← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 8681

تيسير مصطلح الحديث

محمود الطحان

Полный текст (284 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

إلى بعض الصحابة، أو بعض الجهات والبلدان، وأذكر بعض الأمثلة من كتاب الحاكم وغيره، فمنها: أ- أوهى الأسانيد بالنسبة لأبي بكر الصديق ﵁: "صدقة بن موسى الدقيقي، عن فرقد السبخي، عن مرة الطيب، عن أبي بكر"١. ب- أوهى أسانيد الشاميين "محمد بن قيس المصلوب، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة"٢. ج- أوهى أسانيد ابن عباس ﵁ "السُّدِّيُّ الصغير محمد بن مروان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس" قال الحافظ ابن حجر: "هذه سلسلة الكذب، لا سلسلة الذهب"٣. ٤- مثاله: ما أخرجه الترمذي من طريق "حكيم الأثرم" عن أبي تميمة الهجيمي، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "من أتى حائضا أو امرأة في دبرها أو كاهنا فقد كفر بما أنزل على محمد"، ثم قال الترمذي بعد إخراجه: "لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث حكيم الأثرم عن أبي تميمة الهجيمي عن أبي هريرة" ثم قال: "وضعَّفَ محمد٤ هذا

стр. 72

الحديث من قبل إسناده"١ قلت: لأن في إسناده حكيما الأثرم، وقد ضعفه العلماء، فقد قال عنه الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب: "فيه لين". ٥- حكم روايته: يجوز عند أهل الحديث وغيرهم رواية الأحاديث الضعيفة، والتساهل في أسانيدها من غير بيان ضعفها -بخلاف الأحاديث الموضوعة فإنه لا يجوز روايتها إلا مع بيان وضعها- بشرطين، هما: أ- ألا تتعلق بالعقائد، كصفات الله تعالى. ب- ألا يكون في بيان الأحكام الشرعية مما يتعلق بالحلال والحرام. يعني تجوز روايتها في مثل المواعظ والترغيب والترهيب والقصص وما أشبه ذلك، وممن روي عنه التساهل في روايتها سفيان الثوري، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل٢. وينبغي التنبه إلى أنك إذا رويتها من غير إسناد فلا تقل فيها: قال رسول الله ﷺ كذا، وإنما تقول: روي عن رسول الله ﷺ كذا، أو بلغنا عنه كذا، وما أشبه ذلك؛ لئلا تجزم بنسبة ذلك الحديث للرسول وأنت تعرف ضعفه.

стр. 73

٦- حكم العمل به: اختلف العلماء في العمل بالحديث الضعيف، الذي عليه جمهور العلماء أنه يستحب العمل به في فضائل الأعمال، لكن بشروط ثلاثة، أوضحها الحافظ ابن حجر١ وهي: أ- أن يكون الضعف غير شديد. ب- أن يندرج الحديث تحت أصل معمول به. ج- ألا يعتقد عند العمل به ثبوته، بل يعتقد الاحتياط. ٧- أشهر المصنفات التي هي مظنة الضعيف: أ- الكتب التي صنفت في بيان الضعفاء: ككتاب الضعفاء لابن حبان، وكتاب ميزان الاعتدال للذهبي؛ فإن مؤلفيها يذكرون أمثلة للأحاديث التي صارت ضعيفة بسبب رواية أولئك الضعفاء لها. ب- الكتب التي صنفت في أنواع من الضعيف خاصة: مثل كتب المراسيل والعلل والمُدرَج وغيرها. ككتاب المراسيل لأبي داود، وكتاب العلل والدارقطني.

стр. 74

المقصد الثاني: المردود بسبب سقط من الإسناد ١- المراد بالسقط من الإسناد: المراد بالسقط من الإسناد انقطاع سلسلة الإسناد بسقوط راوٍ أو أكثر، عمدا من بعض الرواة، أو عن غير عمد، من أول السند أو من آخره أو من أثنائه، سقوطًا ظاهرا أو خفيا. ٢- أنواع السقط: يتنوع السقط من الإسناد بحسب ظهوره وخفائه إلى نوعين، هما: أ- سقط ظاهر: وهذا النوع من السقط يشترك في معرفته الأئمة وغيرهم من المشتغلين بعلوم الحديث، ويعرف هذا السقط من عدم التلاقي بين الراوي وشيخه؛ إما لأنه لم يدرك عصره، أو أدرك عصره، لكنه لم يجتمع به "وليست له منه إجازة ولا وجادة"١ لذلك يحتاج

стр. 75

الباحث في الأسانيد إلى معرفة تاريخ الرواة؛ لأنه يتضمن بيان مواليدهم، ووفياتهم، وأوقات طلبهم وارتحالهم، وغير ذلك. وقد اصطلح علماء الحديث على تسمية السقط الظاهر بأربعة أسماء، بحسب مكان السقط، أو عدد الرواة الذين أسقطوا. وهذه الأسماء هي: ١- المعلق. ٢- المرسل. ٣- المعضل. ٤- المنقطع. ب- سقط خفي: وهذا لا يدركه إلا الأئمة الحُذَّاق المطلعون على طرق الحديث وعلل الأسانيد. وله تسميتان، وهما: ١- المدلس. ٢- المرسل الخفي. وإليك البحث في هذه المسميات الستة مفصلة على التوالي:

стр. 76

أ- أنواع السقط الظاهر: ١- المعلق: ١- تعريفه: أ- لغة: هو اسم مفعول من "علق" الشيء بالشيء، أي أناطه وربطه به، وجعله معلقا. وسمي هذا السند معلقا بسبب اتصاله من الجهة العليا فقط، وانقطاعه من الجهة الدنيا، فصار كالشيء المعلق بالسقف ونحوه. ب- اصطلاحا: ما حذف من مبدأ إسناده راوٍ فأكثر على التوالي١. ٢- شرح التعريف: ومبدأ السند هو طرفه الأدنى الذي من جهتنا، وهو شيخ المؤلف. ويسمى "أول السند" أيضا. وسمي "مبدأ السند"؛ لأننا نبدأ قراءة الحديث به. ٣- من صُوَرِهِ: أ- أن يحذف جميع الإسناد، ثم يقال مثلا: "قال رسول الله ﷺ : كذا". ب- ومنها: أن يحذف كل الإسناد إلا الصحابي، أو إلا الصحابي والتابعي٢.

стр. 77

٤- مثاله: ما أخرجه البخاري في مقدمة باب ما يذكر في الفخذ: "وقال أبو موسى: غطى النبي ﷺ ركبتيه حين دخل عثمان"١. فهذا حديث معلق؛ لأن البخاري حذف جميع إسناده إلا الصحابي، وهو أبو موسى الأشعري. ٥- حكمه: الحديث المعلق مردود؛ لأنه فقد شرطا من شروط القبول، وهو اتصال السند، وذلك بحذف راوٍ أو أكثر من إسناده، مع عدم علمنا بحال ذلك الراوي المحذوف. ٦- حكم المعلقات في الصحيحين: هذا الحكم -وهو أن المعلق مردود- هو للحديث المعلق مطلقا، لكن إن وجد المعلق في كتاب التزمت صحته -كالصحيحين- فهذا له حكم خاص، قد مر بنا في بحث الصحيح٢، ولا بأس بالتذكير به هنا، وهو أن: أ- ما ذكر بصيغة الجزم: كـ "قال"، و"ذكر"، و"حكى" فهو حكم بصحته عن المضاف إليه. ب- وما ذكر بصيغة التمريض: كـ "قيل"، و"ذكر"، و"حُكِيَ"؛ فليس فيه حكم بصحته عن المضاف إليه. بل فيه

стр. 78

الصحيح والحسن والضعيف، لكن ليس فيه حديث واهٍ؛ لوجوده في الكتاب المسمى بالصحيح١. وطريق معرفة الصحيح من غيره هو البحث عن إسناد هذا الحديث، والحكم عليه بما يليق به٢.

стр. 79

٢- المرسل: ١- تعريفه: أ- لغةً: هو اسم مفعول من "أرسل" بمعنى "أطلق"، فكان المرسِل أطلق الإسناد ولم يقيده براو معروف. ب- اصطلاحًا: هو ما سقط من آخر إسناده مَنْ بعد التابعي١. ٢- شرح التعريف: أي هو الحديث الذي سقط من إسناده الراوي الذي بعد التابعي، والذي بعد التابعي هو الصحابي، وآخر الإسناد هو طرفه الذي فيه الصحابي. ٣- صورته: وصورته: أن يقول التابعي -سواء كان صغيرا أو كبيرا- قال رسول الله ﷺ : كذا، أو فعل كذا، أو فُعِل بحضرته كذا، وهذه صورة المرسل عند المحدثين. ٤- مثاله: ما أخرج مسلم في صحيحه، في كتاب البيوع قال: "حدثني محمد بن رافع، ثنا حجين، ثنا الليث، عن عقيل، عن ابن

стр. 80

شهاب، عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع المزابنة"١. فسعيد بن المسيب تابعي كبير، روى هذا الحديث عن النبي ﷺ بدون أن يذكر الواسطة بينه وبين النبي ﷺ ، فقد أسقط من إسناد هذا الحديث آخره, وهو من بعد التابعي، وأقل هذا السقط أن يكون قد سقط الصحابي، ويحتمل أن يكون قد سقط معه غيره، كتابعي مثلا. ٥- المرسل عند الفقهاء والأصوليين: ما ذكرته من صورة المرسل هو المرسل عند المحدثين، أما المرسل عند الفقهاء والأصوليين فأعم من ذلك، فعندهم أن كل منقطع مرسل على أي وجه كان انقطاعه، وهذا مذهب الخطيب أيضا. ٦- حكمه: المرسل في الأصل ضعيف مردود؛ لفقده شرطا من شروط المقبول، وهو اتصال السند، وللجهل بحال الراوي المحذوف؛ لاحتمال أن يكون المحذوف غير صحابي، وفي هذه الحال يحتمل أن يكون ضعيفا.

стр. 81

لكن العلماء من المحدثين وغيرهم اختلفوا في حكم المرسل، والاحتجاج به؛ لأن هذا النوع من الانقطاع يختلف عن أي انقطاع آخر في السند؛ لأن الساقط منه غالبا ما يكون صحابيا، والصحابة كلهم عدول، لا يضر عدم معرفتهم. ومجمل أقوال العلماء في المرسل ثلاثة أقوال، هي: أ- ضعيف مردود: وهذا عند جمهور المحدثين، وكثير من أصحاب الأصول والفقهاء. وحجة هؤلاء هو الجهل بحال الراوي المحذوف؛ لاحتمال أن يكون غير صحابي. ب- صحيح يحتج به: وهذا عند الأئمة الثلاثة -أبي حنيفة، ومالك، وأحمد في المشهور عنه- وطائفة من العلماء، بشرط أن يكون المرسِل ثقة، ولا يرسل إلا عن ثقة. وحجتهم أن التابعي الثقة لا يستحل أن يقول: قال رسول الله ﷺ إلا إذا سمعه من ثقة. ج- قبوله بشروط: أي يصح بشروط، وهذا عند الشافعي، وبعض أهل العلم؛ وهذه الشروط أربعة؛ ثلاثة في الراوي المرسِل، وواحد في الحديث المرسَل، وإليك هذه الشروط: ١- أن يكون المرسِل من كبار التابعين. ٢- وإذا سمى من أرسل عنه سمى ثقة. أي إذا سئل عن اسم الراوي الذي حذفه، فإنه يذكر اسم شخص ثقة.

стр. 82

٣- وإذا شاركه الحفاظ المأمونون لم يخالفوه. أي أن الراوي المرسِل ضابط تام الضبط، بحيث إذا شاركه الرواة الضابطون يوافقون على روايته. ٤- وأن ينضم إلى هذه الشروط الثلاثة واحد مما يلي: أ- أن يروى الحديث من وجه آخر مسندا. ب- أو يروى من وجه آخر مرسَلا أرسله من أخذ العلم عن غير رجال المرسِل الأول. ج- أو يوافق قول صحابي. د- أو يفتي بمقتضاه أكثر أهل العلم١. فإذا تحققت هذه الشروط تبين صحة مَخرَج المرسَل وما عضده، وأنهما صحيحان، لو عارضهما حديث صحيح من طريق واحد رجحناهما عليه بتعدد الطرق إذا تعذر الجمع بينهما. هذا ويمكن توضيح هذه الأمور التي ينبغي أن ينضم واحد منها إلى الشروط الثلاثة السابقة بما يلي: أ- حديث مرسل + حديث مسند= صحيح. ب- حديث مرسل + حديث مرسل= صحيح. ج- حديث مرسل + قول صحابي= صحيح. د- حديث مرسل + فتوى أكثر العلماء= صحيح.

стр. 83

٧- مرسَل الصحابي: هو ما أخبر به الصحابي عن قول الرسول ﷺ أو فعله، ولم يسمعه أو يشاهده؛ إما لصغر سنه، أو تأخر إسلامه، أو غيابه، ومن هذا النوع أحاديث لصغار الصحابة؛ كابن عباس، وابن الزبير، وغيرهما. ٨- حكم مرسَل الصحابي: القول الصحيح المشهور الذي قطع به الجمهور أنه صحيح محتجٌّ به؛ لأن رواية الصحابة عن التابعين نادرة، وإذا رووا عنهم بينوها، فإذا لم يبينوا، وقالوا: قال رسول الله، فالأصل أنهم سمعوها من صحابي آخر، وحذف الصحابي لا يضر، كما تقدم. وقيل: إن مرسَل الصحابي كمرسَل غيره في الحكم، وهذا القول ضعيف مردود. ٩- أشهر المصنفات فيه: أ- المراسيل، لأبي داود. ب- المراسيل، لابن أبي حاتم. ج- جامع التحصيل لأحكام المراسيل، للعلائي١.

стр. 84

٣- المعضل: ١- تعريفه: أ- لغةً: اسم مفعول من "أعضله" بمعنى أعياه. ب- اصطلاحًا: ما سقط من إسناده اثنان فأكثر على التوالي١. ٢- مثاله: "ما رواه الحاكم في "معرفة علوم الحديث" بسنده إلى القعنبي عن مالك أنه بلغه أن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق". قال الحاكم: هذا معضل عن مالك، أعضله هكذا في الموطأ"٢. فهذا الحديث معضل؛ لأنه سقط منه اثنان متواليان بين مالك وأبي هريرة. وقد عرفنا أنه سقط منه اثنان متواليان من رواية الحديث خارج الموطأ هكذا " ... عن مالك عن محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة"٣. ٣- حكمه: المعضل حديث ضعيف، وهو أسوأ حالا من المرسل

стр. 85

والمنقطع١، وذلك لكثرة المحذوفين من الإسناد، وهذا الحكم على المعضل بإجماع العلماء. ٤- اجتماعه مع بعض صور المعلق: إن بين المعضل وبين المعلق عموما وخصوصا من وجه: أ- فيجتمع المعضل مع المعلق في صورة واحدة، وهي: إذا حذف من مبدأ إسناده راويان متواليان. فهو معضل ومعلق في آن واحد. ب- ويفارقه في صورتين: ١- إذا حذف من وسط الإسناد راويان متواليان، فهو معضل، وليس بمعلق. ٢- إذا حذف من مبدأ الإسناد راوٍ فقط، فهو معلق، وليس بمعضل. ٥- من مظانِّ المعضل: قال السيوطي٢: من مظانِّ المعضل والمنقطع والمرسل: أ- كتاب السنن، لسعيد بن منصور. ب- مؤلفات ابن أبي الدنيا.

стр. 86

٤- المنقطع: ١- تعريفه: أ- لغة: هو اسم فاعل من "الانقطاع" ضد الاتصال. ب- اصطلاحا: ما لم يتصل إسناده، على أي وجه كان انقطاعه١. ٢- شرح التعريف: يعني أن كل إسناد انقطع من أي مكان كان؛ سواء كان الانقطاع من أول الإسناد، أو من آخره، أو من وسطه، فيدخل فيه -على هذا- المرسل والمعلق والمعضل، لكن علماء المصطلح المتأخرين خصوا المنقطع بما لم تنطبق عليه صورة المرسل، أو المعلق، أو المعضل، وكذلك كان استعمال المتقدمين، في الغالب. ولذلك قال النووي: "وأكثر ما يستعمل في رواية من دون التابعي عن الصحابي، كمالك عن ابن عمر"٢. ٣- المنقطع عند المتأخرين من أهل الحديث: هو ما لم يتصل إسناده، مما لا يشمله اسم المرسل، أو المعلق، أو المعضل. فكأن المنقطع اسم عام لكل انقطاع في

стр. 87

السند، ما عدا صورًا ثلاثًا من صور الانقطاع، وهي: حذف أو الإسناد، أو حذف آخره، أو حذف اثنين متواليين من أي مكان كان، وهذا هو الذي مشى عليه الحافظ ابن حجر في النخبة وشرحها١. ثم إنه قد يكون الانقطاع في مكان واحد من الإسناد، وقد يكون في أكثر من مكان واحد، كأن يكون الانقطاع في مكانين أو ثلاثة مثلا. ٤- مثاله: ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن حذيفة مرفوعا: "إن وليتموها أبا بكر فقوي أمين"٢. فقد سقط من هذا الإسناد رجل من وسطه، وهو "شريك" سقط من بين الثوري وأبي إسحاق؛ إذ إن الثوري لم يسمع الحديث من أبي إسحاق مباشرة، وإنما سمعه من شريك، وشريك سمعه من أبي إسحاق. فهذا الانقطاع لا ينطبق عليه اسم المرسل، ولا المعلق، ولا المعضل، فهو منقطع. ٥- حكمه: المنقطع ضعيف بإجماع العلماء لفقده شرطا من شروط القبول، وهو اتصال السند، وللجهل بحال الراوي المحذوف.

стр. 88

ب- أنواع السقط الخفي: ١- المدلَّس: ١- تعريف التدليس: أ- لغةً: المدلس: اسم مفعول، من "التدليس" والتدليس في اللغة: كتمان عيب السلعة عن المشتري، وأصل التدليس مشتق من "الدلس" وهو الظلمة، أو اختلاط الظلام، كما في القاموس١؛ فكأن المدلس لتغطيته على الواقف على الحديث أظلم أمره، فصار الحديث مدلسا. ب- اصطلاحا: إخفاء عيب في الإسناد، وتحسين لظاهره٢. ٢- شرح التعريف: أي أن يستر المدلِّس العيب الذي في الإسناد، وهو الانقطاع في السند، فيسقط المدلِّس شيخه، ويروي عن شيخ شيخه ويحتال في إخفاء هذا الإسقاط، ويحسن ظاهر الإسناد بأن يوهم الذي يراه بأنه متصل، لا سقط فيه. ٣- أقسام التدليس: للتدليس قسمان رئيسيان هما: تدليس الإسناد، وتدليس الشيوخ.

стр. 89

٤- تدليس الإسناد: لقد عرف علماء الحديث هذا النوع من التدليس بتعريفات مختلفة، وسأختار أصحها وأدقها -في نظري- وهو تعريف الإمامين أبي بكر أحمد بن عمرو البزار، وأبي الحسن بن القطان. وهذا التعريف هو: أ- تعريفه: أن يروي الراوي عمن قد سمع منه ما لم يسمع منه، من غير أن يذكر أنه سمعه منه١. ب- شرح التعريف: ومعنى هذا التعريف أن تدليس الإسناد: أن يروي الراوي عن شيخ قد سمع منه بعض الأحاديث، لكن هذا الحديث الذي دلسه لم يسمعه منه، وإنما سمعه من شيخ آخر عنه، فيسقط ذلك الشيخ، ويرويه عن الشيخ الأول بلفظ محتمل للسماع وغيره، كـ "قال" أو "عن" ليوهم غيره أنه سمعه منه. لكن لا يصرح بأنه سمع منه هذا الحديث، فلا يقول: "سمعت" أو "حدثني" حتى لا يصير كذابا بذلك، ثم قد يكون الذي أسقطه واحدًا أو أكثر. ج- الفرق بينه وبين الإرسال الخفي: قال أبو الحسن بن القطان بعد ذكره للتعريف السابق: "والفرق بينه وبين الإرسال هو: أن الإرسال روايته عمن لم يسمع منه".

стр. 90

وإيضاح ذلك: أن كلا من المدلِّس والمرسِل إرسالا خفيا يروي عن شيخ شيئا لم يسمعه منه، بلفظ يحتمل السماع وغيره، لكن المدلس قد سمع من ذلك الشيخ أحاديث غير التي دلسها، على حين أن المرسل إرسالا خفيا لم يسمع من ذلك الشيخ أبدًا، لا الأحاديث التي أرسلها ولا غيرها، لكنه عاصره أو لقيه. د- مثاله: ما أخرجه الحاكم١، بسنده إلى علي بن خشرم قال: "قال لنا ابن عيينة: عن الزهري، فقيل له: سمعته من الزهري؟ فقال: لا، ولا ممن سمعه من الزهري. حدثني عبد الرزاق عن معمر عن الزهري" ففي هذا المثال أسقط ابن عيينة اثنين بينه وبين الزهري. ٥- تدليس التسوية: هذا النوع من التدليس هو في الحقيقة نوع من أنواع تدليس الإسناد. أ- تعريفه: هو رواية الراوي عن شيخه، ثم إسقاط راوٍ ضعيف بين ثقتين لقي أحدهما الآخر. وصورة ذلك: أن يروي الراوي حديثا عن شيخ ثقة، وذلك الثقة يرويه عن ضعيف، عن ثقة، ويكون الثقتان قد لقي أحدهما الآخر، فيأتي المدلس الذي سمع الحديث من الثقة

стр. 91

الأول، فيسقط الضعيف الذي في السند، ويجعل الإسناد عن شيخه الثقة، عن الثقة الثاني، بلفظ محتمل، فيسوي الإسناد كله ثقات. وهذا النوع من التدليس شر أنواع التدليس؛ لأن الثقة الأول قد لا يكون معروفا بالتدليس، ويجده الواقف على السند كذلك بعد التسوية قد رواه عن ثقة آخر، فيحكم له بالصحة. وفيه غرر شديد. ب- أشهر من كان يفعله، هما: ١- بقية بن الوليد. قال أبو مسهر: "أحاديث بقية ليست نقية، فكن منها على تقية"١. ٢- الوليد بن مسلم. ج- مثاله: ما رواه ابن أبي حاتم في "العلل" قال: "سمعت أبي -وذكر الحديث الذي رواه إسحاق بن راهويه، عن بقية قال: حدثني أبو وهب الأسدي عن نافع، عن ابن عمر، حديث: "لا تحمدوا إسلام المرء حتى تعرفوا عقدة رأيه"- قال أبي: هذا الحديث له أمر قل من يفهمه. روى هذا الحديث عبيد الله بن عمرو، عن إسحاق بن أبي فروة، عن نافع، ثقة ضعيف ثقة

стр. 92

عن ابن عمر، عن النبي ﷺ . وعبيد الله بن عمرو، كنيته أبو وهب، وهو أسدي، فكناه بقية ونسبه إلى بني أسد كي لا يفطن له، حتى إذا ترك إسحاق بن أبي فروة لا يهتدى له"١. ٦- تدليس الشيوخ: أ- تعريفه: هو أن يروي الراوي عن شيخ حديثا سمعه منه، فيسميه، أو يكنيه، أو ينسبه، أو يصفه بما لا يعرف به كي لا يعرف٢. ٧- شرح التعريف: أي أن يروي الراوي المدلس عن شيخ حديثا سمعه منه، يعني لا يوجد إسقاط ولا حذف في تدليس الشيوخ، لكن يوجد تمويه وتغطية لاسم الشيخ، أو كنيته، أو نسبته، أو صفته. وتوضيح ذلك: أن يكون: ١- اسم الشيخ: محمود بن أحمد الطحان. ٢- وكنيته: أبو حفص. ٣- ونسبته: الطحان.

стр. 93

٤- ومن صفاته: أن لحيته بيضاء. فيأتي المدلس فيقول: حدثني: ١- ابن أحمد. ٢- أو "أبو سهيل". ٣- أو "محمود الحلبي". ٤- أو "ذو اللحية البيضاء". فهذه الأمور تنطبق على الشيخ، وذلك لأنه: ١- بالنسبة للاسم: هو ابن أحمد حقيقة. ٢- وبالنسبة للكنية: فهو أبو سهيل؛ لأن سهيلا ابن من أبنائه. ٣- وبالنسبة للنسبة: فهو حلبي؛ لأنه من مدينة حلب. ٤- وبالنسبة لصفته: فهو ذو لحية بيضاء حقيقة. ولكن الشيخ لا يعرف بين الناس بهذه الأسماء، فتسميته بها نوع من الإخفاء والتدليس لاسم الشيخ، وهذا هو الذي يريده المدلس؛ يصفه بما لا يعرف به كي لا يعرف؛ وذلك لوجود عيب فيه؛ كضعف، أو صغر سن، أو غير ذلك. ب- مثاله: قول أبي بكر بن مجاهد، أحد أئمة القراء: "حدثنا عبد الله بن أبي عبد الله، يريد به أبا بكر بن أبي داود السجستاني". ٨- حكم التدليس:

стр. 94

أ- أما تدليس الإسناد: فمكروهٌ جدًّا. ذمه أكثر العلماء، وكان شعبة من أشدهم ذمًّا له، فقال فيه أقوالا، منها: "التدليس أخو الكذب". ب- وأما تدليس التسوية: فهو أشد كراهة منه، حتى قال العراقي: "إنه قادح فيمن تعمد فعله". ج- وأما تدليس الشيوخ: فكراهته أخف من تدليس الإسناد؛ لأن التدليس لم يسقط أحدا، وإنما الكراهة بسبب تضييع المروي عنه، وتوعير طريق معرفته على السامع، وتختلف الحال في كراهته بحسب الغرض الحامل عليه. ٩- الأغراض الحاملة على التدليس: أ- الأغراض الحاملة على تدليس الشيوخ أربعة، وهي: ١- ضعف الشيخ، أو كونه غير ثقة. ٢- تأخر وفاة الشيخ، بحيث شارك الطالب في السماع منه جماعة جاءوا بعد هذا الطالب. ٣- صغر سن الشيخ، بحيث يكون أصغر من الراوي عنه. ٤- كثرة الرواية عن الشيخ، فلا يحب الإكثار من ذكر اسم شيخه على صورة واحدة. ب- الأغراض الحاملة على تدليس الإسناد خمسة، وهي: ١- توهيم علو الإسناد؛ أي أن يوهم الناس أن إسناده عالٍ.

стр. 95

٢- فوات شيء من الحديث عن شيخ سمع منه الكثير. ٣، ٤، ٥- الأغراض الثلاثة الأولى المذكورة في تدليس الشيوخ. ١٠- أسباب ذمِّ المدلِّس: ثلاثة وهي: أ- إيهامه السماع ممن لم يسمع منه. ب- عدوله عن الكشف إلى الاحتمال. ج- علمه بأنه لو ذكر الذي دلس عنه لم يكن مرضيا١. ١١- حكم رواية المدلس: اختلف العلماء في قبول رواية المدلس على أقوال؛ أشهرها قولان، وهما: أ- رد رواية المدلس مطلقا، وإن بَيَّنَ السماع؛ لأن التدليس نفسه جرح. "وهذا القول غير معتمد". ب- التفصيل: "وهو القول الصحيح". ١- إن صرح بالسماع قبلت روايته، أي إن قال: "سمعت" أو نحوها قبل حديثه. ٢- وإن لم يصرح بالسماع لم تقبل روايته، أي إن قال: "عن" ونحوها لم يقبل٢ حديثه.

стр. 96

١٢- بم يعرف التدليس؟ يعرف التدليس بأحد أمرين، هما: أ- إخبار المدلس نفسه -إذا سئل- أنه دلس، كما جرى لابن عيينة. ب- نص إمام من أئمة هذا الشأن؛ بناءً على معرفته ذلك من البحث والتتبع. ١٣- أشهر المصنفات في التدليس والمدلسين: هناك مصنفات في التدليس والمدلسين كثيرة، أشهرها: أ- ثلاثة مصنفات للخطيب البغدادي، واحد في أسماء المدلسين، واسمه "التبيين لأسماء المدلسين"١، والآخران أفرد كلا منهما لبيان نوع من أنواع التدليس٢. ب- التبيين لأسماء المدلسين: لبرهان الدين ابن الحلبي "وقد طبعت هذه الرسالة". ج- تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، للحافظ ابن حجر "وقد طبعت أيضا".

стр. 97

٢- المرسَل الخفي: ١- تعريفه: أ- لغة: المرسَل لغة: اسم مفعول من الإسال، بمعنى الإطلاق، كأن المرسِل أطلق الإسناد ولم يصله. والخفي: ضد الجلي؛ لأن هذا النوع من الإرسال غير ظاهر، فلا يدرك إلا بالبحث. ب- اصطلاحا: أن يروي الراوي عمن لقيه، أو عاصره، ما لم يسمع منه، بلفظ يحتمل السماع وغيره كـ "قال"١. ٢- مثاله: ما رواه ابن ماجه من طريق عمر بن عبد العزيز، عن عقبة بن عامر مرفوعا: "رحم الله حارس الحرس"٢؛ فإن عمر لم يلقَ عقبة، كما قال المزي في الأطراف. ٣- بم يُعرَف الإرسال الخفي؟ يُعرَف الإرسال الخفي بأحد أمور ثلاثة، وهي: أ- نص بعض الأئمة على أن هذا الراوي لم يلقَ من حدَّث عنه، أو لم يسمع منه مطلقا.

стр. 98

ب- إخباره عن نفسه بأنه لم يلق من حدث عنه، أو لم يسمع منه شيئا. ج- مجيء الحديث من وجه آخر، فيه زيادة شخص بين هذا الراوي، وبين من روي عنه. وهذا الأمر الثالث فيه خلاف للعلماء؛ لأنه قد يكون من نوع "المزيد في متصل الأسانيد". ٤- حكمه: هو ضعيف؛ لأنه من نوع المنقطع، فإذا ظهر انقطاعه، فحكمه حكم المنقطع. ٥- أشهر المصنفات فيه: كتاب "التفصيل لمبهم المراسيل"، للخطيب البغدادي.

стр. 99

ملحقات الحديث المنقطع: المعنعن، والمؤنن: ١- تمهيد: لقد انتهت أنواع المردود الستة التي سبب ردها سقط من الإسناد، لكن لما كان المعنعن والمؤنن مختلفا فيهما، هل هما من نوع المنقطع، أو المتصل، لذا رأيت إلحاقهما بأنواع المردود بسبب سقط من الإسناد. ٢- تعريف المعنعن: أ- لغة: المعنعن: اسم مفعول من "عنعن" بمعنى قال: "عن، عن". ب- اصطلاحا: قول الراوي: فلان عن فلان١ ٣- مثاله: ما رواه ابن ماجه قال: "حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا معاوية بن هشام، ثنا سفيان، عن أسامة بن زيد، عن عثمان بن عروة، عن عروة، عن عائشة. قالت: قال رسول الله ﷺ : "إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف"٢.

стр. 100

٤- هل هو من المتصل أم المنقطع؟: اختلف العلماء فيه على قولين: أ- قيل إنه منقطع حتى يتبين اتصاله. وهذا القول غير معتمد. ب- والقول الصحيح الذي عليه العمل، وقاله الجماهير من أصحاب الحديث والفقه والأصول: إنه متصل بشروط، اتفقوا على شرطين منها، واختلفوا في اشتراط ما عداهما؛ أما الشرطان اللذان اتفقوا على أنه لا بد منهما -ومذهب مسلم الاكتفاء بهما- فهما: ١- ألا يكون المعنعن مدلسا. ٢- أن يمكن لقاء بعضهم بعضا. أي لقاء المعنعِن بمن عنعن عنه. وأما الشروط التي اختلفوا على اشتراطها زيادة على الشرطين السابقين فهي: ١- ثبوت اللقاء: وهو قول البخاري وابن المديني والمحققين. ٢- طول الصحبة: وهو قول أبي المظفر السمعاني. ٣- معرفته بالرواية عنه: وهو قول أبي عمرو الداني. ٥- تعريف المؤنَّن: أ- لغة: اسم مفعول من "أنَّن" بمعنى قال: "أن، أن". ب- اصطلاحا: وهو قول الراوي: حدثنا فلان أن فلانا قال ...

стр. 101

٦- حكم المؤنَّن: أ- قال أحمد وجماعة: هو منقطع حتى يتبين اتصاله، وهذا القول غير معتمد. ب- وقال الجمهور: "أن" كـ "عن" ومطلقه محمول على الاتصال والسماع بالشروط المتقدمة. أي أن "المؤنن" كـ"المعنعن" في الحكم، وبالشروط نفسها المذكورة في نوع المعنعن.

стр. 102

المقصد الثالث: المردود بسبب طعن في الراوي ١- المراد بالطعن في الراوي: المراد بالطعن في الراوي جرحه باللسان، والتكلم فيه من ناحية عدالته ودينه، أو من ناحية ضبطه وحفظه. ٢- أسباب الطعن في الراوي: أسباب الطعن في الراوي عشرة أسباب؛ خمسة منها تتعلق بالعدالة، وخمسة منها تتعلق بالضبط. أ- أما التي تتعلق بالطعن في العدالة فهي: ١- الكذب. ٢- التهمة بالكذب. ٣- الفسق. ٤- البدعة. ٥- الجهالة "أي جهالة العين". ب- وأما التي تتعلق بالطعن في الضبط فهي: ١- فحش الغلط. ٢- سوء الحفظ. ٣- الغفلة. ٤- كثرة الأوهام. ٥- مخالفة الثقات. وسأذكر أنواع الحديث المردود بكل بسبب من هذه الأسباب على التوالي، مبتدئا بالسبب الأشد طعنا وهو الكذب.

стр. 103

الموضوع: إذا كان سبب الطعن في الراوي هو الكذب على رسول الله ﷺ ، فحديثه يسمى "الموضوع". ١- تعريفه: أ- لغة: هو اسم مفعول، من "وضع الشيء" أي "حطه"؛ سمي بذلك لانحطاط رتبته. ب- اصطلاحا: هو الكذب، المختلق، المصنوع، المنسوب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم١. ٢- رتبته: هو شر الأحاديث الضعيفة، وأقبحها، وبعض العلماء يعده قسما مستقلا، وليس نوعا من أنواع الأحاديث الضعيفة. ٣- حكم روايته: أجمع العلماء على أنه لا تحل روايته لأحد علم حاله في أي معنى كان إلا مع بيان وضعه، لحديث مسلم: "من حدث عني بحديث يُرَى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" ٢.

стр. 104

٤- طرق الوضاعين في صياغة الحديث: للوضاعين في صياغة الحديث طريقان: أ- إما أن ينشئ الوضاع الكلام من عنده، ثم يضع له إسنادا ويرويه. ب- وإما أن يأخذ كلاما لبعض الحكماء، أو غيرهم، ويضع له إسنادا. ٥- كيف يعرف الحديث الموضوع؟ يعرف الحديث الموضوع من دون النظر في إسناده بأمور؛ منها: أ- إقرار الواضع بالوضع: كإقرار أبي عصمة نوح بن أبي مريم بأنه وضع حديث فضائل سور القرآن سورة سورة، عن ابن عباس. ب- أو ما يتنزل منزلة إقراره: كأن يحدث عن شيخ، فيسأل عن مولده هو، فيذكر تاريخا تكون وفاة ذلك الشيخ قبل مولده هو، ولا يعرف ذلك الحديث إلا عنده. ج- أو قرينة في الراوي: مثل أن يكون الراوي رافضيا، والحديث في فضائل أهل البيت. د- أو قرينة في المروي: مثل كون الحديث ركيك اللفظ، أو مخالفا للحس، أو مخالفا لصريح القرآن.

стр. 105

٦- دواعي الوضع، وأصناف الوضاعين: لوضع الحديث دواعٍ كثيرة تدعو الوضاع لوضعه، فمن أبرزها ما يلي: ١- التقرب على الله تعالى: وذلك بوضع أحاديث ترغب الناس في الخيرات، وأحاديث تخوفهم من فعل المنكرات، وهؤلاء الوضاعون قوم ينتسبون إلى الزهد والصلاح، وهم شر الوضاعين؛ لأن الناس قبلت موضوعاتهم ثقة بهم. ومن هؤلاء: ميسرة بن عبد ربه، فقد روى ابن حبان في الضعفاء عن ابن مهدي قال: "قلت لميسرة بن عبد ربه: من أين جئت بهذه الأحاديث: من قرأ كذا فله كذا؟ قال: وضعتها أرغب الناس"١. ٢- الانتصار للمذهب: لا سيما مذاهب الفرق السياسية، وذلك بعد ظهور الفتنة، وظهور الفرق السياسية، كالخوارج، والشيعة، فقد وضعت كل فرقة من الأحاديث ما يؤيد مذهبها، كحديث: "علي خير البشر، من شك فيه كفر". ٣- الطعن في الإسلام: وهؤلاء الوضاعون قوم من الزنادقة لم يستطيعوا أن يكيدوا للإسلام جهارا، فعمدوا إلى هذا الطريق الخبيث، فوضعوا جملة من الأحاديث بقصد

стр. 106

تشويه الإسلام والطعن فيه، ومن هؤلاء: محمد بن سعيد الشامي، المصلوب في الزندقة، فقد روى عن حميد، عن أنس، مرفوعا: "أنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، إلا أن يشاء الله"١، ولقد بين جهابذة الحديث أمر هذه الأحاديث، ولله الحمد والمنة. ٤- التزلف إلى الحكام: أي تقرب بعض ضعفاء الإيمان إلى بعض الحكام بوضع أحاديث تناسب ما عليه الحكام من الانحراف، مثل قصة غياث بن إبراهيم النخعي الكوفي مع أمير المؤمنين المهدي، حين دخل عليه وهو يلعب بالحمام، فساق بسنده على التوِّ إلى النبي ﷺ أنه قال: "لا سبق إلا في نصلٍ، أو خفٍّ، أو حافرٍ، أو جناح" فزاد كلمة "أو جناح" لأجل المهدي، فعرف المهدي ذلك، فأمر بذبح الحمام، وقال: أنا حملته على ذلك. وطرد هذا الوضاع المتزلف، وعامله بعكس قصده. ٥- التكسب وطلب الرزق: كبعض القصاص الذين يتكسبون بالتحدث إلى الناس، فيوردون بعض القصص المسلية والعجيبة، حتى يستمع إليهم الناس ويعطوهم، كأبي سعيد المدائني. ٦- قصد الشهرة: وذلك بإيراد الأحاديث الغريبة التي لا توجد عند أحد من شيوخ الحديث، فيقلبون سند الحديث

стр. 107

ليستغرب، فيرغب في سماعه منهم، كابن أبي دحية وحماد النصيبي١. ٧- مذاهب الكرامية في وضع الحديث: زعمت فرقة من المبتدعة، سموا بالكرامية، جواز وضع الأحاديث في باب الترغيب والترهيب فقط، واستدلوا على ذلك بما روي في بعض طرق حديث: "من كذب علي متعمدا" من زيادة جملة: "ليضل الناس"؛ ولكن هذه الزيادة لم تثبت عند حفاظ الحديث. وقال بعضهم: "نحن نكذب له، لا عليه" وهذا الاستدلال في غاية السخف؛ فإن النبي ﷺ لا يحتاج شرعه إلى كذابين ليروجوه. وهذا الزعم خلاف إجماع المسلمين، حتى بالغ الشيخ أبو محمد الجويني، فجزم بتكفير واضع الحديث. ٨- خطأ بعض المفسرين في ذكر بعض الأحاديث الموضوعة في تفاسيرهم: لقد أخطأ بعض المفسرين في ذكرهم أحاديث موضوعة في تفاسيرهم من غير بيان وضعها. لا سيما الحديث المروي عن أبي بن كعب في فضائل القرآن سورة سورة، ومن هؤلاء المفسرين: أ- الثعلبي. ب- الواحدي.

стр. 108

ج- الزمخشري. د- البيضاوي. هـ- الشوكاني. ٩- أشهر المصنفات فيه: أ- كتاب الموضوعات: لابن الجوزي، وهو من أقدم ما صنف في هذا الفن، لكنه متساهل في الحكم على الحديث بالوضع، لذا انتقده العلماء وتعقبوه. ب- اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة: للسيوطي، وهو اختصار لكتاب ابن الجوزي، وتعقيب عليه، وزيادات لم يذكرها ابن الجوزي. ج- تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الشنيعة الموضوعة: لابن عراق الكناني، وهو تلخيص لسابقيه، وهو كتاب حافل مهذب مفيد.

стр. 109

المتروك ١: إذا كان سبب الطعن في الراوي هو التهمة بالكذب -وهو السبب الثاني- سمي حديثه: المتروك. ١- تعريفه: أ- لغة: اسم مفعول من "الترك" وتسمي العرب البيضة بعد أن يخرج منها الفرخ "التريكة" أي متروكة، لا فائدة منها٢. ب- اصطلاحا: هو الحديث الذي في إسناده راوٍ متهم بالكذب٣. ٢- أسباب اتهام الراوي بالكذب: أسباب اتهام الراوي بالكذب أحد أمرين؛ هما: أ- ألا يروى ذلك الحديث إلا من جهته، ويكون مخالفا للقواعد المعلومة٤.

стр. 110

ب- أن يعرف الراوي بالكذب في كلامه العادي، لكن لم يظهر منه الكذب في الحديث النبوي. ٣- مثاله: حديث عمرو بن شمر الجعفي الكوفي، عن جابر، عن أبي الطفيل، عن علي وعمار قالا: كان النبي ﷺ يقنت في الفجر، ويكبر يوم عرفة من صلاة الغداة، ويقطع صلاة العصر آخر أيام التشريق. وقد قال النسائي والدارقطني وغيرهما من عمرو بن شمر: "متروك الحديث"١. ٤- رتبته: مر بنا أن شر الضعيف الموضوع، ويليه المتروك، ثم المنكر، ثم المعلل، ثم المدرج، ثم المقلوب، ثم المضطرب. كذا رتبه الحافظ ابن حجر٢.
следующие страницы →