلكم هي التفريق بين "التفسير العلمي" و"الإعجاز العلمي".
أما أولهما فهو مثار البحث والمناقشة، وأما ثانيهما فأحسبه أمرًا مسلمًا لا جدال فيه ولا إشكال.
ذلكم أن كتابًا أُنزل قبل أربعة عشر قرنًا من الزمن، وعرض لكثير من مظاهر هذا الوجود الكونية؛ كخلق السماوات والأرض، وخلق الإنسان، وسوق
стр. 618
السحب وتراكمه، ونزول المطر، وجريان الشمس والقمر، وتحدث عن الكواكب والنجوم والشهب وأطوار الجنين والنبات والبحار، وغير ذلك كثير، ومع ذلك كله لم يسقط العلم كلمة من كلماته، ولم يصادم جزئية من جزئياته، فإذا كان الأمر كذلك فإن هذا بحد ذاته يعتبر إعجازًا علميًّا للقرآن.
هذه النتيجة المتولدة عن أن القرآن لم ولن يصادم حقيقة علمية، لم أرَ بين علماء المسلمين من أنكرها، لا في القديم ولا في الحديث، وكل ما يثار من ضجة وما يسطر في الصحف ما هو إلا عن التفسير العلمي لا عن الإعجاز العلمي.
فالإعجاز العلمي قاعدة صُلْبة يقف عليها المسلمون جميعًا بكل ثقة وكل أمن؛ لكن طائفة منهم قالت: ما دام الإعجاز العلمي متحققًا في القرآن وثابتًا فما علينا أن نطبقه بين آياته واحدة واحدة، وبين الحقائق العلمية واحدة واحدة.
وامتنعت طائفة أخرى عن تطبيقه لا خوفًا عليه من النقض، وليس خشية على حقائقه؛ ولكن لعدم الثقة في مداركنا نحن البشر؛ فقد نحسب نظرية علمية حقيقة علمية، فما تلبث قليلًا إلا وتتقوض بعد رسوخ وتتزعزع بعد ثبوت ولات حين مناص نقع في الحرج الشديد؛ فيكذب القرآن وهو الصادق فتكون البلية، فالعيب والنقص في مداركنا وليس في حقائق القرآن.
إذًا فالمسلمون جميعًا يقولون بالإعجاز العلمي للقرآن؛ ولكنهم يختلفون في التفسير العلمي. هذا ما أحببت الإشارة إليه وبيانه، وكنت أظن هذا من الوضوح بما لا يخفى حتى رأيت أحد الباحثين يعقد مبحثًا في رسالته، ويقسم العلماء إلى قسمين: الأول القائلين بالإعجاز العلمي للقرآن، والثاني المانعين من القول بالإعجاز العلمي، وساق نصوصًا لهؤلاء يرفضون بها التفسير العلمي، وحَسِبَهم ينكرون بها الإعجاز العلمي.
وإذا ما اتضح هذا، وحق لي أن أقول بعده الرأي الذي أميل إليه في التفسير العلمي؛ فإني أقول رأيًا ما فطرته ولا ابتدعته، وقاله قبلي كثيرون.
ذلكم أن الحق فيما أرى وسط بين مذهبين:
стр. 619
فلا رفض ولا إنكار للتفسير العلمي يمنع من:
١- إدراك وجوه جديدة للإعجاز في القرآن من ناحية إثبات التوافق بين حقائقه النهائية القاطعة، وبين ما يثبت من الحقائق العلمية التي لا يقبل ثبوتها أيَّ نوع من الشك.
٢- دفع مزاعم القائلين بأن هناك عداوة بين الدين والعلم.
٣- استمالة غير المسلمين إلى الإسلام من هذا الطريق ببيان إعجازه العلمي لهم.
٤- الحث على الانتفاع بقوى الكون ومواهبه.
٥- امتلاء النفس إيمانًا بعظمة الله وقدرته حينما يقف الإنسان في تفسير كلام الله على خواص الأشياء ودقائق المخلوقات حسبما تصورها علوم الكون١، وحينما يرى الحقائق القرآنية ثابتة وصامدة تتكسر تحت أقدامها "النظريات" العلمية، وتعانقها بسلام "الحقائق" العلمية.
لا رفض يمنع هذا، ولا تسليم مطلقًا للتفسير العلمي؛ لأن:
١- إعجاز القرآن ثابت، وهي غني عن أن يُسلك في بيانه هذا المسلك المتكلَّف الذي قد يذهب بالإعجاز، وهناك من ألوان الإعجاز غير هذا ما يشهد للقرآن بأنه كتاب الله المنزَّل على محمد صلى الله عليه وسلم٢.
٢- أن الدعوة القرآنية إلى النظر في الكون والعلوم هي دعوة لعامة الناس وخاصتهم إلى موضع العبرة والعظة؛ ليهتدي الناس بها إلى خالقها وموجدها، وليس إلى بيان دقائقها وكشف علومها.
٣- أنه مدعاة إلى الزلل لدى أكثر الذين خاضوا فيه من المعاصرين؛ لأن عملية "التوفيق" تفترض غالبًا محاولة للجمع بين موقفين يتوهم أنهما متعاديان
стр. 620
ولا عداء، أو يظن أنهما متلاقيان ولا لقاء؛ أعني: أنه لا ينبغي أن يحالف النجاح بصورة حتمية كل عملية من عمليات "التوفيق"١.
٤- أن تناول القرآن بهذا المنهج وبذلك المدى يضطر المفسر إلى مجاوزة الحدود التي تحتملها ألفاظ النص القرآني الكريم؛ لأنه يحس بالضرورة متابعة العلم في مجالاته المختلفة، مع أن كثيرًا من حقائق العلم مؤقتة ومتغيرة، ولا تظهر كلها دَفْعَة واحدة؛ بل تنكشف يومًا بعد يوم؛ وحينئذ يكون التعجل في تلمس المطابقة بين القرآن والعلم تعجلًا غير مشروع٢.
٥- أن ما يكشف من العلوم إنما هو نظريات وفروض كل قيمتها أنها تصلح لتفسير أكبر قدر من الظواهر الكونية أو الحيوية أو النفسية أو الاجتماعية، إلى أن يظهر فرض آخر يفسر قدرًا أكبر من الظواهر، أو يفسر تلك الظواهر تفسيرًا أدق؛ ومن ثم فهي قابلة دائمًا للتغيير والتعديل والنقص والإضافة؛ بل قابلة لأن تنقلب رأسًا على عقب بظهور أداة كشف جديدة، أو بتفسير جيدة لمجموعة الملاحظات القديمة٣؛ ومن ثم فلا يصح أن نعلق الحقائق القرآنية النهائية بمثل تلك النظريات حتى لا نقف محرجين عند ثبوت بطلان تلك النظرية.
أقول: لا رفض للتفسير العلمي مطلقًا ولا تأييد وتسليم له مطلقين؛ بل جمع بين حقيقتين: حقيقة قرآنية ثابتة بالنص الذي لا يقبل الشك، وحقيقة علمية ثابتة بالتجربة والمشاهدة القطعيين؛ ومن هنا كان المسلمون كلهم متفقين -كما أسلفنا- على أن القرآن الكريم لم ولن يصادم حقيقة علمية؛ وإنما يقع التصادم عندما ندعي حقيقة علمية في الكون وهي ليست حقيقة علمية، أو ندعي حقيقة قرآنية وهي ليست حقيقة قرآنية٤.
стр. 621
لهذا فلا بأس -فيما أرى- من إيراد حقائق علمية ثابتة لا تقبل الشك عند تناول النص القرآني، مع إدراك معنى النص وفَهْمِه فهمًا سليمًا خاليًا من الشوائب والمؤثرات الخارجية، أو الميل به والانحراف لموافقة تلك الحقيقة العلمية، وهذا أيضًا كله مشروط بـ:
١- ألا تطغى تلك المباحث على المقصود الأول من القرآن؛ وهو الهداية والإعجاز.
٢- أن تذكر تلك العلوم لأجل تعميق الشعور الديني لدى المسلم والدفاع عن العقيدة ضد أعدائها.
٣- أن تذكر تلك الأبحاث على وجه يدفع المسلمين إلى النهضة، ويلفتهم إلى جلال القرآن، ويحركهم إلى الانتفاع بقوى هذا الكون الذي سخره الله لنا انتفاعًا يعيد للأمة الإسلامية مجدها١.
٤- ألا تذكر هذه الأبحاث على أنها هي التفسير الذي لا يدل النص القرآني على سواه؛ بل تذكر لتوسيع المدلول، وللاستشهاد بها على وجه لا يؤثر بطلانها فيما بعد على قداسة النص القرآني؛ ذلك أن تفسير النص القرآني بنظرية قابلة للتغيير والإبطال يثير الشكوك حول الحقائق القرآنية في أذهان الناس كلما تعرضت نظرية للرد أو البطلان٢.
стр. 622
أهم المؤلفات فيه:
لا أقصد أن أذكر تحت هذا العنوان شيئًا من التفاسير التي تناولت -عَرَضًا- التفسير العلمي، كما لا أقصد أن أذكر "كل" التفاسير التي أفردته بمؤلفات خاصة.
فظهر أن مرادي هنا أن أذكر أهم المؤلفات في التفسير العلمي في العصر
стр. 623
الحديث، والتي أفردتها بالدراسة دون ما سواها من ألوان التفسير، أو أن تكون الألوان الأخرى لا تكاد توجد في أبحاثها؛ وعلى هذا فإني سأقتصر على ما ذكرت مع تعريف موجز لكل منها، ثم أفرد بعضها بدراسة خاصة كنموذج للتفسير العلمي في العصر الحديث.
فمن أهم المؤلفات في ذلك:
١- الجواهر في تفسير القرآن الكريم:
المؤلف: طنطاوي جوهري.
٢- كشف الأسرار النورانية القرآنية:
المؤلف: محمد بن أحمد الإسكندراني.
٣- الكون والإعجاز العلمي للقرآن:
المؤلف: الدكتور منصور حسب النبي.
٤- الإعجاز العددي للقرآن الكريم:
المؤلف: عبد الرزاق نوفل.
٥- مع الطب في القرآن الكريم:
المؤلف: عبد الحميد دياب والدكتور أحمد قرقوز.
وسنفرد هذه المؤلفات -إن شاء الله- بدراسة خاصة لكل منها؛ لأهميتها في هذا الموضوع.
أما البقية من التفاسير فهي:
٦- الإسلام في عصر العلم:
المؤلف: محمد أحمد الغمراوي.
ولد بمدينة زفتا بمحافظة الغربية في مصر سنة ١٨٩٣م، حفظ القرآن الكريم، وتخرج في مدرسة المعلمين العليا سنة ١٩١٤م، ثم عمل مدرسًا بالمدارس الثانوية للجمعية الخيرية الإسلامية، وابتعث بعد ذلك إلى إنجلترا للتخصص في الكيمياء والطبيعة، وبعد عودته اختير أستاذًا للكيمياء في كلية الصيدلة إلى أن أحيل للمعاش، وفي سنة ١٩٦٠م دعي إلى المملكة العربية
стр. 624
السعودية؛ فأسس كلية الصيدلة بجامعة الرياض، وعمل بها أستاذًا وعميدًا ثلاث سنوات، ثم عهدت إليه إدارة الأزهر بالتدريس في كلية أصول الدين، ثم درس لطلبة الدراسات العليا بنفس الكلية، وتوفي -رحمه الله تعالى- سنة ١٩٧١م.
الكتاب: حينما كان المؤلف -رحمه الله تعالى- يدرس في كلية أصول الدين طبعت لجنة التأليف بعض محاضراته فيها بعنوان: "في سنن الله الكونية"، وكان له نشاط في المجالات الإسلامية ومنها تلك السلاسل تحت عنوان: "دلالة القرآن على نفسه أنه من عند الله" و"السماء في القرآن وفي العلم" و"الجبال في القرآن"، وكان له مذكرات دوَّنها طلابه في كراستين؛ واحدة بعنوان: "إسلاميات"، والثانية بعنوان: "سنن كونية".
وقد دعا هذا أحد أصدقاء المؤلف -وهو الدكتور أحمد عبد السلام الكرداني- إلى القيام بجمع هذا الكنز العلمي وتنسيقه وترتيبه وطبعه في هذا الكتاب "الإسلام في عصر العلم"، وقد كان لهذا الكتاب أثره بين علماء المسلمين في العصر الحديث١، ويقع الكتاب في ٤٦٠ صفحة، وفي مجلد واحد.
وقد قسمه جامعه إلى أربعة أبواب؛ هي:
تحدث المؤلف في الباب الأول وعنوانه: "الإسلام دين الفطرة" وفيه عشرة فصول، تحدث عن الإسلام والفطرة، والإسلام دين العزة ودين الكرامة ودين الوفاء، وفي الفصل الخامس الإسلام والعلم والمدينة، وفي السادس الإسلام وسنن العلم، وفي السابع الطواف نظرة علمية، وفي الثامن الإسلام وسنن الاجتماع، ثم الإسلام والهجرة، ثم الاستعمار والإسلام.
أما الباب الثاني فهو "محمد رسول الهدى" وفيه أربعة فصول، وفي الباب الثالث القرآن المعجزة الخالدة وفيه تسعة فصول.
أما أهم الأبواب وأوسعها فهو الباب الرابع "من الإعجاز العلمي للقرآن"، وفيه ستة فصول، تحدث في
стр. 625
الفصل الأول عن القرآن والعلم، وفي الثاني "تفسير الآيات الكونية"، وفي الثالث "الجبال في القرآن"، وفي الرابع "السماء في القرآن"، وفي الخامس "الظواهر الجوية في القرآن" و"نظرة في النبات" و"الطاقة"، وفي السادس "مخترعات العصر والقرآن".
هذا هو الكتاب وهذه هي أبحاثه، ولولا أني أخشى المطالبة بالبراهين لسقت أهم محاسنه وأهم المآخذ عليه، ولو أوردت هذا وذاك لأخذ حيزًا في البحث طويلًا.
٧- القرآن والعلوم العصرية:
المؤلف: طنطاوي جوهري.
ستأتي ترجمته -إن شاء الله- عند الحديث عن تفسيره: "الجواهر في تفسير القرآن الكريم".
الكتاب: هو رسالة صغيرة لا تتجاوز صفحاتها ٨٥ ورقة من الحجم المتوسط، بين يدي طبعتها الثانية، وصدرت سنة ١٣٧١ من مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي.
اختار المؤلف فيه بعض الآيات، وفسرها تفسيرًا علميًّا؛ فيذكر "فصل في تفسير آية كذا"، ثم يذكر تحت هذا الفصل شتى العلوم والمعارف التي يحسبها تفسيرًا للآية.
٨- القرآن ينبوع العلوم والعرفان:
المؤلف: على فكري.
هو علي فكري ابن الدكتور محمد عبد الله، ولد سنة ١٢٩٦ في القاهرة، وتُوفي بها سنة ١٣٧٢، ثم عمل مدرسًا ثم كاتبًا بوزارة المعارف، ثم نُقل إلى دار الكتب المصرية سنة ١٣٣٠ تقريبًا، وله عدد من المؤلفات؛ منها:
١- الكتاب موضع الحديث "ينبوع العلوم والعرفان".
٢- آداب الفتى.
٣- آداب الفتاة.
стр. 626
٤- عظة النساء.
٥- مسامرات البنات.
٦- المكاتبات الفكرية.
٧- دليل العملة والمعاملة.
٨- سعادة الزوجين.
٩- التربية الاجتماعية.
١٠- سبيل النجاح.
١١- تربية البنين.
١٢- الإنسان.
١٣- الآداب الإسلامية.
١٤- تقوم الأخلاق.
١٥- السمير المهذب "أربعة أجزاء".
١٦- المعاملات المادية والأدبية، ٤ أجزاء.
١٧- أحسن القصص، خمسة أجزاء١.
هذه هي مؤلفاته؛ وإنما سقتها ليتضح أن المؤلف غير متخصص في التفسير، وأن كتابته في التفسير ككتابة كثير من المعاصرين كتابة مثقف وليست كتابة مفسر.
الكتاب: ينبوع العلوم والعرفان
ويقع الكتاب في ثلاثة أجزاء متوسطة الحجم، وصدرت الطبعة الأولى من الكتاب سنة ١٣٦٥.
وقد وضح في مقدمته ما يحتوي عليه كتابه فقال بعد أن ذكر أن القرآن الكريم قد أشار بوضوح تام إلى العلوم الكونية التي تدارسها العالم القديم والحديث، قال: "لهذا رأيت وجوبًا عليَّ -خدمة للدين والعلم والإنسانية- أن أضع كتابًا جامعًا بقدر الإمكان لما جاء في كتاب الله العزيز من الآيات في العلوم الآتية:
الطب والصيدلة، الصحة، التاريخ الطبيعي، الحيوان، النبات، المعادن، الكيمياء، علم طبقات الأرض، الجيولجيا، الطبيعة، الهواء، الماء، النار، الحرارة، الصوت، الضوء، النور، الكهرباء، المغناطيسية، اللاسلكي "الراديو" "التليفزيون"، الفلك، الجغرافيا، تقويم البلدان، الملاحة البحرية، السياحة والأسفار، السياحة، التاريخ الأثري، والتاريخ العام، والفنون الحربية، الصناعة والتجارة، الحساب، الهندسة، العمارة والري، الكتابة وأداوتها والمكتبات.
стр. 627
هذا مع تفسير الآيات تفسيرًا مختصرًا مفيدًا يدل على معناها، وأسميته "القرآن ينبوع العلوم والعرفان"؛ ليكون في اسمه ما يدل على ما فيه، وأتبعت الآيات بنُبذة عن كل علم مع خلاصة وجيزة من تعاريفه الأولية"١.
"أما الآيات المتعلقة بالعلوم الشرعية والحكمية والفلسفية فلم أتعرض لها؛ لأن لها كتبًا خاصة بها، وفيها ما يغني عن البحث في موضوعاتها"٢.
وقد قسم هذه الأبحاث المذكورة على أجزاء كتابه الثلاثة، وقد جرى المؤلف على أن يفرد كل علم بمبحث خاص يفسر في الآيات التي يعتقد صلتها به تفسيرًا علميًّا، ثم يورد نُبذة مختصرة أو كلمة عامة عن العلم الذي يتحدث عنه؛ عن أصله ونشأته وأبحاثه، الجديد منها والقديم.
مما لا يعنينا استيفاؤه هنا أو إيراد أمثلة منه.
٩- القرآن والعلوم الحديثة:
المؤلف: محمود أبو الفيض المنوفي.
وهي رسالة صغيرة الحجم في ٨٠ صفحة، الناشر عيسى البابي الحلبي.
١٠ - الإسلام والطب الحديث:
المؤلف: الدكتور عبد العزيز إسماعيل.
ولد سنة ١٣٠٦، وتُوفي سنة ١٣٦١، تعلم الطب في القاهرة ثم في إنجلترا، وكان أستاذًا للدراسات العليا، وله من المؤلفات غير هذا الكتاب: رسالة في "الطب والقرآن"، وعددًا من المقالات في المجالات الطبية٣.
الكتاب: ولقد نال الكتاب على صِغَرِ حجمه شهرة كبيرة عند مَن تناول
стр. 628
هذا الموضوع، ولعل هذه الشهرة ترجع للمقدمة التي كتبها شيخ الأزهر محمد مصطفى المراغي، وأشاد بها في الكتاب وأثنى عليه وعلى صاحبه.
ويقع الكتاب في ١٣٢ صفحة متوسع الحجم، صدرت طبعته الثانية سنة ١٩٥٩م.
١١- ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة القويمة البرهان:
المؤلف: محمود شكري الألوسي.
وهو حفيد شهاب الدين محمود الألوسي صاحب التفسير المعروف "روح المعاني".
وُلد في بغداد سنة ١٢٧٣، وتلقى العلم عن أبيه وعمه أبي البركات نعمان خير الدين الألوسي وغيرهما، وتُوفي في بغداد سنة ١٣٤٢، وله عدد من المؤلفات؛ أهمها:
١- غاية لأماني في الرد على النبهاني في جزأين.
٢- فصل الخطاب في شرح مسائل الجاهلية للإمام محمد بن عبد الوهاب.
٣- الأدلة العقلية على ختم الرسالة المحمدية.
وغير ذلك من المؤلفات١.
الكتاب: ويقع في ١٤٤ صفحة تقريبًا، صدرت طبعته الأولى سنة ١٣٨٠هـ والثانية سنة ١٣٩١هـ، والناشر المكتب الإسلامي.
١٢- التفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن:
المؤلف: حنفي أحمد.
الكتاب: وهذا العنوان وضعه له مؤلفه في الطبعة الثانية، وكان قد صدر في الطبعة الأولى بعنوان "معجزة القرآن في وصف الكائنات".
стр. 629
ويقع الكتاب في طبعته الثالثة في ٤٥٤ صفحة.
١٣- شواهد العلم في هدى القرآن "معجزات القرآن يشهد بها العلم الحديث":
المؤلف: محمد سعدى المقدم.
الكتاب: يقع في جزأين، اطلعت على الجزء الأول الذي صدرت طبعته الأولى سنة ١٩٥٠ في ١٥٢ صفحة.
ويحتوي الكتاب على أربعة أبواب: الأول القرآن، والثاني بداية الخلق، وهما في الجزء الأول، وباب يبحث فيما يختص بالأرض، والرابع في نهاية الدنيا أو "يوم القيامة"، وهما في الجزء الثاني. وقد شن المؤلف في مقدمته حملة على الأزهر والأزهرين الذين أهملوا الجديد وصاروا وراء القديم!! وحمل الأخطاء والشطط في كتابه على الأزهر؛ لأنهم رفضوا مراجعته قبل الطبع.
بقي أن أقول: إن تخصص المؤلف ماجستير في الاقتصاد السياسي وليس فيه تفسير للآيات؛ بل هو أقوال لفلاسفة الغرب وعلمائهم.
١٤- الإعجاز العلمي في القرآن:
المؤلف: أحمد عبد السلام الكرداني.
وهو نماذج مستقاة من الكتاب السابق "الإسلام في عصر العلم" للدكتور محمد أحمد الغمراوي.
١٥- العلوم الطبيعية في القرآن:
المؤلف: يوسف مروة.
الطبعة الأولى بيروت ١٣٨٧، ويقع في ٢٧٤ صفحة.
١٦- القرآن ونهاية العالم:
المؤلف: كتب على غلافه: الأسيوطي الفلكي يقدم: القرآن ونهاية العالم، ولا أعرف هذا المؤلف. وناشر الكتاب علي السيد سليمان صاحب دار الكتب الشرقية بالأزهر، بدون تاريخ، ويقع في ثمانين صفحة.
стр. 630
١٧- رحلة عبر الغيب بين آيات القرآن وصفحات الأكوان:
المؤلف: عبد الكريم عثمان.
الكتاب: متوسط الحجم، يقع في ١٤١ صفحة.
١٨- معجزات القرآن الكريم في العلم والسياسة والاجتماع "باللغتين العربية والإنجليزية":
المؤلف: محمود مهدي الإستانبولي.
الكتاب: كتاب موجز في موضوعه، يذكر نص الآية ثم إشارة إلى معناها ومدلولها العلمي، ثم ترجمة ذلك إلى اللغة الإنجليزية، صدر الكتاب سنة ١٣٨٠، ويقع في ٧٦ صفحة.
١٩- معجزة القرآن:
المؤلفة: نعمت صدقي.
صدرت الطبعة الثانية من دار الاعتصام بالقاهرة سنة ١٣٩٨، ويقع الكتاب في ١٩٥ صفحة.
٢٠- القرآن وإعجازه العلمي:
المؤلف: محمد إسماعيل إبراهيم، وعدد صفحاته ١٧٤ صفحة.
٢١- البرهان من القرآن:
المؤلف: محمود أحمد مهدي، عدد صفحاته ٣٦١ صفحة.
٢٢- القرآن والعلم الحديث:
المؤلف: عبد الرزاق نوفل، ستأتي ترجمته إن شاء الله.
الكتاب: طبع سنة ١٣٩٣ بيروت، عدد صفحاته ٢٢٥.
٢٣- الرياضيات في القرآن الكريم:
المؤلف: خليفة عبد السميع خليفة.
الكتاب: صدرت الطبعة الأولى سنة ١٤٠٣، وجاء على غلافه أنه أول كتاب يتناول الإعجاز الرياضي وعلوم الحساب والجبر والهندسة وعلمي الإحصاء والميكانيكا، وعدد صفحاته ١٨٤ صفحة.
стр. 631
٢٤- معجزة القرن العشرين في كشف سباعية وثلاثية أوامر القرآن الكريم:
المؤلف: ابن خليفة عليوي.
الكتاب: الطبعة الأولى سنة ١٤٠٣، عدد صفحاته ١١٠، الناشر دار الإيمان، دمشق.
٢٥- الإعجاز الحسابي في القرآن الكريم:
المؤلف: رشاد خليفة.
الكتاب: رسالة صغيرة في ٢٦ صفحة.
٢٦- تسعة عشر، دلالات جديدة في إعجاز القرآن:
المؤلف: رشاد خليفة.
الكتاب: نص محاضرة ألقاها المؤلف في الكويت، وتقع في ٣٠ صفحة من الحجم الصغير.
٢٧- معجزة القرآن العددية:
المؤلف: صدقي البيك.
الكتاب: نشرته مؤسسة علوم القرآن، دمشق، بيروت، وصدرت الطبعة الأولى سنة ١٤٠١، والكتاب له صلة وثيقة بالكتابين السابقين وبمؤلفهما، ومتمم لهما.
٢٨- لفتات علمية من القرآن:
المؤلف: يعقوب يوسف.
الكتاب: نشرته الدار السعودية للنشر والتوزيع، والطبعة الثانية صدرت سنة ١٣٩٠ في ١٠٠ صفحة.
٢٩- الإعجاز العلمي في القرآن:
المؤلف: حمزة سالم الصيرفي.
الكتاب: صدرت طبعته الأولى سنة ١٣٩٩، وعدد صفحاته ٤٨ صفحة.
٣٠- القرآن الكريم والغلاف الجوي:
المؤلف: محمد عفيفي الشيخ.
الكتاب: صدر سنة ١٤٠٠ في ١٣١ صفحة.
стр. 632
٣١- تفسير الآيات الكونية:
المؤلف: الدكتور عبد الله شحاتة.
الناشر: دار الاعتصام، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٠ في ٣١٦ صفحة.
٣٢- القرآن والطب:
المؤلف: أحمد محمود سليمان، وعدد صفحاته ١٤٦ صفحة.
٣٣- آيات الله تعالى:
المؤلف: محمد وفا الأميري.
الكتاب: في جزأين: الأول ٤٥٠ صفحة، والثاني ٣١٥ صفحة، الناشر دار الرضوان، حلب.
٣٤- القرآن والطب:
المؤلف: الدكتور الحج محمد وصفي.
الناشر: دار الكتب الحديثة بالقاهرة، صدرت الطبعة الأولى سنة ١٣٨٠ في ٢٢٠ صفحة.
٣٥- الإعجاز الطبي في القرآن:
المؤلف: الدكتور السيد الجميلي.
الناشر: دار التراث العربي، القاهرة، صدرت الطبعة الثانية سنة ١٤٠٠ في ١٩٤ صفحة.
هذه بعض المؤلفات في التفسير العلمي التجريبي في العصر الحديث، ولئن كان المقام لا يسمح لنا بدراستها تفصيلًا؛ فإنه لا يعفينا من دراستين:
١- دراسة في التفسير ذاته مستمدة من هذه التفاسير بمجموعها.
٢- دراسة تفاسير منها دراسة مستقلة.
يعبر عن أولاهما بدراسة نماذج للتفسير العلمي في العصر الحديث، ويعبر عن الثانية بدراسة نماذج من المؤلفات في التفسير العلمي الحديث، وهذه أُولَى الدراستين.
стр. 633
نماذج للتفسير العلمي التجريبي في العصر الحديث:
وكما أنه ليس بمقدورنا أن نقدم دراسة لكل هذه المؤلفات؛ فإنه ليس بمقدورنا أن نقدم أمثلة لكل الآيات التي تناولوها بالتفسير العلمي؛ فلنذكر بعضًا منها، ولنقدم قبله تفسير السلف لكل آية حتى نعرف موقع تفسيرهم منه؛ فمن ذلك:
أولًا: قوله تعالى ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾
ذهب السلف في المراد بالماء في هذه الآية إلى قولين؛ أولهما: أن المراد به الماء المعروف، وثانيهما: أن المراد به النطفة؛ وعلى الأول أن الماء سبب حياة كل شيء حي، وعلى الثاني أن أصل كل شيء هو النطقة.
قال الشوكاني -رحمه الله تعالى- في تفسيره: " ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ أي: أحيينا بالماء الذي ننزله من السماء كل شيء فيشمل الحيوان والنبات؛ والمعنى: أن الماء سبب حياة كل شيء، وقيل: المراد بالماء هنا النطفة، وبه قال أكثر المفسرين"١، وقال ابن كثير: " ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ أي: أصل كل الأحياء"٢.
أما التفسير العلمي الذي يقدمه الأستاذ أحمد محمود سليمان فليس بهذا ولا بذاك؛ فهو يفسره بأن الماء هو أصل الحياة؛ بمعنى أن المخلوقات كلها نشأت أول ما نشأت في الماء، وخلقها الله أول ما خلقها في الماء، فأول ما ظهر من الحيوانات ذات الخلية الواحدة لا تراها العين المجردة، ثم تبع ذلك حيوانات ذات خلايا عدة، وهكذا تطورت الحياة في الماء خلال ملايين الأعوام، ثم بدأت بعض الحيوانات تخرج من البحر إلى البر، ثم نشأت الزواحف التي اتخذت البر لها مسكنًا، ثم الطيور ثم ذوات الأربع، وذكر أن أول مَن قال بهذه النظرية هو التوراة، أما القرآن فلم يقتصر على هذا "!! " بل أبان أن الماء هو أصل جميع الكائنات من حيوان ونبات؛ مما يدل على هيمنة القرآن العلمية على ما سبقه مِن
стр. 634
الكتب المقدسة، وهذا قوله بنصه بعد أن قدم لتفسيره بأن الشمس تسطع على البحار فيتبخر ماؤها فتنشأ السحب الثقال ثم يهطل المطر وتتكون البحيرات والأنهار، قال بعد ذلك:
"تلك قصة الماء التي يراها كلُّ إنسان في كل مكان وزمان، جعل الله منه النبات، وأحيا به الإنسان والحيوان، أما في غابر الأزمان حينما كان الإنسان لا يزال في ضمير الكون سرًّا من الأسرار؛ فإنه بعد أن خلق الله الأرض، وبدأ يهيئها للعُمران أودعها الحياة أول ما أودعها ماء البحار؛ إذ خلق في جوفها أبسط الكائنات من نبات وحيوانات.
وأول الحيوانات التي ظهرت في الماء تلك التي تتكون من خلية واحدة لا تراها العين المجردة، ثم تبعت تلك الحيوانات حيوانات ذات خلايا عدة: الحيوانات اللافقرية، ثم الحيوانات الفقرية التي تنتمي إليها الأسماك.
ظلت الحيوانات حتى ذلك الحين في جوف البحار والمحيطات إلى أن ظهرت بعد ذلك الكائنات التي تجمع في معيشتها بين البر والماء؛ هي الحيوانات البرمائية التي تنتمي إليها الضفادع.
استمر هذا التطور الذي أخذ الملايين من الأعوام في مجراه؛ حتى نشأت الزواحف التي أخذت الأرض لها مسكنًا دون الماء، ثم تبعها في سلسلة التطور الطير الذي اتخذ الأرض له مسرحًا والهواء، ثم ختمت السلسلة بذوات الأربع؛ فامتلأت الأرض بالزواحف والطيور والحيوانات، وكلها قُذفت بادئ ذي بدء من بطن مياه البحار والمحيطات.
وأول مَن قال بهذه النظرية التوراة، التي تكلمت عن نشأة الحيوانات البرية في الإصحاح الأول من سِفْرِ التكوين كما ذكرت آنفًا، ومضمون ما قالت التوراة: هو أن المياه أخرجت زحافات، ثم خلق الله بعد ذلك الطير، ثم تبع ذلك ظهور الحيوانات الثديية.
أما القرآن الكريم، فلم يقتصر على هذا؛ بل أبان أن الماء هو أصل جميع
стр. 635
الكائنات من حيوان ونبات، مما يدل على هيمنة القرآن العلمية على ما سبقه من الكتب المقدسة، وعلى إعجاز هذه الآية التي نزلت في وقت كان العالَم فيه غارقًا في دياجير الظلمات.
وهذه الآية الكريمة -أستغفر الله- بل هذا الجزء من الآية لا يحمل إعجازًا فقط؛ بل يحمل في ثناياه إعجازًا فوق إعجاز، فالماء هو أصل الحياة أو هو الذي نشأت في جوفه الكائنات أول ما نشأت"١.
هذا ما زعمه تفسيرًا للآية، وما هو بتفسير حق، وما هو بتفسير مقبول؛ بل أحسبه يعارض أخبار القرآن الكريم العديدة ونصوصه الكثيرة.
انظر إلى قوله مثلًا عن الزواحف والطيور والحيوانات: "وكلها قُذفت بادئ ذي بدء من بطن مياه البحار والمحيطات"، وقوله عن الماء: "هو الذي نشأت في جوفه الكائنات أول ما نشأت".
كيف نسي أن الإنسان وهو من الكئنات أنه شيء خُلق من طين في السماء، وأمر الله الملائكة بالسجود له، ثم أدخله الله الجنة، ثم أنزله إلى الأرض، فأين هذه والزعم بأن نشأت المخلوقات كلها في جوف الماء.
دَعْ عنك مناقشته في دعواه في هذا التطور للمخلوقات كلها وترتيب ظهورها ... إلخ، مما لا يقوم عليه دليل ولا يسنده برهان، إلا ما لا يعتد به، ولا يؤخذ به في تفسير كتاب الله.
وأحسب أن ما زعمه تفسيرًا للآية ما هو بتفسير؛ بل هو مردود على قائله، وليستغفر الله منه.
ثانيًا: قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ ٢