← Акыда

Акыда · id 8680

نقض الدارمي على المريسي - ت الألمعي

عثمان بن سعيد الدارمي

Полный текст (984 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الإِمَام الْعلم أَحْمد بن حَنْبَل ﵀، وَمُحَمّد بن نوح، وعشرات غَيرهم يذودون عَن حمى الْإِسْلَام وعرينه وَعَن حرماته أَن تنتهك. وَكَانَ لهَذَا الْبَصِير النَّاقِد ﵀ دوره الفعال فِي مُوَاجهَة المبتدعة بِلِسَانِهِ وَبَيَانه فِي ثبات وَقُوَّة وغيرة عَليّ دين الله. وَمن تَأمل كِتَابيه: الرَّد على الْجَهْمِية، وَالرَّدّ على بشر المريسي، فسيقف على مدى مَا كَانَ عَلَيْهِ هَذَا الرجل من مناصرة للسّنة ومحاربة للبدعة، مَعَ مَا تميز بِهِ من قُوَّة الرَّد وَشدَّة الْحِرْص على إِثْبَات صِفَات الله وأسمائه الَّتِي كَانَ بشر المريسي وَأَضْرَابه يبالغون فِي نَفيهَا. قَالَ عَنهُ الذَّهَبِيّ: كَانَ لهجًا بِالسنةِ بَصيرًا بالمناظرة١ جذعًا فِي أعين المبتدعة٢. وَهُوَ الَّذِي قَامَ على مُحَمَّد بن كرام الَّذِي ينْسب إِلَيْهِ الكرامية وطرده عَن هراة فِيمَا قيل٣. وَقَالَ يَعْقُوب القراب: سَمِعت عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ يَقُول: قد نَوَيْت أَلا أحدث عَن أحد أجَاب إِلَى خلق الْقُرْآن إِلَّا أَن الْمنية عاجلته٤.

стр. 37

قَالَ الذَّهَبِيّ: من أجَاب تقية فَلَا بَأْس وَترك حَدِيثه لَا يَنْبَغِي١. وَيَقُول الدكتور مُحَمَّد نور يُوسُف مُعَلّقا على مَا ذكره القراب: "وتعليل القراب بِأَن الْمنية عاجلته، غير مستساغ؛ لِأَن وَفَاته تَأَخَّرت كثيرا عَن هَذِه الْفِتْنَة بِمَا يقرب خمسين عَاما. إِلَّا أَن يكون ذَلِك قد بدا لَهُ فِي آخر عمره، وَهَذَا بعيد، وَالَّذِي يَبْدُو أَن الَّذِي عدل بِهِ عَن ذَلِك، أَن الْكِبَار قد أجَاب مِنْهُم تقية كعلي بن الْمَدِينِيّ وَيحيى بن معِين وَأَبُو مسْهر عبد الْأَعْلَى بن مسْهر وَغَيرهم. فَلَو رد حَدِيث هَؤُلَاءِ وأمثالهم، لرد حَدِيثا كثيرا من حَدِيث شُيُوخه. ثمَّ لَا يصلح ذَلِك مبررًا للرَّدّ كَمَا ذكر الذَّهَبِيّ"٢. وَفَاته: توفّي ﵀ فِي ذِي الْحجَّة سنة ثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَقد ناهز الثَّمَانِينَ من عمره٣. وَكَانَت وَفَاته بهراة٤. قَالَ الذَّهَبِيّ: وَمَا رَوَاهُ أَبُو عبد الله الضَّبِّيّ عَن شُيُوخه، أَنه مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ، فَوَهم ظَاهر٥.

стр. 38

آثاره: قَالَ مُحَمَّد بن الْمُنْذر شكر: سَمِعت أَبَا زرْعَة الرَّازِيّ، وَسَأَلته عَن عُثْمَان بن سعيد فَقَالَ: ذَلِك رزق حسن التصنيف١. وتشير المصادر الَّتِي بَين أَيْدِينَا عَنهُ إِلَى أَن لَهُ أَرْبَعَة مصنفات، هِيَ: ١- الْمسند الْكَبِير٢. ٢- النَّقْض على بشر المريسي٣ وَهُوَ كِتَابه هَذَا. ٣- الرَّد على الْجَهْمِية٤ وَقد طبع غير مرّة٥ وَلَدي صُورَة لَهُ مخطوطًا حصلت عَلَيْهَا مَعَ كتاب الرَّد على بشر المريسي. ٤ سؤالالت فِي الرِّجَال ليحيى بن معِين٦ وَهُوَ الْمَعْرُوف الْآن بـ" تَارِيخ

стр. 39

عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ، عَن أبي زَكَرِيَّا يحيى بن معِين فِي تَخْرِيج الروَاة وتعديلهم" وَقد قَامَ بتحقيقه مُؤَخرا الدكتور: أَحْمد مُحَمَّد نور يُوسُف الْأُسْتَاذ المساعد فِي كُلية الشَّرِيعَة بِمَكَّة، وطبع ضمن مطبوعات مَرْكَز الْبَحْث العلمي وإحياء التراث الإسلامي بجامعة الْملك عبد الْعَزِيز آنذاك. وَيذكر إِسْمَاعِيل باشا الْبَغْدَادِيّ فِي هِدَايَة العارفين أَن من مصنفاته "الرَّد على الكرامية"١ وَلَعَلَّه يُرِيد كِتَابه الْمَعْرُوف بِالرَّدِّ على الْجَهْمِية فَوَهم. وَالله أعلم.

стр. 40

الْفَصْل الثَّانِي: التَّعْرِيف بالمريسي المبحث الأول: عصره السياسي والعلمي ١- عصره السياسي: يتَّفق جُمْهُور المؤرخين على تَقْسِيم الدولة العباسية إِلَى عصرين متميزين: الْعَصْر الأول: ويعبرون عَنهُ بالعصر الزاهي ويمتد من نشأة الدولة سنة١٣٢هـ إِلَى آخر أَيَّام الْخَلِيفَة الواثق سنة٢٣٢هـ. وَالْعصر الثَّانِي: ويعبرون عَنهُ بعصر التدهور والانحطاط، وَالَّذِي ابْتَدَأَ بخلافة المتَوَكل سنة٢٣٢، وانْتهى بِسُقُوط الدولة العباسية تَمامًا على أَيدي التتار سنة ٦٥٦هـ. وَلما كُنَّا بصدد الحَدِيث عَن عصر المريسي فَإِنَّهُ يُمكن القَوْل بِأَنَّهُ عايش بدايات الْعَصْر الأول العباسي، حَيْثُ كَانَت وِلَادَته أبان خلَافَة أبي جَعْفَر الْمَنْصُور تَقْرِيبًا، وَهُوَ الْخَلِيفَة العباسي الثَّانِي، وامتدت خِلَافَته من سنة "١٣٦هـ-١٥٨" وعاصر خلَافَة كل من الْمهْدي "١٥٨-١٦٩"، وَالْهَادِي "١٦٩-١٧٠" ثمَّ خلَافَة الرشيد "١٧٠-١٩٣"، والأمين "١٩٣-١٩٨هـ"، والمأمون "١٩٨-٢١٨هـ" حَيْثُ هلك فِي آخر خلَافَة الْمَأْمُون

стр. 41

أَو أول خلَافَة المعتصم. وَلست هُنَا بصدد تَفْصِيلًا عَن الْأَحْدَاث السياسية فِي عصر كل من ذكرت من خلفاء الدولة العباسية، وسأكتفي بِذكر عدد من الْأَحْدَاث السياسية على سَبِيل التَّمْثِيل لَا الْحصْر، إِذْ لَا يَتَّسِع المجال للْحَدِيث عَن كل الْحَوَادِث تَفْصِيلًا. فقد تمّ فِي عصر أبي جَعْفَر الْمَنْصُور الْقَضَاء على عدد من المناوئين لَهُ وعَلى رَأْسهمْ عَمه عبد الله بن عَليّ، كَمَا قضى على أبي مُسلم الْخُرَاسَانِي، وَقتل أَيْضا مُحَمَّدًا ذَا النَّفس الزكية فِي الْحجاز وأخاه فِي الْعرَاق، وَبنى بَغْدَاد واستوزر خَالِد بن برمك وَمن ثمَّ بدا دور البرامكة. كَمَا تمّ فِي عهد الْمهْدي إخماد الثورات والفتن الَّتِي قَامَت فِي بِلَاد الشَّام سنة١٦١هـ بزعامة عبد الله بن مَرْوَان الْأمَوِي، والفتنة الَّتِي قَامَت فِي الجزيرة سنة١٦٢هـ بقيادة عبد السَّلَام الْيَشْكُرِي، وَلَعَلَّ من أبرز الْفِتَن جَمِيعًا فِي عَهده فتْنَة الزَّنَادِقَة دعاة الانحلال وَالشَّر وَالْفساد، وَلم يتَمَكَّن من الْقَضَاء عَلَيْهِم. وَفِي عهد الْهَادِي اشْتَدَّ فِي طلب الزَّنَادِقَة وقتلهم، كَمَا اشْتَدَّ فِي محاربة الشِّيعَة خَاصَّة عِنْدَمَا ظهر الْحُسَيْن بن على بن الْحسن بن عَليّ ابْن أبي طَالب سنة١٦٩هـ. وَلم تطل خِلَافَته، حَيْثُ توفّي فِي بَغْدَاد سنة ١٧٠هـ بعد أَن ظلّ فِي الْخلَافَة سنة وشهرًا واثنين وَعشْرين يَوْمًا.

стр. 42

وَجَاء عهد الْخَلِيفَة هَارُون الرشيد، فاستمرت خِلَافَته زهاء ثَلَاث وَعشْرين سنة، اهتم خلالها بِأَمْر الحروب مَعَ البيزنطيين اهتمامًا كَبِيرا فنظم الْحُدُود مَعَهم وحصنها وَعين على جيوشه خيرة القادة، وانتصر على البيزنطيين، وَفتحت كثير من الْحُصُون والقلاع واضطرات ملكة الرّوم "إيريني" إِلَى دفع الْجِزْيَة. ويقفنا التَّارِيخ على مدى مَا كَانَ للدولة الإسلامية فِي عَهده من قُوَّة، وَفِي شخصيته من عزة وأنفة، فقد حدث أَن عزلت الملكة "إيريني" وَتَوَلَّى عرش الإمبراطورية "نقفور" الَّذِي نقض الْعَهْد ورفض دفع الْجِزْيَة وَكتب إِلَى الرشيد رِسَالَة استطال فِيهَا عَلَيْهِ فَكَانَ رد الرشيد بالآتي: "بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من هَارُون الرشيد أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى نقفور كلب الرّوم، فقد قَرَأت كتابك وَالْجَوَاب مَا ترَاهُ دون أَن تسمعه وَالسَّلَام"١. وبالفعل جهز جَيْشًا قَادَهُ بِنَفسِهِ وغزا دولة الرّوم وانتصر بِنَفسِهِ على "نقفور" وَأَعَادَهُ للهدنه وَدفع الْجِزْيَة. وَلم يكن للمريسي فِي عهد الرشيد قبُول وَلَا لنحلته نُفُوذ وسلطان فقد تواعده وهم بقتْله شَرّ قَتله، وَكَانَ عَلَيْهِ أَن يختفي طيلة عهد الرشيد وظل كَذَلِك فِي عهد الْأمين إِلَى أَن جَاءَ عهد الْمَأْمُون فَوجدَ الْمُعْتَزلَة مِنْهُ انتصارًا لمذهبهم. وَلم تكن الْحَال بعد هَارُون الرشيد كَمَا كَانَت عَلَيْهِ فِي عَهده، فقد تولى

стр. 43

ابْنه عبد الله الْأمين الْخلَافَة من بعده، وَفِي عصره فسد حَال الرّعية وَخرجت بعض معالم الدولة العباسية، ونشبت الْحَرْب بَينه وَبَين أَخِيه حَتَّى أَنه أرسل جَيْشًا يَأْتِيهِ بالمأمون فَهزمَ عِنْد الرّيّ، فأعلن الْمَأْمُون نَفسه خَليفَة وقبلته فَارس بأجمعها، وحاصر بَغْدَاد إِلَى أَن وَافق الْأمين على تسلم نَفسه إِلَّا إِنَّه قتل قبل وُصُوله ذَلِك سنة ١٩٨، وَبِذَلِك آلت الْخلَافَة من بعده إِلَى الْمَأْمُون وَقد أَشرت إِلَى تِلْكَ الفترة بِشَيْء من الإيجاز فِي الحَدِيث عَن عصر الدَّارمِيّ السياسي١. ٢- عصره العلمي: لقد عايش المريسي فَتْرَة من الازدهار العلمي قل أَن تتسنى لمثله وعاصره من الْعلمَاء الْأَعْلَام من يعدهم المنصفون جبال الدُّنْيَا وأئمة الْحِفْظ ومشاعل النُّور، ملؤوا الدُّنْيَا بعلمهم واستنارت البشرية بِنور آثَارهم حَتَّى يَوْمنَا هَذَا، فَمن منا لَا يعرف الإِمَام أَحْمد أوالشافعي وَمَالك بن أنس وَالْبُخَارِيّ وَمُسلمًا وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَابْن معِين وَعلي بن الْمَدِينِيّ وَأَبا يُوسُف، وَغَيرهم من الْعلمَاء الَّذين أثروا المكتبات الإسلامية ببديع المصنفات. يَقُول أَحْمد أَمِين فِي كِتَابه ضحى الْإِسْلَام: "نشط الْعلم فِي أحضان العباسيين نشاطًا كَبِيرا، وَإِن كَانَت بذرة النشاط بدأت فِي آخر الْعَصْر الْأمَوِي، فالتأليف فِي الْعَهْد العباسي شَمل كل فرع من فروع الْعُلُوم، وعد المؤلفون والمؤلفات بالمئات، واستعراض

стр. 44

لفهرست ابْن النديم فِيمَا ألف فِي ذَلِك الْعَصْر يقفنا موقف الدهشة والاستغراب"١. وَلست هُنَا بصدد الحَدِيث التفصيلي عَن منجزات هَذَا الْعَصْر العلمية، فَلَيْسَ هَذَا بَابه، إِلَّا أَنِّي أود الْإِشَارَة إِلَى أَن المريسي لم يكن مِمَّن يألف هَذَا الْوسط العلمي الزَّاهِر، فَلَقَد كَانَ يعِيش فِي جو آخر يألفه هُوَ وَأَضْرَابه من الْجَهْمِية الأشقياء، فوهب حَيَاته لعلم الْكَلَام حَتَّى أتقنه وبرع فِيهِ، وسلك مناهجه فِي الْحجَّة وَالِاسْتِدْلَال، مؤثرًا ذَلِك عَليّ النهج القرآني والمسلك النَّبَوِيّ فِي الْحجَّة وَالْبَيَان فضل وأضل، وَكَانَ خليق بِهِ إِن لم يرق إِلَى مَرَّات الْعلمَاء الأفذاذ مِمَّن ذكرنَا، أَن يَأْتِي على غير علم الْكَلَام والفلسفة، فيبدع فِي علم من عُلُوم الْعَرَبيَّة والآداب، أَو التَّارِيخ أَو غَيرهَا من الْعُلُوم، على أَنه إِن لم يكن أغفل جَانب الْفِقْه فتعلمه إِلَّا أَنه أوغل فِي اعتزاله وجهميته. وَلَعَلَّ من أبرز السلبيات فِي مجَال الْحَيَاة العليمة فِي هَذَا الْعَصْر هُوَ اتساع دَائِرَة التَّرْجَمَة، حَيْثُ عرضت الْكتب اليوناينة والفارسية وَغَيرهَا، اخْتَلَط الغث بالسمين وَحصل بذلك أَنْوَاع من الْفساد وَالِاضْطِرَاب، وَفِي ذَلِك يَقُول شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية: "ثمَّ إِنَّه لما عربت الْكتب اليونانية فِي حُدُود الْمِائَة الثَّانِيَة وَقبل ذَلِك وَبعد ذَلِك، وَأَخذهَا أهل الْكَلَام وتصرفوا فِيهَا من أَنْوَاع الْبَاطِل فِي الْأُمُور الإلهية مَا ضل بِهِ كثير مِنْهُم.... وَصَارَ النَّاس فِيهَا أشتاتًا: قوم

стр. 45

يقبلونها، وَقوم يجلون مَا فِيهَا، وَقوم يعرضون مَا فِيهَا على أصولهم وقواعدهم، فيقبلون مَا وَافق ذَلِك دون مَا خَالفه، وَقوم يعرضونها على مَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل من الْكتاب وَالْحكمَة. وَحصل بِسَبَب تعريبها أَنْوَاع من الْفساد وَالِاضْطِرَاب، مَضْمُونا إِلَى مَا حصل من التَّقْصِير والتفريط فِي معرفَة مَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل من الْكتاب وَالْحكمَة، حَتَّى صَار مَا مدح من الْكتاب وَالْحكمَة من مُسَمّى الْحِكْمَة، يظنّ كثير من النَّاس أَنه حِكْمَة هَذِه الْأمة أَو نَحْوهَا من الْأُمَم كالهند وَغَيرهم"١.

стр. 46

المبحث الثَّانِي: حَيَاة المريسي اسْمه وَنسبه وكنيته: بشر بن غياث بن أبي كَرِيمَة المريسي١، ويكنى بِأبي عبد الرَّحْمَن٢، وَهُوَ من موَالِي زيد بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ٣. نسبته: قَالَ فِي اللّبَاب: المريسي بِفَتْح الْمِيم وَكسر الرَّاء، وَبعدهَا الْيَاء المنقوطة بِاثْنَتَيْنِ من تحتهما، وَفِي آخرهَا السِّين الْمُهْملَة، هَذِه النِّسْبَة إِلَى مريس وَهِي قَرْيَة بِمصْر، هَكَذَا ذكره أَبُو سعد الآبي الْوَزير فِي كتاب النتف والطرف، ثمَّ قَالَ: وإليها ينْسب بشر المريسي٤. قَالَ ابْن خلكان: وَسمعت أهل مصر يَقُولُونَ: إِن المريسي جنس من السودَان بَين بِلَاد النّوبَة وأسوان من ديار مصر. وَكَأَنَّهُم جنس من النّوبَة وبلادهم متاخمة لبلاد أسوان، وتأتيهم فِي الشتَاء ريح بَارِدَة من نَاحيَة الْجنُوب يسمونها المريسي، ويزعمون أَنَّهَا تَأتي من تِلْكَ الْجِهَة، وَالله

стр. 47

أعلم١. ثمَّ قَالَ: "ثمَّ إِنِّي رَأَيْت بِخَط من يعتني بِهَذَا الْفَنّ أَنه كَانَ يسكن فِي بَغْدَاد بدرب المريس فنسب إِلَيْهِ، قَالَ: وَهُوَ بَين نهر الدَّجَاج ونهر البزازين، قلت: والمريسي فِي بَغْدَاد هُوَ الْخبز الرقَاق يمرس بالسمن وَالتَّمْر، كَمَا يصنعه أهل مصر بالعسل بدل التَّمْر، وَهُوَ الَّذين يسمونه البسيسة"٢. وَقَالَ ابْن حجر: والمريسي نِسْبَة إِلَى باريس بِفَتْح الْمِيم وَكسر الرَّاء، بعْدهَا تَحْتَانِيَّة سَاكِنة، ثمَّ مُهْملَة، نِسْبَة إِلَى مريسة بالصعيد، وَالْمَشْهُور بالخفة، وضبطها الصغاني بتثقيل الرَّاء٣. قلت: ولعلها الْمَعْرُوفَة الْيَوْم بالمريس وَهِي قَرْيَة تقع فِي مُحَافظَة قِنَا جنوبي مصر. مولده ونشأته: ولد فِي الثلاثينات من الْقرن الثَّانِي الهجري وَيُشِير الْبَعْض إِلَى أَن وِلَادَته كَانَت سنة١٣٨هـ٤. قلت: وَلَعَلَّ هَذَا عَليّ سَبِيل التَّقْرِيب بِالنّظرِ إِلَى مَا ذكر من أَنه توفّي، وَقد قَارب الثَّمَانِينَ من عمره٥، وَمن الْمَعْلُوم أَن وَفَاته كَانَت سنة ٢١٨هـ

стр. 48

أَو ٢١٩هـ، فعلى هَذَا تكون وِلَادَته فِي أخريات العقد الثَّالِث من الْقرن الثَّانِي الهجري، وبالنظر إِلَى مَا نَقله ابْن حجر من أَنه كَانَ من أَبنَاء السّبْعين، فَعَلَيهِ تكون وِلَادَته فِي أخريات العقد الرَّابِع من الْقرن الثَّانِي. قَالَ الْخَطِيب: كَانَ يسكن الدَّرْب الْمَعْرُوف بِهِ وَيُسمى درب المريسي، وَهُوَ بَين نهر الدَّجَاج ونهر البزازين١. قلت: والمتأمل للنقول الَّتِي ذكرهَا المؤرخون فِي تَرْجَمَة بشر المريسي، والمناظرات الَّتِي كَانَت بَينه وَبَين الْعلمَاء، وَمَال إِلَى ذَلِك من المواقف الَّتِي كَانَت بَينه وَبَين عُلَمَاء بَغْدَاد وعامتها، يجد أَن جلّ حَيَاته إِن لم تكن كلهَا كَانَت بِبَغْدَاد. وَيُقَال: إِن أَبَاهُ كَانَ يهوديًّا صباغًا بِالْكُوفَةِ، قَالَ أَبُو النَّضر هَاشم بن الْقَاسِم: كَانَ وَالِد بشر المريسي يهوديًّا قصابًا صباغًا فِي سويقة نصر بن مَالك٢. وَقَالَ الْمروزِي: سَمِعت أَبَا عبد الله ذكر بشرا فَقَالَ: كَانَ أَبوهُ يهوديًّا٣. وَأخرج الْخَطِيب بِسَنَدِهِ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم لُؤْلُؤ قَالَ: مَرَرْت فِي الطَّرِيق فَإِذا بشر المريسي وَالنَّاس عَلَيْهِ مجتمعون، فَمر يَهُودِيّ فَأَنا سمعته يَقُول: لَا يفْسد عَلَيْكُم كتابكُمْ كَمَا أفسد أَبوهُ علينا التَّوْرَاة! يَعْنِي أَن أَبَاهُ

стр. 49

كَانَ يهوديًّا١. قلت: وَلَا ريب أَن لهَذَا الْوسط الأسري الَّذِي نَشأ فِيهِ المريسي مَعَ مَا رافق هَذَا من ولعه واشتغاله بمناهج الْمُتَكَلِّمين المستمدة من أصُول جدلية فلسفية واعتناقه مَذْهَب الْجَهْمِية حَتَّى كَانَ رَأْسا فِي ذَلِك، كل هَذَا وَلَا ريب كَانَ لَهُ الْأَثر الْبَالِغ فِي تكوين فكر هَذَا الضال وزيغه وانحرافه. صفته: أخرج الْخَطِيب بِسَنَدِهِ إِلَى أبي مُسلم صَالح بن أَحْمد بن عبد الله بن صَالح الْعجلِيّ، حَدثنِي أبي قَالَ: رَأَيْت بشر المريسي -عَلَيْهِ لعنة الله- مرّة وَاحِدَة شَيخا قَصِيرا دميم المنظر، وسخ الثيات، وافر الشّعْر، أشبه شَيْء باليهود، وَكَانَ أَبوهُ يهوديًّا صباغًا بِالْكُوفَةِ فِي سوق المراضع، ثمَّ قَالَ: لَا يرحمه الله لقد كَانَ فَاسِقًا٢. وَعَن الْقَاسِم بن بنْدَار، قَالَ: سَمِعت إِبْرَاهِيم بن الْحُسَيْن يَقُول: ركب عُثْمَان بن مُسلم يَوْمًا وَأَنا قَابض على عنان البغلة، فَاسْتقْبلنَا شيخ قصير، كَبِير الرَّأْس، كَبِير الْأُذُنَيْنِ، فَقَالَ: نح البغلة، نح البغلة، أما ترى الْكَافِر؟ فَقلت من هَذَا يَا أَبَا عُثْمَان؟ قَالَ: هَذَا بشر بن غياث، بشر المريسي٣. طلبه للْعلم: سبق وَأَن أَشَرنَا إِلَى مَا حظي بِهِ المريسي من معاصرة الْعَهْد العباسي

стр. 50

فِي أوج قوته وَفِي فَتْرَة ظَهرت آثَار النشاط العلمي، ماثلة للعيان فِي مُخْتَلف الْعُلُوم الدِّينِيَّة مِنْهَا والدنيوية، كَمَا ظهر للْعُلَمَاء دور بارز فِي التَّعْلِيم والتدوين عَاشَ الْمُسلمُونَ آثاره حَتَّى عصرنا هَذَا، وتزاحم الطلاب على أَبْوَاب الْعلم وَالْعُلَمَاء ينهلون من هَذَا الْمعِين الثر فأفادوا من ذَلِك غَايَة الإفادة. إِلَّا أَن المريسي كَانَ صفر الْيَدَيْنِ من صُحْبَة هَؤُلَاءِ، إِذْ لم يكن بِالَّذِي يألفهم ويعيش وَسطهمْ ويتأدب بأدبهم ويتعلم علمهمْ، فَلَقَد جعل غَايَته الإبداع فِي الابتداع فَكَانَ رَأْسا فِي المرجئة، وَإِلَيْهِ تنْسب الطَّائِفَة المريسية مِنْهُم وَصرف اهتمامه إِلَى علم الْكَلَام حَتَّى أتقنه، وجرد القَوْل بِخلق الْقُرْآن ودعا إِلَيْهِ، وجاهد فِي سَبِيل بدعته جِهَاد المستميت. وَلَئِن حظي بِالسَّمَاعِ والتعلم على أَيدي طَائِفَة من الْعلمَاء إِلَّا أَنه كَانَ على قدر من الشغب والمناظرة وَفَسَاد الِاعْتِقَاد الَّذِي أفسد بِهِ على نَفسه فَسَاءَتْ صُحْبَة الْعلمَاء لَهُ، فقد أخرج الْخَطِيب بِسَنَدِهِ إِلَى أَحْمد بن سلمَان حَدثنَا عبد الله بن أَحْمد، قَالَ: سَمِعت أبي يَقُول "كُنَّا نحضر مجْلِس أبي يُوسُف، فَكَانَ بشر المريسي يَجِيء فيحضر فِي آخر النَّاس فيشغب، فَيَقُول أيش تَقول وأيش قلت يَا أَبَا يُوسُف؟ فَلَا يزَال يَصِيح ويضج، فَكنت أسمع أَبَا يُوسُف يَقُول: اصعدوا بِهِ إِلَيّ، قَالَ أبي: وَكنت فِي الْقرب مِنْهُ، فَجعل يناظر فِي مَسْأَلَة فخفي بعض قَوْله، فَقلت للَّذي كَانَ أقرب مني: أيش قَالَ لَهُ؟ قَالَ: قَالَ لَهُ أَبُو يُوسُف: لَا تَنْتَهِي حَتَّى تصعد خَشَبَة"١ يَعْنِي تصلب.

стр. 51

وَقَالَ أَبُو عبد الله: مَا كَانَ صَاحب حجج بل كَانَ صَاحب خطب١. وَقَالَ الذَّهَبِيّ عَنهُ: هُوَ "الْمُتَكَلّم المناظر البارع، من كبار الْفُقَهَاء، أَخذ عَن القَاضِي أبي يُوسُف، وروى عَن حَمَّاد بن سَلمَة، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَنظر فِي علم الْكَلَام فغلب عَلَيْهِ وانسلخ من الْوَرع وَالتَّقوى، وجرد القَوْل بِخلق الْقُرْآن ودعا إِلَيْهِ حَتَّى كَانَ عين الْجَهْمِية فِي عصره وعالمهم، فمقته أهل الْعلم وكفره عدَّة"٢. وَقَالَ عَنهُ فِي مَوضِع آخر: "هُوَ بشر الشَّرّ، وَبشر الحافي بشر الْخَيْر، كَمَا أَن أَحْمد بن حَنْبَل هُوَ أَحْمد السّنة، وَأحمد بن أبي دؤاد أَحْمد الْبِدْعَة"٣. قلت: ونظرة إِلَيّ مَا يقفنا التَّارِيخ عَلَيْهِ من جملَة المصنفات المنسوبة إِلَيْهِ، يَبْدُو لنا من عناوينها أَنَّهَا فِي مجَال الِانْتِصَار لنحلته الْمُخَالفَة لما عَلَيْهِ أهل السّنة وَالْجَمَاعَة، وَلَئِن أبدع فِي بَعْضهَا وَأثْنى عَلَيْهِ من أثنى إِلَّا أَن ذَلِك لَا يشفع لَهُ عِنْد الْمُسلمين، لما هُوَ عَلَيْهِ من فَسَاد الأَصْل الَّذِي يَنْبَنِي عَلَيْهِ الْعَمَل ويعقد عَلَيْهِ الْقلب الْمُؤمن أَلا وَهُوَ التَّوْحِيد. عقيدته: قَالَ الذَّهَبِيّ: مُبْتَدع ضال لَا يَنْبَغِي أَن يرْوى عَنهُ وَلَا كَرَامَة، أتقن علم الْكَلَام، ثمَّ جرد القَوْل بِخلق الْقُرْآن وناظر عَلَيْهِ، وَلم يدْرك الجهم بن صَفْوَان وَإِنَّمَا أَخذ مقَالَته وَاحْتج بهَا ودعا إِلَيْهَا٤.

стр. 52

وَقَالَ أَيْضا: "كَانَ عين الْجَهْمِية فِي عصره وعالمهم"١. وَقَالَ عَنهُ ابْن كثير: شيخ الْمُعْتَزلَة، وَأحد من أضلّ الْمَأْمُون٢. وَقَالَ ابْن خلكان: اشْتغل بِعلم الْكَلَام وجرد القَوْل بِخلق الْقُرْآن، وَحكى عَنهُ أَقْوَال شنيعة، وَكَانَ مرجئًا وَإِلَيْهِ تنْسب الطَّائِفَة المريسية من المرجئة٣. قَالَ الْأَشْعَرِيّ: "الْفرْقَة الْحَادِيَة عشرَة من المرجئة: أَصْحَاب "بشر المريسي"، يَقُولُونَ: إِن الْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق؛ لِأَن الْإِيمَان فِي اللُّغَة هُوَ التَّصْدِيق، وَمَا لَيْسَ بِتَصْدِيق فَلَيْسَ بِإِيمَان. وَيَزْعُم أَن التَّصْدِيق يكون بِالْقَلْبِ وباللسان جَمِيعًا، وَإِلَى هَذَا القَوْل كَانَ يذهب "ابْن الراوندي"، وَكَانَ ابْن الراوندي يزْعم أَن الْكفْر هُوَ الْجحْد وَالْإِنْكَار والستر والتغطية، وَلَيْسَ يجوز أَن يكون إِلَّا مَا كَانَ فِي اللُّغَة كفرا، وَلَا يجوز أَن يكون إِيمَانًا إِلَّا مَا كَانَ فِي اللُّغَة إِيمَانًا. وَكَانَ يزْعم أَن السُّجُود للشمس لَيْسَ بِكفْر، وَلكنه علم على الْكفْر؛ لِأَن الله بَين أَنه لَا يسْجد للشمس إِلَّا كَافِر٤. قلت: وَذكر الْبَغْدَادِيّ فرق المرجئة فعد مِنْهُم المريسية، فَقَالَ:

стр. 53

"هَؤُلَاءِ مرجئة بَغْدَاد من أَتبَاع المريسي..... وَكَانَ فِي الْفِقْه على رَأْي أبي يُوسُف القَاضِي غير أَنه لما أظهر قَوْله بِخلق الْقُرْآن هجره أَبُو يُوسُف وضللته الصفاتية١ فِي ذَلِك، وَلما وافقوا الصفاتية فِي القَوْل بِأَن الله تَعَالَى خَالق أكساب الْعباد، وَفِي أَن الِاسْتِطَاعَة مَعَ الْفِعْل، أكفرته المعتولة فِي ذَلِك، فَصَارَ مهجور الصفاتية والمعتزلة مَعًا"٢. وَيَقُول الشَّهْر ستاني: إِن بشر بن غياث المريسي وَمُحَمّد بن عِيسَى الملقب ببرغوث، وَالْحُسَيْن النجار متقاربون فِي الْمَذْهَب، وَكلهمْ أثبتوا كَونه تَعَالَى مرِيدا لم يزل، لكل مَا علم أَنه سيحدث من خير وَشر وإيمان، وَكفر وَطَاعَة ومعصية، وَعَامة الْمُعْتَزلَة يأبون ذَلِك٣. وَقَالَ أَيْضا: نقل عَنْ بِشْرِ بْنِ غِيَاثٍ الْمَرِيسِيِّ أَنه قَالَ: إِذا دخل أَصْحَاب الْكَبَائِر النَّار فَإِنَّهُم سيخوجون عَنْهَا بعد أَن يعذبوا بِذُنُوبِهِمْ، وَأما التخليد فمحال، وَلَيْسَ بِعدْل٤. وَأخرج الْخَطِيب، بِسَنَدِهِ عَن عمر بن عُثْمَان قَالَ: كنت عِنْد أبي فَاسْتَأْذن عَلَيْهِ بشر المريسي. فَقلت: يَا أَبَت يدْخل عَلَيْك مثل هَذَا؟ فَقَالَ: يَا بني وَمَاله؟ قَالَ: قلت: إِنَّه يَقُول: الْقُرْآن مَخْلُوق، وَأَن الله مَعَه فِي الأَرْض، وَأَن الْجنَّة وَالنَّار لم يخلقا، وَأَن مُنْكرا ونكيرًا بَاطِل، وَأَن

стр. 54

الصِّرَاط بَاطِل، وَأَن السَّاعَة بَاطِل، وَأَن الْمِيزَان بَاطِل، مَعَ كَلَام كثير. قَالَ: فَقَالَ: أدخلهُ عَليّ، فأدخلته عَلَيْهِ فَقَالَ: يَا بشر ادنه، وَيلك يَا بشر ادنه -مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا- فَلم يزل يُدْنِيه حَتَّى قرب مِنْهُ، فَقَالَ: وَيلك يَا بشر من تعبد؟ وَأَيْنَ رَبك؟ قَالَ: فَقَالَ: وَمَا ذَاك يَا أَبَا الْحسن؟ قَالَ: "أخْبرت عَنْك أَنَّك تَقول: الْقُرْآن مَخْلُوق، وَأَن الله مَعَك فِي الأَرْض، مَعَ كَلَام كثير. وَلم أر شَيْئا أَشد على أبي من قَوْله: إِن الْقُرْآن مَخْلُوق، وَإِن الله مَعَه على الأَرْض. فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا الْحسن لم أجئ لهَذَا، وَإِنَّمَا جِئْت فِي كتاب خَالِد تقرؤه عَليّ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ: لَا وَلَا كَرَامَة، حَتَّى أعلم مَا أَنْت عَلَيْهِ، أَيْن رَبك، وَيلك؟ فَقَالَ لَهُ: أَو تعفيني؟ قَالَ: مَا كنت لأعفيك، قَالَ: أَنا إِذا أَبيت فَإِن رَبِّي نور فِي نور. قَالَ فَجعل يزحف إِلَيْهِ وَيَقُول: وَيحكم اقْتُلُوهُ، فَإِنَّهُ وَالله زنديق، وَقد كلمت هَذَا الصِّنْف بخراسان١. وَأخرج الْخَطِيب بِسَنَدِهِ أَيْضا عَن قُتَيْبَة بن سعيد قَالَ: "دخل الشَّافِعِي على أَمِير الْمُؤمنِينَ وَعِنْده بشر المريسي! فَقَالَ لَهُ الشَّافِعِي: أدْخلك الله فِي أَسْفَل سافلين مَعَ فِرْعَوْن وهامان وَقَارُون، فَقَالَ المريسي: أدْخلك الله فِي أَعلَى عليين مَعَ مُحَمَّد وَإِبْرَاهِيم وموسي. قَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق: فَذكرت هَذِه الْحِكَايَة لبَعض أَصْحَابنَا فَقَالَ لي: أَلا تَدْرِي أَي شَيْء أَرَادَ المريسي بقوله؟ كَانَ مِنْهُ طنزًا؛ لِأَنَّهُ يَقُول: لَيْسَ ثمَّ جنَّة وَلَا نَار"٢. وَبِسَنَدِهِ أَيْضا عَن إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيَّ يَقُولُ: "دخل حميد الطوسي على أَمِير الْمُؤمنِينَ -وَعِنْده بشر المريسي- فَقَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ

стр. 55

لحميد: أَتَدْرِي من هَذَا يَا أَبَا غَانِم؟ قَالَ: لَا قَالَ هَذَا بشر المريسي! فَقَالَ حميد: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ! هَذَا سيد الْفُقَهَاء، هَذَا قد رفع عَذَاب الْقَبْر، وَمَسْأَلَة مُنكر وَنَكِير، وَالْمِيزَان، والصراط، انْظُر هَل يقدر أَن يرفع الْمَوْت؟ ثمَّ نظر إِلَى بشر، فَقَالَ: لَو رفعت الْمَوْت كنت سيد الْفُقَهَاء حقًّا". وَعَن زِيَاد بن أَيُّوب قَالَ: سَمِعت يحيى بن إِسْمَاعِيل الوَاسِطِيّ، يَقُول: سَمِعت عباد بن الْعَوام يَقُول: كلمت بشر المريسي وَأَصْحَاب بشر فَرَأَيْت آخر كَلَامهم يَنْتَهِي إِلَى أَن يَقُولُوا: لَيْسَ فِي السَّمَاء شَيْء١. قلت: ويغني عَن بسط الْكَلَام فِي معرفَة مَا كَانَ عَلَيْهِ هَذَا الجهمي من الضلال والزيغ والتأويل تَأمل كتاب الدَّارمِيّ عُثْمَان بن سعيد ﵀ فِي رده عَلَيْهِ، فقد بسط القَوْل فِي بَيَان مُعْتَقد هَذَا المريسي، وفند أَقْوَاله وفضحه على مَلأ من النَّاس، وَنقل هُوَ وَغَيره من الجهابذة الْأَعْلَام من أَئِمَّة الْعلم وَالدّين القَوْل بتكفيره وَقَتله، والتحذير من الْوُقُوع فِيمَا وَقع فِيهِ هُوَ وَأَتْبَاعه من الْإِلْحَاد فِي الله وَفِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاته، وجنته وناره مدعومًا بالأدلة والبراهين النقلية والعقلية بِمَا يروي غلَّة الظمآن. فرحم الله الدَّارمِيّ رَحْمَة الْأَبْرَار. مناظراته: ذكر ابْن أبي حَاتِم فِي آدَاب الشَّافِعِي ومناقبه عَن أبي ثَوْر قَالَ: سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول: ناظرت بشرا المريسي فِي الْقرعَة فَقَالَ: "الْقرعَة قمار" فَذكرت مَا بيني وَبَينه لأبي البخْترِي -وَكَانَ قَاضِيا- فَقَالَ: ايتني بآخر

стр. 56

يشْهد مَعَك حَتَّى أضْرب عُنُقه١. وَفِي تَارِيخ بَغْدَاد من طَرِيق الْبُوَيْطِيّ عَن الشَّافِعِي، وَفِيه: فَذكرت لَهُ حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْقرعَة. فَقَالَ: يَا أَبَا عبد الله هَذَا قمار٢. وَعَن أبي ثَوْر أَيْضا قَالَ: سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول: قلت لبشر المريسي: مَا تَقول فِي رجل قتل: وَله أَوْلِيَاء صغَار وكبار، هَل للأكابر أَن يقتلُوا دون الأصاغر فَقَالَ: لَا، فَقلت لَهُ: فقد قتل الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب -ابْن ملجم- ولعلي أَوْلَاد صغَار، فَقَالَ: أَخطَأ الْحسن بن عَليّ، فَقلت: أما كَانَ جَوَاب أحسن من هَذَا اللَّفْظ؟! فَقَالَ: وهجرته من يَوْمئِذٍ٣. ونقف أَيْضا على تِلْكَ المناظرة العجيبة الَّتِي دارت فِي حَضْرَة الْمَأْمُون، حول خلق الْقُرْآن بَين بشر المريسي الضال، وَعبد الْعَزِيز بن يحيى الْكِنَانِي الشَّافِعِي المتوفي سنة٢٣٥ وَقيل: سنة ٢٤٠، دحض فِيهَا الْكِنَانِي شبه المريسي وأفحمه بالحجج القاطعة، مُسْتَندا فِي ذَلِك إِلَى النَّص القرآني الْوَاضِح الْجَلِيّ فِي إِثْبَات كَلَام الله صفة من صِفَاته، وَأَن الْقُرْآن كَلَام الله منزل غير مَخْلُوق. وَهَذَا الْكتاب هُوَ الْمَعْرُوف بِكِتَاب "الحيدة" وحري بطالب الْعلم أَن يطلع على هَذَا الْكتب النافع، ليقف على مدى مَا كَانَ عَلَيْهِ السّلف الصَّالح من قُوَّة ودحض الْبِدْعَة والانتصار للسّنة، فَهُوَ مَعَ صغر

стр. 57

حجمه كَبِير بِمَا احتواه، وَقد طبع غير مرّة وَللَّه الْحَمد. موقف الْعلمَاء والحكام وَغَيرهم مِنْهُ: لم يأل الْعلمَاء جهدًا فِي بذل النَّصِيحَة لهَذَا المريسي الضال، عله يرعوي عَن ضلال وَيَنْتَهِي بِنَفسِهِ إِلَى مَا انْتهى إِلَيْهِ سلف الْأمة الصَّالح من قبله، من الْإِيمَان بِاللَّه وبأسمائه وَصِفَاته وجنته وناره ووعده ووعيده وَسَائِر أمره وَنَهْيه، إِلَّا أَن نَفسه الأمارة بالسوء غلبت عَلَيْهِ فآثر هَوَاهُ على الانصياع إِلَى الْحق، وخلا قلبه إِلَّا من حبائل الشَّيْطَان ونزغاته، فأمكنت الشُّبْهَة من نَفسه واستقرت فِي شغَاف قلبه الْخَالِي من قُوَّة الْإِيمَان، فَلم يأبه لناصح ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ١. وَلَقَد حاولت أمه المسكينة معالجة أمره بِالْحُسْنَى واستعانت فِي ذَلِك بِالْإِمَامِ الشَّافِعِي ﵀ إِلَّا أَن ذَلِك لم يجد بِشَيْء، فقد أخرج الْخَطِيب الشَّافِعِي فَقَالَت: يَا أَبَا عبد الله، أرى ابْني يهابك ويحبك، وَإِذا ذكرت عِنْده أَجلك، فَلَو نهيته عَن هَذَا الرَّأْي الَّذِي هُوَ فِيهِ، فقد عَادَاهُ النَّاس عَلَيْهِ، وَيتَكَلَّم فِي شَيْء يواليه النَّاس عَلَيْهِ وَيُحِبُّونَهُ؟. فَقَالَ لَهَا الشَّافِعِي: أفعل، فَشَهِدت الشَّافِعِي -وَقد دخل عَلَيْهِ بشر- فَقَالَ لَهُ الشَّافِعِي: أَخْبرنِي عَمَّا تَدْعُو إِلَيْهِ أكتاب نَاطِق، أم فرض مفترض، أم سنة قَائِمَة، أم وجوب عَن السّلف الْبَحْث فِيهِ وَالسُّؤَال عَنهُ؟ فَقَالَ بشر: لَيْسَ فِيهِ كتاب نَاطِق وَلَا فرض مفترض، وَلَا سنة قَائِمَة، وَلَا وجوب عَن السّلف الْبَحْث فِيهِ,

стр. 58

إِلَّا أَنه لَا يسعني خِلَافه، فَقَالَ الشَّافِعِي: أَقرَرت على نَفسك بالْخَطَأ، فَأَيْنَ أَنْت عَن الْكَلَام فِي الْفِقْه وَالْأَخْبَار، يواليك النَّاس عَلَيْهِ وتترك هَذَا؟ قَالَ: لنا نهمة فِيهِ فَلَمَّا خرج بشر قَالَ الشَّافِعِي: لَا يفلح١. كَمَا أَن الْعلمَاء أَيْضا وقفُوا مِنْهُ موقف الناصح المحذر لَهُ من مغبة مَا هُوَ عَلَيْهِ من فَسَاد الِاعْتِقَاد، مستندين فِي نصيحتهم لَهُ على الْحجَج الناصعة والبراهين القاطعة، والأدلة لكل من كَانَ لَهُ أدنى نظر أَو تَأمل. فَعَن بشر بن مُوسَى قَالَ: سَمِعت أَبَا يُوسُف القَاضِي يَقُول لبشر المريسي: طلب الْعلم بالْكلَام هُوَ الْجَهْل، الْجَهْل بالْكلَام هُوَ الْعلم، وَإِذا صَار رَأْسا فِي الْكَلَام قيل، زنديق، أَو رمي بالزندقة، يَا بشر، بَلغنِي أَنَّك تَتَكَلَّم فِي الْقُرْآن، إِن أَقرَرت لله علما خصمت وَإِن جحدت الْعلم كفرت٢. وَعَن سليم بن مَنْصُور بن عمار قَالَ: كتب بشر المريسي إِلَى أَبِيه مَنْصُور بن عمار: أَخْبرنِي الْقُرْآنُ خَالِقٌ أَوْ مَخْلُوقٌ؟ قَالَ: فَكتب إِلَيْهِ عَافَانَا الله وَإِيَّاك من كل فتْنَة، وَجَعَلنَا وَإِيَّاك من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة، فَإِنَّهُ إِن يفعل فأعظم بهَا من نعْمَة، وَإِلَّا فَهِيَ الهلكة، وَلَيْسَت لأحد على الله بعد الْمُرْسلين حجَّة: نَحن نرى أَن الْكَلَام فِي الْقُرْآن بِدعَة، تشارك فِيهَا السَّائِل والمجيب، وتعاطى السَّائِل مَا لَيْسَ لَهُ، وتكلف الْمُجيب مَا لَيْسَ عَلَيْهِ، وَمَا أعرف خَالِقًا إِلَّا الله، وَمَا دون الله مَخْلُوق، وَالْقُرْآن كَلَام الله، فانته

стр. 59

بِنَفْسِك وبالمختلفين مَعَك، إِلَى أَسْمَائِهِ الَّتِي سَمَّاهُ الله بهَا تكن من المهتدين، وَلَا تسم الْقُرْآن باسم من عنْدك فَتكون من الضَّالّين، جعلنَا الله وَإِيَّاك من الَّذين يخشونه بِالْغَيْبِ وهم من السَّاعَة مشفقون١. وَعَن حَامِد بن يحيى الْبَلْخِي قَالَ: لِسُفْيَان بن عُيَيْنَة: إِن بشرا يَقُول: إِن الله لَا يرى يَوْم الْقيمَة، فَقَالَ: قَاتله الله، دويبة، ألم يسمع الله يَقُول: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] ، فَجعل احتجابه عَنْهُم عُقُوبَة لَهُم فَإِذا احتجب عَن الْأَوْلِيَاء والأعداء، فَأَي فضل للأولياء على الْأَعْدَاء٢. وَعَن عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل، قَالَ: أخْبرت عَن بشر بن الْوَلِيد، قَالَ: كنت جَالِسا عِنْد أبي يُوسُف القَاضِي فَدخل عَلَيْهِ بشر المريسي، فَقَالَ أَبُو يُوسُف حَدثنَا إِسْمَاعِيل، عَن قيس، عَن جرير، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَذكر حَدِيث الرُّؤْيَا، ثمَّ قَالَ أَبُو يُوسُف: إِنِّي وَالله أُؤْمِن بِهَذَا الحَدِيث وَأَصْحَابك يكفرون بِهِ وَكَأَنِّي بك قد شغلتك عَن النَّاس خَشَبَة بَاب الجسر٣. وَلَكِن هَيْهَات هَيْهَات فقد أمكنت الشُّبْهَة من نَفسه، وَاسْتولى الْهوى على قلبه فَلم يعد للنصيحة أثر فِي رده وَلَا للموعظة دور فِي إقناعه. وَلما شاع أمره واشتهر خَبره أَسَاءَ الْعلمَاء قَوْلهم فِيهِ، وكفره أَكْثَرهم من أجل مقَالَته وحرضوا على قَتله. وَلست هُنَا بصدد الحَدِيث عَن كل مَا

стр. 60

نقل عَن الْعلمَاء فِي تكفيره وذمه لِئَلَّا يطول الْمقَام، وسأكتفي بِذكر جملَة مِمَّا أثر عَن الْعلمَاء أَنهم قَالُوهُ عَنهُ. فَعَن الْفضل بن إِسْحَاق الدوري قَالَ: سَمِعت المعيطي يَقُول: كُنَّا عِنْد يزِيد بن هَارُون فَذكرُوا المريسي فَقَالَ: مَا يَقُول؟ قَالُوا: الْقُرْآن مَخْلُوق، فَقَالَ: هَذَا كَافِر١. وَعَن حَامِد بن يحيى، عَن يزِيد بن هَارُون. قَالَ: المريسي حَلَال الدَّم يقتل٢. وَعَن مُحَمَّد بن يزِيد قَالَ: قَالَ يزِيد بن هَارُون: حرضت أهل بَغْدَاد على قتل بشر المريسي غير مرّة٣. وَعَن يحيى بن يُوسُف الزمي، قَالَ: سَمِعت شَبابَة بن سوار، يَقُول: اجْتمع رَأْيِي ورأي النّظر هَاشم بن الْقَاسِم، وَجَمَاعَة من الْفُقَهَاء على أَن بشر المريسي كَافِر جَاحد، أرى أَن يُسْتَتَاب، فَإِن تَابَ وَإِلَّا ضربت عُنُقه٤. وَقَالَ الأ زدي: زائغ صَاحب رَأْي لَا يقبل وَلَا يخرج حَدِيثه، وَلَا كَرَامَة إِذْ كَانَ عندنَا على طَريقَة الْإِسْلَام٥.

стр. 61

وَعَن عبد الله بن الإِمَام أَحْمد قَالَ: سَمِعت سوار بن عبد الله القَاضِي سَمِعت أخي عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن سوار يَقُول: كنت عِنْد سُفْيَان بن عُيَيْنَة، فَوَثَبَ النَّاس على بشر حَتَّى ضربوه وَقَالُوا: جهمي، فَقَالَ لَهُ. سُفْيَان: يَا دويبة ألم تسمع الله يَقُول: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الْأَعْرَاف: ٥٤] فَأخْبر أَن الْخلق غير الْأَمر. قيل لسوار: فأيش قَالَ بشر، قَالَ: سكت لم يكن عِنْده حجَّة١. وَلما ترامى إِلَى سمع الرشيد خَبره توعد بقتْله شَرّ قتلة، فَعَن المَسْعُودِيّ القَاضِي، سَمِعت هَارُون أَمِير الْمُؤمنِينَ يَقُول: بَلغنِي أَن بشر المريسي يزْعم أَن الْقُرْآن مَخْلُوق لله، عَليّ إِن أَظْفرنِي الله بِهِ لأقتله قتلة مَا قتلتها أحدا قطّ٢. وَنقل ابْن حجر عَن صَاحب الحافل قَوْله: وَكَانَ إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي لما غلب على الْخَلِيفَة بِبَغْدَاد٣ حبس بشرا وَجمع الْفُقَهَاء على مناظرته فِي بدعته فَقَالُوا: استتبه فَإِن تَابَ وَإِلَّا فَاضْرب عُنُقه، ذكر ابْن أبي حَاتِم فِي الرَّد على الْجَهْمِية. وَذكر من وَجه آخر أَن هرثمة كَانَ قد قبض عَلَيْهِ سنة١٩٨هـ هُوَ وَإِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل بن علية فاختفى هُوَ وهرب إِبْرَاهِيم بِمصْر٤.

стр. 62

وَفَاته واستبشار النَّاس بِمَوْتِهِ: تُشِير المصادر الَّتِي وقفت عَلَيْهَا فِي تَرْجَمَة المريسي إِلَى أَن وَفَاته كَانَت سنة ٢١٨، ويضيف الْبَعْض بِصِيغَة التمريض إِلَى أَن وَفَاته كَانَت سنة ٢١٩ ١ وَقد قَارب الثَّمَانِينَ٢ وَنقل ابْن حجر أَنه كَانَ من أَبنَاء سبعين سنة٣. وَذكر ابْن خلكان أَن وَفَاته كَانَت بِبَغْدَاد٤. واستبشر بِمَوْتِهِ الْعلمَاء وَالْفُقَهَاء وَعَامة النَّاس وشكروا الله تَعَالَى على ذَلِك، وَجعل الصّبيان يتعادون بَين يَدي الْجِنَازَة وَيَقُولُونَ: من يكْتب إِلَى مَالك من يكْتب إِلَى مَالك٥. وَعَن بشر بن الْحَارِث، قَالَ: جَاءَ موت هَذَا الَّذِي يُقَال لَهُ: المريسي وَأَنا فِي السُّوق، فلولا أَنه كَانَ مَوْضُوع شهرة لَكَانَ مَوضِع شكر وَسُجُود وَالْحَمْد لله الَّذِي أَمَاتَهُ، هَكَذَا قُولُوا٦. وَعند ابْن حجر أَنه قَالَ: فلولا أَنه لَيْسَ مَوضِع سُجُود سجدت

стр. 63

وَعَن عُثْمَان بن سعيد الرَّازِيّ قَالَ: حَدثنَا الثِّقَة من أَصْحَابنَا، قَالَ: لما مَاتَ بشر بن غياث المريسي لم يشْهد جنَازَته من أهل الْعلم وَالسّنة إِلَّا عبيد الشونيزي، فَلَمَّا رَجَعَ من جَنَازَة المريسي أقبل عَلَيْهِ أهل السّنة وَالْجَمَاعَة، قَالُوا: يَا عَدو الله، تنتحل السّنة وَالْجَمَاعَة وَتشهد جَنَازَة المريسي؟ قَالَ: أنظروني حَتَّى أخْبركُم، مَا شهِدت جَنَازَة رَجَوْت فِيهَا من الْأجر مَا رَجَوْت فِي جنَازَته. لما وضع مَوضِع الْجَنَائِز قُمْت فِي الصَّفّ فَقلت: اللَّهُمَّ عَبدك هَذَا كَانَ لَا يُؤمن برؤيتك فِي الأخرة، اللَّهُمَّ فاحجبه عَن النّظر إِلَى وَجهك يَوْم ينظر إِلَيْك الْمُؤْمِنُونَ، اللَّهُمَّ عَبدك هَذَا كَانَ لَا يُؤمن بِعَذَاب الْقَبْر، اللَّهُمَّ فَعَذَّبَهُ الْيَوْم فِي قَبره عذَابا لَا تعذبه أحدا من الْعَالمين، اللَّهُمَّ عَبدك هَذَا كَانَ يُنكر الْمِيزَان، اللَّهُمَّ فَخفف مِيزَانه يَوْم الْقِيَامَة، اللَّهُمَّ عَبدك هَذَا كَانَ يُنكر الشَّفَاعَة، اللَّهُمَّ فَلَا تشفع فِيهِ أحدا من خلقك يَوْم الْقِيَامَة، قَالَ فَسَكَتُوا وَضَحِكُوا٢. آثاره: قَالَ الذَّهَبِيّ: وللمريسي تصانيف جمة٣, صنف كتابا فِي التَّوْحِيد، وَكتاب "الإرجاء"، وَكتاب "الرَّد على الْخَوَارِج"، وَكتاب "الِاسْتِطَاعَة"، و"الرَّد على الرافضة فِي الْإِمَامَة"،

стр. 64

وَكتاب "كفر المشبهة"، وَكتاب "الْوَعيد" وَأَشْيَاء غير ذَلِك فِي نحلته. وَيذكر حاجي خَليفَة أَن لَهُ كتاب الْحجَج قَالَ: وَهُوَ أحسن من كتاب الْمُزنِيّ، وحجج عِيسَى بن أبان أدق علما وَأحسن ترتيبًا من كتاب الْمُزنِيّ١. وَهل مصنفات المريسي مَا زَالَت مَوْجُودَة حَتَّى الْيَوْم أَو أَنَّهَا فقدت؟ يَقُول فؤاد سزكين: لقد ضَاعَت كل كتب المريسي إِلَّا إجاباته فِي مناقشة حول خلق الْقُرْآن دارت فِي حَضْرَة الْمَأْمُون، وَقد بقيت هَذِه الإجابات فِي كتاب الْحَيَوَان للجاحظ ٧/ ١١٦، وَفِي كتاب أدب الشَّافِعِي لِابْنِ أبي حَاتِم ١٧٥-١٧٦، وَوصل إِلَيْنَا كَذَلِك ردان على إجاباته هما: ١- النَّقْض على المريسي لعُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ المتوفي "٢٨٢هـ/ ٨٩٥م". ٢- كتاب الحيدة لعبد الْعَزِيز بن يحيى بن مُسلم الْكِنَانِي الْمَكِّيّ الشَّافِعِي المتوفي "٢٣٥هـ/ ٨٤٩م، وَقيل: ٢٤٠هـ" وَصِحَّة نِسْبَة هَذَا الْكتاب مَوضِع نظر٢. قلت: وَقد حقق الدكتور عَليّ بن مُحَمَّد الفقيهي الْأُسْتَاذ بالجامعة الإسلامية بِالْمَدِينَةِ المنورة صِحَة نِسْبَة هَذَا الْكتاب للكناني فَلْيتَأَمَّل٣.

стр. 65

الْفَصْل الثَّالِث: التَّعْرِيف بِابْن الثَّلْجِي تَنْبِيه: جدير بِالذكر أَن ابْن الثَّلْجِي لَيْسَ هُوَ الْمعَارض فِي ثنايا الْكتاب كَمَا يتَوَهَّم الْبَعْض، إِذْ إِن من تَأمل الْكتاب، فيسقف على أَن الْمَقْصُود بالمعارض غير المريسي وَابْن الثَّلْجِي، وَقد أَشرت إِلَى ذَلِك فِي مَوْضِعه فِي بداية الْقسم الثَّانِي. وقيامي بترجمة ابْن الثَّلْجِي بِهَذِهِ التَّرْجَمَة الواسعة يرجع إِلَى المريسي، وَكَثِيرًا مَا تَجِد فِي ثنايا الْكتاب ذكر ابْن الثَّلْجِي مُنْفَردا بِشُبْهَة أَو مَقْرُونا ببشر المريسي. كَمَا أَن المخطوطات الَّتِي وقفت عَلَيْهَا فِيهَا تَرْجَمَة لِابْنِ الثَّلْجِي مُسندَة إِلَى الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ فِي تَارِيخه. وَكَانَ لَا بُد من إِعْطَاء الْقَارئ صُورَة وَاضِحَة عَنهُ فَوضعت لَهُ هَذِه التَّرْجَمَة.

стр. 66

المبحث الأول: عصره السياسي والعلمي أَولا: عصره السياسي: عَاشَ ابْن الثَّلْجِي فِي الفترة مَا بَين عَام ١٨١هـ إِلَى سنة ٢٦٦هـ، وتكاد تِلْكَ الفترة الَّتِى عاشها تتفق فِي كثير من الملامح الساسية مَعَ الفترة الَّتِي عاشها الدَّارمِيّ، فقد عاشا فِي عصر وَاحِد، إِلَّا أَن ابْن الثَّلْجِي كَانَ أسبق فِي وِلَادَته عَن الدَّارمِيّ بِنَحْوِ من ستعة عشر عَاما كَانَ فِيهَا فِي بداية نشأته وتعلمه. وَيُمكن القَوْل بِأَن من أهم ملامح الْحَيَاة السياسية الَّتِي عاشها ابْن الثَّلْجِي فِي بداية نشأته أَنَّهَا فَتْرَة بلغت فِيهَا الدولة العباسية أوج قوتها، وتجلى عصرها الذَّهَبِيّ فِي أسمى مظاهره، وَلم يكن ثمَّة دولة تضاهيها فِي الدولة وَالسُّلْطَان وَالْقُوَّة والثروة. تِلْكَ هِيَ الفترة الَّتِي كَانَ الْقَائِم فِيهَا بِأَمْر الْخلَافَة هُوَ الْخَلِيفَة هَارُون الرشيد الَّذِي يعد من أبرز الْخُلَفَاء الَّذين عرفهم التَّارِيخ، فقد كَانَ تقيًّا محسنًا متمسكًا بِدِينِهِ ماهرًا فِي قيادة الجيوش، كثير التجوال فِي أملاكه بِقصد الْقَضَاء على الفوضى، موضعا لثقة أَبِيه مُنْذُ حداثته. وَرَغمَ ماحدث من بعض الْفِتَن الداخلية والمنازعات الَّتِي كَانَ من أبرزها قيام دولة الأغالبة واستقلالها بالقيروان إِلَّا أَن هَذَا يتضاءل مَعَ مِقْدَار مَا تمّ فِي عهد الرشيد من فتوح ومنجزات فِي مُخْتَلف الميادين، إِلَى أَن توفّي سنة ١٩٣ عَن عمر يناهز ٤٤ عَاما.

стр. 67

وَقد سبق وَأَن أَشرت إِلَى جملَة من الْأَحْدَاث الَّتِي وَقعت فِي عَهده فِي عصر المريسي السياسي. ثَانِيًا: عصره العلمي: لَا يخْتَلف الحَدِيث عَن الْحَالة العلمية فِي عصر ابْن الثَّلْجِي عَن الحَدِيث عَنْهَا فِي عصر الدَّارمِيّ، إِلَّا أَنه يجدر التَّنْبِيه إِلَى أَن ابْن الثَّلْجِي عاصر الفترة الذهبية الَّتِي حكم فِيهَا هَارُون الرشيد، ذَلِك الْعَهْد الَّذِي كَانَ لَهُ أكبر الْأَثر فِي قيام النهضة الدِّينِيَّة والعلمية والأدبية فِي جوانبها الْمُخْتَلفَة، حَيْثُ سَاد الرخَاء واستتب الْأَمْن وَعظم سُلْطَان الدولة وانتشرت الْمَسَاجِد والكتاتيب ودور الْعلم وأغدق الْعَطاء على الْعلمَاء وَالْكتاب، وَظَهَرت الْعِنَايَة بِالْقُرْآنِ وَالسّنة وعلوم اللُّغَة وآدابها، كَمَا ظهر للْعُلَمَاء دور بارز فِي مناهضة الْبدع والانتصار لمَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة، والعناية بالتصنيف فِي مُخْتَلف الْعُلُوم، الدِّينِيَّة مِنْهَا والدنيوية.

стр. 68

المبحث الثَّانِي: حَيَاة ابْن الثَّلْجِي اسْمه وكنيته وَنسبه: هُوَ الْفَقِيه الْبَغْدَادِيّ، الْحَنَفِيّ١ مُحَمَّد بن شُجَاع الثَّلْجِي٢ وَيُقَال: الْبَلْخِي٣ ويذكره الْبَعْض: مُحَمَّد بن شُجَاع بن الثَّلْجِي٤ ويكنى بِأبي عبد الله٥ وَيعرف أَيْضا بِابْن الثَّلْجِي٦ وبأبي بكر٧. نسبته: قَالَ ابْن الْأَثِير: "الثَّلْجِي" بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَسُكُون اللَّام فِي آخرهَا الْجِيم قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ: بَنو الثَّلج بن عَمْرو بن مَالك بن مَنَاة بن هُبل بن عبد الله بن بكر بن عَوْف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثوب بن كلب بن وبرة،

стр. 69

بطن من كلب ثمَّ من قضاعة، وَلَهُم عدد وَفِيهِمْ كَثْرَة نسبوا إِلَى الْجد أبي الثَّلج أَو إِلَى الثَّلج، وَمِنْهُم أَبُو عبد الله بن أبي شُجَاع يعرف بِابْن الثَّلْجِي١. وِلَادَته: حكى أَبُو عبد الله الْهَرَوِيّ صَاحب الثَّلْجِي قَالَ: سَمِعت الثَّلْجِي يَقُول: ولدت فِي رَمَضَان سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَة٢. طلبه للْعلم وشيوخه: قَالَ الذَّهَبِيّ: كَانَ من بحور الْعلم، وَكَانَ صَاحب تعبد وتهجد وتلاوة. سمع من ابْن علية ووكيع وَأُسَامَة وطبقتهم، وَأخذ الْحُرُوف عَن يحيى بن آدم وَالْفِقْه عَن الْحسن بن زِيَادَة٣. وَقَالَ أَيْضا: وَكَانَ مَعَ هناته ذَا تِلَاوَة وَتعبد٤. وَقَالَ: الْقرشِي: كَانَ فَقِيه الْعرَاق فِي وقته والمقدم فِي الْفِقْه والْحَدِيث وَقِرَاءَة الْقُرْآن مَعَ ورع وَعبادَة٥. وَقَالَ ابْن النديم: مبرز على نظرائه من أهل زَمَانه، وَكَانَ فَقِيها ورعًا وثباتًا على آرائه، وَهُوَ الَّذِي فتق فقه أبي حنفية وَاحْتج لَهُ وَأظْهر علله وَقواهُ بِالْحَدِيثِ وحلاه فِي الصُّدُور٦.

стр. 70

قَرَأَ على اليزيدي وروى عَن ابْن علية ووكيع، وتفقه على الْحسن بن زِيَادَة اللؤْلُؤِي وَغَيره، وَآخر من حَدِيث عَنهُ مُحَمَّد بن أَحْمد بن يَعْقُوب بن شيبَة١. وَقَالَ اللكنوي: أَخذ عَن الْحسن بن زِيَاد اللؤْلُؤِي وَحدث عَن يحيى بن آدم وَإِسْمَاعِيل بن علية ووكيع، وَأبي أُسَامَة وَعبيد الله بن مُوسَى، وَمُحَمّد بن عمر الْوَاقِدِيّ٢. وسأتناول بالتعريف ثَلَاثَة من شُيُوخه: ١- الْحسن بن زِيَاد: الْعَلامَة فَقِيه الْعرَاق، أَبُو عَليّ الْأنْصَارِيّ، مَوْلَاهُم، الْكُوفِي اللؤْلُؤِي صَاحب أبي حنيفَة، نزل بَغْدَاد وصنف وتصدر للفقه. أَخذ عَنهُ: مُحَمَّد بن شُجَاع الثَّلْجِي وَشُعَيْب بن أَيُّوب الصيريفيني. وَكَانَ أحد الأذكياء البارعين فِي الرَّأْي، ولي الْقَضَاء بعد حَفْص بن غياث ثمَّ عزل نَفسه. قَالَ الذَّهَبِيّ: لينه ابْن الْمَدِينِيّ وَطول تَرْجَمته الْخَطِيب. مَاتَ سنة أَربع وَمِائَتَيْنِ رَحمَه الله٣.

стр. 71

٢- يحيى بن آدم: هُوَ يحيى بن آدم بن سُلَيْمَان، الْعَلامَة، الْحَافِظ، المجود، أَبُو زكريَّا الْأمَوِي، مَوْلَاهُم الْكُوفِي، صَاحب التصانيف، من موَالِي خَالِد بن عقبَة بن أبي معيط. ولد بعد الثَّلَاثِينَ وَمِائَة، وَلم يدْرك وَالِده، كَأَنَّهُ توفّي وَهَذَا حمل. روى عَن عِيسَى بن طهْمَان، وسيفان الثَّوْريّ وَحَمَّاد بن سَلمَة وَغَيرهم، وَعنهُ أَحْمد وَإِسْحَاق وَيحيى وَعلي وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيرهم. وَثَّقَهُ يحيى بن معِين وَالنَّسَائِيّ، وَقَالَ الذَّهَبِيّ: كَانَ يحيى بن آدم من كبار أَئِمَّة الِاجْتِهَاد: توفّي غَرِيبا بِبَلَد فَم الصُّلْح فِي سنة ٢٠٣هـ١. ٣- اليزيدي: شيخ الْقُرَّاء، أَبُو مُحَمَّد يحيى بن الْمُبَارك بن الْمُغيرَة الْعَدوي الْبَصْرِيّ النَّحْوِيّ، وَعرف باليزيدي لاتصاله بالأمير يزِيد بن مَنْصُور خَال الْمهْدي يُؤَدب وَلَده، جود الْقُرْآن على أبي عَمْرو الْمَازِني، وَحدث عَنهُ وَعَن ابْن جريج، وتلا عَلَيْهِ خلق مِنْهُم أَو عمر الدوري، وَأَبُو شُعَيْب السُّوسِي. قَالَ الذَّهَبِيّ: "وَقد أدب الْمَأْمُون وَعظم حَاله وَكَانَ ثِقَة عَالما حجَّة فِي الْقِرَاءَة لَا يدْرِي مَا الحَدِيث لكنه إخباري نحوي، عَلامَة، بَصِير بِلِسَان الْعَرَب".

стр. 72

عَاشَ ٧٤ سنة وَتُوفِّي بِبَغْدَاد سنة ٢٠٢، وَقيل: بل كَانَت وَفَاته بمرو فِي صحابة الْمَأْمُون١. تلاميذه: قَالَ اللكنوي: روى عَنهُ يَعْقُوب بن شيبَة وَابْن ابْنه مُحَمَّد بن أَحْمد بن يَعْقُوب، وَعبد الْوَهَّاب بن أبي حَيَّة وَعبد الله بن أَحْمد ثَابت الْبَزَّار فِي آخَرين٢. وسأتناول بالتعريف ثَلَاثَة مِنْهُم: ١- يَعْقُوب بن شيبَة: هُوَ يَعْقُوب بن شيبَة، أَو الصَّلْت بن عُصْفُور الْحَافِظ الْكَبِير الْعَلامَة الثِّقَة، أَبُو يُوسُف السدُوسِي الْبَصْرِيّ ثمَّ الْبَغْدَادِيّ، صَاحب الْمسند الْكَبِير ولد فِي حُدُود سنة ١٨٠ وَتُوفِّي فِي شهر ربيع الأول سنة ٢٦٢هـ٣. ٢- مُحَمَّد بن أَحْمد بن يَعْقُوب: هُوَ المعمر الصدوق، أَبُو بكر مُحَمَّد بن أَحْمد بن يَعْقُوب بن شيبَة السدُوسِي الْبَغْدَادِيّ، سمع كثيرا من جده الْحَافِظ وَعلي بن حَرْب، وَمُحَمّد بن شُجَاع بن الثَّلْجِي، وَثَّقَهُ أَبُو بكر الْخَطِيب، ولد فِي أول سنة

стр. 73

٢٥٤، وَتُوفِّي فِي ربيع الآخر سنة ٣٣١ وَله ٧٨ سنة١. ٣- الْبَزَّار: هُوَ عبد الله بن أَحْمد بن ثَابت بن سَلام، أَبُو الْقَاسِم الْبَزَّار، حدث عَن حَفْص بن عَمْرو وَيَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي، وَعنهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَابْن شاهين، ويوسف القواس وَغَيرهم، وَكَانَ ثِقَة، ولد سنة ٢٣٨ وَتُوفِّي سنة ٣٢٩ ٢. عقيدته: قَالَ اللكنوي: سُئِلَ الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل عَنهُ فَقَالَ: مُبْتَدع صَاحب هوى٣، وَبعث المتَوَكل إِلَى أَحْمد يسْأَله عَن ابْن الثَّلْجِي وَيحيى بن أَكْثَم فِي ولَايَة الْقَضَاء، فَقَالَ: أما ابْن الثَّلْجِي فَلَا، وَلَا حارس٤. وَكَانَ من الواقفة على الْقُرْآن إِلَّا أَنه يرى رَأْي أهل الْعدْل والتوحيد٥ وَله ميل إِلَى مَذْهَب الْمُعْتَزلَة٦. وَقَالَ ابْن عدي: كَانَ يضع الحَدِيث فِي التَّشْبِيه ينسبها إِلَى أَصْحَاب

стр. 74

الحَدِيث يثلبهم بذلك١. وروى الْمروزِي: حَدثنَا أَبُو إِسْحَاق الْهَاشِمِي، سَمِعت الزيَادي، يَقُول: أشهدنا ابْن الثلاج وَصيته، وَكَانَ فِيهَا: لَا يعْطى من ثُلثي إِلَّا من قَالَ: الْقُرْآن مَخْلُوق٢. وَقَالَ الذَّهَبِيّ: جَاءَ من غير وَجه أَنه كَانَ ينَال من أَحْمد وَأَصْحَابه وَيَقُول: أيش قَامَ بِهِ أَحْمد؟! قَالَ الْمروزِي: أَتَيْته ولمته، فَقَالَ: إِنَّمَا أَقُول، الْقَضَاء، فَقيل لَهُ: هُوَ من أَصْحَاب بشر المريسي، فَقَالَ: نَحن بعد فِي بشر! فَقطع الْكتاب جزازات، فَسمِعت عَليّ بن الجهم يَقُول لأبي عبد الله، وَنحن بالعسكر: أَمر ابْن الثلاج أَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم -يَعْنِي مُتَوَلِّي بَغْدَاد- كلم المتَوَكل أَن يوليه الْقَضَاء، فَدخلت وَبَين يَدَيْهِ كتب يُرِيد أَن يختمها، وَبَين يَدَيْهِ بطيخ كثير، فجَاء رَسُول إِسْحَاق ينجز الْكتب، فَقَالَ لي المتَوَكل: يَا عَليّ، من مُحَمَّد بن شُجَاع هَذَا؟ فقد ألح على إِسْحَاق فِي سَببه! فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، هَذَا من أَصْحَاب بشر المريسي، فَقَالَ: ذَلِك! وَقطع الْكتاب. فَانْصَرف الرَّسُول فجَاء إِسْحَاق فَقُمْت إِلَيْهِ فَرَأَيْت الْكَرَاهِيَة فِي وَجهه، فَكَانَ ذَلِك سَبَب تسييري إِلَى أسبيجاب٣. قلت: وَمَعَ مَا كَانَ عَلَيْهِ هَذَا الرجل من عبَادَة وتهجد وتلاوة وَفقه فِي

стр. 75

الدَّين، يكْشف عَنهُ ثَنَاء الْعلمَاء عَلَيْهِ وَالشَّهَادَة لَهُ بذلك، إِلَّا أَنه كَانَ مَعَ هَذَا متأثر بعقائد الْجَهْمِية متأولًا فِي الصِّفَات مُتَّفقا مَعَ المريسي الضال فِي كثير مِمَّا ذهب إِلَيْهِ من الزيغ والضلال فِي ذَات الله وأسمائه وَصِفَاته بِمَا يُفْضِي إِلَى تَعْطِيل الله عَن صِفَات الْكَمَال، ونعوت الْجلَال الَّتِي تلِيق بجلاله وعظمته، وَوَصفه بِصِفَات يتنزه عَنْهَا أدنى الْخلق فَمَا بالك بِرَبّ الْعَالمين. وَقد قَالَ: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١. وَقَالَ: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ، هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٢. بعض مَا نسب إِلَيْهِ من الرِّوَايَات: قَالَ ابْن عدي: كَانَ يضع الحَدِيث فِي التَّشْبِيه ينسبها إِلَى أَصْحَاب الحَدِيث يسابهم بذلك٣. وَقَالَ ابْن عدي أَيْضا: روى ابْن الثَّلْجِي عَن حبَان بن هِلَال -وحبان ثِقَة- عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي الْمُهَزِّمِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ،
следующие страницы →