له ضمرة أيه الملك ليس المرء بحسنه وجماله، وبهائه وكماله وهيئته وثيابه، لا والله حتى يشرفه أصغراه لسانه وقلبه، وقد قال الشاعر:
وما المرء إلا الأصغران لسانه ... ومقوله والجسم خلق مصور ١
فلتك العبارات التي ذكرها ضمرة أثرها على المنذر، إذ كشفت له عن شخصية تحمل صورة باطنة خلاف الصورة الظاهرة.
فهو ذلق اللسان، فأشار بكلامه إلى قلبه ولسانه، فبهما تكون قيمة المرء لا بجسمه ومظهره فقط، والمستمع لهذه الألفاظ الأدبية في هذا الموقف يجد أثر الكلمة على عواطفه قد أينعت، فجاذبت عواطفه نحو خصال تربوية هي الاهتمام بالناس دون النظر إلى مظاهر هم، والتفاعل مع عوائدهم لا مع صورهم.
فالتفاعل العاطفي مع اللغة الأدبية له تأثيراته وإيقاعاته على النفس البشرية فيربي فيها ما لا يتوقع من مكارم الأخلاق.
وفي صورة أخرى تصف كلمات أدبية شيئاً، قد لا يأبه به الإنسان لصغر حجمه ورخص ثمنه، فيتجاهل قيمته وأثره العظيم، ولكن بالوصف الجميل والكلمات الرصينة والعبارات المنمقة وسِعَةِ الخيال ما يجعل النفوس تتفاعل مع ذلك الموصوف وتعرف له قدره بما يزيل غباراً قد أنسى فضله.
وهذه المقطوعة الأدبية تحكي أن بعض الكتاب أهدى إلى أخ له أقلاماً وكتب إليه: (إنه أطال بقاءك! لما كانت الكتابة قوام الخلافة، وقرينة الرياسة، وعمود المملكة وأعظم الأمور الجليلة قدراً، وأعلاها خطراً، أحببت أن أتحفك من آلاتها بما يخف عليك محملة وتثقل قيمته، ويكثر نفعه، فبعثت إليك أقلاماً من القصب النابت في الأغذاء المغذو بماءِ السماء، كاللآلئ المكنونة في الصدف والأنوار المحجوب بالسدف، تنبو عن تأثير الأسنان، ولا يثنيها غمز البنان. كما
стр. 37
قال الكميت:
وبيض رقاقٍ صحاح المتو ... ن تسمع للبيض فيها صريرا
مهندةٍ من عتاد الملوك ... يكاد سناهن يُعشي البصيرا
وكقِدْح في ثقل أوزانها، وقضب الخيزران له في اعتدالها، ووشيج الخط في اطرادها، تمر في القراطيس كالبرق اللائح وتجري في الصحف كالماء السائح١.
فمهما تنوعت المجالات والفنون فتظل الألفاظ الأدبية مؤثرة في سامعيها بما يجعلهم يتفاعلون معها عاطفياً، فينسكب أثرها في قوالب تربوية منابعها كلمات اللغة العربية.
٣- التفاعل العقلي والسلوكي:
إن بلاغة التصوير اللفظي للأشياء تشد ذهن المستمع أو القارئ لترتسم مكونات الأحداث في عقل المرء، كأنه يشاهدها فتتجاذب لذلك الألباب والعواطف في تفاعل، يُحدث لدى الفرد آثاراً تربوية تظهر في سلوكه وتجاذبه مع الحدث نتيجة ما سمع.
فكم نسمع من كلمات أدبية وقصائد شعرية تصف آلام الأمة في أقصى الكرة الأرضية، ونحن لم نشاهدها عياناً فتتفاعل لها العقول كأنها تشاهد تلك الأحداث وتعايشها، فيجول فكر المرء في جوانبها وربما تصور حلولاً، وهو في منأى عن مواقعها. حتى ليدفع المرء أغلى وأحسن ما يستطيع لتأثره بصورة بلاغية عن أحداث مؤلمة.
وسويعات تقرأ في كتب الرحلات أو تسمع أديباً يقص رحلة من رحلاته، فتستغرق في أعطاف الرحلة، وتبحر بالعقل لا بالجسم في جوانبها، وربما تأثر السامع بمواقف، ومواقع وتفاعل معها كأنه يعايشها.
стр. 38
ومن صور الألفاظ البديعة التي تجعل المرء يقف ويفكر في سرعة البديهة وحضور الجواب، والقدرة على صياغة العبارات موقف امرأة وحسن جوابها مع المهدي، فقد قيل: (وقف المهدي على امرأة من بني ثعل، فقال لها: ممن العجوز قالت: من طيء، قال: ما منع طياً أن يكون فيها آخر مثل حاتم؟ قالت: الذي منع العرب أن يكون فيها آخر مثلك) ١.
ولهذا الموقف الأثر التربوي الفاعل الذي يربي في المستمع بتكرار أمثاله، حسن الجواب وسرعة البديهة، ولما اشتملت عليه المحاورة من تسخير الكلمات والألفاظ لخدمة الأفكار، وربما أحجم البعض عن إيضاح الأفكار العظام التي يهتز لها أولى الألباب لضعف القدرة على تركيب الألفاظ وحسن البيان.
والتفاعل السلوكي وليد التأثير اللفظي في الجانب العقلي كما هو حال التأثير الفعلي. ذلك أن الكلمة الزكية واللفظ الجميل يأسر الألباب، ويحرك العقول لتؤثر في العواطف الانفعالية، فيظهر السلوك في الصورة والهيئة المناسبة مع وقع الكلمات المؤثرة والصياغة الجميلة. قال عمر بن عبد العزيز ﵀: "إن الرجل ليكلمني في الحاجة يستوجبها فيلحن فأرده عنها، وكأني أقضم حب الرمان الحامض لبغض استماع اللحن، ويكلمني آخر في الحاجة لا يستوجبها، فيعرب فأجيبه إليها التذاذاً لما أسمع من كلامه، وقال: أكاد أضرس إذا سمعت اللحن" ٢.
وكذلك الكلمة المنمقة الجميلة التي تحمل في طياتها ما يهيج الشر، ويدعو إلى الرذيلة، تجدها تؤز سامعها إلى الشر أزاً، ما لم يكن له إيمان قوي يمنعه من اتباع زخرف القول غروراً، قال تعالى عن شياطين الإنس والجن: ﴿وَكَذَلِكَ
стр. 39
جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ ١.
والمعنى: (أي يزين بعضهم لبعض الأمر الذي يدعون إليه من الباطل، ويزخرفون العبارات حتى يجعلوه في أحسن صورة، ليغتر به السفهاء، وينقاد إليه الأغبياء الذين لا يفهمون الحقائق، ولا يفقهون المعاني، بل تعجبهم الألفاظ المزخرفة المموهة، فيعتقدون الحق باطلاً، والباطل حقاً، ولهذا قال ﵎ ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهَِ﴾ أي ولتميل إلى ذلك الكلام المزخرف ﴿أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ لأن عدم إيمانهم باليوم الآخر وعدم عقولهم النافعة يحملهم على ذلك) ٢.
وهذا يدل على التأثير الفاعل للكلمة المزخرفة على من ضعفت قلوبهم ووهنت عقولهم، فربما أحدثت أثراً تربوياً سيئاً في التصور والفعال والأخلاق.
٤- تربية الذوق اللفظي وترسيخ المعاني:
لاستماع وقراءة الكلمات والعبارات والقصائد والنثر الأدبي الجميل أثر في حس المستمع والقارئ إذ تغرس فيه تذوق الكلمات واستشعار جمال مبانيها، ومحسناتها البديعية، وتراكيبها اللغوية، بما شملته من جناس وطباق وتشبيه حتى يألف حسه تلك الجمل والعبارات فينمو ذوقه اللغوي كما ينمو ذوقه الفكري.
ففي التعود على الألفاظ الجميلة وتربية اللسان عليها أثر عظيم الفائدة على المستمع أو القارئ؛ ذلك أن المتكلم يسحر الألباب بعذوبة ألفاظه وحسن بلاغته وجمال تراكيب كلامه، وقد كان للسلف عناية باللغة وألفاظها، فعن
стр. 40
يونس بن عبد الأعلى، قال: ما كان الشافعي إلا ساحراً ١ ما كنا ندري ما يقول إذا قعدنا حوله، كأن ألفاظه سكر، وكأن قد أوتي عذوبة منطق وحسن بلاغة، وفرط ذكاء وسيلان ذهن، وكمال فصاحة وحضور حجة ٢.
فتأمل موقع الكلمة وقدرها في هذا الوصف الجميل لألفاظ وكلام الإمام الشافعي ﵀ وما أحدثته عند سامعيه.
بل إن في الكون الذي يحيط بنا آيات بينات، فكيف إذا لفت الانتباه لها بأسلوب أدبي رفيع يربي في الناشئة قوة الملاحظة بالوصف الجميل والبيان الواضح، فالكون من حولنا فيه تناسق.. والسماء فيها زينة ... والأرض فيها جنات معروشات، وغير معروشات.. والحيوان فيه جمال.. والنبات والثمر والأزهار بألوانها وأشكالها وروائحها، فيها تناسق وجمال، والإنسان نفسه في أحسن صورة، وأكرم تقويم ٣.
فإذا بينت الآيات الباهرات في هذه المخلوقات وغيرها بأسلوب أدبي بديع أحدثت في نفس السامع أثراً وذوقاً لغوياً، وترسخت تلك المعاني والألفاظ بصورها وأشكالها في ذهنه، ونسجت لها بيتاً لغوياً وأدبياً في ذاكرته، وعمرت معجمه اللغوي بألفاظ بديعة، تمكنه من التنقل بينها عند التعبير والإفصاح عن مراده.
ومثال ذلك وصف الزروع والمروج وهي تكسي الأرض الصفراء حلة خضراء مليئة بالأزهار والأطيار كالقصيدة المشهورة للبحتري في وصف الربيع التي مطلعها ٤:
стр. 41
اتاك الربيع الطلق يختال ضحاكاً ... من الحسن حتى كاد أن يتكلما
وقد نبه النيروز في غسق الدجا ... أوائل وردكن بالأمس نوما
فإن الاستمتاع بجمال الكون جزء أصيل مقصود في التربية الإسلامية لما له من آثار في النفس، فمن فوائد النظر إلى السماء، وآثاره النفسية أنه يذهب الخوف والوساوس، ويذكر بالله ، ويوقع في النفس تعظيمه وإجلاله، ويزيل الأفكار الرديئة من الذّهن١.
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار﴾ ٢.
بل إن الذوق اللفظي الممتزج بعطر الشريعة الخلقي امتد إلى هجر الكلمات التي اعتادها اللسان في فترة الجاهلية كقولهم: أبيت اللعن، وعم صباحاً، وعم مساءً، وظهرت ألفاظ جديدة لم تكن تستعمل في أدب الجاهلين، كالإيمان والتوحيد والجهاد، والوحي والزكاة، والركوع والسجود والحلال والحرام ٣.
كل هذه العبارات وتداولها في أدب اللغة شعره ونثره إنما تربي في المسلم حساً خلقياً وذوقاً رفيعاً يتعالى فيه ويسمو عن محقرات الأمور والدنايا إلى رفعة الكلمة وسمو معناها وذوقها اللفظي الذي يعبر عن الإنسان المسلم السوي.
стр. 42
المبحث الثاني: الكسب المعرفي
مفهوم الكسب المعرفي:
الكسب: الطلب، والسعي في الرزق والمعيشة ١.
ويأتي الكسب بمعنى ما يناله ويحصل عليه الإنسان، جاء في كتاب المصباح المنير، يقال: كسبت زيداً مالاً وعلماً أي أنلته ٢.
المعرفة: إدراك الشيء على ما هو عليه، وهي مسبوقة بجهل ٣.
وبالتالي فإن الكسب المعرفي هو ما يناله ويحصل عليه الإنسان من العلوم.
стр. 43
أهمية الكسب المعرفي:
تعتبر المعرفة هي الغذاء الذهني؛ ذلك أنها الفاعل المؤثر في زيادة الفهم والإدراك والتخيل، بل هي العامل المؤثر في استثارة الجوانب الإبداعية لدى المتعلم، لما تحدثه من تفتح ذهني، فتصحح به خارطة التفكير، ومسارات الفهم، (فالتعليم من أهم وسائل نمو الخصائص العقلية، وبلوغ النضج العقلي، وصقل وتزكية القدرات والملكات، والمواهب والميول والهوايات، وبدونه يظل عقل الإنسان قاصراً معطلاً، غير قادر على العطاء والإنتاج الفكري والعملي) ١.
وقد أولى الإسلام الجانب المعرفي أهمية كبيرة معتمداً على أهم عناصرها، وهي القراءة. قال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ ١.
стр. 44
بل رفع من مكانة العلم والعلماء بما حوته نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة. وأفرد لها علماء المسلمين من السلف والخلف كتباً عنت بذلك عناية فائقة، وذلك لما غرسه الإسلام في أذهانهم من أهمية العلم في دار الدنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ٢.
وقال بعض البلغاء:"تعلم العلم فإنه يقومك ويسددك صغيراً ويقدمك ويسودك كبيراً، ويصلح زيفك وفاسدك، ويرغم عدوك وحاسدك، ويقوم ميلك وعوجك، ويصحح خطأك وأملك" ٣.
وقد قيل:
تعلم فليس المرء يولد عالماً ... وليس أخو علم كمن هو جاهل
وإن كبير القوم لا علم عنده ... صغير إذا التفت عليه المحافل
ولا يلزم من المرء في كل الأحوال أن تكون له زيادة في توليد المعرفة واستحداثها، وإنما يلزمه المعرفة. والإلمام، وقد قيل: "ومن أخذ كلاماً حسناً عن غيره فتكلم به في موضعه وعلى وجهه، فلا ترين عليه في ذلك ضؤولة، فإن من أعين على حفظ كلام المصيبين وهُدي للاقتداء بالصالحين، ووفق للأخذ عن الحكماء ولا عليه أن لا يزداد، فقد بلغ الغاية، وليس بناقصة في رأيه، ولا غامطة من حقه أن لا يكون هو استحدث ذلك وسبق إليه" ٤.
ومن الملاحظ أنه ما اهتم شخص بجوانب المعرفة أو بجانب منها إلا وانقدح
стр. 45
عقله وثارت قريحته، فتولدت منها معرفة. مما يدلل على أهمية العناية بالمعارف والعلوم والاستفادة منها والاستزادة، فإنه قوة للمرء في شؤون دينه ودنياه.
стр. 46
الآثار التربوية:
للغة العربية آثار تربوية عميقة في مجال الكسب المعرفي؛ ذلك أنها وسيلة بلاغية ومعرفية في نقل المعرفة والتشجيع عليها، وحفظها في قوالب أدبية رائعة كما يتضح من الآثار الآتية:
١- تشجيع المعرفة:
من أهم عوامل اكتساب المعرفة وزيادة تحصيلها وجود الدوافع التي تؤز طالب المعرفة إليها أزا، حباً وتشجيعاً وإيثاراً لها على غيرها. (فالدافع أساس التعلم، وبدونه لا يكون التعلم) ١.
وأدب اللغة العربية غزير بمادته الشعرية والنثرية التي تحفز المطلع عليها على الدأب في طلب العلم وبذل الجهد والوقت دون ملل أو كلل، ومن عيون ما نقلته كتب العلم قول أبي هلال العسكري: "فإذا كنت أيها الأخ ترغب في سمو القدر، ونباهة الذكر وارتفاع المنزلة بين الخلق، وتلتمس عزاً لا تثلمه الليالي والأيام، ولا تتحيفه الدهور والأعوام، وهيبة بغير سلطان، وغنىً بلا مال، ومنعة بغير سلاح، وعلاء من غير عشيرة، وأعوان بغير أجرٍ، وجنداً بلا ديوان وفرض، فعليك بالعلم فاطلبه في مظانه تأتيك المنافع عفواً، وتلق ما يعتمد منها صفواً، واجتهد في تحصيله ليالي قلائل، ثم تذوق حلاوة الكرامة مدة عمرك، وتتمتع بلذة الشرف فيه بقية أيامك، واستبق لنفسك الذكر به بعد وفاتك"٢.
فهذا النص الأدبي الرئع والمتألق في بنيانه وحسن كلامه، وقوة معانيه ودلالاته، يدفع المطلع عليه إلى البحث العلمي والقراءة والإطلاع، وقضاء
стр. 47
الوقت في الدرس والمطالعة عن حب للعلم ورغبة فيه.
ومن الأدب الشعري للترغيب في طلب العلم وشحذ الهمم قول أحدهم١:
تعلم فإن العلم زين لأهله ... وفضل وعنوان لكل المحامد
وكن مستفيداً كل يوم زيادة ... من العلم واسبح في بحار الفوائد
تفقه فإن الفقه أفضل قائد ... إلى البرِّ والتقوى وأعدل قاصد
هو العلم الهادي إلى سنن الهدى ... هو الحصن ينجي من جميع الشدائد
فإن فقيهاً واحداً متورعاً ... أشد على الشيطان من ألف عابد
فهذه الأبيات الشعرية في وضوحها وجمال نسقها وقوة بيانها ما يحفز المرء ويدفعه إلى خوض غمار العلم والإبحار في فوائده، مع التخصص في الفقه فهو أفضل قائد لتقوى الله، وأكرم قاصد، وصاحبه إذا كان من أهل الورع والتقى أشد على الشيطان من العابد الذي زَهِدَ في العلم، واقتصر على التعبد لربه بغير العلم.
وقيل٢:
وفي الجهل قبل الموت موت لأهله ... فأجسامهم قبل القبور قبورُ
وإن امرأ لم يحى بالعلم ميت ... فليس له حين النشور نشور
وقيل:
ذو العلم حي خالد بعد موته ... وأوصاله تحت التراب رميمُ
وذي الجهل ميت وهو يمشي على الثرى ... يُظن من الأحياء وهو عديم
стр. 48
وقيل ١:
إذِ العلم أعلى رتبة في المراتب ... ومن دونه عز العلا في الكواكب
فذو العلم يبقى عزه متضاعفاً ... وذو الجهل بعد الموت تحت التيارب التيارات
فمن رامه رام المراتب كلها ... ومن حازه قد حاز كل المطالب
فتلك الأبيات في عمومها تبين فضل العلم والمتعلم، وأنه أعلى المناصب وأرفعها ذروة، وهو لصاحبه بعد الموت ذكر ثاني، وأما الجاهل فهو ميت بجهله قبل موته بخروج روحه، فهو لا ذكر له بين أهل العلم وطلابه.
والنظم الأدبي في اللغة العربية يشحذ همة القارئ أو المستمع إلى محبة علم بعينه، بحسب الفن الذي نظمت فيه الأبيات الأدبية، فمن يستمع إلى أبيات المديح في علم الفقه يجد قلبه يتوق إليه كقول أحدهم ٢:
إذا ما اعتز ذو علم بعلم ... فعلم الفقه أولى باعتزاز
فكم طيب يفوح ولا كمسك ... وكم طير يطير ولا كباز
ومن يستمع إلى اللغة العربية وهي ترثي حالها وتشتكي على قومها سوء هجرهم لها، يجد نفسه مدفوعاً محباً لعلوم اللغة العربية، كما في نظم حافظ إبراهيم على لسان اللغة العربية والتي منها ٣:
رجعت لنفسي فاتهمت حصاتي ... وناديت قومي فاحتسبت حياتي
رموني بعقم في الشباب وليتني ... عَقُمتُ فلم أجزع لقول عِداتي
وِسعتُ كتاب الله لفظاً وغاية ... وما ضقت عن آي به وعظات
стр. 49
فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة ... وتنسيق أسماء لمخترعات
أنا البحر في أحشائه الدر كامن ... فهل ساءلوا الغوَّاص عن صدفاتي
أيُطْرِبكم من جانب الغرب ناعب ... يُنِادي بِوَأدي في ربيع حياتي
سقى الله في بطن الجزيرة أعظماً ... يَعز عليها أن تلين قناتي
أيهجرني قومي عفا الله عنهم ... إلى لغة لم تتصل برواة
إلى معشر الكتاب والجمع حافلٌ ... بَسَطْتُ رجائي بعد بسط شكاتي
فإما حياة تبعث الميْتَ في البلى ... وتنبت في تلك الرموس رُفاتي
وإما ممات لا قيامة بعده ... ممات لعمري لم يقس بممات
ويتبين من ذلك الأهمية العظمى لأدب اللغة العربية، شعره ونثره في شحذ الهمم ودفعها لطلب العلم والتزود به، والانكباب عليه، والسهر من أجل تحصيله، والوصول لبلغته.
فمثل هذا الأدب اللغوي الرفيع وسيلة تربوية فاعلة في جانب التلقي العلمي، جدير بالمناهج التعليمية والمعلمين أن يولوه جُلَّ اهتمامهم وعنايتهم، إنشاداً وتحفيظاً لطلاب العلم منذ نعومة أظفارهم ليتربوا على حب المعرفة والسعي في اكتسابها، فإن لعذوبة الكلمة الجميلة تأثيرها الفاعل بعد توفيق الله تعالى.
٢- نظم المعرفة وتسهيلها:
لقد أسهم أدب اللغة العربية في نظم المعرفة شعراً حتى أصبح ذلك النظم واجب الحفظ لمن أراد بلوغ المنزلة في الفن المقصود الضلوع فيه، وبلوغ مراميه، وسبر غوره، ولججه.
(فالحفظ والتعهد تمام الدُّرْكِ؛ لأن الإنسان موكَّلُ به النسيان والغفلة، فلابد له إذا اجتبى صواب قولٍ أو فعلٍ، من أن يحفظه عليه ذهنه لأوان حاجته) ١.
стр. 50
ومن أحسن ما يعين على حفظ أصول العلوم نظمها في أبيات أدبية يسهل حفظها ويأنس الطالب بترديدها؛ ولذلك قد عني العلماء بنظم أصول كثير من العلوم في منظومات شعرية بديعة، مثل الشاطبية في القراءات السبع المتواترة عن الأئمة القراء السبعة: نافع، وابن كثير، وأبي عمر، وابن عامر وعاصم، وحمزة، والكسائي. والتي نظمها الإمام القاسم بن فِرة بن خلف بن أحمد الشاطبي والتي مطلعها ١:
بدأت باسم الله في النظم أولاً ... تبارك رحماناً رحيماً وموئلاً
وثنيت صلى الله ربي على الرضا ... محمد المهدي إلى الناس مرسلاً
ومنها قوله:
وبَسْمِلْ بين السورتين بسنة ... رجال نموها دربة وتحملا
ووصلك بين السورتين فصاحة ... وَصِل واسكُتَنَّ كل جلاياه حصلا
وهذه القصيدة فضلاً عن أنها حوت القراءات السبع المتواترة، تعتبر من عيون الشعر بما اشتملت عليه من عذوبة الألفاظ، ورصانة الأسلوب، وجودة السبك وحسن الديباجة، وجمال المطلع والمقطع، وروعة المعنى وسمو التوجيه، وبديع الحكم وحسن الإرشاد ٢.
وفي تجويد القرآن الكريم هناك متن الجزرية، نظم الإمام محمد بن محمد الجزري والتي مطلعها ٣:
يقول راجي عفو رب سامع ... محمد بن الجزري الشافعي
الحمد لله وصلى الله ... على نبيه ومصطفاه
стр. 51
محمد وآله وصحبه ... ومقري القرآن مع صحبه
ومنها قوله:
مخارج الحروف سبعة عشر ... على الذي يختاره من اختبر
للجوف ألف وأختها وهي ... حروف مد للهواء تنتهي
وفي علم الحديث منظومة البيقونية للشيخ طه بن محمد البيقوني والتي مطلعها١.
أبدأ بالحمد مصلياً على ... محمد خير نبي أرسلا
وذي من أقام الحديث عده ... وكل واحد أتى وحده
أولها الصحيح وهو ما اتصل ... إسناده ولم يشذ أو يعل
يرويه عدل ضابط عن مثله ... معتمد في ضبطه ونقله
وفي ميدان النحو والصرف هناك منظومة ألفية ابن مالك للعلامة محمد بن عبد الله بن مالك الأندلسي والتي مطلعها ٢:
قال محمد هو ابن مالك ... أحمد ربي الله خير مالك
مصلياً على النبي المصطفى ... وآله المستكملين الشرف
وأستعين الله في ألفية ... مقاصد النحو بها محوية
تقرب الأقصى بلفظ موجز ... وتبسط البذل بوعد منجز
وكذلك نظم الأجرومية في نفس الفن لشرف الدين يحيى العمريطي والتي مطلعها ٣:
стр. 52
الحمد لله الذي قد وفقا ... للعلم خير خلقه وللتقي
وقوله:
وكان مطلوباً أشد الطلب ... من الورى حفظ اللسان العربي
كي يفهموا معاني القرآن ... والسنة الدقيقة المعاني
والنحو أولى أولاً أن يعلما ... إذ الكلام دونه لن يفهما
فكم سهلت هذه المنظومة وأخواتها على طلاب العلم حفظ قواعد النحو والصرف، وجعلت علمهم في صدورهم بما استحفظوا من هذه المنظومات العلمية التي حوتها اللغة العربية بأدبها الواسع الغزير.
وأما في مجال الآداب والأخلاق فهناك منظومة الآداب للعلامة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عبد القوي المرداوي التي حوت في ألفاظ جزلة وعبارات جميلة ما يحتاج إلى أسفارٍ عديدة لشرح معانيها ودلالاتها التربوية والأخلاقية، والتي قام بشرحها العلامة محمد السفاريني في مجلدين كبيرين ١ والتي مطلعها.
بحمدك ذي الإكرام ما رمتُ أبتدئ ... كثيراً كما ترضى بغير تحدد
وصل على خير الأنام وآله ... وأصحابه من كل هاد ومهتد
ويقول: في الاستئذان:
وسنة استئذانه لدخوله ... على غيره من أقربين وبُعّدِ
ثلاثاً ومكروه دخول لهاجم ... ولا سيما من سفرة وتبعد
ووقفته تلقاء باب وكوة فإن لم ... يُجب يمضي وإن يُخف يزدد
وتحريك نعليه وإظهار حسه ... لدخلته حتى لمنزله اشهد
فتلك نماذج تؤكد وتوضح جلالة وقدر اللغة العربية وأدبها في نظم العلم
стр. 53
وخدمة الدين الحنيف، بما يربي ويغرس في المتعلم محبة اللغة العربية التي حفظت أصول العلم بالنظم البديع، الذي لا يكاد يخلو فن من فنون علم الشريعة إلا وسجلت أصوله وقواعده في منظومة بديعة، يتنقل بها الطالب أين ما حل وارتحل، وكأنها كتاب في صدره، فلله درها من لغة ومن أدب.
ومن أثر اللغة وأدبها في تسهيل المعرفة، أن بينت له أسس التلقي وطرائقه في نظم يسير يغني عن الشرح والتطويل، وتأمل هذين البيتين التي قيل: إنها لعلي بن أبي طالب ﵁ ١.
ألا لن تنال العلم إلا بستة ... سأنبيك عن مجموعها ببيان
ذكاء وحرص واصطبار وبلغة ... وإرشاد أستاذ وطول زمان
فبين البيت الثاني في شطريه عوامل وأسس التلقي التي هي عماد طلب العلم وتلقيه وحفظه، وهي: الذكاء والعزيمة القوية، والصبر إلى بلوغ ذلك العلم مع الأستاذ وتوجيهاته، والفترة الزمنية التي قد تطول، فمن لم يدرك ويفهم هذه الأسس لا يحصل له المطلوب، وكم من محب للعلم توقف في إحدى محطات الطريق لعدم إدراكه أن المراد يحتاج صبر وطول زمان، وآخر توقف لعدم إدراكه عامل الصبر والإرادة القوية.
وقد شكى الإمام الشافعي إلى وكيع بن الجراح سوء الحفظ، فأرشده إلى العلاج في بيتين جميلين ٢.
شكوت إلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العلم نور ... ونور الله لا يهدى لعاصي
ولعل الإمام الشافعي أراد بهذين البيتين أن يعلمنا أهمية ترك المعاصي، وأنها
стр. 54
مما يعيق تحصيل العلم، وإلا فهو الحافظ اللبيب من أهل التقى، كان من أحسن الناس حفظاً. قال ﵀: "كنت أقرئ الناس وأنا ابن ثلاث عشرة سنة، وحفظت الموطأ قبل أن احتلم" ١.
٣- نقل المعرفة:
إن اللغة هي وعاء المعرفة، بها تحفظ العلوم، لفظاً وكتابة، فكل علم هو على اللغة يعتمد، في حفظه وفي نقله، وقد حفظت لنا اللغة العربية علوم أسلافنا، ونقلت إلينا بواسطتها. فنعم الناقل ونعم المنقول. وقد قيل: (الكتب بساتين العلماء، وقيل الكتاب جليس لا مؤنة له) ٢.
والكتب بما سطر فيها وسيلة لتحريك الهمم، وصقل العقول. يقول أحد أعيان العلم في من أفرط في العلم أيام خموله وحداثة سنه: "لولا جياد الكتب وحسانها لما تحركت همم هؤلاء لطلب، ونازعت إلى حب الكتب وأنفت من حال الجهل" ٣.
واللغة العربية تميزت بدقة ألفاظها في نقل المعرفة، حيث تعطيك اللفظ الدقيق الذي يصور الشيء على حقيقته، وهذه خاصية تميزت بها اللغة العربية عن غيرها من اللغات في نقل المعرفة، يقول أحد المتخصصين: "وتمتاز اللغة العربية بدقة تعبيرها، والقدرة على تمييز الأنواع المتباينة والأفراد المتفاوتة، والأحوال المختلفة، سواء في الأمور الحسية، أو المعنوية" ٤.
ومثال ذلك: المشى عام، ودرج للصبي، وحبا للرضيع، وحجل الغلام أن يرفع رجلاً ويمشى على أخرى، وخطر الشاب مشى باهتزاز ونشاط، ودلف
стр. 55
الشيخ، مشى رويداً بخطا متقاربة، وهدج مشى مثقلاً، ورسف للمقيد، واختال وتبخترٍ وتخلج وهرول وتهادى أنواع من المشي.
والنظر عام، ورمقه نظر إليه بمجامع عينية، ولحظه نظر إليه من جانب أذنه، ولمحه نظر إليه بعجلة ١.
فمثل هذه الألفاظ الدقيقة في معناها ومدلولها، تعطي نقلاً دقيقاً للمعرفة تعجز عنها لغات العالم، ومن جانب آخر إذا تعود الناشئة منذ مراحلهم المتقدمة على استخدام الألفاظ العربية الصحيحة حسب دلالاتها ومعانيها يكسبهم ذلك ثروة لغوية ودقة في التعبير والوصف ونقل المعرفة، بل ويزيدهم ثراءً لغوياً.
بل إن كثرة القراءة والاطلاع على كلمات اللغة واستخدامها وسيلة تربوية لعلاج التخلف اللغوي كما يقرره التربويون المتخصصون (فالقراءة خير علاج لتخلف مستوى المحصول اللفظي عن المستوى العادي) ٢.
وللمحصول اللفظي أهميته القصوى في تنمية القدرة على التعبير، والقدرة على معرفة المادة المقروءة ٣.
كما أن دقة التعبير والتخصيص سبيل من سبل تكوين الفكر العلمي الواضح المحدد الذي تحتاج إليه كل أمة في تربية أبنائها على التفكير الواضح الدقيق الذي يعدهم للعمل والبحث العلمي، ولا يمكن أن تكون اللغة البعيدة عن الدقة المتصفة بالعموم أو الإبهام أو الغموض أداة للتعبير عن الفكر العلمي الدقيق، ولابد من التقابل في الخصائص والصفات بين التعبير والتفكير ٤.
стр. 56
المبحث الثالث: التربية الفكرية
مفهوم الفكر:
الفكر: إعمال الخاطر في الشيء ١.
والفكر: هو إحضار معرفتين في القلب ليستثمر منها معرفة ثالثة ٢، والفكر المقصود هو ذلك التفكير العلمي، إذ هو التفكير المجدي الذي يمكننا من الاستنتاج من المقدمات أو الوقائع ٣.
وليس التفكير العلمي محصوراً في الأبحاث والدراسات، بل إنه منهج يصلح لأن يَصْبِغَ جميع مواقف حياة الإنسان في شؤونه الخاصة والعامة، وفي سلوكه الاجتماعي والعلمي ٤.
стр. 57
الأهمية التربوية للتفكير:
يعتبر التفكير هدفاً تربوياً يسعى القائمون على المؤسسات التربوية تنميته لدى الناشئة؛ وذلك أنه يصقل عقولهم، وينمو بها نحو الاستخدام الأمثل للفرصة المتاحة المباحة في أي مجال من مجالات الحياة النافعة.
والقدرات العقلية عديدة ومتنوعة عند الإنسان مثل: (القدرة على الإدراك، والقدرة على التذكر، والقدر على التخيل، والقدر على الاستنباط والاستنتاج، والقدر على التحليل، والقدرة على التركيب، والقدرة على الاستقراء، والقدرة على التكيف، والقدرة اللغوية والقدرة الكتابية، والقدرة العددية أو الحسابية، والقدرة العملية، والقدرة الفنية أو الجمالية ونحوها) ١.
стр. 58
فهذه القدرات في تنوعها تحتاج إلى تنميتها لدى الأفراد من خلال جوانب التعليم والمعرفة المتعددة، ومنها جانب اللغة العربية وعلومها المختلفة التي تقدح ذهن المتعلم، وتنمي فيه قدرات عقلية متنوعة، كسعه الخيال وخصوبته، وفهم مرامي الكلام وتأويله ولحنه ومغازيه، وإدراك الحكمة والتمثل بها قولاً وعملاً؛ ولذلك ربط بين الرأي والأدب.
فقيل: (الرأي والأدب زوج، لا يكمل الرأي بغير الأدب، ولا يكمل الأدب إلا بالرأي) ١؛ وذلك أن الأدب هو الوسيلة في التعبير الموضحة لمقدار العقل، والذي يؤكده ذلك الموقف من غلام وفد أهل الحجاز عندما جاءوا مبايعين للخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁، فتقدم الغلام للكلام، فقال عمر: يا غلام ليتكلم من هو أسن منك، فقال الغلام: يا أمير المؤمنين، إنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه، فإذا منح الله عبده لساناً لافظاً وقلباً حافظاً فقد استجاد له الاختيار ٢. فزين الغلام فكره بمنطقه اللغوي، ولو كان عي اللسان لما ازدان فكره بلسانه.
قال عمر بن الخطاب ﵁ في بيان أهمية اللغة في التربية العقلية: "تعلموا العربية فإنها تثبت العقول، وتزيد في المروءة" ٣.
وقال: "وعليكم بالفقه في الدين، وحسن العبادة، والتفهم في العربية"٤. فاللغة هي الجسر الذي يصل بين الحياة والفكر، تسبق وجود الأشياء أحياناً، وتلحقها أحياناً أخرى، فالفكرة التي تجول في الذهن مجردة تنتقل إلى شيء يتحقق وجوده وبعد أن يوجد الشيء ينتقل إلى أذهان الآخرين بطريق اللغة ٥.
стр. 59
والمتأمل في العلاقة بين اللغة العربية وعقلية أصحابها، يجد أن هناك تفاعلاً فكرياً عميقاً، فقد كانت الصلة قوية بين مفردات اللغة وعقلية أصحابها وعاداتهم، فالألفاظ العربية تدل على تفكير العرب ونظرتهم إلى الأشياء، ذلك أن في تسميتهم لها باسم بعينة، وفي إطلاق لفظ دون غيره عليه، واختيار صفة من صفاته ما يدل على اتجاههم في التفكير وفهمهم للأشياء ونظرتهم إليها.
فاستعمالهم لفظ العامل للوالي والحاكم يدل على أنهم فهموا الولاية بعد الإسلام على أنها عمل من الأعمال، وكلمة العقل المأخوذة من معنى الربط تدل على أنهم يفهمون العقل زاجراً عن الشر، ويربط الإنسان عنه، ويعتبرون فيه الجانب الخلقي لا الجانب الفكري وحده، وكلمة اليمين بمعنى القسم؛ لأن المتحالفين كان أحدهما يصفق بيمينه على يمين صاحبه ١.
وهذا يدل على عمق اللغة العربية وقدرتها الفائقة في نقل المعرفة بدقة متناهية، فهي التي وسعت كتاب الله لفظاً وغاية، كما يؤكد هذا الأهمية التربوية للغة العربية في النمو الفكري للإنسان.
стр. 60
الآثار التربوية:
للغة العربية آثار تربوية جلية في النمو الفكري للإنسان، فهي مصدر قوي لسعة الخيال وتخصيبه، بصورها البلاغية وأدبها المتألق وقواعدها الرصينة، والتي فاضت كتب الأدب فيها بالأمثال والحكم التي لا تزيد قارئها إلا حكمة وأدباً وفهماً، ويمكن استجلاء شيئاً من آثارها التربوية الفكرية في الآتي:
١- النمو الفكري:
يعتبر الجانب الفكري أحد المطالب التربوية التي تسعى المنشآت التربوية لترسيخها وبنائها وتنميتها في الناشئة، حيث (تعد عملية التفكير كعميلة عقيلة
стр. 61
عليا من أهم وظائف العقل البشري التي تمكنه من الفهم والإدراك، والتمييز والمعرفة والاستيعاب والاستنباط والاستنتاج، وإصدار الأحكام الصائبة) ١.
والمتأمل يجد أن اللغة العربية وعلومها من أهم المصادر الفاعلة في تربية الفكر الإنساني ونموه، لما حوته علوم اللغة العربية من الحكم والأمثال والقصائد الشعرية والأدب النثري الذي تزكو به العقول (فللعقول سجيات وغرائز بها تقبل الأدب، وبالأدب تُنَمَّى العقول وتزكو، فكما أن الحبة المدفونة في الأرض لا تقدر أن تخلع يبسها وتُظهر قوتها وتطلع فوق الأرض بزهرتها وريعها ونظرتها ونمائها إلا بمعونة الماء الذي يغور إليها في مستودعها، فيذهب عنها أذى اليَبَس والموت، ويحدث لها بإذن الله القوة والحياة، فكذلك سليقة العقل مكنونة في مغْرِزِها من القلب، لا قوة لها ولا حياة بها، ولا منفعة عندها حتى يعتملها الأدب الذي هو ثمارها وحياتها ولقاحها) ٢.
واللغة العربية لم تقتصر على كونها معبرة عن التفكير، بل كانت أداة نموه، وارتقائه ٣. ويشهد لذلك القرائح الأدبية التي أثرت كتب الأدب بالنثر والشعر الذي حوته بين جوانبها.
والذي يتأمل خصائص اللغة العربية، ويدرسها بعمق، انما تزيده عمقاً فكرياً، ففي مكونات الكلمة أسرارٌ بديعة، يكشفها علماء اللغة العربية. فهناك. (تقابل بين أصوات الألفاظ، وما تدل عليه من المعاني، فمن ذلك أنه يرى ـ أي ابن جني ـ أن تكرار الحروف في اللفظ يقابل تكرار الحدث، أو الفعل في الواقع كما في زلزل، وجرجر، وأن تكرير العين في بناء الفعل، وهي أقوى حروفه، يقابل تكرير الفعل نفسه كما في كسّر وعلّق، ويرى ابن جني أن ما سبق لم يقع
стр. 62
في هذه اللغة الشريفة مصادفة، وإنما هو أمر مقصود دلت عليه حكمة العرب التي شهدت بها العقول) ١.
فالمتأمل في فقه اللغة العربية يجد أن دراستها تنمي الفكر الإنساني بما يجده فيها من حكم وأسرار وجمال في التراكيب اللفظية والتناسق العجيب بين الكلمة ومرادها، وحتى بين أصوات اللغة وأصوات الطبيعة.
ويؤكد المتخصصون في اللغة (أن العلاقة بين الفكر واللغة علاقة وثيقة، تصل إلى درجة الارتباط العضوي عند العديد من الباحثين، فإذا كان الفكر محصلة النشاط العقلي في تفاعله مع الكون المحيط به من ناحية، ومع المذخور التجريدي الموجود في الذاكرة من ناحية ثانية، فإن التجسيد الحي لهذا الفكر يتمثل في اللغة) ٢.
والطفل لا يمتلك أي مهارة لغوية إلا بعد أن يصل إلى مستوى النضج العقلي، ولا يستطيع التفكير إلا بعد أن يمتلك ثروة لغوية " ٣.
وهذه في مجملها تؤكد أهمية اللغة في النمو الفكري، وخاصة اللغة العربية التي اختارها الله لغة للقرآن الكريم ولنبيه محمد ﷺ وصحابته ﵃، وهي اللغة التي نقل بها علماء الأمة الرصيد العلمي الهائل للأجيال عبر تاريخها الطويل.
٢- سعة الخيال وخصوبته:
يعتبر سعة الخيال قدرة ذهنية فكرية متقدمة ذلك (أنه العملية العقلية التي تقوم في جوهرها على إنشاء علاقات جديدة بين الخبرات السابقة، بحيث تنظمها في صور وأشكال لا خبرة للفرد بها من قبل) ٤.
стр. 63
فهي عملية عقلية تستعين بالتذكر في استرجاع الصور العقلية المختلفة ثم تمضي لتؤلف منها تنظيمات جديدة تصل الفرد بماضيه، وتمتد به إلى حاضره، وتستطرد به إلى مستقبله ١.
ولأسلوب تصوير المعاني وتخيلها وتجسيدها أثر عظيم وفاعل في الميدان التربوي؛ لأنه يثير في النفس العواطف والمشاعر ٢.
فتأمل قول الله تعالى: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ ٣.
فلعظم الشرك بالله وخطورته فإن من يشرك بالله فمثله كمثل الشيء الذي سقط من السماء فتخطفه الطير فتقطعه أعضاء، كذلك المشرك إذا ترك الاعتصام بالإيمان تخطفه الشياطين من كل جانب، ومزقوه وأذهبوا عليه دينه ودنياه، وإما أن تأخذه عاصفة شديدة من الريح فتعلوا به في طبقات الجو فتقذفه بعد أن تقطع أعضاءه في مكان بعيد جداً ٤.
فنلحظ في هذه الآية الكريمة صورة بلاغية تجسد لقارئ كتاب الله تعالى عظيم الشرك وخطورته في صورة تستثير فيها خيال التالي للآية العظيمة الأنيفة.
وقد انعكست بلاغة القرآن الكريم وصوره البلاغية على شعراء المسلمين حيث (ارتقى خيال شعراء المسلمين، فاقتبسوا كثيراً من تصوير القرآن الكريم للأمواج والسحاب والنور والظلام، والقمر والنجوم وغيرها، فهذا النابغة الجعدي يقول٥:
стр. 64
تبعث رسول الله إذ جاء بالهدى ... ويتلو كتاباً كالمجرة نيرا
واللغة العربية لها أثر كبير وبالغ في تنمية الخيال وخصوبته، ذلك أن علومها من أدب وبلاغة تغرس في دارسيها وتربي في أذهانهم سعة الخيال وخصوبته من خلال صور الخيال الأدبية التي تزخر بها مضامين الشعر والنثر، وهذا الخيال المبحر في الأدب ليس خيالاً لا واقع له بل (جمع العرب بين الواقعية الحسية والمثالية المعنوية) ١. ولكن مثاليتهم هذه ليست مثالية خيالية مجردة من الحياة، بل هي امتداد للواقعية وتسام بها، وتجريد وغاية لها " ٢.
وليس المقصود من الخيال الجنوح بالذهن في متاهات الخيال عبر صور وتصورات لا واقع لها، بل هو وصف أشياء بأخرى أكثر وضوحاً وأعذب معنى وأبلغ بيان، كوصف الأعمال الخبيثة في هشاشتها وزوالها برماد اشتدت به الريح، والهموم المتلاحقة بأمواج البحر المتلاطمة، وظلمة الظلم بسواد الليل البهيم، فمثل هذه الأمثلة عندما تصاغ في عبارات أدبية تحدث أثراً تعليمياً هو القياس والتشبيه والاستعارة والمجاز، التي توسع رحابه الخيال، وتوضح المعنى أيما
إيضاح، كقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً﴾ ٣.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ * أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ
стр. 65
لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ ١.
ومن النصوص الشعرية التي تمثل فيها عمق الخيال التشبيهي قول امرئ القيس٢.
وليل كموج البحر أرخى سُدُلَه ... علىَّ بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازاً وناءَ بكلكل
ألا أيه الليل الطويل ألا انجل ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل
فهذه صورة خيالية بلاغية جميلة التصوير في توضيح عظم ما أصابه من هم، فشبه الشاعر الليل في رهبته بموج البحر في قوته وعنفوانه، وقد أسدل على الشاعر سواده ليختبر صبره، ثم يخاطب الليل وكأنه بعير يمد ظهره، ويثني برفع مؤخرته، ثم ينهض بصدره، ثم يسأل ويطلب انكشاف الليل عن الصباح وإن كان الصباح ليس بأحسن حالاً من الليل، لأن الهم قد ملأ ليله ونهاره.
وقول الشاعر طرفة بن العبد ٣.
لخولة أطلالُ ببرقة ثهمد ... تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
فوصف الشاعر أطلال خولة بصورة رائعة التشبيه الخيالي كأنها مثل النقش القديم المتبقي علي اليد، وكأنه متهشم.
ومن شعر الدعوة، يقول أحدهم ٤:
وأصغي إلى وحي السماء يهزني ... وينساب في الأحشاء كالنبع صافياً
стр. 66
فأغسل قلبي في مناهل طهره ... وأروى به من كان ظمآن صاديا
تحاول أعماقي تشرُّبَ روحه ... لأصبح قرآناً على الأرض ماشياً
في هذا التصوير البليغ والتأثر العميق بالقرآن الكريم يصف الشاعر أثر القرآن على نفسه، بأنه يزيل عن قلبه كل ما يكدره ويرتوي بتلاوته كارتواء من كان شديد الظمأ، فينساب أثر القرآن على نفسه كانسياب الماء في الأحشاء.
فهكذا نجد أن اللغة العربية بعلومها الأدبية البلاغية الرائعة تمد المتتلمذ لها بفيض من الصور البلاغية التي توسع أفق ذهنه ورحابة تصوره بما يجعله واسع الخيال، بعيد النظر، قادر على تقريب المعاني بالتشبيه والاستعارة والمجاز، والتي هي وسيلة تربوية مهمة في تقريب المعاني للأفهام. والعلو بالمستفيد في ذرى التبليغ والتعليم وفن التدريس والدعوة والتوجيه.
٣- التمثل بالحكمة والموضوعية:
والحكمة: عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، ويقال لمن يحسن دقائق الصناعات ويتقنها: حكيم ١.
وهذا المفهوم يشير إلى أن الحكمة ليست معرفة الأشياء عن طريق التخمين، وإنما على أساس علمي، لتكون النتيجة صائبة مقبولة وفاعلة.
الحكيم: فَعِيل، وبمعنى فاعل، أو هو الذي يحكم الأشياء ويتقنها، وقيل ذو الحكمة ٢.
والموضوعية هي ثمرة الحكمة؛ لأن الحكمة تتطلب من الفرد ومن الجماعة أن تضع الأمور في نصابها على أساس علمي أو معرفي، وبالتالي يمكن التقرير بأن الموضوعية هي الاستخدام الأمثل للحكمة وتنزيلها في مصبها ومجراها الصحيح.
стр. 67
وإن الموضوعية التي هي وليدة الحكمة أساس النجاح والتفوق في المنزل والمدرسة وميدان العمل والتجارة ومع الرفاق والأصدقاء والأعداء وغيرهم، ذلك أنها تجعل الفرد يضع الأمور في نصابها، ولا أحسن وأفضل من وضع الأمور في مواضعها، وقد امتن الله تعالى على عبده لقمان بأن آتاه الحكمة فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ١.
فيخبر الله تعالى في هذه الآية الكريمة عن امتنانه على عبده الفاضل، لقمان بالحكمة، وهي العلم بالحق على وجهه وحكمته، فهي العلم بالأحكام ومعرفة ما فيها من الأسرار والإحكام، فقد يكون الإنسان عالماً ولا يكون حكيماً.
وأما الحكمة: فهي مستلزمة للعلم، بل وللعمل، ولهذا فسرت الحكمة بالعلم النافع والعمل الصالح ٢.
وقال تعالى مبيناً مكانة الحكمة ومنزلتها وعظيم شأنها: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ﴾ ٣.
والحكمة كما يقول الشيخ السعدي هي: من العلوم النافعة والمعارف الصائبة والعقول المسددة، والألباب الرزينة، وإصابة الصواب في الأقوال والأفعال، وهذا أفضل العطايا، وأجل الهبات، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ ؛ لأنه خرج من ظلمة الجهالات إلى نور الهدى،
стр. 68
ومن حمق الانحراف إلى إصابة الصواب ١.
والحكمة بهذا تعتبر أس النجاح والتفوق والتقدم؛ لأنها التجسيد الحقيقي للمعرفة الصحيحة في واقع الأفعال والأقوال الإنسانية والجماعية والفردية.
والتربية الفاعلة تسعى إلى إكساب المتربين الحكمة من خلال التنشئة العلمية الصحيحة؛ لأن الأمور جميعها لا تصح إلا بالحكمة (التي هي: وضع الأشياء في مواضعها وتنزيل الأمور منازلها، والإقدام في محل الإقدام، والإحجام في موضع الإحجام) ٢.
فالحكمة شجرة تنبت في القلب، وتثمر في اللسان، وهي موقظة للقلوب من سِنَةِ الغفلة، ومنقذة للبصائر من الحيرة ٣.
ولما أن مصنفات الأدب قد حوت في حوزتها وبين دفات كتبها الكثير من الحكم التي صيغت في قوالب بلاغية غاية في الإيجاز، وجمال اللفظ، فإنها جديرة بان يوليها الميدان التربوي الاهتمام اللائق بها من خلال المناهج الدراسية الصفية وغير الصفية.
وأما الموضوعية فتعتبر من أبرز مقومات الشخصية الفاعلة المتفاعلة ذات الأثر والتأثير في محيطها الاجتماعي؛ لأنها الشخصية المفعلة لنصوص الحكمة في جوانب الحياة المختلفة، حسب الحقائق لا حسب الأهواء والرغبات غير الموضوعية لأن (التعامل مع الحقائق جزء هام من الموضوعية، بل إنه يمثل الجزء الأهم؛ لأن إدراك الحقائق على ما هي عليه قد يكون ميسوراً في كثير من الأحيان لكن التعامل مع الحقائق بموضوعية لا يكون إلا معقداً، حيث إنه يحتاج إلى علم وخبره، ويحتاج إلى مرونة، وتجرد عن الهوى) ٤.
стр. 69
والحكمة هي زبدة التجارب والمعارف، صيغت في قوالب أدبية رفيعة، إذا أخذ بها الفرد صنعت منه شخصية موضوعية فاعلة مؤثرة، نتيجة التطبيق الصحيح لما عرف من الحِكَمِ التي أثرى بها معارفه، فأكسبته خبرة لا عن مواقف وإنما عن عظات وعبر، سمع بها وقرأها وطبقها.
ولذلك فإن (العاقل ينظر فيما يؤذيه، وفيما يسره، فيعلم أن أحق ذلك بالطلب إن كان مما يحب، وأحقه بالاتقاء إن كان مما يكره أطوله وأدومه وأبقاه، فإذا هو قد أبصر فضل الآخرة على الدنيا، وفضل سرور المروءة على لذة الهوى، وفضل الرأي الجامع الذي تصلح به الأنفس والأعقاب على حاضر الرأي الذي يستمتع به قليلاً ثم يضمحل، وفضل الأكلات على الأكلة، والساعات على الساعة) ١.
وكم من الأفراد يفوتهم شيءٌ كثيرٌ من هذا، فيفضل ساعات الراحة التي يعقبها أضعافها من التعب والمشقة. فيبدد شبابه وقوته في لذات زائلة، يشقى بها في شيخوخته، وكم من شخص ينظر لساعات الدنيا ولذتها وهي زائلة، ويقصر النظر عن لذات الآخرة وديمومتها وهي الباقية، فلا موضوعية مبنية على حكمة عند هذا النوع.
وكم من أفراد كانوا ضد ذلك، بما علموا وعملوا من حكمة وموضوعية التعامل، وقياس الأعمال والأقوال بنتائجها اليانعة وإن كانت آجله.
وعند العقلاء (كلمة حكمة من أخيك خير من مال يعطيك؛ لأن المال قد يطغيك والكلمة من الحكمة تهديك) ٢.
وهنا يتباين الناس في تقديم الحكمة والمال كتباين الليل والنهار، فمنهم من يفرح بالمال ولو كان على جهل، ويقدمه على العلم والحكمة، وأناس نظروا للعلم نظرة الاعتزاز؛ لأنه ذلول الحكمة وقدموه على المال، فجاءتهم الحكمة والمال، فظفروا بالاثنين معاً.
стр. 70
وقال بعض السلف: القلوب تحتاج إلى قُوْتِهَا كما تحتاج الأبدان إلى قُوْتِهَا من الغذاء. وقال بعض الحكماء الحكمة خِلْةُ العقل، وميزان العدل، ولسان الإيمان، وعين البيان، وروضة الأرواح، وأمن الخائف، ومتجر الرابح وحظ الدنيا والآخرة، وسلامة العاجل والآجل ١.
فالحكمة عماد الأدب الموضوعي، والتطبيق الفعال، المثمر في نتائجه، وإن طال الطريق، وبعد المسير.
٤- تقوية البصيرة:
البصيرة: هي الفطنة، والبصير بالأشياء أي العالم بها ٢.
والبصيرة هي أساس الوضوح وسلامة المنهج والطريق. قال تعالى في توجيه نبيه محمد ﷺ في دعوة الخلق: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٣.
وخير وسيلة لتقوية البصيرة، وفطنة الفهم والتعقل كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ثم يأتي بعد ذلك الحكم والأمثال التي انقدحت عن ذوي الألباب من أهل العلم والأدب والتجارب، قال ﷺ : "إن من البيان سحراً وإن من الشعر حكماً" ٤. وقال ﷺ : "والحكمة الإصابة في غير النبوة" ٥.
قال بعضهم: الحكمة نور الأبصار، وروضة الأفكار ومطية الحلم، وكفيل النجاح وضمين الخير والرشد، والداعية إلى الصواب، والسفير بين العقل والقلوب، لا تندرس آثارها، ولا تعفو ربوعها، ولا يهلك امرؤ بعد عمله بها ٦.
стр. 71
ومن الحكمة البيانية حسن الجواب وحضوره عند الحاجة إليه. قال مسلمة ابن عبد الملك: "ما شيء يؤتى العبد بعد الإيمان بالله تعالى أحبّ إليّ من جواب حاضر، فإن الجواب إذا انعقب لم يكن شيئاً" ١.
ولتربية هذه الحاسة قراءة كتب الأدب التي اشتملت وجمعت مواقف في حسن الجواب وتمامه، وسرعة البديهة، وجمال اللفظ، وهي كثيرة وسيأتي ذكر شيء منها.
ومن الحكمة التعقل في اتخاذ القرار من حيث الوقت والمكان ونوع اللفظ والعبارة، ليستوجب صفة أولى الألباب (وليس كل ذي نصيب من اللب بمستوجب أن يسمى في ذوي الألباب، ولا يوصف بصفاتهم، فمن رام أن يجعل نفسه لذلك الاسم والوصف أهلاً فليأخذ له عتاده ... فإنه قد رام أمراً جسيماً لا يصلُح على الغفلة، ولا يدرك بالمعجزة، ولا يصير على الأثرة) ٢.
وإن مما يقدح البصيرة حفظ ما تيسر من الحكم التي حوتها كتب الأدب والتمثل بها عملاً وتطبيقاً.
ومن كتب الأدب النافعة هي هذا:
ـ الأدب الصغير والأدب الكبير، لعبد الله ابن المقفع
ـ عين الأدب والسياسة وزين الحسب والرياسة، لأبي الحسن علي بن عبد الرحمن بن هذيل.
ـ بهجة المجالس وأنس المجالس، للإمام ابن عبد البر القرطبي.
ـ أدب المجالسة وحمد اللسان، وفضل البيان، وذم العي وتعليم الإعراب للحافظ أبي عمر يوسف بن عبد الله المعروف بان عبد البر.
ـ الملاحن للإمام أبي بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي.
وغيرها من الكتب المماثلة لها.
стр. 72
المبحث الرابع: التربية الأخلاقية:
مفهوم التربية الخلقية:
التربية: هي تنشئة الإنسان شيئاً فشيئا في جميع جوانبه وفق المنهج الإسلامي١.
وهذا يعني أن التربية الإسلامية تولي جميع جوانب الشخصية بالعناية والتنشئة بغية الكمال وفق ما أراد الله تعالى، ويشمل ذلك الجانب الأخلاقي.
الأخلاق: تنقسم الأخلاق إلى قسمين محمودة ومذمومة:
فالمحمودة: هي كل صفة حسنة بنية حسنة وفق منهج الله تعالى.
والمذمومة: كل صفة على غير منهج الله تعالى ٢.
وبالتالي يمكن القول بأن التربية الخلقية هي: تنشئة الإنسان شيئاً فشيئاً في جوانبه السلوكية المحمودة.
ومن وسائل التنشئة الخلقية اللغة العربية وعلومها على ما سيأتي تفصيله وبيانه.
الأهمية اللغوية في التربية الخلقية:
اللغة: هي الوعاء اللفظي للجانب الأخلاقي، وهي الأداة الناقلة للمعاني والدلالات الخلقية، وبدونها لا يمكن للمرء استيعاب المعاني الخلقية؛ ولذلك قيل: العربية تزيد في المروءة ٣. ومن جانب آخر فإن اللغة بفروع علومها المختلفة تعتبر مؤثر فاعل في غرس الفضائل الخلقية، فالأدب الذي هو أحد فروع علوم اللغة العربية يعتبر في مفهومه السليم دعوة إلى الأخلاق الفاضلة، والصفات الحميدة التي عليها تبنى العلاقات المتينة بين أفراد المجتمعات، ثم بين المجتمعات ٤.
стр. 73
والمتأمل يجد أن اللغة العربية في تراكيبها اللفظية تربط بين الفعل ودوافعه الخلقية (فالمفعول لأجله في اللغة العربية يعبر عن الدوافع النفسية، فتقول: فعلت هذا رغبة أو رهبة أو حباً أو انتقاماً، وتخصيص صيغة أو قرينة نحوية للدلالة على الدوافع النفسية من خصائص اللغة العربية ١ التي تتماشى مع ديننا الحنيف الذي يربط بين الفعل ودوافعه، كما قال ﷺ (إنما الأعمال بالنيات) ٢.
ومن حيث الجانب اللغوي يربي هذا في الناشئ أو المتعلم للغة العربية النظرة العميقة للدوافع السلوكية وأن عليه أن ينظر إلى المثيراث الخلقية لكل فعل سلوكي يقوم به، وهذا يحتاج من مدرسي اللغة العربية استجلاء هذا عند تدريس اللغة لكي يغرس في الناشئ الدلالات الخلقية في اللغة العربية.
وفي اللغة العربية سعة وغزارة في التعبير عن أنواع العواطف والمشاعر الإنسانية، كالسرور والحزن والغضب والكبر والحب والبغض والغيرة في أدق معانيها ومختلف درجاتها وفروقها ٣، وهي في مجموعها مكونات الأخلاق المحمودة والمذمومة، والتي يتعين الإفادة منها في التوجيه التربوي أثناء مقررات اللغة كالتعبير مثلاً.
وقد اهتم علماء اللغة بأدبيات وأخلاقيات عديدة لها مساس باللغة العربية وأدب استخدامها الذي ينعكس، أو يعبر عن أخلاقيات وذوق المتلبس بها في كتاباته وتعبيره، ومن ذلك اختيار الألفاظ المناسبة لمن يكتب إليه، أرفع أو أقل مكانة من الكاتب، يقول ابن قتيبة في أدب الكاتب: ونستحب له أيضاً أن ينزل ألفاظه في كتبه، فيجعلها على قدر الكاتب والمكتوب إليه وأن لا يعطي خسيس الناس رفيع الكلام، ولا رفيع الناس وضيع الكلام،
стр. 74
فإني رأيت الكُتّاب. قد تركوا تفقد هذا من أنفسهم وخلّطوا فيه) ١.
واللغة العربية من خلال علومها المختلفة، وخاصة الأدب الشعري والنثري، يربي في قارئه ومستمعه النقد الخلقي الذاتي لألفاظه التي ينطق بها، وطباعه التي يتعامل بها، عندما يقيس سلوكه الذاتي بالمضامين الأدبية في جانب الأخلاق والسلوك، وهذا يقوي جانب النقد الخلقي الذاتي (وكلما نما النقد الذاتي لدى الإنسان دل على عقلية ناضجة متفتحة، ونفس نقية صافية، وإن لا بستها الشوائب الطارئة فسرعان ما تعود إلى حياة الاستقامة والعفة) ٢.
ونضج النقد الذاتي الواعي الرشيد يساعد على تقويم السلوك وإصلاح العيوب، وترقية الأخلاق وترك سبل المفاسد والمعاصي، وإن كانت تحقق له لذة مادية آنية كما يرده إلى سبيل الهدى والتقوى والصلاح باتباع أوامر الشرع الحكيم، واجتناب نواهيه، والتقيد بالفضائل والمكارم الخلقية والآداب الاجتماعية، التي تجعله يتذوق السعادة الحقيقية ٣.
وجملة هذه الإشارات تدلل على أهمية اللغة العربية وفروع علومها في التربية الخلقية، ويتضح ذلك أكثر في استجلاء آثارها التربوية على نحو ما سيأتي.
стр. 75
الآثار الخلقية للغة العربية:
للمتمعن في اللغة العربية وفروع علومها يجد أنها وعاء عميق للتربية الخلقية، وهجر الرذائل السلوكية، وأن العناية بها عناية بالأخلاق والسلوك، وأن رعايتها رعاية للتربية الخلقية؛ ذلك أن لها أثراً عظيماً وفاعلاً في بث الفضائل الخلقية، التي يمكن إيضاحها على سبيل التفريع الإجمالي لا التفريع