هذا مجمل رأيه في المعجزات، وآن الأوان لذكر بعضها آحادًا وموقفه منها.
معجزات محمد ﷺ :
أما معجزاته ﵊ فقد أجمل الأستاذ رشيد رضا رأيه فيها، وأراحنا من تتبع أقواله عند كل واحدة منها؛ وذلك حين دافع عن كتاب "حياة محمد" للأستاذ حسين هيكل، وجاء في دفاعه عنه: "أهم ما ينكره الأزهريون والطرقيون على هيكل أو أكثره مسألة المعجزات أو خوارق العادات، وقد حررتها في كتابي الوحي المحمدي من جميع مناحيها ومطاويها في الفصل الثاني وفي المقصد الثاني من الفصل الخامس، بما أثبت به أن القرآن وحده هو حجة الله القطعية على ثبوت نبوة محمد ﷺ بالذات، ونبوة غيره من الأنبياء وآياتهم بشهادته لا يمكن في عصرنا إثبات آية إلا بها، وأن الخوارق الكونية شبهة عند علمائه لا حجة؛ لأنها موجودة في زماننا ككل زمان مضى "!! " وأن المفتونين بها هم الخرافيون من جميع الملل، وبينت سبب هذا الافتتان، والفروق بين ما يدخل منها في عموم السنن الكونية والروحية وغيره"١.
إحياء الموتى:
ومع أنه يعترف بجواز وقوع المعجزة عقلًا، ويخص ذلك بما قبل رسالة محمد ﷺ ، إلا أنه مع هذا كثيرًا ما يؤول المعجزات للأنبياء السابقين بما لا تكون به معجزة، أو بما لا تكون به أمرًا خارقًا؛ ومن ذلكم قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ، فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون﴾ ٢.
وخلاصة قصة هذه الآيات أنه كان في بني إسرائيل رجل غني، وليس له ولد، وكان له قريب وارث فقتله ليرثه، ثم ألقاه في الطريق، وطالب قومه بإخراج
стр. 842
قاتله، فاحتكموا إلى موسى ﵇ فأمرهم أن يذبحوا بقرة -كما ورد في القرآن- ثم ذبحوها، وأمرهم موسى أن يضربوه ببعضها فضربوا فقام وأخبر بقاتله ثم مات؛ فكانت حياته آية لموسى ﵇ وحجة على المعاد.
لكن الشيخ رشيد رضا حمل القصة -تبعًا لأستاذه الإمام محمد عبده- على أنها نوع من التشريع الذي كان موجودًا في زمن بني إسرائيل؛ لأجل الوصول إلى معرفة القاتل المجهول في هذه الحادثة وأمثالها، لا على أنها وردت في حادث معين فيه معجزة لموسى ﵇ ودليلهم في هذا ما ورد في التوراة؛ حيث قال الأستاذ الإمام: "على أن هذا الحكم منصوص في التوراة، وهو أنه إذا قتل قتيل لم يُعرف قاتله فالواجب أن تذبح بقرة غير ذلول في واد دائم السيلان، ويغسل جميع شيوخ المدينة القريبة من المقتل أيديهم على العجلة التي كسر عنقها في الوادي، ثم يقولون: إن أيدينا لم تسفك هذا الدم، اغفر لشعبك إسرائيل، ويتمون دعوات يبرأ بها مَن يدخل في هذا العمل من دم القتيل، ومن لم يفعل يتبين أنه القاتل، ويراد بذلك حقن الدماء، فيحتمل أن يكون هذا الحكم هو من بقايا تلك القصة، أو كانت هي السبب فيه، وما هذه بالقصة الوحيدة التي صححها القرآن، ولا هذا الحكم بالحكم الأول الذي حرفوه أو أضاعوه، وأظهره الله تعالى"١.
وأيده بهذا الرأي السيد محمد رشيد رضا بقوله: "وأقول: إن ما أشار إليه الأستاذ من حكم التوراة المتعلق بقتل البقرة هو في أول الفصل الحادي والعشرين من سِفْر تثنية الاشتراع"٢، ثم ساق السيد رشيد نصه وقال بعده: "والظاهر مما قدمنا أن ذلك العمل كان وسيلة عندهم للفصل في الدماء عند التنازع في القاتل إذا وُجد القتيل قرب بلد ولم يُعرف قاتله ليعرف الجاني من غيره، فمن غسل يده وفعل ما رسم لذلك في الشريعة برئ من الدم ومن لم يفعل ثبتت عليه الجناية"٣.
стр. 843
وكدت أجد تأويلًا لهذه النصوص بأنهما لا ينكران الحادثة؛ وإنما أثبتا أنه الحكم الشرعي عند بني إسرائيل، ولعله من بقايا تلك القصة أو الحادثة. كدت ألتمس لهما هذا لولا أن الأستاذ رشيد طبق الحكم المزعوم على الآية نفسها، فأخرجها من كونها السبب في الحكم إلى كونها الحكم نفسه؛ حيث قال: "ومعنى إحياء الموتى على هذا حفظ الدماء التي كانت عرضة لأن تسفك؛ بسبب الخلاف في قتل تلك النفس؛ أي يحييها بمثل هذه الأحكام" إلى أن قال: " ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِه﴾ بما يفصل بها في الخصومات، ويزيل من أسباب الفتن والعداوات، فهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ ١، وأكثر ما يستعمل مثل هذا التعبير في آيات الله في خَلْقه الدالة على صدق رسله"٢.
ومن هذا يظهر أنهما يقولان بأن الآيات مسوقة لبيان حكم شرعي، لا لبيان حادث تاريخي؛ هو معجزة لموسى ﵇ وقد رد عليهما ردًّا حميدًا في هذا المقام الشيخ محمود شلتوت -رحمه الله تعالى- حيث قال: "إن كلمة ﴿اضْرِبُوه﴾ واضحة في أن يُضرب المقتول ببعض البقرة المذبوحة، وليس في الكلام إشارة تتعلق بالقاتل الخفي، ولا إشارة إلى غسل أيدي أهل الحي من دماء البقرة، وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ يدل على أن الإحياء المشبه به -وهو الإحياء في هذا المقام- إحياء حقيقي بعد موت تسلب فيه الروح، وليس إحياءً حكميًّا يحصل بمعرفة القاتل والاقتصاص منه حتى يكون بمثابة ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ كما يريد الشيخان، ولو كان الأمر كما يقرران لما صح تقرير إحياء الموتى للبعث والجزاء بهذا النوع من الإحياء الحكمي المجازي، ولو أن قائلًا قال: إن الله يحيي النفوس الجاهلة بالعلم، وكذلك يحيي الموتى من قبورهم؛ لَمَا كان مثل هذا التشبه والقياس سائغًا، وإن قوله تعالى: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِه﴾ لواضح في الإراءة البصرية للآيات الكونية، لا في الإراءة العقلية للأحكام الشريعة؛ حتى
стр. 844
يكون من قبيل ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ ، وإن قوله بعد ذلك: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ ليدل على أنهم رأوا حالة مادية من شأنها أن تؤثر في النفوس، ومن شأن القلوب أن ترق لها، وأن تتجرد من القسوة والعناد عندها، ومع ذلك لقد قسوا واشتدت قسوتهم، وكانت قلوبهم كالحجارة أو أشد، وكل هذا لا يتفق، وما يريده الشيخان من حمل الآية على المعنى التشريعي فهذا الحمل تأويل منهما؛ لكنه تأويل لا تساعد عليه اللغة، وما هو المعهود من كلام العرب"١.
وقد التمس الشيخ شلتوت لهما عذرًا -وما هو بعذر- حيث قال: "والذي حمل الأستاذ الإمام على هذا -فيما نظن- هو رغبته في التخلص من الاعتراض الذي ذكره بعض المستشرقين، مع وجود النص التشريعي الذي أشار إليه الشيخ بمعناه، ونقله الشيخ رشيد بنصه"٢.
قلت: ولا أحسب هذا بعذر لهما -عفا الله عنهما- وليتعظ الأحياء من بعدهما.
من معجزات عيسى ﵇:
قال الله مثبتًا معجزة لعيسى ﵇ أظهرها سبحانه على يديه: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ، وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ٣، وقال سبحانه مثبتًا وقوع هذه المعجزة منه ﵇ بعد إمكانها: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ ٤ الآية.
стр. 845
فثبت بنص القرآن الكريم وقوع هذه المعجزة لعيسى ﵇ وحصولها منه، ويرى الشيخ محمد عبده وتلميذه السيد رشيد في تفسير آية آل عمران أن هذا يدل على إمكان وقوعها لعيسى ﵇ ولا يدل على وقوعها من غير رجوع إلى آية المائدة، وهما -أيضًا- لا يستندان في نفيهما الوقوع إلى نص من الكتاب أو السنة؛ وإنما إلى عدم تناقل النصارى لهذا "!! " خاصة في الأناجيل القانونية عندهم، أما الأناجيل غير القانونية التي ورد فيها الأخبار بمجيء محمد ﷺ ، وكون عيسى ﵇ يخلق من الطين كهيئة الطير بإذن الله فينفخ فيه فيكون طيرًا بإذن الله، ونحو ذلك، فلا قيمة لهذه الأناجيل!! وإنما المستند إلى تلك التي لم يرد فيها شيء من ذلك.
ولندع الشيخ عبده يوضح لنا ذلك؛ حيث يقول في تفسير آية آل عمران: "وغاية ما يُفهم منها أن الله تعالى جعل فيه هذا السر؛ ولكن لم يقل: إنه خلق بالفعل، ولم يرد عن المعصوم أن شيئًا من ذلك وقع١.
ثم يقول: "فإن قصارى ما تدل عليه العبارة أنه خص بذلك، وأمر بأن يحتج به، والحكمة في إخبار النبي ﷺ بذلك إقامة الحجة على منكري نبوته كما تقدم، وأما وقوع ذلك كله أو بعضه بالفعل فهو يتوقف على نقل يحتج به في مثل ذلك"١.
ويوضح لنا تلميذه النقل الذي يحتج به في مثل ذلك فيقول: "هذا ما قاله الأستاذ الإمام، ومن الغريب أن ابن جرير يروي عن ابن إسحاق "أن عيسى -صلوات الله عليه- جلس يومًا مع غلمان من الكتاب، فأخذ طينًا، ثم قال: أجعل لكم من هذا الطين طائرًا؟ قالوا: وتستطيع ذلك؟ قال: نعم بإذن ربي، ثم هيأه حتى إذا جعله في هيئة الطير فنفخ فيه، ثم قال: كن طائرًا بإذن الله؛ فخرج يطير بين كفيه"، فكأنه اتخذ آية الله على رسالته ألعوبة للصبيان، والحاصل: أنه ليس عندنا نقل صحيح بوقوع خلق الطير؛ بل ولا عند النصارى الذي يتناقلون وقوع سائر الآيات المذكورة في الآية، إلا ما في إنجيل الصبا أو الطفولة من نحو ما قال ابن إسحاق، وهو من الأناجيل غير القانونية عندهم، ولعل آية سورة
стр. 846
المائدة أدنى إلى الدلالة على الوقوع من هذه الآية؛ وهي ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ.....﴾ ١ الآية، فإن جعل ذلك كله متعلق النعمة يؤذن بوقوعه إلا أن يقال: إن جعل هذه الآيات مما يجري على يديه عند طلبه، والحاجة إلى تحديه به من أجل النعم وأعظمها؛ ولكن هذا خلاف الظاهر"٢.
الحمل بعيسى ﵇:
ووردت النصوص القرآنية التي تحدثت عن الحمل بعيسى ﵇ في سورتي آل عمران ومريم وغيرهما؛ ففي الأولى قال تعالى على لسان مريم- ﵍ حين بشرها الله بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُون﴾ ٣، وقال تعالى في سورة مريم: ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا، قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ ٤.
ولا شك أن حمل المرأة من غير أن يمسها بشر أمر خارق للعادة، آمن المسلمون به من غير تفصيل لكيفية نشوء الحمل؛ لأنه من الأمور الغيبية التي لا تثبت إلا بالوحي، ولم ينص الوحي على كيفيته؛ فتوقف السلف في ذلك، وأسندوا علمه إلى الله .
وقد حاول السيد رشيد رضا تقريب حمل مريم بعيسى ﵉ إلى الأذهان بما تكون به هذه الواقعة أمرًا عاديًّا لا إعجاز فيه، وليس فيه آية للناس، وهذا تفسير باطل نرفضه، فكيف إذا كان تأويله بما هو بعيد عن الحقائق متأثرًا بنظريات علمية ثبت بطلانها وزيفها؛ حيث يقول: "وأقول: اعلم أن الكافرين
стр. 847
بآيات الله ينكرون الحمل بعيسى من غير أب جمودًا على العادات، وذهولًا عن كيفية ابتداء خَلْق جميع المخلوقات، ولو كان لهم دليل عقلي على استحالة ذلك لكانوا معذورين؛ ولكن لا دليل لهم إلا أن هذا غير معتاد، وهم في كل يوم يرون من شئون الكون ما لم يكن معتادًا من قبل؛ فمنه ما يعرفون له سببًا ويعبرون عنه بالاكتشاف والاختراع، ومنه ما لا يعرفون له سببًا ويعبرون عنه بفلتات الطبيعة.
ونحن -معاشر المؤمنين- نقول: إن تلك الأشياء المعبَّر عنها بالفلتات إما أن يكون لها سبب خفي؛ وحينئذ يجب أن تهدي هؤلاء الجامدين إلى أن بعض الأشياء يجوز أن يأتي من غير طريق الأسباب المعروفة، فلا ينكروا كل ما يخالفها لاحتمال أن يكون له سبب خفي لم يقفوا عليه، ولا ينزل أمر عيسى في الحمل به من غير واسطة أب عن ذلك، وإما أن تكون قد وُجدت في الواقع ونفس الأمر خارقة لنظام الأسباب؛ وحينئذ يجب بأن يعترفوا بأن الأسباب الظاهرة المعروفة ليست واجبة وجوبًا عقليًّا مطردًا، وإذا كان الأمر كذلك امتنع على العاقل أن ينكر شيئًا ما ويعده مستحيلًا؛ لأنه لا يعرف له سببًا.
ولعل أبناء العصور السابقة كانوا أقرب إلى أن يعذروا بإنكار غير المألوف من أبناء هذا العصر الذي ظهر فيه من أعمال الناس، ما لو حدث به عقلاء الغابرين لعدوه من خرافات الدجالين، ونحن نرى علماء الغرب وفلاسفته متفقين على إمكان التولد الذاتي؛ أي: تولد الحيوان من غير حيوان أو من الجماد، وهم يبحثون ويحاولون أن يصلوا إلى ذلك بتجاربهم، وإذا كان تولد الحيوان من الجماد جائزًا فتولد الحيوان من حيوان واحد أولى بالجواز وأقرب إلى الحصول، نعم، إنه خلاف الأصل، وإن كونه جائزًا لا يقتضي وقوعه بالفعل، ونحن نستدل بوقوعه بالفعل بخبر الوحي الذي قام الدليل على صدقه١.
إلا أن تعدي السيد رشيد رضا حدود التفسير وتجاوزه لمنهج السلف يظهر في محاولته تقريب هذه الواقعة إلى السنن المعروفة في نظام الكائنات؛ وذلك بصرفها عن أن تكون خارقة وآية للناس إلى أن تكون غير ذلك؛ حيث يقول: "ويمكن تقريب هذه الآية الإلهية من السنن المعروفة في نظام الكائنات بوجهين:
стр. 848
"أحدهما": أن الاعتقاد القوي الذي يستولي على القلب، ويستحوذ على المجموع العصبي، يُحدث في عالم المادة من الآثار ما يكون على خلاف المعتاد، فكم من سليم اعتقد أنه مصاب بمرض كذا، وليس في بدنه شيء من جراثيم هذا المرض، فولد له اعتقاده تلك الجراثيم الحية وصار مريضًا، وكم من امرئ سقي الماء القراح أو نحوه فشربه معتقدًا أنه سُم ناقع فمات مسمومًا به، والحوادث في هذا الباب كثيرة أثبتتها التجارب، وإذا اعتبرنا بها في أمر ولادة المسيح نقول: إن مريم لما بُشرت بأن الله تعالى سيهب لها ولدًا بمحض قدرته وهي على ما هي عليه من صحة الإيمان وقوة اليقين انفعل مزاجها بهذا الاعتقاد انفعالًا فعل في الرحم فعل التلقيح، كما يفعل الاعتقاد القوي في مزاج السليم فيمرض أو يموت، وفي مزاج المريض فيبرأ، وكان نفخ الروح الذي ورد في سورة أخرى متممًا لهذا التأثير.
"الوجه الثاني": وهو أقرب إلى الحق وإن كان أخفى وأدق، وبيانه يتوقف على مقدمة وجيزة في تأثير الأرواح في الأشباح؛ وهي أن المخلوقات قسمان: أجسام كثيفة وأرواح لطيفة، وأن اللطيف هو الذي يحدث في الكثيف الحي ما نراه فيه من النمو والحركة والتوالد الذي يكون فيه من النمو أو يكون النمو منه، فلولا الهواء لما عاشت هذه الأحياء، والهواء روح؛ ولذلك كان من أسمائه إذا تحرك الريح، وأصلها رِوح -بكسر الراء- ولأجل الكسر قلبت الواو ياء لتناسبه، والماء الذي منه كل شيء حي مركب من روحين لطيفين، وهو يكاد يكون في حال التركيب وسطًا بين الكثيف واللطيف؛ ولكنه أقرب إلى الثاني، والكهربائية من الأرواح، وناهيك بفعلها في الأشباح.
فهذه الموجودات اللطيفة التي سميناها أرواحًا هي التي تحدث معظم التغيُّر الذي نشاهده في الكون؛ حتى إننا قد رأينا في هذا العصر من أسرارها ما لم يكن يخطر على بال أحد من قدماء فلاسفتنا، ويعتقد علماؤنا اليوم أن ما سيظهر منها في المستقبل أَجَلُّ وأعظم، فإذا كان الأمر كذلك في الأرواح التي لا دليل عندنا على أنها تدرك وتريد، فلم لا يجوز أن يكون تأثير الأرواح العاقلة المريدة أعظم".
ثم قال: "إذا تمهد هذا فنقول: إن الله المسخر للأرواح المنبثة في الكائنات
стр. 849
قد أرسل روحًا من عنده إلى مريم، فتمثل لها بشرًا ونفخ فيها؛ فأحدثت نفخته التلقيح في رحمها؛ فحملت بعيسى ﵇ وهل حملت إليها تلك النفخة مادة أم لا؟ الله أعلم"١.
ولا شك أن التأويل الأول بأن مريم ﵍ اعتقدت اعتقادًا قويًّا فَعَلَ في رحمها فِعْلَ التلقيح، وأن تأثير الاعتقاد القوي أثبتته التجارب الكثيرة تأويل باطل؛ بل هو مفتاح لطريق سهل للبغايا الفاسدات، وليزعمن إذا وقع منهن الحمل أنهن لم يرتكبن جريمة الزنا؛ وإنما وقع منهن هذا الاعتقاد! وما الذي بأيدينا حتى نثبت كذبهن إذا جعلنا هذا الاعتقاد سبيلًا للحمل؟!
بل وأي فضل اختصت به مريم وابنها ﵍ بهذا الحمل؟! وأي أمر عجب جعله الله آية للناس إذا كانت التجارب في هذا كثيرة؟! ألا فليُعلم بطلان هذا التأويل وانحرافه.
نقول هذا مع أن الشيخ رشيد رضا وصف الوجه الثاني بأنه أقرب إلى الحق؛ ولكنه لم يكتفِ به؛ فكان حقًّا علينا بيانه.
رَفْعُ عيسى ﵇ إلى الله :
قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ٢.
وجاء نفي قتله ﵇ والإخبار برفعه إلى الله في قوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ٣.
لذا فإن المسلمين -خلافًا للنصارى- يعتقدون بأن عيسى ﵇ لم يُقتل ولم يُصلب؛ بل رفعه الله إليه.
стр. 850
فقد نفى الله في الآية الثانية قَتْلَ عيسى ﵇ وأثبت في الآية الأولى وفاته.
فهل يعني هذا إثبات الوفاة بدون قتل ولا صلب، أو أن المراد بالوفاة في الآية الأولى معنى آخر؟ ثم ما المراد بالرفع في الآيتين؟ هل المراد به رفع جسمه ﵇ أو رفع مكانته وتشريفه؟ وهل يُفهم هذا الأخير من الآيتين؟ وما الذي أوجب صرف الوفاة عن معناها المتبادر إلى معنى آخر؟ وما الذي أوجب صرف الرفع عند الفريق الآخر عن معناه الحسي إلى معناه المعنوي؟
كل هذا ما يرد في هاتين الآيتين من التساؤل، وكله يرجع إلى الخلاف في المراد بكلمتي الوفاة والرفع، فلنذكر المراد بهما ومعناهما عند السلف.
قال الإمام الطبري -رحمه الله تعالى- في تفسيره:
"ثم اختلف أهل التأويل في معنى "الوفاة" التي ذكرها الله في هذه الآية؛ فقال بعضهم: هي وفاة نوم، وكان معنى الكلام على مذهبهم: إني منيمك ورافعك في نومك".
ثم قال: "وقال آخرون: معنى ذلك: إني قابضك من الأرض، فرافعك إلي، قالوا: ومعنى "الوفاة" القبض، كما يقال: توقيت من فلان ما لي عليه؛ بمعنى: قبضته واستوفيته، قالوا: فمعنى قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ﴾ أي: قابضك من الأرض حيًّا إلى جواري، وآخذك إليَّ ما عندي بغير موت، ورافعك من بين المشركين وأهل الكفر بك".
ثم قال: "وقال آخرون: معنى ذلك: إني متوفيك وفاة موت".
وقال: "وقال آخرون: معنى ذلك: إذ قال الله يا عيسى إني رافعك إليَّ، ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد إنزالي إياك إلى الدنيا".
وقال: "هذا من المقدم الذي معناه التأخير، والمؤخر الذي معناه التقديم".
قال أبو جعفر١: وأَوْلَى هذه الأقوال بالصحة عندنا قول مَن قال: معنى ذلك: إني قابضك من الأرض ورافعك إليَّ؛ لتواتر الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ينزل عيسى ابن مريم فيقتل الدجال، ثم يمكث في الأرض
стр. 851
مدة ذكرها -اختلفت الرواية في مبلغها- ثم يموت، فيصلي عليه المسلمون ويدفنونه" ١.
ومعنى هذا أن الطبري يقول بأن عيسى ﵇ لم يمت ولم يُقتل ولم يُصلب؛ وإنما قبضه الله إليه حيًّا، ورفعه إليه كذلك، وقد تواترت الأخبار بنزوله بعد هذا إلى الأرض ... إلخ.
فهو يستند في تفسيره -رحمه الله تعالى- لهذه الآية إلى القرآن الكريم، وإلى السنة المتواترة، وإلى دلالة اللغة العربية ومفهومها، ولا يميل في تفسيره إلى هوى في نفسه أو مداهنة لغيره، وقال بهذا التفسير علماء السلف كلهم واتفقوا عليه، واستدلوا بالأدلة والحجج القوية والبراهين الساطعة، ولم يقل أحد منهم: إن عيسى رفع ميتًا، حتى الذين فسروا الوفاة بالموت فإنهم ذكروا أنه مات ثلاث ساعات -وقيل في رواية أخرى: سبع ساعات- ثم أحياه الله، وفي مثل هذا القول ضعف٢.
واستند السلف في تفسيرهم هذا إلى ما يدل عليه القرآن الكريم والسنة المتواترة.
فمن القرآن قوله تعالى عن بني إسرائيل: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ٣.
فأخبر الله أنهم ما قتلوه وما صلبوه، وأخبر بأنه سبحانه رَفَعَ عيسى ﵇ إليه.
ومما لا شك فيه أن هدف بني إسرائيل هو "وفاة" عيسى ﵇ وهذا متحقق بقتلهم وصلبهم له أو موته، ولا فائدة في نفي القتل والصلب وحصول الموت؛ فتعين انتفاء الثلاثة: القتل والصلب والموت، وإثبات رفعه ﵊ إلى الله .
стр. 852
وتأويل التوفي في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ١ بما لا يدل على الموت؛ بل يدل على معنى آخر تبقى معه الحياة، وتدل عليه اللغة العربية؛ كالنوم الذي يسمى بالوفاة في اللغة، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ ٢، أو القبض، أو الاستيفاء، ونحو ذلك مما ذكرنا آنفًا.
وإنما احتاج المفسرون إلى تأويل الوفاة بما ذكر؛ لأن الصحيح أن الله رفعه إلى السماء من غير وفاة؛ لما صح في الأخبار عن النبي ﷺ من نزول عيسى ﵇ وقتله الدجال٣.
فقد تواتر في السنة النبوية الشريفة نزول عيسى ﵇ آخر الزمان، وممن حكى التواتر هذا ابن جرير الطبري٤ -كما نقلنا عنه آنفًا- والشوكاني في تفسيره٥، وابن كثير٦، وابن حجر العسقلاني٧، وابن عطية الغرناطي الأندلسي في تفسيره٨.
وأبو الوليد بن رشد٩، والسفاريني١٠، والكتاني١١، والشيخ محمد شفيع١٢
стр. 853
والشيح مصطفى صبري١، وأبو حيان الأندلسي في تفسيره٢، والكوثري ٣، ٤.
وقد مهد السيد رشيد رضا لإنكار رفع عيسى ﵇ بالتشكيك في الأحاديث، ليس في صحتها؛ ولكن بأسلوب آخر هو أخطر وأكثر انحرافًا عن جادة الحق والصواب، فحينما التمس شيخنه محمد عبده مخرجًا من هذه الأحاديث بقوله: "ولصاحب هذه الطريقة في حديث الرفع والنزول في آخر الزمان تخريجان: أحدهما: أنه حديث آحاد متعلق بأمر اعتقادي؛ لأنه من أمور الغيب، والأمور الاعتقادية لا يُؤخذ فيها إلا بالقطعي؛ لأن المطلوب فيها هو اليقين، وليس في الباب حديث متواتر.
وثانيهما: تأويل نزوله وحكمه في الأرض بغلبة روحه وسر رسالته على الناس"٥.
حينما قال هذا عقب عليه تلميذه السيد رشيد بقوله: "هذا ما قاله الأستاذ الإمام في الدرس مع بسط وإيضاح؛ ولكن ظواهر الأحاديث الواردة في ذلك تأباه، ولأهل هذه اتلأويل أن يقولوا: إن هذه الأحاديث قد نُقلت بالمعنى كأكثر الأحاديث، والناقل للمعنى ينقل ما فهمه"٥؟!
وإنما قلت: إن هذا التأويل من السيد رشيد رضا أخطر وأكثر انحرافًا ممن ينكر التواتر؛ لأن مَن أنكر التواتر إذا صح عنده التواتر عمل به واعتقد، أما مَن زعم أن هذه الأحاديث نُقلت بالمعنى فالتأويل الباطل هو مصيرها في كل ما خالف معتقده ورأيه، سواء كان الدليل متواترًا أو دونه، وحجته أنها رُويت بالمعنى.
وإذا ما جئنا إلى تفسير آية آل عمران السابقة وجدنا السيد رشيد رضا يقول في تفسيرها: "والتوفي في اللغة: أخذ الشيء وافيًا تامًّا، ومن ثم استتعمل بمعنى
стр. 854
الإماتة، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ ١، وقال: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ ٢، فالمتبادر٣ في الآية: إني مميتك وجاعلك بعد الموت في مكان رفيع عندي، كما قال في إدريس ﵇: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ ٤، ٥.
ثم قال: "هذا ما يفهمه القارئ الخالي الذهن من الروايات٦ والأقوال؛ لأنه هو المتبادر من العبارة، وقد أيدناه بالشواهد من الآيات؛ ولكن المفسرين٧ قد حوَّلوا الكلام عن ظاهره؛ لينطبق على ما أعطتهم الروايات من كون عيسى رفع إلى السماء بجسده، وهاك ما قاله الأستاذ الإمام في ذلك".
ثم نقل تأويل الشيخ عبده لهذه الآية بقوله: "يقول بعض المفسرين: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيك﴾ أي: منومك، وبعضهم: إني قابضك من الأرض بروحك وجسدك، ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ بيان لهذا التوفي، وبعضهم: إني أنجيك من هؤلاء المعتدين؛ فلا يتمكنون من قتلك، وأميتك حتف أنفك، ثم أرفعك إليَّ. ونسب هذا القول إلى الجمهور، وقال: للعلماء ههنا طريقتان؛ أحدهما: وهي المشهورة أنه رفع حيًّا بجسمه وروحه، وأنه سينزل في آخر الزمان فيحكم بين الناس بشريعتنا، ثم يتوفاه الله تعالى، ولهم في حياته الثانية على الأرض كلام طويل معروف، وأجاب هؤلاء عما يرد عليهم من مخالفته القرآن في تقديم الرفع على التوفي بأن الواو لا تفيد ترتيبًا، أقول: وفاتهم أن مخالفة الترتيب في الذكر للترتيب في الوجود لا يأتي في الكلام البليغ إلا لنكتة، ولا نكتة هنا لتقديم التوفي على الرفع؛ إذ الرفع هو الأهم لما فيه من البشارة بالنجاة ورفعة المكان "قال"والطريقة الثانية: أن الآية على ظاهرها
стр. 855
وأن التوفي على معناه الظاهر المتبادر وهو الإماتة العادية، وأن الرفع يكون بعده وهو رفع الروح، ولا بدع في إطلاق الخطاب على شخص وإرادة روحه؛ فإن الروح هي حقيقة الإنسان، والجسد كالثوب المستعار، فإنه يزيد وينقص ويتغير، والإنسان إنسان لأن روحه هي هي "قال" ولصاحب هذه الطريقة في حديث الرفع والنزول في آخر الزمان تخريجان:
أحدهما: أنه حديث آحاد متعلق بأمر اعتقادي؛ لأنه من أمور الغيب، والأمور الاعتقادية لا يُؤخذ فيها إلا بالقطعي؛ لأن المطلوب فيها هو اليقين، وليس في الباب حديث متواتر.
وثانيهما: تأويل نزوله وحكمه في الأرض بغلبة روحه وسر رسالته على الناس، وهو ما غلب في تعليمه من الأمر بالرحمة والمحبة والسلم، والأخذ بمقاصد الشريعة دون الوقوف عند ظواهرها، والتمسك بقشورها دون لبابها، وهو حكمتها وما شُرعت لأجله، فالمسيح ﵇ لم يأتِ لليهود بشريعة جديدة؛ ولكنه جاءهم بما يزحزحهم عن الجمود على ظواهر ألفاظ شريعة موسى ﵇ ويوقفهم على فقهها والمراد منها، ويأمرهم بمراعاته وبما يجذيهم إلى عالم الأرواح بتحري كمال الآداب، ولما كان أصحاب الشريعة الأخيرة قد جمدوا على ظواهر ألفاظها؛ بل وألفاظ من كتب فيها معبرًا عن رأيه وفهمه، وكان ذلك مزهقًا لروحها ذاهبًا بحكمتها كان لَا بُدَّ لهم من إصلاح عيسوي يبين لهم أسرار الشريعة ورُوح الدين وأدبه الحقيقي، وكل ذلك مطوي في القرآن الذي حجبوا عنه بالتقليد الذي هو آفة الحق، وعدو الدين في كل زمان، فزمان عيسى -على هذا التأويل- هو الزمان الذي يأخذ الناس فيه بروح الدين والشريعة الإسلامية لإصلاح السرائر من غير تقيد بالرسوم والظواهر"١.
والسيد رشيد استند في صرف لفظ الرفع عن معناه الحقيقي إلى معناه المجازي إلى ما حسبه من النصوص مساويًا لقوله تعالى: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ ٢، ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ ٣؛ فاستدل بقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ ٤، ونحو ذلك.
стр. 856
وهذا خطأ ولا شك؛ ذلكم أن رَفْعَ عيسى ﵇ اقترن به الجار والمجرور "إليَّ" و"إليه"، ومرجع الضمير فيهما إلى الله ، فالآيتان صريحتان في رفع عيسى ﵇ إلى الله ، ولم يرد فيما ذكروه من آيات الرفع الأخرى وما لم يذكروه اقتران الرفع بالجار والمجرور "إليه".
ونستعيد تلك الآيات للتأكد: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ ١، ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ ٢، ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ ٣، ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ ٤، ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ ٥، ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ ٦، ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ ٧، ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ ٨، ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ ٩، وغير ذلك من الآيات.
ولم يقترن أي منها بـ"إلي" أو "إليه"، وحينما يقترن منها شيء بهذا فإن المعنى -ولا شك- يختلف، وإلا لكانت الزيادة عبثًا يتنزه القرآن عنه، ولم يكن اقترانها خاصًّا برفع عيسى؛ فقد وردت في آية أخرى، قال سبحانه: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ١٠، وهذا -ولا شك- يعطي الرفع قوة خاصة، ومزية خاصة؛ بأن الرفع إليه لا إلى سواه وهو في السماء.
فوجب حمل الرَّفْعِ لعيسى ﵇ على أنه رُفِعَ إلى الله سبحانه
стр. 857
وتعالى في السماء، وكيف وقد اقترن بهذا الرفع ما يؤيده مما تواتر في سنة أبي القاسم ﷺ ، وهي المفسرة للقرآن التي لا يصح تناوله بالتفسير مجردًا منها.
ثم لو كان المراد من قوله تعالى: ﴿مُتَوَفِّيك﴾ مميتك، ومن قوله: ﴿رَافِعُك﴾ رافع روحك -كما زعموا- "كان القول الثاني مستغنى عنه؛ لأن رفع روح عيسى ﵇ بعد موته إلى ربه -وهو نبي جليل من أنبياء الله- معلوم لا حاجة إلى ذكره١؛ فكان الإخبار برفع رُوحه بعد الإخبار بموته زيادة ينتزه عنها القرآن الكريم.
هذه بعض الأمثلة على موقف السيد رشيد رضا في تفسيره -تفسير المنار- من المعجزات والخوارق التي أخبر الله بها عن أنبيائه السابقين في القرآن الكريم.
وهو في موقفه هذا يشارك رجال المدرسة العقلية الاجتماعية الحديثة موقفهم من المعجزات، وهو أمر خطير زَلَّ فيه رجال المدرسة، نسأل الله لنا ولهم السلاة من مواقع الزلل.
مسألة الخلود في النار:
وإضافة إلى موقف السيد رشيد السابق من المعجزات، فله موقف آخر في مسألة خلود مرتكب الكبيرة.
برز ذلك عنه تفسيره لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ٢: "وقد أَوَّلَ الخلودَ المفسرون لتتفق الآية مع المقرر في العقائد والفقه من كون المعاصي لا تُوجب الخلود في النار، فقال أكثرهم: إن المراد: ومن عاد إلى تحليل الربا
стр. 858
واستباحته اعتقادًا، ورده بعضهم بأن الكلام في أكل الربا، وما ذكر عنهم من جمعه كالبيع هو بيان لرأيهم فيه قبل التحريم؛ فهو ليس بمعنى استباحة المحرم، فإذا كان الوعيد قاصرًا على الاعتقاد بحله لا يكون هناك وعيد على أكله بالفعل، والحق أن القرآن فوق ما كتب المتكلمون والفقهاء، يجب إرجاع كل قول في الدين إليه، ولا يجوز تأويل شيء منه ليوافق كلام الناس، وما الوعيد بالخلود هنا إلا كالوعيد بالخلود في آية قَتْلِ العمد، وليس هناك شبهة في اللفظ على إرادة الاستحلال.
ومن العجيب أن يجعل الرازي الآية هنا حجة على القائلين بخلود مرتكب الكبيرة في النار؛ انتصارًا لأصحابه الأشاعرة، وخير من هذا التأويل تأويل بعضهم للخلود بطول المكث، أما نحن فنقول: ما كل ما يُسمى إيمانًا يعصم صاحبه من الخلود في النار، الإيمان إيمانان: إيمان لا يعدو التسليم الإجمالي بالدين الذي نشأ فيه المرء أو نسب إليه ومجاراة أهله، ولو بعدم معارضتهم فيما هم عليه، وإيمان هو عبارة عن معرفة صحيحة بالدين عن يقين بالإيمان، متمكنة في العقل بالبرهان، مؤثرة في النفس بمقتضى الإذعان، حاكمة على الإرادة المصرفة للجوارح في الأعمال؛ بحيث يكون صاحبها خاضعًا لسلطانها في كل حال، إلا ما لا يخلو عنه الإنسان من غلبة جهالة أو نسيان، وليس الربا من المعاصي التي تُنسى، أو تغلب النفس عليها خفة الجهالة والطيش كالحدة وثورة الشهوة، أو يقع صاحبها منها في غمرة النسيان كالغيبة والنظرة، فهذا هو الإيمان الذي يعصم صاحبه -بإذن الله- من الخلود في سخط الله؛ ولكنه لا يجتمع مع الإقدام على كبائر الإثم والفواحش عمدًا إيثارًا لحب المال واللذة على دين الله وما فيه من الحكم والمصالح.
وأما الإيمان الأول فهو صوري فقط، فلا قيمة له عند الله تعالى؛ لأنه تعالى لا ينظر إلى الصور والأقوال؛ ولكن ينظر إلى القلوب والأعمال كما ورد في الحديث، والشواهد على هذا الذي قررناه في كتاب الله تعالى كثيرة جدًّا، وهو مذهب السلف الصالح وإن جهله كثير ممن يدعون اتباع السنة؛ حتى جرَّءوا الناس على هدم الدين؛ بناء على أن مدار السعادة على الاعتراف بالدين وإن
стр. 859
لم يعمل به؛ حتى صار الناس يتبجحون بارتكاب الموبقات مع الاعتراف بأنها من كبائر ما حرم، كما بلغنا عن بعض كبرائنا أنه قال: إنني لا أنكر أنني آكل الربا؛ ولكنني مسلم أعترف بأنه حرام، وقد فاته أنه يلزمه بهذا القول الاعتراف بأنه من أهل هذا الوعيد، وبأنه يرضى أن يكون محاربًا لله ولرسوله، وظالمًا لنفسه وللناس، كما سيأتي في آية أخرى، فهل يعترف بالملزوم، أم ينكر الوعيد المنصوص، فيؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض؟ نعوذ بالله من الخذلان"١.
ولا شك أيضًا أنه جَانَبَ الصواب في هذا؛ لأن النصوص الكثيرة دلت على أن أصحاب الكبائر لا يخلدون في النار؛ وإنما يخلد المشركون دونهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٢، وقال سبحانه ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ٣.
وقد وردت أحاديث كثيرة في السنة في بيان عدم خلود أصحاب الكبائر في النار ما داموا غير مشركين، وأنهم يخرجون منها؛ قال الإمام الشوكاني: "والمصير إلى هذا التأويل واجب للأحاديث المتواترة"٤، وقال ابن كثير رحمه الله تعالى: "وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ : "أنه يخرج مَن النار من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان" "٥.
ولهذا أَوَّلَ السلف الخلود في الآية السالفة بأحد تأويلين:
أولهما: أن المعنى: ومَن عاد إلى القول بأن البيع مثل الربا فقد استحل ما حرم الله فيكفر فيستحق الخلود.
وثانيهما: تأويل الخلود بطول المكث.
стр. 860
وليس هذا مقام تقرير ذلك؛ وإنما بيان مخالفته لرأي السلف وموافقته للمدرسة العقلية القديمة المعتزلة في خلود أصحاب الكبائر، والله الهادي.
أصل الإنسان:
لا شك أن أصل الإنسان من الأمور الغيبية التي لا سبيل إلى معرفتها والقطع بها إلا عن طريق الوحي.
والوحي عندنا -نحن المسلمين- لا يخرج عن آية شريفة أو سُنة صحيحة، وما سواهما فضَرْبٌ من خيال.
والآيات على خلق الإنسان من طين متعددة بأساليب شتى؛ نذكر هنا بعضها:
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ، وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ، وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ، فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ ١.
وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُون﴾ ٢.
وقال سبحانه: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْأِنْسَانِ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ، ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ ٣.
стр. 861
وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ ١، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٢.
وهذه الآيات وغيرها تنص نصًّا على خَلْق آدم أبي البشر من تراب، ثم تناسل ذريته من بعد من ماء مهين؛ ذلكم مجمل معتقد السلف.
ثم ظهرت على مسرح النظريات العلمية نظرية اعترف أصحابها أنها نظرية وأَبَى آخرون إلا أن يعدوها حقيقة علمية؛ تلكم ما يعرف بـ"نظرية داروين"، فذهبوا للاستدلال لها كل مذهب، ووقف آخرون حائرون بين الدين الذي يعتقدون والنظرية التي يستمعون.
أحسب أنه عَزَّ عليهم أن يقع تصادم بين الدين والعلم؛ بل ما حسبوه علمًا ثابتًا؛ فأخطئوا الطريق، وظنوا أن سبيل التوفيق تأويل الآيات القرآنية تأويلًا يوافق هذه النظرية؛ فلا يكون تصادم ولا يكون تناقض.
اخطئوا الطريق مرتين، مرة حين حسبوها حقيقة علمية مع أن صاحبها "داروين" نفسه لم يجزم بها؛ حيث قال: "اسمح لي أن أضيف إلى هذا بأني لست من قلة العقل بحيث أتصور بأن نجاحي يتعدى رسم دوائر واسعة لبيان أصل الأنواع"٣.
ومرة حين عمدوا إلى الآيات الصريحة يؤولونها ويصرفونها عن معانيها لا لشيء إلا لأنها لم توافق تلكم النظرية.
والشيخ محمد عبده وتلميذه السيد رشيد رضا لم يرفضا هذه النظرية، والحق أيضًا أنهما لم يعلنا قبولها؛ لكنهما فسرا الآيات القرآنية بما يفتح الباب على مصراعيه لمن يريد أن يقول بها، وأنكرا مصادمة القرآن لها.
خذ مثلًا تفسير الشيخ محمد عبده لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ
стр. 862
الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ ١: "ليس المراد بالنفس الواحدة آدم بالنص ولا بالظاهر، فمن المفسرين مَن يقول: إن كل نداء مثل هذا يُراد به أهل مكة أو قريش، فإذا صح هنا جاز أن يفهم منه بنو قريش أن النفس الواحدة هي قريش أو عدنان، وإذا كان الخطاب للعرب عامة جاز أن يفهموا منه أن المراد بالنفس الواحدة يعرب أو قحطان، وإذا قلنا: إن الخطاب لجميع أهل الدعوة إلى الإسلام -أي: لجميع الأمم- فلا شك أن كل أمة تفهم منه ما تعتقده، فالذين يعتقدون أن جميع البشر من سلالة آدم يفهمون أن المراد بالنفس الواحدة آدم، والذين يعتقدون أن لكل صنف من البشر أبًا يحملون النفس على ما يعتقدون ... والقرينة على أنه ليس المراد هنا بالنفس الواحدة آدم قوله: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ بالتنكير، وكان المناسب على هذا الوجه أن يقول: وبث منهما جميع الرجال والنساء، وكيف ينص على نفس معهودة والخطاب عام لجميع الشعوب، وهذا العهد ليس معروفًا عند جميعهم؟!
فمن الناس مَن لا يعرفون آدم ولا حواء ولم يسمعوا بهما، وهذا النسب المشهور عند ذرية نوح مثلًا، وهو مأخوذ عن العبرانيين، فإنهم هم الذين جعلوا للبشر تاريخًا متصلًا بآدم وحددوا له زمنًا قريبًا، وأهل الصين ينسبون البشر إلى أب آخر، ويذهبون بتاريخه إلى زمن أبعد من الزمن الذي ذهب إليه العبرانيون، والعلم والبحث في آثار البشر مما يطعن في تاريخ العبارنيين، ونحن المسلمين لا نكلف تصديق تاريخ اليهود وإن عزوه إلى موسى ﵇؛ فإنه لا ثقة عندنابأنه من التوراة، وأنه بقي كما جاء به موسى"٢.
وبهذا أكد الشيخ أن آدم ليس أبًا البشر كلهم؛ وإنما قلت: "أكد"؛ لأنه:
١- استدل بأن الآية لا تدل "بالنص ولا بالظاهر" على ذلك.
٢- وأنه لو كان آدم أبًا البشر كلهم لما قال: ﴿رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ ؛ بل قال: جميع الرجال والنساء.
стр. 863
٣- وأن مِن الناس مَن لا يعرفون آدم ولا حواء ولم يسمعوا بهما.
٤- أن العلم والبحث في آثار البشر مما يطعن في تاريخ العبرانيين باعتقادهم أن آدم أبو البشر.
وبهذا أضاء الشيخ عبده النور الأخضر لمن يريد أن يقول بنظرية داروين بأن يجعل تطبيقها على آباء البشر الآخرين عدا آدم ﵇.
فإن ذهبت تعترض على هذا القول وتقول: ورد في القرآن الكريم الخطاب: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ ١، وورد في قوله ﷺ : "كلكم بنو آدم، وآدم خُلق من تراب" ٢، وما رواه أحمد في مسنده عن رسول الله ﷺ : "يأيها الناس، ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر؛ إلا بالتقوى" ٣.
إذا ما قلت هذا أجابك الشيخ محمد عبده: "وما ورد في آيات أخرى من مخاطبة الناس بقوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ لا ينافي هذا، ولا يعد نصًّا قاطعًا في كون جميع البشر من أبنائه؛ إذ يكفي في صحة الخطاب أن يكون من وجه إليهم في زمن التنزيل من أولاد آدم. وقد تقدم في تفسير قصة آدم في أوائل سورة البقرة أنه كان في الأرض قبله نوع من هذا الجنس فسدوا فيها وسفكوا الدماء، وأقول زيادة في الإيضاح: إذا كان جماهير المفسرين فسروا النفس الواحدة هنا بآدم، فهم لم يأخذوا ذلك من نص الآية ولا من ظاهرها؛ بل من المسألة المسلمة عندهم "!! " وهي أن آدم أبو البشر"٤.
وأيَّد هذا الرأي السيد رشيد رضا بروايات واهية لو لم تكن حجة له لشنع
стр. 864
على قائليها ورواتها؛ حيث قال: "وقد نُقل عن الإمامية والصوفية أنه كان قبل آدم -المشهور عند أهل الكتاب وعندنا- آدمون كثيرون. قال في روح المعاني: ذكر صاحب جامع الأخبار من الإمامية في الفصل الخامس عشر خبرًا طويلًا نقل فيه: أن الله تعالى خلق قبل أبينا آدم ثلاثين آدم، بين كل آدم وآدم ألف سنة، وأن الدنيا بقيت خرابًا بعدهم خمسين ألف سنة، ثم عمرت خمسين ألف سنة، ثم خلق أبونا آدم ﵇، وروى ابن بابويه في كتاب التوحيد عن الصادق في حديث طويل أيضًا: أنه قال: لعلك ترى أن الله لم يخلق بشرًا غيركم؛ بل والله لقد خلق ألف ألف آدم، أنتم في آخر أولئك الآدميين"، ثم قال: "ثم نقل عن زين العرب القول بكفر مَن يقول بتعدد آدم، وهذا من جرأته وجرأة أمثاله الذين يتهجمون على تكفير المسلمين لِأَوْهَى الشبهات"١.
وأظهر السيد رشيد رضا الدافع له لسلوك هذا التفسير بقوله: "وليت شعري ماذا يقول الذين يذهبون إلى أن المسألة قطعية بنص القرآن فيمن يوقن بدلائل قامت عنده بأن البشر من عدة أصول؟ هل يقولون إن أراد أن يكون مسلمًا وتعذر عليه ترك يقينه في المسألة: إنه لا يصح إيمانه ولا يقبل إسلامه، وإن أيقن بأن القرآن كلام الله وأنه لا نص فيه يعارض يقينه"٢.
ولهذا فسر الشيخ رشيد رضا المراد بالنفس بقوله: "هذا، وإن المتبادر من لفظ النفس بصرف النظر عن الروايات والتقاليد المسلمات أنها هي الماهية أو الحقيقة التي كان بها الإنسان هو هذا الكائن الممتاز على غيره من الكائنات؛ أي: خلقكم من جنس واحد وحقيقة واحدة، ولا فرق في هذا بين أن تكون هذه الحقيقة بُدئت بآدم -كما دل عليه أهل الكتاب وجمهور المسلمين- أو بدئت بغيره وانقرضوا -كما قاله بعض الشيعة والصوفية- أو بدئت بعدة أصول انبث منها عدة أصناف -كما عليه بعض الباحثين- ولا بين أن تكون هذه الأصول أو الأصل مما ارتقى عن بعض الحيوانات، أو خلق مستقلًّا على ما عليه الخلاف بين الناس في
стр. 865
هذا العصر"١.
ثم قال: "على كل حال، وكل قول يصح أن جميع الناس هم من نفس واحدة هي الإنسانية التي كانوا بها ناسًا، وهي التي يتفق الذين يدعون إلى خير الناس وبرهم ودفع الأذى عنهم على كونها هي الحقيقة الجامعة لهم، فتراهم على اختلافهم في أصل الإنسان يقولون عن جميع الأجناس والأصناف: إنهم إخواننا في الإنسانية، فيعدون الإنسانية مناط الوَحْدَة وداعية الألفة والتعاطف بين البشر، سواء اعتقدوا أن أباهم آدم ﵇ أو القرد أو غير ذلك"١.
وبهذا يكون الشيخ محمد عبده وتلميذه السيد رشيد رضا فَتَحَا الباب على مصراعيه لمن اراد أن يقول بنظرية داروين، ولعل هذا يفسر تلك العبارات الكثيرة للشيخ محمد عبده وتلميذه السيد رشيد التي تتحدث عن تطور الإنسان، وأنه نشأ أول ما نشأ ساذجًا سذاجة لا يبلغ بها تناول الشئون الرفيعة والمعاني العالية والمعارف السامية، وأن العناية الإلهية صارت بالإنسان كما سارت به في أفراده، فكما ينشأ الفرد قاصرًا في جميع قواه، ضعيفًا في جميع أعضائه، كذلك نشأت الجمعية البشرية على ضرب من السذاجة٢ السالفة الذكر، ونحو ذلك من العبارات والتأويلات، وللقارئ أن يجعل ذلك في ذهنه حتى يجس به مسار تفسيرهم على ضوء هذه النظرية، والله الهادي.
الملائكة:
الإيمان بالملائكة من أركان الإيمان، قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ ٣، وقال سبحانه: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ ٤، وقال
стр. 866
سبحانه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ ١.
والسلف يؤمنون بهذا، ويصفون الملائكة بما وصفهم الله به في كتابه وسنة رسوله، لا يزيدون على ذلك؛ لأنه من أمور الغيب.
فيصفونهم بأنهم عباد مكرمون٢، وأنهم يسبحون بحمد ربهم٣، وأنهم بأمره يعملون٤، وأن لهم أجنحة مثنى وثلاث ورباع٥، وأنهم قادرون على التشكُّل والظهور بمظهر البشر٦، وأن منهم مَن هو موكل بالوحي٧، وموكل بالصُّور٨، وموكل بالموت٩، وموكل بحفظ العبد١٠، وموكل بكتابة أعماله١١، ومنهم خزنة جهنم١٢، ومنهم خزنة الجنة١٣، ومنهم المبشِّرون للمؤمنين عند موتهم١٤، ومنهم حملة العرش١٥، ذلكم مجمل اعتقاد السلف في الملائكة، لا يثبتون شيئًا إلا من طريق الوحي، ويفوضون علم ما سواه إلى الله .
وقد ذكر الشيخ محمد عبده في تفسير المنار قولين للعلماء، قال عن أولهما:
стр. 867
"أما الملائكة فيقول السلف فيهم أنهم خلق أخبرنا الله تعالى بوجودهم وببعض عملهم، فيجب علينا الإيمان بهم، ولا يتوقف ذلك على معرفة حقيقتهم فنفوض علمها إلى الله تعالى، فإذا ورد أن لهم أجنحة نؤمن بذلك؛ ولكننا نقول: إنها ليست أجنحة من الريش ونحوه كأجنحة الطيور؛ إذ لو كانت كذلك لرأيناها، وإذا ورد أنهم موكلون بالعوالِم الجسمانية كالنبات والبحار، فإننا نستدل بذلك على أن الكون عالَمًا آخر ألطف من هذا العالم المحسوس، وأن له علاقة بنظامه وأحكامه، والعقل لا يحكم باستحالة هذا؛ بل يحكم بإمكانه لذاته، ويحكم بصدق الوحي الذي أخبر به".
أما الرأي الثاني في الملائكة فقد ذكره الأستاذ الإمام محمد عبده ناقلًا في أول الأمر وحاكيًا؛ لكنه لم يلبث أن أيده وحبذه ودافع عنه؛ بل زعم أنه لا فرق بينه وبين رأي السلف؛ حيث قال عن هذا الرأي: "وذهب بعض المفسرين مذهبًا آخر في فَهْم معنى الملائكة؛ وهو أن مجموع ما ورد في الملائكة من كونهم موكلين بالأعمال؛ من إنماء نبات، وخلقة حيوان، وحفظ إنسان، وغير ذلك وغير ذلك، فيه إيماء إلى الخاصة بما هو أدق من ظاهر العبارة؛ وهي أن هذا النمو في النبات لم يكن إلا بروح خاص نفخه الله في البذرة؛ فكانت به هذه الحياة النباتية المخصوصة، وكذلك يقال في الحيوان والإنسان، فكل أمر كلي قائم بنظام الخصوص تمت به الحكمة الإلهية في إيجاده، فإنما قوامه بروح إلهي، سمي في لسان الشرع ملَكًا، ومن لم يبال في التسمية بالتوقيف يسمي هذه المعاني القوة الطبيعية، إذا كان لا يعرف من عالم الإمكان إلا ما هو طبيعة أو قوة يظهر أثرها في الطبيعة.
والأمر الثابت الذي لا نزاع فيه هو أن في باطن الخلقة أمرًا هو مناطها، وبه قوامها ونظامها، لا يمكن لعاقل أن ينكره، وإن أنكر غير المؤمن بالوحي تسميته ملَكًا، وزعم أنه لا دليل على وجود الملائكة، أو أنكر بعض المؤمنين بالوحي تسميته قوة طبعيية أو ناموسًا طبيعيًّا؛ لأن هذه الأسماء لم ترد في الشرع، فالحقيقة واحدة، والعاقل مَن لا تحجبه الأسماء عن المسميات"١.
стр. 868
ثم انجلى موقفه ورأيه أكثر عندما لم يستبعد أن تكون الملائكة هي تلك النوازع التي نحس بها عندما نتردد بين فعل شيء أو تركه، وهذا لعمري جُرأة على علم الغيب، قال: "يشعر كل من فكر في نفسه، ووازن بين خواطره، عندما يهم بأمر فيه وجه للحق أو للخير، ووجه للباطل أو للشر، بأن في نفسه تنازعًا؛ كأن الأمر قد عرض فيها على مجلس شورى، فهذا يورد وذاك يدفع، واحد يقول: افعل، وآخر يقول: لا تفعل؛ حتى ينتصر أحد الطرفين، ويترجح أحد الخاطرين، فهذا الشيء الذي أودع في أنفسنا ونسميه قوة وفكرًا -وهو في الحقيقة معنى لا يدرك كُنهه، وروح لا تكنته حقيقتها- لا يبعد أن يسميه الله تعالى ملَكًا "أو يسمي أسبابه ملائكة" أو ما شاء من الأسماء، فإن التسمية لا حجر فيها على الناس، فكيف يحجر فيها على صاحب الإرادة المطلقة والسلطان النافذ والعلم الواسع"١.
ثم بعد أن قرر هذا التأويل المنحرف للملائكة انتقل إلى تطبيق هذا في آيات القرآن، ولم يستبعد في تفسيره لها ما ذكره آنفًا؛ حيث قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ ٢، قال: "فإذا صح الجري على هذا التفسير فلا يستبعد أن تكون الإشارة في الآية إلى أن الله تعالى لما خلق الأرض، ودبرها بما شاء من القوى الروحانية التي بها قوامها ونظامها، وجعل كل صنف من القوى مخصوصًا بنوع من أنواع المخلوقات، لا يتعداه، ولا يتعدى ما حدد له من الأثر الذي خص به، خلق بعد ذلك الإنسان وأعطاه قوة يكون بها مستعدًا للتصرف بجميع هذه القوى وتسخيرها في عمارة الأرض، وعبر عن تسخير هذه القوى له بالسجود الذي يفيد معنى الخضوع والتسخير، وجعله بهذا الاستعداد الذي لا حد له، والتصرف الذي لم يعطَ لغيره خليفة الله في الأرض؛ لأنه أكمل الموجودات في هذه الأرض، واستثنى من هذه القوى قوة واحدة عبر عنها بإبليس، وهي القوة التي تعارض في
стр. 869
إتباع الحق، وتصد عن عمل الخير، وتنازع الإنسان في صرف قواه إلى المنافع والمصالح التي تتم بها خلافته؛ فيصل إلى مراتب الكمال الوجودي التي خُلق مستعدًّا للوصول إليها"١.
وقد التمس السيد رشيد عذرًا لشيخه الأستاذ محمد عبده بـ"أن غرض الأستاذ من هذا التأويل -الذي عبر عنه بالإيماء وبالإشارة- إقناع منكري الملائكة بوجودهم بتعبير مألوف عندهم تقبله عقولهم، وقد اهتدى به كثيرون، وضل به آخرون؛ فأنكروا عليه، وزعموا أنه جعل الملائكة قوى لا تعقل"٢.
والحق أن الشيخ محمد عبده قد أقنع -فعلًا- منكري الملائكة بتعبير مألوف عندهم؛ لكن ليس بوجودهم؛ وإنما بوجود قوى لم يكونوا ينكرونها من قبل، وليست هي مثار الجدل، وما زالت القضية جارية؛ فصار كمن أراد أن يقنع منكر وجود زيد في الدار فلج به في الجدل حتى أقنعه بوجود عمرو -الذي لم ينكره من قبل- وسماه زيدًا! وما هو بزيد المراد.
وكان الشيخ في غنى عن كل هذا لو فَوَّض حقيقتها إلى الله سبحانه، واكتفى بالنصوص الواردة في ذلك وقال: آمنا به كل من عند ربنا؛ لكنه لا يرتضي هذا الموقف؛ بل يعده قصورًا عند قائله؛ حيث يقول: "فإن لم تجد في نفسك استعدادًا لقبول أشعة هذه الحقائق، وكنت ممن يؤمن بالغيب، ويفوض في إدراك الحقيقة ويقول: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ فلا ترمِ طلاب العرفان بالريب ما داموا يصدقون بالكتاب الذي آمنت به، ويؤمنون بالرسول الذي صدقت برسالته، وهم في إيمانهم أعلى منك كعبًا، وأرضى منك بربهم نفسًا"٣.
وليس لنا أن نقول إلا أن آمنا به كل من عند ربنا، وأمرهم إلى الله، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
الجن:
وشأن الجن كشأن الملائكة؛ من حيث الاعتقاد بوجودهم وصفاتهم، كلاهما
стр. 870
أمر غيبي، وقد دل القرآن الكريم على وجود الجن ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ١.
وذكر من صفاتهم أنهم خلقوا من نار٢، وأن الله أرسل إليهم رسلًا٣، وأن منهم مؤمن ومنهم كافر٤، وأن منهم شياطين٥، وأن الله يعاقب العصاة منهم بالنار٦، وأن الله أعطاهم قوة لا توجد في الإنس٧، وأن قدرتهم ناقصة٨، وأنهم لا يعلمون الغيب٩، وأنهم يتزوجون١٠ ويتناسلون١١، وأنهم يروننا من حيث لا نراهم١٢.
ذلكم مجمل عقيدة السلف في أمر الجن، لا يصفونهم بأكثر مما وصفهم به القرآن الكريم والسنة المطهرة؛ لأنهم من أمور الغيب التي لا يصح القول فيه إلا بالوحي.
وقد أثبت الشيخ رشيد رضا وآمن بوجود الجن؛ لكنه تأول وجودهم بأمر آخر لم يقل به أحد من السلف، وليس له من دليل إلا الاحتمال، وما هو بدليل.
فقال السيد رشيد رضا: "وقد كان غير المسلمين يعدون من هذا القبيل
стр. 871
-أي: من قبيل الخرافات- حديث أبي موسى: "الطاعون وخز أعدائكم من الجن، وهو لكم شهادة" رواه الحاكم وصححه، ثم صاروا بعد اكتشاف باشلس الطاعون يتعجبون منه بصدق كلمة "الجن" على ميكروب الطاعون كغيره، وقد ورد أن الجن أنواع؛ منها ما هو من الحشرات، وحشائش الأرض"١.
وشبه فعل جنة الشياطين في النفوس البشرية بفعل الجنة في الأجساد فقال: "وفعل جنة الشياطين في أنفس الشر كفعل هذه الجنة التي يسميها الأطباء الميكروبات في أجسادهم وفي غيرها من أجسام الأحياء، وتؤثر فيها من حيث لا ترى فتتقى"٢.
وبعبارة أصرح مما ذكرنا صرح في موضع آخر: "وقد قلنا في المنار غير مرة: إنه يصح أن يقال: إن الأجسام الحية الخفية التي عرفت في هذا العصر بواسطة النظارات المكبرة -وتسمى بالميكروبات- يصح أن تكون نوعًا من الجن، وقد ثبت أنها علل لأكثر الأمراض، قلنا ذلك في تأويل ما ورد من أن الطاعون من وخز الجن"٣.
وكان بودنا أن يتوقف الشيخ رشيد رضا -رحمه الله تعالى- عن الخوض في أن الميكروبات نوع من الجن من غير حجة إلا حجة الاحتمال الخالي من الدليل الشرعي الذي يعتمد عليه في مثل هذا، وما نحسبه فعل هذا إلا حرصًا على تقريبها إلى الأذهان، وقد أخطأ الطريق في هذا، فعفا الله عنا وعنه.
بعض الأحكام الفقهية:
ذكرنا أن من الأسس التي يقوم عليها منهج المدرسة العقلية الاجتماعية الحديثة في التفسير إنكار التقليد وذمه والتحذير منه، وقد كان الأستاذ محمد رشيد رضا من المتمسكين بهذا الأساس؛ بل ومن المتعصبين له، وبادر إلى تطبيقه
стр. 872
بنفسه في تفسير القرآن الكريم، وقد أدى به اجتهاده هذا إلى أقوال وآراء جديدة في بابها أو آراء خاطئة، نذكر من ذلك مثالين لا نزيد عليهما خوف الإطالة:
أولًا: التيمم: قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ ١.
وبالتأمل في الآية تلحظ أنها نصت على أربع حالات وشرط واحد ثم حكم واحد أيضًا، أما الحالات الأربع فهي:
إن كنتم:
١- مرضى.
٢- أو على سفر.
٣- أو جاء أحد منكم من الغائط.
٤ أو لامستم النساء.
والشرط: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ .
والحكم: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ .
وقد أجمع المسلمون على جواز التيمم عند فَقْدِ الماء أو الخوف من التلف ونحوه عند استعمال الماء للمريض والمقيم والسليم والمسافر؛ وإنما نص على المرض لأنه مظنة للعجز عن الوصول إلى الماء، وكذلك المسافر عدم الماء في حقه غالب٢؛ ولذلك قال مالك رحمه الله تعالى: "ذكر الله المرض والسفر في شرط التيمم اعتبارًا بالأغلب فيمن لم يجد الماء بخلاف الحاضر، فإن الغالب وجوده؛ فلذلك لم ينص الله سبحانه عليه"٢.
ذلكم مجمل ما اتفقوا عليه، واستدلوا بأدلة كثيرة من السنة ليس هذا موضع إيرادها.
ولكن السيد رشيد رضا خالف جميع الفقهاء في هذا، وجاء برأي لم يسبق
стр. 873
إليه، وتعجب من غفلة جماهير الفقهاء عن تفسيره هذا، وبدأ أول ما بدأ فجعل الحالات ثلاثًا بدلًا من أربع؛ فعدها إن كنتم:
١- مرضى.
٢- أو على سفر.
٣- أو لم تجدوا ماء.
حيث قال: "أي: ففي هذه الحالات المرض والسفر وفقد الماء عقب الحدث الأصغر الموجب للوضوء والحدث الأكبر الموجب للغسل تيمموا صعيدًا طيبًا"١.
وبَنَى على هذا التقسيم أن كل حالة من هذه الحالات الثلاث -المرض والسفر وفقد الماء- هي عذر بحد ذاتها لإباحة التيمم.
وهو بهذا يقلد شيخه الأستاذ محمد عبده الذي فسر الآية بقوله: "المعنى: أن حكم المريض والمسافر إذا أراد الصلاة كحكم المحدث حدثًا أصغر أو ملامس النساء ولم يجد الماء؛ فعلى كل هؤلاء التيمم فقط، هذا ما يفهمه القارئ من الآية نفسها إذا لم يكلف نفسه حملها على مذهب من وراء القرآن يجعلها بالتكلف حجة له منطبقة عليه"٢.
ولا شك أن الذي يفهمه القارئ من الآية ليس ما ذكره الأستاذ الإمام هذا إذا لم يستند إلى بيان السنة لها؛ ذلكم أن الذي يُفهم من ظاهر الآية أن التيمم مشروع للمريض والمسافر ولمن جاء من الغائط ولمن لامس النساء بشرط فقد الماء، وهذا هو ما يدل عليه ظاهر الآية إذا لم نبينه بالسنة؛ ولذلك فلا عجب أن يطالع الشيخ محمد عبده خمسة وعشرين تفسيرًا ولا يجد فيها رأيه هذا!! حيث يقول: "وقد طالعت في تفسيرها خمسة وعشرين تفسيرًا فلم أجد فيها غناء فيها ولا رأيت قولًا فيها يسلم من التكلف، ثم رجعت إلى المصحف وحده٣
стр. 874
فوجدت المعنى واضحًا جليًّا، فالقرآن أفصح الكلام وأبلغه وأظهره، وهو لا يحتاج عند مَن يعرف العربية -مفرداتها وأساليبها- إلى تكلفات فنون النحو١ وغيره من فنون اللغة عند حافظي أحكامها من الكتب مع عدم تحصيل مَلَكَةِ البلاغة"٢.
وقد أراد السيد رشيد رضا أن يؤيد ما ذهب إليه شيخه محمد عبده بأسلوب جديد في التأييد؛ فجعل ما فهمه من الآية أمرًا مسلمًا واضحًا عنده وعند خصومه، وإنما منعهم من القول به مخالفة المذاهب المعروفة لا عدم اقتناعهم بما قاله هو وأستاذه، فقال: "سيقول أدعياء العلم من المقلدين: نعم، إن الاية واضحة المعنى كاملة البلاغة على الوجه الذي قررتم؛ ولكنها تقتضي عليه أن التيمم في السفر جائز ولو مع وجود الماء، وهذا مخالف للمذاهب المعروفة عندنا، فكيف يعقل أن يخفى معناها هذا على أولئك الفقهاء المحققين، ويعقل أن يخالفوها من غير معارض لظاهرها أرجعوها إليه.
ولنا أن نقول لمثل هؤلاء -وإن كان المقلد لا يحاج؛ لأنه لا علم له-: وكيف يعقل أن يكون أبلغ الكلام وأسلمه من التكلف والضعف معضلًا مشكلًا؟ وأي الأمرين أَوْلَى بالترجيح: الطعن ببلاغة القرآن وبيانه لحمله على كلام الفقهاء، أم تجويز الخطأ على الفقهاء؛ لأنهم لم يأخذوا بما دل عليه ظاهر الآية من غير تكلف، وهو الموافق الملتئم مع غيره من رخص السفر التي منها قصر الصلاة وجمعها، وإباحة الفطر في رمضان؟ فهل يستنكر مع هذا أن يرخص للمسافر في ترك الغسل والوضوء -وهما دون الصلاة- والصيام في نظر الدين؟ أليس من المجرب أن الوضوء والغسل يشقان على المسافر الواجد للماء في هذا الزمان الذي سهلت فيه أسباب السفر في قطارات السكك الحديدية والبواخر؟ أفلا يتصور المنصف أن المشقة فيها أشد على المسافرين على ظهور الإبل في مفاوز الحجاز وجبالها؟ هل يقول منصف: إن صلاة الظهر أو العصر أربعًا في السفر أسهل من الغسل أو الوضوء فيه؟ ٣ السفر
стр. 875
مظنة المشقة، يشق فيه غالبًا كل ما يؤتى في حضر بسهولة، وأشق ما يشق فيه الغسل والوضوء وإن كان الماء حاضرًا مستغنى عنه.
وأضرب لهم مثلًا هذا الجواري المنشآت في البحر كالأعلام، فإن الماء فيها كثير دائمًا، في كل باخرة منها حمامات؛ أي: بيوت مخصوصة للاغتسال بالماء الساخن والماء البارد؛ ولكنها خاصة بالأغنياء الذين يسافرون بالدرجة الأولى والثانية، وهؤلاء الأغنياء منهم مَن يصيبه دوار شديد يتعذر عليه معه الاغتسال، أو خفيف يشق معه الاغتسال ولا يتعذر، فإن كانت هذه السفن التي يوجد فيها من الماء المعد للاستحمام ما لم يكن يوجد مثله في بيت أحد من أهل المدينة زمن التنزيل يشق فيه الاغتسال أو يتعذر، فما قولك في الاغتسال في قطارات سكك الحديد أو قوافل الجمال والبغال؟ "١.
ولا شك أن هذه مغالطة من الشيخ محمد رشيد رضا؛ ذلكم أنه جعل السفر هو المبيح للتيمم لمن أصابه الدوار الشديد الذي يتعذر معه الاغتسال، ومصدر المغالطة أنه تجاهل -ولا أظنه يجهل - أن الدوار الشديد مرض أباح لصاحبه التيمم إذا كان استعمال الماء يزيده مشقة أو ضررًا، فالعذر هنا المرض وليس السفر، ومن المجمع عليه عند الفقهاء أن المرض من مبيحات التيمم ولو مع وجود الماء إذا كان يلحقه ضرر باستعماله الماء، أما المسافر الذي يجد الماء ولا يضره استعماله، فليس له أن يتيمم؛ ولهذا فلا يصح له أن يستدل بالمسافر المريض بالدوار الشديد الذي يضره استعمال الماء على إباحة التيمم لمجرد السفر.
ومن العجيب أن الشيخ محمد عبده وتلميذه السيد رشيد رضا لم يستندا في تفسيرهما هذا إلى سُنة نبوية؛ وإنما إلى الرأي المجرد من الدليل؛ بل والأسوأ من هذا أن السيد رشيد رضا وصف سائر الروايات المصرحة بالتيمم في السفر لفقد الماء بأنها منقولة بالمعنى "!! " وأنها لا تنهض دليلًا، وأن مفهومها مفهوم مخالفة، وأنه غير معتبر عند الجمهور "!! " مع اعترافه أن الجمهور قالوا بخلاف رأيه.
ولذلك فلا عجب أن يغفل "جماهير الفقهاء" عن هذا المفهوم؛ ولكن السيد رشيد رضا يعجب من هذا فيقول:
стр. 876
"ألا إن من أعجب العجب غفلة جماهير الفقهاء عن هذه الرخصة الصريحة في عبارة القرآن، التي هي أظهر وأَوْلَى من قصر الصلاة وترك الصيام، وأظهر في رفع الحرج والعسر الثابت بالنص وعليه مدار الأحكام، واحتمال ربط قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ بعيد؛ بل ممنوع ألبتة -كما تقدم- على أنهم لا يقولون به في المرض؛ لأن اشتراط فقد الماء في حقهم لا فائدة له؛ لأن الأصحاء مثلهم فيه؛ فيكون ذكرهم لغوًا يتنزه عنه القرآن.
ونقول: إن ذكر المسافرين كذلك؛ فإن المقيم إذا لم يجد الماء يتيمم بالإجماع، فلولا أن السفر سبب الرخصة كالمرض لم يكن لذكره فائدة؛ ولذلك عللوه بما هو ضعيف متكلف، وما ورد في سبب نزولها من فقد الماء في السفر أو المكث مدة على غير ماء لا ينافي ذلك.
رووا "أنها نزلت في بعض أسفار النبي ﷺ ، وقد انقطع فيها عقد لعائشة؛ فأقام النبي ﷺ على التماسه والناس معه، وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فأغلظ أبو بكر على عائشة وقال: حبست رسول الله ﷺ والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء؛ فنزلت الآية، فلما صلوا بالتيمم جاء أسيد بن حضير إلى مضرب عائشة فجعل يقول: ما أكثر بركتكم يا آل أبي بكر" رواه الستة، وفي رواية: "يرحمكِ الله تعالى يا عائشة، ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله تعالى فيه للمسلمين فرجًا".
فهذه الرواية -وهي من واقع الأحوال- لا حكم لها في تغيير مدلول الآية، ولا تُنافي جعل الرخصة أوسع من الحال التي كانت سببًا لها، ألا ترى أنها شملت المرض، ولم يذكر في هذه الواقعة أنه كان فيها مرضى شق عليهم استعمال الماء على تقدير وجوده، وليس فيها دليل على أن كل الجيش كان فاقدًا للماء، ولا أن النبي ﷺ جعل التيمم فيها خاصًّا بفاقدي الماء دون غيرهم، ومثلها سائر الروايات المصرحة بالتيمم في السفر لفقد الماء، التي هي عمدة الفقهاء على أنها منقولة بالمعنى، وهي وقائع أحوال مجملة لا تنهض دليلًا، ومفهومها مفهوم مخالفة، وهو غير معتبر عند الجمهور، ولا سيما في معارضة منطوق الآية"١.
стр. 877
إلا أنه لا يقول به في ربا الفضل؛ بل ينكر على ابن حجر قوله: "إن ما ورد من الوعيد على الربا شامل لجميع أنواعه". ويعد السيد رشيد قول ابن حجر خطأ؛ فإن منها عنده -أي: عند ابن حجر- بيع قطعة من الحلي كسوار بأكثر من وزنها دنانير، أو بيع كيل من التمر الجيد بكيل وحفنة من التمر الرديء، مع تراضي المتبايعين وحاجة كل منهما إلى أخذه، ومثل هذا لا يدخل في نهي القرآن، ولا في وعيده، ولا يصح أن يُقاس عليه، كما لا يصح أن يقال: إن خلوة الرجل بامرأة لا يشتهيها ولا تشتهيه كالزنا في حرمته ووعيده١.
بل تجاوز هذا حين قامت البلاد المصرية وقعدت في أيامه لمسألة الربا، واقترح كثيرون إنشاء بنك الإسلامي؛ فكان العلاج الذي قدمه من وجهين:
"أما الأول: فيوجه إلى فريق المقلدين، وهم أكثر المسلمين في هذا العصر، فيقال لهم: إن في مذاهبكم التي تتقلدونها مخرجًا من هذه الضرورة التي تدعونها، وذلك بالحيلة "!! " التي أجازها الإمام الشافعي، الذي ينتمي إلى مذهبه أكثر أهل هذا الفطر، والإمام أبو حنيفة، الذي يتحاكمون على مذهبه كافة، ومثلهم في ذلك أهل المملكة العثمانية التي أنشئت فيها مصارف "بنوك" الزراعة بأمر السلطان، وهي تقرض بالربا المعتدل "!! " مع إجراء حيلة المبايعة التي يسمونها المبايعة الشرعية.
وأما الثاني: فيوجه إلى أهل البصيرة في الدين، الذين يتبعون الدليل ويتحرون مقاصد الشرع، فلا يبيحون لأنفسهم الخروج عنها بحيلة ولا تأويل، فيقال لهم: إن الإسلام كله مبني على قاعدة اليسر ورفع الحرج والعسر الثابتة بنص قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [٢: ١٨٥] ، وقوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [٥: ٦] .
وإن المحرمات في الإسلام قسمان:
الأول: ما حرم لذاته لما فيه من الضرر، وهو لا يباح إلا لضرورة، ومنه
стр. 878
ربا النسيئة المتفق على تحريمه، وهو ما لا تظهر الضرورة إلى أكله؛ أي: إلى أن يقرض الإنسان غيره فيأكل ماله أضعافًا مضاعفة، كما تظهر في أكل الميتة وشرب الخمر احيانًا.
والثاني: ما هو محرم لغيره كربا الفضل المحرم؛ لئلا يكون ذريعة وسببًا لربا النسيئة، وهو يباح للضرورة؛ بل وللحاجة"١.
والطريف أنك لا تجد فرقًا بين ما حرم لذاته وما حرم لغيره إلا الاختلاف في لفظ الحكم، فهو يقول عن الأول: "لا يباح إلا لضرورة"، وقال عن الثاني: "يباح للضرورة والحاجة"، فأي فرق صار بينهما إذًا؟ وعلى أي أساس ساق هذا التقسيم؟ لا أظنه ساقه إلى هذا المأزق إلا ضعف الحجة في مواجهة الدليل الصحيح.
وليس بوسعي أن أذكر الحجج والأدلة الصحيحة في هذا المقام؛ حتى لا يتحول حديثنا إلى بحث فقهي؛ وإنما أكتفي بهذا، ولعل فيه بيانًا أو بعضه لمنهجه، رحمه الله تعالى وتجاوز عنا وعنه في التفسير.
وبعد:
هذه أمثلة لتفسير المنار حاولت فيها التنوع والشمول، ولم أحاول التعمق والتفصيل، لعله يظهر صورة واضحة لمنهجه الذي سلكه.
стр. 879
ثانيا: التفسير
ومع أنه يكتب بقلمه أن الحديث يقول: "ليسوا على ماء وليس معهم ماء" مع هذا فإنه يقول: "وليس فيها دليل على أن كل الجيش كان فاقدًا للماء"، ويصف هذه الرواية بأنها من وقائع الأحوال لا حكم لها في تغيير مدلول الآية؟!! ولا أظن الشيخ رشيد ينكر أن السنة تبين مدلول الآية، وتبقى علامة استفهام معلقة ومعها التعجب في عبارته السالفة، دَعْ عنك بعد هذا عباراته الأخرى التي لا أظنها تخفى أو يخفى جوابها.
وبهذا يظهر ما أدى به اجتهاده الذي دعا إليه، وهو بهذا التأويل ونحوه يجعلنا أكثر حرصًا على توفر شروط الاجتهاد والدعوة إلى تطبيقها، عفا الله عنا وعنه وسائر المسلمين.
حكم الربا:
وحكمه في الإسلام معلوم لا يخفى كالخمر يحرم قليله وكثيرة، وليس هذا المقام مقام بسط الأدلة والبراهين.
لكن السيد رشيد رضا يرى أن الربا المحرم هو ما كان فاحشًا؛ ففسر قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ١ بقوله: "والمراد بالربا فيها ربا الجاهلية المعهود عند المخاطبين عند نزولها لا مطلق المعنى اللغوي الذي هو الزيادة، فما كل ما يسمى زيادة محرم"٢.
والربا كما هو معلوم ينقسم إلى قسمين: ربا الفضل، وربا النسيئة. ويرى الأستاذ رشيد أن ربا الفضل إنما حرم لأنه ذريعة إلى ربا النسيئة المحرم لذاته، تمامًا كالنظر إلى الأجنبية بشهوة، أو لمس يديها كذلك، أو الخلوة بها ولو مع عدم الشهوة؛ لأن هذه الأشياء ليست محرمة لذاتها؛ بل لسد الذريعة؛ لئلا تكون وسيلة إلى الزنا المحرم لذاته٣.
ومع أنه يعلم أن النظر إلى الأجنبية ولمسها والخلوة بها محرم، ولا ينكر هذا،
стр. 880
ثانيًا: تفسير جزء تبارك
أولًا: المؤلف
هو عبد القادر بن مصطفى المغربي، وُلد في اللاذقية سنة ١٢٨٤، وانتقل مع والده إلى طرابلس الشام، ولزم الشيخ حسين الجسر -علامة طرابلس- ثم اتصل بالسيد جمال الدين الأفغاني، وذلك عن طريق مجلة العروة الوثقى التي كان يصدرها الأفغاني في باريس.
ودفعه الشوق إلى رؤية الأفغاني؛ فسافر إليه في الأستانة سنة ١٣١٠، وظل في جواره سنة واحدة؛ حيث استدعاه محمد عبده إلى مصر، فعمل في الصحافة.
وكانت أعنف فترة في حياته خلال سنتي ١٩٠٦-١٩١١م؛ حيث قام بحملة على الحجاب، ودعا إلى سفور المرأة، وقد وصف من أحوال نساء أوربا وأمريكا ومخالطتهن للرجال ما يشعر باستحسانه له، وتمنيه لنسائنا مثله؛ حتى هاج عليه الشيوخ١.
وهو يرجو من قاسم أمين أن يتحفنا بكتاب في المرأة يكون ثالث القمرين "يعني بهما: كتابي تحرير المرأة، والمراة الجديدة لقاسم أمين" وشاهدًا لصاحبه بالحسنيين٢.
وأهم مؤلفاته:
١- كلمتان في السفور والحجاب، طبع سنة ١٩١٠، ١٩١١م.