← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 8679

اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر

فهد الرومي

Полный текст (1 278 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

المرأة، ما لها وما عليها، ما تطلبه وما يطلب منها، شغلت الناس حينًا من الدهر وما زالت، ثم قضايا التربية الإسلامية والالتزام بمبادئه التهذيبية كالأمانة والصدق والصبر، مما يهذب النفس الإسلامية، ويصبغها بمثله ومبادئه، ثم قضايا الخمر والزنا والسرقة، وبيان آثارها وأضرارها في المجتمع. ولا أظن القلم سيتوقف من قريب إن ذهبت أُعدِّد -مجرد تَعداد- القضايا الاجتماعية في تلك الفترة، حتى إنه لا يخلو تفسير آية من آيات القرآن الكريم من ألف مدخل ومدخل إلى قضية من تلكم القضايا. وقد جد رجال المدرسة العقلية الاجتماعية في أن يلتزموا عند تفسير كل آية ما يتعلق بالإصلاح الاجتماعي، ويتخذوا منها مدخلًا إلى الإصلاح؛ حتى وُصف أستاذ هذه المدرسة ضمن أوصافه بـ"المصلح الاجتماعي". وليس علينا ونحن نعرض هنا التزامهم لهذا الجانب في التفسير أن نعرض لكل الجوانب الإصلاحية ولا لأكثرها؛ فلنعرض إذًا لبعض جوانب الإصلاح الاجتماعي مما يُثبت سلوكهم إياه وعملهم به؛ حتى صار أساسًا من أسس تفسيرهم؛ بل صفة تطلق عليهم.

стр. 807

الحريَّة: وحين نطلق -نحن المسلمين- لفظ الحرية فإنا لا نعني بها ذلك المفهوم الغربي؛ بمعنى التجرد من الدين والمبادئ؛ بل التحرر من سلطان ورجال الكنيسة في العصور الوسطى، ومن سلطان الإقطاعيين والفكر الأجوف والتقليد الأعمى، فتلك الحرية نتاج فكر لا وجود له في الإسلام، وبالتبع فليست تلك الحرية من مقاصد الإسلام. فلقد بوأ الإسلام الحرية منزلة لا تدعوها إلى الهجوم عليه؛ لأنها نابعة منه وقائمة عليه، فكيف تثور الحرية على قاعدتها الراسخة، تشعبت الحرية في الإسلام، ورسخت فيه عروقها؛ فصارت ماءه الذي تشربه، وهواءه الذي تتنفسه، خذ من تلك الشعب إن شئت:

стр. 808

الحرية في العقيدة: فقد أعلنها الإسلام صريحة ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ ١، قال الشيخ محمد عبده في تفسيرها: " ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ قاعدة كبرى من قواعد دين الإسلام، وركن عظيم من أركان سياسته، فهو لا يجيز إكراه أحد على الدخول فيه، ولا يسمح لأحد أن يُكره أحدًا من أهله على الخروج منه؛ وإنما نكون متمكنين من إقامة هذا الركن وحفظ هذه القاعدة إذا كنا أصحاب قوة ومنعة، نحمي بها ديننا وأنفسنا ممن يحاول فتنتنا في ديننا اعتداء علينا بما هو آمن أن نعتدي بمثله عليه، إذًا أمرنا أن ندعوا إلى سبيل ربنا بالحكمة والموعظة الحسنة، فالجهاد من الدين بهذا الاعتبار؛ أي: أنه ليس من جوهره ومقاصده؛ وإنما هو سياج له وجنة، فهو أمر سياسي لازم له للضرورة"٢. وزاد الأستاذ محمد رشيد رضا وضوحًا بقوله: "ولكن قد يرد علينا أننا قد أمرنا بالقتال"، ثم يجيب على هذا بقوله: "إن الإكراه ممنوع، وإن العمدة في دعوة الدين بيانه حتى يتبين الرشد من الغي، وإن الناس مخيرون بعد ذلك في قبوله وتركه، شرع القتال لتأمين الدعوة ولكف شر الكافرين عن المؤمنين؛ لكيلا يزعزعوا ضعيفهم قبل أن تتمكن الهداية من قلبه، ويقهروا قويهم بفتنته عن دينه كما كان يفعلون في مكة جهرًا؛ ولذلك قال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ ٣، ٤. ومما يتصل بحرية العقيدة حرية الجدل الديني ما دام جدالًا بالتي هي أحسن، فقد قال الأستاذ محمد فريد وجدي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ ٥: "ولا تجادلوا أهل

стр. 809

الكتاب إلا بالخصلة التي هي أحسن الخصال؛ كمقابلة خشونتهم باللين، وشغبهم بالنصح، إلا الذين ظلموا منهم بالإفراط في الاعتداء"١. وحرية من العبودية لغير الله: فالأصل في الإنسان حريته من العبودية إلا الله ، وهذا يذكِّرنا بقول عمر ﵁ مستنكرًا: "ومتى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟ ". ولذلك حث الإسلام على العتق وتحرير الأرقاء، قال الشيخ محمد عبده في تفسيره قوله تعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ، فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ٢: "وفك الرقبة عتقها أو المعاونة عليه، وقد ورد في فضل العتق ما بلغ معناه حد التواتر، فضلًا عما ورد في الكتاب، وهو يرشد إلى ميل الإسلام إلى الحرية وجفوته للأَسْرِ والعبودية"٣. حرية سياسية: فشرع الشورى، قال السيد رشيد رضا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ ٤: "وشاورهم في الأمر العام الذي هو سياسة الأمة في الحرب والسلم والخوف والأمن وغير ذلك من مصالحهم الدنيوية؛ أي: دم على المشاورة وواظب عليها، كما فعلت قبل الحرب في هذه الواقعة -غزوة أحد- وأن أخطئوا الرأي فيها فإن الخير كل الخير في تربيتهم على المشاورة بالعمل دون العمل برأي الرئيس وإن كان صوابًا؛ لما في ذلك من النفع لهم في مستقبل حكومتهم إن أقاموا هذا الركن العظيم "المشاورة"، فإن الجمهور أبعد عن الخطأ من الفرد في الأكثر، والخطر على الأمة في تفويض أمرها إلى الرجل الواحد أشد وأكبر، قال الأستاذ الإمام:

стр. 810

ليس من السهل أن يشاور الإنسان ولا أن يشير، وإذا كان المستشارون كثارًا كثر النزاع وتشعب الرأي، ولهذه الصعوبة والوعورة أَمَرَ الله تعالى نبيه أن يقرر سُنة المشاورة في هذه الأمة بالعمل؛ فكان يستشير أصحابه بغاية اللطف، ويصغى إلى كل قول، ويرجع عن رأيه إلى رأيهم"١. ويعلل عدم وضع الرسول ﷺ قاعدة ونظامًا للشورى بحِكَم وأسباب؛ منها: أ- أن هذا الأمر يختلف باختلاف أحوال الأمة الاجتماعية في الزمان والمكان. ب- أن النبي ﷺ لو وضع قواعد مؤقتة للشورى بحسب حاجة ذلك الزمن لاتخذها المسلمون دينًا، وحاولوا العمل بها في كل زمان ومكان، وما هي من أمر الدين. ج- ومنها أنه لو وضع تلك القواعد من نفسه ﵊ لكان غير عامل بالشورى، وذلك محال في حقه؛ لأنه معصوم من مخالفة أمر الله، ولو وضعها بمشاورة مَن معه من المسلمين لقرر فيها رأي الأكثرين منهم، كما فعل في الخروج إلى أُحُد، وقد تقدم أن رأي الأكثرين كان خطأ ومخالفًا لرأيه ﷺ ، أليس تركها للأمة تقرر في كل زمان ما يؤهلها له استعدادها هو الأحكم٢. كانت تلكم بعض جوانب الحرية في الإسلام، نبه إليها رجال المدرسة العقلية الاجتماعية، ودعوا إلى إصلاح الأوضاع الاجتماعية على ضوئها.

стр. 811

التحذير من البدع والمنكرات في العقائد: وهذا السبيل في الإصلاح منتشر في تفاسيرهم وبكثرة، كيف لا وقد كانت العقائد الإسلامية في عصرهم يشوبها كثير من البدع والخرافات التي ابتدعها المبتدعون ما أنزل الله بها من سلطان. انتشر بين المسلمين تقديس الأولياء، والتمسح بعتباتهم، ولزوم المقابر، ودعاء الأموات، والذبح لغير الله، بله العقائد المنحرفة والملل الملحدة. وحذر رجال المدرسة الاجتماعية المسلمين مما وقع فيه أكثرهم من البدع والمنكرات؛ كتقديس الأولياء، والذبح عند قبورهم، ودعائهم لهم، واستغاثتهم واستعانتهم بهم، ففي قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ﴾ ١ قال السيد رشيد: "إن الصالحين المصلحين في الأرض هم الذين يحفظ الله بهم الأمم من الهلاك ما داموا يطاعون فيها بحسب سنة الله، وقد فهم الوعاظ والفقهاء من خلفنا الجاهل خلاف ما كان يفهمه السلف الصالح من بركة الصالحين المتقدمين، وحفظ الله الأمم بهم؛ فظنوا أن المراد بهم الذين يكثرون من الصيام والقيام وقراءة الأوراد والأحزاب. كلا، إن من أصحاب الأوراد من يقوم ليلة بورد من تشريع مبتدع هو به عاصٍ لله تعالى؛ لعبادته بغير ما شرعه، فكان مما قال فيهم: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ ٢؛ أي: بهلاكهم. وفي الحديث: "رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر" ٣، كم من مصلٍّ هو مصداق لحديث: "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بُعْدًا" ٤، وكذا كان دراويش مهدي السودان وأمثالهم من المسلمين الجاهلين لهداية القرآن، فنكل بهم الإفرنج بمساعدة الفاسقين من المسلمين واستولوا على بلادهم، وقد علمنا من أخبار المهدي أنه كان على علم وبصيرة في صلاحه؛ ولكن قواده لم يكونوا بعده مثله، وصلاح دراويشه لا بصيرة فيه ولا علم"٥.

стр. 812

وهذا الشيخ أحمد مصطفى المراغي يستدل بقوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ١ على "أن سماع هذا الوعيد وأشباهه يُوجب على المؤمن أن يفكر طويلًا ويتأمل فيما وصل إليه حال المسلمين اليوم، وكيف أن علماءهم يجارون العامة في بدعهم وضلالاتهم وهم يعترفون ببعدها عن الدين، ولا يكون لهم وازع من نواهيه وقوارعه الشديدة وزواجره التي تخر لها الجبال سجدًا"٢. وأكد هذا الشيخ محمد عبده بتفسيره الآية نفسها بقوله: "نقرأ هذا التشديد والوعيد، ونسمعه من القارئين، ولا نزدجر عن اتباع أهواء الناس ومجاراتهم على بدعهم وضلالتهم؛ حتى أنك ترى الذين يشكون في هذه البدع والأهواء، ويعترفون ببعدها عن الدين، يجارون أهلها عليها، ويمازجونهم فيها، وإذا قيل لهم في ذلك قالوا: ماذا نعمل؟ ما في اليد حيلة، العامة عمى، آخر زمان. وأمثال هذه الكلمات هو جيوش الباطل، تؤيده وتمكنه في الأرض؛ حتى يحل بأهله البلاء، ويكون من الهالكين"٣. وقد علق الأستاذ محمد رشيد رضا على تفسير أستاذه هذا بقوله: "وأعجب من هذا الذي ذكره الإمام أنك ترى هؤلاء المعترفين بهذه البدع والأهواء ينكرون على منكرها، ويسفهون رأيه، ويعدونه عابثًا أو مجنونًا؛ إذ يحاول ما لا فائدة فيه عندهم، فهم يعرفون المنكر وينكرون المعروف، ويدعون مع ذلك أنهم على شيء من العلم والدين. وأعجب من هذا الأعجب أن منهم مَن يرى أن إزالة هذه المنكرات والبدع ومقاومة هذه الأهواء والفتن جناية على الدين، ويحتج على هذا بأن العامة تحسبها من الدين، فإذا أنكرها العلماء عليهم تزول ثقتهم بالدين كله لا بها خاصة!! وبأنها لا تخلوا من خير يقارنها؛ كالذكر الذي يكون في المواسم

стр. 813

والاحتفالات التي تُسمي بالموالد، وكلها بدع ومنكرات، حتى إن الذكر الذي يكون فيها ليس من المعروف في الشرع!! والسبب الصحيح في هذا كله هو محاولة إرضاء الناس بمجاراتهم على أهوائهم وتأويلها لهم، ولولا ذلك لما سكت العالمون بكونها بدعًا ومنكرات عليها؛ إنهم إنما سكتوا بالثمن ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ ١، وهم مع ذلك يظهرون التعجب من جحود أهل الكتاب للنبي والقرآن، وما كانوا أشد منهم جحودًا، ولا أقوى جمودًا! هذا إيماء إلى اتباع العلماء أهواء العامة بعد ما جاءهم من العلم، وما نزل عليهم في الكتاب من الوعيد عليه، ولو شرح شارح اتباعهم لأهواء السلاطين والأمراء والوجهاء والأغنياء، وكيف يفتونهم ويؤلفون الكتب لهم، ويخترعون الأحكام والحيل الشرعية لأجلهم، وكيف حرموا على الأمة العمل بالكتاب والسنة، وألزموها كتبهم -لظهر لقارئ الشرح كيف أضاع هؤلاء الناس دينهم؛ فسلط الله عليهم مَن لم يكن له عليهم سبيل"٢. وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ ٣ يتحدث الأستاذ عبد القادر المغربي عن نشأة الوثنية، ثم يقول: "مَن تأمل ما قلناه في مناشئ ظهور الوثنية في البشر، فهم السر في كون الدين الإسلامي يحرم إقامة الصور ونصب التماثيل وتشييد القبور وتجصيصها على رمم العظماء، وفي حديث علي ﵁: أرسلني رسول الله ﷺ وقال لي: "لا تدع صنمًا إلا طمسته ولا قبرًا إلا سويته" ٤، فإن الوثنيين كانوا يتخذون من مواثل القبور والأصنام ذكرى لرجالهم الصالحين، وليست ذكراهم لهم ذكرى عظة واعتبار؛ وإنما هي ذكرى استمداد أسرار واقتباس أنوار واستغراق واستحضار واسترزاق واستمطار والتماس منافع واستكفاء أضرار؛

стр. 814

فَسَدَّ دين الإسلام الذريعة بتحريم هذه المواثل؛ خشية أن تسترهب ضعفاء العقول وتستهويهم، ومن مزالق الوثنية تقربهم وتدنيهم، فلله الإسلام فما أعدله فيما شرع وحكم، وما أوضح نهجه فيما خط لنا من الهداية ورسم"١. وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٢ الآية، يقول السيد رشيد رضا: "فإذا قيل لهم: إن أصله الغلو في الصالحين -ولا سيما الميتين منهم- واعتقاد تصرفهم في الكون، ودعاؤهم في طلب النفع ودفع الضَّر، وأن مثله أو منه ما كان يُحكى عن مسلمي بخارى: إن شاه نقشبند هو الحامي لها؛ فلن تستطيع الدولة الروسية الاستيلاء عليها، وما كان يُحكى من مسلمي المغرب الأقصى من حماية مولاي إدريس لفاس وسائر المغرب أن تستولي عليها فرنسا أنكروا على القائل أن هذا كذلك، وقالوا: إنما هو توسل بجاه الأولياء عند الله، وليس من المنكر أن يدفعوها بكرامتهم؛ فكرامة الأموات ثابتة كالأحياء. وقد بينا لهم جهلهم هذا بتبدل الأسماء ومخالفتهم لكتاب الله تعالى وسنة رسوله وسيرة السلف الصالح من الأمة في فتوحاتهم وتأسيس ملكهم وحفظه، وخصصنا أخواننا أهل المغرب الأقصى بالإنذار منذ أنشئ المنار، وأرشدناهم إلى تنظيم قواتهم الدفاعية العسكرية، وطلب الضباط له من الدولة العثمانية، وإلى العلوم والفنون المرشدة إلى القوة والثروة والنظام، وإلا ذهبت بلادهم من أيديهم قطعًا، فقال المغوون لهم من أهل الطرائق القدد بلسان حالهم أو مقالهم: إن صاحب المنار معتزلي منكر لكرامات الأولياء، وما هو بمعتزلي ولا أشعري؛ بل هو قرآني سني. وها هي ذي فرانسا استولت على بلادهم كما أنذرهم، وظهر أن أكبر مشايخ الطريق نفوذًا ودعوى للكرامات بالباطل كالتجانية كانوا وما زالوا من خدمة فرانسا ومساعديها على فتح البلاد واستعباد أهلها، أو إخراجهم من دين الإسلام إلى الإلحاد أو النصرانية، من حيث يدرون أو لا يدرون.

стр. 815

يجهل أمثال هؤلاء وغيرهم من الذين يظنون أن الشرك بالله تعالى خاص بعبادة الأصنام والأوثان، إن أصل هذا الشرك هو الغلو في تعظيم الصالحين، والتبرك أو التوسل بأشخاصهم؛ لإبطال سنن الله. وأكبر مصائب الإسلام أن افتتان المسلمين بالصالحين الذين اتبعوا فيه سنن مَن قبلهم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع كما أخبر الصادق المصدوق ﷺ قد كان سببًا لإلحاد فريق كبير من الذين يتعلمون علوم العصر، ومنها سنن الخلق والاجتماع ومروقهم من الدين باعتقادهم أن الإسلام دين خرافي هو الذي أضاع ملك المسلمين"١. وفي قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ ٢ يجمل لنا السيد رشيد رضا تفسير أستاذه محمد عبده فيقول: "ثم ذكر أن هذا الشرك قد فشا في المسلمين اليوم، وأورد شواهد على ذلك عن المعتقدين الغالين في البدوي "شيخ العرب" والدسوقي وغيرهما لا تحتمل التأويل، وبيَّن أن الذين يؤولون لأمثال هؤلاء إنما يتكلفون الاعتذار لهم لزحزحتهم عن شرك جلي واضح إلى شرك أقل منه جلاء ووضوحًا؛ ولكنه شرك ظاهر على كل حال، وليس هو من الشرك الخفي الذي وردت الأحاديث بالاستعاذة منه، الذي لا يكاد يَسْلَمُ منه إلا الصديقون"٣.

стр. 816

الجانب التهذيبي: وعُنِيَ أربابُ المدرسة ببيان الفضيلة ودعوة المجتمع إليها والرذيلة وتحذير المجتمع منها، ففي تفسير قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ ١ يطنب الأستاذ رشيد رضا في بيان حُكْم الصلاة في الإسلام، ثم يقول بعد هذا: "أرأيت هذه الآيات العزيزة والأحاديث الناطقة بالعزيمة، قد

стр. 817

نال التأويل منها نيله في الزمن الماضي، وأعرض جماهير المسلمين عنها في الزمن الحاضر؛ حتى كثر التاركون الغافلون والمارقون، وقل عدد المصلين الساهين، وندر المصلون المحافظون؛ ذلك أن الإسلام عند هؤلاء المسلمين الذين يصفون أنفسهم بالمتمدنين قد خرج عن كونه عقيدة دينية إلى كونه جنسية سياسية، آية الاستمساك به والمحافظ عليه والدفاع عنه مدح كبراء حكامه، وإن كانوا لا يقيمون حدوده، ولا ينفذون أحكامه؛ بل رفعوا أنفسهم إلى مرتبة التشريع العام، واستبدال القوانين الوضعية بما نزل الله من الأحكام. ماذا كان من أثر ترك الصلاة والتهاون بالدين في المدن والقرى والمزارع؟ كان من أثره في المدن فشو الفواحش والمنكرات، تجد حانات الخمر ومواخير الفجور والرقص وبيوت القمار غاصة بخاصة الناس وعامتهم، حتى في ليالي رمضان ليالي الذكر والقرآن، وعَبَدَ الناس المال، لا يبالون أجاء من حرام أم من حلال، وانقبضت الأيدي عن أعمال الخير، وانبسطت في أفعال الشر، وزال التعاطف والتراحم، وقلت الثقة من أفراد الأمة بعضهم ببعض؛ فلا يكاد يثق المسلم إلا بالأجنبي، وغير ذلك من فساد الأخلاق وقبح الفعال في الأفراد، وأكبر من ذلك انحلال الروابط الملية؛ بل تقطع أكثرها. المحافظ على هذه الصلاة الفضلى ينتهي عن الفحشاء والمنكر. المحافظ على هذه الصلاة لا يمنع الماعون. المحافظ على هذه الصلاة لا يخلف ولا يلوي في حق غيره عليه. المحافظ على هذه الصلاة لا يضيع حقوق أهله وعياله، ولا حقوق أقاربه وجيرانه، ولا حقوق معامليه وإخوانه. المحافظ على هذه الصلاة يُعظِّم الحق وأهله، ويحتقر الباطل وجنده. المحافظ على هذه الصلاة لا تجزعه النوائب، ولا تفل غرار عزمه المصائب، ولا تبطره النعم، ولا تقطع رجاءه النقم"١. ويحث الإمام محمد عبده على خُلُق الصبر في تفسير قوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا

стр. 818

وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر﴾ ١ بقوله: "والصبر خُلُق من أمهات الأخلاق؛ بل مساك كل خلق، قالوا في فضل الصبر: إنه ذُكر في القرآن نحو سبعين مرة، وليس لنا فائدة كبرى في تحديد العدد؛ ولكن جاء في الكتاب العزيز ذكر الصبر ومدح أهله وتبشيرهم بالفوز والفلاح، والصبر مَلَكَةٌ في النفس يتيسر معها احتمال ما يشق احتماله، والرضا بما يكره في سبيل الحق، وهو خُلُق يتعلق به؛ بل يتوقف عليه كمال كل خُلُق، وما أتى الناس من شيء ما أتوا من فقد الصبر أو ضعفه"٢. وعن الخصام والرِّشوة يقول السيد رشيد: "وكم من ثروة نفدت، وبيوت خربت، ونفوس أهينت، وجماعة فرقت، وما كان لذلك من سبب إلا الخصام والإدلاء بالمال إلى الحكام، ولو تأدب هؤلاء الناس بآداب الكتاب الذي ينتسبون إليه لكان لهم من هدايته ما يحفظ حقوقهم، ويمنع تقاطعهم وعقوقهم، ويحل فيهم التراحم والتلاحم محل التزاحم والتلاحم"٣. وفي بيان أحوال الأمم المقهورة يفسر السيد رشيد رضا قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ ٤ "ذلك أن الأمم إذا قهرها العدو ونكل بها يفسد بأسها ويغلب عليها الجبن والمهابة، فإذا أراد الله تعالى إحياءها بعد موتها ينفخ رُوح الشجاعة والإقدام في خيارها -وهم الأقلون- فيعملون ما لا يعمله الأكثرون، قال الأستاذ الإمام: وفي الآية من الفوائد الاجتماعية أن الأمم التي تفسد أخلاقها وتضعف، قد تفكر في المدافعة عند الحاجة إليها، وتعزم على القيام بها إذا توفرت شرائطها التي يتخيلونها، على حد قول لشاعر: وإذا ما خلا الجبان بأرض ... طلب الطعان وحده والنزالا

стр. 819

ثم إذا توافرت الشروط يضعفون ويجبنون ويزعمون أنها غير كافية؛ ليعذروا أنفسهم، وما هم بمعذورين"١. وفي ذم بخس الناس أشياءهم يقول السيد رشيد في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ ٢: "وهذه النقيصة فاشية بين الأمم والشعوب في هذا العصر؛ فنجد بعضهم يذم بعضًا وينكر فضله كالأفراد، وترى التجار في عواصم أوربا يغالون من الأسعار للغرباء ما يرخصون لأهل البلاد، وترى بعض الغرباء يستحلون من نهب أموال المصريين بضروب الحيل والتلبيس ما لا يستحلون مثله في معاملة أبناء جلدتهم، وأما المصريون وأمثالهم من الشرقيين كما قال الشاعر: لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ... ليسوا من الشر في شيء وإن هانا يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن إساءة أهل السوء إحسانا ويا ليتهم يعاملون أنفسهم ومَن تجمعهم معهم أقوى المقومات هذه المعاملة؛ بل يكثر منهم مَن يبخسون أبناء قومهم وملتهم أشياءهم، ويهضمون حقوقهم، ويعظمون الأجنبي ويعطونه فوق حقه؛ وإنما استذلهم للأجانب حُكَّامهم، فَهُم في جملتهم مبخوسون لا باخسون، ومظلومون لا ظالمون، وهم على ذلك مذمومون لا محمودون، ومكفورون لا مشكورون"٣. ويتحدث الشيخ أحمد مصطفى المراغي في تفسير قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ ٤ الآية، عن حكمهما، ثم عن مضار كل منهما، وذكر مضار الخمر الصحية بإفساد المعدة، وفقد شهوة الطعام، ومرض الكبد والكُلَى والسل؛ حتى قال أحد الأطباء: اقفلوا لي نصف الحانات أضمن لكم الاستغناء عن نصف المستشفيات، ثم

стр. 820

يتحدث عن مضارها العقلية ومضارها المالية، ثم عن مضارها في المجتمع، ووقوع النزاع والخصام بين بعض السكارَى، وبينهم وبين مَن يعاشرهم لأدنى بادرة تصدر من واحد منهم، ويتحدث عن مضارها النفسية من إفشاء الأسرار، ولا سيما إذا كان متصلًا بالحكومات وسياسة الدول وشئونها العسكرية، وعليها يعتمد الجواسيس في نجاحهم في مهامهم التي ندبوا إليها، ويتحدث عن مضارها الدينية، وينتقل إلى ذكر مضار الميسر من أنه يُورث العداوة والبغضاء، ويصد عن ذكر الله، ويفسد الأخلاق، ويخرب البيوت بغتة. ويقول: "وإذا استمر انتشار الخمر والزنا في هذه البلاد -ولا سيما الخمور التي تباع للفقراء، فهي مواد سامة محرقة "سبيرتو" يضاف إليها قليل من الماء والسكر- فليس بالبعيد أن تنقرض الأمة بعد جيلين أو أكثر كما انقرض هنود أمريكا، لا يبقى منهم إلا بعض الأجراء والخدم، فالسكر والزنا مقراضان يقرضان الأمم، وقد شاع حديثًا في مصر ما هو أفتك بالأمة من الخمور، وأقتل لها؛ وهو بعض السموم التي تستعمل حقنًا تحت الجلد أو شمًّا بالأنف كالمورفين والكوكايين والهرويين"١. والحديث عن الأخلاق في الإسلام حديث عن الأخلاق في أسمى معانيها، وما ذكرنا إلا أمثلة قليلة لبعض الجوانب الأخلاقية التي تناولوها في تفاسيرهم لإصلاح المجتمع.

стр. 821

الإصلاح الاقتصادي: وحاول رجال هذه المدرسة إصلاح الاقتصاد في البلاد حسبما فهموه من نصوص القرآن الكريم أو السنة النبوية الشريفة؛ فكان لهم صولات وجولات على مستوى الدولة بين الساسة والقادة، وعلى مستوى العامة بين الفلاحين والعمال، وفيما أودعوه في كتبهم من بيان لمزايا الشريعة الإسلامية في إدارة الأموال والطريق السليمة لذلك، وقارنوا بين نظرة الإسلام والسياسة المالية عند اليهود والنصارى

стр. 822

والشيوعية والرأسمالية، وبيَّنوا أن منهج الإسلام هو منهج السلام. "والحق أن الإسلام هو الدين الوسط الجامع بين مصالح الرُّوح والجسد للسيادة في الدنيا والسعادة في الآخرة، فهو وسط بين اليهودية المالية الدنيوية والنصرانية الروحية الزهدية، وأن من مقاصده الإصلاحية في الاجتماع البشري هداية الناس إلى العدل والفضل في أمر المال؛ ليكتفي الناس شر طغيان الأغنياء وذلة الفقراء، ونصوص القرآن والسنة في هذا هي الغاية القصوى في الإصلاح، وهي هادمة لمزاعم هؤلاء المفتاتين على الإسلام بالجهل والهوى. غلا عباد المال من اليهود والإفرنج في جمعه واستغلاله واستعباد الألوف وألوف الألوف من العمال الفقراء به بجعله دولة بينهم، وغلا خصومهم من الاشتراكيين في مقاومتهم ومحاولة جعل الناس فيه شرعًا وجعله بينهم حقًّا شائعًا، فانتهى هذا الغلو بالشيوعية الروسية في عصرنا أن استعبدت أكثر من مائة ألف من البشر، تسخرهم في تنفيذ مذهبها كالأنعام والدواب. ولا منقذ للأمم من هذه الفتنة وعواقبها إلا بدين الإسلام -أعني: بالتدين به والعمل بأحكامه المالية وغيرها- ولا يمكن التزامها بالعمل إلا بإذعان الدين، وقد بدأ عقلاء الإفرنج يشعرون بالحاجة إلى دين معقول يصلح بالتزامه فساد هذه المدينة المادية، ولن يجدوا حاجتهم إلا في دين القرآن وسنة خاتم النبيين ﵊، وأخشى ألا يهتدوا إليه إلا بعد البطشة الكبرى والطامة العظمى؛ وهي حرب التدمير المنتظرة من تنازع البلشفية والرأسمالية، وإنني أذكر هنا أهم أصول الإصلاح الإسلامي في المسألة المالية التي تبتدر فكري وتبدهه فأقول ... "١. ثم ذكر السيد رشيد رضا ما يراه من الأصول الإسلامية لإصلاح المسألة المالية، فعد منها إقرار الملكية الشخصية، وتحريم أكل أموال الناس بالباطل، وتحريم الربا والقمار، ومنع جعل المال دولة بين الأغنياء، والحجر على السفهاء في أموالهم حتى لا يضيعوها، وفرض الزكاة، وفرض نفقة الزوجية والقرابة وإيجاب

стр. 823

كفاية المضطر من كل جنس ودين، وجعل بذل المال كفارة لبعض الذنوب، وندب صدقات التطوع والترغيب فيها، وذم الإسراف والتبذير والبخل والشح وإباحة الزينة بشرط اجتناب الإسراف، ومدح القصد والاعتدال في النفقة على النفس والعيال، ثم قال بعد هذا: "أرأيت أمة من الأمم تقيم هذه الأركان ويوجد فيها فقر مدقع أو غرم موجع أو شقاء مفظع؟ "١. وقال في موضع آخر: "فماذا جرى لنا -نحن المسلمين- بعد هذه الوصايا والحكم حتى صرنا أشد الأمم إسرافًا وتبذيرًا، وإضاعة للأموال وجهلًا لطرق الاقتصاد فيها وتثميرها، وإقامة مصالح الأمة بها في هذا الزمن الذي لم يسبق له نظير في أزمنة التاريخ؛ من حيث توقف قيام مصالح الأمم ومرافقها وعظمة شأنها على المال؛ حتى إن الأمم الجاهلة بطرق الاقتصاد التي ليس في أيديها مال كثير قد صارت مستذلة ومستعبدة للأمم الغنية بالبراعة في الكسب والإحسان في الاقتصاد"٢. ثم يُرجع السبب في ذلك إلى أولئك "الذين لبَّسوا علينا بلباس الصالحين؛ فنفثوا في الأمة سموم المبالغة في التزهيد، والحث على إنفاق جمع ما تصل إليه اليد؛ وإنما كان يريد أكثرهم إنفاق كسب الكاسبين عليهم، وهم كسالَى لا يكسبون لزعمهم أنهم بحب الله مشغولون"٢. وجهود رجال المدرسة العقلية الاجتماعية في إصلاح أحوال البلاد الإسلامية الاقتصادية لا تُنكر، إلا أنه مع هذا وقع منهم ما نرفضه ولا نقره منهم؛ فكان لهم رأي في الربا المحرم، وأن المراد به ما كان أضعافًا مضاعفة، وقد بيَّنا -فيما سبق- ما ذهب إليه الأستاذ الإمام محمد عبده في ذلك، ودعوته إلى إباحة الربا للضرورة الاقتصادية، وزعمه أن تحريم الربا كان السبب في انتقال أموال المسلمين إلى الأجانب بأرباح فاحشة٣.

стр. 824

قضية المرأة: أحسب أن المرأة مركز الدائرة في المجتمع؛ ذلكم أنها الأم وهي البنت وهي الأخت وهي الزوجة وهي المربية والمعلمة. وأحسب أنها في كل قاعدة تقف عليها لا تخلو من جواذب تجذب إليها جذبًا الرجل والشاب والطفل، فلا عجب إذًا أن يكون لها تأثير قوي في المجتمع، إن صلحت أصلحت، وإن فسدت أفسدت؛ ولذا حث الإسلام على الظفر بذات الدين، وأنها خير متاع الدنيا. ولهذا أيضًا جنَّد الاستعمار جنودَه لإفساد المرأة فيما يُسمى بتحريرها، وتبنَّى وأربابه هذه القضية، وانخدعت بدعوته طائفة، وتبنت فكرته أخرى، وحاربتها البقية الباقية وقليل ما هم. وعاصر رجال المدرسة العقلية الاجتماعية الحديثة فترة طويلة هذه المرحلة، وعاشوا بين متقابلين؛ أولهما: واقع المرأة عامة في تلك الفترة التي طغى عليها الجهل والخرافات، وتخلت عن كثير مما أعطاها الإسلام لا رغبة وإنما إما جهلًا وإما مكرهة، وثانيهما: الدعوات المتطرفة التي أعطتها أكثر من حقها، وجرتها إلى متاهات لا تقوى جبلتها على خوضها ولا تدرك أبعادها، تهلك إن سلكتها، وتضيع إن تبعتها. وجاء المصلحون يريدون الإصلاح والتوفيق، منهم من ثبت لم تهزه الأعاصير ولم يجرفه الطوفان، ومنهم من لم يخلُ بين حين وآخر من رأي غير سديد، وقول غير حكيم، ومدخل غير سوي، أولجه إياه حرصه على أن يقبض بكلتا يديه كلا الفريقين؛ فلم يستطع دركًا، ولم يستطيع ثباتًا. تناول رجال المدرسة الاجتماعية آيات من القرآن الكريم، حاولوا أن يصلحوا على ضوئها، وأن يبثوا من خلال تفسيرها ما يرون فيه إصلاحًا لأوضاع المرأة. قال السيد رشيد رضا في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ

стр. 825

مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِين﴾ ١: "أقول: وفي الآية ما ترى من الحكم بمشاركة النساء للرجال في الاجتماع للمباراة القومية والمناضلة الدينية، وهو مبني على اعتبار المرأة كالرجل حتى في الأمور العامة، إلا ما استثني منها؛ ككونها لا تباشر الحرب بنفسها؛ بل يكون حظها من الجهاد خدمة المحاربين كمداوة الجرحى"٢. ثم يقول: "فأين هذا من حال نسائنا اليوم ومن اعتقاد جمهورنا فيما ينبغي أن يكن عليه؟ لا علم لهن بحقائق الدين، ولا بما بيننا وبين غيرنا من الخلاف والوفاق، ولا مشاركة للرجال في عمل من الأعمال الدينية ولا الاجتماعية، فهل فرض الإسلام على نساء الأغنياء -لا سيما في المدن- ألا يعرفن غير التطرس والتطرز والتورن٣، وعلى نساء الفقراء -لا سيما القرى والبوادي- أن يكن كالأُتُن الحاملة والبقر العاملة؟ وهل حرم على هؤلاء وأولئك علم الدنيا والدين، والاشتراك في شيء من شئون العالمين؟ كلا، بل فسق الرجال عن أمر ربهم؛ فوضعوا النساء في هذا الموضع بحكم قوتهم؛ فصغرت نفوسهن، وهزلت آدابهن، وضعفت ديانتهن، ونحفت إنسانيتهن، وصرن كالدواجن في البيوت أو السوائم في الصحراء. لبث المسلمون على هذا الجهل الفاضح أحقابًا حتى قام فيهم اليوم مَن يعيرهم باحتقار النساء واستعبادهن، ويطالبونهم بتحريرهن ومشاركتهن في العلم والآدب وشئون الحياة، منهم مَن يطالب بهذا اتباعًا لهدى الإسلام وما جاء به من الإصلاح، ومنهم مَن يطالب به تقليدًا لمدينة أوربا، وقد استحسنت الدعوة الأولى بالقول دون العمل، وأجيبت الدعوة الأخرى بالعمل على ذم الأكثرين لها بالقول، فأنشأ المسلمون يعلِّمون بناتهم القراءة والكتابة، وبعض اللغات الأوربية والعزف بآلات اللهو، وبعض أعمال اليد كالخياطة والتطريز؛ ولكن هذا التعليم لا يصحبه شيء من التربية الدينية

стр. 826

ولا من إصلاح الأخلاق والعادات؛ بل هو من عوامل الانقلاب الاجتماعي الذي تجهل عاقبته"١. وفي قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ ٢ قال الشيخ أحمد مصطفى المراغي: "إن هذا التشريع قد أصلح معاملة الرجل للمرأة، واعترف لها بالكرامة، وأنكر تلك المعاملة القاسية التي كانت تعاملها بها بعض الأمم؛ فقد كان بعضها يعدها كالبهيمة المسخرة لمصلحة الرجل، وبعضها يعدها غير أهل للتكاليف الدينية؛ إذ زعموا أنه ليس لها رُوح خالد، فما زعمه الإفرنج من أنهم السباقون إلى الاعتراف بكرامة المرأة ومساواتها للرجل ليس مبنيًّا على أساس صحيح، فالإسلام هو الذي سبق كل الشرائع في هذا، ولا تزال شرائعهم الدينية والمدنية تميز الرجل عن المرأة. نعم، إن المسلمين قصروا في تعليم النساء وتربيتهن؛ ولكن هذا لا يصلح حجة على الدين نفسه"٣. وقال الأستاذ محمد فريد وجدي: "ومما اختص به الإسلام الذهاب في احترام الحقوق الطبيعية للمرأة إلى حدود لم تدر في خيال مشرع مدني إلى اليوم، فالإسلام لم يكلف المرأة وهي زوجة بأي حق تؤديه للرجل غير حفظ عِرْضِه وطاعته في المعروف، باعتبار أنه الرئيس الطبيعي للأسرة. والمرأة المسلمة لا تفقد بزواجها شيئًا من استقلالها المالي؛ فتظل على حريتها في التصرف بمالها وأملاكها. هذا الحق لم تنله المراة الغربية إلى اليوم، فإنها بزواجها تقع -من ناحية تصرفاتها الاقتصادية- تحت وصاية زوجها٤. ويرد الشيخ محمود شلتوت على خصوم الإسلام الذين اتخذوا التفاوت بين نصيبي الذكر والأنثى هكذا مطعنا على الإسلام من جهة أن فيه إهدارًا لحق

стр. 827

بنوة الأنثى المساوية تمامًا في نسبتها إلى المورث لبنوة الذكر، وقالوا: إن هذا من فروع هضم الإسلام حق المرأة، وهي إنسان كالرجل، وفاتهم أن الذكر تتعدد مطالبه، وتكثر تبعاته في الحياة، فهو ينفق على نفسه وعلى زوجه وعلى أبنائه، ومن أصول الشريعة أنه يدفع المهر لمن يريد أن يتزوجها، أما الأنثى فإنها لا تدفع مهرًا، ويلزم زوجها بنفقتها في مأكلها ومشربها ومسكنها وخدمها، وذلك فوق تبعاته العائلية التي لا يلحق الأنثى مثلها، وهذا باب يتضح منه أن نصيب الأنثى في الوضع الإسلامي أعظم وأكثر من نصيب الذكر١. وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ ٢ يقول الشيخ محمود شلتوت: "ومن هنا أخذ الفقهاء أن الشريفة مقدَّمة في الزواج على غير الشريفة، وأن حسنة السمعة مقدمة على سيئتها، وفي هذا إيحاء قوي للنساء بأن يعملن جُهْدهن على تحسين سمعتهن، وتحليهن بالأخلاق الفاضلة التي ترغب فيهن الأزواج، ولقد كان لما اتخذته الفتاة لنفسها أو مكنها ولي أمرها من حرية واسعة في هذه الأيام نصيب كبير فيما نرى من أزمة الزواج وإعراض الشباب عنه لما يعلمون عن الفتاة من أخلاق جعلت الزواج في نظرهم بابًا من أبواب الشقاء، فعلى الفتاة وعلى ولي أمرها أن يتدبرا الأمر، فإن عليهما وحدهما تقع تبعة هذه المشلكة، وعليهما أن يعملا على حلها إن أرادا الخير والسعادة"٣. فإن كنت قد أطلت -وما أظني إلا وقد فعلت- فإنه يشفع لي أن الموضوع هنا بحر واسع، يزخر بالعديد من الأبحاث التي لا يكاد الباحث يفاضل بينها فيقدم أحدها أو يؤخر غيره. ومع هذا، فإني أعترف بأني قد اختصرت المقال هنا اختصارًا أرجو ألا يكون مخلًّا بالبحث.

стр. 828

ذلكم أن من القضايا التي ألمحنا إليها ما يحتاج بنفسه لمن أراد التفصيل فيه إلى بحث مستقل. خذ مثلًا المرأة وقضيتها، من أي النواحي أتيتها وجدت الأبحاث حبلى بما دار حولها، إن شئت فمن ناحية المساواة بينها وبين الرجل، وإن شئت فمن ناحية حقوقها في الإسلام، وإن شئت فمن ناحية تعدد الزوجات، وإن شئت فمن الطلاق، وإن شئت فمن جهة عملها ومجالاته، وإن شئت فمن ناحية التعليم، وإن شئت فمن ناحية الحجاب والسفور والاختلاط، وإن شئت.... وإن شئت ... إذًا، فلا عتب إذا ما أطلت الحديث عن هذا لأساس لدى رجال المدرسة العقلية الاجتماعية، ولا عتب إذ ما اختصرت فيه أبحاثه حتى نذكر أنواعًا من الإصلاح الاجتماعي. لكن الذي أجزم به كل الجزم أن المدرسة العقلية الاجتماعية قد تناولت كثيرًا من القضايا الاجتماعية، وبذلت وسعها في نشر ما تعتقد فيه صلاح المجتمع. وقد أصابت الحق في جوانب وأخطأته في أخرى، ونحن هنا نعرض المنهج عرضًا ولا ننقده نقدًا، وإذًا لو فعلنا لاحتاج هذا الأساس وحده لرسالة مستقلة، ولعل لنا في ذلك عذرًا أو بعض عذر. وبعد: هذه أبرز الأسس التي يقوم عليها منهج المدرسة العقلية الاجتماعية الحديثة في التفسير. ولعلنا بعد هذا نعرض أهم مؤلفات رجال المدرسة في التفسير، ثم نختار بعضها كنموذج لتفاسيرهم بعد أن عرضنا منهجهم جميعًا فيه.

стр. 829

أهم مؤلفات المدرسة العقلية الاجتماعية في التفسير مدخل ... أهم مؤلفات المدرسة العقلية الاجتماعية في التفسير: وقد خلَّف رجال المدرسة عددًا لا بأس به من المؤلفات في التفسير. ويدرك المتأمل في مؤلفاتهم في التفسير بروز ظواهر في تأليفها؛ أولها: أن بعضهم -كالأستاذ محمد عبده ومحمد مصطفى المراغي وابن باديس- لم يقصدوا التأليف قصدًا، ويكفي أن الأستاذ محمد رشيد رضا قد كابد حتى وافق شيخُه محمد عبده على تفسير القرآن، ونشر تلميذه محمد رشيد رضا له. أما الشيخ محمد مصطفى المراغي، فقد كان تفسيره دروسًا دينية يلقيها في شهر رمضان أمام الملك فاروق الأول في المسجد. وأما الشيخ عبد الحميد بن باديس، فإن تفسيره هو تلك الافتتاحيات التي كان ينشرها الشيخ في مجلة الشهاب في الجزائر، جمعها من بعده بعض تلاميذه. والظاهرة الثانية: أنه لم يكمل التفسير من رجال المدرسة إلا الشيخ أحمد مصطفى المراغي في ١٠ مجلدات، والأستاذ محمد فريد وجدي في مجلد واحد. وثالثة الظواهر: أن غالبهم لم يقصد تأليف تفسير شامل للقرآن، فقد كانوا يختارون آيات معينة، أو سورًا محدودة، أو جزءًا خاصًّا للتفسير، فلم يبدأ أحد منهم القرآن من أوله إلا الشيخ محمد عبده ولم يتمه، وأحمد مصطفى المراغي ومحمد فريد وجدي وأتماه، ومحمود شلتوت ولم يتمه. ومع بدو هذه الظواهر في تلكم المؤلفات إلا أنها لاقت صدى واسعًا بين المسلمين، وبغض النظر عمَّا لهذه التفاسير وما عليها إلا أنها لاقت منزلة عند أرباب الثقافة في العصر الحديث. وسنذكر هنا أهم مؤلفاتهم إجمالًا، ثم نفرد بعضها بدراسة خاصة أوسع كنموذج لمؤلفاتهم في التفسير بعد أن تناولنا منهجهم فيه. ١- تفسير القرآن الحكيم، المعروف بـ"تفسير المنار". تأليف: السيد محمد رشيد رضا، وسنفرد الحديث عنه إن شاء الله. ٢- تفسير جزء عم. للأستاذ الإمام محمد عبده، عدد صفحاته ١٨٥، وقد طُبع عدة طبعات؛ أولها في القاهرة سنة ١٣٢٢. ٣ تفسير سورة العصر. للأستاذ الإمام محمد عبده، عدد صفحاته ٩٢ القطع الصغير، أما تفسير السورة فيخصه ٥٤ صفحة، وأما باقيه فدرس

стр. 830

عام في العلم الإسلامي والتعليم، وقد طُبع أيضًا هذا التفسير عدة طبعات؛ أولها سنة ١٣٢١. وهذا التفسير وليد اقتراح بعض العلماء في الجزائر على الأستاذ الإمام أيام كان عندهم أن يقرأ لهم درسًا عامًّا، يستفيدون منه ويتحقق به تلقيهم عنه؛ ففسر لهم سورة العصر، ثم نشرته مجلة المنار، ثم طبع مستقلًّا. ٤- فاتحة الكتاب. للأستاذ الإمام محمد عبده، وعدد صفحاته ٤٧ القطع الكبير، وطبع بالقاهرة سنة ١٣١٩، ثم طبع الطبعة الثانية سنة ١٣٨٢ بالقاهرة، وهي مفردة من تفسير المنار. ٥- تفسير الفاتحة وست سور من خواتيم القرآن "العصر، الكوثر، الكافرون، الإخلاص، المعوذتين". تأليف: السيد محمد رشيد رضا، وعدد صفحاته ٢٣٧، أما تفسير الفاتحة فمن تفسير المنار، وأما تفسير سورة العصر فهو للأستاذ محمد عبده الذي أشرنا إليه، وطُبع ضمن هذا التفسير خمس آثارات للأستاذ الإمام في التوسل والتوحيد ومشكلات التفسير، محاضرة في العلم والتعليم، وصدرت الطبعة الثانية من دار المنار سنة ١٣٦٧. ٦- الدروس الدينية لسنة ١٣٥٧. للأستاذ محمد مصطفى المراغي شيخ الجامع الأزهر، وعدد صفحاته ٣١، ويحتوي على درسين ألقاهما الشيخ المراغي أمام الملك فاروق الأول: أولهما: في المسجد الزينبي وهو تفسير لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ الآيات، إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ الآية. وثانيهما: في مسجد البوصيري بالإسكندرية أمام الملك أيضًا، وفي تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ إلى آخر الآية ٢٩ من سورة الأنفال، وقد طبع هذا التفسير بمطبعة الأزهر.

стр. 831

٧- الدروس الدينية لسنة ١٣٦١. له أيضًا، وعدد صفحاته ٢٨، ويحتوي على ثلاثة دروس: الدرس الأول: تفسير قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ إلخ سورة الأنعام. الدرس الثاني: في تفسير قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ ، إلى قوله تعالى: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُون﴾ [الآيات ١٩٩-٢٠٣، الأعراف] . الدرس الثالث: تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُون﴾ ، إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم﴾ [الآيات ٣٠-٣٦، فصلت] . وطبع أيضًا بمطبعة الأزهر. ٨- تفسير سورة الحجرات. له أيضًا، وذلك في ثلاثة دروس ألقاها الشيخ محمد المراغي شيخ الجامع الأزهر في شهر رمضان سنة ١٣٥٨ أمام الملك فاروق الأول، وطبع بمطبعة الأزهر، ويقع في ٣٠ صفحة. ٩- الدروس الدينية لسنة ١٣٥٦. له أيضًا، ويحتوي على أربعة دروس: أولها: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ [الآية ١٧٧، البقرة] . ثانيها: قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الآيتان ١٣، ١٤، الشورى] . رابعها: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُم﴾ [الآيات ١٥١-١٥٣، الأنعام] .

стр. 832

١٠- تفسير جزء تبارك. الأستاذ عبد القادر المغربي. وطبع في المطبعة الأميرية سنة ١٣٦٦، وقام بالتعليق عليها بتكليف من وزارة التربية والتعليم بالقاهرة الأستاذ علي محمد حسب الله، وراجع التفسير الشيخ عطية صقر من علماء المراقبة العامة للثقافة بالأزهر، ويقع هذا التفسير في حوالي ١٣٦ صفحة من القطع الكبير، وسيأتي إن شاء الله الحديث عنه. ١١- تفسير القرآن الكريم "الأجزاء العشرة الأولى". تأليف: الشيخ محمود شلتوت، وطبع عدة مرات بين يدي الطبعة السادسة سنة ١٣٩٤، الناشر دار الشروق، ويقع في ٦٥٩ صفحة. ١٢- المصحف المفسر. للأستاذ محمد فريد وجدي، وهو تفسير مختصر كامل للقرآن الكريم في مجلد واحد كبير الحجم تبلغ صفحاته ٨٢٧ صفحة، وجاء التفسير مكتوبًا على هامش القرآن الكريم. ١٣- تفسير المراغي. تأليف: الشيخ أحمد مصطفى المراغي، وهو تفسير كامل للقرآن الكريم، ويقع في عشرة مجلدات، وطبع أيضًا عدة طبعات، وبين يدي الطبعة الثالثة سنة ١٣٩٤. ١٤- تفسير جزء عم. تأليف: محمد المبارك عبد الله، مطبعة: محمد علي صبيح، عدد صفحاته ٢٢٢ من الحجم الكبير. ١٥- تفسير ابن باديس "مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير". وهو دروس في التفسير، ألقاها الإمام عبد الحميد بن باديس في مجلد واحد، عدد صفحاته ٧٢٤، بين يدي الطبعة الثانية، دار الفكر.

стр. 833

أولا: تفسير القرآن الكريم المشهور "بتفسير المنار " أولا: المؤلف ... أولًا: تفسير القرآن الحكيم المشهور بـ"تفسير المنار" أولًا: المؤلف هو محمد رشيد بن علي بن رضا بن محمد شمس الدين بن السيد بهاء الدين، ولد يوم الأربعاء ٢٧ جمادى الأولى ١٢٨٢ في قرية قلمون جنوب طرابلس الشام، والتحق بالمدرسة الوطنية الإسلامية فيها، وبعد إغلاقها لم تنقطع صلته بمنشئها أستاذه حسين الجسر، والتحق بالمدارس الدينية حتى نال الشهادة العالمية. وقد تأثر الأستاذ محمد رشيد رضا بكتاب إحياء علوم الدين للغزالي، وبمجلة العروة الوثقى التي كان يصدرها من باريس جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده. وقد اتصل السيد رشيد بشيخه محمد عبده حينما كان الأخير منفيًّا عن مصر؛ فالتقى به مرتين في طرابلس كان نتيجتها إعجاب السيد رشيد بالإمام محمد عبده ورغبته في الاتصال به. وقد كان ذلك الاتصال بعد وصول محمد رشيد رضا إلى القاهرة يوم السبت ٢٣ رجب ١٣١٥؛ حيث زاره غداة وصوله في ضحوة الأحد، فكان أول حديث بينهما عن إصلاح الأزهر، وكان أول اقتراح له عليه أن يكتب تفسيرًا للقرآن ينفخ فيه من روحه التي وجد روحها ونورها في مقالات العروة الوثقى، فلم يوافق الإمام على الكتابة؛ فاقترح عليه رشيد أن يقرأ درسًا في التفسير، وأكثر

стр. 834

عليه القول حتى وافق وبدأ الدرس في غرة المحرم سنة ١٣١٧، وانتهى منه في منتصف المحرم سنة ١٣٢٣ عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ [الآية ١٢٥، النساء] . فواصل التفسير من بعده تلميذه محمد رشيد رضا حتى الآية ١٠١ من سورة يوسف؛ حيث أتم تفسير سورة يوسف من بعده الأستاذ بهجت البيطار. وكان من أغراض السيد رشيد التي دفعته إلى الانتقال من الشام إلى مصر رغبته في إنشاء صحيفة؛ فصدر العدد الأول من مجلة المنار في ٢٢ شوال سنة ١٣١٥، واستمرت في الصدور حتى الجزء الثاني من المجلد الخامس والثلاثين في ٢٩ ربيع الثاني ١٣٥٤. وقد جعل السيد رشيد رضا مجلته منبرًا للإصلاح؛ فكتب بها، واستكتب علماء العصر وأدباءه، وحذَّر من البدع والخرافات، ودعا إلى إصلاح التعليم، ودعا الناس إلى إنشاء المدارس بأنفسهم؛ لأن المدارس الحكومية في عهده خاضعة للاستعمار مع انتشار المدارس التنصيرية. وكان ينشر في مجلته تفسير أستاذه الإمام محمد عبده قبل أن يطبعه في كتاب خاص. وكان له نشاط في الدعوة؛ حيث أنشأ مدرسة لتخريج الدعاة وإرسالهم إلى أطراف العالم الإسلامي، وكانت تعطي الطالب شهادة مرشد بعد ثلاث سنوات تؤهله للدعوة بين المسلمين، وإذا ما واصل ثلاث سنوات أخرى أصبح داعيًا لغير المسلمين للدخول في الإسلام، وكان لهذه المدرسة أثر كبير في إعداد الدعاة. أما السياسة، فكان أستاذه محمد عبده ينهاه عن الخوض فيها ويحذره، ولما تُوفي الأستاذ دخل السيد رشيد ميدان السياسة جهارًا؛ فنقد الدولة العثمانية، وأنشأ مع العثمانيين المقيمين في القاهرة "جمعية الشورى العثمانية" وتولى رئاستها، وبدأت ترسل منشوراتها السرية إلى سائر أرجاء البلاد العثمانية؛ فأقلق مضاجع

стр. 835

السلطة، إلى أن وقع الانقلاب العثماني، وكان رشيد من الساعين إلى هذا الانقلاب بالخفاء١. أما التأليف، فقد كان فيه من المكثرين، فإضافة إلى نشاطه الكبير في الصحافة فقد كان مهتمًّا بالتأليف، ومن أشهر مؤلفاته: ١- تاريخ الأستاذ الإمام، في ثلاثة مجلدات، وهو أوسع ترجمة للإمام محمد عبده؛ بل أوسع ترجمة لرجل واحد في العصر الحديث فيما أعلم. ٢- نداء للجنس اللطيف. ٣- الوحي المحمدي. ٤- المنار والأزهر. ٥- الوَحْدَة الإسلامية. ٦- ذكرى المولد النبوي. ٧- الخلافة. ٨- الوهابيون والحجاز. ٩- السنة والشيعة أو الوهابية والرافضة. ١٠- مناسك الحج. ١١- تفسير المنار، وهو موضوع حديثنا هنا. ١٢- الربا والمعاملات في الإسلام. ١٣- شبهات النصارى وحجج الإسلام. ١٤- تفسير الفاتحة وستة سور من خواتيم القرآن. ١٥- إنجيل برنابا. ١٦- المسلمون والقبط. ١٧- فتاوى السيد رشيد رضا. ١٨- ترجمة القرآن.

стр. 836

هذه أهم مؤلفات السيد رشيد رضا، وله غيرها من المؤلفات كثير، زد على هذا المقالات والرسائل التي لا تقل عن هذه المؤلفات قيمة وحجمًا. وقد اشتهر السيد محمد رشيد رضا -خاصة بعد وفاة الأستاذ محمد عبده- بميله إلى التفسير بالمأثور، والاهتمام بكتب السلف وطبعها في مطبعة المنار؛ حتى أثار عليه ذلك الخصوم، وحتى سموه بـ"الوهابي"، وقد بذل جُهْدًا كبيرًا في الدفاع عن عقيدة السلف المتمثلة في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وكتب مقالات عديدة في الدفاع عنها؛ بل تجاوز ذلك إلى التأليف؛ فأفردها بما سبق ذكره من المؤلفات عن الوهابيين كما يسميهم خصومهم. وفاته: تُوفي السيد رشيد رضا يوم الخميس ٢٣ جمادى الأولى سنة ١٣٥٤، وتُوفي وهو يقرأ القرآن في السيارة قبل وصوله إلى مصر الجديدة عائدًا من السويس مودعًا الأمير سعود بن عبد العزيز، ودُفن في قرافة المجاورين بجوار أستاذه محمد عبده.

стр. 837

ثانيًا: التفسير تفسير القرآن الحكيم "تفسير المنار". قلنا: إن السيد محمد رشيد رضا قد استطاع أن يقنع أستاذه محمد عبده بأن يُلقي دروسًا في تفسير القرآن الكريم، وأنه قد ابتدأ هذه الدروس في غرة المحرم سنة ١٣١٧، وكان رشيد رضا يبادر بكتابة تفسير أستاذه ثم نشره في مجلة المنار التي يصدرها محمد رشيد رضا نفسه؛ ولهذا فقد عُرف هذا التفسير بتفسير المنار. ثم بدا له أن ينشره بطبعة مستقلة؛ فبدأ بطبع الجزء الثاني منه، وعلل ذلك بأن الجزء الأول منه كان مختصرًا ولم يلتزم فيه ما التزمه فيما بعده من تفسير جميع عبارات الآيات وذكر نصوصها ممزوجة فيها؛ فاقترح على أستاذه أي يعيد النظر فيه، ويزيد ما يسنح له من زيادة أو إيضاح ففعل، وزاد هو أيضًا زيادات أخرى١.

стр. 838

وقد صدر هذا التفسير في اثني عشر مجلدًا متوسطة الحجم، وقد وصل فيه التفسير إلى نهاية الآية ٥٢ من سورة يوسف، وكان السيد رشيد رضا قد تُوفي عند تفسير الآية ١٠١ من السورة نفسها. وجاء من بعده الأستاذ محمد بهجت البيطار، فضم تفسير السورة بعضه إلى بعض وأكمل تفسيرها، وأصدر ذلك كله في كتيب واحد باسم السيد محمد رشيد رضا وعنوانه: "تفسير سورة يوسف ﵇"، وصدرت طبعته الأولى سنة ١٣٥٥، وتبلغ صفحاته ١٥٧ صفحة. نماذج من التفسير: وأيها نذكر؟ وأيها ندع؟ والتفسير مليء بالأمثلة في موضوعات شتى، منها ما هو محمود، ومنها ما هو سواه، ونحن حين نورد ما نورد من أمثلة لا نقصد الأخير قصدًا، ولا ما قبله عمدًا؛ فليس حمد تفسيرهم ولا ذمه مرادنا؛ وإنما هو العرض، فإن كان غالبه من هذا أو ذاك فما قصدناه؛ وإنما اخترنا مواضيع حرصنا على تنوعها، وأوردنا فيها أمثلة حرصنا على بيانها ... فمن ذلك: أولًا: الخوارق والمعجزات: وأمر الخوارق قديم، وما يزال الحديث عنها بين مثبت ومنكر، وبين مثبت لحجيتها ومنكر لها. ولا شك أن المعجزات حجة للرجل، لا ينكر هذا إلا خاضع لهوى أو جاهل؛ ولذلك توعَّد الله سبحانه مَن يكفر بعدها بالعذاب الشديد، فحين طلب الحواريون من عيسى ﵇ أن ينزل الله عليهم مائدة من السماء أحس ﵇ بعاقبتها فقال: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ، وحين أصروا قال الله: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ ١. ولأنها حجة وصفها موسى ﵇ بأنها ﴿شَيْءٍ مُبِين﴾ حين أراد

стр. 839

أن يظهر حجته عند فرعون وقومه، فقال لفرعون: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ، قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ، فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ، وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ ١. ولكن المعجزة تلك أمر خارق للعادة، وأمر كهذا يصيب العقل بالدهشة، ويوقفه عند حد لا يستطيع معه اكتناه سرها ومعرفة حقائقها ودقائقها؛ مما يوقف صاحبها عند حد مفترق طرق، إما أن يعرف قصور العقل عن دركها، وأن هذا أمر خارج عن قدرة البشر؛ فيبحث عن منشئه حتى يصل إلى الإيمان بالله تعالى، وإما أن يبقى مصرًّا على أن العقل خُلق ليعرف، وأنه قادر على أن يعرف، لا يعجزه شيء، وما عجز عنه فليس لقصور فيه؛ بل فيما عجز عن دركه؛ إما لعدم ثبوته أو بتأويله بما لا يكون به خارقًا للعادة؛ وبالتبع ليس مدهشًا للعقل. قالت طائفة بذاك، وقالت طائفة بذا، والتمست كل ما ترى لها به متعلقًا لتأويل أو إنكار أو تقليل من شأنها. بل عَدَّ السيد رشيد رضا -عفا الله عنه- مجرد ذكر القرآن الكريم لمعجزات الأنبياء السابقين سببًا لإعراض العلماء والعقلاء "!! " عن الدين الإسلامي والدخول فيه "!! " ولولا رواية القرآن لذلك لكان إقبال أحرار الإفرنج عليه أكثر، واهتداؤهم به أعم وأوسع؛ حيث يقول: "ولولا حكاية القرآن لآيات الله التي أيد بها موسى وعيسى ﵉ لكان إقبال أحرار الإفرنج عليه أكثر، واهتداؤهم به أعم وأسرع؛ لأن أساسه قد بُنِيَ على العقل والعلم، وموافقة الفطرة البشرية، وتزكية أنفس الأفراد، وترقية مصالح الاجتماع"٢. ثم وصف هذه المعجزات وغيرها بقوله: "وأما تلك العجائب الكونية، فهي مثار شبهات وتأويلات كثيرة في روايتها وفي صحتها وفي دلالتها، وأمثال هذه

стр. 840

الأمور تقع من أناس كثيرين في كل زمان، والمنقول منها عن صوفية الهنود المسلمين أكثر من المنقول عن العهدين العتيق والجديد وعن مناقب القديسين، وهي من منفرات العلماء عن الدين في هذا العصر"١. ثم انظر حتى يتضح لك مذهبه إلى قوله: "وقد كان أكثر مَن آمن بتلك الآيات إنما خضعت أعناقهم واستخذت أنفسهم لما لا يعقلون له سببًا "!! " وقد انطوت الفطرة على أن كل ما لا يُعرف له سبب فالآتي به مظهر للخالق سبحانه، إن لم يكن هو الخالق نفسه، وكان أضعاف أضعافهم يخضع مثل هذا الخضوع نفسه للسحرة والمشعوذين والدجالين، ولا يزالون كذلك"٢. وخذ عبارة أوضح في زعمه أن العقل لا يخضع للمعجزات، قال: "وإن الله تعالى جعل نبوة محمد ورسالته قائمة على قواعد العلم والعقل في ثبوتها وفي موضوعها؛ لأن البشر قد بدءوا يدخلون في سن الرشد والاستقلال النوعي الذي لا يخضع عقل صاحبه فيه لاتباع مَن تصدر عنهم أمور عجيبة مخالفة للنظام المألوف في سنن الكون؛ بل لا يكمل ارتقاؤهم واستعداداهم بذلك؛ بل هو من موانعه"٣. وحتى نجلو حقيقة رأيه، فهو يجيز وقوع المعجزة عقلًا، ويجب الإيمان بها على ظاهرها٤؛ ولكنها خاصة بما قبل رسالة محمد ﷺ ، أما في عصره ﵊ "فانتهى بذلك زمن المعجزات، ودخل الإنسان بدين الإسلام في سن الرشد؛ فلم تعد مدهشات الخوارق هي الجاذبة له إلى الإيمان، وتقويم ما يعرض للفطرة من الميل عن الاعتدال في الفكر والأخلاق والأعمال، كما كان في سن الطفولية "النوعية"؛ بل أرشده الله تعالى بالوحي الأخير "القرآن" إلى استعمال عقله في تحصيل الإيمان بالله وبالوحي"٤.

стр. 841

هذا مجمل رأيه في المعجزات، وآن الأوان لذكر بعضها آحادًا وموقفه منها. معجزات محمد ﷺ : أما معجزاته ﵊ فقد أجمل الأستاذ رشيد رضا رأيه فيها، وأراحنا من تتبع أقواله عند كل واحدة منها؛ وذلك حين دافع عن كتاب "حياة محمد" للأستاذ حسين هيكل، وجاء في دفاعه عنه: "أهم ما ينكره الأزهريون والطرقيون على هيكل أو أكثره مسألة المعجزات أو خوارق العادات، وقد حررتها في كتابي الوحي المحمدي من جميع مناحيها ومطاويها في الفصل الثاني وفي المقصد الثاني من الفصل الخامس، بما أثبت به أن القرآن وحده هو حجة الله القطعية على ثبوت نبوة محمد ﷺ بالذات، ونبوة غيره من الأنبياء وآياتهم بشهادته لا يمكن في عصرنا إثبات آية إلا بها، وأن الخوارق الكونية شبهة عند علمائه لا حجة؛ لأنها موجودة في زماننا ككل زمان مضى "!! " وأن المفتونين بها هم الخرافيون من جميع الملل، وبينت سبب هذا الافتتان، والفروق بين ما يدخل منها في عموم السنن الكونية والروحية وغيره"١. إحياء الموتى: ومع أنه يعترف بجواز وقوع المعجزة عقلًا، ويخص ذلك بما قبل رسالة محمد ﷺ ، إلا أنه مع هذا كثيرًا ما يؤول المعجزات للأنبياء السابقين بما لا تكون به معجزة، أو بما لا تكون به أمرًا خارقًا؛ ومن ذلكم قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ، فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون﴾ ٢. وخلاصة قصة هذه الآيات أنه كان في بني إسرائيل رجل غني، وليس له ولد، وكان له قريب وارث فقتله ليرثه، ثم ألقاه في الطريق، وطالب قومه بإخراج

стр. 842

قاتله، فاحتكموا إلى موسى ﵇ فأمرهم أن يذبحوا بقرة -كما ورد في القرآن- ثم ذبحوها، وأمرهم موسى أن يضربوه ببعضها فضربوا فقام وأخبر بقاتله ثم مات؛ فكانت حياته آية لموسى ﵇ وحجة على المعاد. لكن الشيخ رشيد رضا حمل القصة -تبعًا لأستاذه الإمام محمد عبده- على أنها نوع من التشريع الذي كان موجودًا في زمن بني إسرائيل؛ لأجل الوصول إلى معرفة القاتل المجهول في هذه الحادثة وأمثالها، لا على أنها وردت في حادث معين فيه معجزة لموسى ﵇ ودليلهم في هذا ما ورد في التوراة؛ حيث قال الأستاذ الإمام: "على أن هذا الحكم منصوص في التوراة، وهو أنه إذا قتل قتيل لم يُعرف قاتله فالواجب أن تذبح بقرة غير ذلول في واد دائم السيلان، ويغسل جميع شيوخ المدينة القريبة من المقتل أيديهم على العجلة التي كسر عنقها في الوادي، ثم يقولون: إن أيدينا لم تسفك هذا الدم، اغفر لشعبك إسرائيل، ويتمون دعوات يبرأ بها مَن يدخل في هذا العمل من دم القتيل، ومن لم يفعل يتبين أنه القاتل، ويراد بذلك حقن الدماء، فيحتمل أن يكون هذا الحكم هو من بقايا تلك القصة، أو كانت هي السبب فيه، وما هذه بالقصة الوحيدة التي صححها القرآن، ولا هذا الحكم بالحكم الأول الذي حرفوه أو أضاعوه، وأظهره الله تعالى"١. وأيده بهذا الرأي السيد محمد رشيد رضا بقوله: "وأقول: إن ما أشار إليه الأستاذ من حكم التوراة المتعلق بقتل البقرة هو في أول الفصل الحادي والعشرين من سِفْر تثنية الاشتراع"٢، ثم ساق السيد رشيد نصه وقال بعده: "والظاهر مما قدمنا أن ذلك العمل كان وسيلة عندهم للفصل في الدماء عند التنازع في القاتل إذا وُجد القتيل قرب بلد ولم يُعرف قاتله ليعرف الجاني من غيره، فمن غسل يده وفعل ما رسم لذلك في الشريعة برئ من الدم ومن لم يفعل ثبتت عليه الجناية"٣.

стр. 843

وكدت أجد تأويلًا لهذه النصوص بأنهما لا ينكران الحادثة؛ وإنما أثبتا أنه الحكم الشرعي عند بني إسرائيل، ولعله من بقايا تلك القصة أو الحادثة. كدت ألتمس لهما هذا لولا أن الأستاذ رشيد طبق الحكم المزعوم على الآية نفسها، فأخرجها من كونها السبب في الحكم إلى كونها الحكم نفسه؛ حيث قال: "ومعنى إحياء الموتى على هذا حفظ الدماء التي كانت عرضة لأن تسفك؛ بسبب الخلاف في قتل تلك النفس؛ أي يحييها بمثل هذه الأحكام" إلى أن قال: " ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِه﴾ بما يفصل بها في الخصومات، ويزيل من أسباب الفتن والعداوات، فهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ ١، وأكثر ما يستعمل مثل هذا التعبير في آيات الله في خَلْقه الدالة على صدق رسله"٢. ومن هذا يظهر أنهما يقولان بأن الآيات مسوقة لبيان حكم شرعي، لا لبيان حادث تاريخي؛ هو معجزة لموسى ﵇ وقد رد عليهما ردًّا حميدًا في هذا المقام الشيخ محمود شلتوت -رحمه الله تعالى- حيث قال: "إن كلمة ﴿اضْرِبُوه﴾ واضحة في أن يُضرب المقتول ببعض البقرة المذبوحة، وليس في الكلام إشارة تتعلق بالقاتل الخفي، ولا إشارة إلى غسل أيدي أهل الحي من دماء البقرة، وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ يدل على أن الإحياء المشبه به -وهو الإحياء في هذا المقام- إحياء حقيقي بعد موت تسلب فيه الروح، وليس إحياءً حكميًّا يحصل بمعرفة القاتل والاقتصاص منه حتى يكون بمثابة ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ كما يريد الشيخان، ولو كان الأمر كما يقرران لما صح تقرير إحياء الموتى للبعث والجزاء بهذا النوع من الإحياء الحكمي المجازي، ولو أن قائلًا قال: إن الله يحيي النفوس الجاهلة بالعلم، وكذلك يحيي الموتى من قبورهم؛ لَمَا كان مثل هذا التشبه والقياس سائغًا، وإن قوله تعالى: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِه﴾ لواضح في الإراءة البصرية للآيات الكونية، لا في الإراءة العقلية للأحكام الشريعة؛ حتى

стр. 844

يكون من قبيل ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ ، وإن قوله بعد ذلك: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ ليدل على أنهم رأوا حالة مادية من شأنها أن تؤثر في النفوس، ومن شأن القلوب أن ترق لها، وأن تتجرد من القسوة والعناد عندها، ومع ذلك لقد قسوا واشتدت قسوتهم، وكانت قلوبهم كالحجارة أو أشد، وكل هذا لا يتفق، وما يريده الشيخان من حمل الآية على المعنى التشريعي فهذا الحمل تأويل منهما؛ لكنه تأويل لا تساعد عليه اللغة، وما هو المعهود من كلام العرب"١. وقد التمس الشيخ شلتوت لهما عذرًا -وما هو بعذر- حيث قال: "والذي حمل الأستاذ الإمام على هذا -فيما نظن- هو رغبته في التخلص من الاعتراض الذي ذكره بعض المستشرقين، مع وجود النص التشريعي الذي أشار إليه الشيخ بمعناه، ونقله الشيخ رشيد بنصه"٢. قلت: ولا أحسب هذا بعذر لهما -عفا الله عنهما- وليتعظ الأحياء من بعدهما. من معجزات عيسى ﵇: قال الله مثبتًا معجزة لعيسى ﵇ أظهرها سبحانه على يديه: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ، وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ٣، وقال سبحانه مثبتًا وقوع هذه المعجزة منه ﵇ بعد إمكانها: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ ٤ الآية.

стр. 845

فثبت بنص القرآن الكريم وقوع هذه المعجزة لعيسى ﵇ وحصولها منه، ويرى الشيخ محمد عبده وتلميذه السيد رشيد في تفسير آية آل عمران أن هذا يدل على إمكان وقوعها لعيسى ﵇ ولا يدل على وقوعها من غير رجوع إلى آية المائدة، وهما -أيضًا- لا يستندان في نفيهما الوقوع إلى نص من الكتاب أو السنة؛ وإنما إلى عدم تناقل النصارى لهذا "!! " خاصة في الأناجيل القانونية عندهم، أما الأناجيل غير القانونية التي ورد فيها الأخبار بمجيء محمد ﷺ ، وكون عيسى ﵇ يخلق من الطين كهيئة الطير بإذن الله فينفخ فيه فيكون طيرًا بإذن الله، ونحو ذلك، فلا قيمة لهذه الأناجيل!! وإنما المستند إلى تلك التي لم يرد فيها شيء من ذلك. ولندع الشيخ عبده يوضح لنا ذلك؛ حيث يقول في تفسير آية آل عمران: "وغاية ما يُفهم منها أن الله تعالى جعل فيه هذا السر؛ ولكن لم يقل: إنه خلق بالفعل، ولم يرد عن المعصوم أن شيئًا من ذلك وقع١. ثم يقول: "فإن قصارى ما تدل عليه العبارة أنه خص بذلك، وأمر بأن يحتج به، والحكمة في إخبار النبي ﷺ بذلك إقامة الحجة على منكري نبوته كما تقدم، وأما وقوع ذلك كله أو بعضه بالفعل فهو يتوقف على نقل يحتج به في مثل ذلك"١. ويوضح لنا تلميذه النقل الذي يحتج به في مثل ذلك فيقول: "هذا ما قاله الأستاذ الإمام، ومن الغريب أن ابن جرير يروي عن ابن إسحاق "أن عيسى -صلوات الله عليه- جلس يومًا مع غلمان من الكتاب، فأخذ طينًا، ثم قال: أجعل لكم من هذا الطين طائرًا؟ قالوا: وتستطيع ذلك؟ قال: نعم بإذن ربي، ثم هيأه حتى إذا جعله في هيئة الطير فنفخ فيه، ثم قال: كن طائرًا بإذن الله؛ فخرج يطير بين كفيه"، فكأنه اتخذ آية الله على رسالته ألعوبة للصبيان، والحاصل: أنه ليس عندنا نقل صحيح بوقوع خلق الطير؛ بل ولا عند النصارى الذي يتناقلون وقوع سائر الآيات المذكورة في الآية، إلا ما في إنجيل الصبا أو الطفولة من نحو ما قال ابن إسحاق، وهو من الأناجيل غير القانونية عندهم، ولعل آية سورة
следующие страницы →