ومن الحكمة البيانية حسن الجواب وحضوره عند الحاجة إليه. قال مسلمة ابن عبد الملك: "ما شيء يؤتى العبد بعد الإيمان بالله تعالى أحبّ إليّ من جواب حاضر، فإن الجواب إذا انعقب لم يكن شيئاً" ١.
ولتربية هذه الحاسة قراءة كتب الأدب التي اشتملت وجمعت مواقف في حسن الجواب وتمامه، وسرعة البديهة، وجمال اللفظ، وهي كثيرة وسيأتي ذكر شيء منها.
ومن الحكمة التعقل في اتخاذ القرار من حيث الوقت والمكان ونوع اللفظ والعبارة، ليستوجب صفة أولى الألباب (وليس كل ذي نصيب من اللب بمستوجب أن يسمى في ذوي الألباب، ولا يوصف بصفاتهم، فمن رام أن يجعل نفسه لذلك الاسم والوصف أهلاً فليأخذ له عتاده ... فإنه قد رام أمراً جسيماً لا يصلُح على الغفلة، ولا يدرك بالمعجزة، ولا يصير على الأثرة) ٢.
وإن مما يقدح البصيرة حفظ ما تيسر من الحكم التي حوتها كتب الأدب والتمثل بها عملاً وتطبيقاً.
ومن كتب الأدب النافعة هي هذا:
ـ الأدب الصغير والأدب الكبير، لعبد الله ابن المقفع
ـ عين الأدب والسياسة وزين الحسب والرياسة، لأبي الحسن علي بن عبد الرحمن بن هذيل.
ـ بهجة المجالس وأنس المجالس، للإمام ابن عبد البر القرطبي.
ـ أدب المجالسة وحمد اللسان، وفضل البيان، وذم العي وتعليم الإعراب للحافظ أبي عمر يوسف بن عبد الله المعروف بان عبد البر.
ـ الملاحن للإمام أبي بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي.
وغيرها من الكتب المماثلة لها.
стр. 72
المبحث الرابع: التربية الأخلاقية:
مفهوم التربية الخلقية:
التربية: هي تنشئة الإنسان شيئاً فشيئا في جميع جوانبه وفق المنهج الإسلامي١.
وهذا يعني أن التربية الإسلامية تولي جميع جوانب الشخصية بالعناية والتنشئة بغية الكمال وفق ما أراد الله تعالى، ويشمل ذلك الجانب الأخلاقي.
الأخلاق: تنقسم الأخلاق إلى قسمين محمودة ومذمومة:
فالمحمودة: هي كل صفة حسنة بنية حسنة وفق منهج الله تعالى.
والمذمومة: كل صفة على غير منهج الله تعالى ٢.
وبالتالي يمكن القول بأن التربية الخلقية هي: تنشئة الإنسان شيئاً فشيئاً في جوانبه السلوكية المحمودة.
ومن وسائل التنشئة الخلقية اللغة العربية وعلومها على ما سيأتي تفصيله وبيانه.
الأهمية اللغوية في التربية الخلقية:
اللغة: هي الوعاء اللفظي للجانب الأخلاقي، وهي الأداة الناقلة للمعاني والدلالات الخلقية، وبدونها لا يمكن للمرء استيعاب المعاني الخلقية؛ ولذلك قيل: العربية تزيد في المروءة ٣. ومن جانب آخر فإن اللغة بفروع علومها المختلفة تعتبر مؤثر فاعل في غرس الفضائل الخلقية، فالأدب الذي هو أحد فروع علوم اللغة العربية يعتبر في مفهومه السليم دعوة إلى الأخلاق الفاضلة، والصفات الحميدة التي عليها تبنى العلاقات المتينة بين أفراد المجتمعات، ثم بين المجتمعات ٤.
стр. 73
والمتأمل يجد أن اللغة العربية في تراكيبها اللفظية تربط بين الفعل ودوافعه الخلقية (فالمفعول لأجله في اللغة العربية يعبر عن الدوافع النفسية، فتقول: فعلت هذا رغبة أو رهبة أو حباً أو انتقاماً، وتخصيص صيغة أو قرينة نحوية للدلالة على الدوافع النفسية من خصائص اللغة العربية ١ التي تتماشى مع ديننا الحنيف الذي يربط بين الفعل ودوافعه، كما قال ﷺ (إنما الأعمال بالنيات) ٢.
ومن حيث الجانب اللغوي يربي هذا في الناشئ أو المتعلم للغة العربية النظرة العميقة للدوافع السلوكية وأن عليه أن ينظر إلى المثيراث الخلقية لكل فعل سلوكي يقوم به، وهذا يحتاج من مدرسي اللغة العربية استجلاء هذا عند تدريس اللغة لكي يغرس في الناشئ الدلالات الخلقية في اللغة العربية.
وفي اللغة العربية سعة وغزارة في التعبير عن أنواع العواطف والمشاعر الإنسانية، كالسرور والحزن والغضب والكبر والحب والبغض والغيرة في أدق معانيها ومختلف درجاتها وفروقها ٣، وهي في مجموعها مكونات الأخلاق المحمودة والمذمومة، والتي يتعين الإفادة منها في التوجيه التربوي أثناء مقررات اللغة كالتعبير مثلاً.
وقد اهتم علماء اللغة بأدبيات وأخلاقيات عديدة لها مساس باللغة العربية وأدب استخدامها الذي ينعكس، أو يعبر عن أخلاقيات وذوق المتلبس بها في كتاباته وتعبيره، ومن ذلك اختيار الألفاظ المناسبة لمن يكتب إليه، أرفع أو أقل مكانة من الكاتب، يقول ابن قتيبة في أدب الكاتب: ونستحب له أيضاً أن ينزل ألفاظه في كتبه، فيجعلها على قدر الكاتب والمكتوب إليه وأن لا يعطي خسيس الناس رفيع الكلام، ولا رفيع الناس وضيع الكلام،
стр. 74
فإني رأيت الكُتّاب. قد تركوا تفقد هذا من أنفسهم وخلّطوا فيه) ١.
واللغة العربية من خلال علومها المختلفة، وخاصة الأدب الشعري والنثري، يربي في قارئه ومستمعه النقد الخلقي الذاتي لألفاظه التي ينطق بها، وطباعه التي يتعامل بها، عندما يقيس سلوكه الذاتي بالمضامين الأدبية في جانب الأخلاق والسلوك، وهذا يقوي جانب النقد الخلقي الذاتي (وكلما نما النقد الذاتي لدى الإنسان دل على عقلية ناضجة متفتحة، ونفس نقية صافية، وإن لا بستها الشوائب الطارئة فسرعان ما تعود إلى حياة الاستقامة والعفة) ٢.
ونضج النقد الذاتي الواعي الرشيد يساعد على تقويم السلوك وإصلاح العيوب، وترقية الأخلاق وترك سبل المفاسد والمعاصي، وإن كانت تحقق له لذة مادية آنية كما يرده إلى سبيل الهدى والتقوى والصلاح باتباع أوامر الشرع الحكيم، واجتناب نواهيه، والتقيد بالفضائل والمكارم الخلقية والآداب الاجتماعية، التي تجعله يتذوق السعادة الحقيقية ٣.
وجملة هذه الإشارات تدلل على أهمية اللغة العربية وفروع علومها في التربية الخلقية، ويتضح ذلك أكثر في استجلاء آثارها التربوية على نحو ما سيأتي.
стр. 75
الآثار الخلقية للغة العربية:
للمتمعن في اللغة العربية وفروع علومها يجد أنها وعاء عميق للتربية الخلقية، وهجر الرذائل السلوكية، وأن العناية بها عناية بالأخلاق والسلوك، وأن رعايتها رعاية للتربية الخلقية؛ ذلك أن لها أثراً عظيماً وفاعلاً في بث الفضائل الخلقية، التي يمكن إيضاحها على سبيل التفريع الإجمالي لا التفريع
стр. 76
المبسوط؛ ذلك أن هذا الموضوع هو جزء من موضوع عنوان الدراسة وفرع منها، وإيضاحها فيما يلي:
١- التمسك بأهداب الشريعة:
التمسك بأهداب الشريعة الإسلامية هو أول أوصاف الأخلاق الحميدة للفرد، فمن خلا من التقيد بالشريعة فقد خلا من لباس الفضائل الخلقية بأسرها، ذلك أن الدين الإسلامي كله خلق، يقول ابن قيم الجوزية: "إن حسن الخلق هو الدين كله، وهو حقائق الإيمان وشرائع الإسلام" ١. "ويقول فالدين كله، خلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين"٢.
قال الله تعالى في وصف النبي ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ٣. وقد قالت أم المؤمنين عائشة ﵂ في وصف خلق النبي ﷺ : "فإن خلق نبي الله ﷺ كان القرآن" ٤.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أما الخُلُقُ العظيم الذي وصف الله به محمد ﷺ فهو الدين الجامع لجميع ما أمر الله به مطلقاً، هكذا قال مجاهد وغيره، وهو تأويل القرآن كما قالت عائشة ﵂: "كان خلقه القرآن" وحقيقته المبادرة إلى امتثال ما يحبه الله تعالى بطيب نفس وانشراح صدر"٥.
فالدين كله خلق، والتمسك بشرائع الدين دليل على العناية بأمر الخلق، وللغة العربية حظ ونصيب في البناء الخلقي فيما يتعلق باكتساب شرائع الدين
стр. 77
والعناية بها، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "واعلم أن اعتبار اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيراً قوياً بيناً، ويؤثر أيضاً في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد في العقل والدين والخلق" ١.
ومن منصة الأدب الإسلامي يمكن تكوين أجيال مسلمة صحيحة العقيدة، سليمة الفكر، قويمة السلوك، وذلك أن الأدب بكلماته العطرة وأسلوبه النافذ يستطيع أن يسهم في إيصال السمو الخلقي الإسلامي للآخرين، فتنتشر تعاليمه بينهم، ويذوقوا حلاوة الإيمان، ويتنسموا ريح الحرية الحقيقية، وينعموا بالسعادة٢.
ومن خلال البلاغة اللفظية التي تميزت بهااللغة العربية يستطيع الكاتب أو الداعية المتشرب للأدب اللغوي أن يثير بالنثر الجميل أو الشعر البديع التأمل في آيات الله الكونية، وما أودعه الله فيها من جمال وإعجاز وأسرار ليستجيش القلوب نحو الإيمان بالله الذي هو أساس كل فضيلة من خلال التأمل في مخلوقات الله تعالى التي دعانا المولى إلى تأملها وأخذ العبرة منها. قال تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ٣.
وكم من أديب لبيب آثار بمقطوعاته الأدبية الحس الديني نحو التمسك بأهداب الدين والذود عنه والصبر في شأنه، أمام ملذات الدنيا وزينتها، وقد حكى لنا خُبيب بن عدي وقد سيق إلى الموت على أن يعفى عنه إذا أرتد عن الإسلام، فأقبل على الموت تحت وطأة النطع والسيف مؤثراً الشهادة دون
стр. 78
اكتراث للموقف وللدنيا، فيقول ١:
لقد جمع الأحزاب حولي وألَّبوا ... قبائلهم واستجمعوا كل مجمع
وقد قربوا أبناءهم ونساءهم ... وقُرِّبْتُ من جذع طويل ممنع
وكلهم يبدي العداوة جاهداً ... عليّ لأني في وثاق بمضيع
إلى الله أشكو غربتي بعد كربتي ... وما جمع الأحزاب لي عند مصرعي
وذلك في شأن الإله وأن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع
وقد خيروني الكفر والموت دونه ... وقد هملت عيناي في غير مجزع
وما بي جذارى الموت إني لميت ... ولكن جذارى جحم نار ملفع
فلست بمبدٍ للعدو تخشعاً ... ولا جزعاً إني إلى الله مرجعي
ولست أبالي حين أقتل مسلماً ... على أي جنب كان في الله مصرعي
فكم من أثر لهذا الموقف الذي سطر في هذه القصيدة على القارئ والمستمع له، وكأنه يشعل في نفوس الآخرين جذوة الصبر، والدفاع عن الدين والتمسك به، وعدم الرضا بما هو دونه، والبعد عن كل ما يجافي الدين ويعارضه، فأكد بهذا المثال الرائع الذي صوره بلغة الضاد وأدبها الأثر التربوي للغة العربية بما تحمله من معاني ودلالات مؤثرة في النفس البشرية إذا صيغت الصياغة الأدبية.
٢- الحث على مكارم الأخلاق:
تعتبر الأخلاق في المنظور الإسلامي الهدف العام والأساسي في الإسلام، حيث يقول ﵊: "إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق" ٢.
ذلك أن الدين الإسلامي كله خلق في صلة العبد بربه، وبنبيه ﷺ ، وجميع المخلوقات؛ ولذلك قال ابن قيم الجوزية: "الدين كله خلق، فمن زاد عليك في
стр. 79
الخلق زاد عليك في الدين" ١.
ولقد أثر هذا المنطلق الإسلامي على تهذيب جارحة اللسان والبيان، ليأتي المنطوق نثراً أو شعراً في أدب جم، بل داعية بلفظه ومعناه إلى فضائل الأخلاق بحكم الالتزام الإسلامي الذي ربى فيهم هذا السلوك اللفظي الذي يربط المعنى النفسي باللفظ الكريم كما قيل: (من أراد معنى كريماً فليلتمس له لفظاً كريماً، فإن حق المعنى الشريف اللفظ الشريف، ومن حقهما أن تصونهما عما يفسدهما ويهجنهما) ٢.
ولذلك نجد الصحابة ﵃ ومن اقتفى أثرهم قد التزموا باللفظ الشريف، وتركوا ما كان مألوفاً عندهم من ألفاظ الجاهلية كوصف جمال النساء وذكر الخمر ونحو ذلك.
ومن جانب آخر نجد أن دائرة الأدب الشعري والنثري مليئة بما يشحذ الهمم ويقوي النفوس ويدفعها نحو مكارم الأخلاق في شتى الفضائل الخلقية، ومن أمثلة ذلك ما يلي:
في إكرام الضيف الذي أوصى به الإسلام خيراً، صاغته العبارات اللغوية الأدبية في صور متعددة، إذا ما سمعها السامع أو قرأها القارئ جسدت فيه كرم البشاشة، والتفاني للضيف بكل مقدوره، ومن تلك النماذج الأدبية التربوية المؤثرة قول أبو يعقوب الخريمي ٣:
أضاحك ضيفي قبل إنزاله رَحْلِهِ ... ويُخْضِبُ عندي والمحل جديب
وما الخِصْبُ للأضياف أن يكثر القِرَى ... ولكنّما وجه الكريم خصيب
وهذه الأبيات عندما يقرؤها القارئ أو تطرق أذن السامع تُحدث تفاعلاً
стр. 80
تربوياً عميقاً، يضرب بجذوره في النفس البشرية ليجدها تتجاذب مع الكرم والعناية بالضيف، وتحويل البيت المجدب الذي لاشيء فيه مائدة من الطعام الذي قد وفره لضيفه.
وفي ميدان الحياء يقول حبيب بن أوس ١:
إذا جاريت في خلق دنيئا ... فأنت ومن تجاره سواءُ
يعيش المرء ما استحيا بخيرٍ ... ويبقى العود ما بقي اللحاء
فلا والله ما في العيش خيرٌ ... ولا الدنيا إذا ذهب الحياء
إذا لم تخش عاقبة الليالي ... ولم تستح فاصنع ما تشاء
فهذه الأبيات وأمثالها في باب الحياء، إنما تستثير في المرء تغليب جانب الحياء والبعد عن الفحش والتفحش الذي يتنافى مع الدين الإسلامي العظيم، وتبين مكانة الحياء، وارتباطه بالخير والفلاح.
وميدان الأدب ملئ بما يشحذ الهمم نحو ابتغاء معالي الأخلاق وأزكاها بالكلمة الطيبة، والتركيب الجميل والوصف المؤثر البليغ.
٣- التنفير من الرذائل الخلقية:
للكلمة الخبيثة المصاغة صياغة بلاغية تأثير فاعل في النفس البشرية؛ ذلك أنها بما تحمله من زخرف القول وديباجة اللفظ، تستثير مكامن الشر في الإنسان نحو الرذائل السلوكية.
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ ٢. أي يزين
стр. 81
بعضهم لبعض الأمر الذي يدعون إليه من الباطل ويزخرفون له العبارات، حتى يجعلوه في أحسن صورة ليغتر به السفهاء، وينقاد له الأغبياء، الذين لا يفهمون الحقائق، ولا يفقهون المعاني، بل تعجبهم الألفاظ المزخرفة، والعبارات المموهة، فيعتقدون الحق باطلاً، والباطل حقاً ١.
وجاء الإسلام بالمنهج التربوي القويم الذي يحمل الإنسان مسؤولية العبارة التي يتلفظ بها، ليجعل منه شخصية مهذبة الفعال واللسان. قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ٢.
وهذه المسؤولية غرست في اتباع المنهج الإسلامي استشعار تبعية الكلمة ومسؤوليتها وأهميتها وأثرها البالغ، وتبعاتها على مستمعها وقائلها، فهجر أصحاب النبي ﷺ ما اعتادوه وألفوه من ألفاظ الجاهلية السيئة كوصف الخمر، وذكر العورات والتباهي بالمناصرة الظالمة، وسار على نهجهم من اقتفى أثرهم من الخلق إلى يومنا هذا، فأخذت الكلمة أهميتها ومسؤوليتها في البيئة المسلمة.
فقد قيل لعبد الله بن رؤبة بن لبيد التميمي: "إنك لا تحسن الهجاء، فقال: إن لنا أحلاماً تمنعنا من أن نظلم وأحساباً تمنعنا أن نظلم، وهل رأيت بانياً إلا وهو على الهدم أقدر منه على البناء؟ وله رواية حديث عن أبي هريرة٣
بل تحولت الكلمة الأدبية إلى سيف بتار يحارب به الرذيلة، مما جعل الأدب يسهم إسهاماً طيباً في التصدي للرذائل السلوكية، ومن ذلك قول الزبير بن العوام في خطبة خطبها بالبصرة: "أيها الناس إن النبي ﷺ أخذ يوماً بعمامتي من ورائي فقال: يا زبير إن الله يقول أَنفق أُنفق عليك، ولا توكئ فيوكأ عليك،
стр. 82
أوسع يوسع عليك، ولا تضيق فيضيق عليك، واعلم يا زبير أن الله يحب الإنفاق ولا يحب الإقتار، ويحب السماحة ولو على فلق تمرة، ويحب الشجاعة ولو على قتل حية، أو عقرب، واعلم يا زبير أن لله كنوز أموال سوى الأرزاق التي قسمها بين العباد محتبسة عنده، لا يعطي أحداً منها شيئاً إلا من سأله من فضله، فسألوا الله من فضله" ١.
ومن الكلام الجميل في ذم البخل والحث على مكارم الأخلاق قول أخت عمر بن عبد العزيز: (أف للبخل! والله لو كان طريقاً ما سلكته، ولو كان ثوباً طريفاً ما لبسته) ٢.
وقال الإمام الشافعي ﵁ ٣:
إذا رمت أن تحيا سليماً من الردى ... ودينك موفور وعرضك صَيِّن
فلا ينطقن منك اللسان بسوأة ... فكلك سوءات وللناس أعين
وعيناك إن أبدت إليك معايباً ... لقوم، فقل: يا عين للناس أعين
وعاشر بمعروف وسامح من اعتدى ... ودافع ولكن بالتي هي أحسن
فهذه المقطوعات الكلامية النثرية والشعرية، التي صيغت صياغة أدبية لها التأثير التربوي العميق في الحث على الفضائل الخلقية، والتنفير من الرذائل السلوكية، وبالتالي ساهمت الكلمة الأدبية في البناء التربوي إسهاماً طيباً، فأصبحت جديرة بالعناية والرعاية والدراسة.
стр. 83
النتائج والتوصيات
النتائج
...
النتائج والتوصيات:
من خلال هذه الدراسة المتعلقة ببيان الآثار التربوية لعلم اللغة العربية فقد تم التوصل إلى النتائج والتوصيات التالية:
أولاً: النتائج:
ـ أن العناية باللغة العربية عناية بالشريعة الإسلامية.
ـ تميز اللغة العربية بخصائص انفردت بها عن غيرها من لغات الدنيا، فهي لغة القرآن الكريم، واتصفت بالاعتدال في عدد حروف كلماتها، واتساع معجمها اللفظي، وجمال ألفاظها وحسن عباراتها.
ـ تكفل الله بحفظ اللغة العربية.
ـ اشتملت التراكيب اللفظية للغة العربية بخصائص فنية وذوقية لا توجد في غيرها.
ـ اهتم سلف الأمة من العلماء والخلفاء بدراسة اللغة العربية وآدابها، واتخذوا لأبنائهم المؤدبين.
ـ اهتم الخلفاء والأمراء والأعيان من سلف هذه الأمة بتعليم أبنائهم علوم اللغة العربية.
ـ علو منزلة المؤدبين الذين لهم عناية بعلوم اللغة العربية.
ـ للغة العربية آثار تربوية على الذوق اللفظي للمهتمين بها، بما ينعكس على تفعيل العواطف والعقول والسلوك من خلال الكلمة العذبة الرصينة.
ـ توسع اللغة العربية الجانب الفكري عند المهتمين بها، من خلال توسعة الخيال وخصوبته وتقوية البصيرة.
ـ أسهمت اللغة العربية في تسهيل العلم ونقله وحفظه، من خلال نظم المعرفة في قصائد شعرية، يتناقلها الطلاب والعلماء، إضافة إلى إسهامها في نقل وتشجيع العلوم والمعارف، بما نظم فيها من قصائد المديح.
стр. 84
ـ للغة العربية آثار تربوية عظيمة في اكتساب الفضائل الخلقية وهجر الرذائل السلوكية، وذلك بما اشتمل عليه الأدب النثري والشعري من حث على مكارم الأخلاق.
стр. 85
ثانياً: التوصيات:
من خلال نتائج هذه الدراسة، تم التوصل إلى التوصيات الآتية:
ـ زيادة العناية بعلوم اللغة العربية، وبطرق تدريسها.
ـ أهمية إبراز الآثار التربوية للغة العربية في الفكر والأخلاق وجمال الألفاظ، بما يغرس في دارسيها القناعة بأهميتها.
ـ أهمية إظهار الجوانب الذوقية لألفاظ اللغة العربية في المناهج الدراسية.
ـ إيضاح خصائص وجماليات اللغة العربية للدارسين بما يغرس فيهم محبة اللغة العربية والعناية بتطبيقها، وتقديمها على غيرها من اللغات.
ـ كشف الآثار التربوية العميقة والعظيمة التي تنعكس على جوانب الشخصية من تعلم علوم اللغة العربية.
ـ أهمية إبراز عناية سلف الأمة باللغة العربية، والمكانة العليا لمعلمها، ودعم ذلك بالأمثلة والنماذج.
ـ العناية بالتطبيق العملي لمادة النحو تحدثاً وكتابة في أغلب المقررات الدراسية إن لم يكن في كلها.
ـ أن تشتمل المناهج المدرسية على الحكم والأمثال العربية، وعلى المواقف التي تظهر فيها حسن وجمال التراكيب الكلامية.
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبة أجمعين.
стр. 86
مصادر ومراجع
...
قائمة المراجع
ـ الإمام أحمد بن محمد بن حنبل، المسند، وبهامشه منتخب كنز العمال، ط ٥، بيروت، المكتب الإسلامي، ١٤٠٥هـ ـ ١٩٨٥م.
ـ أحمد الهاشمي، جواهر الأدب، بيروت، مؤسسة المعارف، (د. ت) .
ـ ابن الأثير، مجد الدين المبارك بن محمد الجزري، النهاية في غريب الحديث والأثر، تحقيق طاهر أحمد الزواوي ومحمود محمد الطّناحيّ، بيروت، دار الفكر (د. ت) .
ـ أبو إسحاق إبراهيم بن علي، القيرواني، زهر الآداب وثمر الألباب، بيروت، دار الجيل (د. ت) .
ـ الألباني، محمد ناصر الدين، سلسلة الأحاديث الصحيحة، ط ٤، بيروت، المكتب الإسلامي، ١٤٠٥هـ ـ ١٩٨٥م.
ـ امرؤ القيس، ديوان امرئ القيس، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ط٣، دار المعارف (د. ت) .
ـ باسمة العسلي، جماليات اللغة العربية، مجلة الفيصل، الرياض: ١٤٢٠، العدد ٢٧٨.
ـ البحتري، ديوان البحتري، تحقيق حسن كامل الصيرفي، القاهرة، دار المعارف (د. ت) .
ـ البخاري، محمد بن إسماعيل، الجامع الصحيح، شرح وتحقيق محب الدين الخطيب، ط١، القاهرة: المطبعة السلفية، ١٤٠٠هـ.
ـ برهان الدين الزرنوجي، تعليم المتعلم في طريق التعلم، دمشق: دار ابن كثير (١٤٠٧ ـ ١٩٨٧م) .
ـ أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي، الملاحن، صححه إبراهيم طفيش الجزائري، بيروت: دار الكتب العلمية (١٤٠٧هـ ـ ١٩٨٧م) .
стр. 87
ـ ابن تيمية، تفي الدين أحمد بن عبد الحليم، اقتضاء الصراط المستقيم، تحقيق محمد حامد الفقي، بيروت، دار المعرفة (د. ت) .
ـ الجرجاني، الشريف علي بن محمد، كتاب التعريفات، ط٣، بيروت: الكتب العلمية (١٤٠٨ـ١٩٨٨) .
ـ ابن الجوزي، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد: تاريخ عمر بن الخطاب، تحقيق أحمد شودان، الطائف، مكتبة المؤيدة (د.ت) .
ـ الحاكم، أبي عبد الله الحاكم النيسبوري: المستدرك على الصحيحين، وبذيله التلخيص للحافظ الذهبي، أشراف يوسف عبد الرحمن المرعشلي، بيروت، دار المعرفة: ١٤٠٦ هـ ـ ١٩٨٦م.
ـ حافظ إبراهيم، ديوان حافظ إبراهيم، ضبط وتصحيح أحمد أمين وآخرين، الناشر محمد آمين دمج، القاهرة، ١٩٦٩م.
ـ ابن حجر، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، تحقيق عبد العزيز بن باز، تبويب محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار المعرفة (د. ت) .
ـ حسن بن علي الحجاجي: الفكر التربوي عند ابن القيم، جدّة، دار حافظ للنشر، ١٤٠٨هـ ١٩٨٨م.
ـ أبي الحسن علي بن عبد الرحمن بن هذيل، عين الأدب والسياسة وزين الحسب والرياسة، بيروت: دار الكتب العلمية (د. ت) .
ـ خالد حامد الحازمي، أصول التربية الإسلامية، الرياض: دار عالم الكتب، ١٤٢٠هـ ـ ٢٠٠٠م.
ـ أبو داود، سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي، سنن أبي داود، إعداد وتعليق عبيد الدعاس، وعادل السيد، ط١، بيروت: دار الحديث، ١٣٨٨هـ ـ ١٩٦٩م.
ـ الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان: سير أعلام النبلاء، تحقيق شعيب الأرنؤوط وآخرين، ط٦، بيروت، مؤسسة الرسالة، ١٤٠٦? ـ ١٩٨٦م.
стр. 88
ـ الزركلي خير الدين: الأعلام، ط٨، بيروت: دار العلم الملايين، ١٩٨٩م.
ـ السعدي، عبد الرحمن ناصر السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، جده، دار المدني: ١٤٠٨هـ ـ ١٩٨٨م.
ـ السيوطي، الحافظ جلال الدين السيوطي، التعريف بآداب التأليف، تحقيق مرزوق علي إبراهيم، القاهرة، مكتبة التراث الإسلامية (د. ت) .
ـ الشافعي، أبو عبد الله محمد بن إدريس، ديوان الإمام الشافعي، بيروت دار الكتب العلمية ١٤٠٨هـ ١٩٨٨م.
ـ الشوكاني، محمد بن علي بن محمد، حياته وفكره، بيروت: مؤسسة الرسالة، ١٤٠٨٢هـ ـ ١٩٨٨م.
ـ صالح آدم بيلو، من قضايا الأدب الإسلامي، جدة: دار المنارة، ١٤٠٥هـ ـ ١٩٨٥م.
ـ طرفة بن العبد، ديوان طرفة بن العبد، تحقيق علي الجندي، مكتبة الانجلو المصرية، القاهرة (د. ت) .
ـ طه بن محمد البيقوني، المنظومة البيقوينية في علم الحديث، جدة: مكتبة السوادي للتوزيع، الطبعة الأولى، ١٤٢٠هـ.
ـ ابن عبد البر أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد القرطبي، بهجة المجالس وأنس المجالس، تحقيق محمد موسى الخولي, بيروت: دار الكتب العلمية، ابن عبد البر أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد القرطبي.
ـ عبد الحميد الصيد الزنتاني، أسس التربية الإسلامية في السنة النبوية، ليبيا تونس، الدار العربية، الكتاب ١٩٨٢م.
ـ عبد الحميد الهاشمي، الرسول العربي المربي، دمشق، دار الثقافة الجميع ١٤٠١هـ ـ ١٩٨٣هـ.
ـ عبد الرحمن بن حبنكة الميداني، قضايا حول الشعر العربي والأدب الإسلامي، نحو أدب إسلامي محاضرات ألقيت في جامعة أم القرى، ط١، مكة المكرمة،
стр. 89
جامعة أم القرى، قسم الإعلام الإسلامي، ١٤٠٨هـ ـ ١٩٨٧م.
ـ عبد الصبور الغندور، الأدب الإسلامي مفهومه مقوماته وطرق تدريسه، نحو أدب إسلامي ألقيت في جامعة أم القرى، ط١، مكة المكرمة، جامعة أم القرى، قسم الإعلام الإسلامي، ١٤٠٨هـ ١٩٨٧م.
ـ عبد الغني بن المقفع، الأدب الصغير والأدب الكبير، بيروت، دار مكتبة الحياة ١٤٠٧هـ ١٩٨٧م.
ـ عبد الكريم بكار، فصول في التفكير الموضوعي، ط٢، دمشق: دار القلم ١٤١٩هـ ١٩٩٨م.
ـ أبو عبد الله محمد بن داود بن الجراح، الورقة، تحقيق عبد الوهاب عزام وعبد الستار أحمد فراج، دار المعارف، ط٣ (د. ت) .
ـ عبد الله محمد جار النبي، ابن قيم الجوزية في الدفاع عن عقيدة السلف، ط١، (د. م) ، (د. ن) ١٤٠٦هـ ١٩٨٦م.
ـ أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ البصري، بيروت: دار احياء العلوم (١٤٠٦ هـ ١٩٨٦) .
ـ ابن ماجة، أبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني، سنن ابن ماجه، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي (د. ت) ، دار إحياء التراث التربي (د. ت) .
ـ الماوردي، أبو الحسن علي البصري، كتاب أدب الدنيا والدين، تحقيق محمد صباح، بيروت، مكتبة الحياة ١٩٨٦م.
ـ مجمع اللغة العربية، المعجم الوسيط، إخراج إبراهيم أنيس وآخرين ط٢، القاهرة (د. ت) .
ـ محمد سعد بن حسين، الأدب الإسلامي بين الواقع والتنظير، ط١، الرياض: دار عبد العزيز آل حسين للنشر والتوزيع، ١٤٢١هـ.
ـ محمد صالح الشنطي، المهارات اللغوية، ط٤، حائل، دار الأندلس للنشر والتوزيع، ١٤١٧ هـ ١٩٩٦م.
стр. 90
ـ محمد بن عبد الله بن مالك الأندلس، ألفية بن مالك، بيروت: مؤسسة الكتب الثقافية، ١٤٢٢هـ ـ ١٩٩٢م.
ـ محمد المبارك، فقه اللغة وخصائص العربية، ص٢ (د. م) دار الفكر (د. ن) .
ـ محمد بن محمد الجزري، منظومة المقدمة فيما يجب على قارئ القرآن أن يعلمه، مراجعة، أيمن رشدي سويد، ط١، جده: مكتبة السوادي، للتوزيع، ١٤٢٠هـ.
ـ المسعودي، أبو الحسن علي بن الحسي بن علي مروج الذهب، تحقيق محمد محيى الدين ط٤، القاهرة: مطبعة السعادة، ١٣٨٤هـ ١٩٦٤م.
ـ مقداد يالجن، توجيه المتعلم، ط١٢، الرياض، دار المريخ، ١٤٠٢هـ ١٩٨٢م.
ـ مصطفى صادق الرافعي، تاريخ آداب العرب، ط١، بيروت، دار الكتب العلمية (د. ت) .
ـ ابن منظور، أبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم: لسان العرب، بيروت، دار الأصالة ١٤٠٨هـ ـ ١٩٨٧م.
ـ نايف بن حامد بن همام، التربية الإسلامية وفقيه التفكير العلمي دكتوراه، مكة المكرمة، جامعة أم القرى، كلية التربية، قسم التربية الإسلامية، المقارنة، ١٤١١هـ ١٩٩٠م.
ـ ابن النديم، الفهرست، علق عليها إبراهيم رمضان، بيروت، دار المعرفة، ١٤١٧هـ ١٩٩٧م.
ـ الملك الأفضل العباس بن علي، نزهة الظرفاء وتحفة الخلفاء تحقيق نبيلة عبد المنعم داود، مكة المكرمة، مكتبة الثقافة، (د. ت) .
ـ أبو هلال العسكري، الحث على طلب العلم، تحقيق مروان قباني، ط١، بيروت: المكتب الإسلامي، ١٤٠٦هـ ١٩٨٦م.