وأورد في الجزء الثالث: الباب الثالث: في تفسير الآيات الشريفة المتضمنة لذكر النباتات، وسنذكر مثالًا من كل باب إن شاء الله تعالى.
نماذج من تفسيره:
من الباب الأول الخاص بالحديث عن الحيونات تحدث عن دابة الأرض التي دلت على موت سليمان ﵇ وذلك في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ ١.
قال عن الدابة: "وهذه الدابة هي السوس؛ أي: سوس الخشب، من رتبة الحشرات، فلا يمكننا أن نذكر في شأنها كلامًا عامًّا، وعددها كثير جدًّا؛ لأنه يدخل تحتها أكثر من خمسين ألف نوع، وحياة الإنسان لا تكفي لدراستها جيدًا بمفردها، وهي إحدى الرتب المهمة بسبب تنوع أشكالها ولطاقة ألوانها، خصوصًا الخصال والقوى الإلهامية الخاصة بكل نوع، وتقسميها إلى أقسام ثانوية مؤسسة خصوصًا على صفات متخذة من جهازها الفمي وأجنحتها وأربطتها وقرونها وانقلاباتها؛ منها الحشرات ذات الأجنحة الشبكية، والنمل الأبيض ينسب لهذا القسم، ومنها الحشرات ذات المنقار وذات المنقاب؛ أي: الآلة التي تنقب بها هذه الحشرات النباتات لإحداث العفص، ومنها الحشرات ذات الأجنحة القشرية، وأبدان هذه الحشرات لها ستة أرجل، وتقرض أوراق الأشجار والأزهار والجذور والأزرار والحبوب وتحدث إتلافًا، ومنها ما يقرض الجوخ والأقمشة التي من الصوف والفراء، ومنها دودة القز، ومنها الحشرات الجناحية النصف، وهذه الحشرات دودة الصبغ ودودة البلوط والبق وحشرة الملك وسوس الخشب المسمى بالدابة وسوس القمح وجنس القمل والقمل والحشرات الماصة كالبرغوث ونحوه، ومنها ما سبق الكلام عليه؛ مثل: النمل والدراريح والنحل وغير ذلك"٢.
ومن الباب الثاني الخاص بالحديث عن السماوات والأرض، تحدث عن الصواعق والكهربائية، وذلك عند تفسيره لقوله تعالى:
стр. 702
﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ ١.
أسوقه بنصه لترى أن ليس ثمة صلة بين ما قاله وبين التفسير، ولئلا يحسب أني حذفت منه ما يصح تسميته بالتفسير قال:
"قال المفسرون: نزلت هذه الآية في عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة أخي لبيد بن ربعية، أتيا النبي ﷺ يخاصمانه ويجادلانه ويريدان الفتك به، فقال أربد بن ربيعة أخو لبيد بن ربيعة: أخبرنا عن ربنا أمن النحاس هو أم من الحديد؟ فردعهم النبي ﷺ ، ودعا على أربد بما يلحق بالحديد، وعلى عامر بغُدَّة، ثم إنه لما رجع أربد أرسل الله عليه صاعقة فأحرقته، ورُمي عامر بغُدَّة كغُدَّة البعير ومات في بيت سلولية. وههنا نذكر الآثار الجوية النارية، فنقول:
"الآثار الجوية النارية": قد زاد بسبب هذه الآثار في الأزمنة السالفة اندهاش الناس وخوفهم، إما من التلف الذي يتبع ظهورها، وإما من الضوء الساطع الذي ينتشر منها، وإما من عظمها المهول مع تدميرها الأشياء معًا، وطالما صدرت خرافات وتوهمات فاسدة في منشأ الرعد والأضواء الشمالية؛ أي: الفجر الكاذب، والذي تقدم ذكره والأكر النارية.
"والكهربائية الجوية والصاعقة والرعد": هذا السائل وجده أرسطاطاليس في قطعة كهرباء، وسماه بهذا الاسم، وهو نوعان كالمغناطيس، والجو يحتوي دائمًا على مقدار من هذا السائل يختلف قلة وكثرة، فإذا كان الهواء ساكنًا والسماء مصحية كانت كهربائية الجو زجاجية، وتغير حالتها كل مرتين؛ فقبل طلوع الشمس بزمن قليل تكون في غاية ضعفها، ثم تتزايد بسرعة وتصل إلى غاية قوتها الأولى نحو الساعة الثامنة الفلكية؛ أعني: قبل الظهر بأربع ساعات في الشهر الثالث من الربيع، ثم تأخذ في الضعف شيئًا فشيئًا، وبعد الزوال بساعتين يكون الاستشعار بها قليلًا؛ أعني: أنها تكون زائدة في الضعف جدًّا، وفي الساعة الرابعة
стр. 703
تقريبًا تكون في غاية ضعفها، ثم في المساء بعد مغيب الشمس بساعة أو ساعتين تكون قوتها كهي في الصباح؛ أعني: في غاية قوتها، ثم تأخذ في التناقص أولًا بسرعة، ثم تبطئ حتى تصل إلى غاية ضعفها الثاني، وهذا التغيران يشاهدان السنة كلها حتى في زمن الغيم، غير أن قوتهما تختلف باختلاف كثرة الغمام وسمكه، وكهربائية الصيف أقوى من كهربائية الشتاء بمرتين، والغالب أنها في جميع الأشهر تزيد أو تنقص على طريقة النسبة المستقيمة لارتفاع الشمس على الأفق، وثبت من المشاهَدات أن العواصف تكون أقوى وأكثر في زمن القمر الجديد والامتلاء منها في أوقات الربيع.
"في النسبة الكهربائية": وليس هناك نسبة بين كهربائية الجو وثقله وحرارته بخلاف رطوبته؛ فإن لها بها نسبة عظيمة؛ لأن غايتي ارتفاع الكهربائية تكونان في الوقت الذي يكون يه الهواء متحملًا لمقدار عظيم من الرطوبة، ومتى تكاثف البخار المائي المتحمل له الجو، وسقط على هيئة مطر أو ثلجٍ أو برد؛ فإنه يتكهرب بكهربائية تزيد جدًّا عن كهربائية الجو إذا كان الزمن هادئًا وصحيًّا.
"في بيان الكهربائية": ثم إن كهربائية الماء الجوي تارة تكون زجاجية، وتارة راتنجية ككهرباء الهواء، وتكون أيضًا في الصيف أعظم منها في الشتاء.
"تنبيه" اعلم أن المغناطيس سيال واحد؛ ولكن جعل الله تعالى فيه خاصيتين: إحداهما جنوبية والأخرى شمالية، وجعل تعالى السيال الكهربائي متنوعًا إلى نوعين: أحدهما زجاجي والآخر راتنجي على حسب تسلطنه في أفراد المعادن، وأيضًا هو سار في السائلات الجوية، ويكون على حسب تجمعه وقوته زجاجيًّا أو راتنجيًّا؛ وذلك إذا سح المطر مرتين وتخلل بينهما زمن قليل فإنه قد يتفق أن أحدهما يتكهرب بكهربائية مخالفة لكهربائية الآخر، وإن كان متساويين في الشدة، ويندر جدًّا وجود أمطار غير مكهربة، ولا يشاهَد ذلك إلا في الأمطار التي تحصل في المسافة التي تخلل بين سحتي مطر مختلفتي الكهربية أو حينما يكون المطر خفيفًا.
"في بيان الضباب": الضباب الرطب يكون عمومًا أقل كهربائية من
стр. 704
الضباب البارد الجاف، وزجاجية الثلج أكثر من راتنجيته، ولم تعرف إلى الآن الحالة الكهربائية للبَرَد -بفتح الراء-.
"في كهربائية الغمام": قد اعتبرت الغمامة الكثيفة الحاملة للعواصف جسمًا واحدًا يتراكم على سطحه مقدار مخصوص من السائل الكهربائي المنتشر في الفضاء المعرَّض لتأثير هذه الغمامة، ولعل ذلك هو الذي يحدث شكل هذه الكتل المتكونة من الأبخرة الحوصلية المائية، فثبت بموجب ما ذكر أن الجو يكون دائمًا مكهربًا، ومثله في ذلك الغمام، وأنه يمكن أن كهربائية إحدى سحابتين قريبتين لبعضهما تكون مخالفة لكهربائية الأخرى.
"في تداخل السحاب في بعضه": إذا كان الهواء مضطربًا، ولم يكن لكتلته إلا اتجاه واحد؛ فإن السحب تنجذب بالريح وتتبع اتجاهه، ولا يحصل بينها وبين بعضها ملامسة ولا معارضة ولا اختلاط، أما إذا تقلب الجو برياح متعارضة فإنه يشاهَد إذ ذاك شرر كهربائي واضطراب وانزعاج متى تقاربت السحب لبعضها حتى تتجاذب؛ أي: يدخل كل منها في سلطنة جذب الأخرى؛ فحينئذ يشقق البرق والسحابة العاصفة ويسمع الرعد، وكثيرًا ما يشاهَد سير طبقات من السحب في اتجاهات متعارضة، أو أن تلك الطبقات تأتي من السماء من مواضع مختلفة وتنضم بعد ذلك في محل واحد، ومن هذا المحل تظهر العواصف، وذلك عقب تأثير الغمام على بعضه بيسير.
"في الغمامة الصاعقية": قد يشاهَد أحيانًا على الأفق غمامة مظلمة مسودة تبقى واقفة جزءًا من النهار، وتكون السماء في غير هذا الموضع نقية مصحية، ثم يتجه الريح نحو تلك الغمامة الصاعقية وتتقدم نحو السمت حتى تصل إليه بسرعة، وتغطي الكون ببرقع معتم، وتسير مسبوقة بالرياح والبرق والرعد، ومتبوعة بالأمطار الوابلة والبَرَد -بفتح الراء- الذي ينتشر ويتدحرج في ممرها.
"في كهربائية الأرض ونزول الصواعق": قد ثبت في الأرض مكهربة كالهواء؛ ولكن يقال: هل كهربائيتها من نوع كهربائية الهواء؟ أقول: المقرر خلافه؛ فإن علماء الهيئة ذكروا أن كهربائية الهواء في الغالب تكون زجاجية بخلاف كهربائية
стр. 705
الأرض فإنها راتنجية، فإذا انقطعت الموازنة بين هذين السائلين، وانجذب بموجب أسباب مخصوصة في محل ما مقدار كبير من أي نوع كان من الكهربائية حصل في الموضع المقابل لذلك المحل تراكم كهربائية مخالفة في الاسم للأولى، والغالب تولد العواصف من هذا الحادث، فإذا كان في شدة قوته فإن الشرر المنقذف من الغمام جهة الأرض أو من الأرض جهة الغمام يحصل الموازنة بينهما ثانيًا، وهذا هو أصل الصاعقة الصاعدة والصاعقة النازلة التي هي مهولة مخيفة؛ بسبب ما يحدث عنها من الإتلاف والإهلاك المدهش الغريب، كيف لا وهي صورة تتشكل بأشكال غريبة مخالفة لبعضها ولم تصل العلوم إلى الآن لتوضيحها.
وبعد ذَهاب الريح العاصف والصاعقة يظهر كأن الكون اكتسب قوة جديدة، وتعظم قوة الحيوانات وتشتد، وتزيد حيويتها، ويحسن الإنبات، وتصير الروائح العطرية للأزهار أقبل وألطف، وبالاختصار يظهر كأن الكائنات كلها حظيت بحياة جديدة قوية.
وقد غلط من ظن أن أصوات النواقيس ولغط طلق المدافع يشتت الصواعق؛ إذ الغالب أن الحركة المنطبعة في الهواء من اهتزازات الأجسام الرنانة تجذب هذه الصاعقة إليها، وإنه كثيرًا ما يحصل أن الصاعقة تصيب أبراج النواقيس وتهدمها زمن ضربها، وتحرق السفينة زمن طلقها مدافعها، ومما يشتت الصواعق القوية جدًّا المطر الغزير الذي هو موصل جيد للسائل الكهربائي؛ فيحصل موازنة بين الأرض والجو، ولم يعرف إلى الآن سبب لغط الصاعقة والرعد، هل ذلك بمجرد قعقعة منعكسة من الغمام، أو تتابع أصوات متواصلة بينها وبين بعضها مسافة قصيرة، أو أن ذلك من مصادمة الهواء الذي يتكون فيه وقت حصول الصاعقة خلو؛ بسبب اتحاد كتلة عظيمة من السائل الناري؛ حيث يحصل ذلك في الطبقات المرتفعة من الجو، أو أن ذلك من مصادمة الهواء لشرر كهربائي، اجتاز فيه بسرعة قوية، وحيث إن حالة اهتزازاته الرنينة وسَعَتها وشدتها تكون على حساب قوة هذا الأثر المهول؟ والذي يظهر لي أن الأخير هو القريب للعقل"١.
هذا هو كل ما قاله في تفسيرها، فهل تراه كذلك؟!
стр. 706
الزوج البهيج:
ومن الباب الثالث الخاص بذكر النباتات فسر قوله تعالى: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ ١ بقوله:
"قال تعالى: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ إشارة إلى ما تقطف ثماره ويثمر من غير زراعة في كل سنة، وإلى ما يزرع ويقطف في كل سنة؛ فكأنه تعالى خلق ما يقطف كل سنة ويزرع، وما لا يزرع كل سنة ويقطف مع بقاء أصلهما، ولولا التأبير العام في النبات لم يثمر، فالله تعالى هو الذي قدَّر ذلك لذلك؛ فجعل أعضاء التناسل منضودة بالطلع فوق بعضه، وجعل الأكمام وقاية لها ونعمة للعباد.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ المراد بالبهيج: الحسن، فالأكمام مركب كل منها من النوار؛ أي: الزهر المسمى بالتويج والكأس، وفيه مباحث:
"المبحث الأول في الغلافات الزهرية": الأعضاء -التي تقدم الكلام عليها- محيطة بغلافين؛ هما: الزهر والتويج، فالغلاف الزهري يسمى بسيطًا إذا لم يكن مكونًا إلا من غلاف زهري واحد، ويسمى مزدوجًا إذا كان مكونًا من الكأس والتويج، ومتى كان الغلاف الزهري بسيطًا فالغلاف الذي يفقد هو التويج دائمًا؛ لأن النباتيين يسمون الغلاف الموجود بالكأس على أي حال كان لونه وشكله وقوامه؛ وحيث إنه لا يوجد للنباتات ذات الفلقة الواحدة إلا غلاف بسيط واحد يمكن أن يقال: إن النباتات المذكورة عديمة النوار -أي: التويج- ومع ذلك فقد يتفق أحيانًا أن النباتات ذات الفلقة الواحدة يظهر أن لها غلافين زهريين؛ لأن التقاسيم المكونة لغلافها تكون على هيئة حراشيف صغيرة موضوعة صفين، تنشأ من الجزء الظاهر للذنيب الزهري.
"المبحث الثاني في التويج": التويج: الغِلاف الزهري الأكثر قربًا من أعضاء التناسل، وقوامه رخو، ولونه مختلف جدًّا، وفي بعض الأحيان تكون له ألوان جميلة بهية، ومكثه قليل للغاية جدًّا، وغالبًا يزول متى ابتسم الزهر. وفيه أمور:
стр. 707
"الأول: في تركيب التويج": يتكون التويج من وريقات تويجية، وسبب تسميتها بالوريقات كثرة مشابهتها للأوراق، وكل وريقة تويجية مكونة من جزأين؛ وهما: الظفر والصفيحة، فالأول يقابل ذنيب الورقة، والثاني يقابل قرصها، فالظفر هو الجزء السفلي المستضيق غالبًا، وهو الذي تلتصق بواسطته الوريقة التويجية في الحامل الزهري، والصفيحة هي الجزء العلوي المستعرض، ذو الشكل المختلف، وهو يعلو الظفر.
"الثاني: في الوريقة التويجية العديمة الظفر": أحيانًا لا يوجد الظفر في الوريقات التويجية؛ فيحنئذ تسمى وريقة التويج بعديمة الظفر؛ أي: بعديمة الذنيب، وقد يكون الظفر طويلًا أو قصيرًا أو مسطحًا أو قنويًّا، ولا فائدة لنا في تفسير هذه التسميات؛ لأنها واضحة، ولها أسماء مختلفة أيضًا تعرف بها الأوضاع المختلفة للوريقات التويجية، وكذا شكلها، فمثلًا يمكن أن تكون قائمة أو منبسطة أو مائلة إلى الداخل وإلى الخارج أو مقعرة أو على هيئة قلنسوة أو مهمازية أو غير ذلك.
"الثالث: في ذي الوريقات الكثيرة": عدد وريقات التويج يكون مختلفًا جدًّا؛ ولأجل بيانها تستعمل أسماء مخصوصة لها فيقال مثلًا: إن التويج ذو وريقتين أو ثلاثة أو أربعة وهكذا، فيسمى بالتويج ذي الوريقات الكثيرة، وقد يكون التويج ذو الوريقات الكثيرة منتظمًا؛ أي: مكونًا من وريقات تويجية متساوية موضوعة بانتظام حول أعضاء التناسل، وفي هذه الحالة يكتسب أشكالًا تخدم لتمييز بعض فصائل عن بعضها، كما في وريقات الفصيلة الوردية والقرنفلية والصليبية، وقد يكون غير منتظم كوريقات تويج القسم الفراشي من الفضيلة البقولية.
"الرابع: في التويج الوردي": يسمى التويج ورديًّا إذا كان مكونًا عادة من ثلاث وريقات إلى خمس، أظافرها قصيرة جدًّا، وصفيحتها منبسطة على شكل وردة، وهذا الوصف العام خاص بجميع النباتات التي تُنسب إلى الفصيلة الوردية.
"الخامس: في التويج القرنفلي": يسمى التويج بهذا الاسم إذا كان مركبًا من خمس وريقات ذات أظافر طويلة، ومغطاة نحو قاعدتها بالكأس، وفي هذه
стр. 708
الحالة تكون صفائح وريقات التويج منبسطة على هيئة وردة، كما في القرنفل البستاني، وجميع نباتات الفصيلة القرنفلية.
"السادس: في التويج الصليبي": يسمى التويج صليبيًّا إذا كان مكونًا من أربع وريقات ظفرية موضوعة على هيئة الصليب كما في الفصيلة الصليبية.
"السابع: في التويج الكثير الوريقات غير المنتظم": يكون التويج غير منتظم إذا كان مكونًا من خمس وريقات غير متساوية، لها أشكال مختلفة، ويدخل تحته التاج الفراشي، وذلك التويج يقال: إنه فراشي إذا كان مكونًا من خمس وريقات غير منتظم شكلها، شبيه بالفراش الذي تكون أجنحتها منبسطة، وهذا النوع يشاهَد في الفصيلة البقولية، ويسمى غير منتظم إذا كان ولم يمكن نسبته إلى التويج الفراشي، وفي التويج ذو الوريقات الكثيرة تسقط الوريقات التويجية كل واحدة على حدتها أو يقال: إن سقوطها بهذه الكيفية هي الحالة الأغلبية"١.
وهكذا يذكر أنواع التويج، وذكر في المبحث الثالث الكأس؛ وهو الغِلاف الظاهر للزهر، وذكر فيه أبحاثًا كثيرة متشعبة.
رأيي في هذا التفسير:
إذا ما ذهبنا نقارن هذا التفسير بالتفسير الذي سبقه وجدنا هذا الأخير يمتاز بأنه لا يدعو ولا يلح إلى هذا الاتجاه في التفسير، وأمر آخر أهم من هذا أنك تجد في مواضع منه نكهة التفسير؛ فتجد الروايات من السنة، وتجد القراءات في الآية الواحدة، وتجد أقوال المفسرين السابقين في الآية، ومن الفروق أيضًا أن هذا الأخير لا يعتد بتلك الخيالات والأوهام والمنامات الكثيرة الحق منها والباطل ولا يزعم إلهامًا، ومنها خلو هذا التفسير من المصورات للنباتات والحيوانات والبشر وغير ذلك، ومنها عدم اعتماده فلسفات الأمم الكافرة في القديم والحديث، ومنها أن هناك من الآيات ما يفسر تفسيرًا لا تكاد فيه ما تنكره.
стр. 709
ومع هذا، فإن هذا التفسير مغرق في الاتجاه العلمي، وإذا ما نظرت في فهرس هذا الكتاب بأجزائه الثلاثة لا يظهر لك أنه كتاب في التفسير إلا بتمهل، فإذا قلبت صفحاته ازددت شكًّا حتى تقع على أول كل بحث؛ فتجد فيه ما يدل على أنه كتاب في التفسير، وإليك شاهدًا لما أقول فهرسًا لأحد الأبحاث.
المقالة "السادسة عشر" في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ ، وفيه مسألتان في كيفية القراءات:
المسألة الأولى: في الزيادة، وفيها مباحث تسعة
الأول: في ذكورة الجنين.
الثاني: هل يمكن بالاختيار أن المتجامعين يولدان أحد النوعين؟
الثالث: في بيان علامات الحمل.
الرابع: في العلامات العقلية في ظواهر الحمل.
الخامس: في انقطاع الحيض.
السادس: في انتفاخ البطن.
السابع: في بيان الحركات الذاتية للجنين.
الثامن: في الحمل المضاعف.
التاسع: في بيان الحبل على الحبل.
المسألة الثانية: في قوله تعالى ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَام﴾ ، وفيه مباحث سبعة:
الأول: في سيلان الحيض.
الثاني: في اندفاع الطمث.
الثالث: في سير الطمث وكمية الدم.
الرابع: في أسباب الطمث ودوريته.
الخامس: في بيان مجلس الحيض.
السادس: في انقطاع الطمث في سن اليأس.
السابع: في العلوق الفاسد، وفيه أنواع:
- الأول: في البذور الكاذبة.
стр. 710
- الثاني: في بيان المضغ اللحمية.
- الثالث: في بيان المضغ الحوصيلية١.
هذا مثال واحد لأحد أبحاثه، يكاد القارئ يجزم أنه كتاب في طب النساء والولادة، وهكذا أبحاثه الأخرى بحث في الفلك، وبحث في النبات، وبحث في المعادن، ولا شك أني كما رفضت طريقة الشيخ الجوهري فإني أرفض أيضًا طريقة هذا التفسير؛ لما فيه من الإغراق المذموم في المسائل العلمية، وطغيانها على المعاني المتعلقة بالآية المباشرة من التفاسير الصحيحة.
وإنما أطلت في هذا التفسير -قليلًا- لأني لم أجد أحدًا كَتَبَ عنه إلا مجرد إشارة لا تتجاوز أسطرًا فيما أعلم.
стр. 711
ثالثًا: الكون والإعجاز العلمي للقرآن
أولًا: المؤلف
هو الدكتور منصور حسب النبي، أستاذ ورئيس قسم الطبيعة بكلية البنات بجامعة عين شمس، ولم أجد له ترجمة.
ثانيًا: الكتاب
هو الكون والإعجاز العلمي للقرآن، عدد صفحاته ٣٩١.
وقد قسَّم المؤلف كتابه إلى ستة أبواب؛ تحدث في الباب الأول عن وجود الله ووحدانيته، وفي الباب الثاني عن دستور الكون ويقصد به نظام الكون، وتحدث في الباب الثالث عن المجموعة الشمسية، وفي الرابع عن كوكب الأرض، أما الباب الخامس فتحدث عن النجوم والمجرات، وفي الباب السادس والأخير عن الكونيات.
وقد أبدى المؤلف عجبه في مقدمة كتابه من المهاجرين للتفسير العلمي حاليًا بدعوى أن العلم يتغير، وهذه مغالطة؛ لأن العلم الصحيح لا يتغير؛ لأنه نتيجة لحقيقة ثابتة ثبوتًا قطعيًّا١.
والذي أعتقده أن المؤلف أخطأ الفَهْم هنا؛ فلا أحد ينكر أن "العلم الصحيح" لا يتغير؛ ولكن إلى أن يصل إلى هذه الدرجة لم يزل متغيرًا متقلبًا، وهو في هذه الحالة يسمى نظرية، وفي حالة الاستقرار الصحيح يسمى حقيقة علمية. فهل يعتقد المؤلف أن العلم في القرن العشرين وصل كله إلى درجة الحقيقة العلمية؟!
стр. 712
لا أظن جوابه إيجابًا إذ هو يخالف الواقع، وإذا ما أجاب بالسلب قلنا: إن المهاجمين للتفسير العلمي يهاجمون الذين حشروا مؤلفاتهم بالعلم في درجته المتقلبة "النظرية"، وربطهم هذا المتأرجح يمنة ويسرة بالقرآن الكريم الثابت الراسخ.
وهو نفسه يتناول في تفسيره نظريات علمية لم تستقر، فهل يرى أو يعتقد ان هذا هو العلم الصحيح؟
اقرأ له عن حديثه عن المكان والزمان بين العلم والقرآن، وتأمل في لفظة "تعيين" التي يكررها وليست تقدير. قال مثلًا: "ولقد استخدم العلماء بعض المواد المشعة كاليورانيوم والكربون "١٤" لتعيين عمر الأرض وعمر الحياة على الأرض، كما استخدم العلماء ظاهرة تمدد الكون وإتساعه المتواصل لتعيين عمر الكون"١.
ثم انظر للجدول الذي وضعه للحوادث الكونية وزمنها، مع اعترافه بأنه زمن تقريبي، وأنه طبقًا لتصورات العلم الحديث؛ ومن هذه التواريخ التي ذكرها أن انفجار كرة الكون الأولية "البيضة الكونية" بيج بانج "!! " منذ ١٣ بليون سنة، وسلسل الأحداث إلى أن وصل إلى تكون الأرض بكتلتها الحالية منذ ٤.٥ بليون سنة. أما ظهور الإنسان في هذا الجدول منذ فترة تتراوح بين ١١ و٣٥ ألف سنة١.
العجيب حقًّا أن المؤلف يُورد هذا عند تناوله لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ ٢، وقوله سبحانه: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّون﴾ ٣.
ومرة أخرى يقول في تفسير آخر: "ويحتوي جوف الأرض على الحديد،
стр. 713
فلقد أثبتت جميع البحوث بأن لب الأرض مكون أساسًا من الحديد والنيكل، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ ١.
ولقد ثبت فعلًا أن الحديد أحد العناصر التي توجد في الشمس بوفرة، وذلك بواسطة التحليل الطيفي الحديث، وبهذا يتضح دقة التعبير في الآية الكريمة في فعل "أنزلنا"؛ حيث نزل الحديد من الشمس إلى الأرض"٢.
والكتاب مليء بالشواهد على ما ذكرنا، ومليء أيضًا -كتفسير الجواهر- بالصور العلمية، ويشترك مع ما سبق في الحكم، والله أعلم.
стр. 714
رابع: مع الطب في القرآن الكريم
...
رابعًا: مع الطب في القرآن الكريم
أولًا: المؤلف
اشترك في تأليف هذا الكتاب الدكتور عبد الحميد دياب والدكتور أحمد قرقوز.
ثانيًا: الكتاب
هو مع الطب في القرآن الكريم، صدرت الطبعة الأولى سنة ١٤٠٠ في ٢٠٨ صفحة.
والطريف أن هذا الكتاب أعدَّه المؤلفان لنيل إجازة دكتور في الطب وليس في التفسير.
ومع أن المؤلفين ينصان نصًّا: "إننا راعينا في البحث عدم تحميل الآيات القرآنية أكثر مما تحمل، وتجنبنا تطويعها للمعطيات العلمية، كما لم يكن البحث محاولة لتفسير الآيات القرآنية بنتائج العلوم الحديثة، إلا إذا كانت الآية قاطعة الدلالة، وكانت المعطيات العلمية حقائق ثابتة أيضًا"١.
إلا أنهما أحيانًا ينسيان هذا الالتزام؛ فيفسران الآية بما لا تدل عليه دلالة قاطعة بغض النظر عن كونه حقيقة أو نظرية علمية، نضرب لذلك مثلًا ما ذكراه عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى، مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾ ٢.
стр. 715
فقالا: "تحوي البيضة الملقحة التي سيتشكل منها الجنين ٢٢ زوجًا من الصبغيات الجسمية مع زوج من الصبغيات الجنسية، وتأتي هذه الصبغيات من اجتماع بويضة الأنثى التي تحوي دائمًا "٢٢ صبغي جمسي + الصبغ الجنسي x".
ومن نطفة الرجل التي تحوي "٢٢ صبغي جسمي + صبغي جنسي إما x أو y"؛ لأن نصف نطاف الرجل تحوي الصبغي "x" ونصفها تحوي الصبغي "y". أما بويضة الامرأة فدائمًا تحمل الصبغي الجنسي "x"، فإذا اتحدت البيضة مع نطفة حاوية على الصبغى الجنسي "x" كان الجنين أنثى، وإذا اتحدث مع نطفة حاوية على الصبغى الجنسي "y" كان الجنين ذكرًا؛ أي حسب المعادلة:
نطفة "y" + "بويضة "x" = "x y" ذكر
نطفة "x" + بويضة "xx" = "x" أنثى
فنطاف الرجل إذًا هي المسئولة عن تحديد الجنس؛ لأنها تحمل الأشكال المتغايرة من الصبغيات الجنسية، وهذا ما ذكره قبل أربعة عشر قرنًا حين قال: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ "١.
هذا ما قالاه، والحق أني لم أجد أي دلالة أو إشارة في الآية على هذا، فضلًا عن أن يكون له دلالة قاطعة، كما ذكرنا آنفًا.
ونذكر مثالًا آخر نحو هذا، ما قالاه عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَعِنَبًا وَقَضْبًا﴾ ٢.
قالا: "العنب فاكهة واسعة الانتشار في العالم، وتشكل جزءًا أساسيًّا من راتب معظم السكان الغذائي، وأهم ما يميز هذه الفاكهة الطيبة هو احتواؤها على سكر العنب "غلوكوز" بنسبة عالية حتى سُمي باسمها، وسكر العنب هو شكل بسيط للسكاكر، تمتصه الأمعاء بسهولة كبيرة، ويدخل مباشرة في عمليات
стр. 716
الاستقلاب دون تغير أو تحول؛ بل إن باقي السكاكر يلزمها أن تتحول إلى سكر عنب في الجسم؛ حتى يمكنه الاستفادة منها في تزويد الجسم بالطاقة والقدرة، ويشذ عن ذلك سكر الفواكه "فركتوز" الذي يمكنه ذلك"١.
وهذا القول -كسابقه- لم أجد في الآية دلالة عليه إلا من باب الدلالة التي يفهمها أولئك.
وكذلك لا ترد في القرآن كلمة الشمس مثلًا إلا ويذكر هؤلاء بُعدها وعرضها ومحيطها وحرارتها، ثم ينتقلون إلى الكواكب السيارة حولها وخصائص كل كوكب.
وأحيانًا ينصرف المؤلفان عن المعنى الحق المتبادر من الآية الواضح البيِّن إلى معنى آخر لا يدل عليه النص، خذ مثلًا قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ ٢، كلنا نفهم مدلول هذه الآية المتبادر؛ وهو الحث على قراءة القرآن والتهجد به آخر الليل؛ لكنهما قالا معنى آخر؛ وهو أنه ترغيب بالنوم المبكر والاستيقاظ منذ الفجر، ثم ذكرا الفوائد الصحية للقيام المبكر من النوم، وأن من مزاياه ارتفاع نسبة غاز الأوزون في الجو عند الفجر٣، وغير ذلك من فوائد الاستيقاظ المبكر، ولم يتعرضها لقراءة القرآن أو العبادة عامة من هذا الوقت، وهي المقصود الأول في الآية.
إضافة إلى هذا اشتمل الكتاب على لوحات توضيحية لأجزاء الإنسان، ومع هذا فإن في الكتاب -في أكثره- تفاسير علمية محمودة التزما فيها ما وعدا به في مقدمة الكتاب التزامًا يجعله في مقدمة المؤلفات العلمية المعتدلة في التفسير.
стр. 717
خامسًا: الإعجاز العددي للقرآن الكريم
أولًا: المؤلف
هو عبد الرزاق نوفل، وُلد سنة ١٣٣٧ تقريبًا، وتُوفي في شهر شعبان سنة ١٤٠٤هـ إثر نوبة قلبية مفاجئة في أعقاب مرضه بالملاريا.
وله عدد كبير من المؤلفات بغلت ٦٨ كتابًا؛ ومنها:
١- الله والعلم الحديث١.
٢- الإسلام والعلم الحديث.
٣- القرآن والعلم الحديث.
٤- المسلمون والعلم الحديث.
٥- الإسلام دين ودنيا.
٦- محمد رسولًا نبيًّا.
٧- كيف ولماذا.
٨- بين الدين والعلم.
٩- القرآن والمجتمع الحديث.
١٠- بين يدي الله.
١١- الرحمن الرحيم.
١٢- دين وفكر.
١٣- من الآيات العلمية.
١٤- الحياة الأخرى.
١٥- السماء وأهل السماء.
١٦- أسئلة حرجة.
١٧- يوم القيامة.
١٨- أسرار وعجب.
١٩- عالم الجن والملائكة.
٢٠- الدعوة إلى الإسلام.
وله غير هذه المؤلفات كثير، وبنظرة سريعة على عناوين هذه الكتب ندرك الاتجاه العلمي الراسخ عند صاحبها رحمه الله تعالى.
стр. 718
ومن الطريف أن الأستاذ عبد الرزاق نوفل -رحمه الله تعالى- يحذِّر من تفسير القرآن الكريم بأكمله تفسيرًا علميًّا، ويعد هذا من أخطر ما يمكن على التفسير، وعلل ذلك بأنه لا يمكن للفرد -مهما كانت طاقته ودرجة علمه- القيام بتفسير آيات القرآن كلها، فكيف يلم الإنسان منفردًا بكل ما تضمنه القرآن من علوم وإعجاز إلمامًا يجعله على درجة من العلم تمكِّنه من القيام بهذا العمل الضخم الجليل الخطير؟ ١، ولعله -رحمه الله تعالى- يرمز إلى الشيخ طنطاوي جوهري رحمه الله تعالى.
مع أن كتبه -ما ذكرنا منها وما لم نذكر- تطفح بالتفسير العلمي المحمود منه والمذموم، ومؤلفاته مليئة بالتفسير بالنظريات العلمية التي لم يستقر قرارها بعد، وسنعرض هنا لواحد من مؤلفاته.
ثانيًا: الكتاب
هو الإعجاز العددي للقرآن الكريم، ويقع هذا الكتاب في ثلاثة أجزاء، ولم يكن المؤلف عند إصداره الجزء الأول يقدر إصدار جزء ثانٍ؛ وإنما خطر له ذلك بعد صدور أوله. وتبلغ صفحات الكتاب بأجزائه الثلاثة ٥٢٤ صفحة من الحجم الوسط.
ودراسة الأعداد في القرآن الكريم ظاهرة برزت في العصر الحديث سريعًا؛ فكتب عن العدد ١٩، ثم أدخل ما يسمى بـ"الكمبيوتر"؛ أي: الحاسب الآلي، وظهرت أعداد أخرى وأخرى.
ولن نعرض لهذه الدراسات المتشعبة؛ حتى لا يتشتت الذهن هنا، ونكتفي بذكر عنوان لمقالة نشرها الدكتور محمد أحمد أبو فراخ عنوانها: "بدعة الإعجاز الحسابي".
أما موضع بحثنا هنا -أعني: كتاب الأستاذ عبد الرزاق نوفل- فليس المقام هنا مقام دراسة موسعة؛ بل هو إشارة سريعة ليس إلا، وإذا كان الأمر كذلك
стр. 719
فلن أشير إلى مواضع الحسن فيه؛ وإنما إلى جانب الآحر؛ إذ الأول هو الأصل في الدراسات القرآنية، وأما الثاني فهو الجسم الغريب الذي يجب التنبيه والتحذير منه.
خاصة إذا علمنا أن أرباب الإعجاز الحسابي يعترفون اعترافًا صريحًا إلى إن هذا الجهاز "الكمبيوتر" قد يعطي أعدادًا غير صحيحة، أو ترتكب في الجدول أخطاء مطبعية، وقد تأكد هذا لديهم في بعض السور وأعداد بعض الحروف١.
وهناك سبب آخر أهم وأخطر؛ وهو أن الدارس في هذا الفن يدفعه حرصه على إثبات هذا الإعجاز العددي إلى التمحل والتكلف في سبيل الوصول إلى أعداد متطابقة؛ فيعد مرة ما لا يُعد، ويحذف أخرى من غير سبب، ويتضح هذا بمثالين أذكرهما من موضع بحثنا كتاب الإعجاز العددي في القرآن.
خذ مثلًا ما ذكره أنه تكرر ذكر إبليس في القرآن الكريم ١١ مرة فقط، وبنفس العدد -أي: ١١ مرة- تكرر الأمر بالاستعاذة منه٢.
وإذا نظرنا إلى لفظ الاستعاذة وجدنا المؤلف لا يورد منه إلا ما هو بلفظ "أعوذ" ولفظ "فاستعذ"، أما الألفاظ "عذت"، "ويعوذون"، "أعيذها"، "معاذ الله"، فإنه لا يعد شيئًا منها مع أن بعضها نص بالاستعاذة من الشيطان: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ ٣، فإن قلت: إنه نص على ما هو أمر بالاستعاذة من إبليس، قلت: إنه عد من الآيات ما ليست أمرًا بالاستعاذة منه: ﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ ٤، ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ ٥، ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ ٦، فأين الأمر بالاستعاذة
стр. 720
هنا؟ بل أين الاستعاذة من إبليس هنا؟ في الأولى استعاذ بالله من الجهل، وفي الثانية استعاذ به سبحانه من أن يسأل الله ما ليس له به علم، وفي الثالثة استعاذت بالله ممن تمثل لها بشرًا سويًّا قبل أن تعرفه.
وعلى هذا كله لا يستقيم له الأمر فيما ذكر؛ ولهذا يبدو التكلف واضحًا بينًا.
خذ مثالًا آخر، قال: ورد اليوم مفردًا ٣٦٥ مرة بعدد أيام السنة١، وإذا ما نظرنا فيما جمع وجدناه لفظي "اليوم" و"يومًا" وترك "يومكم"، "يومهم"، "يومئذ"؛ لأنه لو فعل لاختلف الحساب والعد.
والأدعى من ذلك والأخطر أنه أدَّى به إلى أمر لا يُرتضَى ولا يصح بحال من الأحوال.
فقد أراد أن يظهر اتفاق عدد ذكر الرسل والأنبياء وعدد ذكر أسمائهم في القرآن؛ فقال: "بلغ عدد مرات ذكر الرسل ومشتقاتها في القرآن الكريم ٣٦٨ مرة ... ولما كان النبي قد تكرر ٧٥ مرة، والبشير تكرر ١٨ مرة، والنذير تكرر ٥٧مرة، ومجموع ذلك ٥١٨"، ذكر أنه باستعراض عدد مرات ذكر أسماء الرسل والأنبياء والمبشرين والمنذرين نجد أنهم تكرروا بالأعداد التالية:
"موسى ١٣٦"، "إبراهيم ٦٩"، "نوح ٤٣"، "يوسف ٢٧"، "لوط ٢٧"، "عيسى ٢٥"، وهكذا إلى أن ذكر: "ناقة الله ٧"!!
وبهذا فقط تساوى مجموع ذكر الرسل والنبيين والمبشرين والمنذرين بعدد مرات ذكر أسمائهم تمامًا٢؟!
ولا شك أن عدَّه لناقة الله مع أسماء الأنباء تمحل لا يُقبل منه ولا من غيره أبدًا، وما ألجأه إلى ذلك في هذا الموضع وفي مواضع أخرى كثيرة إلا الفتنة بحب الجديد على العقول والأذهان.
стр. 721
بقي أن أقول: إن هذا الإعجاز ما زال بحرًا مظلمًا فيه فجوات وفيه مهلكات، فالحذر الحذر من أن تقودنا العاطفة إلى المهالك، لست أشك في سلامة قصد عبد الرزاق نوفل -رحمه الله تعالى- ولكن هذا شيء والخطأ والصواب والتحذير منه شيء آخر، غفر الله له، ورحمه جزاء نيته، ولنحذر أن نقع في مثل هذه الأمور حتى تنبلج الحقيقة، ويشرق ضوؤها؛ وحينئذ فليتجه إليها المؤمنون، فهي ضالتهم، ومَن اتبع الأوهام وقع في المهالك.
стр. 722
رأيي في هذه المؤلفات:
أُورد هنا خلاصة رأيي في هذه المؤلفات مجموعة: أما الرأي الذي اخترته في التفسير العلمي التجريبي عامة فقد سلف بيانه؛ وإنما قدمته على ما ذكرته من هذه التفاسير؛ حتى يعرف القارئ موقفي من الرفض والقبول لكل ما أنقله من نصوصها.
وإنما أذكر أخيرًا رأيي في هذه المؤلفات العلمية مجتمعة، وهو رأي لا أطيل بيانه أكثر مما أطلت.
وبنظرة عجلى على هذه المؤلفات لمن أراد أن يتصفحها يدرك أننا بحاجة في هذا العصر لمؤلَّف في التفسير العلمي التجريبي، تؤلفه مجموعة من العلماء في الشريعة وفي التفسير وفي اللغة وفي العلوم الحديثة، يجتمعون ويقررون ما يوافق الحقائق القرآنية ذات الدلالة الصريحة، ويضمون إليها الحقائق العلمية الثابتة التي قرَّ قرارها وأمن ثبوت زيفها وبطلانها، يثبتونه لا على أن تفسير؛ وإنما كشاهد وزيادة بيان لمعاني الآية ومدلولاتها.
وإنما ألجأني إلى هذا أني نظرت إلى هذه المؤلفات الموجودة فوجدتها إما لعالم في الشريعة يخطئ في العلوم الحديثة فيثبت ما لم يثبت، وإما لعالم في العلوم الحديثة يجهل أصول التفسير ولا يدري من أمرها شيئًا؛ فيحمل الآية ما لا تحتمل، ويوجهها إلى ما لا تتجه إليه.
حذرًا من هذا وخشية من ذاك، اتجهتُ إلى هذا الاقتراح، ولعل الله يهيئ لهذه الأمة مَن يحققه، إنه سميع مجيب.
стр. 723
الباب الثالث: منهج المدرسة الاجتماعية الحديثة في التفسير
تمهيد ١:
كأني بك تنظر إليَّ مندهشًا، وتحدق بي متعجبًا، وألمح على شفتيك سؤالًا؛ بل أسئلة تزاحمت في الظهور، فلم يُتح الزحام لها سبيلًا للخروج؛ فانعكست بين ثنايا وجهك معلنة عن معناها! قرأت منها فيما قرأت:
أليس الإسلام هو دين العقل؟ هل جاء في الإسلام ما يخالف العقل، أو جاء العقل بما يبطل شيئًا من الإسلام؟ إذًا فكيف تضع للعقل منهجًا في التفسير؟ هل المناهج الأخرى مجردة من العقل؟ أوليس أصحاب بعضها هم العقلاء؟ إذًا فكيف يكون المنهج هنا هو الموسوم بالعقل وهو هناك مجرد منه؟!
أسئلة كثيرة مدارها العقل والتفسير ومنهج الإسلام، فيها قطعت استرسالي في قراءتها لأربت على كتف صاحبها قائلًا: على مهلك وعلى رَسْلك، لا أظنك أول مَن شكك بين هذا المنهج وصفته، فلا يلزم إذًا ما اتصفت طائفة بصفة اتصافها بها حقيقة، كما لا يلزم من تجرد اسمها من هذه الصفة خلوها منها، في المؤلفات العلمية إذا لم يطابق العنوان محتوى الكتاب وصفوه -حديثًا- بأنه من خداع
стр. 724
العناوين، قس على هذا -إن شئت- الملل والنحل والمذاهب والمناهج، فكثيرًا من هذه وتلك لا صلة لها بأسمائها ... خذ مثلًا المعتزلة في العصر القديم، يسمون أنفسهم أهل التوحيد!
وهل التوحيد الحقيقي يعترف بتعدد الخالقين وأن كل إنسان يخلق فعله، أم هو الاعتراف بأن الله هو الخالق لكل شيء؟! خذ مثلًا آخر، الشيعة يزعمون حب علي ونصرته، وهل يكون حب أحد يفعل ما يكره ويذم؛ بل بغير الاقتداء بفعله؟! خذ مثلًا الخوارج، يصفون أنفسهم بأنهم "الشراة"، يزعمون أنهم اشتروا أنفسهم ابتغاء مرضاة الله، وهل شراؤها يكون بقتال علي ﵁ وأرضاه؟!
وخذ مثلًا النصارى، يزعمون أنهم "مسيحيون"، فهل المسيح قال: اتخذوني وأمي إلهين؟! حاشى وكلا؛ إذًا فليسوا هم بمسيحيين.
وهل أضرب لك مثلًا بالمبادئ والملل في العصر الحديث؛ كالبعثية التي تنكر البعث، وغيرها وغيرها.
إذًا فلا يلزم من رفع الشعار الدلالة على الالتزام، فكم من راية رفعها أعداؤها، ناهيك عن هذه الأزمة التي تلونت المذاهب فيها تلون الحرباء، فلا تعرف المقبل منها من المدبر إن لم يخصك الله بنور إيماني تتبين به المحجة البيضاء؛ فلا تزيغ عنها فتهلك.
ثم أربت على كتفك مرة أخرى، لن تعرف المنهج العقلي ولن نعرفه حقًّا حتى تعرف ونعرف مدلول العقل ومعناه ومداركه ومجالاته ومنزلته في الإسلام ومكانته، لا أريد أن أجعل البحث هنا مبحثًا كلاميًّا جدليًّا؛ ولكنها مقدمة لَا بُدَّ منها، وباب لَا بُدَّ من الولوج منه؛ لنصل إلى المراد، فلنأتِ البيوت إذًا من أبوابها.
стр. 725
المراد به:
وما علينا أن يقول غيرنا في تعريفه ما يقولون، وكتاب الله بين أيدينا، الذي هو عصمة أمرنا، وبه نجاتنا، وبالعمل به فلاحنا، فلنأخذ من مَعِينِهِ، ولنبحث فيه -وهو الكتاب الذي لا يخالفه العقل ولا ينقضه- عن معنى العقل ومدلوله وعمله؛ إذًا فلنعرف العقل في القرآن الكريم.
стр. 726
العقل في القرآن:
من المعلوم أن العقل ينقسم إلى قسمين:
١- عقل غريزي: يهبه الله لمن يشاء من عباده فيُسمى عاقلًا، ويسلبه عمن يشاء فيُسمى مجنونًا وتسقط عنه التكاليف، فهو -إذًا- مناط التكليف، والحق أن الناس تتفاوت درجاتهم في هذا العقل بين المعدم منه كالمجنون ثم المعتوه، وهكذا إلى مَن به خفة، إلى أن يصلوا إلى درجة العقلاء؛ إذًا فهم فيه متفاوتون، خلافًا للأشاعرة والمعتزلة الذين قالوا: إن العقل لا يختلف؛ لأنه حجة عامة يرجع إليها الناس عند اختلافهم، ولو تفاوتت العقول لما كان كذلك١، ولا يمنع هذا الذي قالوه تفاوت عقول الناس؛ لأن التكاليف على قدر العقول، وإلا فما معنى أن يسقط التكليف عن المجنون وغير ذلك؛ لكن الذي ينبغي أن نقوله: إن هذا العقل هبة من الله ينعم بها على مَن يشاء مِن عباده.
٢- عقل مكتسب: والمراد به العلم والفَهْم؛ بل هو عمل ونتاج العقل الغريزي، ومتولد منه، ولا ثمرة ولا فائدة للعقل الغريزي إن لم يكن عقلًا متحركًا منتجًا، وهذا العقل هو الذي خصَّه القرآن الكريم بالخطاب، قال الراغب في مفرداته: "كل موضع ذم الله الكفار بعدم العقل فإشارة إلى الثاني دون الأول: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ إلى قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ ٢، ونحو ذلك من الآيات، وكل موضع رفع التكليف عن العبد لعدم العقل فإشارة إلى الأول"٣.
فلننظر بعد هذا قول علماء التفسير ذلكم قوله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن
стр. 727
يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُون﴾ ١، فإنا سنجدهم يتفقون على أن معنى "عقلوه" فهموه وضبطوه بعقولهم٢. وهكذا سائر الآيات التي جاء بها ذكر العقل، نجدها كلها تدور حول معنى العلم والفَهْم والإدراك والتدبر، وبهذا ندرك أن المقصود من العقل في القرآن الكريم هو العلم والفَهْم.
ومما يزيد الأمر وضوحًا أن أكثر آيات القرآن الكريم جاءت على وجهين متقابلين٣:
الوجه الأول: آيات تنعى على أولئك الذين لا يعلمون عقولهم التي وهبهم الله إياها، وأنعم بها عليهم؛ فعطلوها عن عملها الذي خلقها الله له، وأنقادوا لشهواتهم ورغباتهم؛ فأصبحوا كمن لا عقل له؛ بل هم أضل.
الوجه الثاني: ويقابل ذلك النعي على أولئك دعوة مَن استعمل عقله إلى إعماله على الوجه الأمثل حسب إرشاد القرآن الكريم وتوجيهاته، وتوجيه أعماله وتفكيره وتدبره لما فيه الخير والصلاح، وإلا صار وبالًا على صاحبه وعلى مجتمعه.
إذًا، فالمقصود فيما نرى بالعقل في القرآن الكريم العقل المكتسب الناشئ عن حركة العقل الغريزي، حركة يدرك بها الحق، ويعمل به، وينقاد إليه، ويفهم بها الباطل؛ فيحذره ويجتنبه، مسترشدًا بهذا وذاك بدليل الوحي، وبدون هذه الحركة فإن العقل الغريزي لا أثر له إلا كونه حُجة على صاحبه يوم القيامة.
فالقرآن إذًا إنما يستثير فينا تحريك العقل؛ حتى يؤدي عمله، وعمله الفقه
стр. 728
والتفكر والتذكر والتدبر؛ ولهذا فإنا نرى القرآن الكريم يحث أحيانًا كثيرة على نتاج العقل؛ إذ هو المراد وهو المقصود؛ ولذلك نرى شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- يقول: "فالعقل لا يُسمى به مجرد العلم الذي لم يعمل به صاحبه، ولا العمل بلا علم؛ بل إنما يُسمى به العلم الذي يعمل به والعمل بالعلم؛ ولهذا قال أهل النار: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ ٢ ٣.
لا أريد أن أقول: إن هذا هو العقل بكل إطلاقاته، فلا ماشحة في الاصطلاح؛ ولكن أريد أن أقول: هذا ما أحسبه المراد بالعقل في القرآن الكريم، وهذا هو العقل الذي يخاطبه ويوجه إليه أوامره كتابُ الله، ومن حُرِمَ منه فقد حُرِمَ، أما من حُرِمَ الأول -أعني: الغريزي- فهو غير مكلف، وبالتبع غير مخاطب، جعلنا الله وإياكم ممن يسمعون كلامه فيعقلونه.
стр. 729
مكانة العقل في الإسلام:
وللعقل بعد هذا في الإسلام منزلة كبيرة ودرجة رفيعة، يتبوأ فيها ويتفيأ ظلالها، فليس ثمة عقيدة تحترم العقل الإنساني وتعتمد عليه في ترسيخها كالعقيدة الإسلامية، وليس ثمة كتاب خاطب العقل وغالَى بقيمته وكرامته ككتاب الإسلام، ونظرة إلى آيات القرآن الكريم تلقى عبارات ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون﴾ ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون﴾ ﴿لِقَوْمٍ يَفْقَهُون﴾ تتكرر عشرات المرات، مؤكدة المنهج القرآني الفريد في الاقتناع العقلي للإيمان، كل هذا يؤكد ما للعقل من منزلة كبرى في الإسلام.
وإذا ما ذهبت تلتمس مظاهر أخرى عديدة لتكريم الإسلام للعقل برزت لك جوانب مشرقة؛ أذكر منها:
стр. 730
أولًا: قيام الدعوة إلى الإيمان على الإقناع العقلي: وتظهر سمات ذلك بأساليب شتى؛ مثل:
١- الدعوة إلى التفكر والتدبر في كتابه ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ١، ثم يستثير العقل الإنساني متحديًا له أن يأتي بمثل هذه القرآن، حتى إذا ما عجز سلَّم مقتنعًا بأنه من عند الله ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ ٢، ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ ٣.
ودعا العقل إلى التدبر في مخلوقات الله ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمّىً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ ٤، ثم يستثيره مرة أخرى أن يجد خللًا في شيء منها حتى إذا ما عجز زاد تسليمًا واقتناعًا ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ، ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِير﴾ ٥.
ودعاه إلى التدبر في تشريعاته، ففيها عبرة وفيها إعجاز ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ ٦.
ودعاه إلى التدبر والنظر في أحوال الأمة الماضية وعاقبة معاصيهم التي أصروا عليها ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ٧، ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ
стр. 731
وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِين﴾ ١.
ودعاه إلى التدبر والنظر والتأمل في هذه الحياة الدنيا ونعيمها الزائل ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ ٢.
هذه بعض مظاهر التأمل التي دعا القرآنُ العقلَ إليها، وهو حين يدعوه إلى ذلك لا يريد منه أن يقف عند حدود التأمل والنظر، فليس ذلك بمراد لذاته؛ وإنما ليعبر منه إلى ثمرته وفائدته؛ فيقوِّم به عقيدته، ويرسي أركانها، ويثبت قواعدها ثباتًا لا تزعزعه هبات؛ بل رياح الشهوات؛ وحينئذ يكون الفلاح، وحينئذ يكون الإيمان الحق؛ ذلكم هو المراد وهو الهدف؛ لكنه ليس هو نهاية المطاف.
ثانيًا: وحين يصل القرآنُ بالعقل إلى هذه الدرجة فإنه لا يدعه هملًا؛ بل وجه طاقته إلى هدف آخر أوسع رُقعة وأعظم نتيجة؛ تلكم هي مراقبة الحياة الاجتماعية مراقبة إصلاح وتوجيه لما فيه فلاحها وسعادتها ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٣.
وليست هذه المهمة لإصلاح المجتمع مسئولية المجتمع كله فحسب؛ بل هي مسئولية كل فرد فيه، فلا قيمة للصلاح إذا اقتصر على إصلاح الذات ولم يتسع لإصلاح الآخرين مع القدرة على ذلك ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ ٤، ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ، كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ٥.
стр. 732
ثالثًا: والقرآن حين يدعو إلى الإيمان ينعى على المقلدين الذين لا يُعملون عقولهم، ويتبعون نظريات واهية وآراء زائفة، لا لشيء إلا لأنهم ألفوا آباءهم عليها ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ ١، وحذر من هذا السلوك، وأن يتبع الإنسان ما ليس له به علم ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ ٢.
رابعًا: وكرَّمه ودعاه إلى العلم، وطلبه وقرن سبحانه ذِكْرَ أولي العلم بذِكْرِه وذِكْرِ ملائكته ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٣.
وجعل العلم مشاعًا؛ لأنه غذاء العقل، ولعن أولئك الذين يحتكرونه ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ٤.
خامسًا: وكرَّمه فأسند إليه استنباط الأحكام فيما لا يوجد فيه نص من كتاب أو سنة أو إجماع.
سادسًا: وتوَّج تكريمه له بالأمر بالمحافظة عليه، وتحريم كل ما يغطي فعله وأثره، فضلًا عما يزيله؛ فحرم شرب الخمر ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ ٥، وجعل فيه الدية كاملة على مَن تسبب في إزالته عن آخره٦.
стр. 733
لكن الإسلام مع هذا التكريم كله وهذا الاهتمام حَدَّ للعقل حدودًا، هي كل ما يستطيع تبيينه، وحذره من الولوج فيما لا يستطيع إدراكه؛ خشية عليه، وحرصًا على سلامته حتى لا يضل، وكيف له وهو المخلوق أن يدرك ذات الخالق؟! بل أنَّى له أن يدرك كل المخلوقات؟! فليؤمن بما استطاع إدراكه، وليبني على ما أدرك ما لم يدرك، وما أعظمها من شفقة حين قال ﵊: "لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال هذا: خَلَقَ الله الخَلْق فمن خَلَقَ الله؟ فمن وجد من ذلك شيئًا؛ فليقل: آمنت بالله" ١.
وما أعظمه من توجيه ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ ٢، صرف الجواب عن ماهيتها؛ لأنه ليس من شئون العقل ولا من مداركه.
توجيه وشفقه هما التوجيه السديد حتى لا يتيه العقل فيما ليس من دركه، وليس من طاقته، وهما لا شك تكريم وأي تكريم.
ولذا، كذا الصحابة ﵃ لا يخوضون فيما لا يستطيعون دركه ومعرفته؛ فهذا عمر ﵁ يقرأ على المنبر: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ ٣، فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها، فما الأبُّ؟ ثم رجع إلى نفسه فقال: إن هذا لهو التكلف يا عمر٤.
وليس هذا من عمر بالتسليم الأعمى -كما يعبر عنه- أو بمطلق التقليد؛ بل هو وقوف منه عند حد المعرفة، وإعراض عما زاد عنها مما هو تكلف، فهو وغيره يعرف أن "أبًّا" نبت يخرج من الأرض؛ بدليل سياق الآيات ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا، وَعِنَبًا وَقَضْبًا﴾ ٤ الآيات.
стр. 734
والأمثلة على وقوف السلف عند حدود المعرفة الواجبة وتَرْك التكلف فيما بعد ذلك كثيرة.
وعلى هذا مضى المسلمون في العصر الأول من الإسلام، عرفوا ما للعقل فدرسوه، وما ليس له فاجتنبوه؛ بل اجتنبوا مَن عُرف بالأهواء والسؤال عن المتشابه، فهذا "صبيغ بن عسل" جعل يسأل عن متشابه القرآن في أجناد المسلمين حتى قَدِمَ مصر؛ فبعث عمرو بن العاص به إلى عمر بن الخطاب ﵄ فلما أتاه الرسول بالكتاب فقرأه قال: أين الرجل؟ أبصر لا يكون ذهب فتصيبك مني العقوبة الوجيعة، فأتى به؛ فقال عمر: سبيل محدثة؛ فضربه وأعاده إلى أرضه، وكتب إلى أبي موسى الأشعري: ألا يجالسه أحد من المسلمين، قال أبو عثمان النهدي: فلو جاءنا ونحن مائة لتفرقنا عنه١.
ثم لم تزل هذه الأمور تتسع حتى تكلم معبد بن خالد الجهني في القَدَر، فقال: "لا قَدَر والأمر أُنُف"٢، وقد أخذ عن معبد هذا غيلان الدمشقي٣ -الذي نشره بين المسلمين، وقُتل من أجله- وقد أنكر عليهم مذهبهم هذا مَن كانه حيًّا من الصحابة؛ كعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وأبي هريرة، وابن عباس، وأنس بن مالك، وعبد الله بن أبي أوفى، وعقبة بن عامر الجهني٤.
وأساس مذهب القدرية إنكار القدر، وأن للإنسان الحرية المطلقة في أفعاله، لا سلطان لأحد على إرادته.
وفي مقابل هؤلاء نشأت فرقة أخرى تقول بأن الإنسان مجبور على الفعل، لا اختيار له ولا قدرة؛ كالريشة في الهواء، وتعددت الفِرَق بعد هذا وافترقت.
стр. 735
ولم تزل العلوم العقلية بعد هذا تنمو وتتسع متوازنة مع توسع الفتوحات الإسلامية، ومع دخول الناس على اختلاف مشاربهم، وتعدد منازعهم، وتنوع رغباتهم وحقائقهم في الإسلام، اتسعت هذه العلوم؛ فترجمت العلوم إلى العربية، وأقبلوا بصفة خاصة على الفلسفة اليونانية؛ لحاجتهم إليها في الجدل والمناظرة؛ فتجاوز الحديث عن المنطق أدناه إلى الحديث عن حدوده وقضاياه وأقيسته، فظهرت في المؤلفات عبارات واصطلاحات ومدلولات لم يكن لها سابق وجود؛ فتحدثوا عن العرض والهيولى والجوهر والصورة والقياس والقضايا السالبة والموجبة.
ومن الطريف أن العقل نفسه لم يسلم من هذا التنازع؛ فتنازعت فيه طوائف؛ طائفة تمجده وترفع من مقامه إلى درجة تقديسه، وإعطائه أكثر من حقه، وعُرف هؤلاء بالمعتزلة؛ ولهذا سماهم بعض المستشرقين بـ"العقليين"١ أو المدرسة العقلية الأُولَى.
وفي مقابل هؤلاء ذهبت طائفة إلى احتقار العقل وامتهانه، واعتقدوا في بعض البله والمجانين، وزعموا أنهم أولياء، وفضلوهم على متبعي طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم٢.
ولكل مِن هؤلاء وأولئك شبهات وضلالات، والحق وسط بينهما، تجاوزه الأولون فضلوا، وقصر دونه الآخرون فضلوا، واستقر السلف وما زالوا على عرشه فاهتدوا وما زالوا مهتدين.
стр. 736
نشأة المدرسة العقلية الاجتماعية الحديثة:
كانت هذه صورة عن بعد للموقف من العقل في ضحى الإسلام؛ لكنها لم تلبث أن هدأت -إن لم تكن خمدت- تبعًا للشعوب الإسلامية التي أنهكتها الحروب الصليبية وهجمات التتار والمآسي والنكبات التي مر بها العالم الإسلامي،
стр. 737
التي أسلمته إلى فترة البيات -وليس بياتًا شتويًّا؛ وإنما بيات طويل- أخلد فيها العالم الإسلامي إلى الدعة، وآثر السكون والخمول.
فتداعت عليه الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها؛ فأكلوا منه وشربوا وراحوا يقتسمون البلاد ويستخرجون ثرواتها وأهلها نائمون.
وأمست البلاد الإسلامية كافة تحت سيطرة البلاد الأوربية التي استغلت خيراتها وثرواتها، وكان أن استيقظ نفر على هذا الضجيج الحضاري؛ فكانوا تمامًا كنفر ناموا حقيقة، ثم وقع على رءوسهم وهم نائمون جلبة وضوضاء مفزعة؛ فقامت طائفة مضطربة تقفز يمنةً ويسرةً على غير هدى، وتتكلم بكلام هو وليد دهشتها ورعبها، وقامت طائفة أخرى بهدوء وسكينة؛ فهللوا وكبروا وذكروا الله فأنزل الله على قلوبهم السكينة.
ولم تزل الطائفة الثالثة نائمة لم تشعر بشيء، وأنَّى لهم؟! تلكم الطوائف الثلاث هي واقع المسلمين -فيما أحسبه- في نهضتهم الحديثة قامت طائفة -كما قام الأولون- مندهشين مبهورين فزعين مضطربين، يدعون إلى الحضارة الغربية دعوة
عمياء، وينعقون بما لا يفهمون أو بما يفهمون ولا يعقلون، وقام الآخرون فنظروا بعيون بصيرة وقلوب مطمئنة فاختاروا السبيل السوي ودعوا إليه، ولم تزل الطائفة النائمة تغط في سبات عميق.
أما العدو الصائل فقد أعد للأمر عُدته؛ فأقصى أصحاب الثقافة الدينية أصحاب القلوب المطمئنة عن ميادين الإصلاح الاجتماعي، وحصر وظائفهم في المساجد التي قَلَّ روادها عمومًا، وسلم المضطربين الفزعين الوظائف الحكومية وأدوات التوجيه الاجتماعي؛ فكانوا لا يسيرونها إلا بوحي وتوجيه منه وكان المراد!! وأبقى على النائمين نومهم.
فكان للاستعمار -بل الاستهدام إن صح التعبير- السيطرة على أجهزة التعليم في كثير من البلاد الإسلامية، فضلًا عن جهوده الدائبة لنشر التغريب واللادينية بكل الوسائل الممكنة، وأوهموا الناس أن حالة العالم الإسلامي تمامًا كحالة أوربا في العصور الوسطى، وأنه لن ينهض إلا بما نهضت به أوربا من
стр. 738
فصل السلطة الدينية عن السلطة المدنية ومن ... ومن ... ومن ... وبذلك يتحقق له ما تحقق للأوربيين.
ودهش علماء المسلمين دهشة وأي دهشة، وأنَّى يسمع لهم صوت وسط هذا الضجيج! وأنَّى يسمع لهم صوت وأفواههم مكممة!! ونادوا بقدر ما يستطيعون، وذهبوا يردون على تلك الأفكار والمذاهب بأساليب وطرق شتى.
وحاولت فئة منهم التقريب والتوفيق بين العلم والدين، وبينت للناس أن الدين الإسلامي الحق لا يحارب العلم الصحيح، ولا ينافي العقل الصريح، وبينت للناس أن الإسلام دين العقل والحرية والفكر، وذهبت تبين لهم ذلك المنهج، وتقيم الدين الإسلامي على العقل -الذي لا يقر أرباب الثقافة الغربية غيره حَكَمًا- وبينت أن ليس في الإسلام ما لا يقره العقل، وحاولت أن تفسر القرآن الكريم على هذا المنهج وهذا الأساس؛ فكانت بحق المدرسة العقلية الاجتماعية.
وكان لهذه المدرسة رجال، وكان لها مفسرون لهم نشاط واسع في: نشر هذه الثقافة، ومكافحة الاستعمار، ومقاومة الهجوم على الدين عامة والدين الإسلامي خاصة، وإلقاء تبعة التخلف الحضاري عليه.
وكان من رجال هذه المدرسة المؤسسين لها جمال الدين الأفغاني، وتلميذه محمد عبده، وتلاميذه: محمد مصطفى المراغي، ومحمد رشيد رضا، وغير هؤلاء كثير.
وسميت حركتهم هذه بالنهضة الإصلاحية، وكان لها جوانب إصلاحية محمودة، وكان لها بجانب هذا شطحات ما كانوا ليقعوا فيها لولا تطرفهم في تحكيم العقل في كل الأمور؛ حتى جاوزوا الحق والصواب في أمور لا تَخْفَى.
والمتمعن في طريقتهم في التفسير يجد أسسًا واضحة بيِّنة يقوم عليها تفسيرهم ويرتكز، وهذا أوان بيان هذه الأسس.
стр. 739
منهج المدرسة العقلية الاجتماعية في التفسير
الأساس الأول: الوحدة الموضوعية في القرآن الكريم
...
منهج المدرسة العقلية الاجتماعية في التفسير:
يقوم منهج التفسير لدى المدرسة العقلية الاجتماعية على أسس متعددة، ولئن كان لا يسعنا أن نطيل الحديث في بيانها فإنه لا يسعنا أن نوجزه إيجازًا مخلًّا، فليكن أمرنا فيه وسطًا بين هذا وذاك، والأسس التي استطعت أن أضبطها هي:
الأساس الأول: الوَحْدَة الموضوعية في القرآن الكريم
وقد أيد كثير من علماء السلف الوَحْدَة الموضوعية في القرآن الكريم؛ ومنهم ابن العربي الذي قال: "ارتباط آي القرآن بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحدة متسقة المعاني منتظمة المباني علم عظيم"١.
وقال ولي الدين الملوي ردًّا على مَن أنكر الوَحْدَة الموضوعية: "قد وهم مَن قال: لا يطلب للآي الكريمة مناسبة"، إلى أن قال: "والذي ينبغي في كل آية أن يبحث أول كل شيء عن كونها مكملة لما قبلها أو مستقلة، ثم المستقلة ما وجه مناسبتها، ففي ذلك علم جم، وهكذا في السور يُطلب وجه اتصالها بما قبلها وما سيقت له"٢.
ومال رجال المدرسة العقلية الاجتماعية إلى هذا الرأي فقالوا بالوَحْدَة الموضوعية في سور القرآن الكريم، وعدوه أساسًا في فَهْم القرآن الكريم، فقال محمد رشيد رضا: "مَن نظر في ترتيب السور كلها في المصحف يرى أنه قد رُوعي في ترتيبها الطول والتوسط والقصر في الجملة، ومن حكمته أن في ذلك عونًا على تلاوته وحفظه، فالناس يبدءون بقراءته من أوله فيكون الانتقال من السبع الطوال إلى المئين فالمثاني فالمفصل أنفى للملل وأدعى إلى النشاط، ويبدءون بحفظه من آخره؛ لأن ذلك أسهل على الأطفال؛ ولكن في كل قسم من الطول والمئين والمفصل تقديمًا لسور قصيرة على سور أطول منها، ومن حكمة
стр. 740
ذلك أنه قد رُوعي التناسب في معاني السور مع التناسب في الصور؛ أي: مقدار الطول والقصر"١.
ثم تحدث -رحمه الله تعالى- عن التناسب بين سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام، أما الفاتحة فلم يراعِ مناسبتها لما بعدها وحده؛ إذ هي فاتحة القرآن كله، فقال عن المناسبة بين هذه السور: "سورة البقرة أجمع سور القرآن لأصول الإسلام وفروعه، ففيها بيان التوحيد، والبعث، والرسالة العامة والخاصة، وأركان الإسلام العملية، وبيان الخَلْق والتكوين، وبيان أحوال أهل الكتاب والمشركين والمنافقين في دعوة القرآن، ومحاجة الجميع، وبيان أحكام المعاملات المالية والقتال والزوجية، والسور الطوال التي بعدها متممة لما فيها؛ فالثلاث الأولى منها مفصلة لكل ما يتعلق بأهل الكتاب؛ ولكن البقرة أطالت في محاجة اليهود خاصة، وسورة آل عمران أطالت في محاجة النصارى في نصها الأول، وسورة النساء حاجتهم في أواخرها، واشتملت في أثنائها على بيان شئون المنافقين مما أُجمل في سورة البقرة، ثم أتمت سورة المائدة محاجة اليهود والنصارى فيما يشتركان فيه، وفيما ينفرد كل منهما به.
ولما كان أمر العقائد هم الأهم المقدَّم في الدين، وكان شأن أهل الكتاب فيه أعظم من شأن المشركين؛ قدمت السور المشتملة على محاجتهم بالتفصيل، وناسب أن يجيء بعدها ما فيه محاجة المشركين بالتفصيل؛ وتلك سورة الأنعام، لم تستوفِ ذلك سورة مثلها، فهي متممة لشرح ما في سورة البقرة مما يتعلق بالعقائد، وجاءت سورة الأعراف بعدها متممة لما فيها ومبينة لسنن الله تعالى في الأنبياء المرسلين وشئون أممهم معهم، وهي حجة على المشركين وأهل الكتاب جميعًا؛ ولكن سورة الأنعام فصَّلت الكلام في إبراهيم الذي ينتمي إليه العرب وأهل الكتاب في النَّسَب والدين، وسورة الأعراف فصَّلت الكلام في موسى الذي ينتمي إليه أهل الكتاب، ويتبع شريعته جميع أنبيائهم حتى عيسى المسيح ﵊.
ولما تم بهذه السورة تفصيل ما أُجمل في سورة البقرة من العقائد في