٢٤- معجزة القرن العشرين في كشف سباعية وثلاثية أوامر القرآن الكريم:
المؤلف: ابن خليفة عليوي.
الكتاب: الطبعة الأولى سنة ١٤٠٣، عدد صفحاته ١١٠، الناشر دار الإيمان، دمشق.
٢٥- الإعجاز الحسابي في القرآن الكريم:
المؤلف: رشاد خليفة.
الكتاب: رسالة صغيرة في ٢٦ صفحة.
٢٦- تسعة عشر، دلالات جديدة في إعجاز القرآن:
المؤلف: رشاد خليفة.
الكتاب: نص محاضرة ألقاها المؤلف في الكويت، وتقع في ٣٠ صفحة من الحجم الصغير.
٢٧- معجزة القرآن العددية:
المؤلف: صدقي البيك.
الكتاب: نشرته مؤسسة علوم القرآن، دمشق، بيروت، وصدرت الطبعة الأولى سنة ١٤٠١، والكتاب له صلة وثيقة بالكتابين السابقين وبمؤلفهما، ومتمم لهما.
٢٨- لفتات علمية من القرآن:
المؤلف: يعقوب يوسف.
الكتاب: نشرته الدار السعودية للنشر والتوزيع، والطبعة الثانية صدرت سنة ١٣٩٠ في ١٠٠ صفحة.
٢٩- الإعجاز العلمي في القرآن:
المؤلف: حمزة سالم الصيرفي.
الكتاب: صدرت طبعته الأولى سنة ١٣٩٩، وعدد صفحاته ٤٨ صفحة.
٣٠- القرآن الكريم والغلاف الجوي:
المؤلف: محمد عفيفي الشيخ.
الكتاب: صدر سنة ١٤٠٠ في ١٣١ صفحة.
стр. 632
٣١- تفسير الآيات الكونية:
المؤلف: الدكتور عبد الله شحاتة.
الناشر: دار الاعتصام، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٠ في ٣١٦ صفحة.
٣٢- القرآن والطب:
المؤلف: أحمد محمود سليمان، وعدد صفحاته ١٤٦ صفحة.
٣٣- آيات الله تعالى:
المؤلف: محمد وفا الأميري.
الكتاب: في جزأين: الأول ٤٥٠ صفحة، والثاني ٣١٥ صفحة، الناشر دار الرضوان، حلب.
٣٤- القرآن والطب:
المؤلف: الدكتور الحج محمد وصفي.
الناشر: دار الكتب الحديثة بالقاهرة، صدرت الطبعة الأولى سنة ١٣٨٠ في ٢٢٠ صفحة.
٣٥- الإعجاز الطبي في القرآن:
المؤلف: الدكتور السيد الجميلي.
الناشر: دار التراث العربي، القاهرة، صدرت الطبعة الثانية سنة ١٤٠٠ في ١٩٤ صفحة.
هذه بعض المؤلفات في التفسير العلمي التجريبي في العصر الحديث، ولئن كان المقام لا يسمح لنا بدراستها تفصيلًا؛ فإنه لا يعفينا من دراستين:
١- دراسة في التفسير ذاته مستمدة من هذه التفاسير بمجموعها.
٢- دراسة تفاسير منها دراسة مستقلة.
يعبر عن أولاهما بدراسة نماذج للتفسير العلمي في العصر الحديث، ويعبر عن الثانية بدراسة نماذج من المؤلفات في التفسير العلمي الحديث، وهذه أُولَى الدراستين.
стр. 633
نماذج للتفسير العلمي التجريبي في العصر الحديث:
وكما أنه ليس بمقدورنا أن نقدم دراسة لكل هذه المؤلفات؛ فإنه ليس بمقدورنا أن نقدم أمثلة لكل الآيات التي تناولوها بالتفسير العلمي؛ فلنذكر بعضًا منها، ولنقدم قبله تفسير السلف لكل آية حتى نعرف موقع تفسيرهم منه؛ فمن ذلك:
أولًا: قوله تعالى ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾
ذهب السلف في المراد بالماء في هذه الآية إلى قولين؛ أولهما: أن المراد به الماء المعروف، وثانيهما: أن المراد به النطفة؛ وعلى الأول أن الماء سبب حياة كل شيء حي، وعلى الثاني أن أصل كل شيء هو النطقة.
قال الشوكاني -رحمه الله تعالى- في تفسيره: " ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ أي: أحيينا بالماء الذي ننزله من السماء كل شيء فيشمل الحيوان والنبات؛ والمعنى: أن الماء سبب حياة كل شيء، وقيل: المراد بالماء هنا النطفة، وبه قال أكثر المفسرين"١، وقال ابن كثير: " ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ أي: أصل كل الأحياء"٢.
أما التفسير العلمي الذي يقدمه الأستاذ أحمد محمود سليمان فليس بهذا ولا بذاك؛ فهو يفسره بأن الماء هو أصل الحياة؛ بمعنى أن المخلوقات كلها نشأت أول ما نشأت في الماء، وخلقها الله أول ما خلقها في الماء، فأول ما ظهر من الحيوانات ذات الخلية الواحدة لا تراها العين المجردة، ثم تبع ذلك حيوانات ذات خلايا عدة، وهكذا تطورت الحياة في الماء خلال ملايين الأعوام، ثم بدأت بعض الحيوانات تخرج من البحر إلى البر، ثم نشأت الزواحف التي اتخذت البر لها مسكنًا، ثم الطيور ثم ذوات الأربع، وذكر أن أول مَن قال بهذه النظرية هو التوراة، أما القرآن فلم يقتصر على هذا "!! " بل أبان أن الماء هو أصل جميع الكائنات من حيوان ونبات؛ مما يدل على هيمنة القرآن العلمية على ما سبقه مِن
стр. 634
الكتب المقدسة، وهذا قوله بنصه بعد أن قدم لتفسيره بأن الشمس تسطع على البحار فيتبخر ماؤها فتنشأ السحب الثقال ثم يهطل المطر وتتكون البحيرات والأنهار، قال بعد ذلك:
"تلك قصة الماء التي يراها كلُّ إنسان في كل مكان وزمان، جعل الله منه النبات، وأحيا به الإنسان والحيوان، أما في غابر الأزمان حينما كان الإنسان لا يزال في ضمير الكون سرًّا من الأسرار؛ فإنه بعد أن خلق الله الأرض، وبدأ يهيئها للعُمران أودعها الحياة أول ما أودعها ماء البحار؛ إذ خلق في جوفها أبسط الكائنات من نبات وحيوانات.
وأول الحيوانات التي ظهرت في الماء تلك التي تتكون من خلية واحدة لا تراها العين المجردة، ثم تبعت تلك الحيوانات حيوانات ذات خلايا عدة: الحيوانات اللافقرية، ثم الحيوانات الفقرية التي تنتمي إليها الأسماك.
ظلت الحيوانات حتى ذلك الحين في جوف البحار والمحيطات إلى أن ظهرت بعد ذلك الكائنات التي تجمع في معيشتها بين البر والماء؛ هي الحيوانات البرمائية التي تنتمي إليها الضفادع.
استمر هذا التطور الذي أخذ الملايين من الأعوام في مجراه؛ حتى نشأت الزواحف التي أخذت الأرض لها مسكنًا دون الماء، ثم تبعها في سلسلة التطور الطير الذي اتخذ الأرض له مسرحًا والهواء، ثم ختمت السلسلة بذوات الأربع؛ فامتلأت الأرض بالزواحف والطيور والحيوانات، وكلها قُذفت بادئ ذي بدء من بطن مياه البحار والمحيطات.
وأول مَن قال بهذه النظرية التوراة، التي تكلمت عن نشأة الحيوانات البرية في الإصحاح الأول من سِفْرِ التكوين كما ذكرت آنفًا، ومضمون ما قالت التوراة: هو أن المياه أخرجت زحافات، ثم خلق الله بعد ذلك الطير، ثم تبع ذلك ظهور الحيوانات الثديية.
أما القرآن الكريم، فلم يقتصر على هذا؛ بل أبان أن الماء هو أصل جميع
стр. 635
الكائنات من حيوان ونبات، مما يدل على هيمنة القرآن العلمية على ما سبقه من الكتب المقدسة، وعلى إعجاز هذه الآية التي نزلت في وقت كان العالَم فيه غارقًا في دياجير الظلمات.
وهذه الآية الكريمة -أستغفر الله- بل هذا الجزء من الآية لا يحمل إعجازًا فقط؛ بل يحمل في ثناياه إعجازًا فوق إعجاز، فالماء هو أصل الحياة أو هو الذي نشأت في جوفه الكائنات أول ما نشأت"١.
هذا ما زعمه تفسيرًا للآية، وما هو بتفسير حق، وما هو بتفسير مقبول؛ بل أحسبه يعارض أخبار القرآن الكريم العديدة ونصوصه الكثيرة.
انظر إلى قوله مثلًا عن الزواحف والطيور والحيوانات: "وكلها قُذفت بادئ ذي بدء من بطن مياه البحار والمحيطات"، وقوله عن الماء: "هو الذي نشأت في جوفه الكائنات أول ما نشأت".
كيف نسي أن الإنسان وهو من الكئنات أنه شيء خُلق من طين في السماء، وأمر الله الملائكة بالسجود له، ثم أدخله الله الجنة، ثم أنزله إلى الأرض، فأين هذه والزعم بأن نشأت المخلوقات كلها في جوف الماء.
دَعْ عنك مناقشته في دعواه في هذا التطور للمخلوقات كلها وترتيب ظهورها ... إلخ، مما لا يقوم عليه دليل ولا يسنده برهان، إلا ما لا يعتد به، ولا يؤخذ به في تفسير كتاب الله.
وأحسب أن ما زعمه تفسيرًا للآية ما هو بتفسير؛ بل هو مردود على قائله، وليستغفر الله منه.
ثانيًا: قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ ٢
стр. 636
قال الشوكاني -رحمه الله تعالى- في تفسيره: "وقوله: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ أي: قل هو شيء يتأذى به؛ أي: برائحته، والأذى كناية عن القذر، ويطلق على القول المكروه، ومنه قوله تعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ ١، ومنه قوله تعالى: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ ٢" ٣.
وقال الإمام الطبري -رحمه الله تعالى-: "القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ يعني تعالى ذكره بذلك: قل لمن سألك من أصحابك يا محمد عن المحيض هو أذى، والأذى هو ما يؤذى به من مكروه فيه، وهو في هذا الموضع يُسمى أذى لنتن ريحه وقذره ونجاسته، وهو جامع لمعانٍ شتى من خلال الأذى غير واحدة"٤.
أما أصحاب التفسير العلمي الحديث فبينوا أضرار الجماع وقت الحيض الطبية؛ فقال الأستاذ أحمد محمود سليمان في تفسيرها:
إنه والله لتشريع حكيم يدعو إليه الطب الحديث والذوق السليم والخُلُق القويم؛ فالمحيض الذي يشمل العادة الشهرية والأنزفة الرحمية والدم الناتج عن الولادة والإجهاض فوق أنه كريه الرائحة منفر، فإنه يحمل أذى كبيرًا وشرًّا مستطيرًا للزوجين على السواء.
إنه يعرض الرجل لالتهاب مجرى البول إذا ما تسرب بعض دم الحيض الفاسد إليه حاملًا معه جراثيم الأمراض، ولا يقتصر أذاه للرجل على ذلك، فلو فرض ووجد عند المرأة مثلًا عدوى وراثية بالزهري؛ فإنها لا تظهر في الأحوال العادية؛ لأن العدوى تكون كامنة، أما دم الحيض فربما وُجد به بعض الجراثيم مما قد يتسبب عنه عدوى الرجل.
هذا هو ضرره للرجال: التهاب في مجرى البول، وتعرض لمرض الزهري، من مرض قد يكون كامنًا.
стр. 637
أما ضرره للنساء فأشد وأنكى، فمقاومة المرأة للأمراض ومناعتها وقت الحيض تنقص إلى حدها الأدنى؛ فتكون أكثر تعرضًا للعدوى إذا ما دخلت جراثيم الأمراض المهبل أو عنق الرحم، وهو أمر كثير الحدوث وقت الجماع، أما في غير أوقات الحيض فإن هذه الجراثيم يتغلب عليها الجسم بشدة مقاومته، وبما أن الرحم يكون مدة الحيض محتقنًا، فإذا أضيف إليه ما تحدثه المباشرة من الاحتقان الشديد؛ فقد يحدثان نزفًا، ولا سيما إذا كان به أورام أو التهابات.
أما بعد الولادة، فإن الرحم لا يكون في حجمه الطبيعي، ويستمر كذلك ستة أسابيع تقريبًا، وهي المدة التي قد يستمر فيها النزيف من الرحم عقب الولادة، والتي تتطهر بعدها معظم النساء.
وقد تؤدي المباشرة في أثناء الحيض إلى التهاب في الرحم، يحدث عند السيدات حالات عصبية يستعصي علاجها؛ ولذلك مُنعت المباشرة حتى تطهر المرأة فيعود إليها بهاؤها وجاذبيتها، وتنتظم نفسيتها، وتزول العوامل التي تضر بصحتها؛ وحينئذ لا يوجد مانع من الجماع وإتيان الرجل للمرأة من حيث أمرهما الله إتيانًا طبيعيًّا؛ إذ إن المباشرة من غير الموضع الطبيعي فيها ضرر كبير، وهي تعبتر إثمًا يستوجب التوبة؛ إذ إن هذه المباشرة قد يتسبب منها التهاب في مجرى البول للرجل وفي البروتستاتا، غير ما يحدث عندها من جروح، فوق أنها تفقد الرجولة، وتورث التخنث، وتهد من قوى الرجل.
وقد حذرنا رسول الله ﷺ تحذيرًا شديدًا من المباشرة في أثناء الحيض ومن غير الطريق الطبيعي بقوله: "ملعون مَن أتى امرأة وهي حائض ١، ملعون مَن أتى امرأة في دبرها ٢، ملعون مَن عمل عمل قوم لوط" ٣، ٤.
стр. 638
أما الدكتور عبد العزيز إسماعيل فقسم إفرازات الجسم إلى نوعين: نوع له فائدة في الجسم؛ مثل: الهضم أو التناسل أو إفرازات داخلية تنظم أجهزة الجسم وأنسجته ... إلخ، وهو ضروري للحياة وليس فيه ضرر.
ونوع ليس له فائدة؛ بل هو بالعكس يجب إفرازه من الجسم إلى الخارج، وهو مكون من مواد سامة إذا بقيت في الجسم أضرت به، وذلك مثل: البول والبراز والعرق والحيض.
وقال أيضًا: فهذه الآية الكريمة علَّمت الإنسان قبل أن يعرف شيئًا عن أنواع الإفرازات أن المحيض أذى، وأنه لا يفيد الجسم.
وأما الجزء الثاني من الآية الكريمة: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ فسببه أن الأعضاء التناسية تكون في حالة احتقان، والأعصاب تكون في حالة اضطراب؛ بسبب إفرازات الغدد الداخلية، فالاختلاط الجنسي يضرها وربما منع نزول الحيض، كما يحصل كثيرًا من الاضطراب العصبي، وقد يكون سببًا في التهاب الأعضاء التناسلية.
وهذا هو السبب في أن الطبيب الأخصائي لا يكشف على مرضاه من النساء وقت المحيض١.
أما الدكتور الحاج محمد وصفي فقد أطال في بيان أضرار وطء الحائض عندما تناول الآية المذكورة؛ فتحدث أولًا عن بلاغة القرآن الكريم في اختيار التعبير بكلمة "أذى"، التي لم يجد رغم محاولته كلمة تقوم مقامها أو تحمل حملها، ثم تحدث عن حكم المحيض عنج اليهود ثم عند النصارى ثم في الإسلام، ثم عن توجيه النهي للرجال، ثم عن دورة الحيض وآلامه، ثم عن عرضة الحائض للأمراض، ثم عن الوسط المهبلي وتغيره بالحيض، ثم عن أذى وطء المرأة أثناء الحيض، وأنه سبب لالتهاب المهبل وما يشنأ عنه من مرض يكفي أنه يسبب العقم، وذكر من أضراره حمل البكتريا إلى دخل المهبل وما تسببه من أمراض،
стр. 639
وذكر من أضراره أنه من أهم الأسباب المهيئة لتعفن الرحم الذي يسبب العقم والآلام الشديدة للمرأة، وتحدث عن منابع العدوى، ثم تحدث عن الأضرار التي تصيب الرجل، ثم ذكر حِكْمَتين للمنع؛ أولهما: تقوية الإرادة، وثانيهما: أن الحيض لا إنبات فيه١.
أما الدكتور السيد الجميلي فزاد على ما ذكر من أضرار الجماع وقت الحيض أن مرض الجذام ينتقل وينجم عن المباضعة في المحيض٢.
هذه إشارات لما قاله أصحاب التفسير العلمي التجريبي في تفسير هذه الآية، وإذا ما نظرنا نظرة مقارنة بينه وبين ما أوردناه أولًا من تفسير للطبري وللشوكاني، وبين نص الآية أيضًا؛ لرأينا أن الآية تنص نصًّا على أنه أذى؛ لكنها لم تذكر ما هو هذا الأذى، ونحن المسلمين يكفينا اعتقادًا أن في جماع الحائض أذى وأنه محرم، وإذا ما أردنا زيادة تعليل ليس لأجل تعليق الحكم عليها؛ وإنما للعلم والمعرفة ليس إلا، فلا بأس أن تقرأ للطبري والشوكاني أن الأذى رائحته الكريهة، ولا بأس أن يذكر الأطباء أن الأذى هو أضراره الطبية؛ وعلى هذا فلم يخترع أصحاب التفسير العلمي هنا طريقًا بدعًا؛ وإنما التقوا مع السلف في التعليل؛ وإنما لم يتفقوا على علة.
ثالثًا: قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ٣
قال الشوكاني -رحمه الله تعالى- في تفسيرها: "يقال: ثنَى صدره عن الشيء: إذا ازورَّ عنه وانحرف منه، فيكون في الكلام كناية عن الإعراض؛ لأن مَن أعرض عن الشيء ثنى عنه صدره وطوى عنه كشحه. وقيل معناه: يعطفون صدورهم على ما فيها من الكفر والإعراض عن الحق؛ فيكون في الكلام كناية عن الإخفاء لما يعتقدونه من الكفر، كما كان دأب المنافقين، والوجه الثاني أَوْلَى"، إلى
стр. 640
أن قال: "وجملة "يعلم ما يسرون وما يعلنون" مستأنفة لبيان أنه لا فائدة لهم في الاستخفاء؛ لأن الله سبحانه يعلم ما يسرونه في أنفسهم أو في ذات بينهم وما يظهرونه، فالظاهر والباطن عنده سواء، والسر والجهر سيان، وجملة "إنه عليم بذات الصدور" تعليل لما قبلها وتقرير له، وذات الصدور هي الضمائر التي تشتمل عليها الصدور، وقيل: هي القلوب؛ والمعنى: أنه عليم بجميع الضمائر، أو عليم بالقلوب وأحوالها في الإسرار والإظهار، فلا يحفي عليه شيء من ذلك"١.
وقد فسَّر الدكتور عبد العزيز إسماعيل هذه الآية تفسيرًا علميًّا حديثًا فقال: "هذه الآية سهلة الفَهْم بعدما تقدمت علوم النفس والتنويم المغناطيسي وغيرها، وظهر جليًّا أن كل فكرة يقابلها تغيير كيماوي في الخلايا المخية، وكما أنه لا حركة في الأرجل دون أن يحصل انقباض العضلات، كذلك لا يمكن أن يفكر الإنسان دون أن تحصل تغييرات في خلايا المخ، وليس هذا هو الذي يحصل فقط؛ بل إن هذه التغييرات تبقى مسجلة في المخ الباطني، ومن الممكن أن يتذكرها الشخص بعد مدة طويلة تحت تأثيرات مخصوصة كالانفعالات العصبية أو التنويم المغناطيسي وغيرها، ولو نسيها الشخص تمام النسيان.
وقد اكتشفت أخيرًا أجهزة كهربائية يمكن بها معرفة حالة بعض الخلايا المخية إذا كانت في حالة هدوء أو حالة انشغال، وقد ترتقي العلوم أكثر من ذلك، هذا حال الإنسان مع جهله.
والله يعلم كل ما يجول في مخ الإنسان، وكل ما جال في مخه، وهو أعلم بها من الإنسان نفسه؛ لأنه عرضة للنسيان"٢.
وقد استغربت وصف الدكتور عبد العزيز لهذه الآية بأنها سهلة الفَهْم بعدما تقدمت علوم النفس والتنويم المغناطيسي! ذلكم أن الآية لم تكن صعبة الفَهْم قبل ذلك للذين يؤمنون بالغيب.
стр. 641
ثم إني لا أقبل أن يعلل علم الله بما في صدر الإنسان بالتغييرات التي تحدث في خلايات المخ عند التفكير؛ فالله يعلم ذلك حتى ولو لم يحدث -إن كان يحدث- هذا التغيير في الخلايا؛ بل الله سبحانه يعلم ما في الصدور وما سيكون في الصدور؛ أي: قبل أن يفكر الإنسان بالتفكير بالشيء، فعلمه سبحانه علم قبل ومع وبعد التفكير الإنساني، وهو علم مستقل بذاته عن التغييرات في خلايا المخ، فلا تزيده تلك علمًا ولا ينقصه عدمها علمًا.
ولذلك فإن قول الدكتور إسماعيل آخرًا: "والله يعلم كل ما يجول، وكل ما جال ... " إلخ بحاجة إلى أن يزاد فيه: "وكل ما سيجول"؛ لأن الأمرين السابقين مرتبطان حسب قوله بالتغييرات، وعلم الله -كما قلنا- لا تؤثر فيه هذه التغييرات فتقيده بمدلولاتها؛ فكان علمه سبحانه بكل شيء، والله أعلم.
رابعًا: قوله تعالى: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ، لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ ١
قال الشوكاني -رحمه الله تعالى- في تفسيرها: " ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ جواب قسم محذوف، وفيه زيادة وعيد وتهديد؛ أي: والله لترون الجحيم في الآخرة. قال الرازي: وليس هذا جواب لو؛ لأن جواب لو يكون منفيًّا، وهذا مثبت، ولأنه عطف عليه ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ﴾ وهو مستقبل لا بد من وقوعه، قال: وحذف جواب لو كثير، والخطاب للكفار، وقيل: عام كقوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ ".
إلى أن قال: "ثم كرر الوعيد والتهديد للتأكيد فقال: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ أي: ثم لترون الجحيم الرؤية التي هي نفس اليقين، وهي المشاهدة والمعاينة، وقيل المعنى: لترون الجحيم بأبصاركم على البعد منكم، ثم لترونها مشاهدة على القرب، وقيل: المراد بالأول رؤيتها قبل دخولها، والثاني رؤيتها حال دخولها، وقيل: هو إخبار عن دوام بقائهم في النار؛ أي: هي رؤية دائمة متصلة، وقيل: المعنى لو تعلمون اليوم علم اليقين وأنتم في الدنيا لترون الجحيم بعيون قلوبكم، وهو أن تتصوروا أمر القيامة وأهوالها"٢.
стр. 642
قلت: وهأنت ترى من الأقوال التي ساقها الشوكاني -رحمه الله تعالى- أن أحدًا منهم لم يقل: إن الرؤية للنار في الدنيا بالأبصار، وإن قال أحدهم: إنها في الدنيا بعيون القلوب، ولم يقل بالعيون الباصرة.
أما الأستاذ محمود القاسم ففسر الرؤية هنا بتفسير عجيب، ذكر فيه أننا نعلم علم اليقين؛ إذًا فبإمكاننا رؤية الجحيم، وأن الرؤية في الدنيا رؤية بصرية، وقد رد التفاسير التي فسرت الرؤية بالآخرة.
فقسم أولًا الكتلة الكونية إلى قسمين:
١- نجوم ملتهبة لها كل صفات جهنم الواردة في القرآن والحديث.
٢- وكواكب باردة يشملها قوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ لأن الكواكب الباردة هي حجارة مختلفة الأنواع مثل الأرض، وقال: "إذًا فالكتلة الكونية هي جهنم".
ثم ذكر أنه يصح أن يوصف مَن رأى بعض الشيء بأنه رآه من باب إطلاق اسم الكل على الجزء؛ فتقول لرفيقك: لقد رأيت البحر وأنت لم ترَ منه إلا جزءًا صغيرًا.
ثم تساءل عن الجزء الذي نراه في قوله تعالى: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ، لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ وكان جوابه لنفسه: يكفي لتحقق الآية أن نرى واحدًا من النجوم الملتهبة، التي هي من نوع جهنم، ولها جميع صفاتها كالشمس مثلًا، مع العلم أن بالإمكان رؤية نجوم أخرى مثلها أو أكبر وأشد حرًّا.
ثم تساءل مرة أخرى: هل الشمس من نوع جهنم؟ وهل لها جميع صفاتها؟ ثم أجاب بدراسة للشمس من حيث المظهر مع صور للشمس وسطحها، ومن حيث طبيعتها، ثم قرر النتيجة.
"للشمس من حيث مظهرها وطبيعتها جمع صفات جهنم الواردة في القرآن والحديث".
ثم قال: "وبالتالي الكون "الدنيا" بكليته هو جهنم، وهي موزعة حاليًا على
стр. 643
نجوم مضطربة، وكواكب خنس، وغبار وغازات، والشمس جزء منها تمثلها، وما علينا لنرى طبيعتها الجهنمية إلا أن نضع عيننا على عدسة نظارة فلكية خاصة نوجهها نحو الشمس"١.
وبعد، فلن أطيل في الرد على هذا التفسير إلا بما يستلزمه المقام؛ فأقول: إن جهنم من الأمور الغيبية التي لا يحق لنا أن نزيد في بيانها غير ما ورد به الشرع، ولم يرد في الشرع بيان لمكان جهنم الان وإمكان رؤيتها لنا في الدنيا، وقد التزم علماءالسلف -رحمهم الله تعالى- هذا الأمر؛ فلم يشر أحدهم إلى شيء من ذلك، وهم الأعلم باللغة ومدلولاتها، والأعلم بالشرع ومفاهيمه، ومع هذا فلم ينسب لأحدهم أنه أشار إلى الشمس أو غيرها زاعمًا أنها جهنم.
أما انطباق أوصاف جهنم على بعض الموجودات الكونية فلا يعني هذا أن تلك الكتلة هي جهنم، ولو صح هذا الزعم وصح هذا المقياس لجاءنا مَن يزعم أن الأرض التي نعيش عليها هي الجنة في الآخرة، ويشير إلى مناطق لا تخلو منها الأرض فيها الهواء العليل والظل الظليل والفواكه والثمار، ولن يعدم من النصوص ما يستدل بها كاستدلال ذاك فيقول مثلًا: روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة" ٢، وسيجد في الصحيحين: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة" ٣.
لكن هذا وذاك لا يكفيان ولا يدلان على أن الأرض هي الجنة، مع النص المباشر على هذه الأجزاء من الأرض، بخلاف الشمس فلم يكن هناك أي نص مباشر للشمس يجعل بعض أجزائها من النار، فإذا كان الأمر كذلك في الأرض فأنَّى لرجل أن يزعم أن الشمس جزء من جهنم.
стр. 644
لا شك أن هذا التفسير لو لم يُربط بينه وبين النصوص القرآنية لكان من الحديث في الأمور الغيبية بلا برهان، فكيف والأمر تجاوز هذا إلى تفسير النصوص القرآنية به، أحسب هذا أمرًا لا ينبغي من مسلم يلتزم بأحكام دينه حتى ولو كان ذا قصد سامٍ في الدعوة إلى الله، فليس هذا بالطريق الحق والله الهادي.
خامسًا: قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ، بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ ١.
قال الشوكاني -رحمه الله تعالى-: " ﴿عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ على أن نجمع بعضها إلى بعض فنردها كما كانت مع لطافتها وصغرها، فكيف بكبار الأعضاء؛ فنبه سبحانه بالبنان وهي الأصابع على بقية الأعضاء، وأن الاقتدار على بعثها وإرجاعها كما كانت أَوْلَى في القدرة من إرجاع الأصابع الصغيرة اللطيفة المشتملة على المفاصل والأظافر والعروق اللطاف والعظام الدقاق، فهذا وجه تخصيصها بالذكر"٢.
أما الأستاذ محمد إسماعيل إبراهيم فقال في تفسيرها: "تدل عبارة تسوية البنان على معنى لم يكشف العلم سره إلا بعد نزول الآية بأكثر من ألف سنة؛ حينما عرف أن لكل بنان بصمة خاصة به، تختلف فيها اتجاهات خطوطها اختلافًا واضحًا بين فرد وآخر وبين جمع البشر، وقد استخدم الإنسان هذه الاختلافات في تحقيق الشخصية عن طريق البصمات، وقد أفادت هذه الحقيقة في التعرف على الأشخاص عن طريق بصماتهم، في حالة وقوع جرائم يترك الجناة فيها بصماتهم على أي شيء تناولوه"٣.
قلت: والذي يجمع بين تفسيري السلف والعلم الحديث أن كلًّا منهما يؤكد أن تخصيص البنان بالذِّكْرِ يدل على أن مَن أعاد خلقها فهو أقدر على إعادة خلق غيرها من بقية الأعضاء، وإن اختلف التعليل عند هؤلاء وهؤلاء؛ فالشوكاني
стр. 645
حسب العلة صغرها ولطافتها ودقة عظامها، ومحمد إسماعيل عللها بأن لكل بنان بصمة خاصة به من بين جميع البشر، وفي الأمر سَعَة لتعليل الكل، والله أعلم.
سادسًا: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ١.
قال الطبري -رحمه الله تعالى- في قوله تعالى ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ : "وهذا مَثَلٌ من الله تعالى ذكره، ضربه لقلب هذا الكافر في شدة تضييقه إياه عن وصوله إليه -أي: إلى الإسلام- مثل امتناعه من الصعود إلى السماء وعجزه عنه، لأن ذلك ليس في وُسْعِه"٢.
وقال ابن كثير -رحمه الله تعالى-: "وقال ابن المبارك عن ابن جريج: ضيقًا حرجًا بلا إله إلا الله، حتى لا تستطيع أن تدخل قلبه كأنما يصعد في السماء من شدة ذلك عليه، وقال سعيد بن جبير يجعل صدره ضيقًا حرجًا قال: لا يجد فيه مسلكًا إلا صَعِدَ، وقال السدي: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ من ضيق صدره، وقال عطاء الخراساني: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ يقول: مثله كمثل الذي لا يستطيع أن يصعد إلى السماء، وقال الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ يقول: فكما لا يستطيع ابن آدم أن يبلغ السماء فكذلك لا يستطيع أن يدخل التوحيد والإيمان قلبه حتى يُدخله الله في قلبه"٣.
ذلكم تفسير السلف، أما التفسير العلمي فيقدمه الأستاذ محمد عفيفي الشيخ فقال في ذلك: "الله يقرر أن الارتفاع إلى عِنَانِ السماء يصحبه ضيق الصدر والشعور بالاختناق، وقد اكتشف العلماء أخيرًا أن ذلك بسبب نقص الضغط الجوي وكميات الأكسيجين التي تستقبلها الرئتان، وهذه
стр. 646
الحقيقة لم تتوصل إليها البشرة علميًّا إلا بعد أن صَعِدَ الإنسان فعلًا غلى طبقات الجو العليا"١.
سابعًا: قوله تعالى ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ، بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ﴾ ٢
قال ابن كثير -رحمه الله تعالى-: "أي: وجعل بينهما برزخًا؛ وهو الحاجز من الأرض؛ لئلا يبغي هذا على هذا وهذا على هذا؛ فيُفسد كل واحد منهما الآخر، ويُزيله عن صفته التي هي مقصودة منه"٣.
أما التفسير العلمي فيستدل الأستاذ يعقوب يوسف بما نشرت بعثة السيرجون أمري مع بعثة الجامعة المصرية وخفر السواحل لدرس أعماق البحر الأحمر والمحيط الهندي في جنوب عدن، بعض الملاحظات التي تستدعي النظر، ومما جاء في "مجلة الفتح ٣٥٤" أن البعثة وجدت المياه في خليج العقبة تختلف في خواصها وتركيبها الطبيعية والكيميائية عن المياه في البحر الأحمر، وحققت البعثة -بواسطة قياس الأعماق- وجود حاجز مغمور عند مجمع البحرين، يبلغ ارتفاعه أكثر من ألف متر، وتبعد قيمته نحو ثلاثمائة متر عن سطح البحر.
وذكر أيضًا أن هذه النتيجة تماثل ما وصلت إليه السفينة "مباحث": أن مياه المحيط الهندي تختلف في خواصها عن مياه البحر الأحمر، ويعلل ذلك بوجود الحاجز المغمور عند ملتقى كل بحرين، ثم قال: "هذه الحقيقة الرائعة التي تثبتها الأرقام الموجودة في خزائن كلية العلوم بالجامعة المصرية وفي خزائن جامعة كمبردج التي وصلت إليها "البعثة المذكورة" بعد أن زودت بأحدث الآلات العلمية، وتدرعت بجنود من العلم، أنزلها الله في قرآنه منذ ١٣ قرنًا٤.
والذي يظهر لي أن ما ذكره الأستاذ يعقوب -إن صح- لا يسمى حاجزًا
стр. 647
ما دام اتصال خليج العقبة بالبحر الأحمر من جهة والبحر الأحمر بالمحيط الهندي من جهة أخرى ظاهرًا للعِيَانِ، وتعبره البواخر الضخمة، فالذي تلج منه تلك فالماء أكثر ولوجًا منها؛ فأين الحاجز هنا؟!
وقد استمتعت لمحاضرة للشيخ عبد المجيد الزنداني تناول فيها بيان هذا الحاجز، وتحدث عنه بتفسير أوضح من تفسير الأستاذ يعقوب له؛ حيث قال في محاضرته: "يقول الله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَان، بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ ١، هذان البحران اللذان التقيا هما بحران مالحان؛ بدليل قول الله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ ، فالحديث في الآية إذًا عن بحر مالح ومالح، وليس عن بحر مالح وعذب بنص الآية، وما معنى هذا؟ نعم، وجدوا أن بين البحر الأحمر مثلًا والمحيط الهندي حاجزًا في باب المندب يحجز بين مياه البحر الأحمر ومياه المحيط الهندي، ولولا هذا الحاجز لطغت صفات مياه المحيط على مياه البحر؛ لأن البحر شيء يسير بجانب المحيط.
لكن هناك صفات وخصائص خاصة بمياه البحر الأحمر، وصفات وخصائص خاصة بمياه المحيط الهندي، هذا الحاجز ينهما لكي لا يطغى هذا على هذا، ثم هذا الحاجز ليس ثابتًا لكنه في حالة ذَهَاب وإياب واضطراب. ومرج في لغة العرب معناها: الذهاب والإياب والاضطراب. والحاجز هذا بين البحرين ليس ثابتًا؛ لكنه في حالة يمرج فيها فهو مارج يمرج؛ ولذلك قال تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَان﴾ .
وقد أمكن تصوير هذا الحاجز، وكنت إذا قرأت هذه الآية يأتي في ذهني الآية الأخرى؛ وهو قول الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ ٢.
كثير من المفسرين يقولون هذه الآية مثل هذه الآية؛ لكن استوقفتني الآية عندما أردت أن أتأمل وأتعمق، استوقفني في الآية ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ
стр. 648
هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ ، هناك لم يذكر هذا عذب وهذا ملح، قال البحرين".
ثم قال: " ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ فدل على أنهما بخصائص متقاربة وأنهما مالحان، ثم لما ذكر العذب والمالح قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ .
قال: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ زيادة ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ على الآية التي هناك، هناك تقول: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَان﴾ لكن هنا تقول: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ ، القرآن لا يقول لغوًا، كلام الله الحكيم الحرف فيه لي معنى. فما هذا المعنى ما هو هذا الشيء؟
ذهبت أسأل أساتذة علوم البحار في كلية علوم البحار في جامعة الملك عبد العزيز: يا أخوة الله، يقول بين الأنهار والبحار برزخ وحجر؟ قالوا: أما البرزخ موجود؛ فهناك برزخ يحجز بين ماء النهر وماء البحر، هذه مسألة واضحة وصورها عندنا وسترون الصورة بأعينكم، البرزخ موجود قلنا: طيب، وحجر ما هو الحجر؟ الحجر في لغة العرب هو الشيء الذي يمنع به أشياء؛ ولذلك هذه ارض محجورة؛ أي: يسمح فيها لبعض الحيوانات أو لبعض الناس وتحجر عن غيرهم، قالوا: هو هذا الموجود بين البحر والنهر، هناك شيء اسمه المصب، مياه المصب هذه ندرسها دراسة مستقلة؛ لأن لها خصائص مستقلة؛ لأنها ليست من ماء البحر وليست من ماء النهر، لها خصائص مشتركة بين ماء البحر وبين ماء النهر لا هي عذبة ولا هي مالحة وإنما وسط.
قالوا: أبرز صفات مياه المصبات أنها أغنى المناطق في العالم بالأسماك؛ ولكن أسماك مخصوصة بالمصب، وماء المصب ومنطقة المصب أرض محجورة على نوع أسماك البحر ومجموع أسماك النهر، فممنوع الدخول من أسماك النهر ومن أسماك البحر، محجورة على بعض الأنواع فقط، لا يعيش فيها إلا أنواع مخصوصة فقط، أما باقي الكائنات الحية فهي ممنوعة محجورة؛ إذًا فهذا معنى ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ ١.
стр. 649
وفي نهاية المحاضرة عرض الشيخ عبد المجيد صورًا للبرزج والحجر أُخذت عن طريق سفن الفضاء وقال: "هذا الأزرق الخفيف هو الحجر هو المصب، فهذا الحاجز هو الحاجر بين النهر والبحر، ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ البرزخ هذا الحاجز الذي يفصل بين الماءين والحجر هو المصب".
هذا ما قاله الشيخ عبد المجيد في هذا الحاجز "البرزخ"، ولا يرد عليه ما أوردناه على ما ذكره الأستاذ يعقوب، الذي وصف الحاجز بأنه حاجز مغمور يبلغ ارتفاعه أكثر من ألف متر، وتبعد قمته نحو ثلاثمائة متر عن سطح البحر؛ حيث وصفه الشيخ عبد المجيد بأنه ليس ثابتًا؛ بل هو مارج مضطرب يذهب ويؤب يدخل ماء المحيط في البحر من غير أن يختلط، ثم يعود إلى الوراء، وفي طريق عودته يدخل معه ماء البحر ومن غير أن يختلط أيضًا، ثم يعود إلى الوراء، وهكذا من غير أن يحدث اختلاط بين الماءين، بقي أن أقول: وفوق كل ذي علم عليم.
ثامنًا: قوله تعالى ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُون﴾ ١
قال ابن كثير -رحمه الله تعالى-: "هذا مثل ضربه الله تعالى للمشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله، يرجون نصرهم ورزقهم، ويتمسكون بهم في الشدائد، فهم في ذلك كبيت العنكبوت في ضعفه ووَهْنِه، فليس في أيدي هؤلاء من آلهتهم إلا كمن يتمسك ببيت العنكبوت؛ فإنه لا يجدي عنه شيئًا"٢.
وأما التفسير العلمي فساقه الأستاذ يوسف مروة حيث يقول: "كشف بعض علماء الحشرات الألمان عن أن بعض العناكب تنسج خيوطًا دقيقة جدًّا؛ إذ إنها تنسج بيتها من خيوط، كل خيط منها مؤلف من أربعة خيوط أدق منه، وكل واحد من هذه الخيوط الأربعة مؤلف من ألف خيط، وكل واحد من
стр. 650
الألف يخرج من قناة خاصة في جسم العنكبوت، وهذا يعني أن كل خيط ينقسم إلى ٤ × ١٠٠٠ = ٤٠٠٠ خيط، وذكر بعض العلماء الألمان الباحثين في هذا الميدان أنه إذا ضم أربعة بلايين خيط "٤.٠٠٠.٠٠٠.٠٠٠" إلى بعضها لم تكن أغلظ من شعرة واحدة من شعر لحيته، مع العلم أن متوسط قطر شعر اللحية لا يتجاوز ٠.١ مليمتر؛ وبذلك فإن قطر مقطع الخيط الذي تنسجه العنكبوت يساوي ١ على ٤.٠٠٠.٠٠٠.٠٠٠ من المليمتر، وأن الكيفية التي خلق الله بها في جسم العنكبوت ألف ثقب يخرج منها ألف خيط في آنٍ واحد؛ حيث يخرج الخيط الدقيق فيتجمع كل ألف خيط في خيط أغلظ، ومن الخيوط الجديدة يتجمع كل أربعة سوية لتشكيل خيط أكبر، وهكذا تتجمع الخيوط لتنشئ مسكنًا ومصيدة للعنكبوت؛ لتدعو العاقل والعالم والمؤمن إلى التفكير في عظمة الخالق"١.
ولا شك أن ما ذكره الأستاذ يوسف من عجائب خلق الله ؛ لكن هذا يجب ألا يصرفنا عن التفكير في مدلول الآية؛ فالآية دلت على وهن بيت العنكبوت وليس على خيط العنكبوت حتى نذكر من دقته ووهنه، ووصف البيت بالوهن وهو مجموع الخيوط أبلغ من وصف الخيط الواحد بالوهن، وعلى كل فهذا ليس بتفسير للآية؛ وإنما شاهد لها، أما وهن بيت العنكبوت فظاهر بيِّن لا يحتاج إلى استدلال ولا إلى مكتشفات، والله أعلم.
تاسعًا: قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ ٢.
قال ابن كثير -رحمه الله تعالى-: "ينبه تعالى على أنه خلق جميع الناس من آدم ﵇ وأنه خلق منه زوجته حواء ثم انتشر الناس منهما"٣.
وقال الشوكاني -رحمه الله تعالى-: "قال جمهورالمفسرين: المراد بالنفس
стр. 651
الواحدة آدم، وقوله: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ معطوف على ﴿خَلَقَكُمْ﴾ أي: هو الذي خلقكم من نفس آدم، وجعل من هذه النفس زوجها وهي حواء، خلقها من ضلع من أضلاعه، وقيل المعنى: ﴿جَعَلَ مِنْهَا﴾ من جنسها، كما في قوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ ١، والأول أولى"٢.
أما الأستاذ عبد الرزاق نوفل -رحمه الله تعالى- فقد فسر الآية هنا تفسيرًا علميًّا خاطئًا، وفي مؤلفاته كثير من ذلك؛ ففسر النفس الواحدة وزوجها بالإلكترونات والبروتونات، فقال: "أعتبر اكتشاف الإلكترون أكبر نصر علمي أمكن العقل البشري أن يصل إليه حتى إنهم يطلقون على هذا العصر الذي نعيش فيه الآن العصر الإلكتروني؛ إذا يعتبر أن هذا أروع وأهم اكتشاف تميز به عصر من العصور؛ إذ أمكن الوصول إلى الجوهر الفرد وَحْدَة الخلق التي منها خلق كل شيء في الوجود: الإنسان والحيوان والماء والهواء ... الحي والجماد، والأرض والسماء، فوجد أنها وَحْدَة تناهٍ في الصغر إلى درجة لا يقبل الفكر أن يتمثلها، فقطعة الإلكترون أقل من قطعة الذرة بمائة ألف مرة، أما كتلته في حالة السكون فإن الجرام الواحد يزن ٩.٠٠٠.٠٠٠.٠٠٠.٠٠٠.٠٠٠.٠٠٠.٠٠٠.٠٠٠.٠٠٠ إلكترون، وأن هذه الجسيمات التي يتكون منها الوجود هي جسيمات متشابهة؛ أي: واحدة تمامًا، وأن منها الموجب والسالب، وهذه الحقيقة العلمية التي يتيه بها العصر الحديث قد جاء بها القرآن الكريم منذ ١٤٠٠ سنة في صراحة ووضوح؛ إذ تقرر الآية ١٨٩ من سورة الأعراف أن كل ما خلق الله إنما خلقه من نفس واحدة وجعل منها زوجها ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ أليست هذه هي البروتونات والإلكترونات ... الكهارب الواحدة موجبة وسالبة؛ أي: النفس الواحدة ... الزوجية الجنس بين موجب وسالب.
وكذلك الآية الأولى من سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ ، والآية ٩٨ من سورة الأنعام:
стр. 652
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ ، وغيرها من الآيات التي تشير إلى وَحْدَة الخَلْق"١.
ولا شك عندي أن هذا تفسير خاطئ، وقع فيه الأستاذ عبد الرزاق نوفل، ولو نظر إلى كلمات الآية لتبين له ذلك.
فالآية تنص على ﴿نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ فهل البروتونات والإلكترونات نفس؟! والخطاب في الآية ﴿خَلَقَكُمْ﴾ وفي النساء ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ ، وفي الأنعام ﴿أَنْشَأَكُمْ﴾ ، والآية تخاطب الناس -أي: البشر- وتتحدث عن خلقهم ونشأتهم فكيف يقول: كل شيء في الوجود، ويقول: إن كل ما خلق الله إنما خلقه من نفس واحدة، فمن أين جاء بهذا العموم؟!
وبقية الآية التي لم يوردها الأستاذ عبد الرزاق كاملة تقول: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ، فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ، فهل هذا ينطبق على البروتونات والإلكترونات المزعومة، سبحانك ربي!.
فلننزه القرآن الكريم عن مثل هذه التفسيرات الباطلة التي لا يحتاج بطلانها إلى ثبوت بطلان النظرية العلمية؛ بل إن الآية القرآنية نفسها تحمل في عباراتها ما لا يدل على هذه النظريات، فضلًا عن تفسيرها به.
عاشرًا: قوله تعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ ٢
قال ابن كثير -رحمه الله تعالى- في تفسيرها: "رُوي عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وغير واحد أنهم قالوا: لها عمد ولكن لا ترى، وقال إياس بن معاوية: السماء على الأرض مثل القبة؛ يعني: بلا عمد، وكذا رُوي عن قتادة، وهذا هو اللائق بالسياق، والظاهر من قوله تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَع
стр. 653
عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ١، فعلى هذا يكون قوله: ﴿تَرَوْنَهَا﴾ تأكيدًا لنفي ذلك؛ أي: هي مرفوعة بغير عمد كما ترونها، وهذا هو الأكمل في القدرة"٢.
أما التفسير العلمي فقدمه الأستاذ محمود أحمد مهدي، ذكر فيه أن الأعمدة التي تمسك هذه العوالم الضخمة هي قانون الجاذبية، فقال: "وعن هذا الإمساك تحدث العلماء أخيرًا وبعد لأي وجهد من أن الذي يمسك هذه العوالم الضخمة كلها، ويتحكم فيها قبضًا وبسطًا -بإرادة الله طبعًا- هو قانون الجاذبية ... أجل، إنها الجاذبية التي اهتدى إليها العلماء والعلم؛ ولكن بعد أن أشار إليها القرآن وبرهن بجلاء ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ وما كانت تلك العمد أو الأعمدة إلا الجاذبية التي تجذب الثقيل إلى الأثقل، والكبير إلى الأكبر"٣.
الحادي عشر: قال تعالى: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى، فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ ٤.
قال الشوكاني -رحمه الله تعالى- في تفسيره: " ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ صفة أخرى للرب؛ أي: أنبت العشب وما ترعاه النعم من النبات الأخضر ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ أي: فجعله بعد أن كان أخضر غثاء؛ أي: هشيمًا جافًّا كالغثاء الذي يكون فوق السيل ﴿أَحْوَى﴾ أي: اسود بعد اخضراره؛ وذلك أن الكلأ إذا يبس اسود، قال قتادة: الغثاء الشيء اليابس، ويقال للبقل والحشيش إذا انحطم ويبس: غثاء وهشيم ... وقال الكسائي: هو حال من المرعى؛ أي: أخرجه أحوى من شدة الخضرة والري ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً﴾ بعد ذلك، والأحوى مأخوذ من الحوة وهي سواد يضرب إلى الخضرة، قال في الصحاح: والحوة سمرة الشفة، ومنه قول ذي الرمة:
لمياء في شفتيها حوة لعس ... وفي اللثات وفي أنيابها شنب"٥
стр. 654
ومن هذا التفسير للإمام الشوكاني -رحمه الله تعالى- يظهر أن المراد بالأحوى؛ أي: الأسود بعد اخضراره؛ لأن الكلأ إذا يبس اسود؛ لكن أصحاب التفسير العلمي -أو أحدهما- قدم تفسيرًا آخر لم يسبق إليه فيما أعلم، فقال الأسيوطي الفلكي في تفسير تلك الآية: "الغثاء هو اليابس، والأحوى من الحوة؛ وهي في لسان العرب سواد إلى الخضرة أو حمرة إلى السواد، وقد كثر في كلام العرب حتى سموا كل أسود أحوى ... إذًا فتفسير ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ هو جعله بعد خضرته يابسًا أسود. وهل هناك نبات إذا جف صار يابسًا أسود؟ لا توجد -فيما نعلم- نباتات هكذا؛ إذًا فكيف أخرج الله ﵎ المرعى ثم جعله يابسًا أسود؟ كيف ومتى؟
ألا ينطبق هذا كل الانطباق على الفحم الحجري الذي تكوَّن معظمه في حقب الحياة القديمة حينما ظهرت النباتات غير المزهرة والسرخسيات بكثرة عظيمة، ثم تراكمت فوقها في بعض الجهات رواسب أخرى؛ فتحولت إلى فحم حجري مع طول الزمن وارتفاع الضغط والحرارة.
نعم هذا هو الغثاء الأحوى الذي تكلم عنه القرآن الكريم وعلله فأصاب وأوجز. قال وأصاب في وقت كانت فيه مثل هذه الحقائق غريبة على عقول البشر، قال هذا فسبق العلم بقرون عدة. أفليس هذا إعجازًا؟ بلى والله إنه نعم الإعجاز"١.
قلت: والذي قال الأسيوطي الفلكي نظرية علمية لم ترتقِ إلى درجة الحقيقة العلمية الثابتة التي يجوز جوازًا أن يشار إليها إشارة في تفسيبر القرآن، فعلينا أن نجرد تفسير القرآن الكريم من هذه النظريات العلمية التي ما تزال تتأرجح يمنة ويسرة؛ خشية أن تميل معها بعض القلوب إذا مالت، فلنتقِ الله ربنا، ولنحترم كتابه وننزله منزلته.
وليست هذه النظرية بالوحيدة، وليس هذا هو التفسير العلمي الخاطئ
стр. 655
عند المسمى "الأسيوطي الفلكي"، ففيه كثير وكثير من التفسيرات الجريئة بنظريات لا تزال مهزوزة غير ثابتة.
وبعد:
هذه بعض الأمثلة اقتبستها من بعض التفاسير العلمية، حاولت فيما ذكرت منها أن أنواع الأمثلة العلمية من علم الطب والنفس والفلك وخلق الإنسان والبحار والحشرات، أصل المخلوقات والنباتات وغير ذلك.
وكما عددت مواضيعها فقد عددت مصادرها؛ فضربت أمثلة من عدد من التفاسير العلمية في العصر الحديث؛ حتى أُعطي صورة -قدر ما استطعت- عن التفسير العلمي في العصر الحديث أبحاثه ومصادره، وفيه المقبول وفيه المردود.
أما الدراسة فيما هو أعمق من ذلك وأوسع فهو شأن دراسة متخصصة في التفسير العلمي، لا دراسة شاملة لعرض اتجاهات التفسير في العصر الحديث.
وهذا -ولا شك- لا يعفينا من ضرب أمثلة للمؤلفات في التفسير العلمي في العصر الحديث ودراستها دراسة مستقلة لنعطي صورة عن قرب لهؤلاء المفسرين بعد أن قدمنا -فيما أظن- صورة لهم مجتمعين عن بعد، وهذا أوان ذلك.
стр. 656
نماذج التفسير العلمي التجريبي في العصر الحديث:
لا شك أن هذا التفسير لو لم يُربط بينه وبين النصوص القرآنية لكان من الحديث في الأمور الغيبية بلا برهان، فكيف والأمر تجاوز هذا إلى تفسير النصوص القرآنية به، أحسب هذا أمرًا لا ينبغي من مسلم يلتزم بأحكام دينه حتى ولو كان ذا قصد سامٍ في الدعوة إلى الله، فليس هذا بالطريق الحق والله الهادي.
خامسًا: قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ، بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ ١.
قال الشوكاني -رحمه الله تعالى-: " ﴿عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ على أن نجمع بعضها إلى بعض فنردها كما كانت مع لطافتها وصغرها، فكيف بكبار الأعضاء؛ فنبه سبحانه بالبنان وهي الأصابع على بقية الأعضاء، وأن الاقتدار على بعثها وإرجاعها كما كانت أَوْلَى في القدرة من إرجاع الأصابع الصغيرة اللطيفة المشتملة على المفاصل والأظافر والعروق اللطاف والعظام الدقاق، فهذا وجه تخصيصها بالذكر"٢.
أما الأستاذ محمد إسماعيل إبراهيم فقال في تفسيرها: "تدل عبارة تسوية البنان على معنى لم يكشف العلم سره إلا بعد نزول الآية بأكثر من ألف سنة؛ حينما عرف أن لكل بنان بصمة خاصة به، تختلف فيها اتجاهات خطوطها اختلافًا واضحًا بين فرد وآخر وبين جمع البشر، وقد استخدم الإنسان هذه الاختلافات في تحقيق الشخصية عن طريق البصمات، وقد أفادت هذه الحقيقة في التعرف على الأشخاص عن طريق بصماتهم، في حالة وقوع جرائم يترك الجناة فيها بصماتهم على أي شيء تناولوه"٣.
قلت: والذي يجمع بين تفسيري السلف والعلم الحديث أن كلًّا منهما يؤكد أن تخصيص البنان بالذِّكْرِ يدل على أن مَن أعاد خلقها فهو أقدر على إعادة خلق غيرها من بقية الأعضاء، وإن اختلف التعليل عند هؤلاء وهؤلاء؛ فالشوكاني
стр. 657
حسب العلة صغرها ولطافتها ودقة عظامها، ومحمد إسماعيل عللها بأن لكل بنان بصمة خاصة به من بين جميع البشر، وفي الأمر سَعَة لتعليل الكل، والله أعلم.
سادسًا: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ١.
قال الطبري -رحمه الله تعالى- في قوله تعالى ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ : "وهذا مَثَلٌ من الله تعالى ذكره، ضربه لقلب هذا الكافر في شدة تضييقه إياه عن وصوله إليه -أي: إلى الإسلام- مثل امتناعه من الصعود إلى السماء وعجزه عنه، لأن ذلك ليس في وُسْعِه"٢.
وقال ابن كثير -رحمه الله تعالى-: "وقال ابن المبارك عن ابن جريج: ضيقًا حرجًا بلا إله إلا الله، حتى لا تستطيع أن تدخل قلبه كأنما يصعد في السماء من شدة ذلك عليه، وقال سعيد بن جبير يجعل صدره ضيقًا حرجًا قال: لا يجد فيه مسلكًا إلا صَعِدَ، وقال السدي: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ من ضيق صدره، وقال عطاء الخراساني: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ يقول: مثله كمثل الذي لا يستطيع أن يصعد إلى السماء، وقال الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ يقول: فكما لا يستطيع ابن آدم أن يبلغ السماء فكذلك لا يستطيع أن يدخل التوحيد والإيمان قلبه حتى يُدخله الله في قلبه"٣.
ذلكم تفسير السلف، أما التفسير العلمي فيقدمه الأستاذ محمد عفيفي الشيخ فقال في ذلك: "الله يقرر أن الارتفاع إلى عِنَانِ السماء يصحبه ضيق الصدر والشعور بالاختناق، وقد اكتشف العلماء أخيرًا أن ذلك بسبب نقص الضغط الجوي وكميات الأكسيجين التي تستقبلها الرئتان، وهذه
стр. 658
أمثلة من المؤلفات في التفسير العلمي التجريبي
أولا: تفسير الجواهر في تفسير القرآن الكريم
...
أمثلة من المؤلفات في التفسير العلمي التجريبي:
وعدنا سابقًا أن نقدم دراسة موجزة لستة من المؤلفات في التفسير العلمي التجريبي، وحان موعد ذلك هنا.
أولًا: تفسير الجواهر في تفسير القرآن الكريم
أولًا: المؤلف:
هو الشيخ طنطاوي جوهري، وُلد سنة ١٢٨٧ بكفر عوض الله حجازي في "الشرقية"، تلقى العلم في الأزهر ثم في المدرسة الحكومية ثم دار العلوم وتخرج فيها سنة ١٣١٠، وعُين بعد تخرجه مدرسًا في دار العلوم، وقد طُلب للقضاء فلم يقبل، وكان رئيسًا لجمعية المواساة الإسلامية بالقاهرة، وتولى رئاسة تحرير "مجلة الإخوان المسلمين" مدة، وانقطع للتأليف فصنف كتبًا كثيرة نحو ٣٠ مؤلفًا؛ منها:
١- الجواهر في تفسير القرآن الكريم، وهو موضوع بحثنا هنا.
٢- الأرواح.
٣- أصل العالم.
٤- أين الإنسان؟
٥- التاج المرصع بجواهر القرآن والعلوم.
٦- جمال العالم "دراسات في الحيوان والطير والهوام والحشرات".
٧- جواهر العلوم.
٨- جواهر التقوى.
٩- النظر في الكون بهجة الحكماء وعبادة الأذكياء.
стр. 659
١٠- الزهرة في نظام العالم.
١١- السر العجيب في حكمة تعدد أزواج النبي.
١٢- سوانح الجوهري.
١٣- ميزان الجواهر في عجائب هذا الكون الباهر.
١٤- نظام العالم والأمم.
١٥- النظام والإسلام.
١٦- القرآن والعلوم العصرية.
وتُوفي -رحمه الله تعالى- في القاهرة سنة "١٣٥٨"١.
وبالنظرة السريعة لهذه المؤلفات ندرك ميل طنطاوي إلى العلوم الحديثة واهتمامه بها اهتمامًا كبيرًا حتى غلب على تفسيره.
ثانيًا: الكتاب:
يقع هذا التفسير في خمسة وعشرين جزءًا، أضاف أضاف إليها مؤلفها الجزء السادس والعشرين على أنه ملحق لتفصيل ما أجمل فيه من العلوم الكونية والأحكام الشريعة واختلاف المذاهب فيها. وجاء في آخر هذا الجزء: تم طبع الجزء الأول من "ملحق الجواهر: تفسير القرآن"، مما يدل على أن المؤلف سيضيف إلى هذا الملحق جزءًا آخر، والذي يهمنا هنا أنه أتم التفسير؛ وعليه فإنا نستطيع القول: إنه أول تفسير علمي كامل للقرآن الكريم، ولا يزال حتى الآن لم يؤلف أحد مؤلفًا مثله في شموله لآيات القرآن الكريم، كما أنه من أوائل إن لم يكن أول تفسير كامل للقرآن الكريم في مصر في القرن الرابع عشر الهجري.
ولهاتين المزيتين اتجهت إليه الأنظار اتجاهًا بينًا؛ فلم أرَ فيما أعلم تفسيرًا حديثًا تناولته الأقلام بالدراسة والنقد حتى كاد ألا تخلو منه دراسة في علوم القرآن حديثة، مثل هذا التفسير إلا تفسير المنار.
стр. 660
سبب تأليفه:
وقبل أن تعرف سبب تأليف هذا الكتاب ينبغي أن تنظر إلى أصل القضية، وهو سبب اتجاه مؤلفه هذا الاتجاه العلمي، وهو سبب هام جدًّا لم أرَ فيما قرأت مَن أشار إليه مِن أن المؤلف نفسه يذكره نصًّا في تفسيره لهذا، ولأنه القاعدة التي أحسب أن يقوم عليها أصحاب التفسير العلمي التجريبي المتطرفون منهم خاصة؛ فإني رأيت أن أنقل هذا النص بطوله، فلعل فيه بيانًا لسبب اتجاه صاحبه وغيره ... قال:
"كنت في أول أمري مجاورًا بالجامع الأزهر، ثم قامت الحوادث العرابية ودخل الإنجليز بلادنا؛ فانقطعت ثلاث سنين عن العلم، وكنت في أثناء ذلك أزاول الأعمال الزراعية بيدي مع مَن يزرعون، وقد اعتراني مرض طويل في المعدة لازمني، وقد كان والدي في مرض أيضًا، وفوق ذلك كله كنت أفكر في هذه الدنيا وأقوال: يا ليت شعري، ألها خالق؟ وهل الأنبياء كلموه؟ إني لا أصدق إلا إذا عرفت أنا بنفسي ولا أتكل على أحد.
إن هذه الطرق الحديدية تجري عليها القطارات وليست من صنع المسلمين، فيا ليت شعري، ماذا يقول الفرنجة الذين صنعوها؟ هل لهذا العالم إله؟ أنا لا أصدق إلا إذا عرف عقلي. إن هذا العالم ليس فيه شيء من النظام. إنه مبعثر. إنه مختل معتل. إنني أرى هذه البقرات وهؤلاء الرجال والنساء وهذه الحبات من الذرة تُوضع في الأرض، وهذا الماء الجاري فيها، وهذه المحاريث التي تشق الأرض، كل ذلك غير متناسب ولا منتظم؛ فالمرأة واقفة والرجل كذلك، والمحراث ممتد مستطيل من الأرض إلى أعلى، كأنه زاوية والثوران رءوسهما إلى أمام، والرجال والنساء رءوسهم إلى أعلى، والماء يجرى على الأرض لا يرفع رأسه مثلهما، فهذه الدنيا مضطربة مرتبكة مختلفة، لا أرى فيها نظامًا ولا أحكامًا، وإذا فقد النظام والأحكام فلا إله خالق إن هي إلا أحوال متغيرة وأمور مبعثرة، ولدها الاتفاق، وأظهرتها المصادفات.
فلما أحسست بهذه الخواطر، رجعت إلى نفسي وقلت: إن العلماء في الدين يقولون: إننا ننظر للعالم العلوي والسفلي، فهأنا ذا نظرت فلم أجد إلا خللًا، ولم أَزْدَدْ إلا شكًّا؛ فلم يبقَ عندي أمل إلا في أمر واحد؛ وهو أن أوجه قلبي إلى مَن صنعني، فإن كان موجودًا
стр. 661
أجابني، وهذا هو الأمر الذي أجعله نصب عيني؛ حينئذ شمرت عن ساعدي الجِد، وأخذت أصوم بعض الأيام وأصلي بعض الليالي؛ فكنت أَجِدُ في ذلك لذة وسرورًا، وتوجهت إليه سائلًا بقلب محترق؛ ولكم قلت: يا خالق هذه الدنيا، أنا لم أخلق نفسي؛ بل وجدت أني هكذا، وأني أوجه قلبي إلى ذلك الموجود الذي خلقني، وإذا كان خالقًا لي فهو عظيم وكبير ورحيم، وإن لي جسمًا ورُوحًا؛ فلتتوجه الروح إليه ولتسأله أن أقف على الحقيقة، يا ألله، أنت خلقتني فعلمني، أوا، ومَن لي بأن أقف على هذا الوجود وسره فأكتب ما أقف عليه لمن بعدنا، حتى إذا وجد في الدنيا مَن احترق فؤاده لمعرفة هذه الدنيا رأى أمامه ما جربت من الأعمال، وما قاسيت من الأحوال؛ فيهتدي ولا يجد هذا العناء.
وصرت أطلب ذلك في الحقول وعلى شطوط الأنهار، ولكم دعوت في الخلوات، وناجيت في الصلوات في المنزل وعلى شطوط الأنهار، وتارة أحضر تفسير القرآن للجلالين، وأقرأ تفسير الألفاظ الذي كتب هناك فأقول: يا رب، هذه الظواهر لم أقف على سرها، أما اللفظ ففهمته فأين عجائب الدنيا، وبينما أنا كذلك إذ وقع في يدي كتاب جاء فيه حديث: "لقد أنزلت عليَّ الليلة آية ويل لمن قرأها ولم يتدبرها، ويل له، ويل له، ثم قرأ ﷺ : ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض﴾ ... إلخ١، ٢.
فقلت: هذا حسن، أمن هذا الباب كان دخول الأنبياء؛ فصرت أقف على شواطئ الأنهار وفي الحقول وأنظر إلى السحاب وأفكر فيه وهذا ابتداء العجب".
إلى أن قال: "ثم أخذتُ أطالع تفسير القرآن كل يوم ربعًا، وكان الجزء يتم في ثمانية أيام، وكنت أحفظ التفسير عن ظهر قلب حفظًا عقليًّا؛ ظنًّا مني أن فَهْمَهُ حرام كما كان يقال إلا بتوقيف من الشيخ، ثم أخذت أدرس ذلك أشهرًا قليلة وأنا أدعو الله فاستجاب الدعاء، ووصلت إلى الأزهر ثانيًا، وزال خطر الانقطاع منه، وأتممت العلوم التي كانت فيه على وجه التقريب، ثم دخلت إلى مدرسة "دار العلوم"، وكانت زاخرة بكل ما أريده، ووجدت فيها كل ما كنت أصبو إليه، وأنا في
стр. 662
الحقول، وكنت أتعجب أن يكون هذا في بلادنا وأنا عنه محجوب؛ فوجدت أن النفوس الإنسانية قد بحثت وفكرت، ولقد كنت أعتقد أن الدروس التي أقرؤها عبادات، وأنها خير العبادات حتى فن الرسم؛ فكنت أرسم في الدرس وأنا معتقد أنه عبادة؛ لأنه مشحذ للذهن، مقوٍّ للعلم، معلمٌ للنظام الذي كنت أبحث عنه في الحقل فلا أجده.
كل ذلك بعدما درست القرآن في الأزهر الشريف على جلة الشيوخ الكبار، ثم صرت مدرسًا في المدارس المصرية الابتدائية والتجهيزية والعالية، وكذا "الجامعة المصرية" أيضًا في قليل من الزمن. وفي أثناء ذلك كنت أختلس من الوقت ما أقدر عليه وأؤلف كتبًا؛ فبلغت الرسائل والكتب ما يقرب من أربعين، ونُشرت بين المسلمين؛ وذلك لأفي بعهدث الذي عاهدت الله عليه، ولم يكن في شيء من ذلك مني تكلف؛ بل كان الوجدان هو الذي يسوقني، وهناك تجلت في النفس أحوال تدعو إلى النشر بين المسلمين لا محل لذكرها الآن؛ وهأنذا أكتب في هذا التفسير ما يفتح به عليَّ.
أقول: وإني الآن أحمد الله إذ وصلت في التفسير إلى هذه السورة، وما كان ذلك من الميسور ولا بعضه؛ ولكن الله هو الذي أعانني، وهو الذي سهل ذلك لي، وأن أقصى ما أردته في هذه الحياة أن أتم هذا التفسير وأن ينشر، وعند ذلك أعتقد أني أديت ما أعتقد أنه واجب على دينًا ووجدانًا، وهناك أشعر بإتمام المطلوب، وأن ولوعي بنشر هذه الآراء كولوعي بمعرفتها، فأنا اليوم كنفسي من قبل يوم أن كنت صغيرًا، هنالك الاهتمام بالتعلم، وهنا الاهتمام بالنشر، وهما في النفس سواء؛ بل إني أجد القلب شديد الاهتمام بثانيها أكثر منه بأولهما.
وها هو ذا أمانة في يديك أيها الذكي، وستقرأ فيما كتبه الكاتبون من الأمة الإسلامية في الشرق والغرب، فاجعل نصب عينيك هداية المسلمين ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ".
إلى أن قال: "إن الدين الإسلامي دين حكمة وشريعة، دين يأمر يجميع العلوم، وهأنذا أديت ما عليَّ من النصح، وتركت الأمر لمن بعدنا، وسنفارق الدنيا، وسيقوم بهذا رجال ذوو عقول كبيرة نفوذ وشوكة بين المسلمين، وسيقلبون نظام الدنيا ويملئونها حُكْمًا وعدلًا، ولتعلمن نبأه بعد حين"١.
стр. 663
هذا ما قاله في تعليل اتجاهه، وهو اعتراف صريح منه بأن مبعثه كان الشك والتفكير في هذه الدنيا: أَلَهَا خالق؟ وهل الأنبياء كلموه؟ واعترف بأنه لا يصدق إلا إذا عرف بنفسه ولا يتكل على أحد!! وتساءل عن رأي الفرنجة: هل يقولون بأن لهذا العالم إلهًا؟ ثم اعترف أخرى بأنه لا يصدق إذا عرف عقله!! واستمر شكة هذا إلى أن دخل مدرسة دار العلوم، وكانت زاخرة بكل ما يريده، ووجد فيها كل ما يصبو إليه، ثم أبدى عجبه أن يكون هذا في بلاده وهو عنه محجوب، ووجد فن الرسم مقويًا للعلم معلمًا للنظام "نظام الكون" الذي بحث عنه في الحق فلم يجد! وقد صرح في موضع آخر بأنه أراد من تأليفه ألا يشك الناس في أمر هذا الوجود كما شك١.
إذًا فبسبب اتجاهه الاتجاه العلمي طلبه علاج الشك في قلبه، فهل هذا الشك هو الدافع له وحده ... ودَفَعَ غيره كما دفعه إلى طلب المانع لهذا الشك؟ وهل الاتجاه إلى العلوم التجريبية علاج للشك أم هو زيادة في الطمأنينة القلبية لمن لم شك؟
أحسب هذا وذاك وغيرهما أمورًا توزعت بين أصحاب التفسير العلمي التجريبي للقرآن الكريم؛ فمنهم مَن شك، ومنهم مَن يطلب الطمأنينة التي طلبها إبراهيم ﵇: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ٢، وهؤلاء انقسموا إلى قسمين؛ أولهما: طلب الطمأنينة في التطبيق بين آيات القرآن والحقائق العلمية، ومنهم مَن آثر طلبها من غير ربط بين هذه وتلك، وفيهم المخطئ، وفيهم المصيب، والله عليم بذات الصدور.
وعودة إلى الشيخ طنطاوي جوهري لمعرفة سبب تأليفه لهذا التفسير الكبير بحجمه وبعلومه ومعارفه؛ فقد أشار إلى ذلك في مقدمة تفسيره؛ حيث قال: "أما بعد، فإني خُلقت مغرمًا بالعجائب الكونية، ومعجبًا بالبدائع الطبيعية، ومشوقًا إلى ما في السماء من جمال، وما في الأرض من بهاء وكمال، آيات بينات،
стр. 664
وغرائب باهرات، شمس تدور، وبدر يسير، ونجم يضيء، وسحاب يذهب ويجيء، وبرق يأتلق، وكهرباء تخترق، ومعدن بهي، ونبات سني، وطير يطير، ووحش يسير، وأنعام تسري، وحيوان يجري".
إلى أن قال: "ثم إني لما تأملت الأمة الإسلامية وتعاليمها الدينية؛ ألفيت أكثر العقلاء، وبعض أجلة العلماء، عن تلك المعاني معرضين، وعن التفرج عليها ساهين لاهين، فقليل منهم مَن فكر في خَلْق العوالم، وما أُودع فيها من الغرائب!
فأخذت أؤلف كتبًا لذلك شتى؛ كنظام العالم والأمم، وجواهر العلوم، والتاج المرصع، وجمال العالم، والنظام والإسلام، ونهضة الأمة وحياتها، وغير ذلك من الرسائل والكتب، ومزجتُ فيها الآيات القرآنية بالعجائب الكونية، وجعلت آيات الوحي مطابقة لعجائب الصنع وحكم الخلق، وأشرقت الأرض بنور ربها، وتقبلها أجلة العلماء قبولًا حسنًا، وتُرجم منها الكثير إلى اللغة الهندية المسماة بالأوردية، وإلى لغة القازان بالبلاد الروسية، وإلى لغة جاوة في الأوقيانوسية؛ ولكن كل ذلك لم يشفِ مني الغليل، ولم يقم على غنائه من دليل؛ فتوجهت إلى ذي العزة والجلال أن يوفقني أن أفسر القرآن، وأجعل هذه العلوم من خلاله، وأتفيأ في بساتين الوحي وظلاله، ولكم طلبت منه ﷻ بالدعوات في الخلوات، وابتهلت إليه وهو المجيب؛ فاستجاب الدعاء"١.
إذًا فالدافع له توجيه أنظار الأمة الإسلامية إلى هذه العلوم، ولم يشفِ غليله أن يفرد هذه العلوم بمؤلفات خاصة؛ بل شفاه أن فسر القرآن، وجعل هذه العلوم في خلاله.
لهذا فإنه يدعو بكل ما أُوتي من قوة إلى الأخذ بهذه العلوم والمعارف، وإدخالها في تفسير القرآن الكريم، وينعى على العلماء السابقين الذين وجهوا عنايتهم إلى كتب الفقه وآيات الفقه، وهن لا يتجاوزن مائة وخمسين آية، وأعرضوا -كما يقول- عن علوم الكائنات التي لا تخلو منها سورة؛ بل هي تبلغ ٧٥٠ آية؟!
وقد جاوز في دعوته حد الاعتدال، وأفرط في تجاوزه حد المباح؛ فذم وعم
стр. 665
وقال ما لا يصح أن يقال، ونسب آراءه ومفاهيمه قولًا لله تعالى، فقال مثلًا: "سيقول بعض المسلمين: لقد نظرنا في النبات وعرفنا الله فإذا متنا وسألنا الله نقول: هكذا قد نظرنا وعرفناك، وأنا أقول: لكن الله يقول "!! ": النظر التام يكون بالعلم التام، فأين علمكم التام بهذه المخلوقات ولو بطريق فرض الكفاية؟ فيقول العالم المسلم: إني قرأت كتب قدمائنا كالمواقف وأمثالها، فيقال له: كلا، ثم كلا، هذه كتب وضعت لزمن غير زمانكم ولأمم غير أممكم، وليس لها مقصود إلا الرد على المبتدعة الذين ماتوا؛ فأنتهم تجادلون مع الأموات؛ ولكن المقصود إدراك العوالم لذاتها لا للجدال بها، وليس يمكنكم ذلك إلا بإشاعة هذه العلوم في دياركم؛ فيقرأ الصغار في المدارس فن الأشياء، ويقرأ الكبار نفس هذه العلوم، والعامة تبع الخاصة١.
وقال فيما قال من حديثه الذي لا نقبله ولا نرتضيه، وذلك في تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ ٢، وما بعدها من الآيات قال: "ألا تتعجب من هذه الآيات، كيف ذكر الله فيها ما يأكله الإنسان وما يأكله الحيوان وكأنه يشير بطرف خفي وحكمه إلى باطن الأمر فيقول: أيها المسلمون، أنا أمرتكم بالنظر في النبات لأجل معرفتي، وأنتم بذلك الأعلون، ولو أني اخترت لكم قراءة العلوم من طريق الحياة الدنيا لعشتم بها كما عاش الفرنجة وغلبوكم، ولكنكم أنتم الذين اخترتكم لحفظ أرضي، وقد ملأت الأرض بعلوم النبات وغيره من علوم الطبيعة، وأنتم خير أمة أخرجت للناس؛ فلتقوموا بعد قراءة هذا التفسير وأمثاله "!! " ولتأخذوا علوم الأمم المحيطة بكم، وأنتم تقصدون بقراءتها الرقي إليَّ، وأني أرقيكم أسرع من غيركم، ويكفي في الرقي العلمي عشرون سنة، كما يقوله علماء السياسة والاجتماع عندكم، فهأنذا أيها المسلمون ملأت أوربا وأمريكا واليابان بالعلم؛ فقوموا من رقدتكم، وخذوا هذه العلوم، هم قرءوها للدنيا فاقرءوها أنتم لحبي وللغرام بي ولأجل لقائي،
стр. 666
بل أنتم ستقرءونها وتعشقوني بها "!!! "١.
ونحن نرفض هذه الدعوة من الشيخ طنطاوي إلى العلوم بهذه الأساليب؛ فلا يصح أن ينسب إلى الله قولًا لم يقله حتى ولو كان يعده إشارة من طرف خفي، ولا تصح هذه العبارات؛ أعني: عبارات الغرام والعشق، فهي اصطلاحات ما أنزل الله بها في مقامه من سلطان.
وكثيرًا ما يقارن طنطاوي جوهري بين عناية العلماء بالفقه وآيات الفقه، وعدم اهتمامهم بالعلوم الكونية وآياته، ويتساءل: "لماذا ألف علماء الإسلام عشرات الألوف من الكتب الإسلامية في علم الفقه، وعلم الفقه ليس له في القرآن إلا آيات قلائل لا تصل مائة وخمسين آية؟ فلماذا كثر التأليف في علم الفقه، وقل جدًّا في علوم الكائنات التي لا تخلو منها سورة؛ بل هي تبلغ ٧٥٠ آية صريحة؟ وهناك آيات أخرى دلالتها تقرب من الصراحة، فهل يجوز في عقل أو شرع أن يبرع المسلمون في علم آياته قليلة، ويجهلون علمًا آياته كثيرة جدًّا؟ إن آباءنا برعوا في الفقه فلنبرع نحن الآن في علم الكائنات، لنقم به لترقى الأمة، فهذا الذي ينظر نظرًا سطحيًّا لآيات النظر في العالم نراه لم يكتفِ في البيع والهبة والميراث والحج والصلاة بالنظر السطحي؛ بل نراه في الوُضوء الذي هو شرط من شروط الصلاة لم يكتفِ بالنظر الظاهري؛ بل ازداد البحث فيه جدًّا في مئات المجلدات المؤلفة في المذاهب الأربعة وغيرها، أفلا ينظر المسلمون اليوم إلى علوم الدين الحقة وهي علوم الكائنات، علوم معرفة الله؟ إن علم الفقه لحفظ الأمم، وعلم الكائنات لمعرفة الله وحياة الأمم، وما به الحياة مقدَّم على ما به حفظ الحياة؛ إذ لا حفظ للحياة ولا عبادة لله إلا بعد ثبوت الحياة"٢.
وتجاوز طنطاوي دعوته إلى دراسة العلوم الكونية إلى ذم قراءة كتب لأمم مضت وانقضت بعبارة أخرى: كتب السلف، يقول مثلًا:
"وكتب التوحيد كتب أكثرها جدلية، وليس ينقذ أمة الإسلام من جهالتها
стр. 667
إلا تأليف رسائل قصيرة وطويلة، ونشرها بين العامة حتى يعرفوا ربهم ويخشوه، ومن جمع ما كتبناه في هذا التفسير استخرج منه رسائل تُنشر بين الناس بلا مشقة، فليعدل المسلمون عما هم فيه من قراءة كتب لأمم مضت وانقضت "!! " ونحن في زمان أراد الله أن يظهر نور جماله إلى الأمم الإسلامية؛ فيشرق نوره على ربوعها، ويكون ذلك مصداقًا لقوله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ ١، ٢.
أما علم الفرائض، فقال: إن دراستها فرض كفاية، وإن هذه العلوم فرض عين وقد أغفلها الجهلاء "!! " المغررون "!! " من صغار الفقهاء في الإسلام؛ حيث قال: "يا ليت شعري، لماذا لا نعمل في آيات العلوم الكونية ما فعله آباؤنا في آيات الميراث؟ ولكني أقول: الحمد لله الحمد لله أنك تقرأ في هذا التفسير خلاصات من العلوم، ودراستها أفضل من دراسة علم الفرائض؛ لأنه فرض كفاية، فأما هذه فإنها للازدياد في معرفة الله، وهي فرض عين على كل قادر، كما هو مقرر في باب الشكر للإمام الغزالي، وهي نفس علم التوحيد الحقيقي، والمعرفة والشكر يكونان على كل امرئ بقدر طاقته، إن هذه العلوم التي أدخلناها في تفسير القرآن هي التي أغفلها الجهلاء المغررون "!! " من صغار الفقهاء في الإسلام، فهذا زمان الانقلاب وظهور الحقائق"٣.
وعباراته ونصوصه في الحث على الاتجاه بالتفسير نحو طريقته كثيرة جدًّا٤، وبأساليب متعددة، وهو كثير الإشادة والثناء على تفسيره٤، وكثيرًا ما يكرر أن في تفسيره خلاص الأمة وشفاءها٤، وأنه ينبغي -بل يجب- أن يسلك المفسرون هذا المسلك، وينشروا هذه العلوم بين المسلمين؛ حتى يفوزوا وينتصروا إن أرادوا الفوز وأرادوا النصر، وتعجب إذا ما رأيته يقرر أن كتابته لهذا التفسير
стр. 668
فرض عين، ويقرر أن قراءة كتابه إما فرض كفاية لمن يقرءون العلوم للمنافع الدنيوية، وإما فرض عين على كل مَن أمكنه الازدياد من العلوم١.
ولهذا فلا عجب أن يكون بعض هذا دافعًا له إلى سلوك منهج التفسير العلمي التجريبي في القرآن الكريم، وأن يكون أحد -بل أول- مطبقيه تطبيقًا كاملًا على آيات القرآن الكريم كلها في هذا القرن الرابع عشر.
تاريخ تفسيره:
نص في مقدمة تفسيره على بداية تناوله للتفسير بقوله: "وكان ابتداء التفسير إذ كنت مدرسًا بمدرسة دار العلوم، فكنت أُلقي بعض آيات على طلبتها، وبعضها كان يكتب في مجلة الملاجئ العباسية، وهأنذا اليوم أوالي التفسير مستعينًا باللطيف الخبير"٢، وهذا يدل على أنه بدأ فيه بعد سنة ١٣١٠هـ، وله من العمر ٢٣ سنة.
طريقته في التفسير:
يبدأ المؤلف تفسير كل سورة بمقدمة يذكر فيها ما للسورة من أسماء، مكية هي أو مدنية، وعدد آياتها، وترتيبها في النزول، وأحيانا صلتها بالسورة التي قبلها، وهذا كله في أسطر قليلة جدًّا.
ثم يقسم السورة إلى أقسام؛ كل قسم يتكون من عدد من آيات السورة، وغالبًا ما يفرد البسملة في أوائل كل سورة بقسم خاص هو القسم الأول، وأحيانًا يسميه الفصل الأول، وأحيانًا مبحث في التسمية، ثم يتبعه بالقسم الثاني، وفيه التفسير اللفظي لآيات هذا القسم، وهو تفسير لفظي مختصر جدًّا أقرب ما يكون لتفسير الجلالين، ثم يتبعه بما يسميه "لطائف هذا القسم"، وأحيانًا يسميها أبحاثًا، وأحيانًا جواهر، وأحيانًا حكايات، وأحيانًا يضع عنوانًا خاصًّا بما تحته من أبحاث، ويفعل في القسم الثالث وغيره ما فعله في القسم الثاني. وفي
стр. 669
نهاية السورة يكتب تذييلًا لتفسير السورة وتحته فصول، وأحيانًا يضع لطائف عامة آخر السورة لكل أقسامه، وكل هذه الأبحاث ما عدا التفسير اللفظي مليء بالأبحاث العلمية التجريبية البحتة، موضحة بالصور والتفصيل الدقيق.
وكثيرًا ما يذكر في هذه الأبحاث الأحداثَ التي تقع له في حياته اليومية١، وما يراه في منامه٢، وأحيانًا خيالات يتحول بها من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح؛ فيلتقي بروح البصيرة فيحدِّثها وتحدثه الأمر العجاب٣، وأحيانًا كثيرة يسميها إلهامًا أو نفحة ربانية وإشارة قدسية وبشارة رمزية أُمر به بطريق الإلهام٤ "!! " بل أحيانًا يختلط عليه الأمر فلا يدري عما كتبه حُلْم هو أو حديث نفس أو إلهام٥.
وهو إضافة إلى كثرة توضيحه لأبحاثه العلمية يُورد صورًا كثيرة للأفلاك٦ والكواكب٧ والشمس٨ والقمر٩ والسديم١٠ والمياه١١
стр. 670
والأشجار١ والأحجار٢ والحيوانات٣ والحشرات٤ والأسماك٥ والإنسان٦ والنباتات٧ والجراثيم والميكروبات٨ وأجزاء الإنسان؛ كالبصمات٩ والعين١٠ والأذن١١ والجهاز الهضمي١٢ والديدان١٣ والطيور ١٤، ويضع الجداول العلمية الرياضية ١٥ والكيميائية والفيزيائية١٦ والفلكية١٧ والخرائط الجغرافية١٨ والصناعات والمخترعات الحديثة١٩.
أما ما يستشهد من الآراء والأقوال، فإضافة إلى رؤاه وأحلامه في اليقظة والمنام وما يعده إلهامًا فهو يستشهد بأقوال علماء الشرق والغرب في القديم