← Язык

Язык · id 8709

الآثار التربوية لدراسة اللغة العربية

خالد بن حامد الحازمي

Полный текст (90 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمة الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد: تعتبر اللغة بصفة عامة الوعاء الذي يحتضن ويحمل العلم، ويُنْتَقَلُ به من مكان إلى مكان، ومن زمن لآخر، ولولا نعمة اللغة التي امتنّ الله بها على عباده، لما توارثت الأمم حضارات غيرها، واستفادت من عِبَرِ الأحداث وما تفتقت عنه عقول العقلاء في كل فن وعلم. وخصت اللغة العربية من بين لغات العالمين بخصائص انفردت بها عن غيرها، سَمَتْ بها عن لغات الدنيا، وأصبحت بينها كالقمر بين الكواكب تتضاءل الأنوار من حولها، وكأنها القطب والكل في فلكها يدور. فهي لغة القرآن الكريم، ولغة خاتم الأنبياء والمرسلين، تغيرت اللغات واندرست أخرى، وهي ثابتة في نمو وازدهار، تأثرت بالفصحاء في جمال تركيب الكلام وحسن البيان، وأثرت في البلغاء، فأمدتهم بأجمل الكلمات وأفصح الألفاظ، حتى وسعت كتاب الله لفظاً وغاية، وما ضاقت عن آية به وعضاة. وإذا لم يكن للعرب تمدن مادي قديم، فإن مدنيتهم قد ظهرت في عنايتهم بلغتهم، حتى كان يندر من يلحن بينهم، ثم أصبح اللحن مثلبة في لسان الفتى. وبهذه اللغة صاغ العرب الحِكَمَ والأمثال، ونظموا الأشعار وتحدثوا بأعذب العبارات، وأجمل الألفاظ، متأثرين بلغتهم العربية التي صنعت فيهم التمدن الفكري والذوقي، يقول مصطفى صادق الرافعي: ولكنا إذا اعتبرنا لغتهم رأينا حقيقة التمدن فيها متمثلة، وشروطه في مجموعها متحققة، فهي منهم بحر الحياة

стр. 2

الذي انصبت فيه جميع العناصر، وانبعث بها هذا التيار العقلي الذي يدفع بعضه بعضاً، وكأنها هي التي كانت تهذب نفوسهم وتزنها، وتعدلها وتخلصها برقة أوضاعها وسمو تراكيبها، حتى ينشأ ناشئهم في نفسه على ما يرى من أوضاع الكمال في لغته؛ لأنه يتلقنها اعتياداً من أبوية وقومه، ولهيَ أقوم على تثقيفهم من المؤدب بأدبه، والمعلم بعلمه وكتبه؛ لأنها حركات نفسية على مدارها انجذاب الطبع فيهم ١. فجاء الإسلام فازدادوا حكمة على حكمتهم، وقدرة لغوية على قدرتهم، فهذب فكرهم، وصقل أذهانهم، فكان أصحاب رسول الله ﷺ خير الناس، وخير الأصحاب، وأفضل من فكر وتدبر ودبر ﵃ أجمعين. وبعد انتشار الإسلام، وتوسع الفتوحات الإسلامية في المشرق والمغرب، ودخول الناس في دين الله أفواجاً، وحصول الاختلاط بين الأجناس المختلفة، ضعف تقويم اللسان وكثر اللحن بين الناس، حتى أصبحت دراسة علوم اللغة العربية في الغالب قائمة على الاستيعاب المؤقت لحين تجاوز الاختبارات الدراسية، بيد أننا نجد اللغة العربية تمتاز بعذوبة ألفاظها، وجمال تراكيبها الكلامية ومحسناتها البديعية، مما يجعل دراستها رغبة في تذوق جمالياتها والتحلي بتطبيقاتها، إضافة إلى آثارها التربوية العميقة في غرس الفضائل الخلقية، ونبذ الرذائل السلوكية، من خلال أدب اللغة العربية الذي يزخر بفيض من الحكم والأمثال والقصائد والنثر الذي يشحذ الهمم نحو اكتساب الفضائل والتمثل بها، من صدق وأمانة وكرم وعفة ونحو ذلك. إضافة إلى أن اللغة العربية كانت ومازالت مأرزاً في حفظ العلم وتسهيله

стр. 3

على طلابه من خلال نظم الكثير من متون العلم في قصائد بديعة جميلة، على ما سيأتي تفصيله في متن هذا البحث. كما أن اللغة العربية وسيلة تربوية للنمو الفكري من حيث توسعة المدارك والخيال، والتأمل والتفكر. فهذه الجوانب التربوية تمثل أهمية كبيرة في البناء العلمي والتربوي، وتحتاج إلى إيضاح وبيان لتسهم في تعزيز دراسة وتدريس اللغة العربة والاهتمام بتفعيل قواعدها وفروع علومها. وأرجو أن يكون هذا البحث مساهمة في بيان أبرز الآثار التربوية للغة العربية وأن يكون عوناً لشحذ الهمم نحو مزيد من العناية بهذه اللغة الشريفة وبتدريسها ودراستها وتفعيلها في حياتنا.

стр. 4

الفصل الأول: مدخل الدراسة . المبحث الأول: الإطار التمهيدي . أهمية الدراسة . ... المبحث الأول: الإطار التمهيدي أهمية الدراسة: تظهر أهمية هذه الدراسة من عدة منطلقات، وهي: - أهمية اللغة العربية والعناية بها. - الضعف التربوي في ميدان ممارسة اللغة العربية. - الحاجة إلى إظهار الخصائص التربوية العظيمة للغة العربية التي تنعكس على المهتم بها في فكره وعلمه وأخلاقه، وذوقه. - حاجة الجهات التعليمية إلى معرفة الآثار التربوية للغة العربية من أجل الاستفادة منها في مجال التدريس، وفي وضع المناهج الدراسية. - حفز المعلمين نحو استشعار وتذوق اللغة العربية من خلال آثارها التربوية، بما ينعكس على طرائق تدريسهم. - المساهمة في حفز الطلاب نحو الاهتمام باللغة العربية من خلال بيان آثارها التربوية العظيمة التي تنعكس عليهم من دراستها. فهذه الزوايا والمنطلقات التربوية تؤكد أهمية التطرق لهذا الموضوع والكشف عن المزايا التربوية للغة العربية وعلومها، والتي يغفل عنها كثير من الناس. حتى لكأن دراستها من قبل الطالب لحصول النجاح بتجاوزها، مصروف النظر عن إدراك أهميتها والحاجة إليها، في حين أن ما تغرسه من آثار تربوية جدير بأن يبذل فيها الدارس وسعه ونشاطه وجهده.

стр. 5

أهداف الدراسة: تهدف هذه الدراسة إلى الوقوف على المضامين الآتية: - إبراز الأهمية التربوية للغة العربية.

стр. 6

- بيان الآثار التربوية للغة العربية في الجانب اللفظي. - توضيح الآثار التربوية للغة العربية في الجانب الفكري. - إبراز الآثار التربوية العلمية للغة العربية. - بيان الآثار الخلقية للغة العربية.

стр. 7

حدود الدراسة: معلومٌ أن ميادين علوم اللغة العربية عديدة ومتفرعة يصعب الخوض فيها بشيء من التفصيل، كما أن المؤثرات التربوية للغة العربية متعددة الجوانب، فتحتاج إلى دراسات متعاقبة ومتظافرة؛ ولذا فقد تم تحديد الدراسة فيما يلي: - الآثار التربوية للغة العربية في مجالي البناء الفكري والعلمي. - الآثار التربوية للغة العربية في الجانب الخلقي والذوق اللفظي. - إبراز تلك الآثار من خلال عموم اللغة العربية، ومجال الأدب اللغوي.

стр. 8

منهج الدراسة: تعتمد هذه الدراسة على المنهج الوصفي والاستنباطي، من خلال استنتاج المؤثرات التربوية من النصوص الأدبية، وخصائص اللغة العربية، بعد الاستفادة من المنهج الوصفي الذي يصف الظاهرة اللغوية وخصائصها.

стр. 9

المبحث الثاني: مفهوم وأهمية اللغة العربية والأدب . مفهوم اللغة . ... المبحث الثاني: مفهوم اللغة العربية وأهميتها: مفهوم اللغة: اللغة: أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم ١. كما تعرف بأنها: نظام صوتي يمتلك سياقاً اجتماعياً وثقافياً، له دلالاته ورموزه، وهو قابل للنمو والتطور ٢. ويتضح من هذين التعريفين أن المقصود باللغة الصوت الذي يحمل رموزاً تعارف جماعة من الناس على دلالاتها. وبالتالي يخرج عن ذلك لغة الإشارة.

стр. 10

الأهمية التربوية للغة: تعتبر اللغة وسيلة التفاهم والتخاطب والتعبير عن ما تكنه النفس البشرية، وما يحمله الإنسان من عواطف ومشاعر تجاه الآخرين وتجاه الأشياء، فهي رأس مطالع العلوم, فقد قيل: "مطالع العلوم ثلاثة: قلب مفكر، ولسان معبر، وبيان مصور"١ وقُسِّمَ الرجال باعتبار الجود إلى ثلاثة: "رجل بنفسه، ورجل بلسانه، ورجل بماله" ٢. فكان اللسان أحد مطالع الجود؛ ولهذا كان الكلام أداة السحر البياني، وقد وفق الشاعر الجاهلي إذ جعل الكلام نصف الحياة الإنسانية، أو أحد أجزئها الثلاثة فقد قال: لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللحم والدم ٣ وبالعبارة الجزلة الجميلة المؤثرة تُستَدر عواطف، ويُجمع بها شتات قلوب

стр. 11

متفرقة، ويجمع بها وعليها كلمة الحق والخير. ومن خلال اللغة يُسَطَّرُ ويُدَوَّنُ بها ما يُراد، ويكتب بحروفها الآثار، والمحامد والمحاسن، وتسجل بها العلوم والتاريخ، وتُنقل بها المعارف والفضائل، وبها تتغذى القلوب والأبصار، بما تحمله من معاني وأفكار وأفهام، وقد قيل في اللغة: (عنان كل صياغة، وزمام كل عبارة، وقسطاس يعرف به الفضل والرجحان، وميزان تعرف به الزيادة والنقصان، به يعرف ربوبية الرب، وحجة الرسل) ١. وقد اهتم سلف الأمة باللغة العربية وعلومها في أنفسهم أولاً، وبتربية أبنائهم عليها ثانياً، فقد كتب عمر إلى أبي موسى ﵄: أما بعد، فتفقهوا في السنة، وتعلموا العربية، وروى عنه أنه قال: رحم الله امرءاً أصلح من لسانه ٢. وقد قيل في شأنها: رأيت لسان المرء رائد عقله ... وعنوانه فانظر بماذا تُعَنْوِنُ ولا تعدُ إصلاح اللسان فإنه ... يخبِّرُ عما عنده ويُبَيِّنُ ويعجبني زِيُّ الفتى وجماله ... فيسقط من عيني ساعة يَلْحَنُ ٣ وكان اللحن مثلبة من مثالب الفتى، لا يرتقي في أعين ذوي الألباب والأفهام حتى يحسن من لسانه، قال ابن الأنباري: " وكيف يكون الخطأ في الكلام مستحسناً والصواب مستسجماً، والعرب تقرب المعربين، وتنتقص اللاحنين، وتبعدهم، فعمر بن الخطاب ﵁ يقول لقوم استقبح رميهم: ما أسوء رميكم، فيقولون: نحن قوم متعلمين، فيقول: لحنكم أشد عليَّ من فساد رميكم، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "رحم الله امرأ أصلح من لسانه" ٤.

стр. 12

ويعتبر اللحن شنيع خاصة في طبقة المتعلمين، يقول شعبة: "مثل الذي يتعلم الحديث، ولا يتعلم النحو، مثل البرنس لا رأس له". وقال المأمون لأحد أولاده وقد سمع منه لحناً: "ما على أحدكم أن يتعلم العربية فيقيم أودَه، ويزين بها مشهده، ويَفَلَّ بها حجج خصمه بمسكتات حُكمه، ويملك مجلس سلطانه بظاهر بيانه، أو يَسُرُّ أحدكم أن يكون لسانه كلسان عبده، أو أمته، فلا يزال الدَّهرَ أسير كلمته"١. وفي عصرنا ازداد الجهل بقواعد اللغة وبأدائها وعلومها وفنونها، وربما أخذت اللغات الأجنبية عناية تربوية تفوق العناية بالعربية، وهي شكوى قديمة الأثر، يقول الإمام الشافعي ﵀: "ما جهل الناس ولا اختلفوا إلا لتركهم لسان العرب، وميلهم إلى لسان أرسطاطا ليس "٢. واللغة العربية لها قيمة ومنزلة تربوية عظيمة، انبثقت من مكانتها العظيمة التي اختصت بها وتميزت، ومن تلك الخصائص التي انفردت بها عن لغات الدنيا قاطبة ما يلي: ١- أنها لغة القرآن الكريم التي وسعت كتاب الله لفظاً وغاية. قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٣. وكثير من قضايا الحياة تتوقف على فهم النصوص الشرعية فهماً صحيحاً دقيقاً؛ ولذلك عني علماء الشريعة بكثير من مسائل الألفاظ ودلالاتها، وبحثوا في العام والخاص والحقيقة والمجاز، والمشترك والمترادف، مع أنها من مسائل علم اللغة؛ لأن استنباط الأحكام من النصوص منوط في كثير من الأحيان بتحديد فهم المسائل اللغوية وتمحيصها وتحليلها ٤.

стр. 13

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "فإن نفس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"١. ٢- أن اللغة العربية هي لغة نبينا محمد ﷺ ، ولغة أصحابه ﵃، وقد اعتنوا بها عناية كبيرة، وهي الوعاء الذي نقل بها إلينا، فسجل حديث رسول الله ﷺ ونُقِل الدين إلينا باللغة العربية، وكُتِبَ الفقه وعلومه بهذه اللغة العربية، وبالتالي فإن فهم الدين من مصادره الأصلية يعتمد على فهم اللغة العربية، ومعرفة معانيها ودلالاتها، وإذا أخفق المرء في فهمها عجز عن فهم معانيها ودلالاتها وربما رفع المنصوب ونصب المرفوع. يقول الكسائي ﵀ ٢: إنما النحو قياس يتبع ... وبه في كل أمر ينتفع وإذا ما أبصر النحو الفتى ... مر في المنطق مراً فاتسع وإذا لم يعرف النحو الفتى ... هاب أن ينطق جبناً فانقمع يقرأ القرآن لا يعلم ما ... صَرَّفَ الإعراب فيه وصنع فتراه يخفظ الرفع وإن ... كان من نصب ومن خفظ رفع ٣- أنها اتصفت بالاعتدال في عدد حروف كلماتها، فأكثرها وضعت على ثلاثة أحرف، وقليل منها أصله رباعي أو خماسي؛ لئلا يطول النطق ويعسر، في حين خرجت بعض اللغات الأخرى عن الاعتدال٣. وفي هذا الاعتدال جوانب تربوية تعليمية مهمة، حيث تساعد متعلمها على

стр. 14

إدراكها وفهمها، ويسهل عليه نطق كلماتها. ٤- ومن خصائص اللغة العربية اتساع معجمها اللفظي، فللمعنى الواحد ألفاظ متعددة، إذا تعسر على المتكلم لفظة أتى بمرادفها، سواء كان مصدر التعسر النسيان، أو عدم القدرة على نطق بعض الحروف ١. وتلك منقبة تربوية لهذه اللغة، إذ تجعل المتكلم بها شجاعاً في خطابه بقدر سعة إلمامه بمفرداتها، فلا يهاب التلعثم، ولا النسيان، وتزيل الخوف عمن يصعب عليه نطق بعض الحروف، حيث من مقدوره أن يعمد إلى مترادفاتها التي خلت مما يعجز عن لفظه من الأحرف. ٥- عذوبة اللغة العربية، وجمال ألفاظها، وحسن تركيب عباراتها على مستوى الجمل أو على مستوى مكونات الكلمة من الحروف، فمن يتتبع تراكيب هذه اللغة ويتدبر أثر الأسباب اللسانية فيها، لا يجد كلاماً يعدل كلام العرب في العذوبة والبيان، وفي الاختصار، ونهج التأليف بين حروف الكلمة الواحدة" ٢. فصفات الحروف يجمعها لقبان: المصمتة والمذلقة. فالمذلقة ستة أحرف: (ب، ر، ف, ل، م، ن) وهي أخف الحروف، وأسهلها وأكثرها امتزاجاً بغيرها لسرعة النطق بها؛ ولذلك كان لابد في كل كلمة على أربعة أحرف أو خمسة، أن يكون فيها مع الحروف المصمتة حرف من الحروف المذلقة، لتعادل خفة المذلق ثقل المصمت ٣.

стр. 15

مفهوم الأدب: الأدب: هو الكلام المنظوم والمنثور، من حيث فصاحته وبلاغته، وغايته الإجادة في فنّي المنظوم والمنثور على أساليب العرب، وتهذيب العقل، وتذكية الجنان ١. وهذا التعريف شامل لكل منظوم، ومنثور من الأدب، سواءً ما التزم بالآداب والفضائل أو ما خرج عنها؛ ولذلك ظهر اصطلاح الأدب الإسلامي الذي يضبط القرائح الأدبية ونتاجها، بالمنهج الإسلامي، وقد عرف الأدب الإسلامي بعدة تعريفات منها: أن الأدب: هو التعبير الفني الهادف عن واقع الحياة والكون والإنسان على وجدان الأديب تعبيراً ينبع من التصور الإسلامي للخالق ومخلوقاته٢. ويعرف أيضاً بأنه: (التعبير الناشئ عن امتلاء النفس بالمشاعر الإسلامية) ٣. فالأدب الإسلامي: هو التزام المنظوم والمنثور من الكلام بأهداب الشريعة الإسلامية. وهذا لا يتأتى إلا إذا اقترنت التربية الإسلامية بتنشئة الأديب تنشئة إسلامية، فامتلأت جوانحه ومشاعره بهدي الإسلام، ففاضت تصوراته ومعالجاته لقضاياه الاجتماعية والأخلاقية وغيرها بآداب الإسلام وهديه. والأدب الجميل هو الذي يأخذ بمدلول ومفهوم البلاغة التي هي (الإيجاز في غير عجز، والإطناب في غير خَطَل. وقيل للأحنف: ما البلاغة؟ قال: الإيجاز في استحكام الحجج، والوقوف عندما يكتفى به) ٤.

стр. 16

الأهمية التربوية لأدب اللغة: أدب اللغة ذلك الثوب اللفظي الجميل، الذي ترتديه المقاصد والمعاني من تراكيب الألفاظ البديعة، فتؤثر في القلوب والعقول بجميل المحسنات اللفظية، والتي يمكن إبراز أهم معالمها التربوية في المحاور التالية: ١- للأسلوب الأدبي تأثير فاعل على النفوس البشرية، ويؤكد ذلك قوله ﷺ : "إن من الشعر حكماً ومن البيان سحراً" ١. فالأدب البناء الذي يشحذ الهمم نحو السمو الخُلُقي، يظهر تأثيره التربوي بتفاعل القلوب والأذهان والأفهام في رحاب ساحته؛ لأن (الأدب الذي يؤثر بشكله الجميل، وأسلوبه البارع، ينقل إلى الأذهان والقلوب والنفوس مضامينه الفكرية والتوجيهية غالباً، فيجعل لها مواطن مستقرة فيها، ثم يجعلها فعّالة وموّجهة للسلوك) ٢. ٢- في الأدب تربية اللسان على استخدام جميل الألفاظ، وأحسن العبارات، وأدق المعاني؛ ولذلك فإن (كلام اللبيب وإن كان نزراً أدب عظيم) ٣. وقد قيل ٤: رأيتُ العز في أدب وعلم ... وفي الجهل المذلة والهوان وما حسن الرجال لهم بفخر ... إذا لم يسعد الحسن البيانُ كفى للمرء عيباً أن تراه ... له وجه وليس له لسانُ

стр. 17

وقال علي بن الجهم ١: لو قيل لي تملك الدنيا بأجمعها ... ولا تكون أديباً تُحسن الأدب لقلت لا ابتغي هذا بذاك ولا ... أرى إلى غيره مستدعياً أربا لجلسة مع أديب في مذاكرة ... أنفي به الهم أو أستجلب الطربا أشهى إلىّ من الدنيا وزخرفها ... ومثلها فضة أو مثلها ذهباً وقد اعتنى الأوائل من سلف الأمة باللغة وآدابها، ومن أولئك الإمام الشافعي ﵀ فعن أبي الوليد بن أبي الجارود، قال: "ما رأيت أحداً إلا وكتبه أكبر من مشاهدته إلا الشافعي، فإن لسانه أكبر من كتبه"٢. ذلك أن الإمام الشافعي له عناية كبيرة باللغة العربية وعلومها وآدابها ٣. ٣- تربية خصوبة الخيال بأدب اللغة، لما اشتملت: عليه المقطوعات الأدبية من تصوير المعاني وتقريبها من الأفهام بألفاظ وصور في غاية الحسن والإبداع. ٤- الأدب وسيلة إصلاح وتربية وتوجيه لبناء الفضائل الخلقية والتعلق بها، والبعد عن الرذائل السلوكية وهجرها، فكم بيت من الشّعر، أو سطرٍ من النثر غرس في قلوب السامعين فضيلة وصدها عن رذيلة. (وعلماء السلف ﵏ عندما قسموا الأدب إلى: أدب درس وأدب نفس، لاحظوا هذا الجانب التربوي الذي يعني بالسلوك إلى جانب المنافع الأخرى التي يمكن أن يسهم الأدب في إصلاحها) ٤. ٥- تربية الذهن بما اشتمل عليه الأدب اللغوي من الحكم والأمثال التي تفتقت

стр. 18

عن ذوي الألباب من أهل العلم والأدب في شعرهم ونثرهم؛ ولذلك قال أحد الأدباء: "فلسنا إلى ما يمسك أرماقنا من المأكل والمشرب، بأحوج منا إلى ما يثبت عقولنا من الأدب الذي به تفاوت العقول"١. ٦- الأدب وسيلة لتسطير العلم وتدوينه في قوالب لفظية بديعة تجعل المتعلم يقبل عليها بلا ملل، ويدبر عنها في شوق لها، وقد قيل أن من أدب التأليف: "الحرص على إيضاح العبارة وإيجازها، فلا يوضح إيضاحاً ينتهي إلى الركاكة، ولا يوجز إيجازاً يفضي إلى المحق والاستغلاق" ٢. وقد اعتبر العرب الشعر ديوان أخبارها، فقيل: (الشعر معدن علم العرب، وسِفْرُ حكمتها، وديوان أخبارها، ومستودع أيامها) ٣. ٧- أن الأدب اللفظي الجميل مثار إعجاب الآخرين، الذي ينعكس بدوره على عواطفهم. فعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: إنه قدم رجلان من المشرق فخطبا، فعجب الناس لبيانهما، فقال رسول الله ﷺ "إن من البيان لسحر، أو إن بعض البيان سحر" ٤. قال ابن حجر: "وقد اتفق العلماء على مدح الإيجاز والإتيان بالمعاني الكثيرة بالألفاظ اليسيرة، وعلى مدح الإطناب في مقام الخطابة بحسب المقام ... نعم الإفراط في كل شيء مذموم، وخير الأمور أوسطها، والله أعلم" ٥. وهذا كله في صرف الكلام للحق لا للباطل.

стр. 19

المبحث الثالث: العناية التربوية بعلوم اللغة العربية . مدخل ... المبحث الثالث: العناية التربوية بعلوم اللغة العربية: لقد وجدت اللغة العربية عناية فائقة من لدن العرب في الجاهلية وفي الإسلام، حيث كانت اللغة هي وعاء الحفظ التاريخي، وأدبها وسيلة الإعلام والنشر، تعقد لها المنتديات في أسواق العرب المشهورة كسوق: ذي المجاز، ومِجنَّة، وحباشة، وعكاظ، وهي أعظم أسواقهم. فكانت تحضره قبائل العرب كلها، فيتناشدون حيث كانوا متعلقون بالكلمة السائدة والخبر المرسل، لا يعدلون بذلك شيئاً، لِما رُكِّبَ في طباعهم من حب المحمدة، وما انصرفوا إليه من المباهاة بالفصاحة، وقوة العارضة. وكان في هذه الأسواق يخطب الشاعر الفحل بقصيدته والخطيب بكلمته ١. وهذا عزز اللغة العربية والعناية بها والاهتمام بتناقل أسسها بالسليقة، والمشافهة، فلم يحتاجوا إلى الدرس فيها غير أسلوب العناية بها والمفاخرة بالخطابة والشعر وحسن اللفظ وجمال التراكيب الكلامية. وجاء الإسلام ونزل القرآن بلغة نبينا محمد ﷺ ، فكتب بها فاشتدت العناية باللغة العربية، وانتشر الإسلام بين الأمم، وكثرت الفتوحات وكثر اللحن، فجلس المؤدبون والمعلمون يدرسون اللغة العربية وآدابها وفنونها فزادت العناية التربوية بها لما حصل في اللسان العربي من اللحن، وكان هذا الاهتمام من العلماء والخلفاء والأعيان على النحو التالي:

стр. 20

عناية العلماء التربوية باللغة: لقد اهتم علماء الأمة المعتبرين من السلف باللغة العربية اهتماماً بالغاً؛ لأنها

стр. 21

لغة القرآن الكريم ولغة نبيهم محمد ﷺ وبها يُفهم الدين، ويُحفظ ويُنقل، وكان اللحن أمراً مشيناً، يعاب به الناس، سيما إذا كان من أهل الفضل والعلم. فقد مر عمر بن الخطاب ﵁ برجلين يرميان، فقال أحدهما للآخر: أسيت، فقال عمر سوء اللحن أشد من سوء الرمي ١. وقد حث علماء الأمة على تعلم العربية وآدابها فقال عمر بن الخطاب ﵁: "عليكم بالفقه في الدين وحسن العبادة، والتفهم في العربية. وقال: تعلموا العربية فإنها تثبت العقول وتزيد في المروءة" ٢. ويشير شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أهمية اللغة العربية وأثرها التربوي. حيث يقول: "واعلم أن اعتبار اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين، تأثيراً قوياً بيناً، ويؤثر أيضاً في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد في العقل والدين والخُلُق" ٣. وهذا يؤكد أهمية تعلم اللغة العربية والعناية بها وبآدابها لما ينعكس على صاحبها من فصاحة اللسان، وبلاغة البيان وحسن وتركيب الكلام، فضلاً عن فهم الدين وجمال الخلق. وقد تتلمذ الأئمة السابقون على فقهاء اللغة في عصرهم، وأولوها اهتماماً كبيراً لا يقل عن اهتمامهم بالعلوم الشرعية، فهي آلة ووسيلة لفهمها، فيروى عن الشافعي أنه قال: "أقمت في بطون العرب عشرين سنة، آخذ أشعارها ولغاتها، وحفظت القرآن فما علمت أنه مَرّ بي حرفٌ إلا وقد

стр. 22

علمت المعنى فيه١. وقد بلغ الإمام الشافعي مبلغاً عظيماً في الفصاحة والبلاغة، وحسن البيان، حتى قيل عنه: "أفصح قريش في زمانه، وكان ممن يؤخذ عنه اللغة" ٢. ومن أمثلة العلماء الذين اهتموا باللغة العربية وعلومها ابن قيم الجوزية، حيث درس اللغة على ابن الفتح البعلي، وقرأ عليه الملخص لأبي البقاء، وقرأ الجرجانية، ثم ألفية ابن مالك، وأكثر الكافية الشافية، وبعض التسهيل ٣. وقرأ أيضاً اللغة العربية على مجد التوسي ٤. وممن له عناية باللغة العربية وعلومها الإمام محمد بن علي الشوكاني، الذي كان من أسلوبه في التعلم أن يطلب العلم الواحد أو العلمين أو الثلاثة من عدة علماء في وقت واحد. فقد أخذ النحو والصرف من كل من السيد العلامة إسماعيل بن الحسن، والعلامة عبد الله بن إسماعيل النهمي، والعلامة القاسم بن محمد الخولاني. ومن الكتب التي قرأها على أولئك الكافية وشرحها للسيد المفتي، وشرح الخبيص على الكافية وحواشيه، وشرح الرضي على الكافية، والشافية وشرحها للطف الله الغياث، وملحة الإعراب للحريري، وشرحها ٥.

стр. 23

فهذه دلالات وإشارات على اهتمام العلماء باللغة العربية ودراستها، وتدريسها؛ لأهميتها العظيمة على فهم الدين من مصادره، ولآثارها التربوية والسلوكية على متعلمها على ما سيأتي بيانه في الفصل الثاني.

стр. 24

عناية الخلفاء والأعيان باللغة: لقد اهتم أعيان الناس وكبراؤهم قديماً بتعليم أبنائهم وتثقيفهم بالعلوم النافعة المختلفة، مع عناية خاصة باللغة العربية وآدابها؛ وذلك لمعرفتهم بأهميتها في تثقيف اللسان، وغرس الآداب، وتحسين البيان، وأنها أس لفهم دين الإسلام من مصادره، وأنها زينة في مجالس العلماء والأدباء، وهذا انعكس على رفعة مكانة علماء اللغة العربية، وتصدرهم مجالس الخلفاء والأمراء، وأصبح مشاهيرهم معلمين لأبناء الخلفاء، وهذه شواهد تؤكد حقيقة ذلك. قال الأحمر النّحويّ: بعث إليّ الرشيد لتأديب ولده محمد الأمين، فلما دخلت قال يا أحمر إن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه، وثمرة قلبه فصَيَّر يدك عليه مبسوطة، وطاعتك عليه واجبة، فكن له بحيث وضعك أمير المؤمنين، أقرئه القرآن وعرفه الآثار، وروّه الأشعار، وعلمه السنن، وبصره مواقع الكلام وبدأه، وامنعه الضحك إلا في أوقاته ١. وممن قام بتأديب الأمين والمأمون عالم اللغة العربية أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي، الذي أخرجه الخليفة هارون الرشيد من طبقة المؤدبين إلى طبقة الجلساء له ٢.

стр. 25

وكان الزجاج أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن السري، عالم اللغة معلماً لأولاد الخليفة المعتضد ١. وكان أبو قادم أبو جعفر محمد بن قادم صاحب الفراء معلم المعتز قبل الخلافة ٢. وقام أبو عصيدة أحمد بن عبيد بن ناصح أحد علماء الكوفة، بتأديب أبناء المتوكل المنتصر والمعتز ٣. وتولى أبو عمرو إسحاق بن مرار الشيباني التأديب في أحياء بني شيبان، وكان راوية واسع العلم باللغة، ثقة في الحديث، كثير السماع ٤. وكان أبو عبيدة القاسم بن سلام مؤدباً لأولاد الهرائمة، ثم صار قاضياً بطرطوس ٥. فهذه الإشارات والأمثلة تؤكد عناية الخلفاء والأعيان بتدريس اللغة العربية وعلومها وامتد ذلك إلى الأسر والأحياء. وكان اللحن عند العرب قديماً عيباً ومثلبة في لسان الفتى، وقد سمع المأمون من أحد أولاده لحناً فقال له "ما على أحدكم أن يتعلم العربية، فيقيم بها أوده، ويزين بها مشهده، ويفل بها حجج خصمه بمسكتات الحكمة، ويملك مجلس سلطانه بظاهر بيانه" ٦. وفي هذا التوجيه من الخليفة لابنه ما يدل على أهمية اللغة وتعلمها على وجهها الصحيح، ليس نطقاً فحسب، بل وإعراباً، فهي زينة لسان المرء، وقوة

стр. 26

يتقوى بها في إظهار حججه وأفكاره، والإفصاح عن مراده، وإن نطق بها أعجب جلساءه بحسن بيانه، كما أن في هذا النص دلالة على العناية بلسان اللغة العربية وإعرابها.

стр. 27

الفصل الثاني: الأثار التربوية للغة العربية . المبحث الأول: تربية الذوق اللفظي . مدخل ... المبحث الأول: تربية الذوق اللفظي: للغة العربية وعلومها آثار تربوية لاسيما إذا كان متعلمها له نصيب وافر من العلم الشرعي، حيث تكسبه فصاحة في الكلام، وبلاغة في البيان، وجمالاً في تركيب الكلام، وتعينه على إظهار ما استجاشت به نفسه من مشاعر مكارم الأخلاق وسمو النفس، فتكسبه ذوقاً لفظياً، ونمواً فكرياً، وفهماً عميقاً، وعاطفة جياشة لما اكتسب من رقة الطبع، وحسن المشاعر.

стр. 28

مفهوم الذوق اللفظي: الذوق مصدر ذاق الشيء يذوقه، وذواقاً ومذاقاً ١. الذوق في الأدب: هو حاسة معنوية يصدر عنها، انبساط النفس أو انقباضها لدى النظر في أثر من آثار العاطفة أو الفكر، ويقال: هو حسن الذوق للشعر، فهّامة خبير بنقده ٢. والذوق اللفظي: هو حاسة معنوية يصدر عنها ما جمل من الألفاظ، وهجر ما قبح منها.

стр. 29

أهمية الذوق اللفظي: تعتبر الكلمة الطيبة الجميلة ذات الألفاظ البديعة مدخلاً لقلوب السامعين، وجمالاً لألسنة المتحدثين تكسبهم إعجاب ومحبة الآخرين، وهي لا تقل عن الفعل القويم أثراً، جاء في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمر ﵄ (أنه قدم رجلان من المشرق فخطبا، فعجب الناس لبيانهما، فقال رسول الله ﷺ : إن من البيان لسحراً، أو إن بعض البيان سحرٌ) ١.

стр. 30

قال ابن حجر ﵀: "وقد اتفق العلماء على مدح الإيجاز والإتيان بالمعاني الكثيرة بالألفاظ اليسيرة" ١. وفي استخدام الألفاظ الجميلة والعبارات الطيبة الحسنة تربية اللسان على ما جمل وحسن من الألفاظ، فلا يألف المرء إلا الكلمات التي تجلب خيراً وتدفع شراً. وفي تعود اللسان على ما حسن من الألفاظ وقوي، تمكين لصاحبه في التنقل بين حديقة الكلمات الغناء، وتسعفه بأحسن العبارات وأجمل الألفاظ. وهذا ينعكس على سامعيه ومجالسيه، فتجده بينهم محبوب ولكلامه قبول، ولفكرته مستمعون، وأما صاحب الألفاظ البذيئة، فتجده لم يألف لسانه إلا أرذل الألفاظ وأبخسها، فإذا تحدث كان الناس عنه لاهون ولفكرته غير منتبهين يسأم منه جليسه ويئد فكرته بألفاظه، وسوء عباراته، ولنا في القرآن الكريم منهجاً قويماً، في عذوبة ألفاظه، وجزالة عباراته، وفصاحة بيانه، وحلاوة تراكيب ألفاظه حتى قال عنه أحد أعدائه الوليد بن المغيرة، عندما قال له قومه: "قل فيه قولاً يبلغ قومك أنك منكر له، وأنك كاره له، قال الوليد: وماذا أقول؟ فوالله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه، ولا بقصيده مني، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذه، والله إن لقوله الذي يقول: حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، ومغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته"٢. كما أن لنا في كلام رسول الله ﷺ القدوة الحسنة ولأسوة المباركة، تحدث بأحسن العبارات لفظاً، وأوضحها معناً، وأقواها دلالة، اشتملت على إيجاز في غير إعجاز، ووضوحاً في غير إطناب، فقد أعطي جوامع الكلم ﷺ .

стр. 31

الآثار التربوية للذوق اللفظي: لجمال الألفاظ آثار تربوية عظيمة تنعكس على صاحبها وعلى مستمعيه،

стр. 32

بعضها مباشر الأثر وبعضها مكنون الأثر، وبيانها فيما يلي: ١- الإصغاء للكلمة الجميلة: الكلمة الجميلة تأسر مستمعها، وتجعله يتابع أحداث معانيها ودلالاتها في تفاعل وتأثر؛ لأنها تجذب عواطفه وتأخذ بألبابه، فذاك عمر بن الخطاب ﵁ تقدم عليه وفود أهل البلدان، فيتقدم إليه وفد أهل الحجاز، فاشرأب منهم غلام للكلام فقال عمر: يا غلام ليتكلم من هو أسن منك فقال الغلام: يا أمير المؤمنين! إنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه، فإذا منح الله عبده لساناً لافظاً وقلباً حافظاً, فقد أجاد له الاختيار، ولو أن الأمور بالسن لكان هاهنا من هو أحق بمجلسك منك، فقال: عمر صدقت، تكلم؛ فهذا السحر الحلال! .." ١. فتأمل كيف أثرت الفكرة الجميلة باللفظ البديع في عمر بن الخطاب أمير المؤمنين ﵁، وأصغى إلى الغلام حتى انتهى من كلامه وبيانه، وكيف تقدم هذا الغلام على أقرانه وكبراء قومه؟ وكأنه كبيرهم الذي لا يعقد رأي بدونه. وليس من الجمال اللفظي التعمق، واستخراج المعاني والألفاظ الغريبة، يقول ابن قتيبة: "ويستحب له أن يدع في كلامه التقعر والتقعيب" ٢ فهو يستثقل، والأدب غض، والزمان زمان، وأهله يتحلون فيه بالفصاحة، ويتنافسون في العلم ٣. ومثال ذلك قول علقمة عندما هاجت به مرة واجتمع عليه قوم، فقال لهم: ما لكم تتكأكؤن عليّ كتكأكئكم عليّ ذي جنة، افرنقعوا عني، فقال رجل منهم: دعوه فإن شيطانه يتكلم بالهندية، وقال لحجام يحجمه أشدد قصب الملازم، وأرهف ظبة المشرط، وخفف الوضع وعجل النزع، وليكن شرطك

стр. 33

وخزاً، ومصك نهزاً، ولا تكرهن أبياً ولا تردن آتياً، فوضع الحجام محاجمه في جونته وانصرف ١. ويلزم ليحسن اللفظ ويجمل ترك اللحن في الكلام. قال عبد الملك: اللحن في الكلام أقبح من التفتيق في الثوب النفيس. وقال أبو الأسود: إني لأجد اللحن غمراً كغمر اللحم، وقال مسلمة بن عبد الملك اللحن في الكلام أقبح من الجدري في الوجه ٢. وقد اختصم رجلان إلى عمر بن عبد العزيز ﵀ فجعلا يلحنان، فقال الحاجب: قما فقد آذيتما أمير المؤمنين، فقال عمر للحاجب: أنت والله أشد إيذاء منهما ٣. فلحن حاجب أمير المؤمنين، كان أثره وألمه أشد عليه. وفي هذا إشارة إلى أهمية التربية اللغوية. والعناية بها من خلال وسائل ووسائط التربية المختلفة , فبهما تحفظ اللغة وتحسن الألفاظ. فلكي يحدث الأثر اللفظي من حيث الإصغاء للغة الجميلة، فلا بد من معالجة خوارمها من التقعر في الألفاظ واللحن في الكلام، فإنه يبعد عن الإصغاء وينفر من متابعة الكلام. ومن أمثلة الألفاظ المؤثرة والمعاني الجميلة: أنه دخل على عبد الملك بن مروان ابن القرية فبينما هو عنده إذ دخل بنو عبد الملك عليه فقال: من هؤلاء الفتية يا أمير المؤمنين؟ قال: ولد أمير المؤمنين، قال: بارك الله لك فيهم كما بارك لأبيك فيك، وبارك لهم فيك كما بارك لك في أبيك. قال: فشحن فاه دراً ٤.

стр. 34

فجمال تلك الألفاظ تدل على الأثر التربوي العظيم للمتأدب والمتحلي ببديع البيان وحسن تركيب الكلام لألفاظ اللغة، فابن القرية لم يأت بألفاظ غريبة، وإنما أتى بألفاظ يستطيع أن يأتي بها كل أحد من المتكلمين بالعربية، غير أنه أبدع في تركيبها اللفظي فجاءت كالدرر. وتأمل جمال اللفظ الوصفي في الأبيات التالية التي تدل على أن من نشأ نفسه على حسن البيان والألفاظ، فإنما أطعم لسانه جواهر الكلام. قال السعدي أبو وجزة وقد قدم على المهلب بن أبي صفرة: يا من على الجود صاغ الله راحته ... فليس يحسن غير البذل والجود عَمَّتْ عطاياك من بالشرق قاطبة ... فأنت والجود منحوتان من عود ١ ٢- التفاعل العاطفي: كما تتفاعل العواطف مع الأحداث السارة والأحداث المؤلمة، فتبغض وتحب وتكرة وتميل، فإنها تتفاعل أيضاً مع الكلمات والألفاظ العذبة، بل ربما كان صور تلك العبارات الأدبية الجميلة أكثر تأثيراً من واقع الأحداث، فتتأثر لها القلوب وتتفاعل معها النفوس. فتأمل قول البحتري في وصف بركة واسعة وكأنها أجمل من البحر والأنهار٢: يا من رأى البركة الحسناء رؤيتها ... والانسات إذا لاحت مغانيها يحسبها أنها من فضل رتبتها ... تعد واحدة والبحر ثانيها ما بال دجلة كالغير تنافسها ... في الحسن طوراً وأطواراً تباهيها كأنما الفضة البيضاء سائلة ... من السبائك تجري في مجاريها إذا علتها الصبا أبدت لها حبكاً ... مثل الجواشن مصقولاً حواشيها

стр. 35

فرونق الشمس أحياناً يضاحكها ... وريق الغيث أحياناً يباكيها إذا النجوم تراءت في جوانبها ... ليلاً حسبت سماءً ركبت فيها لا يبلغ السمك المحصور غايتها ... لبعد ما بين قاصيها ودانيها فهذا الوصف الأدبي الجميل يجعل قارئ القصيدة كأنه ينظر إلى تلك البركة المملوءة ماءً، وقد بلغت من حسنها وفضل رتبتها أنها الأولى والبحر ثانيها، وقد نافسها نهر دجلة المتدفق بمائه العذب كغيرة النساء فيما بينهن، وشبه جمال الماء وتلألؤه بالفضة ناصعة البياض، تجري في مصباتها، وأما الليل فانعكاس السماء بنجومها المتلألئة في سعة مائها يخيل للناظر أن السماء قد ركبت فيها. وفي صورة أخرى من التفاعل العاطفي للكلمة أن دخل المختار بن أبي عبيدة على معاوية وكانت عليه عباءة رثة، فاستحقره، فقال له المختار: يا أمير المؤمنين إن العباءة لا تكلمك! ولكن يكلمك من فيها، وأنشد: أما وإن كان أثوابي ملفقة ... ليست بخزٍ ولا من نسج كتان فإن في المجد هماتي وفي لغتي ... فصاحة ولساني غير لحان ١ فيلاحظ الأثر التربوي للألفاظ والمعاني التي خالف بها المخبر المظهر، فتفاعلت معها أحاسيس قارئها وكأنه ينظر إلى ذلك الموقف ويعايشه، بل يجد عطفاً وتفاعلاً مع ذلك الرجل رث الثياب ذرب اللسان، حتى ليخيّل للمرء أنه لن يبالي بثيابه قدر ما يهتم بمخبره ولسانه. ولما دخل ضمرة بن ضمرة على المنذر بن ماء السماء، وهو إذ ذاك ملك الحيرة واليمامة، وكان ضمرة ذا عقل وعلم، وحلم وحكمة وشجاعة إلا أنه كان دميم الخلقة، قصير القامة، وكان ذكره قد ذاع في الآفاق، فلما رآه المنذر احتقره لدمامة خلقته وقصر قامته، فقال سماعك بالمعيدي خير من أن تراه، فقال

стр. 36

له ضمرة أيه الملك ليس المرء بحسنه وجماله، وبهائه وكماله وهيئته وثيابه، لا والله حتى يشرفه أصغراه لسانه وقلبه، وقد قال الشاعر: وما المرء إلا الأصغران لسانه ... ومقوله والجسم خلق مصور ١ فلتك العبارات التي ذكرها ضمرة أثرها على المنذر، إذ كشفت له عن شخصية تحمل صورة باطنة خلاف الصورة الظاهرة. فهو ذلق اللسان، فأشار بكلامه إلى قلبه ولسانه، فبهما تكون قيمة المرء لا بجسمه ومظهره فقط، والمستمع لهذه الألفاظ الأدبية في هذا الموقف يجد أثر الكلمة على عواطفه قد أينعت، فجاذبت عواطفه نحو خصال تربوية هي الاهتمام بالناس دون النظر إلى مظاهر هم، والتفاعل مع عوائدهم لا مع صورهم. فالتفاعل العاطفي مع اللغة الأدبية له تأثيراته وإيقاعاته على النفس البشرية فيربي فيها ما لا يتوقع من مكارم الأخلاق. وفي صورة أخرى تصف كلمات أدبية شيئاً، قد لا يأبه به الإنسان لصغر حجمه ورخص ثمنه، فيتجاهل قيمته وأثره العظيم، ولكن بالوصف الجميل والكلمات الرصينة والعبارات المنمقة وسِعَةِ الخيال ما يجعل النفوس تتفاعل مع ذلك الموصوف وتعرف له قدره بما يزيل غباراً قد أنسى فضله. وهذه المقطوعة الأدبية تحكي أن بعض الكتاب أهدى إلى أخ له أقلاماً وكتب إليه: (إنه أطال بقاءك! لما كانت الكتابة قوام الخلافة، وقرينة الرياسة، وعمود المملكة وأعظم الأمور الجليلة قدراً، وأعلاها خطراً، أحببت أن أتحفك من آلاتها بما يخف عليك محملة وتثقل قيمته، ويكثر نفعه، فبعثت إليك أقلاماً من القصب النابت في الأغذاء المغذو بماءِ السماء، كاللآلئ المكنونة في الصدف والأنوار المحجوب بالسدف، تنبو عن تأثير الأسنان، ولا يثنيها غمز البنان. كما

стр. 37

قال الكميت: وبيض رقاقٍ صحاح المتو ... ن تسمع للبيض فيها صريرا مهندةٍ من عتاد الملوك ... يكاد سناهن يُعشي البصيرا وكقِدْح في ثقل أوزانها، وقضب الخيزران له في اعتدالها، ووشيج الخط في اطرادها، تمر في القراطيس كالبرق اللائح وتجري في الصحف كالماء السائح١. فمهما تنوعت المجالات والفنون فتظل الألفاظ الأدبية مؤثرة في سامعيها بما يجعلهم يتفاعلون معها عاطفياً، فينسكب أثرها في قوالب تربوية منابعها كلمات اللغة العربية. ٣- التفاعل العقلي والسلوكي: إن بلاغة التصوير اللفظي للأشياء تشد ذهن المستمع أو القارئ لترتسم مكونات الأحداث في عقل المرء، كأنه يشاهدها فتتجاذب لذلك الألباب والعواطف في تفاعل، يُحدث لدى الفرد آثاراً تربوية تظهر في سلوكه وتجاذبه مع الحدث نتيجة ما سمع. فكم نسمع من كلمات أدبية وقصائد شعرية تصف آلام الأمة في أقصى الكرة الأرضية، ونحن لم نشاهدها عياناً فتتفاعل لها العقول كأنها تشاهد تلك الأحداث وتعايشها، فيجول فكر المرء في جوانبها وربما تصور حلولاً، وهو في منأى عن مواقعها. حتى ليدفع المرء أغلى وأحسن ما يستطيع لتأثره بصورة بلاغية عن أحداث مؤلمة. وسويعات تقرأ في كتب الرحلات أو تسمع أديباً يقص رحلة من رحلاته، فتستغرق في أعطاف الرحلة، وتبحر بالعقل لا بالجسم في جوانبها، وربما تأثر السامع بمواقف، ومواقع وتفاعل معها كأنه يعايشها.

стр. 38

ومن صور الألفاظ البديعة التي تجعل المرء يقف ويفكر في سرعة البديهة وحضور الجواب، والقدرة على صياغة العبارات موقف امرأة وحسن جوابها مع المهدي، فقد قيل: (وقف المهدي على امرأة من بني ثعل، فقال لها: ممن العجوز قالت: من طيء، قال: ما منع طياً أن يكون فيها آخر مثل حاتم؟ قالت: الذي منع العرب أن يكون فيها آخر مثلك) ١. ولهذا الموقف الأثر التربوي الفاعل الذي يربي في المستمع بتكرار أمثاله، حسن الجواب وسرعة البديهة، ولما اشتملت عليه المحاورة من تسخير الكلمات والألفاظ لخدمة الأفكار، وربما أحجم البعض عن إيضاح الأفكار العظام التي يهتز لها أولى الألباب لضعف القدرة على تركيب الألفاظ وحسن البيان. والتفاعل السلوكي وليد التأثير اللفظي في الجانب العقلي كما هو حال التأثير الفعلي. ذلك أن الكلمة الزكية واللفظ الجميل يأسر الألباب، ويحرك العقول لتؤثر في العواطف الانفعالية، فيظهر السلوك في الصورة والهيئة المناسبة مع وقع الكلمات المؤثرة والصياغة الجميلة. قال عمر بن عبد العزيز ﵀: "إن الرجل ليكلمني في الحاجة يستوجبها فيلحن فأرده عنها، وكأني أقضم حب الرمان الحامض لبغض استماع اللحن، ويكلمني آخر في الحاجة لا يستوجبها، فيعرب فأجيبه إليها التذاذاً لما أسمع من كلامه، وقال: أكاد أضرس إذا سمعت اللحن" ٢. وكذلك الكلمة المنمقة الجميلة التي تحمل في طياتها ما يهيج الشر، ويدعو إلى الرذيلة، تجدها تؤز سامعها إلى الشر أزاً، ما لم يكن له إيمان قوي يمنعه من اتباع زخرف القول غروراً، قال تعالى عن شياطين الإنس والجن: ﴿وَكَذَلِكَ

стр. 39

جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ ١. والمعنى: (أي يزين بعضهم لبعض الأمر الذي يدعون إليه من الباطل، ويزخرفون العبارات حتى يجعلوه في أحسن صورة، ليغتر به السفهاء، وينقاد إليه الأغبياء الذين لا يفهمون الحقائق، ولا يفقهون المعاني، بل تعجبهم الألفاظ المزخرفة المموهة، فيعتقدون الحق باطلاً، والباطل حقاً، ولهذا قال ﵎ ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهَِ﴾ أي ولتميل إلى ذلك الكلام المزخرف ﴿أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ لأن عدم إيمانهم باليوم الآخر وعدم عقولهم النافعة يحملهم على ذلك) ٢. وهذا يدل على التأثير الفاعل للكلمة المزخرفة على من ضعفت قلوبهم ووهنت عقولهم، فربما أحدثت أثراً تربوياً سيئاً في التصور والفعال والأخلاق. ٤- تربية الذوق اللفظي وترسيخ المعاني: لاستماع وقراءة الكلمات والعبارات والقصائد والنثر الأدبي الجميل أثر في حس المستمع والقارئ إذ تغرس فيه تذوق الكلمات واستشعار جمال مبانيها، ومحسناتها البديعية، وتراكيبها اللغوية، بما شملته من جناس وطباق وتشبيه حتى يألف حسه تلك الجمل والعبارات فينمو ذوقه اللغوي كما ينمو ذوقه الفكري. ففي التعود على الألفاظ الجميلة وتربية اللسان عليها أثر عظيم الفائدة على المستمع أو القارئ؛ ذلك أن المتكلم يسحر الألباب بعذوبة ألفاظه وحسن بلاغته وجمال تراكيب كلامه، وقد كان للسلف عناية باللغة وألفاظها، فعن

стр. 40

يونس بن عبد الأعلى، قال: ما كان الشافعي إلا ساحراً ١ ما كنا ندري ما يقول إذا قعدنا حوله، كأن ألفاظه سكر، وكأن قد أوتي عذوبة منطق وحسن بلاغة، وفرط ذكاء وسيلان ذهن، وكمال فصاحة وحضور حجة ٢. فتأمل موقع الكلمة وقدرها في هذا الوصف الجميل لألفاظ وكلام الإمام الشافعي ﵀ وما أحدثته عند سامعيه. بل إن في الكون الذي يحيط بنا آيات بينات، فكيف إذا لفت الانتباه لها بأسلوب أدبي رفيع يربي في الناشئة قوة الملاحظة بالوصف الجميل والبيان الواضح، فالكون من حولنا فيه تناسق.. والسماء فيها زينة ... والأرض فيها جنات معروشات، وغير معروشات.. والحيوان فيه جمال.. والنبات والثمر والأزهار بألوانها وأشكالها وروائحها، فيها تناسق وجمال، والإنسان نفسه في أحسن صورة، وأكرم تقويم ٣. فإذا بينت الآيات الباهرات في هذه المخلوقات وغيرها بأسلوب أدبي بديع أحدثت في نفس السامع أثراً وذوقاً لغوياً، وترسخت تلك المعاني والألفاظ بصورها وأشكالها في ذهنه، ونسجت لها بيتاً لغوياً وأدبياً في ذاكرته، وعمرت معجمه اللغوي بألفاظ بديعة، تمكنه من التنقل بينها عند التعبير والإفصاح عن مراده. ومثال ذلك وصف الزروع والمروج وهي تكسي الأرض الصفراء حلة خضراء مليئة بالأزهار والأطيار كالقصيدة المشهورة للبحتري في وصف الربيع التي مطلعها ٤:
следующие страницы →