← Книги сунны

Книги сунны · id 8713

الأحاديث الأربعين النووية مع ما زاد عليها ابن رجب وعليها الشرح الموجز المفيد

عبد الله بن صالح المحسن

Полный текст (123 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الحديث الثامن والعشرون: عن أبي نجيح العرباض بن سارية ﵁ قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وجفت منها القلوب وذرفت منها العيون فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا, قال: " أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد, فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين. عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة " رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح. المفردات: وعظنا: نصحنا وذكرنا، موعظة: نونها لتعظيم شأنها, وجلت: خافت أشد الخوف، منها: من أجلها. ذرفت: سالت بالدموع, السمع والطاعة: لأولي الأمر، عليكم بسنتي: طريقتي الزموها وتمسكوا بها. ومن يعش منكم: من يطول عمره أو يبقى بعدي، الراشدين: الذين عرفوا الحق واتبعوه وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃. عضوا عليها بالنواجذ: أواخر الأضراس والمراد المبالغة في التمسك بالسنة, بدعة: ما أحدث بغير دليل من الشرع. ضلالة: هلكة.

стр. 72

الفوائد: (١) المبالغة في الموعظة لما في ذلك من ترقيق القلوب وقبولها للحق. (٢) الاعتماد على القرائن في بعض الأحوال. (٣) إنه ينبغي سؤال الواعظ الزيادة من الوعظ والتخويف. (٤) من أعلام النبوة إخباره ﷺ بما سيقع بعده من الاختلاف في أمته فوقع كما أخبر ﷺ . (٥) الأمر بتقوى الله تعالى والسمع والطاعة لولاة الأمور ولو كانوا عبيدا ما لم يأمروا بمعصية, مبالغة في طاعتهم. (٦) التمسك بالسنة والصبر على ما يصيب المتمسك من الأذى. في ذلك. (٧) التحذير من ابتداع الأمور التي ليس لها أصل من الشرع. (٨) شرف الخلفاء الراشدين وفضلهم واتباع سنتهم. الموجز: في هذا الحديث أن الرسول ﷺ وعظ يوما أصحابه موعظة سالت منها الدمع من العيون وخافت منها القلوب خوفا شديدا لشدة تأثيرها في النفوس ولما حاك في صدورهم من أنها موعظة مودع منه لأهل الدنيا فطلبوا منه الزيادة في الوصية فأوصاهم بتقوى الله التي هي وصية الله الأولين والآخرين وأن يسمعوا ويطيعوا لولاة الأمور وأن يتمسكوا بسنته وسنة الخلفاء الراشدين وأن يبالغوا في التمسك بها بكل ممكن وبكل سبب وأن لا يتبعوا آراء أهل البدع والأهواء والمقاصد الفاسدة فإن من اتبع هؤلاء فقد ضل وخسر. ومما قيل في التقوى:

стр. 73

إذا لم يلبس ثيابا من التقى ... تجرد عريانا وإن كان كاسيا فخير خصال المرء طاعة ربه ... ولا خير فيمن كان لله عاصيا آخر: فعليك بتقوى الله فالزمها تفز ... إن التقي هو البهي الأهيب

стр. 74

الحديث التاسع والعشرون: عن معاذ بن جبل ﵁ قال: "قلت يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار، قال: "لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، ثم قال، ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة تطفيء الخطيئة كما يطفيء الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل, ثم تلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ حتى بلغ ﴿يَعْمَلُونَ﴾ ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت بلى يا رسول الله، قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد- في سبيل الله- ثم قال: ألا أخبرك يملأك ذلك كله؟ قلت بلى يا رسول الله فأخذ بلسانه وقال كل عليك هذا، قلت يا نبي الله وإنا لموأخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلت أمك يا معاذ وهل يكب الناس على وجوههم أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟ " رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.

стр. 75

المفردات: سألت عن عظيم: عن عمل عظيم، تعبد الله: توحد الله, أبواب الخير: من النوافل، جنة: وقاية لصاحبها, الصدقة: نفلها لأن الفرض ذكر قبل هذا في الحديث، تتجافى، تتنحى عن المضاجع، المضاجع: مواضع الاضطجاع للنوم، ذروة: الطرف الأعلى من كل شيء، بملاك ذلك كله: بمقصوده وجماعه، كف عليك هذا: كف عنك أو بمعنى احبس لسانك، ثكلتك: فقدتك أمك, ولم يرد الحقيقة بل هذه عادة العرب، وهل: استفهام إنكاري بمعنى النفي، يكب: يصب الناس, بعضهم من إطلاق الكل وإرادة البعض، إلا حصائد ألسنتهم: من الكلام الذي لا خير فيه بل فيه ضرر. الفوائد: (١) إن الأعمال الصالحة تكون سببا لدخول الجنة. (٢) إن التوفيق والهداية بيد الله تعالى. (٣) إن دخول الجنة مترتب على الإتيان بأركان الإسلام الخمسة. (٤) فضل التقرب إلى الله بالنوافل بعد أداء الفرائض. (٥) إن الصدقة تكفر بها السيئات. (٦) فضل الصلاة في جوف الليل. (٧) إن الإسلام من الدين بمنزلة الرأس من الجسد، فكما أنه لا يبقى جسد بدون رأس فلا يصح دين إلا بالإسلام. (٨) إن الصلاة من الإسلام بمنزلة العمود الذي تقام عليه الخيمة، فلا تستقيم الخيمة إلا به، فكذلك الصلاة لا يستقيم الإسلام إلا بالقيام بها. (٩) فضل الجهاد في سبيل الله وفضل الصوم وأنه جنة يقي صاحبه ويحفظه.

стр. 76

(١٠) كف اللسان وحبسه إلا عن ذكر الله وما فيه مصلحة دينية أو دنيوية. (١١) إن أكثر ما يكون سببا لدخول النار حصائد الألسن. (١٢) جواز الدعاء المذموم الذي لا يراد حقيقته إذا كان معلوما عند المخاطب. الموجز: يرشدنا هذا الحديث إلى أن العمل الذي ينجى من النار ويدخل الجنة هو عبادة الله وحده دون من سواه مع القيام بما فرض الله على العبد من صلاة وزكاة وصوم وحج وأن الجامع لوجوه الخير صدقة التطوع والصوم والتهجد في جوف الليل، وأن رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة، وأعلاه الجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله، وأن ملاك ذلك كله بأن يمسك الإنسان عن الكلام الذي يفسد هذه الأعمال إذا عملها. فليحذر كل مسلم إذا عمل أعمالا صالحة أن يطلق لسانه بما ينفعها أو يبطلها فيكون من أصحاب النار نعوذ بالله من النار وكلت غضب الجبار. ومما قيل في حفظ اللسان: أقلل كلامك واستعذ من شره ... إن البلاء ببعضه مقرون واحفظ لسانك واحتفظ من غيه ... حتى يكون كأنه مسجون وكل فؤادك باللسان وقل له ... إن الكلام عليكما موزون

стр. 77

الحديث الثلاثون: عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها. وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها" حديث حسن رواه الدارقطني وغيره. المفردات: فرض: أوجب والزم، فلا تضيعوها: بالترك والتهاون. فلا تعتدوها: فلا تتجاوزها، فلا تنتهكوها: لا تتناولوها ولا تقربوها، وسكت عن أشياء فلم يحكم فيها بشيء، رحمة لكم: بعدم تحريمها أو حلها. غير نسيان: لأحكامها, فلا تبحثوا عنها: لا تفتشوا وتسألوا عنها. الفوائد: (١) إن الله تعالى فرض فرائض وأمر بالمحافظة عليها. (٢) إن الله تعالى حرم أشياء فلا يجوز تناولها ولا القرب منها. (٣) إن الله حد حدودا فلا تجوز مجاوزتها. (٤) إن سكت سبحانه عن أشياء فلا يبحث ويسال عنها رحمة بالعباد لأنها حلال. (٥) في هذا الحديث تقسيم أحكام الدين إلى أربعة أقسام فرائض ومحارم وحدود ومسكوت عنه. الموجز: يرشدنا هذا الحديث بأن الله فرض علينا فرائض وألزمنا القيام بها والمحافظة عليها فلا تخالف أوامر الله فنتركها أو نتهاون

стр. 78

بها فندخل عليها النقص والخلل فلا نؤديها كاملة وأن الله سبحانه حد حدودا وأمرنا بأن لا نتجاوزها ونتعداها إلى ما لا يحل ولا يجوز لنا ارتكابه وحرم علينا أشياء فلا يجوز لنا تناولها ولا القرب منها، وسكت عن أشياء فلم يذكر لها حكما في حل ولا حرمة لا نسيان لبيان أحكامها, فربنا سبحانه لا يضل ولا ينسى فلا يبحث عن حكمها لأن الله سبحانه حكيم عليم يضع الأشياء بمواضعها الصالحة لها, ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ فلا يترك شيئا إلا لحكمة. شعر: وما المرء إلا حيث يجع ل نفسه ... ففي صالح الأعمال نفسك فاجعل آخر: للأمور وللأعمال عاقبة ... فاخش الجزاء بغتة واحذره عن مهل ذو العقل يترك ما يهوى لخشيته ... من العلاج بمكروه من الخلل فمن المروءة ترك المرء شهوته ... فانظر لأيهما آثرت واحتفل

стр. 79

الحديث الحادي والثلاثون: عن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس، فقال: ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما عند الناس يحبك الناس" رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنة. المفردات: دلني: أرشدني على عمل: من الأعمال. إذا عملته: فعلته. ازهد

стр. 80

في الدنيا: اقتصر على القدر اللازم منها. ازهد فيما عند الناس: من الدنيا. يحبك الناس: لكفك عن دنياهم. الفوائد: (١) إن الزهد في الدنيا من أسباب محبة الله لعبده ومحبة الناس. (٢) إنه لا بأس بالسعي فيما يكتسب به الإنسان محبة العباد مما ليس محرما. (٣) على الإنسان أن يعامل الناس معاملة حسنة لتكون سببا لمحبته. الموجز: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ يطلب منه أن يرشده إلى عمل إذا عمله يكون سببا لمحبة الله له ومحبة الناس، فأرشده النبي ﷺ إلى عمل جامع شامل يسبب له محبة الله ومحبة الناس. فقال له ﷺ : "ازهد في الدنيا". أي فلا تطلب منها إلا ما تحتاجه وتترك الفاضل. وها لا ينفع في الآخرة وتتورع مما قد يكون فيه ضرر في دينك وازهد في الدنيا التي يتعاطاها الناس، فإذا صار بينك وبين أحد منهم حق أو عقد من العقود فكن كما ورد في الحديث"رحم الله امرءا سمحا إذا باع، سمحا إذا اشترى, سمحا إذا قضى، سمحا إذا اقتضى"لتكون محبوبا عند الناس ومرحوما عند الله. ومما قمل في ذلك: شعر: كن زاهدا فيما حوت أيدي الورى ... تضحى إلى كل الأنام حبيبا

стр. 81

آخر: فإن تجتنبها تكن سلما لأهلها ... وإن تجتذبها نازعتك كلابها آخر: فلو كانت الدنيا جزاء لمحسن ... إذا لم يكن فيها معاش لظالم لقد جاع فيها الأنبياء كرامة ... وقد شبعت فيها بطون البهائم

стр. 82

الحديث الثاني والثلاثون: عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا ضرر ولا ضرار" حديث حسن رواه ابن ماجه والدارقطني وغيرهما مسندا، ورواه مالك في الموطأ مرسلا عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي ﷺ ، فأسقط أبا سعيد، وله طرق يقوى بعضها بعضا. المفردات: لا ضررا لا يضر أحد أحدا فينقصه شيئا من حقه. ولا ضرار: لا يلحق أخاه الضرر، وهو ليس عليه ضرر، ولا يجازيه بأكثر مما ضره به. الفوائد: (١) إن الضرر يزال وينبني على ذلك كثير من الأحكام. (٢) منع الإنسان من التصرف في ملكه بما يتعدى ضرره إلى الغير على غير الوجه المعروف. (٣) الأخذ بالآداب العالية والأخلاق الفاضلة نحو بني آدم.

стр. 83

الموجز: يخبرنا ويأمرنا النبي الكريم ﷺ لمصالح عامة, وهي أنه لا ضرر ولا ضرار وينبني على ذلك كثير من العقود والمنافع العامة. فيجب على كل إنسان أن لا يضر بأخيه المسلم سواء في نفسه أو ماله أو ولده. وسواء ظاهرا أو باطنا، بل عليه أن يسعى في نفع الغير إذا لم يلحقه ضرر بسبب نفعه. وإن من لحقه ضرر من أحد فلا يجازيه بأكثر مما ضره به ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ كان صبر على ما أصابه من الضرر من الغير وعفا عنه فسيجد ثواب صبره وعفوه عند الله ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ على الله﴾ . ومما قيل في ذلك: شعر: سألزم نفسي الصفح عن كل ذنب ... وإن كثرت منه علي الجرائم فما الناس إلا واحد من ثلاثة ... شريف ومشروف ومثلي نقاوم فأما الذي فوقي فأعرف فضله ... وأتبع فيه الحق والحق لازم وأما الذي دوني فإن قال صنت عن ... إجابته عرضي وإن لام لائم وأما الذي مثلي فإن زل أو عفا ... تفضلت إن الحلم للفضل حاكم

стр. 84

الحديث الثالث والثلاثون: عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم, لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر" حديث رواه البيهقي وغيره هكذا, وبعضه في الصحيحين.

стр. 85

المفردات: بدعواهم: بمجرد ادعائهم بأن لهم حقا. المدعي: هو الذي له الحق. والمدعى عليه. هو الذي عليه الحق. الفوائد: (١) إنه لا يحكم لأحد بمجرد دعواه وهواه. (٣) إنه لا يجوز الحكم إلا بما ورد بالشرع, وإن غلب على الظن صدق المدعي. (٣) إن اليمين على المدعى عليه إذا أنكر والبينة على المدعى. (٤) في هذا الحديث مراعاة مصالح الناس عامة من حفظ دمائهم وأموالهم وإصلاح مجتمعهم، وعدم اختلافه واستتباب الأمن في البلاد والعبا د. الموجز: يخبرنا النبي الكريم ﷺ لو أن كل واحد من الناس أعطى ما يدعيه ويهواه لتوصل بعض الناس إلى أن يدعي أن مال فلنن له. والآخر يدعي أن فلانا قتل ابنه عمدا ليقاد به فيختل النظام, ويغلب القوي الضعيف. وتحل الفوضى والفتن، ولكن من حكمة الشرع بأن جعل البينة على مدعي الحق لأنه يدعي خلاف الظاهر. وأن على المنكر اليمين لأن الأصل براءة الذمة ليستتب الأمن وتحفظ الحقوق والنفوس. وقال الشاعر في أقامة الحق: شعر: رأيتك يا خير البرية كلها ... نشرت كتابا جاء بالحق معلما أقمت سبيل الحق بعد اعوجاجه ... وكان قديما ركنه قد تهدما

стр. 86

الحديث الرابع والثلاثون: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" رواه مسلم. المفردات: رأى: علم، منكم: معشر المسلمين، منكرا: شيئا قبحه الشرع ورده، فليغيره فليزله، بيده: حيث كان يزال باليد، فإن لم يستطع الإنكار بيده، فبلسانه: بالقول، فإن لم يستطع أن يتكلم، فبقلبه: ينكره وجوبا، أضعف الإيمان: أقله. الفوائد: (١) وجوب تغيير المنكر بكل ممكن بيد أو لسان أو بالقلب. (٢) إن من قادر على خصلة من خصال اليمان وفعلها فإنه أفضل ممن تركها عجزا. (٣) إن المنكر لا يغير إلا بعد التثبت والتروي واليقين. (٤) إن عدم الإنكار بالقلب يدل على فمعف الإيمان. (٥) إن من لم يقم بتغيير المنكر عند تحققه وعدم المانع أنه يأثم حيث إنه لم يزله. (٦) إن لتغيير المنكر درجات فلا يغيره أحد إلا بالذي يستطيع. الموجز: يفيدنا هذا الحديث بفائدة عامة نافعة لمن قام بها ضارة لمن لم

стр. 87

يعمل بها وهي أن كل إنسان إذا علم منكرا فيجب عليه إزالته على حسب استطاعته فإن قوي على أعلى مراتب إزالة المنكر باليد فليفعل سواء حقيقة أو بيد غيره بأمره، ومن عجز عن ذلك فليغيره بلسانه بأن ينهى مرتكبه ويبين له ضرره ويرشده إلى الخير بدل هذا الشر فإن جز عن هذه المرتبة فليغيره بقلبه بأن يكره هذا المنكر وصاحبه على فعله ولو قدر على إزالته باليد أو باللسان لأزاله والتغيير بالقلب أضعف مراتب الإيمان في تغيير المنكر لأنه لا يتعدى نفعه إلى غير صاحبه فهذه المراتب الثلاث لا تسقط إحداها عن أحد، ولا عذر لمن اعتذر عن أقلها وهو الإنكار بالقلب. ولكن كما قال الشاعر: بالملح يصلح ما يخشى تغيره ... فكيف بالملح إن حلت به الغير

стр. 88

الحديث الخامس والثلاثون: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تحاسدوا ولا تنانجشوا ولا تباضغوا ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يكذبه ولا يحقره، التقوى ههنا، ويشير إلى صدره ثلاث مرات، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه" رواه مسلم. المفردات: لا تحاسدوا: لا يحسد بعضكم بعضا، ولا تناجشوا: لا يزيد في ثمن السلعة من لا يريد شراءها ليغر غيره، ولا تباضعوا: لا تقاطعوا لبغضاء، لا تدابروا: كل يدبر عن الآخر بغضا، لا يظلمه لا يدخل على

стр. 89

أخيه الضرر, ولا يخذله: بأن لا ينصره, ولا يكذبه: بأن يخبر بخلاف الظاهر والواقع, ولا يحقره: لا يستصغر, بحسب امرئ من الشر: يكفيه من الشر, عرضه: حسبه ومفاخره. الفوائد: (١) تحريم الحسد والتباغض والتدابر والبيع على بيع الآخر. (٢) النهي عن إيذاء المسلمين بأي وجه من الوجوه من قول أو فعل أو إشارة. (٣) النهي عن ما يوجب التباس والأمر بما يسبب التآلف والاجتماع. (٤) تحريم الظلم ونصر المسلم ومساعدته إذا احتاج إليه أخوه المسلم وعدم استصغاره واستذلاله. (٥) إن القلب هو أساس التقوى والجوارح تابعة له. (٦) تحريم دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم إلا بحق. (٧) في هذا الحديث الآداب الحميدة والأخلاق الفاضلة لمن وفق. الموجز: في هذا الحديث يرشدنا النبي الكريم ﷺ إلى ما يجب علينا معشر المسلمين بأن نكون متحابين متآلفين متعاملين فيما بيننا معاملة حسنة شرعية تهدينا إلى مكارم الأخلاق وتبعدنا عن مساوئها وتذهب عن قلوبنا البغضاء وتجعل معاملة بعضنا لبعض معاملة سامية خالية من الحسد والظلم والغش وغير ذلك مما يستجلب الأذى والتفرق لأن أذية المسلم لأخيه حرام سواء بمال أو بمعاملة أو يد أو لسان, كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه وإنما العز والمشرف بالتقوى وفي معنى هذه الآداب السامية قيل:

стр. 90

شعر: إن المكارم أبواب مصنفة ... فالعقل أولها والصمت ثانيها والعلم ثالثها والحلم رابعها ... والجود خامسها والصدق سادسها والصبر سابعها والشكر ثامنها ... واللين تاسعها والبر عاشرها آخر: وأظلم أهل الأرض من كان حاسدا ... لمن بات في نعمائه يتقلب

стр. 91

الحديث السادس والثلاثون: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة والله في عون العبد, ما كان العبد في عون أخيه ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الزحمة وذكرهم الله فيقن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبة" رؤاه مسلم. المفردات: نفس: أزال وفرج، كربة: شديدة عظيمة، ومن يسر على معسر: بانتظاره إلى ميسرة، يسر الله عليه: أموره ومطالبه ومقاصده، ومن ستر مسلما: لم يعرف بأذى أو فساد فلم يخبر بما وقع فيه أحدا من العمل السيء، يلتمس: يطلب علما شرعيا يقصد به وجه الله،

стр. 92

بيوت الله: المساجد، السكينة: الطمأنينة, غشيته الرحمة: شملتهم من كل جانب، وحفتهم الملائكة: أحاطت بهم، وذكرهم الله: أثنى عليهم, فيمن عنده: من الملائكة، بطأ: قصر, لم يسرع به نسبه: لم يصل به إلى رتب الصالحين. الفوائد: (١) فضل من نفس عن أخيه المسلم كربة ومصيبة من المصائب. (٢) فضل قضاء حوائج المسامين ونفعهم بما يستطيعه الإنسان بنفسه وماله وكلامه. (٣) الترغيب في الستر على المسلم الذي لم يكن من طبيعته الأخلاق السيئة وعليه أن ينصحه بالإقلاع من ذنبه. (٤) إن الجزاء قد يكون من جنس العمل كما في الحديث. (٥) إن على الإنسان مساعدة أخيه على إنشاء الأمور التي فيها خير له أو هو مستمر فيها وهى شاقة عليه. (٦) فضل الاشتغال بطلب العلم والانتقال له من بلد إلى بلد آخر. (٧) فضل الاجتماع في المساجد لتلاوة القرآن ومدارسته بينهم لشمولهم بالرحمة وحضور الملائكة معه. (٨) إن العزة والشرف والسعادة بالأعمال الصالحة لا بالأنساب والأحساب. (٩) إن المساجد تسمى بيوت ألله. (١٠) إنما المؤمن معرض للمصائب وارتكاب المشقات في سبيل منافعه. الموجز: يفيدنا هذا الحديث الشريف أن من فرج كربة عن مسلم أو سهل

стр. 93

أمرا متعسرا عليه أو ستر عليه هفوة أو زلة لم يعرف بها فإن الله يجازيه من جنس أعماله التي نفع بها وإن الله تعالى يعين العبد بتوفيقه في دنياه وآخرته حينما يساعده أخاه المسلم على أموره الشاقة عليه، وأن من سلك طريقا حسيا كالمشي إلى مجالس الذكر أو مجالس العلماء المحققين العاملين بعلمهم يريد التعلم وسلك الطريق المعنوي المؤدي إلى حصول هذا العلم كمذاكراته ومطالعته وتفكيره وتفهمه لما يلقى عليه من العلوم النافعة وغير ذلك، فمن سلك هذا الطريق بنية صالحة صادقة وفقه الق للعلم النافع المؤدى إلى الجنة، وأن المجتمعين في بيت من بيوت الله لتلاوة القرآن العزيز ومدارسته يعط! يهم الله من الطمأنينة وشمول الرحمة وحضور الملائكة والثناء عليهم من الله في الملأ الأعلى وأن الشرف كل الشرف بالأعمال الصالحة لا بالأنساب والأحساب ومما قيل في هذا المعنى: شعر: تعلم فليس المرء يولد عالما ... وليس أخو علم كمن هو جاهل وإن كبير القوم لا علم عنده ... صغير إذا التفّت عليه المحافل آخر: وما الفخر بالعظم الرميم وإنما ... فخار الذي يبقى الفخار بنفسه آخر: فإنما الرجال بالإخوان ... واليد بالساعد كالبنان وموجب الصداقة المساعدة ... ومقتضى المودة المعاضدة لا سيما في النوب الشدائد ... والمحن العظيمة الأوابد

стр. 94

الحديث السابع والثلاثون: عن ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه ﵎ قال: "إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بيّن ذلك. فمن همّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة. وإن همّ بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. وإن همّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة. وإن همّ بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة" رواه البخاري ومسلم. المفردات: تبارك: تنزه وتقدس، وتعالى: عن صفات الخلق لكماله وعلوه. كتب: قدر مقادير الحسنات والسيئات, ثم بيّن ذلك: فصّل ما أجمله, فمن هم بحسنة: عزم على فعلها. فلم يعملها: لم يفعلها. كتبها الله: أمر ألله الملائكة الكاتبين بكتاباتها، عنده: للتشريف, حسنة كاملة: لا نقص فيها, وإن همّ بها فعملها: فعلها، كتبها الله عنده: اعتناء بصاحبها وشرفا له. عشر حسنات: مضاعفة وقد تضاعف إلى أضعاف كثيرة على حسب نية العامل والإخلاص والمنافع. وان هم بسيئة فلم يعملها: تركها من أجل خوف الله كتبها الله سبحانه له حسنة كاملة. وإن عمل سيئة كتبها الله له واحدة: ولم يقل عنده لعدم الاعتناء بها وصاحبها. الفوائد: (١) استعمال التفصيل بعد الإجمال ليكون أوقع في النفس وأدعى للقبول. (٣) إن ما يعمله الإنسان في هذه الدنيا من الحسنات والسيئات قد كتبه الله تعالى في اللوح المحفوظ.

стр. 95

(٣) من فضل الله تعالى على عباده أن من عزم على فعل حسنة ثم تركها فلم يعملها كتبت له حسنة كاملة. (٤) إن من عزم على فعل حسنة وعملها فهو يضاعف أجرها لصاحبها بعشرة أضعاف إلى أضعاف كثيرة. (٥) إن من رحمة الله تعالى بعباده أن السيئات لا تضاعف ولا يمنع ذلك من كونها تعظم على حسب العمل. (٦) إن الله شرف صاحب الحسنات بكتب حسناته عنده إشارة إلا قربه إليه. (٧) إن من عمل السيئات وداوم على فعلها ولم يأت بحسنات تمحوها فهو بعيد من الله سبحانه. (٨) إن من هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنه كاملة. الموجز: في هذا الحديث القدسي البشرى العظيمة للمسلمين حيث إن من هم بحسنة فلم يعملها يكتبها الله عنده حسنة كاملة, وإن هم بها فعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى أضعاف كثيرة, وإن هم بسيئة فلم يعملها من أجل خوف الله وعقابه كتبها الله له حسنة لعدم إقدامه عليها، وإن عملها كتبها الله تعالى سيئة واحدة، فانظر يا آخى المسلم وفقك الله إلى كل خير ... إلى فضل الله على عباده حيث إن الله سبحانه يعطي لمن يعمل الحسنات هذا الفضل العظيم المضاعف مؤكدا سبحانه بأنه محفوظ عنده تعريفا لصاحبه, والسيئة إذا فعلت أكدها بأنها تكتب واحدة فقط ولم يؤكدها بكاملة ولا عنده لعدم الاعتناء بها, فلله الحمد على نعمه التي لا تحصى ولا تعد ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ . شعر: مراتب القصد خمس هاجس ذكروا ... فخاطر فحديث النفس فاستمعا يليه هم فعزم كلها رفعت ... سوى الأخير فيه الأخذ قد وقعا

стр. 96

الحديث الثامن والثلاثون: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ إن الله تعالى قال: "من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه. ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها. ورجله التي يمشى بها، ولئن سألني لأعطينه. ولئن استعاذني لأعيذنه" رواه البخاري. المفردات: عاد لي: من المعاداة ضد الموالاة. وليا: هو المواظب على طاعة الله مخلصا لله العبادة، آذنته بالحرب: أعلمه بأني محارب له، عبدي: الإضافة للتشريف. افترضته: أوجبته، يتقرب إلي: يطلب القرب مني، بالنوافل: التطوعات، لأعطينه: ما سأل. لأعيذنه: مما يخاف. الفوائد: (١) إن من عادى أولياء الله فإن الله قد آذنه بالحرب. (٣) إن أحب الأعمال إلى الله أداء الفرائض والمحافظة عليها. (٣) إن النوافل تقبل إذا أديت الفرائض وأن الإكثار من النوافل سبب لمحبة الله. (٤) إن أولياء الله هم الذين يتقربون إلى الله بالأعمال الصالحة. (٥) إن من أتى بما يجب عليه وتقرب إلى الله بالنوافل فإن الله يوفقه لكل خير، حيث تكون أعماله وحركاته وسكناته جارية على ما يقتضيه الشرع.

стр. 97

(٦) إن من كان بهذه المنزلة تجاب دعوته. (٧) إن الإنسان مهما بلغ من العبادة لا يترك سؤال ربه. الموجز: في هذا الحديث يخبرنا النبي ﷺ أن الله قال من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب أي من كان عدوا لأوليائي فليعلم أني محارب له حيث كان محاربا لي بمعاداته أوليائي, وأن الله جل وعلا أحب ما يكون إليه العبد بأن يقوم بما فرض الله عليه من الصلوات الخمس وغيرها وأن من جمع بين القيام بالفرائض والتقرب إلى الله بالنوافل فإن الله يحبه ومن آثار محبته له أن يكون حافظا لسمعه وبصره وبطش يده وسيره برجله من الشيطان أن يغويه فيمد جوارحه إلى المعاصي وقلبه إلى محبتها. شعر: وكن للصالحين أخا وخلا ... وكن في هذه الدنيا غريبا

стр. 98

الحديث التاسع والثلاثون: عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". حديث حسن رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما. المفردات: تجاوز: عفا، عن أمتي: أمة الإجابة، الخطأ: ضد الصواب، النسيان: ضد الذكر استكرهوا عليه: حملوا عليه قهرا.

стр. 99

الفوائد: (١) إن الله تعالى عفا عن أمة محمد ﷺ إثم الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وذلك من لطف الله ورحمته بعباده ويسر دينه وسماحة الشريعة الإسلامية. (٢) إن الناسي والمخطيء يضمنان الإتلافات والجنايات لأنه لم يرتفع إلا الإثم فقط. (٣) إن الذي ينفذه المكره في حال إكراهه قهرا لا ينفذ ولا ينعقد بل هو باق على ما هو عليه قبل الإكراه. (٤) إن هذا التيسير من العفو والتجاوز خاص بهذه الأمة. الموجز: في هذا الحديث البشرى العظيمة لأمة محمد ﷺ حيث إن الله رفع إثم الخطأ الذي صادف غير ما يريد الإنسان مما فيه إثم، وإثم النسيان بعد الذكر وإثم ما سيكره عليه العبد وهو لا يستطيع المخرج من هذا الإكراه فلا يؤاخذ الله بهذه الأمور الثلاثة وهذا من لطف الله ورحمته بعباده بأن جعل الدين يسيرا لشد فيه عسرفي ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ . شعر: يا فاتحا لي كل باب مرتجى ... إني لعفوك منك ربى مرتجى فامنن علي بما يفيد سعادتي ... فسعادتي طوعا متى تأمر نجى آخر: وكل الحادثات إذا تناهت ... فموصول بها الفرج القريب

стр. 100

الحديث الأربعون: عن ابن عمر ﵄ قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي وقال: "كن في الدنيا كأن غريب أو عابر سبيل"وكان ابن عمر يقول:"إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك" رواه البخاري. المفردات: بمنكبي: مجمع العضد والكتف، كأنك غريب: لا تجد من تستأنس به، أو عابر سبيل: مار بطريق متجه إلى وطنه أو بمعنى بل من قبيل الإضراب من الترقي من الغريب الذي ربما يطمئن في غير بلده إلى المسافر العازم على الذهاب إلى بلده. فلا تنتظر الصباح: بالأعمال الصالحة: ولا تنتظر المساء: أيضا بالأعمال بل فاعمل في المساء والصباح، وخذ من صحتك لمرضك: اغتنم العمل في حال الصحة، ومن حياتك لموتك: اعمل في حياتك ما ينفعك بعد موتك. الفوائد: (١) بذل النصيحة وإرشاد الناس إلى الخير. (٣) مخاطبة الواحد وإرادة العموم وهم جميع الأمة لهم بهذه الوصية. (٣) الحث على ترك الدنيا والزهد فيها. (٤) الاستعداد للموت والخوف من وقوعه آناء الليل والنهار. (٥) المسارعة إلى الأعمال الصالحة واغتنام زمن العمر قبل فواته بموت أو بمرض.

стр. 101

تنبيه: ينبه المعلم المتعلم بوضع يده على شيء من أعضائه كالمنكب ونحوه ليعي ما يقول. الموجز: يوصينا النبي الكريم ﷺ بوصية عظيمة بأن يكون الإنسان في هذه الدنيا كالغريب أو عابر السبيل الذي لا يرغب الإقامة في غير بلده وجاء النبي ﷺ بهذا التشبيه الرائع الدافع والحافز لكل عاقل مؤمن بأن لا يركن إلى الدنيا ولا يتعلق منها إلا بقدر ما يتعلق به المسافر أو الغريب جما غير وطنه، وقيل في ذلك: ترجو البقاء بدار لا بقاء لها وهل سمعت بظل غير منتقل والراوي عبد الله بن عمر يرشدنا إلى معنى الحديث اغتنام الأعمال الصالحة في صحة الإنسان قبل أن يحوله بينه وبين الأعمال الصالحة المرض أو العجز وفي الحياة قبل أن يحول بينه وبينها الموت، ومما قيل في ذلك: شعر: تأهب للذي لابد منه ... فإن الموت ميقات العباد أترضى أن تكون رفيق قوم ... لهم زاد وأنت بغير زاد آخر: فلن يصحب الإنسان من قبل موته ... ولا بعده إلا الذي كان يعمل ألا إنما الإنسان ضيف لأهله ... يقيم قليلا بينهم ثم يرحل

стр. 102

آخر: وأناس همهم الحياة ولا أرى ... طول الحياة يزيد غير وبال وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ... ذخرا يكون كصالح الأعمال

стр. 103

الحديث الحادي والأربعون: عن أبي محمد عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به" حديث حسن صحيح رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح. المفردات: لا يؤمن: الإيمان الكامل، هواه: ما تحبه نفسه وتميل إليه، تبعا لما جئت به: الشريعة المطهرة. الفوائد: (١) يجب على كل مكلف أن يكون هواه تابعا لما جاء به محمد ﷺ . (٢) إن من لم يكن هواه تابعا لما جاء به محمد ﷺ فهو إما ناقص الإيمان أو خارج عنه. (٣) وجوب محبة الرسول ﷺ ومن لازم محبته اتباعه فيما أمر واجتناب ما نهى عنه. الموجز: يفيدنا هذا الحديث أن كل إنسان لا يؤمن حتى يحب ما جاء به الرسول ﷺ ويعمل به ويكره ما نهى عنه ويجتنبه.

стр. 104

وأنه لا يعمل أي عمل من الأعمال حتى يعرضه على الكتاب وسنة رسوله ﷺ فإن وافق الكتاب والسنة فعله وإن كان فيهما ما ينهى عنه أو ينفيه اجتنبه وأعرض عنه وهذا هو حقيقة من كان هواه تبعا لما جاء به محمد ﷺ ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ , وفي ضد معنى هذا الحديث من الهوى المذموم: شعر: إذا ما دعتك النفس يوما لحاجة ... وكان عليها للخلاف طريق فخاف هواها ما استطعت فإنما ... هواها عدو والخلاف صديق آخر: وآفة العقل الهوى فمن على ... على هواه عقله فقد نجا آخر: إن الهوان هو الهوى قصر ... فإذا هويت فقد لقيت هوان آخر: نون الهوان من الهوى مسروقة ... وصريع كل هوى صريع هوان

стр. 105

الحديث الثاني والأربعون: عن أنس بن مالك ﵁: قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله تعالى: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك. يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة" رواه الترمذي وقال حديث صحيح. المفردات: ما دعوتني: لأغفر لك ذنوبك، ما: مصدرية ظرفية، ورجوتني: رجوت رحمتي وعفوي، غفرت لك: ذنوبك بسترها ومحوها. على ما كان منك: من تكرار الذنوب، ولا أبالي: لا أستكثر ذنوبك. عنان السماء: السحاب, استغفرتني: طلبت مني المغفرة، بقراب الأرض: ما يقرب من ملئها، لقيتني: مت على الإيمان، لا تشرك بي شيئا: في التوحيد والعبادة، لأتيتك: لأعطيتك مغفرة عظيمة تقارب ملء الأرض. الفوائد: (١) سعة فضل الله وكرمه وجوده على عباده حيث إن العبد إذا أذنب وتاب من ذنوبه ثم سأل الله محوها فإن الله سبحانه يغفرها ولو بلغت ما بلغت محل الكثرة. (٢) إن من مات وهو لا يشرك بالله شيئا فإنه يرجى له دخول الجنة. (٣) إن الإنسان ليس بمعصوم من الذنوب ولكنه إذا أذنب ودعا الله قبل دعاءه وغفر ذنبه.

стр. 106

(٤) في هذا الحديث رد على الخوارج والمعتزلة الذين يكفرون المسلم بالذنوب. الموجز: هذا الحديث يتضمن بشرى للمسلمين حيث إنه دل على سعة رحمة الله وكرمه وجوده وفضله على عباده بأن من أذنبا ذنوبا عظيمة ثم سأل الله ورجاه ولم يقنط من رحمته فإن الله تعالى يغفر ذنوبه ولو بلغت ما بلغت إذا استغفر الله وهو لا يشرك بالله شيئا ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ , ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ وقال الشاعر في ذلك: لما قسا قلبي وضاقت مذاهبي ... جعلت رجائي نحو عفوك سلما تعاظمني ذنبي فلما قرنته ... بعفوك ربى كان عفوك أعظما

стр. 107

الحديث الثالث والأربعون: عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر". متفق عليه. المفردات: الفرائض: الأنصباء المقدرة في كتاب الله وهي نصف وربع وثمن وثلث وثلثان وسدس، بأهلها: من يستحقها, فما أبقت الفروض فلأقرب

стр. 108

رجل من النسب: من الميت الموروث. وقال في جهة العصبة الجعبدي ﵀ في بيت واحد: فبالجهة التقديم ثم بقربه ... وبعدهما التقديم بالقوة اجعل االفوائد: (١) إن المقدم في الميراث هو أصحاب الفروض. (٢) إن ما يبقى من الفروض للعاصب وهو كل ذكر يدلى بذكر ويرث. (٣) إنه يقدم الأقرب فالأقرب في الميراث سواء أهل الفروض أو العصبة. (٤) إنه لا شيء للعاصب إذا استغرقت الفروض، أي لم يبق منها شيئا. (٥) إن العاصب إذا انفرد أخذ جميع المال. الموجز: يرشدنا هذا الحديث بأن من مات وخلف مالا وورثة أنه يوفي لأصحاب الفروض فروضهم كاملة، وهم من يرث بتقدير من كتاب الله وما بقى من المال عن الفروض، فهو من حق لأقرب رجل ذكر من الميت وهو العاصب الوارث بلا تقدير، وهذا من لطف الله وعدله ورحمته بعباده بأن جعل لكل وارث حقا معلوما بينا واضحا حسما للنزاع والشقاق، وانتشار الفوضى بتغلب القوي على الضعيف والكبير على الصغير. وذلك لحفظ الحقوق، واستتباب الأمن لكل صاحب حق على حقه. ولا يتم هذا إلا بمعرفة الحساب الذي يقول فيه الشاعر: لولا الحساب لعلم كل فريضة ... لم يعلم التحريم ولا التحليل

стр. 109

الحديث الرابع والأربعون: عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة". متفق عليه. المفردات: الرضاعة: الإرضاع. يحرم ما يحرم: يحرم الرضاع مثل تحريم الولادة. الفوائد: (١) إن الإرضاع في التحريم كالنسب فيما يتعلق بتحريم التناكح وتوابعه والجمع بين الأختين ونحوه وتنزيلهم منزلة الأقارب في حل النظر والخلوة والسفر لا باقي الأحكام كالتوارث والولاية والإنفاق ونحو ذلك. الموجز: يفيدنا هذا الحديث بقاعدة عامة شاملة لأحكام الرضاع، وهو أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب سواء من قبل الزوجة أو من قبل الزوج، فكل ما يحرم على الإنسان من قراباته من النسب بأن يتزوجها كأخته وخالته وعمته، فحرام عليه أن يتزوج بهؤلاء إذا كانت قرابتهن بالرضاع، وكذلك الزوجة يحرم عليها أن تتزوج بولدها وأخيها وعمها وخالها، فكذلك حرام عليها أن تتزوج بهؤلاء إذا كانوا من الرضاع. وقيل في ذلك شعر: تحريم الرضاع ساري المفعول ... كسريان الماء في العروق

стр. 110

الحديث الخامس والأربعون: عن جابر بن عبد الله ﵁ أنه سمع النبي ﷺ ، عام الفتح يقول: "إن الله حرم بيع الميتة والخنزير والأصنام، فقيل: يا رسول الله أرأيت لحوم الميتة فإنه تطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس قال: لا، هي حرام، ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: قاتل الله اليهود إن الله حرم عليهم الشحوم فجملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه". متفق عليه. المفردات: عام الفتح: فتح مكة سنة ٨ هـ. حرم: منع. الميتة: ما فارقت الحياة بدون تذكية شرعية. الأصنام: جمع صنم، وهو نوع من الأوثان. قال لا هو حرام: حرام بيعها واستعمالها. جملوه: أذابوه. الفوائد: (١) تحريم بيع الميتة والخنزير والأصنام. (٢) إن كل ما يحرم الانتفاع به يحرم بيعه وأكل ثمنه. (٣) إن جميع الحيل التي يتوصل بها إلى تحليل ما حرم الله باطلة. (٤) إن من احتال على تحليل الحرام فيه شبه باليهود عليهم لعائن الله. الموجز: يفيدنا هذا الحديث أن كل ما كان محرما أكله فإنه محرم الانتفاع به مطلقا، سواء متصلا أو ممتزجا بما هو حلال كالجلود، أو
следующие страницы →