← Книги сунны

Книги сунны · id 8713

الأحاديث الأربعين النووية مع ما زاد عليها ابن رجب وعليها الشرح الموجز المفيد

عبد الله بن صالح المحسن

Полный текст (123 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الفوائد: (١) أن الثيب الزاني يقتل برجمه بالحجارة في كما بين في حديث (٣) أن من قتل نفسا عمدا بغير حق يقتل بشروط القتل. (٣) أن المرتد عن الإسلام يحل قتله. (٤) أن من لم يعمل شيئا من هذه الثلاث الخصال لا يحل دمه. الموجز: بين لنا النبي الكريم ﷺ في هذا الحديث أنه لا يجوز إراقة دماء المسلمين لأن دماءهم معصومة بالإسلام وأنه لا يحل دم المسلم إلا بارتكاب واحد في من ثلاث خصال: الزاني ممن سبق أن أحصن ذكرا كان أو أنثى، والقاتل للنفس المعصومة يقتل بشروط القتل، والمرتد عن الدين المفارق لجماعة المسلمين بترك الإسلام وشعائره سواء التحق بالملل الأخرى أم لا بأن جاهر بترك الإسلام، فعلى كل مسلم أن يحافظ على دينه ودمه وماله ويبتعد عن هذه المحرمات فقد جاء الوعيد الشديد في الآخرة على من ارتكب واحدة منها مع تكفير المرتد نسأل السلامة والعافية من كل بلاء وفتنة. شعر: وكف عن الفحشاء الجوارح كلها ... تكن لك في يوم الجزاء خير شهيد

стр. 37

الحديث الخامس عشر: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه" متفق عليه. المفردات: لا يؤمن: الإيمان الكامل, اليوم الآخر: يوم القيامة، فليقل: اللام لام الأمر، خيرا: كلمة جامعة لجميع الطاعات، أو ليصمت: أو ليسكت، فليكرم جاره: المجاور له في البيت أو المصنع أو غير ذلك، الضيف: الذي ينزل عليه للضيافة، فليكرمه: فليحسن ضيافته. الفوائد: (١) التحذير من آفات اللسان فلا يتكلم الإنسان إلا بما فيه مصلحة دينية أو دنيوية. (٣) الحث على الإحسان إلى الجار بكل ما ينفعه وكف الأذى عنه. (٣) الأمر بإكرام الضيف لأن إكرامه من آداب الإسلام وخلق الأنبياء والصالحين. (٤) أن هذه الخصال من شعب الإيمان ومن الآداب السامية. (٥) في الحديث دليل على دخول الأعمال في مسمى الإيمان. (٦) إن على الإنسان أن يتخلق بالأخلاق الفاضلة بأي شيء كان من أموره. (٧) إن الصمت أحسن من الكلام المباح.

стр. 38

(٨) إن من أساء إلى جاره أو لم يكرم ضيفه أو أكثر كلامه بما لا خير فيه أنه ناقص الإيمان. الموجز: يرشدنا هذا الحديث إلى مكارم الأخلاق والآداب السامية حيث أنه ينبغي لكل مؤمن إذا أراد أن يتكلم أن يفكر فيما يريد أن يتكلم به فإن كان فيه خير له تكلم به وإلا أمسك عن الكلام لأن كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا ذكر الله وأمر بمعروف أو نهي عن منكر أو غير ذلك مما يهدف إلى الدين أو قوام أمره، ويأمرنا بإكرام الجار لما فيه من أداء حق، الجار ومكارم الأخلاق التي تدعو إلى كل خير وتدفع كل شر، وإكرام الضيف لأن إكرامه من آداب الإسلام وخلق النبيين والصالحين. شعر: احفظ لسانك أيها الإنسان ... لا يلدغنك إنه ثعبان آخر: قد أفلح الساكت الصوت ... كلامه قد يعده قوت آخر: إذا المرء وافى منزلا منك قاصدا ... قراك وأرمته لديك المسالك فكن باسما في وجهه متهللا ... وقل مرحبا أهلا ويوم مبارك وقدم له ما تستطيع من القرى ... عجولا ولا تبخل بما هو هالك آخر: ولاشيء يدوم فكن حديثا ... جميل الذكر فالدنيا حديث

стр. 39

الحديث السادس عشر: عن أبي هريرة ﵁: "أن رجلا قال للنبي ﷺ أوصني قال: لا تغضب, فردد مرارا قال لا تغضب" رواه البخاري. المفردات: رجلا: قيل أبو الدرداء، وقيل غيره. أوصني: وصية جامعة لخصال الخير. لا تغضب: لا تتعرض لشيء يجلب لك الغضب ولا تنفذ آثاره بالغير. فردد: كرر. الفوائد: (١) التحذير من الغضب لأنه جماع كل شر والتحفظ منه جماع كل خير. (٣) الأمر بالأخلاق الفاضلة التي تبعد عن الغضب كالحلم والرفق والتواضع. (٣) الصبر على ما يصيب الإنسان في هذه الدنيا وأن يعامل الناس معاملة حسنة. الموجز: في هذا الحديث يوصينا النبي الكريم ﷺ بأن نترك الغضب لأنه من طباع الشيطان فلا ننفذ آثاره فيحصل لنا بسببه أضرار عظيمة إما عاجلا أو آجلا بل نمسك عن الغضب وعن مقتضياته وندفعه بالتخلق بالحلم والرفق والأناة ففي ذلك خير كثير ولو لم يحصل من أضرار الغضب إلا تغير لون الوجه وشدة الحركة في الأطراف وربما

стр. 40

ينطلق لسان صاحبه بالشتم والفاحش من القول وربما جنى على أحد بالضرب أو القتل فتسوء حاله عاجلا وآجلا لكفته هذه العقوبات لهذه الآثار وغيرها، لذا أوصى النبي ﷺ السائل وكرر عليه بأن لا يغضب. (تنبيه) من أسباب دفع الغضب: ١- يتذكر الإنسان فضل كظم الغيظ. ٢- يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم. ٣- يتوضأ. ٤- يغير الحالة التي هو عليها، فإن كان قائما جلس أو جالسا اضطجع ٥- يتذكر غضب الله وأن انتقامه فوق ذلك فيخاف الله. وغير ذلك مما يعالج به الإنسان نفسه من الغضب، واتقاء أثاره السيئة، نعوذ بالله من الغضب السيء. فائدة: حكى أن رجلا قدم له خادمه طعاما في صحفة فعثر الخادم في البساط فوقع ما معه فامتلأ الرجل غيظا فقال الخادم يا مولاى خذ بقول الله تعالى, فقال الرجل وما قول الله تعالى؟ قال، قال الله تعالى ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ فقال الرجل كظمت غيظي، فقال الخادم: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ فقال عفوت عنك، فقال الخادم، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فقال الرجل أنت حر لوجه الله وأعطاه ألف دينار. شعر: ليست الأحلام في حين الرضا ... إنما الأحلام في حين الغضب آخر: ولم أر في الأعداء حين اختبرتهم ... عدوا لعقل المرء أعدى من الغضب وفي المثل:"الغضب بذر الندم".

стр. 41

الحديث السابع عشر: عن أبي يعلى شداد بن أوس ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته " رواه مسلم. المفردات: كتب: أوجب، على كل شيء: على هنا بمعنى إلى أو هي على بابها, كتب الإحسان: في الولاية على كل شيء، فإذا قتلتم: أردتم القتل، بحق، فأحسنوا القتلة: بما يسح بإزهاق الروح، وإذا ذبحتم: أردتم الذبح فاذبحوا بآلة حادة مع الرفق بالذبيحة، ذبيحته: مذبوحته بمعنى مفعول بها. الفوائد: (١) إن هذا الحديث قاعدة من قواعد الدين لشمول الإحسان إلى كل شيء. (٢) الأمر بالإحسان في كل شيء بحسبه. (٣) إعداد الآلة الحادة عند إرادة ذبح الحيوان والرفق به عند ذبحه. (٤) النهى عن التعذيب والتمثيل في القتيل والذبيحة. الموجز: في هذا الحديث قاعدة نافعة وهي الإحسان في كل شيء يستولى عليه الإنسان سواء أدميا أو حيوانا فالله تعالى قد فرض عليه الإحسان

стр. 42

حيث يقدره الله على أي مخلوق ثم إن الرسول ﷺ أتى بمثلين مثل بني آدم ومثل في الحيوانات لنأخذ من هذين المثلين نبراسا نستضيء به عند كل شيء يحتاج إلى الرفق واللين والإحسان فقال:"إذا قتلتم فأحسنوا القتلة"أي بأن تختاروا ما هو أخف وأسرع إزهاقا للروح ليستريح المقتول:"وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة"بأن تذبحوا بآلة حادة مع الرفق بالحيوان لتستريح الذبيحة بدون تعذيب, ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ . شعر: وأحسن فإن المرء لابد ميت ... وإنك مجزى بما كنت ساعيا

стр. 43

الحديث الثامن عشر: عن أبي ذر جندب بن جنادة وأبي عبد الرحمن معاذ بن جبل ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: "اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن". رواه الترمذي وقال: حديث حسن وفي بعض النسخ حسن صحيح. المفردات: اتق الله: بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، حيثما كنت: في أي مكان كنت, وأتبع: ألحق بالسيئة الحسنة، تمحها: تمح أثرها السيئ في القلب وعقابها من الصحف، السيئة: الخطيئة، وخالق الناس: عاملهم. بخلق حسن: بأن تعاملهم بمثل ماتحب أن يعاملوك به.

стр. 44

الفوائد: (١) الأمر بتقوى الله وهي وصية الله ووصية رسوله لأمته ووصية كل نبي قبل نبينا ﷺ . (٢) أن الإتيان بالحسنة عقب السيئة تمحو السيئة. (٣) الترغيب في حسن الخلق لأنه من خصال التقوى. (٤) المدوامة على التقوى والاتصاف بها في كل حال وزمان ومكان. الموجز: يوصينا النبي الكريم ﷺ في هذا الحديث بتقوى الله في السر والعلانية حيثما كان العبد في بر أو بحر أو أرض أو جو وخاليا وحده أو مع الناس وإذا أذنب العبد ذنبا فليتبعه بما يمحوه من التوبة والاستغفار: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ ، وأن يعامل الناس بمثل ما يحب أن يعاملوه به من طلاقة الوجه وكف الأذى وبذل النصح لتتألف القلوب وتكمل المحبة وتجتمع كلمة المسلمين. شعر: ألا إنما التقوى هي العز والكرم ... وفخرك بالدنيا هو الذل والعدم آخر: ومن يتخذ سببا للنجاة ... فإن تقوى الله خير السبب آخر: ما عاتب المرء اللبيب كنفسه ... والمرء يصلحه الجليس الصالح آخر: ومكرم الناس حبيب لهم ... من أكرم الناس أحبوه

стр. 45

الحديث التاسع عشر: عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "كنت خلف رسول الله ﷺ يوما على دابة، فقال: "يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فأسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبة الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف" رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وفي رواية غير الترمذي: "احفظ الله تجده تجاهك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطاك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا". المفردات: خلف: ضد قدام. على دابة: على حمار رديفا للنبي ﷺ ، يا غلام: الصبي من حين يفطم إلى تسع سنين وقيل غير ذلك. إني أعلمك كلمات: ينفعك الله بها، احفظ الله: بملازمة تقواه واجتناب نواهيه. يحفظك: في نفسك عما يضرك. تجاهك: أمامك. إذا سألت: إذا أردت السؤال. استعنت: طلبت الإعانة. فاستعن بالله: لأنه القادر على كل شيء. الأمة: المخلوقات. تعرف إلى الله: بملازمة طاعته. في الرخاء: في السعة. يعرفك في الشدة: بتفريجها عنك. واعلم: كلمة تنبيه. أن النصر: من الله لعبده. مع الصبر: على طاعة الله وأقداره التي فيها المصائب. الفرج: الخروج من الهم والغم. الكرب: الغم والضيق، وهذه الكلمات مترادفات تقريبا.

стр. 46

الفوائد: (١) جواز الإدراف على الدابة إذا كانت تطيق. (٣) الأمر بالمحافظة على حقوق الله وحقوق المخلوقين. (٣) أن الجزاء قد يكون من جنس العمل. (٤) الأمر بالاعتماد على الله والتوكل عليه دون غيره. (٥) عجز الخلق كلهم وافتقارها إلى الله . (٦) التنبيه على أن دار الدنيا دار بلاء وامتحان فينبغي الصبر والرضى بالقضاء والقدر (٧) إن الخلق كلهم لو اجتمعوا على أن يخسروا أحدا أو ينفعوه لم يستطيعوا شيئا لم يقدره الله له أو عليه. (٨) إن الله ينصر الصابر, وأن مع كل ضيق فرجا ومخرجا ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ . الموجز: في هذا الحديث الوصية العظيمة من الرسول ﷺ حيث أرشد بحفظ أوامر الله تعالى واجتناب نواهيه. وأن الله يحفظ من قام بذلك في حركاته وسكناته، وفي دنياه وآخرته، وأن الله سبحانه أمام العبد يعلم ما هو عليه، فلا يعلق العبد أموره وحاجاته بغير الله. بل يستعين بالله ويتوكل عليه في جميع أحواله وأموره إلا ما كان يقدر عليه الخلق. فيسأل الله سبحانه بأن يعطف عليه قلوبهم لينفعوه بما يقدرون عليه، وأن الناس لو اجتمعوا كلهم وحاولوا بأقوالهم وأفعالهم على أن يجلبوا له نفعا أو يدفعوا عنه ضررا أو يخبروه لم يستطيعوا ضرره ولا نفعه إلا بأمر كتبه الله له أو عليه. وأن الإنسان إذا أطاع الله في الرخاء فإن الله يجعل له عند الشدة فرجا ومخرجا, وليرض كل عبد بما قدره الله عليه من خير وشر. ومع الشدائد والمحن يلتزم العبد الصبر، فإن الصبر مفتاح الفرج ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ ., ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾

стр. 47

شعر: كم من أمر قد تضايقت به ... فأتاني الله منه بالفرج آخر: لا تجزعن إذا ما الأمر ضقت به ... ولا تبيتن إلا خالي البالي ما بين طرفة عين وانتباهتها ... يغير الله من حال إلى حال آخر: صبرت ومن يصبر يجد غب صبره ... ألذ وأحلى من جنى النحل في الفم آخر: لا تجزعن لعسرة بعدها ... يسرا وعدا ليس فيه خلاف كم عسرة ضاق الفتى لنزولها ... لله في أعطافها ألطاف

стр. 48

الحديث العشرون: عن أبي مسعود بن عمرو الأنصاري البدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فافعل ما شئت" رواه البخاري. المفردات: أدرك الناس: توارثوه قرنا بعد قرن. أدرك: بمعنى بلغ, من كلام النبوة الأولى: التي قبل نبينا ﷺ , إذا لم تستح: الحياء خلق يحث على فعل الجميل وترك القبيح, وله تعاريف غير ذلك, فافعل ما شئت: أي شيء تريد.

стр. 49

الفوائد: (١) شرف الحياء لأنه ما من نبي إلا وقد حث عليه ولم ينسخ. (٢) إن الحياء هو الذي يكف الإنسان ويردعه عن المعاصي وعن تعاطى كل قبيح شرعا. (٣) إن من لم يتصف بالحياء فإنه يفعل ما يشاء سواء خيرا أو شرا. فائدة: قال أحد العلماء: هذا الحديث يتضمن الأحكام الخمسة في قوله: إذا لم تستح فاصنع ما شئت، لأن فعل الإنسان إما أن يستحي منه أولا، فالأول الحرام والمكروه، والثاني الواجب والمستحب والمباح, ولذا قيل إن هذا الحديث عليه مدار الإسلام. الموجز: يبين لنا هذا الحديث أن الحياء لم يزل ممدوحا مستحسنا مأمورا به في الشرائع، فلم ينسخ كما نسخ غيره لأن السليم يستحسنه ويرغب فيه لأن الحياء لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه، ومن حرم الحياء فقد حرم خيرا كثيرا، وإذا لم يكن لدى الإنسان حياء يدفعه إلى فعل الجميل ومكارم الأخلاق، ويباعده عن كل قبيح وسير، ء، فليفعل ما تأمره به نفسه الأمارة بالسوء أيا كان فإن الله مجازيه على فعله؟ ويكون الأمر هنا لتهديد, كما في قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ ويحتمل معنى آخر، وهو إذا أردت أن تفعل شيئا فإن كان مما لا تستحي من فعله بأن يعاقبك الله عليه ولا من الناس بأن يذموك على فعله فافعل ما شئت لأنه مباح لك وإلا فلا.

стр. 50

شعر: ومما قيل في ذم من لم يستح: إذا لم تخش عاقبة الليالي ... ولم تستح فاصنع ما تشاء والله ما في العيش خير ... ولا دنيا إذا ذهب الحياء ولآخر: إذا لا تصن عرضا ولم تخش خالقا ... وتستحي مخلوقا فما شئت فاصنع آخر: ورب قبيحة ما حال بيني ... وبين ركوبها إلا الحياء فكان هو الدواء لها ولكن ... إذا ذهب الحياء فلا دواء

стр. 51

الحديث الحادي والعشرون: عن أبي عبد الله جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄: "أن رجلا سأل رسول الله ﷺ فقال: أرأيت إذا صليت المكتوبات. وصمت رمضان. وأحللت الحلال وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئا أأدخل الجنة؟ قال: نعم" رواه مسلم. المفردات: أن رجلا: هو النعمان بن قوقل، وقيل غيره. أرأيت: أخبرني. المكتوبات: المفروضات الخمس. وصمت رمضان: أمسكت نهاره عن المفطرات بنية. أحللت الحلال: فعله معتقدا حله. حرمت الحرام: اجتنبته معتقدا حرمته. ولم أزد على ذلك شيئا: من التطوعات. أأدخل الجنة: أستحق دخول الجنة؟ نعم: تدخل الجنة.

стр. 52

الفوائد: (١) إن من قام بالواجبات وانتهى المحرمات دخل الجنة (٢) جواز ترك التطوعات إذا لم يكن من باب التساهل والاستهانة بها. (٣) النظر إلى أحوال الناس, فلعل السائل حديث عهد بالإسلام فسهل عليه حتى يقوى إيمانه. (٤) عظم أمر الصلوات الخمس. وصيام رمضان. وإحلال الحلال. واجتناب الحرام. (٥) إن في اجتناب الحرام وأكل الحلال إصلاحا للفرد والمجتمع. فلو عمل بهذا الحديث لاستتب الأمن. وقويت الثقة بين الناس. وانقطعت الخصومات والمنازعات بينهم, ولكن هيهات هيهات. الموجز: يخبرنا الصحابي جابر ﵁ في هذا الحديث أن رجلا سأل رسول الله ﷺ بصيغة الاستفهام مظهرا أنه سيعمل بما يرشده إليه الرسول ﷺ . فقال: اخبرني إذا أنا حافظت على الصلوات الخمس وصمت شهر رمضان كاملا واعتقدت أن الحلال حلال أكله واستعماله. وأن الحرام حرام معتقدا حرمته واجتنابه. ولم أزد على ما سألتك شيئا من التطوعات. فهل أنا محل المستحقين لدخول الجنة؟ فقال له النبي ﷺ : نعم تدخل الجنة، ولم يذكر الحج والزكاة إما لعدم وجوبهما على السائل أو لاندراجهما في الحلال، أو لعدم فرضيتهما حين سؤاله. شعر: ألا في الصلاة الخير والفضل أجمع ... لأن بها الرقاب تخضع وأول فرض كان من فرض ديننا ... وآخر ما يبقى إذا الدين يرفع

стр. 53

الحديث الثاني والعشرون: عن أبي عمرو، وقيل: أبي عمرة,. سفيان بن عبد الله ﵁ قال: "قلت: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك، قال: قل آمنت بالله ثم استقم" رواه مسلم. المفردات: قل لي في الإسلام: في دينه وشريعته. قولا: جامعا لمعاني الدين اكتفي به فأعمله. استقم: الزم عمل المأمورات وانته عن جميع المنهيات. الفوائد: (١) الأمر بالاستقامة وهي الإصابة والاعتدال في جميع الأقوال والأفعال والمقاصد المحمودة. (٢) اجتناب المحرمات وجميع ما كان مخالفا للشريعة من قول أو فعل أو اعتقاد. (٣) جواز الفتوى إجمالا إذا كان الإنسان يفهمها بدون تفصيل. (٤) في الحديث إثبات العموم والعمل بما يشتمل عليه. الموجز: يخبرنا الصحابي راوي هذا الحديث أنه طلب من النبي ﷺ أن يعلمه ما يحتاج إليه في دينه قولا جامعا شاملا لمعانق الإسلام واضحا جليا لا يحتاج إلى تفسير كافيا لا يحتاج معه إلى سؤال غيره، فأمره الرسول ﷺ بأن يداوم على الإيمان، ثم يعتدل ويستقيم على ما يقتضيه الإيمان من امتثال الأوامر ندبها

стр. 54

وواجبها. واجتناب النواهي حرامها ومكروهها، فإذا عمل بهذا فقد نجا وفاز في دنياه وآخرته, وقد ورد في القرآن العزيز الفضل العظيم لمن آمن بالله ثم استقام قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ . شعر: إصلاح أمرك للأخلاق مرجعه ... فقوم النفس بالأخلاق تستقم آخر: بني استقم فالعود تنمو عروقه ... قويما ويغشاه إذا ما التوى التوى

стр. 55

الحديث الثالث والعشرون: عن أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض والصلاة نور والصدقة برهان، والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها" رواه مسلم. المفردات: الطهور: التطهر من الأحداث أو المراد طهارة القلب أو هما معا. شطر الإيمان: نصف الإيمان، الميزان: الذي يوزن به أعمال العبادة, تملأ الميزان: لعظم أجرها. الصدقة برهان: دليل على إيمان صاحبها.

стр. 56

والقرآن حجة لك: يدلك على النجاة إن عملت به، أو عليك: إن أعرضت عنه. يغدو: يسعى لنفسه، فمعتقها: من العذاب, أو موبقها: مهلكها. الفوائد: (١) إثبات الميزان الذي توزن به أعمال العباد يوم القيامة. (٣) فضل الطهور وأنه نصف الإيمان. (٣) فضل التسبيح والتحميد. (٤) عظم ثواب الصلاة والصدقة والصبر. (٥) إن من عمل بالقرآن العزيز قاده إلى الجنة ومن أعرض عنه ولم يعمل به قذف في النار. (٦) إن كل إنسان إما ساع في هلاك نفسه أو ساع في سعادتها. الموجز: يرشدنا هذا الحديث أن من طهر قلبه من الشكوك والاعتقادات الفاسدة، وطهر بدنه من الأحداث فقد أخذ بنصف الإيمان، ومن حمد الله تعالى فثواب حمده يملأ الميزان وتسبيحه وتحميده يملآن ما بين السماء والأرض من الأجر لأن الحامد لله يثني على ربه سبحانه بجميع المحامد، ومن ذلك صفات الكمال لله ونعوت الجلال، والمسبح ينزه الله عن النقائص والعيوب والآفات، وأن الصلاة نور يهتدي به الإنسان عاجلا وآجلا كما أن الصدقة دليل وبرهان على قوة إيمان صاحبها وصبر العبد على طاعة الله وما يصيبه من الفتن والمكاره يكون سببا لزيادة نور بصيرته. فيصبر على ما الله عليه لإيمانه بذلك وكل الناس يسعى لنفسه. فمنهم من يبيعها لله بطاعته فيعقتها من النار يوم القيامة. ومن الناس من يبيعها للشيطان وهوى النفس فيهلكها يوم القيامة، وربما تعجل له العقوبة في الدنيا فنسأل الله العافية. ومما قيل في ذلك:

стр. 57

شعر: من يزرع الشر يحصد في عواقبه ... ندامة ولحصد الزرع إبان آخر: لا دار للمرء بعد الموت يسكنها ... إلا التي قبل الموت يبنيها فإن بناها بخير طاب مسكنه ... وإن بناها بشر خاب بانيها فاغرس أصول التقى مادمت مجتهدا ... واعلم بأنك بعد الموت لاقيها

стр. 58

الحديث الرابع والعشرون: عن أبي ذر الغفاري ﵁ عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه أنه قال: " يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهد ونى أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم. يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم. يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا. يا عبادي لو أن أولكم وأخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر. يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه" دواه مسلم.

стр. 59

المفردات: حرمت: منعت. الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، على نفسي: فضلا منه وإحسانا، وجعلته بينكم محرما: حكمت بتحريمه عليكم، فلا تظالموا: لا يظلم بعضكم بعضا، كلكم ضال: عن طريق الحق لو ترك، إلا من هديته: وفقته لامتثال الأوامر واجتناب النواهي، فاستهد ونى: اطلبوا منى الهداية، أهدكم: أوفقكم لها, أغفر الذنوب: أسترها وأمحوها. تخطئون: تذنبون، في صعيد واحد: في مقام واحد، فاستغفروني: اطلبوا منى المغفرة. أغفر لكم: أمحو ذنوبكم، المخيط: الإبرة، أحصيها: أحفظها، أوفيكم إياها: أعطيكم جزاء أعمالكم كاملا، وجد خيرا: ثوابا, ومن وجد غير ذلك: شرا. فلا يلومن إلا نفسه: لا يذمن إلا نفسه الأمارة بالسوء. الفوائد: (١) كمال فعل الله تعالى وتنزيهه عن الظلم وأن أفعاله كلها عدل وحكمة. (٣) تحريم الظلم بين العباد. (٣) التنبيه على افتقار الخلق إلى الله تعالى وعجزهم عن إدراك منافعهم ودفع مضارهم إلا بتيسير الله تعالى لهم. (٤) إن ملك الله في غاية الكمال فلا يزيد بطاعة الخلق ولا ينقص بمعصيتهم. (٥) إن مرجع التقوى والفجور هو القلب، فإذا صلح صلحت الجوارح وإذا فسد فسدت الجوارح. (٦) وجوب الإقبال على الله جما جميع ما ينزل بالعبد فيسأله الاستعانة والتوفيق لمرضاته. (٧) إن خزائن الله ملأى لا تنفذ البتة إذ لا نهاية لها.

стр. 60

(٨) إن الله يحفظ أعمال العباد ويحصيها لهم وعليهم، ثم يوفيه إياها يوم القيامة. (٩) إن الخير كله من فضل الله على عباده من غير وجوب استحقاق والشر كله من النفس والهوى والشيطان. الموجز: يفيدنا هذا الحديث القدسي المشتمل على فوائد عظيمة في أصول الدين وفروعه وآدابه بأن الله سبحانه حرم الظلم على نفسه تفضلا منه وإحسانا إلى عباده وجعل الظلم محرما بين خلقه فلا يظلم أحد أحدا، وأن الخلق كلهم ضالون عن طريق الحق إلا بهداية الله وتوفيقه ومن سأل الله وفقه وهداه وأن الخلق فقراء إلى الله محتاجون إليه ومن سأل الله قضى حاجته وكفاه، وأنهم يذنبون بالليل والنهار والله تعالى يستر ويتجاوز عند سؤال العبد المغفرة، وأنهم لا يستطيعون مهما حاولوا بأقوالهم وأفعالهم أن يضروا الله بشيء أو ينفعوه، وأنهم لو كانوا على أتقى قلب رجل واحد أو على أفجر قلب رجل واحد ما زادت تقواهم في ملك الله ولا نقص فجورهم من ملكه شيئا لأنهم ضعفاء فقراء إلى الله محتاجون إليه في كل حال وزمان ومكانا وأنهم لو قاموا في مقام واحد يسألون الله فأعطى كل واحد ما سأل ما نقص ذلك مما عند الله شيئا لأن خزائنه سبحانه ملأى لا تغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار وأن الله يحفظ جميع أعمال العباد ويحصيها لهم وعليهم ثم يوفيهم إياها يوم القيامة فمن وجد جزاء عمله خيرا فليحمد الله على توفيقه لطاعته ومن وجد جزاء عمله شيئا غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه الأمارة بالسوء التي قادته إلى الخسران نعوذ بالله من ذلك، ومما قيل في ذلك:

стр. 61

شعر: ملأت كتاب الكاتبين مآثما ... فإن كنت تنساها فربك يعلم آخر: فكفى بالكرام الكاتبين شهودا ... وكفى برب العالمين شهيدا وقيل في الظلم: لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا ... فالظلم مصدره يفضي إلى الندم تنام عيناك والمظلوم منتبه ... يدعو عليك وعين الله لم تنم آخر: أتهزأ بالدعاء وتزدريه ... وما يدريك ما صنع الدعاء سهام الليل نافذة ولكن ... لها أمد وللأمد انقضاء فيمسكها إذا ما شاء ربي ... ويرسلها إذا نفذ القضاء

стр. 62

الحديث الخامس والعشرون: عن أبي ذر ﵁ أيضا: "أن ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا للنبي ﷺ : يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم. قال: أو ليس قد جعل الله لكم ما تتصدقون به. إن بكل تسبيحة صدقة وبكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر " رواه مسلم.

стр. 63

المفردات: ناسا: هم فقراء المهاجرون كما بين لي الرواية الأخرى من أصحاب رسول الله ﷺ : جمع صحب وهو من اجتمع بالنبي ﷺ بعد النبوة وقبل وفاته مؤمنا به ومات على ذلك. الدثور: جمع دثر وهو المال الكثير. بفضول أموالهم: من أمواله الفاضلة عن كفايتهم. بضع أحدكم: يطلق على الجماع وعلى الفرج نفسه، وزر: إثم. الفوائد: (١) حرص الصحابة في المسابقة والتنافس في الأعمال الصالحة. (٢) إن الصدقة لا تختص بالمال بل ربما تكون في غيره أفضل. (٣) فضيلة التسبيح والتهليل والتكبير والتحميد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. (٤) إحضار النية الصالحة جما المباحثات فقد تصير طاعات. (٥) الترغيب في الجماع لما فيه من المنافع من البصر وكسر الشهوة عن الوقوع في المحرمات وتكثير الولد. الموجز: يرشدنا هذا الحديث أن ناسا من فقراء أصحاب النبي ﷺ لما رأوا الأغنياء من الصحابة يتصدقون بفضول أمواله وهم مع ذلك يصلون ويصومون كما يصلى هؤلاء ويصومون فساءهم ذلك لعجزهم عن الصدقة وسبق هؤلاء فشكوا إلى الرسول ﷺ فأخبرهم أن الصدقة ليست محصورة في المال بل تكون بالأعمال الصالحة ومن ذلك ذكر الله من التسبيح والتحميد والتهليل والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وفي مواقعة الرجل زوجته صادقة لما في ذلك من المصالح الدينية

стр. 64

والدنيوية كغض البصر وكسر الشهوة عن النظر والزنى وحصول النسل الذي به عمارة الدنيا وتكثير الأمة يوم القيامة لحث الرسول ﷺ على ذلك وينفع الولد والديه عند الحاجة في الدنيا والدعاء والقرب لهما بما ينفعهما في الآخرة وأن من تصدق بالأموال مع الأعمال الصالحة فإن ذلك من فضل الله عليه ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ . وفي هذا المعنى قال الشاعر: من الله خافوا لا سواه فخافهم ... سواء جمادات الورى ودوابه لقد شمروا في نيل كل عزيزة ... ومكرمة مما يطول حسابه إلى أن جنوا ثمر الهوى بعدما جنى ... عليهم وصار الحب عذبا عذابه

стр. 65

الحديث السادس والعشرين: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس, تعدل بين اثنين صدقة, وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة, وتميط الأذى عن الطريق صدقة " متفق عليه. المفردات: سلامى: هي المفاصل من الإنسان وهي في حديث ٣٦ مفصلا. تعدل بين اثنين: تصلح وتحكم بين اثنين متخاصمين. وتعين الرجل: تساعده على ركوب دابته أو حمله عليها متاعه. والكلمة الطيبة: ضد الكلمة الخبيثة. تميط الأذى: تنحي ما يؤذى المارة من قذر وشوك وحجر ونحو ذلك. خطوة بالفتح: الفعلة الواحدة وبالضم ما بين القدمين.

стр. 66

الفوائد: (١) إن ترتيب عظام الآدمي وسلامياته من أعظم نعم الله على العبد فيحتاج إلى تصدق عنها. (٢) استحباب المداومة على النوافل كل يوم. (٣) إن الصدقة لا تنحصر في المال بل تكون في الأفعال وغيرها. (٤) فضل الإصلاح بين الناس والحكم بينهم بالعدل. (٥) الحث على حضور الجماعات والمشي إليها للصلاة. (٦) الترغيب في إماطة الأذى عن الطريق. (٧) الترغيب في الآداب السامية والأخلاق العالية. الموجز: يخبرنا النبي الكريم ﷺ في هذا الحديث أن على كل عضو من أعضاء الإنسان صدقة لما كل يوم، يشكر الله ويحمده حيث ركب فيه هذه الأعضاء وسوى خلقها ظاهرا وباطنا ولو شاء لسلبها القدرة فلا يستطيع الإنسان الحركة فلا يقوم بأعماله الدينية ولا الدنيوية فإبقائها ودوامها ودوام قوتها يوجب الشكر من العبد بالتصدق بسبب دوام هذه النعمة وأن كل عمل من أعمال الخير كالصلح بين الناس، والحكم بينهم بالعدل وإفشاء السلام وطيب الكلام ومساعدة المحتاج إلى المساعدة والنصح للمسلمين بالأقوال والأفعال كل واحد من هذه الأمور فيه صدقة، وفي هذا المعنى قال الشاعر: لا تزهدن في اصطناع العرف من أحد ... وإن امرئ يحرم العرف محروم الخير يبقى وإن طالت مغيبته ... والشر ما عاش منه المرء مذموم

стр. 67

آخر: إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصدا ... ندمت على التفريط في زمن الزرع

стр. 68

الحديث السابع والعشرين: عن النواس بن سمعان ﵁ عن النبي ﷺ قال: "البر حسن الخلق والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس" رواه مسلم. وعن وابصة بن معبد ﵁:"قال أتيت رسول الله ﷺ فقال: " جئت تسأل عن البر؟ " قلت نعم، قال: "البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك". حديث حسن رويناه من مسند الإمامين أحمد بن حنبل والدارمى بإسناد حسن. المفردات: البر، بينه الله تعالى في قوله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ وقيل: هو ما عمله الإنسان من واجب ومندوب، الإثم: الذنب، ما حاك في صدرك: ما اختلج في نفسك وتردد في قلبك، وكرهت: كراهة دينية، أن يتطلع عليه الناس: أهل العلم والدين. الفوائد: (١) الترغيب في حسن الخلق. (٢) إن الحق والباطل لا يلتبسان على المؤمن البصير.

стр. 69

(٢) إن الفتوى لا تزيل الشبهة إذا كان المستفتي ممن شرح الله صدره بنور الإيمان. (٤) إن المستفتى يستفتى من هو أعلم منه وأتقى لله. (٥) المعجزة للرسول ﷺ حيث أخبر وابصة عن ما في نفسه تبل أن يتكلم به. (٦) إن الإنسان لا يقدم على شيء لا تطمئن نفسه عليه. الموجز: في هذين الحديثين يخبرنا النبي ﷺ أن البر في حسن الخلق وأن خير الناس أحسنهم أخلاقا لما في حسن الخلق من المصالح العامة لكل فرد ومجتمع وكل صغير وكبير وذكر وأنثى ومن حسن الخلق الإحسان إلى الناس وكف الأذى عنهم والتبسط معهم بلين الكلام والصبر على أذاهم مع كل أحد يلين الكلام والحلم وعدم الغضب, وأن البر ما سكن إليه القلب والنفس وأن الإثم له علامتان الأولى ما حاك في صدرك وتردد في نفسك ولم يطمئن قلبك إلى حله والإقدام عل فعله والعلامة الثانية أن تكره أن يظهر ويستبين عملك لهذا الإثم خشية أن تذم وتلام على فعله واعتقادك لحله وإن أفتاك العلماء فلا تأخذ بفتواهم ما دامت علامة الشبهة تتردد في نفسك فإن الفتوى لا تزيل الشبهة ما دامت الشبهة صحيحة، ومما قيل في حسن الخلق: شعر: بمكارم الأخلاق كن متخلقا ... ليفوح مسك ثنائك العطر الشذى وانفع صديقك إذا أردت صداقة ... وادفع عدوك بالتي فإذا الذي

стр. 70

يشير في أخر البيت إلى قوله تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ . وقيل: جمع حسن الخلق في ثلاث كلمات في قوله تعالى ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ .

стр. 71

الحديث الثامن والعشرون: عن أبي نجيح العرباض بن سارية ﵁ قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وجفت منها القلوب وذرفت منها العيون فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا, قال: " أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد, فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين. عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة " رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح. المفردات: وعظنا: نصحنا وذكرنا، موعظة: نونها لتعظيم شأنها, وجلت: خافت أشد الخوف، منها: من أجلها. ذرفت: سالت بالدموع, السمع والطاعة: لأولي الأمر، عليكم بسنتي: طريقتي الزموها وتمسكوا بها. ومن يعش منكم: من يطول عمره أو يبقى بعدي، الراشدين: الذين عرفوا الحق واتبعوه وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃. عضوا عليها بالنواجذ: أواخر الأضراس والمراد المبالغة في التمسك بالسنة, بدعة: ما أحدث بغير دليل من الشرع. ضلالة: هلكة.

стр. 72

الفوائد: (١) المبالغة في الموعظة لما في ذلك من ترقيق القلوب وقبولها للحق. (٢) الاعتماد على القرائن في بعض الأحوال. (٣) إنه ينبغي سؤال الواعظ الزيادة من الوعظ والتخويف. (٤) من أعلام النبوة إخباره ﷺ بما سيقع بعده من الاختلاف في أمته فوقع كما أخبر ﷺ . (٥) الأمر بتقوى الله تعالى والسمع والطاعة لولاة الأمور ولو كانوا عبيدا ما لم يأمروا بمعصية, مبالغة في طاعتهم. (٦) التمسك بالسنة والصبر على ما يصيب المتمسك من الأذى. في ذلك. (٧) التحذير من ابتداع الأمور التي ليس لها أصل من الشرع. (٨) شرف الخلفاء الراشدين وفضلهم واتباع سنتهم. الموجز: في هذا الحديث أن الرسول ﷺ وعظ يوما أصحابه موعظة سالت منها الدمع من العيون وخافت منها القلوب خوفا شديدا لشدة تأثيرها في النفوس ولما حاك في صدورهم من أنها موعظة مودع منه لأهل الدنيا فطلبوا منه الزيادة في الوصية فأوصاهم بتقوى الله التي هي وصية الله الأولين والآخرين وأن يسمعوا ويطيعوا لولاة الأمور وأن يتمسكوا بسنته وسنة الخلفاء الراشدين وأن يبالغوا في التمسك بها بكل ممكن وبكل سبب وأن لا يتبعوا آراء أهل البدع والأهواء والمقاصد الفاسدة فإن من اتبع هؤلاء فقد ضل وخسر. ومما قيل في التقوى:

стр. 73

إذا لم يلبس ثيابا من التقى ... تجرد عريانا وإن كان كاسيا فخير خصال المرء طاعة ربه ... ولا خير فيمن كان لله عاصيا آخر: فعليك بتقوى الله فالزمها تفز ... إن التقي هو البهي الأهيب

стр. 74

الحديث التاسع والعشرون: عن معاذ بن جبل ﵁ قال: "قلت يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار، قال: "لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، ثم قال، ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة تطفيء الخطيئة كما يطفيء الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل, ثم تلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ حتى بلغ ﴿يَعْمَلُونَ﴾ ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت بلى يا رسول الله، قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد- في سبيل الله- ثم قال: ألا أخبرك يملأك ذلك كله؟ قلت بلى يا رسول الله فأخذ بلسانه وقال كل عليك هذا، قلت يا نبي الله وإنا لموأخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلت أمك يا معاذ وهل يكب الناس على وجوههم أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟ " رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.

стр. 75

المفردات: سألت عن عظيم: عن عمل عظيم، تعبد الله: توحد الله, أبواب الخير: من النوافل، جنة: وقاية لصاحبها, الصدقة: نفلها لأن الفرض ذكر قبل هذا في الحديث، تتجافى، تتنحى عن المضاجع، المضاجع: مواضع الاضطجاع للنوم، ذروة: الطرف الأعلى من كل شيء، بملاك ذلك كله: بمقصوده وجماعه، كف عليك هذا: كف عنك أو بمعنى احبس لسانك، ثكلتك: فقدتك أمك, ولم يرد الحقيقة بل هذه عادة العرب، وهل: استفهام إنكاري بمعنى النفي، يكب: يصب الناس, بعضهم من إطلاق الكل وإرادة البعض، إلا حصائد ألسنتهم: من الكلام الذي لا خير فيه بل فيه ضرر. الفوائد: (١) إن الأعمال الصالحة تكون سببا لدخول الجنة. (٢) إن التوفيق والهداية بيد الله تعالى. (٣) إن دخول الجنة مترتب على الإتيان بأركان الإسلام الخمسة. (٤) فضل التقرب إلى الله بالنوافل بعد أداء الفرائض. (٥) إن الصدقة تكفر بها السيئات. (٦) فضل الصلاة في جوف الليل. (٧) إن الإسلام من الدين بمنزلة الرأس من الجسد، فكما أنه لا يبقى جسد بدون رأس فلا يصح دين إلا بالإسلام. (٨) إن الصلاة من الإسلام بمنزلة العمود الذي تقام عليه الخيمة، فلا تستقيم الخيمة إلا به، فكذلك الصلاة لا يستقيم الإسلام إلا بالقيام بها. (٩) فضل الجهاد في سبيل الله وفضل الصوم وأنه جنة يقي صاحبه ويحفظه.
следующие страницы →