نشأة المدرسة العقلية الاجتماعية الحديثة:
كانت هذه صورة عن بعد للموقف من العقل في ضحى الإسلام؛ لكنها لم تلبث أن هدأت -إن لم تكن خمدت- تبعًا للشعوب الإسلامية التي أنهكتها الحروب الصليبية وهجمات التتار والمآسي والنكبات التي مر بها العالم الإسلامي،
стр. 737
التي أسلمته إلى فترة البيات -وليس بياتًا شتويًّا؛ وإنما بيات طويل- أخلد فيها العالم الإسلامي إلى الدعة، وآثر السكون والخمول.
فتداعت عليه الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها؛ فأكلوا منه وشربوا وراحوا يقتسمون البلاد ويستخرجون ثرواتها وأهلها نائمون.
وأمست البلاد الإسلامية كافة تحت سيطرة البلاد الأوربية التي استغلت خيراتها وثرواتها، وكان أن استيقظ نفر على هذا الضجيج الحضاري؛ فكانوا تمامًا كنفر ناموا حقيقة، ثم وقع على رءوسهم وهم نائمون جلبة وضوضاء مفزعة؛ فقامت طائفة مضطربة تقفز يمنةً ويسرةً على غير هدى، وتتكلم بكلام هو وليد دهشتها ورعبها، وقامت طائفة أخرى بهدوء وسكينة؛ فهللوا وكبروا وذكروا الله فأنزل الله على قلوبهم السكينة.
ولم تزل الطائفة الثالثة نائمة لم تشعر بشيء، وأنَّى لهم؟! تلكم الطوائف الثلاث هي واقع المسلمين -فيما أحسبه- في نهضتهم الحديثة قامت طائفة -كما قام الأولون- مندهشين مبهورين فزعين مضطربين، يدعون إلى الحضارة الغربية دعوة
عمياء، وينعقون بما لا يفهمون أو بما يفهمون ولا يعقلون، وقام الآخرون فنظروا بعيون بصيرة وقلوب مطمئنة فاختاروا السبيل السوي ودعوا إليه، ولم تزل الطائفة النائمة تغط في سبات عميق.
أما العدو الصائل فقد أعد للأمر عُدته؛ فأقصى أصحاب الثقافة الدينية أصحاب القلوب المطمئنة عن ميادين الإصلاح الاجتماعي، وحصر وظائفهم في المساجد التي قَلَّ روادها عمومًا، وسلم المضطربين الفزعين الوظائف الحكومية وأدوات التوجيه الاجتماعي؛ فكانوا لا يسيرونها إلا بوحي وتوجيه منه وكان المراد!! وأبقى على النائمين نومهم.
فكان للاستعمار -بل الاستهدام إن صح التعبير- السيطرة على أجهزة التعليم في كثير من البلاد الإسلامية، فضلًا عن جهوده الدائبة لنشر التغريب واللادينية بكل الوسائل الممكنة، وأوهموا الناس أن حالة العالم الإسلامي تمامًا كحالة أوربا في العصور الوسطى، وأنه لن ينهض إلا بما نهضت به أوربا من
стр. 738
فصل السلطة الدينية عن السلطة المدنية ومن ... ومن ... ومن ... وبذلك يتحقق له ما تحقق للأوربيين.
ودهش علماء المسلمين دهشة وأي دهشة، وأنَّى يسمع لهم صوت وسط هذا الضجيج! وأنَّى يسمع لهم صوت وأفواههم مكممة!! ونادوا بقدر ما يستطيعون، وذهبوا يردون على تلك الأفكار والمذاهب بأساليب وطرق شتى.
وحاولت فئة منهم التقريب والتوفيق بين العلم والدين، وبينت للناس أن الدين الإسلامي الحق لا يحارب العلم الصحيح، ولا ينافي العقل الصريح، وبينت للناس أن الإسلام دين العقل والحرية والفكر، وذهبت تبين لهم ذلك المنهج، وتقيم الدين الإسلامي على العقل -الذي لا يقر أرباب الثقافة الغربية غيره حَكَمًا- وبينت أن ليس في الإسلام ما لا يقره العقل، وحاولت أن تفسر القرآن الكريم على هذا المنهج وهذا الأساس؛ فكانت بحق المدرسة العقلية الاجتماعية.
وكان لهذه المدرسة رجال، وكان لها مفسرون لهم نشاط واسع في: نشر هذه الثقافة، ومكافحة الاستعمار، ومقاومة الهجوم على الدين عامة والدين الإسلامي خاصة، وإلقاء تبعة التخلف الحضاري عليه.
وكان من رجال هذه المدرسة المؤسسين لها جمال الدين الأفغاني، وتلميذه محمد عبده، وتلاميذه: محمد مصطفى المراغي، ومحمد رشيد رضا، وغير هؤلاء كثير.
وسميت حركتهم هذه بالنهضة الإصلاحية، وكان لها جوانب إصلاحية محمودة، وكان لها بجانب هذا شطحات ما كانوا ليقعوا فيها لولا تطرفهم في تحكيم العقل في كل الأمور؛ حتى جاوزوا الحق والصواب في أمور لا تَخْفَى.
والمتمعن في طريقتهم في التفسير يجد أسسًا واضحة بيِّنة يقوم عليها تفسيرهم ويرتكز، وهذا أوان بيان هذه الأسس.
стр. 739
منهج المدرسة العقلية الاجتماعية في التفسير
الأساس الأول: الوحدة الموضوعية في القرآن الكريم
...
منهج المدرسة العقلية الاجتماعية في التفسير:
يقوم منهج التفسير لدى المدرسة العقلية الاجتماعية على أسس متعددة، ولئن كان لا يسعنا أن نطيل الحديث في بيانها فإنه لا يسعنا أن نوجزه إيجازًا مخلًّا، فليكن أمرنا فيه وسطًا بين هذا وذاك، والأسس التي استطعت أن أضبطها هي:
الأساس الأول: الوَحْدَة الموضوعية في القرآن الكريم
وقد أيد كثير من علماء السلف الوَحْدَة الموضوعية في القرآن الكريم؛ ومنهم ابن العربي الذي قال: "ارتباط آي القرآن بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحدة متسقة المعاني منتظمة المباني علم عظيم"١.
وقال ولي الدين الملوي ردًّا على مَن أنكر الوَحْدَة الموضوعية: "قد وهم مَن قال: لا يطلب للآي الكريمة مناسبة"، إلى أن قال: "والذي ينبغي في كل آية أن يبحث أول كل شيء عن كونها مكملة لما قبلها أو مستقلة، ثم المستقلة ما وجه مناسبتها، ففي ذلك علم جم، وهكذا في السور يُطلب وجه اتصالها بما قبلها وما سيقت له"٢.
ومال رجال المدرسة العقلية الاجتماعية إلى هذا الرأي فقالوا بالوَحْدَة الموضوعية في سور القرآن الكريم، وعدوه أساسًا في فَهْم القرآن الكريم، فقال محمد رشيد رضا: "مَن نظر في ترتيب السور كلها في المصحف يرى أنه قد رُوعي في ترتيبها الطول والتوسط والقصر في الجملة، ومن حكمته أن في ذلك عونًا على تلاوته وحفظه، فالناس يبدءون بقراءته من أوله فيكون الانتقال من السبع الطوال إلى المئين فالمثاني فالمفصل أنفى للملل وأدعى إلى النشاط، ويبدءون بحفظه من آخره؛ لأن ذلك أسهل على الأطفال؛ ولكن في كل قسم من الطول والمئين والمفصل تقديمًا لسور قصيرة على سور أطول منها، ومن حكمة
стр. 740
ذلك أنه قد رُوعي التناسب في معاني السور مع التناسب في الصور؛ أي: مقدار الطول والقصر"١.
ثم تحدث -رحمه الله تعالى- عن التناسب بين سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام، أما الفاتحة فلم يراعِ مناسبتها لما بعدها وحده؛ إذ هي فاتحة القرآن كله، فقال عن المناسبة بين هذه السور: "سورة البقرة أجمع سور القرآن لأصول الإسلام وفروعه، ففيها بيان التوحيد، والبعث، والرسالة العامة والخاصة، وأركان الإسلام العملية، وبيان الخَلْق والتكوين، وبيان أحوال أهل الكتاب والمشركين والمنافقين في دعوة القرآن، ومحاجة الجميع، وبيان أحكام المعاملات المالية والقتال والزوجية، والسور الطوال التي بعدها متممة لما فيها؛ فالثلاث الأولى منها مفصلة لكل ما يتعلق بأهل الكتاب؛ ولكن البقرة أطالت في محاجة اليهود خاصة، وسورة آل عمران أطالت في محاجة النصارى في نصها الأول، وسورة النساء حاجتهم في أواخرها، واشتملت في أثنائها على بيان شئون المنافقين مما أُجمل في سورة البقرة، ثم أتمت سورة المائدة محاجة اليهود والنصارى فيما يشتركان فيه، وفيما ينفرد كل منهما به.
ولما كان أمر العقائد هم الأهم المقدَّم في الدين، وكان شأن أهل الكتاب فيه أعظم من شأن المشركين؛ قدمت السور المشتملة على محاجتهم بالتفصيل، وناسب أن يجيء بعدها ما فيه محاجة المشركين بالتفصيل؛ وتلك سورة الأنعام، لم تستوفِ ذلك سورة مثلها، فهي متممة لشرح ما في سورة البقرة مما يتعلق بالعقائد، وجاءت سورة الأعراف بعدها متممة لما فيها ومبينة لسنن الله تعالى في الأنبياء المرسلين وشئون أممهم معهم، وهي حجة على المشركين وأهل الكتاب جميعًا؛ ولكن سورة الأنعام فصَّلت الكلام في إبراهيم الذي ينتمي إليه العرب وأهل الكتاب في النَّسَب والدين، وسورة الأعراف فصَّلت الكلام في موسى الذي ينتمي إليه أهل الكتاب، ويتبع شريعته جميع أنبيائهم حتى عيسى المسيح ﵊.
ولما تم بهذه السورة تفصيل ما أُجمل في سورة البقرة من العقائد في
стр. 741
الإلهيات والنبوات والبعث، ناسب أن يذكر بعدها ما يتم ما أجمل فيها من الأحكام، ولا سيما أحكام القتال والمنافقين، وكان قد فصَّل بعض التفصيل في سورة النساء؛ فكانت سورتا الأنفال والتوبة هما المفصلتين لذلك، وبهما يتم ثلث القرآن"١.
وقال ايضًا بهذا القول من رجال المدرسة العقلية الاجتماعية محمود شلتوت -رحمه الله تعالى- فقال: "إن جميع ما في القرآن، وإن اختلفت أماكنه، وتعددت سوره وأحكامه؛ فهو وَحْدَة عامة، لا يصح تفريقه في العمل، ولا الأخذ ببعضه دون البعض"٢.
ولتأكيد الوَحْدَة الموضوعية بين سور القرآن الكريم نرى رجال المدرسة العقلية الاجتماعية يوازنون بين التفاسير؛ فيختارون منها ما يرونه ملتئمًا مع السياق؛ ولهذا فلربما استعرضوا آراء المفسرين السابقين في تفسير آية أو كلمة قرآنية ورفضوها لمخالفتها لهذا الأساس؛ فالإمام محمد عبده -رحمه الله تعالى- مثلًا عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ ٣ يستعرض آراء المفسرين، ثم يقول بعد ذلك: "هذا تقرير ما جرى عليه المفسرون في الآيات، وإذا وازنا بين سياق آية ﴿مَا نَنْسَخْ﴾ وآية ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ ٤ نجد أن الأولى ختمت بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ ٣، والثانية بقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ ٤، ونحن نعلم شدة العناية في أسلوب القرآن بمراعاة هذه المناسبات، فذكر العلم والتنزيل ودعوى الافتراء في الآية الثانية يقتضي أن يُراد بالآيات فيها آيات الأحكام، وأما ذكر القدرة والتقرير بها في الآية الأولى فلا يناسب موضوع الأحكام ونسخها؛ وإنما يناسب هذا ذكر العلم
стр. 742
والحكمة فلو قال: "ألم تعلم أن الله عليم حكيم" لكان لنا أن نقول: إنه أراد نسخ آيات الأحكام لما اقتضته الحكمة من انتهاء الزمن أو الحال التي كانت فيها تلك الأحكام موافقة للمصلحة، وقد تحير العلماء في فَهْم الإنساء على الوجه الذي ذكروه؛ حتى قال بعضهم: إن معنى "ننسها" نتركها على ما هي عليه من غير نسخ، وأنت ترى أن هذا -وإن صح لغة- لا يلتئم مع تفسيرها؛ إذ لا معنى للإتيان بخير منها مع تركها على حالها غير منسوخة.
"قال"١: والمعنى الصحيح الذي يلتئم مع السياق إلى آخره أن الآية هنا هي ما يؤيد الله تعالى به الأنبياء من الدلائل على نبوتهم؛ أي: "ما ننسخ من آية" نقيمها دليلًا على نبوة من الأنبياء؛ أي: نزيلها ونترك تأييد نبي آخر بها، أو ننسها الناس لطول العهد بمن جاء بها، فإننا بما لنا من القدرة الكاملة والتصرف في الملك نأتي بخير منها في قوة الإقناع وإثبات النبوة أو مثلها في ذلك، ومن كان هذا شأنه في قدرته وسَعَة ملكه فلا يتقيد بآية مخصوصة يمنحها جميع أنبيائه"٢.
وانطلاقًا من هذا الأساس لدى رجال المدرسة العقلية الاجتماعية، فإنا نرى الأستاذ محمد عبده يرفض تحديد "فجر" بعينه أو "ليال عشر" بعينها من قوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ ٣؛ بل هما مطلقان، والعلة في ذلك الوَحْدَة الموضوعية في آيات القرآن الكريم.
قال: "كثر خلاف المفسرين والرواة في معنى كل من الفجر وليال عشر إلى آخر ما أقسم به، وقد يفسر الواحد منهم الفجر بمعنى ثم يأتي في الليالي العشر بما لا يلائمه، وغالب ذلك يجري على خلاف ما عودنا الله في نسق كتابه الكريم، وقد جرت سنة الكتاب بأنه إذا أريد تعيين يوم أو وقت ذكره بعينه؛ كيوم القيامة في ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ٤، وكاليوم الموعود في سورة ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ ٥، وكليلة القدر في سورتها، فإذا أطلق الزمن ولم يقيد كان المراد ما يعمه معنى الاسم، كما سبق في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا
стр. 743
عَسْعَسَ، وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ ١، فالفجر هنا -على هذا- هو جنس ذلك الوقت المعروف الذي يظهر فيه بياض النهار في جلد الليل الأسود، وينبعث الضياء لمطاردة الظلام، وهو وقت تنفس الصبح، وهو معهود في كل يوم؛ فصح أن يُعرَّف بالألف واللام"٢، وقال نحو هذا في "وليال عشر".
واستنادًا إلى هذا الأساس أيضًا ينفي عن تفسير الآية القرآنية كل ما لا يتفق عنده مع مفهوم الوَحْدَة الموضوعية في القرآن الكريم؛ فتراه ينفي عن قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ٣ الآيات، ينفي الأستاذ الإمام عن تفسير هذه الآيات قصة الغرانيق التي يلصقها بعضهم في تفسير الآية، فقال: "ما أقرب هذه الآيات في مغازيها إلى قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ٤، وقد قال بعد ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّار﴾ ٥، ثم قال: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ ٦ إلخ الآيات.
وكأن إحدى الطائفتين من القرآن شرح للأخرى؛ فالذين في قلوبهم زيغ هم الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم، والراسخون في العلم هم الذين أوتوا العلم، وهؤلاء هم الذين يعلمون أنه الحق من ربهم؛ فيقولون: آمنا به كل من عند ربنا؛ فتخبت له قلوبهم، وإن الله ليهديهم إلى صراط
стр. 744
مستقيم، وأولئك هم الذين يفتنون بالتأويل، ويستغلون يقال وقيل ما يلقي إليهم الشيطان ويصرفهم عن مرامي البيان ويميل بهم عن محجة الفرقان، وما يتكئون عليه من الأموال والأولاد لن يغني عنهم من الله شيئًا فستوافيهم آجالهم، وتسقبلهم أعمالهم، فإن لم يوافهم الأجل على فراشهم فسيغلبون في هواشهم١، وهذه سُنة جميع الأنبياء مع أممهم، وسبيل الحق مع الباطل من يوم رفع الله الإنسان إلى منزلة يميز فيها بين سعادته وشقائه، وبين ما يحفظه وما يذهب ببقائه، وكما لا مدخل لقصة الغرانيق في آيات آل عمران لا مدخل لها في آيات سورة الحج"٢.
وبهذا الأساس أيضًا فسر الأستاذ عبد القادر المغربي "المرسلات" بالرياح قائلًا: "وقلما ذكر القرآن إطلاق الرياح إلا عبَّر عنه بفعل أرسل ففي؛ سورة فاطر: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾ ٣، وفي الحجر: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ ٤، وفي الأحزاب: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ ٥، وفي الأعراف: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾ ٦، وفي الروم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاح﴾ ٧، وفي آيات أخرى غيرها، فقوله تعالى هنا: ﴿وَالْمُرْسَلات﴾ من هذا القبيل"٨.
ويتضح مدى التزامهم لهذا الأساس حين نراهم يذمون رواة اسباب النزول الذين عمدوا إلى الآيات ذوات أسباب النزول؛ ليفردوها عن بقية الآيات، ويتناولوها بالتفسير والشرح من هذا الجانب، وهم بهذا -كما يقول الأستاذ محمد
стр. 745
رشيد رضا- يمزقون الطائفة الملتئمة من الكلام الإلهي، ويجعلون القرآن عضين متفرقة بما يفككون الآيات ويفصلون بعضها من بعض، وبما يفصلون بين الجمل الموثقة في الآية الواحدة؛ فيجعلون لكل جملة سببًا مستقلًّا، كما يجعلون لكل آية من الآيات الواردة في مسألة واحدة سببًا مستقلًّا"١.
تلكم أمثلة يظهر منها التزامهم للقول بالوَحْدَة الموضوعية في القرآن الكريم التزامًا يجعله أساسًا من الأسس البارزة في منهجهم.
стр. 746
الأساس الثاني: الوَحْدَة الموضوعية في السورة القرآنية
وهو كالأساس الذي قبله من الأسس الواضحة في منهج المدرسة العقلية الاجتماعية في التفسير، وقد وقف العلماء السابقون منه موقفهم من سابقه أيضًا بين منكر ومؤيد.
طائفة قالت بالتناسب بين آيات القرآن الكريم وتناسقها؛ ومنهم الشيخ ولي الدين الملوي الذي قال: "وقد وهم مَن قال لا يُطلب للآي الكريمة مناسبة؛ لأنها على حسب الوقائع المتفرقة، وفصل الخطاب أنها على حسب الوقائع تنزيلًا وعلى حسب الحكمة ترتيبًا وتأصيلًا، فالمصحف على وَفْق ما في اللوح المحفوظ، مرتبة سورة كلها وآياته بالتوقيف كما أنزل جملة إلى بيت العزة، ومن المعجز البين أسلوبه ونظمه الباهر، والذي ينبغي في كل آية أن يبحث أول كل شيء عن كونها مكملة لما قبلها أو مستقلة، ثم المستقلة ما وجه مناسبتها لما قبلها، ففي ذلك علم جم، وهكذا في السور يُطلب وجه اتصالها بما قبلها وما سيقت له"١، وقال بالمناسبة أيضًا الإمام الشاطبي٢، والإمام السيوطي٣، وغيرهم.
وذهبت طائفة أخرى إلى أن القرآن الكريم لم يأتِ على نسق الكتب
стр. 747
الموضوعية؛ إذ ليست له مقدمة وليست فيه مباحث موضوعية مرتبة لها مقاصد وأغراض في فصول وأبواب؛ وإنما كان القرآن مشتملًا على عدة سور، كل سورة منه احتوت على آيات متعددة، كل آية في غرض، فهذه للوعظ، وتلك للزجر، وهذه قصة وأخرى لحكم من الأحكام، وأخرى لوصف الجنة أو النار١.
وقد عاب الإمام عز الدين بن عبد السلام ذلك وعد طالبه متكلفًا؛ حيث قال: "المناسبة علم حسن؛ لكن يشترط في حسن ارتباط الكلام أن يقع في أمر متحد مرتبط أوله بآخره، فإن وقع على أسباب مختلفة لم يقع فيه ارتباط، ومَن ربط ذلك فهو متكلف بما لا يقدر عليه إلا بربط ركيك يصان عن مثله حسن الحديث فضلًا عن أحسنه، فإن القرآن نزل في نيِّف وعشرين سنة في أحكام مختلفة، شرعت لأسباب مختلفة، وما كان كذلك لا يتأتى ربط بعضه ببعض"٢.
وكما قال رجال المدرسة العقلية الاجتماعية بالوَحْدَة الموضوعية في القرآن الكريم قالوا بالوَحْدَة الموضوعية في السورة القرآنية؛ فقال الشيخ عبد العزيز جاويش: "قد يغفل المفسر عمَّا بين آيات القرآن من الارتباط والتناسب، وما قد يفيد بعضها بعضًا من البيان أو التقييد؛ فيأخذها بالتأويل مفككة العرى مبددة النظم، حتى إذا استعصى عليه أمرها ونبا عقله عن فَهْمِها، لا يزال يركب في تأويلها صعاب المراكب، ويلتمس بلوغ معانيها بتسنم الجبال وقطع السباسب، وقلما سلمت أقدامهم من العثار أو استطاعوا إبراز ما فيها من الآثار"٣.
وكما ردوا من التفاسير التفسير الذي يخالف الوَحْدَة الموضوعية في القرآن، فإنهم يردون هنا ما يخالف الوَحْدَة الموضوعية في السورة أو هدفها العام؛ حتى جعلوا هذا الأخير أساسًا في فَهْم آياتها؛ ولذلك فإنا نرى -مثلًا- الأستاذ الإمام محمد عبده يرفض تفسير الرزق في قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ
стр. 748
وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ ١، بأنه كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف. ويؤكد هذا الرفض بقوله: "والله لم يقل ذلك، ولا قاله رسوله ﷺ ، ولا هو مما يُعرف بالرأي، ولم يثبته تاريخ يعتد به، والروايات عن مفسري السلف متعارضة، وفي أسانيدها ما فيها".
ثم أورد التفسير الذي يراه موفقًا للهدف العام للسورة فقال: "وأنت ترى أنه لا دليل في الآية على أن الرزق كان من خوارق العادات، وإسناد المؤمنين الأمر إلى الله في مثل هذا المقام معهود في القديم والحيدث".
ثم قال: "أما ما سيقت القصة لأجله، وهو الذي يجب أن نبحث فيه، ونستخرج العبر من قوادمه وخوافيه، فهو تقرير نبوة النبي ﷺ ، ودحض شبه أهل الكتاب الذين احتكروا فضل الله، وجعلوه خاصًّا بشعب إسرائيل، وشبه المشركين الذين كانوا ينكرون نبوته لأنه بشر، وبيان ذلك أن المقصد الأول من مقاصد الوحي هو تقرير عقيدة الألوهية، وأهم مسائلها مسألة الوحدانية، وتقرير عقيدة البعث والجزاء، وعقيدة الوحي والأنبياء، وقد افتتحت السورة بذكر التوحيد وإنزال الكتاب، ثم كانت الآيات من أولها إلى هذه القصة -أوقبيل هذه القصة- في الألوهية والجزاء، وبعد البعث بالتفصيل وإزالة الشبهات والأوهام في ذلك، ثم بيَّن أن الإيمان بالله وادعاء حبة ورجاء النجاة في الآخرة والفوز بالسعادة فيها؛ إنما تكون باتباع رسوله، وقفى على ذلك بهذه القصة التي تزيل شُبَه المشركين وأهل الكتاب في رسالته، وتردها على وجوههم.
رد عليهم بما يعرفونه من أن آدم أبو البشر، وأن الله اصطفاه، ومن اصطفاء نوح، ومن اصطفاء إبراهيم، فإن كان الأمر له في اصطفاء مَن يشاء مِن عباده -وبذلك اصطفى هؤلاء على عالمي زمانهم- فما المانع له من اصطفاء محمد ﷺ بعد ذلك على العالمين كما اصطفى أولئك"٢.
وكما رد الإمام محمد عبده قصة الغرانيق التي يوردها بعض المفسرين في
стр. 749
تفسيرهم لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ١، كما رد قصة الغرانيق لالتزامه الوَحْدَة الموضوعية في القرآن الكريم، فإنه أنكرها أيضًا لالتزامه الوَحْدَة الموضوعية في السورة القرآنية، فقال: "والآن أرجع إلى تفسير الآيات على الوجه الذي تحتمله ألفاظها، وتدل عليه عباراتها، والله أعلم".
ثم استعرض هذه الآيات قائلًا: "ذكر الله لنبيه حالًا من أحوال الأنبياء والمرسلين قبله؛ ليبين لهم سنته فيهم وذلك بعد أن قال: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ، وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ، وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ ٢، إلى آخر الآيات، ثم قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ، فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ، وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ، وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ ٣ إلخ.
فالقصص السابق كان في تكذيب الأمم لأنبيائهم، ثم تبعه الأمر الإلهي بأن يقول النبي ﷺ لقومه: إنني لم أرسل إليكم إلا لأنذركم بعاقبة ما أنتم عليه، ولأبشر المؤمنين بالنعمي، وأما الذين يسعون في الآيات والأدلة التي أقيمها على الهدى وطرق السعادة؛ ليحولوا عنها الأنظار، ويحجبوها عن الأبصار، ويفسدوا أثرها الذي أُقيمت لأجله، ويعاجزوا بذلك النبي ﷺ والمؤمنين؛ أي: يسابقونهم ليعجزوهم ويسكتوهم عن القول، وذلك بلعبهم بالألفاظ، وتحويلهم عن مقصد قائلها -كما يقع عادة من أهل الجدل والمماحكة- هؤلاء الضالون المضلون هم أصحاب الجحيم، وأعقب ذلك بما يفيد أن ما ابتلي به النبي ﷺ من المعاجزة في الآيات، قد ابتلي به الأنبياء السابقون، فلم يبعث نبي في أمة إلا كان له خصوم يؤذونه بالتأويل والتحريف، ويضادون أمانيه، ويحولون بينه وبين ما يبتغي بما يقولون في سبيله من العثرات؛ فعلى هذا
стр. 750
المعنى الذي يتفق مع ما لقيه الأنبياء جميعًا يجب أن تفسير الآية"١.
ثم ذكر تفسيرين للآية مع القول بالوَحْدَة الموضوعية في السورة القرآنية وفي السور القرآنية.
وقد برزت ظاهرة في تفاسير أصحاب المدرسة العقلية الاجتماعية؛ ألا وهي اهتمامهم ببيان الغرض العام في السورة؛ حتى يكون محور ارتكاز في التفسير.
стр. 751
الأساس الثالث: تحكيم العقل في التفسير
لا ينكر صاحب لب ما للعقل من قيمة، وما له من مكانة كبيرة في الحياة عامة، ولا ينكر صاحب فَهْم وعلم ما له من قيمة ومكانة في الإسلام أيضًا، تشهد لذلك النصوص العديدة والآثار البارزة والعلامات البينة، كلها تدل عليه وتشير إليه.
دعا الإسلام إلى استعمال العقل في مواضع عديدة: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون﴾ ١، ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٢، وغير هذا كثير٣.
وذم الإسلام بعض الأفعال لمخالفتها العقل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ ٤، ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ ٥، ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ٦، وغير هذا كثير٧.
стр. 752
وذكر الإسلام من أسباب دخول النار عدم الاهتداء بالعقل ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ ١.
هذه بعض أمثلة على مكانة العقل في الإسلام، بعضها يرسي له مكانة سامية ودرجة عالية، ومع هذا التكريم فقد كرمه مرة أخرى تكرمة عدها بعض مَن لا علم له ولا معرفة امتهانًا، وعدها ذوو العقول والألباب لا تقل عن سابقها من المكارم؛ تلكم المكرمة أنه حد له حدودًا لا يتجاوزها، ورسم له مراسم لا يتعداها، لا لشيء إلا لأنه سيضل فيها ويتيه، ولا لشيء إلا لأنها فوق مداركه وفوق قدراته وطاقاته، ومن الخير له كل الخير أن يقف دونها لايخوض فيها، وفي هذا -ولا شك- تكريم له وأي تكريم.
وكما مر بنا فقد نبتت في الإسلام نابتة أعطت العقل أكثر من حقه، وزعمت أنه خُلق ليعرف، وهو قادر على أن يعرف كل شيء المنظور وغير المنظور، وجعلوه الحَكَمَ الذي يحكم في كل شيء، والنور الذي يجلو كل ظلمة، حكموه في إيمانهم وفي جميع شئونهم الخاصة والعامة٢، حتى قال عالمهم ومفسرهم الزمخشري رامزًا للعقل بالسلطان: "امشِ في دينك تحت راية السلطان، ولا تقنع بالرواية عن فلان وفلان، فما الأسد المحتجب في عرينه أعز من الرجل المحتج على قرينه، وما العنز الجرباء تحت الشمأل البليل أذل من المقلد عند صاحب الدليل"٣.
وقد أدى بهم تحكيم العقل المجرد عن النص إلى ان شطحوا بعقولهم شطحات وهفوا هفوات في الكتاب والسنة؛ بل في جوانب كثيرة من العقيدة، ما كانوا ليقعوا فيها لو اهتدوا إلى سبيل الحق.
وقد امتطى هذه الصهوة رجال جاءوا من بعدهم، فمال بهم وأدى بهم إلى أمور خاطئة، واعتقادات باطلة، وأحكام زائفة، وهم وإن لم يوافقوهم كل الموافقة
стр. 753
فهناك قواعد مشتركة وعقائد متماثلة تجمع بين هؤلاء وهؤلاء؛ حتى أطلق على هؤلاء المتأخرين: "معتزلة العصر الحديث"١، ولن نسميهم باعتزال؛ بل نسميهم بالصفة المشتركة بينهم، فليكونوا ولتكن مدرستهم المدرسة العقلية الحديثة، وقد اتجهت المتأخرة إلى الإصلاح الاجتماعي؛ فكان حقًّا لها أن يلصق بها هذا الوصف فتكون المدرسة العقلية الاجتماعية.
كيف لا والأستاذ الإمام محمد عبده يعد أصول الإسلام؛ فيعد الأول والثاني منها النظر العقلي وتقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض؛ حيث يقول: "الأصل الأول للإسلام النظر العقلي لتحصيل العلم، فأول أساس وضع عليه الإسلام هو النظر العقلي، والنظر عنده هو وسيلة الإيمان الصحيح، فقد أقامك منه على سبيل الحجة وقاضاك إلى العقل، ومن قاضاك إلى حاكم فقد أذعن إلى سلطته، فكيف يمكنه بعد ذلك أن يجوز أو يثور عليه؟! "٢.
ولا شك أن وصف الإسلام بأنه "يذعن لسلطة العقل" تعبير مخالف للصواب ومخالف للحق؛ فالإسلام عقيدة أوسع من أن تذعن لوسيلة، والعقل وسيلة أضيق من أن تحيط بالعقيدة، تلكم صفات الله تعالى، ما حقيقتها؟! وهل يدرك العقل ذلك منها؟! إن زعم ذلك زاعم فقد كذب وافترى على العقل، وإن فوض أمرها فقد اعتقد ما لا يدرك العقل فأنَّى للعقيدة الصحيحة الصادقة أن تذعن لسلطة هي أضعف من إداركها!
ولنعجل بالأصل الثاني من أصول الإسلام عند الأستاذ الإمام قال: "الأصل الثاني للإسلام تقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض"، إلى أن قال: "وبهذا الأصل الذي قام على الكتاب وصحيح السنة وعمل النبي ﷺ مُهدت بين يدي العقل كل سبيل، وأُزيلت من سبيله جمع العقبات، واتسع له المجال إلى غير حد"٣.
стр. 754
وقال أيضًا مما يبين درجة العقل عنده: "وتقرر بين المسلمين كافة -إلا مَن لا ثقة بعقله ولا بدينه- أن من قضايا الدين ما لا يمكن الاعتقاد به إلا من طريق العقل؛ كالعلم بوجود الله وبقدرته على إرسال الرسل، وعلمه بما يوحي به إليهم"١.
وهذا الشيخ عبد العزيز جاويش يرفع العقل إلى مرتبة تستطيع أن تصل بالنفس الإنسانية إلى مراتب الكمال في الأحكام والتصورات والنظم الاجتماعية وغيرها؛ ليس بالوحي ولكن بالبحث والتنقيب والتجارب! يقول: "إن من الممكن أن تصل العقول البشرية بالبحث والتنقيب والتجارب إلى ما تصبو إليه النفس الإنسانية من مراتب الكمال في الأحكام والتصورات والنظم الاجتماعية والمسائل العلمية والآداب الخلقية ... إلخ"٢.
إذًا فإذا كانت العقول قادرة على هذا، فما الحكمة من إرسال الرسل؟! لإتمام الحجة. لا، لا يصح هذا؛ لأن الحجة قائمة بقدرة العقل المزعومة، ويبقى السؤال معلقًا ما بقي هذا الزعم.
ويقول الشيخ جاويش أيضًا: "إن القرآن الذي هو كتاب دين الفطرة ما كان ليأتي بما ينافي الآراء القويمة أو تغم حكمته على العقول السليمة، ولم يكن ليكلف العقل الإيمان بما لا يعقل، أو يحمل الجسم ما لا طاقة له به، أو أن يفترض على الإنسان ما ليس من موسوعات فطرته؛ إذًا فوظيفته في البشر رسم أقرب الطرق إلى الهداية، وحفظ العباد عن مواطن الهلاك التي يغشاها طلاب الحق والحقيقة، لا من طريق الوحي؛ بل من طرائق التجارب ... إلخ"٣.
وذلكم الأستاذ محمد فريد وجدي يستدل بأحاديث باطلة أو منكرة أو ضعيفة سندًا لعقيدته في العقل، ويصف هذه الأحاديث -وهي بهذه الدرجة- بأنها
стр. 755
"قواعد إلهية"! فأورد حديث: "الدين هو العقل، ولا دين لمن لا عقل له"١، وحديث: "يأيها الناس، اعقلوا عن ربكم وتواصوا بالعقل تعرفوا ما أمرتم به وما نهيتم عنه، واعلموا أنه ينجدكم عند ربكم" ٢ ... إلخ، ثم عقب عليهما قائلًا: "بهذه القواعد الإلهية نال العقل حريته، وتخلص من وثاق كان يثن منه ويتعثر في أصفاده، وصار هو المرشد الحقيقي للإنسان، وهي الوظيفة التي خلقه لأجلها الملك الديان"٣.
إذًا، فهذه درجة الحكم العقلي لدى رجال المدرسة العقلية الاجتماعية، طبقوه ودعوا لذلك في تفسير القرآن الكريم، وهذا الأستاذ محمد فريد وجدي يقول في تفسير بعض الآيات: "كل هذه الآيات تتناولها القاعدة الأصولية التي انفرد بها هذا الدين؛ وهي أنه لو تعارض نص وعقل أو علم صحيح أُوِّلَ النص وأُخِذَ بحكم العقل أو العلم، وقد أَوَّل آباؤنا من هذه الآيات ما خالف عقولهم أو ناقض العلم الصحيح، ونحن نجري على سننهم فنؤول ما يخالف عقولنا منها.
جرى المسلمون على هذا السمت؛ فكان تطورهم العلمي يمدهم بالمعلومات، وعلماؤهم يؤولون الآيات؛ حتى تآخي العلم والدين، وسارا كفرسي رهان لا يسبق أحدهما الآخر، فانقسم الناس إلى فريقين: فريق للدين يقل كل يوم عددًا، وفريق للمدنية يزداد كل يوم مددًا؛ ولكن كانوا في وَحْدَة
стр. 756
لا انفصام لها؛ فبلغوا إلى ما لا تبلغه أمة قبلهم من بسطتي الدنيا والدين"١.
لذا فهم يصرفون الآيات القرآنية عن ظاهرها إذا صعب عليهم فَهْمُها أو التبست على عقولهم معانيها، وأنكروا كثيرًا من المعجزات أو أولوها بما لا تكون به معجزة خارقة، وردوا بعض الأحاديث الصحيحة، وغير ذلك مما سيأتي بيانه إن شاء الله.
وخذ مثلًا لذلك تفسير الشيخ عبد القادر المغربي لقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُور﴾ ٢؛ حيث قال: "مَن في السماء هو الله تعالى؛ لكن قام البرهان العقلي على أن الإله الأزلي خالق الكل وضابط الكل لا يتصور أن يكونه مستقرًّا في مكان؛ فوجب إذًا صرف الآية عن ظاهرها وحملها على معنى يلتحم مع ما أثبته العقل وقام عليه البرهان، والقرآن يفسر بعضه بعضًا؛ فآية ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ ٣ تنفي أن تكون ذات الله في السماوات وفي الأرض؛ إذ كيف يعقل أن تكون الذات الواحدة في مكانين في آنٍ واحد؟! لا جرم أن يكون المراد بكونه تعالى في السماء وفي الأرض أن مشيئته وحكمه نافذ فيهما، وسلطانه وقهره غالب عليهما"٤.
ومن تفسير الشيخ عبد القادر أيضًا تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ ٥؛ حيث قال: "هذا هو خبر سيدنا يونس حسبما أخذناه من النصوص الصحيحة، وليس فيه ما يستبعد وقوعه، اللهم إلا التقام الحوت له ومكثه في طبنه حينًا من الزمن حيًّا يُرزق ثم نبذه في ذلك الفضاء، على أنه إن حق لأهل القرون الماضية أن يستبعدوا خبر صاحب الحوت؛ فلا يحق لأبناء عصرنا ذلك الاستبعاد بعد أن رأوا بأعينهم سبح
стр. 757
الكثير منهم في بطون الغواصات أيامًا متطاولات تحت البحار الطاميات، وطيرانهم مثل ذلك في أجواء السماوات، فالإله الذي خلق العقل البشري، ومهد له سبيل الوصول إلى مثل هذه العجائب؛ ألا يكون قادرًا على أن ييسر حصول مثله لعبده يونس ببعض الأسباب التي لم تزل مجهولة لنا؟! هذا ما نقوله للمتسائل المتعجب، أما نحن معشر المسلمين فنؤمن بما ورد في الكتاب ما دام أنه غير محال في العقل"١.
ومن التفسير العقلي التفسير بالرأي المجرد عن الدليل الصحيح، وهذا الأستاذ محمد عبده يفسر قوله تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾ ٢ بقوله: "وفرعون هو حاكم مصر الذي كان في عهد موسى ﵇ وللمفسرين في الأوتاد اختلاف كبير، وأظهر أقوالهم ملاءمة للحقيقة أن الأوتاد: المباني العظيمة الثابتة، وما أجمل التعبير عما ترك المصريون من الأبنية الباقية بالأوتاد؛ فإنها هي الأهرام، ومنظرها في عين الرائي منظر الوتد الضخم المغروز في الأرض؛ بل إن شكل هياكلهم العظيمة في أقسامها شكل الأوتاد المقلوبة، يبتدئ القسم عريضًا وينتهي بأدق مما ابتدأ، وهذه هي الأوتاد التي يصح نسبتها إلى فرعون على أنها معهودة للمخاطبين"٣.
ويعلق الأستاذ الإمام على تفسير الجلال السيوطي لقوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ ٤ بقوله: "وقال مفسرنا الجلال السيوطي: إن الرعد مَلَك أو صوته، والبرق سوطه يسوق به السحاب"، كأن الملَك جسم مادي؛ لأن الصوت المسموع بالآذان من خصائص الأجسام، وكأن السحاب حمار بليد لا يسير إلا إذا زجر بالصراخ الشديد والضرب المتتابع"٥.
стр. 758
ولكنه يقول في موضع آخر عن الملائكة: "وإذا ورد أنهم موكلون بالعوالم الجسمانية كالنبات والبحار؛ فأننا نستدل بذلك على أن في الكون عالمًا آخر ألطف من هذا العالم المحسوس، وأن له علاقة بنظامه وأحكامه، والعقل لا يحكم باستحالة هذا؛ بل يحكم بإمكانه لذاته، ويحكم بصدق الوحي الذي أخبر به"١.
وهذا تلميذه الأستاذ محمد رشيد رضا يرى أن الإمداد في قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِين﴾ ٢، إمداد روحاني لا مادي، وقال: "وما أدري أين يضع بعض العلماء عقولهم عندما يغترون ببعض الظواهر وببعض الروايات الغريبة التي يردها العقل ولا يثبتها ما له قيمة من النقل، فإذا كان تأييد الله للمؤمنين بالتأييدات الروحانية التي تضاعف القوة المعنوية، وتسهيله لهم الأسباب الحسية كإنزال المطر، وما كان له من الفوائد لم يكن كافيًا لنصره إياهم على المشركين بقتل سبعين وأسر سبعين؛ حتى كان ألف -وقيل: الآف- من الملائكة يقاتلونهم معهم، فيفلقون منهم الهام، ويقطعون من أيديهم كل بنان، فأي مزية لأهل بدر فُضلوا بها على سائر المؤمنين ممن غزوا بعدهم وأذلوا المشركين وقتلوا منهم الألوف؟ ".
إلى أن قال: "ألا إن في هذا من شأن تعظيم المشركين، ورفع شأنهم، وتكبير شجاعتهم، وتصغير شأن أفضل أصحاب الرسول وأشجعهم، ما لا يصدر عن عاقل، إلا وقد سلب عقله لتصحيح روايات باطلة، لا يصح لها سند، ولم يرفع منها إلا حديث مرسل عن ابن عباس، ذكره الألوسي وغيره بغير سند، وابن عباس لم يحضر غزوة بدر؛ لأنه كان صغيرًا، فروايته عنها حتى في الصحيح مرسلة، وقد روى عن غير الصحابة حتى عن كعب الأحبار وأمثاله"٣.
وغريب من الشيخ محمد رشيد رضا أن يغمز مرويات عن ابن عباس ﵄ بأنها حتى في الصحيح مرسلة، وهو العارف بالحديث وعلومه
стр. 759
ولا أظنه يخفى عليه حكم مرسل الصحابي حتى إن ابن الصلاح لم يعده من أنواع المرسل قائلًا: "ثم إنا لم نعد في أنواع المرسل ونحوه ما يُسمى في أصول الفقه "مرسل الصحابي" مثل ما يرويه ابن عباس وغيره من أحداث الصحابة عن رسول الله ﷺ ولم يسمعوه منه؛ لأن ذلك في حكم الموصول المسند؛ لأن روايتهم عن الصحابة والجهالة بالصحابي غير قادحة؛ لأن الصحابة كلهم عدول والله أعلم"١.
وغريب منه أيضًا أن يغمز ابن عباس ﵄ بأنه روى عن غير الصحابة حتى عن كعب الأحبار وأمثاله، فهل يرى الشيخ رشيد بأن ابن عباس ﵄ يروي عمن لا يثق بصدقه وأمانته؟! بل وما دخل روايته عن كعب الأحبار بروايته عن غزوة بدر؟! لا أرى هذا إلا ضعفًا في الحجة.
ومن تفسير الأستاذ محمد رشيد رضا بالرأي المجرد تفسيره للمسخ في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ ٢ بقوله: "أي: فكانوا بحسب سُنة الله في طبع الإنسان وأخلاقه كالقردة المستذلة المطرودة من حضرة الناس؛ والمعنى: أن هذا الاعتداء الصريح لحدود هذه الفريضة قد جرأهم على المعاصي والمنكرات بلا خجل ولا حياء؛ حتى صار كرام الناس يحتقرونهم ولا يرونهم أهلًا لمجالستهم ومعاملتهم".
ثم قال: "وذهب الجمهور أيضًا إلى ان معنى ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾ أن صورهم مُسخت فكانوا قردة حقيقيين، والآية ليست نصًّا فيه، ولم يبقَ إلا النقل ولو صح لما كان في الآية عبرة ولا موعظة للعصاة؛ لأنهم يعلمون بالمشاهَدة أن الله لا يمسخ كل عاص فيخرجه عن نوع الإنسان؛ إذ ليس ذلك من سننه في خَلْقه؛ وإنما العبرة الكبرى في العلم بان من سنن الله تعالى في الذين خلوا من قبل أن مَن يفسق عن أمر ربه، ويتنكب الصراط الذي شرعه له؛ ينزل عن مرتبة الإنسان، ويلتحق بعجماوات
стр. 760
الحيوان، وسنة الله تعالى واحدة، فهو يعامل القرون الحاضرة بمثل ما عامل به القرون الخالية"١.
ولا أظن هذا الذي قاله الشيخ رشيد رضا إلا زَلَّة قلم في أمر واضح بيِّن، فليس هذا العقاب هو الوحيد من نوعه في الأمم السابقة؛ عذبت أمة بالطوفان، وعذبت أخرى بالصيحة، وعذبت ثالثة بحجارة من سجيل، وعذب آخرون بالخسف وبالجراد وبالقُمَّل والضفادع وغير ذلك، والعصاة يعلمون بالمشاهَدة أن الله لا يعذب كل عاصٍ بهذا العذاب، فهل يعد هذا مبطلًا لحقيقة هذه العقوبات أو مبررًا لتأويلها -بل تحريفها- عن معانيها لمجرد كونهم لا يرونها سُنة من سنن الله في العصاة؟!
هذا بعض ما أدى بهم إليه تحكيم العقل المجرد عن النص، وهي قضايا آحادية تولدت حتى أصبح بعضها أساسًا مستقلًّا بذاته في منهجهم في التفسير، نذكر من هذه الأسس التي تولدت عن هذا لأصل لديهم إنكار التقليد وذمه، وموقفهم من التفسير بالمأثور، ورد بعض الأحاديث الصحيحة، والتحذير من الإسرائيليات، وتأويل المعجزات والخوارق بما يبطلها، وكان تأويل بعض القصص القرآنية بالتمثيل وعدم وقوعها، وموقفهم من بعض الغيبيات كالملائكة والجن، وبعض علامات الساعة وأماراتها، وموقفهم من السحر، وغير ذلك كثير.
كلها أمور تولدت من هذا الأساس العميق المتأصل في منهجهم؛ بل عمود منهجهم الأول، ونحن هنا -في دراستنا هذه- سنعرض لبعض هذه الأبحاث عرضًا سريعًا غرضنا منه جلاء الصورة وبيان أبعادها وحدودها ليس إلا، وليس من شأننا دراسة هذا الأساس أو هذا المنهج دراسة نقدية موسعة، فلذلك شأن آخر؛ وإنما غرضنا عرض مناهج التفسير في العصر الحديث، وندع لمن شاء أن يدرس كل منهج دراسة نقدية موسعة ففي كل منها مادة وفيرة للدراسة ومعالم بارزة محمودة ومذمومة.
стр. 761
الأساس الرابع: إنكار التقليد وذمه والتحذير منه
وهو أساس متولد -كما ذكرنا- من سابقه، ويطلق التقليد ويراد به في عرف الفقهاء "وقبول قول الغير من غير حجة"، ولا يُسمى الأخذ بالكتاب أو السنة أو الإجماع تقليدًا؛ لأن ذلك هو الحجة في نفسه١.
ولا يخفى أمر الاجتهاد والتقليد في عمومه، وقد حدثت بين المسلمين حوادث تحز في نفس المسلم من عبارات مؤيدي الاجتهاد أو أنصار التقليد، وما أدى التطرف بطائفة من هؤلاء وأخرى من أولئك إلى أقوال وأفعال لا تحمد، وليس بحثنا هنا بحثًا أصوليًّا نعرض فيه أقوال هؤلاء وهؤلاء؛ ولكنه بيان لموقف رجال المدرسة العقلية الاجتماعية في التفسير.
وهو موقف تلحظه في كل سطر؛ بل في كل كلمة من كلماتهم، يرفضون التقليد وينكرونه ويذمون أصحابه وينعون عليهم فعلهم.
وهذا الأستاذ الإمام محمد عبده -أستاذ المدرسة ورائدها- جعل تحرير الفكر من قيد التقليد أول أمر دعا إليه؛ حيث قال: "ثم لم ألبث بعد قطعه من الزمن أن سئمت الاستمرار على ما يألفون، واندفعت إلى طلب شيء مما لا يعرفون؛ فعثرت على ما لم يكونوا يعثرون عليه، وناديت بأحسن ما وجدت ودعوت إليه، وارتفع صوتي بالدعوة إلى أمرين عظيمين؛ الأول: تحرير الفكر من قيد التقليد، وفَهْم الدين على طريقة سلف الأمة قبل ظهور الخلاف والرجوع في كسب معارفه إلى ينابيعها الأولى، واعتباره من ضمن موازين العقل البشري التي وضعها الله؛ لترد من شططه، وتقلل من خلطه وخبطه، وقد خالفت في الدعوة إليه رأي الفئتين العظيمتين اللتين يتركب منها جسم الأمة: طلاب علوم الدين ومَن على شاكلتهم، وطلاب فنون هذا العصر ومَن هو في ناحيتهم"٢.
وهذا الاجتهاد الذي يدعو إليه الأستاذ الإمام سهل المنال على الجمهور
стр. 762
الأعظم، وقد وضح ذلك بقوله: "فرض الإسلام على كل ذي دين أن يأخذ بحظه من علم ما أودع الله في كتبه، وما قرره من شرعه، وجعل الناس في ذلك سواء بعد استيفاء الشرط بإعداد ما لَا بُدَّ منه للفَهْم، وهو سهل المنال على الجمهور الأعظم من المتدينين، لا تختص به طبقة من الطبقات، ولا يحتكر مزيته وقت من الأوقات"١.
ولأنه سهل المنال فإن تلميذه السيد رشيد رضا يعد ما اشترطه العلماء في بلوغ رتبة الاجتهاد افتياتًا على الله تعالى، فقال: "وإن في إطلاق مقلدة المصنفين من خلف القرون الوسطى القول بإيجاب تقليد المجتهدين في أمور الدين، وتحريم الأخذ بالدليل فيه -لاشتراطهم فيه استعداد كل مستدل مستقل للتشريع- لافتياتًا على دين الله، ونسخًا لكتاب الله، وشرعًا لم يأذن به الله، خلاصته: تحريم العلم وإيجاب الجهل، وهذا منتهى الإفساد للفطرة والعقل، وهو أقطع المدى لأوصال الإسلام، وأفعل المعاول في هدم قواعد الإيمان، وعلة العلل لانتشار البدع التي ذهبت بهداية الدين واستبدلت بها الخرافات ودخل الدجالين"٢.
ولهذا فإنك ترى الحرص الشديد لدى رجال المدرسة العقلية الاجتماعية على ذم التقليد والتشنيع على المقلدين، وخلطوا بين التقليد في العقيدة والتقليد في الأحكام، وقلبوا الآيات، ففي تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ٣ قال الأستاذ محمد عبده: "فما جرى عليه المقلدون من المسلمين من الأخذ بآراء بعض الفقهاء في العبادات والحلال والحرام هو عين ما أنكره كتاب الله تعالى على أهل الكتاب، وجعله منافيًا للإسلام؛ بل جعل مخالفتهم فيه هي عين الإسلام، فليعتبر المعتبرون"٤.
وخذ مثلًا ما قاله في قوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا
стр. 763
وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَاب﴾ ١: "لولا أن حيل بين المقلدين وهداية القرآن لكان لهم في هذه الآية أشد زلزال لجمودهم على أقوال الناس وآرائهم في الدين، سواءكانوا من الأحياء أم الميتين، وسواء كان التقليد في العقائد والعبادات أم في أحكام الحلال والحرام؛ إذ كل هذا مما يؤخذ عن الله ورسوله، ليس لأحد فيه رأي ولا قول إلا ما كان من الأحكام متعلقًا بالقضاء، وما يتنازع فيه للناس فلأولي الأمر فيه الاجتهاد بشرط إقامة للعدل".
إلى أن قال: "في مثل هؤلاء المتبوعين والتابعين نزل في قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ، وَقَالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ ٢، فكلٌّ يؤاخذ بعمله، فإذا حمل الأول الآخر على رأيه، ودعاه إلى اتباعه فيه، أو في رأي غيره الذي يقلده هو فيه فهو من الأئمة المضلين، وعليه إثمة ومثل إثم مَن أضلهم مِن غير أن ينقص من إثمهم شيء؛ إذ حرم الله عليهم اتخاذ الأنداد من دون الله فاتخذوهم"٣.
وهذا الشيخ عبد العزيز جاويش يرى أن الاجتهاد يلزم كل مَن قدر على فَهْم القرآن والكتب الصحاح! حيث يقول: "فكل مَن يعرف لغة القرآن لا ينبغي له بحال ما أن يقلد غيره تقليدًا متى قدر على فَهْمِه وفهم الكتب الصحاح في السنة، فلم ينسد ولن ينسد باب الاجتهاد برغم أنف مَن أرادوا أن يحجروا على العقول البشرية، ويقيموا عليها أوصياء من الأولين؛ حتى تسير كما ساروا، وتقول بما قالوا"٤.
هذه بعض نصوصهم وعباراتهم، ولا شك أن الدعوة المتطرفة لا يتولد عنها
стр. 764
إلا نتائج متطرفة وأحكامًا كذلك. خذ مثلًا الشيخ محمد مصطفى المراغي أمر بتشكيل لجنة تنظيم الأحوال الشخصية وأوصاهم بقوله: "ضعوا من المواد ما يبدو لكم أنه يوافق الزمان والمكان، وأنا لا يعوزني بعد ذلك أن آتيكم بنص من المذاهب الإسلامية يطابق ما وضعتم"١.
إن هذه العبارة أخطر من أن يُعلق عليها بكلمة أو كلمتين، فلنترك التعليق عليها لذوي الألباب؟!
وخذ مثلًا آخر اجتهد؛ الشيخ محمد عبده فتبين له أنه: "من العجيب أن فقهاء المذاهب الأربعة وربما غيرهم أيضًا قالوا: إن الصلاة بلا حضور ولا خشوع يحصل بها أداء الفرض ويسقط الطلب، ما هذا الكلام! إنه لباطل، كل آية تذكر في القرآن تبطله"٢، أتدرون ما نتيجة هذا الاجتهاد، اسمعوها من أقرب الناس إليه، يقول السيد رشيد رضا عن أستاذه: "وأصرح مع هذا بأنه كان كثيرًا "!! " ما يجمع بين صلاتي الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، حتى في الحضر إذا لم يتيسر له صلاة الأولى بالخشوع والحضور الذي يعتقد وجوبه"٣.
وخذ مثلًا ثالثًا من الشيخ محمد رشيد رضا؛ فهو يرى إباحة التيمم للمسافر حتى مع وجود الماء؛ حيث يقول: "ألا إن من أعجب العجب غفلة جماهير الفقهاء عن هذه الرخصة الصريحة في عبارة القرآن، التي هي أظهر وأَوْلَى من قصر الصلاة وترك الصيام، وأظهر في رفع الحرج والعسر الثابت بالنص وعليه مدار الأحكام، واحتمال ربط قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ ٤ بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ ٤ بعيد؛ بل ممنوع ألبتة -كما تقدم- على أنهم لا يقولون به في المرضى؛ لأن اشتراط فقد الماء في حقهم لا فائدة له؛ لأن الأصحاء مثلهم فيه
стр. 765
فيكون ذكرهم لغوًا يتنزه عنه القرآن. ونقول: إن ذِكْرَ المسافرين كذلك، فإن المقيم إذا لم يجد الماء يتيمم بالإجماع، فلولا أن السفر سبب للرخصة كالمرض لم يكن لذكره فائدة؛ ولذلك عللوه بما هو ضعيف متكلف، وما ورد في سبب نزولها من فقد الماء في السفر أو المكث مدة على غير ماء لا ينافي ذلك"١.
وهاك مثلًا رابعًا لاجتهاد الشيخ محمد عبده وتلميذه السيد رشيد رضا؛ وذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون﴾ ٢، يرى السيد رشيد أن الربا المحرم هو ما كان أضعافًا مضاعفة، فيقول: "والمراد بالربا فيها ربا الجاهلية المعهود عند المخاطبين عند نزولها، لا مطلق المعنى اللغوي الذي هو الزيادة، فما كل ما يسمى زيادة محرم"٣.
ومن قبله قال شيخه الأستاذ الإمام: "إن الناس تحدث لهم باختلاف الزمان أمور ووقائع لم ينص عليها في هذه الكتب، فهل نوقف سير العالم لأجل كتبهم؟ هذا لا يستطاع؛ وذلك اضطر العوام والحكام إلى ترك الأحكام الشرعية، ولجئوا إلى غيرها.
إن أهل بخارى جوَّزوا الربا لضرورة الوقت عندهم، والمصريون قد ابتلوا بهذا؛ فشدد الفقهاء على أغنياء البلاد فصاروا يرون أن الدين ناقص؛ فاضطر الناس إلى الاستدانة من الأجانب بأرباح فاحشة استنزفت ثرورة البلاد وحولتها للأجانب، والفقهاء هم المسئولون عند الله تعالى عن هذا، وعن كل ما عليه الناس من مخالفة الشريعة؛ لأنه كان يجب عليهم أن يعرفوا حالة العصر والزمان، ويطبقوا عليه الأحكام بصورة يمكن للناس اتباعها "!! " أي: كأحكام الضرورات، لا أنهم يقتصرون على المحافظة على نقوش هذه الكتب ورسومها، ويجعلونها كل شيء، ويتركون لأجلها كل شيء"٤.
هذه إشارات موجزة لبعض مواضع اجتهاداتهم في تفسير آيات الأحكام في القرآن الكريم، يظهر منها المدى الذي وصلوه في دعوتهم إلى الاجتهاد ونبذ التقليد، وجلها بل كل عباراتهم في هذا السبيل تعلن اتخاذهم له أساسًا هامًّا في منهجهم في التفسير.
стр. 766
الأساس الخامس: التقليل من شأن التفسير بالمأثور
ومن المعلوم أن التفسير بالمأثور يشمل أنواعًا أربعة:
أولها: تفسير القرآن بالقرآن.
ثانيها: تفسيره بالسنة النبوية.
ثالثها: تفسيره بأقوال الصحابة ﵃.
رابعها: تفسيره بأقوال التابعين -رحمهم الله تعالى-.
أما أولها، فقد أشرنا إلى قبولهم له، وأنه أشرف أنواع التفسير وأصح طرقه، ونقصد بحديثنا هذا النوع الثاني؛ وإنما قصرنا الحديث عليه دون الثالث والرابع؛ لأن مَن رد التفسير بالسنة النبوية فهو أسرع إلى رد أقوال الصحابة والتابعين ﵃.
ومن المعلوم منزلة التفسير بالسُّنة النبوية ومكانتها لدى علماء السلف، وأنها تأتي في المرتبة الثانية بعد القرآن الكريم بدليل الكتاب والسنة.
وقد درج علماء المدرسة العقلية الاجتماعية على التقليل من شأن التفسير بالمأثور، والتشكيك فيه، وعدم الاحتجاج به، وإن كانوا يظهرون قبوله واعتباره.
وهذا السيد محمد رشيد رضا -إمام المدرسة في علم الحديث- يقول: "وأما الروايات المأثورة عن النبي ﷺ وأصحابه وعلماء التابعين في التفسير؛ فمنها ما هو ضروري أيضًا؛ لأن ما صح من المرفوع لا يقدم عليه شيء، ويليه ما صح من علماء الصحابة مما يتعلق بالمعاني اللغوية أو عمل عصرهم، والصحيح من هذا وذاك قليل، وأكثر التفسير بالمأثور قد سرى إلى الرواة من
стр. 767
زنادقة اليهود والفرس ومسلمة أهل الكتاب كما قال الحافظ ابن كثير"١.
وقال الأستاذ رشيد أيضًا: "فالحق أن كل ما لا يُعلم إلا بالنقل عن المعصوم من أخبار الغيب الماضي أو المستقبل وأمثاله لا يقبل في إثباته إلا الحديث الصحيح المرفوع إلى النبي ﷺ ، وهذه قاعدة الإمام ابن جرير التي يصرح بها
كثيرًا"٢.
ثم قال: "وغرضنا من هذا كله أن أكثر ما رُوي في التفسير المأثور أو كثيره حجاب على القرآن، وشاغل لتاليه عن مقاصده العالية المزكية للأنفس المنورة للعقول، فالمفضلون للتفسير المأثور لهم شاغل عن مقاصد القرآن بكثرة الروايات التي لا قيمة لها سندًا ولا موضوعًا"٢.
وقال أيضًا: "فكل حديث مشكل المتن أو مضطرب الرواية أو مخالف لسنن الله تعالى في الخَلْق أو لأصول الدين أو نصوصه القطعية أو للحسيات وأمثالها من القضايا اليقينية فهو مظنة لما ذكرنا في هذه التنبيهات"١.
ثم قال: "فمن صدق رواية مما ذكر ولم يجد فيها إشكالًا؛ فالأصل فيها الصدق، ومَن ارتاب في كل شيء منها أو أورد عليه بعض المرتابين أو المشككين إشكالًا في متونها؛ فليحمله على ما ذكرنا من عند الثقة بالرواية؛ لاحتمال كونها من دسائس الإسرائيليات، أو خطأ الرواية بالمعنى، أو غير ذلك مما أشرنا إليه، وإذا لم يكن شيء منها ثابتًا بالتواترالقطعي فلا يصح أن يجعل شبهة على صدق الرسول ﷺ بالقطع، ولا على غير ذلك من القطعيات"٣.
وقال أيضًا على أستاذه: "لقد كان الأستاذ الإمام يقول: إن الإسلام الصحيح هو ما كان عليه أهل الصدر الأول قبل ظهور الفتن، ولم يكن يثق إلا بأقل القليل مما رُوي في الصحاح من أحاديث الفتن"٣.
وقال أيضًا: "وقد ثبت أن الصحابة ﵃ كان يروي بعضُهم عن بعض وعن التابعين حتى عن كعب الأحبار وأمثاله، والقاعدة عند أهل السنة أن جميع الصحابة عدولٌ؛ فلا يخل جهل اسم راوٍ منهم بصحة السند،
стр. 768
وهي قاعدة أغلبية لا مطردة، فقد كان في عهد النبي ﷺ منافقون ... "١.
وقال: "ولا شك في أن أكثر الأحاديث قد رُوي بالمعنى كما هو معلوم، واتفق عليه العلماء، ويدل عليه اختلاف رواة الصحاح في ألفاظ الحديث الواحد حتى المختصر منها، وما دخل على بعض الأحاديث من المدرجات؛ فعلى هذا كان يروي كل أحد ما فهمه، وربما وقع في فَهْمِه الخطأ؛ لأن هذه أمور غيبية"١.
هذا بعض ما قاله إمام هذه المدرسة في الحديث وعلومه، ومن بعضه ندرك مدى تشكيكه وقلة ثقته في التفسير بالماثور بل السنة عمومًا؛ لأن عباراته أوسع من أن تخصص، وإذا كان هذا من الشيخ رشيد فلا عجب ألا يثق أستاذه محمد عبده إلا بأقل القليل مما رُوي في الصحاح من أحاديث الفتن.
وأما الشيخ محمد مصطفى المراغي فيقول: "وطاعة الرسول واجبة في حياته وبعد مماته فيما علم أنه دعا إليه دعوة عامة من السنن العملية المبينة للكتاب، ومن السنن القولية القطعية في الرواية والدلالة ... "٢.
وقال الشيخ أحمد مصطفى المراغي في بيان منهجه في التفسير: "ومن ثم رأينا ألا نذكر رواية مأثورة إلا إذا تلقاها العلم بالقبول، ولم نرَ فيها ما يتنافر مع قضايا الدين التي لا خلاف فيها بين أهله، وقد وجدنا أن ذلك أسلم لصادق المعرفة، وأشرف لتفسير كتاب الله، وأجذب لقلوب المثقفين ثقافة علمية لا يقنعها إلا الدليل والبرهان ونور المعرفة الصادقة"٣.
стр. 769
ومن قبلهم قال الأستاذ الإمام محمد عبده: "إن الحديث الذي يصل إلينا من طريق الآحاد إنما يحصل الظن عند مَن صح عنده، أما مَن قامت له الأدلة على أنه غير صحيح؛ فلا تقوم به عليه حجة، وعلى أي حال فلنا -بل علينا- أن نفوض الأمر في الحديث، ولا نحكمه في عقيدتنا، ونأخذ بنص الكتاب وبدليل العقل"١.
كانت هذه بعض نصوصهم القولية، وإذا ما نظرنا إلى الجانب التطبيقي فإنا نراهم حينًا يوردون ما يتعلق بالآية من السنة النبوية، وحينًا ما يفسرونها، وحينًا ثالثًا يوردون التفسير المأثور من غير إشارة إلى الحديث الذي ورد فيه، وحينًا رابعًا يرفضون التفسير بالمأثور وإن صح.
فمن الأول ما أورده الشيخ محمود شلتوت في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ ٢: "وإذا كان شخص الرسول قد غاب عن أعين الآخرين، فهو حاضر في قلوبهم، ماثل في أنفسهم، ولم تنقطع أسوتهم به ... فمنزلة وجوده فيهم بعد مماته هي منزلة وجود الكتاب فيهم، كلاهما متواتر يلقاه جيل من المؤمنين عن جيل، وقد ورد في الخبر أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه قال: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا بعدي ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي" ٣، ٤.
ومنه ما أورده الشيخ محمد مصطفى المراغي في تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ ٥ فقال: "وفي الحديث الشريف: "من أحب أن يكون أكرم الناس فليتقِ
стр. 770
الله"١، وقد ورد عن النبي ﷺ : "لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به بأس" ٢، ٣.
وفي قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٤ أورد الشيخ محمد مصطفى المراغي حديث: "خذوا من الأعمال ما تطيقون؛ فإن الله لن يمل حتى تملوا" ٥، وفي حديث معاذ عندما أطال الصلاة: "أفتان أنت يا معاذ؟ ٦ إن منكم منفرين، فإذا ما صلى أحدكم بالناس فليتجوز؛ فإن منهم الكبير والضعيف وذا الحاجة" ٧، ٨.
ومن الثاني ما نقله السيد رشيد رضا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ٩، فقال: "وقد روى مسلم في صحيحه عن عقبة بن عامر أنه سمع النبي ﷺ وقد تلا هذه الآية على المنبر يقول: "ألا أن القوة الرمي" قالها ثلاثًا، وهذا كما قال بعض المفسرين من قبيل حديث: "الحج عرفه" بمعنى: أن كلًّا منهما أعظم الأركان في بابه ... "١٠.
стр. 771
وأورد أيضًا تفسير الرسول ﷺ للظلم في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُون﴾ ١، فيقول: "روى أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وغيرهم من حديث ابن مسعود: أن الآية لما نزلت شق ذلك على الناس وقالوا: يا رسول الله، وأينا لَمْ يظلم نفسه؟ فقال ﷺ : "إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم﴾ ٢؛ إنما هو الشرك. وروي تفسير الظلم هنا بالشرك عن أبي بكر وعمر وابن عباس وأُبي بن كعب وحذيفة وسلمان الفارسي وغيرهم من الصحابة والتابعين ﵃" ٣.
ومنه أيضًا تفسير الأستاذ الإمام محمد عبده المراد بالصلاة الوسطى في قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ ٤، بقوله: وللعلماء في ذلك ثمانية عشر قولًا، أوردها الشوكاني "في نيل الأوطار"، أصحها رواية ما ذهب إليه الجمهور من كونها صلاة العصر؛ لحديث علي عند أحمد ومسلم وأبي داود مرفوعًا: "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر" ٥.
ومنه أيضًا تفسير الشيخ أحمد مصطفى المراغي للحساب اليسير في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ ٦ بما رُوي عن عائشة ﵂ أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اللهم حاسبني حسابًا يسيرًا" قلت: وما الحساب اليسير؟ قال: "ينظر في كتابه ويتجاوز عن سيئاته، فأما من نُوقش الحساب فقد هلك" ٧، ٨.
стр. 772
ومنه ما أورده الشيخ عبد القادر المغربي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ ١، قال: "ويُروى أنه ﷺ أمر وفد ثقيف بالصلاة فقالوا: "لا ننحني؛ فإنها سبة لنا"، فقال ﷺ : "لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود" ٢، على أن الإسلام إنما جاء لترويض النفوس العاتية وتذليل أَنَفَتِها"٣.
ومن الثالث تفسير أحمد مصطفى المراغي لقوله تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ ٤ بقوله: "وكلمة التقوى هي لا إله إلا الله"٥، وهو تفسير ورد فيما أخرجه الترمذي وابن جرير عن أُبي بن كعب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ قال: لا إله إلا الله"؛ لكن الشيخ المراغي لم يشر إلى الحديث.
ومن الرابع وهو كثير في تفسيرهم؛ حيث ردوا كثيرًا من السنة النبوية الطاهرة التي تفسر بعض آيات القرآن الكريم أو تتعلق به، لم يردوها لضعف في سندها أو لمخالفة ما هو معلوم من الشريعة؛ وإنما فعلوا ذلك لأنها لا تتفق مع ما ذهبوا إليه في تفسير الآية؛ فردوا أحاديث صحيحة رواها البخاري ومسلم وغيرهما من أئمة الحديث.
فمن ذلك ما ورد في السنة عن الكوثر الذي أعطاه الله لنبيه محمد ﷺ ؛ فقد روى البخاري ﵀ عنه أنس ﵁ قال: لما عرج بالنبي ﷺ إلى السماء قال: "أتيت على نهر حافتاه قباب الؤلؤ مجوفًا، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر" ٦، وأخرج أحمد
стр. 773
ومسلم -رحمهما الله تعالى- عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الكوثر نهر وعدنيه ربي في الجنة" ١. قال السيوطي رحمه الله تعالى: "له طرق لا تُحْصَى"٢.
هذا ما ورد في السنة في بيان المراد بالكوثر، وهذه هي درجته فيها؛ ولكن الأستاذ الإمام محمد عبده يقول بغير هذا، واقرأ معي قوله: "وأما أن هناك نهرًا في الجنة اسمه الكوثر، وأن الله أعطاه نبيه، فلا يفهم من معنى الآية؛ بل الذي يدل عليه سياق السورة وموضع نزولها هو الذي بيَّناه من أحد القولين، والأول -وهو النبوة وما في معناها- أرجح.
أما الاعتقاد بوجود هذا النهر في الجنة فموقوف على تواتر الأخبار التي وردت به، وقد ذهب جماعة إلى أنها متواترة المعنى؛ فيجب الاعتقاد بوجود النهر على وجه عام دون تفصيل أوصافه؛ لكثرة الخلاف فيها.
ولكن التواتر لا يصح أن يكون برأي جماعة أو برأي آخرين، فحد التواتر هو ما تراه في القرآن: تعرفه طبقة عن طبقة، يُؤْمَنُ تواطؤ كل منها على الكذب، إلى أن وصل إليك، لا تنكره فرقة من فرق المسلمين قاطبة، فهذا التواتر هو الذي يوجب اليقين، وليس الأمر كذلك في أحاديث النهر؛ فإنها -وإن كثرت طرقها- لم تبلغ هذا المبلغ؛ فلا يصدق عليها اسم المتواتر، خصوصًا وأنه يظن بالرواة سهولة التصديق في مثل هذا الخبر؛ لما فيه من غرابة الكرامة وجمال الوصف؛ فيسهل على كل راوٍ الميل إلى تصديق ما يقال له، وهذا يخل بشرط التواتر؛ لأن أول شرط فيه ألا يكون في الطبقات رائحة التشيع للمروي"٣.
ومن هذه الأقوال للأستاذ الإمام يظهر موقفه من السنة، وأنه يرد صحيحها لأسباب واهية، لم يقل بها أحدٌ من قبله، لا من علماء الحديث، ولا من سواهم، ومثل
стр. 774
هذه الأسباب لا اعتبار لها، وقد اعترف الأستاذ رشيد رضا بأن الأستاذ الإمام "كان مقصرًا في علوم الحديث؛ من حيث:
الرواية، والحفظ، والجرح والتعديل"١، ومر بنا أيضًا وصفه له بأنه كان لا يثق إلا بأقل القليل مما رُوِيَ في الصحاح من أحاديث الفتن٢.
وتارة يرفضون التفسير بالمأثور بأسلوب آخر؛ وهو الزعم بأنه من الإسرائيليات، حتى وإن رواه البخاري ومسلم، خذ مثلًا
تفسير الأستاذ محمد رشيد رضا لقوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ ٣؛ حيث قال: "ولا ثقة لنا بشيء مما رُوي في هذا التبديل من ألفاظ عبرانية ولا عربية، فكله من الإسرائيليات الوضعية، كما قاله الأستاذ الإمام هنالك، وإن خرج بعضه في الصحيح والسنن موقوفًا ومرفوعًا؛ كحديث أبي هريرة المرفوع في الصحيحين وغيرهما: "قبل
لبني إسرائيل: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ ٤، فدخلوا يزحفون على أستاههم وقالوا: حطة حبة في شعرة"، وفي رواية: "شعيرة"، ورواه البخاري في تفسير السورتين٥ من طريق همام بن منبه أخي وهب، وهما صاحبا الغرائب في الإسرائيليات، ولم يصرح أبو هريرة بسماع هذا من النبي ﷺ ؛ فيحتمل أنه سمعه من كعب الأحبار؛ إذ ثبت أنه روى عنه، وهذا مدرك عدم اعتماد الأستاذ -رحمه الله تعالى- على مثل هذا من الإسرائيليات وإن صح سنده "!! "؛ ولكن قلما يوجد في الصحيح المرفوع شيء يقتضي الطعن في سندها"٦.
وخذ مثلًا آخر لهذا الأسلوب في رد التفسير بالمأثور بما قاله السيد محمد رشيد رضا في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا
стр. 775
لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ ١، قال: "وأقوى الأحاديث الواردة في طلوع الشمس من مغربها ما رواه البخاري في كتاب الرقاق عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانُها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانه خيرًا". اهـ، وأخرجه أيضًا أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم"٢.
ثم قال: "هذا وإن أبا هريرة ﵁ لم يصرح في هذه الأحاديث بالسماع من النبي ﷺ ، فيخشى أن يكون قد روى بعضها عن كعب الأحبار وأمثاله فتكون مرسلة؛ ولكن مجموع الروايات عنه وعن غيره ثبت هذه الآية بالجملة؛ فننظمها في سلك المتشابهات، ونحمل التعارض بين الروايات وما في بعضها من مخالفة الأدلة القطعية على ما أشرنا إليه من الأسباب؛ كالرواية عن مثل كعب الأحبار من رواة الإسرائيليات، والله أعلم"٣.
وخذ مثلًا ثالثًا وأخيرًا لهذا الأسلوب، ما قاله السيد رشيد رضا في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ ٤، قال: وفي حديث أخرجه أحمد في مسنده ومسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: "خلق الله التربة يوم السبت ... الحديث ".
ثم قال: "إن كل ما رُوي في هذه المسألة من الأخبار والآثار مأخوذ من الإسرائيليات لم يصح فيها حديث مرفوع، وحديث أبي هريرة هذا -وهو أقواها- مردود بمخالفة متنه لنص كتاب الله "!! " وأما سنده فلا يغرنك رواية مسلم له به "!! " فهو قد رواه كغيره عن حجاج بن محمد الأعور المصيص عن ابن جرير، وهو قد تغير في آخر عمره، وثبت أنه حدَّث بعد اختلاط عقله، كما في