Полный текст (1 126 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الفقيه الحافظ أبو علي الحسين بن محمد بن أحمد الغساني ﵀:
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وصلى الله على محمدٍ خاتم النبيين، وعلى أهله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وسلم تسليماً.
أما بعد، يرحمك الله، فإنك سألتني أن أجمع لك ما اشتبه عليك مما يأتلف خطه ويختلف لفظه من أسماء الرواة وكناهم وأنسابهم، من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من الخالفين، ممن ذكر في الكتابين الصحيحين في السنن المسندة عن رسول الله ﷺ ، تصنيف أبي عبد الله
стр. 2
محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي، وأبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري ثم القشيري -رحمهما الله-، وأقيد ما التبس عليك في هذه الأسماء والكنى والأنساب بتقييدٍ يحفظه من الإشكال في الخط، ويخرجه عن الإهمال بالشكل والنقط؛ وأن أميز بين من تتفق أسماؤهم وأسماء آبائهم أو كناهم مع تقارب أعصارهم ممن خرج عنه فيهما، وأن أذكر الأوهام التي في الأسانيد، التي العهدة في أكثرها على نقلة الكتابين، وأبين وجه الصواب في ذلك. وذكرت أن البخاري ربما حدث عن شيوخ في «الجامع الصحيح»، ولم ينسبهم، فأحببت أن تقف على أسمائهم منسوبين معرفين.
فأجبتك إلى ذلك كله، مستعيناً بالله على بيان ما رغبت فيه، رجاء ثوابه، ولما أخذه الله تعالى على العلماء: ﴿لتبيننه للناس ولا تكتمونه﴾، ولما روي عنه ﷺ أنه قال: «من سئل عن علمٍ فكتمه ألجم يوم القيامة بلجامٍ من نارٍ»، ولقوله ﷺ : «ينقطع
стр. 3
عمل المرء بعده إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له».
ثم إني شفعت إسعاف ما رغبت فيه بأن ذكرت لك في آخر الكتاب من شهر بلقبٍ وعرف به، ممن روي عنه في الكتابين الصحيحين، ليكون ذلك زائداً في فائدة الكتاب. جعلنا الله ممن ينطق بالصواب ويعمل به، ونفعنا بما علمنا برحمته.
стр. 4
حدثنا أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري ﵀، قال: نا خلف بن القاسم الحافظ، قال: نا أبو الميمون عبد الرحمن بن عبد الله بن راشد البجلي الدمشقي، قال: نا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي، قال: نا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي، قال: سمعت عفان بن مسلمٍ يقول: سمعت حماد بن سلمة يقول لأصحاب الحديث: ويحكم غبروا، يعني: قيدوا واضبطوا.
قال أبو زرعة: ورأيت عفان بن مسلمٍ يحض أصحاب الحديث على الضبط والتقييد ليصححوا إذا أخذوا عنه.
قال أبو زرعة: ورأيت أبا مسهرٍ يكره للرجل أن يحدث إلا أن يكون عالماً بما يحدث، ضابطاً له.
ويروى عن وكيع بن الجراح أنه كان يقول لأصحاب الحديث: احفظوا عيسى الحناط وسالماً الخياط ومسلماً الخباط.
стр. 5
قال أحمد بن حنبل ﵀ كان عفان بن مسلم وبهز بن أسدٍ وحبان بن هلالٍ -بفتح الحاء- أصحاب الشكل والنقط، يمدحهم بذلك ويذكر نبلهم.
وروي عن عبد الله بن إدريس الأودي الكوفي قال: لما حدثني شعبة بحديث بريد بن أبي مريم عن أبي الحوراء السعدي عن الحسن بن علي، كتبت أسفله: «حورٌ عين» لئلا أغلط.
قال أبو علي: اسم أبي الحوراء هذا ربيعة بن شيبان.
وأخبرنا أبو عمر النمري قال: نا خلف بن أحمد بن عبد الرحمن بن هاشم يعرف بابن أبي جعفر الأموي- قال: نا أبو عمر أحمد بن سعيد بن حزمٍ الصدفي، قال: نا أحمد بن خالد، قال: نا مروان بن عبد الملك، قال: نا أبو الطاهر، قال: نا بشر بن بكر، عن الأوزاعي، قال: سمعت ثابت بن معبدٍ يقول: نور الكتاب العجم.
стр. 6
وقرأت على أبي عمر النمري: حدثكم أبو محمدٍ عبد الغني بن سعيد الأزدي فيما كتب به إليكم، فأقر به، قال: سمعت أبا عمران موسى بن عيسى الحنيفي، قال: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن عبد الله النجيرمي يقول: أولى الأشياء بالضبط أسماء الناس، لأنه لا يدخله القياس، ولا قبله شيءٌ يدل عليه، ولا بعده شيءٌ يدل عليه.
وذكر أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري: قال أنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعدٍ، قال: نا الحسن بن يحيى الأرزي، قال: سمعت علي بن المديني يقول: أشد التصحيف التصحيف في أسماء الرجال، قال علي: وكان شعبة يخطئ في أسماء الرجال.
стр. 7
قال أبو علي: وأنا الآن أبتدئ بجمع ما سألت عنه، وتبيينه، ورفع ما فيه من الإشكال بعون الله، وتأليفه باباً باباً، وأذكر الأسماء على حروف المعجم، ليكون أسهل على من طلب فيه معنىً أو اسماً، بعد أن أذكر جملةً كافيةً من أخبارهما وفضائلهما، وشهادة الأئمة من أهل عصرهما لهما بالحفظ والإتقان، والتقدم في المعرفة بالصناعة. ثم أذكر أسانيدي في الكتابين الصحيحين إلى البخاري ومسلمٍ رحمهما الله.
стр. 8
أخبار أبي عبد الله البخاري وفضائله، وما ذكر من حفظه وإمامته، وبدء طلبه للعلم، ومحنته مع أهل عصره، وتاريخ ولادته ووفاته ﵀ -
ذكر أبو بكرٍ أحمد بن علي بن ثابتٍ الخطيب في «تاريخ مدينة السلام بغداد» أبا عبد الله البخاري فقال:
محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة، أبو عبد الله الجعفي البخاري، الإمام في علم الحديث، صاحب «الجامع» و «التاريخ». رحل في طلب العلم إلى سائر محدثي الأمصار، وكتب بخراسان والجبال ومدن العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر. وسمع مكي بن إبراهيم، وعبدان بن عثمان، وعبيد الله بن موسى العبسي، وأبا عاصمٍ الشيباني، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، ومحمد بن يوسف الفريابي، وأبا نعيم، وأبا غسان النهدي، وسليمان بن حربٍ، وأبا سلمة التبوذكي، وعفان بن مسلم، وعارم بن الفضل، وأبا الوليد الطيالسي، وأبا معمر المنقري، والقعنبي، وأبا بكر الحميدي، وسعيد بن أبي مريم، ويحيى بن بكيرٍ،
стр. 9
والأويسي عبد العزيز بن عبد الله، وإسماعيل بن أبي أويسٍ، وأبا اليمان الحمصي، وعبد القدوس بن الحجاج، وحجاج بن منهال، ومحمد بن كثيرٍ العبدي، وخالد بن مخلدٍ القطواني، وعلي بن المديني، وأحمد بن حنبلٍ، ويحيى بن معينٍ، وخلقاً سواهم.
وورد بغداد دفعاتٍ، وحدث بها، فروى عنه من أهلها: إبراهيم بن إسحاق الحربي، وعبد الله بن محمد بن ناجية، وقاسم بن زكريا المطرز، ومحمد بن محمد الباغندي، ويحيى بن محمد بن صاعدٍ، ومحمد بن هارون الحضرمي، وآخر من حدث عنه بها الحسين بن إسماعيل المحاملي.
حدثني أبو النجيب عبد الغفار بن عبد الواحد الأرموي، قال: حدثني محمد بن إبراهيم بن أحمد الأصبهاني، أخبرني أحمد بن علي الفارسي، قال: نا أحمد بن عبد الله بن محمد، قال: سمعت جدي محمد بن يوسف بن مطرٍ الفربري، يقول: نا أبو جعفرٍ محمد بن أبي حاتمٍ الوراق النحوي، قال: قلت لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري: كيف كان بدء أمرك في طلب الحديث؟ قال: ألهمت حفظ الحديث وأنا في المكتب، قال: وكم أتى عليك إذ ذاك؟ فقال عشر سنين أو أقل، ثم خرجت من المكتب بعد العشر، فجعلت أختلف إلى
стр. 10
الداخلي وغيره، فقال يوماً فيما كان يقرأ للناس: «سفيان عن أبي الزبير عن إبراهيم، فقلت له: يا أبا فلانٍ، إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم، فانتهرني، فقلت له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك. فدخل، فنظر فيه، ثم خرج فقال لي: كيف هو يا غلام؟ قلت: هو «عن الزبير بن عدي عن إبراهيم». فأخذ القلم مني، وأحكم كتابه، فقال: صدقت. فقال له بعض أصحابه: ابن كم كنت إذ رددت عليه؟ فقال: ابن إحدى عشرة. فلما طعنت في ست عشرة حفظت كتب ابن المبارك ووكيعٍ، وعرفت كلام هؤلاء، ثم خرجت مع أخي أحمد وأمي إلى مكة، فلما حججت رجع أخي بها، وتخلفت بها في طلب الحديث. فلما طعنت في ثماني عشرة جعلت أصنف قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك أيام عبيد الله بن موسى، وصنفت كتاب «التاريخ» إذ ذاك عند قبر الرسول ﷺ في الليالي المقمرة. وقال: قل اسم في «التاريخ» إلا وله عندي قصةٌ، إلا أني كرهت تطويل الكتاب.
وروي عن محمد بن أبي حاتمٍ بغير هذا الإسناد قال: سمعت البخاري يقول: لو نشر بعض أستاذي هؤلاء لم يفهموا كيف صنفت
стр. 11
كتاب «التاريخ» ولا عرفوه. ثم قال: صنفته ثلاث مراتٍ.
وروي عن محمد بن أبي حاتمٍ قال: سمعت البخاري يقول: أخذ إسحاق بن راهويه كتاب «التاريخ» الذي صنفت، فأدخله على عبد الله بن طاهرٍ، فقال: أيها الأمير، ألا أريك سحراً؟ قال: فنظر فيه عبد الله بن طاهر، فتعجب منه وقال: لست أفهم تصنيفه.
أخبرني أبو القاسم الأزهري قال: سمعت محمد بن حميد اللخمي، قال: سمعت القاضي أبا الحسن محمد بن صالحٍ الهاشمي يقول: سمعت أبا العباس بن سعيدٍ يقول: لو أن رجلاً كتب ثلاثين ألف حديثٍ لما استغنى عن كتاب «تاريخ البخاري» محمد بن إسماعيل.
وروي عن أبي بكرٍ المديني قال: كنا يوماً بنيسابور عند إسحاق
стр. 12
ابن راهويه ومحمد بن إسماعيل حاضرٌ، فمر إسحاق بحديثٍ من أحاديث النبي ﷺ ، وكان دون صاحب النبي ﷺ عطاء الكيخاراني، فقال له إسحاق: يا أبا عبد الله، أيشٍ كيخاران؟ قال: قريةٌ باليمن كان معاوية بن أبي سفيان قد بعث هذا الرجل من أصحاب النبي ﷺ إلى اليمن، فسمع منه عطاءٌ حديثين. فقال له إسحاق: يا أبا عبد الله، كأنك قد شهدت القوم.
وروي عن البخاري أنه قال: أخرجت هذا الكتاب -يعني «الصحيح» - من زهاء ست مئة ألف حديثٍ.
حدثني أبو الحسين علي بن محمد بن جعفر العطار الأصبهاني بالري، قال: سمعت أبا الهيثم الكشميهني يقول: سمعت محمد بن يوسف الفربري يقول: قال لي محمد بن إسماعيل البخاري: ما وضعت في كتاب «الصحيح» حديثاً إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين.
أخبرنا القاضي أبو بكرٍ أحمد بن الحسن الحيري بنيسابور قال:
стр. 13
سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن أحمد الفقيه البلخي يقول. ح وسمعت أبا العباس أحمد بن عبد الله الصفار البلخي يقول: سمعت أبا إسحاق المستملي يروي عن محمد بن يوسف الفربري أنه كان يقول: سمع كتاب «الصحيح» لمحمد بن إسماعيل تسعون ألف رجلٍ، فما بقي أحدٌ يرويه غيري.
وروي عن محمد بن أبي حاتمٍ قال: قلت لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل: أتحفظ جميع ما أدخلت في المصنف؟ قال: لا يخفى علي جميع ما فيه.
وروي عن الفربري قال: رأيت النبي ﷺ في النوم فقال لي: أين تريد؟ فقلت: أريد محمد بن إسماعيل البخاري، قال: أقرأه مني السلام.
وروي عن البخاري أنه قال: رب حديثٍ سمعته بالبصرة كتبته بالشام، وحديثٍ سمعته بالشام كتبته بمصر، فقيل له: يا أبا عبد الله! بكماله؟ قال: فسكت.
стр. 14
أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب، قال: نا محمد بن نعيم الضبي، قال: أخبرني محمد بن خالد المطوعي، قال: نا مسبح بن سعيدٍ، قال: كان محمد بن إسماعيل البخاري إذا كان أول ليلةٍ من شهر رمضان يجتمع إليه أصحابه، فيصلي بهم، ويقرأ في كل ركعةٍ عشرين آيةً، وكذلك إلى أن يختم القرآن. وكان يقرأ في السحر ما بين النصف إلى الثلث من القرآن، فيختم عند السحر في كل ثلاث ليالٍ، وكان يختم بالنهار كل يومٍ ختمةً، ويكون ختمه عند الإفطار كل ليلةٍ، ويقول: عند كل ختمةٍ دعوةٌ مستجابةٌ.
حدثني أبو النجيب الأرموي، حدثني محمد بن إبراهيم بن محمد الأصبهاني، أخبرني أحمد بن علي الفارسي، نا أحمد بن عبد الله بن محمد، قال: حدثني جدي محمد بن يوسف الفربري، نا محمد بن أبي حاتمٍ قال: دعي محمد بن إسماعيل إلى بستان بعض إخوانه، فلما حضرت صلاة الظهر صلى بالقوم، ثم قام للتطوع، وأطال القيام، فلما فرغ من صلاته رفع ذيل قميصه، فقال لبعض من معه: انظر هل ترى تحت قميصي شيئاً؟ فإذا زنبورٌ قد أبره [في] ستة عشر أو سبعة
стр. 15
عشر موضعاً، وقد تورم من ذلك جسده، وكانت آثار الزنبور في جسده ظاهرةً، فقال له بعضهم: كيف لم تخرج من الصلاة في أول ما أبرك؟ فقال: كنت في سورةٍ فأحببت أن أتمها.
وروي عن البخاري أنه قال: إني لأرجو أن ألقى الله تعالى ولا يحاسبني أني اغتبت أحداً.
وروي عن حفص بن عمر الأشقر قال: كنا مع محمد بن إسماعيل البخاري بالبصرة نكتب الحديث، ففقدناه أياماً، فطلبناه، فوجدناه في بيتٍ وهو عريانٌ، وقد نفد ما عنده، ولم يبق معه شيءٌ، فاجتمعنا وجمعنا له الدراهم، حتى اشترينا له ثوباً وكسوناه، ثم اندفع معنا في كتابة الحديث.
وروي عن البخاري أنه قال: صنفت كتاب «الصحيح» لست عشرة سنةً، خرجته من ست مئة ألف حديثٍ، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله تعالى.
стр. 16
أخبرني الحسن بن محمد الأشقر، أنا محمد بن أبي بكرٍ الحافظ، سمعت أبا القاسم منصور بن إسحاق بن إبراهيم الأسدي، سمعت أبا محمدٍ عبد الله بن محمد بن إبراهيم الدغولي يقول: سمعت يوسف بن موسى المروروذي قال: كنت بالبصرة في جامعها إذ سمعت منادياً ينادي: يا أهل العلم! قد قدم محمد بن إسماعيل البخاري، فقاموا في طلبه، وكنت معهم، فرأينا رجلاً شاباً لم يكن في لحيته شيءٌ من البياض، يصلي خلف الأسطوانة، فلما فرغ من الصلاة أحدقوا به، وسألوه أن يعقد لهم مجلس الإملاء، فأجابهم إلى ذلك. فقام المنادي ثانياً، فنادى في جامع البصرة: قد قدم محمد بن إسماعيل البخاري، فسألناه أن يعقد مجلس الإملاء، وقد أجاب بأن يجلس غداً في موضع كذا.
قال: فلما أن كان بالغداة حضر الفقهاء والمحدثون والحفاظ والنظار، حتى اجتمع قريبٌ من كذا وكذا ألفاً، فجلس أبو عبد الله محمد بن إسماعيل للإملاء، فقال: -قبل أن أخذ في الإملاء-: يا أهل البصرة! أنا شاب، وقد سألتموني أن أحدثكم، وسأحدثكم
стр. 17
بأحاديث عن أهل بلدكم يستفيد الكل منكم. قال: فبقي الناس وتعجبوا من قوله. ثم أخذ في الإملاء فقال: حدثنا عبد الله بن عثمان بن جبلة ابن أبي رواد العتكي بلديكم، قال: أنا أبي، عن شعبة، عن منصورٍ وغيره، عن سالم بن أبي الجعد، عن أنس بن مالكٍ: أن أعرابياً جاء إلى النبي ﷺ ، وقال: يا رسول الله! الرجل يحب القوم، فذكر حديث: «المرء مع من أحب».
ثم قال محمد بن إسماعيل: هذا ليس عندكم، إنما هو عندكم عن غير منصورٍ عن سالم. قال يوسف بن موسى: وأملى عليهم مجلساً على هذا النسق، يقول في كل حديثٍ: روى شعبة هذا الحديث عندكم كذا، فأما من رواية فلان فليس عندكم، أو كلاماً هذا معناه.
ذكر وصف البصريين للبخاري ومدحهم له
أخبرني الحسن بن محمد الأشقر، أنا محمد بن أبي بكرٍ، نا محمد ابن سعيدٍ التاجر، نا محمد بن يوسف بن مطرٍ، نا محمد بن أبي حاتم، قال: سمعت حاشد بن إسماعيل قال: كنت بالبصرة وسمعت بقدوم محمد بن إسماعيل، فلما قدم قال محمد بن بشارٍ: دخل اليوم سيد الفقهاء.
стр. 18
وسمع بندار محمد بن بشارٍ يقول: حفاظ الدنيا أربعةٌ: أبو زرعة -يعني الرازي- بالري، ومسلم بن الحجاج بنيسابور، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي بسمرقند، ومحمد بن إسماعيل البخاري ببخارى.
وفي حكايةٍ أخرى عن بندارٍ قال: هؤلاء غلماني خرجوا من تحت كرسيي.
وقال محمد بن إبراهيم البوسنجي: سمعت محمد بن بشارٍ بنداراً سنة ثمانٍ وعشرين ومئتين يقول: ما قدم علينا مثل محمد بن إسماعيل.
قرأت على الحسين بن محمد أخي الخلال عن أبي سعدٍ الإدريسي، قال: حدثني محمد بن حم بن ناقبٍ البخاري بسمرقند، نا محمد بن يوسف الفربري، نا محمد بن أبي حاتمٍ قال: سمعت محمد بن إسماعيل
стр. 19
البخاري قال: لما دخلت البصرة سرت إلى مجلس محمد بن بشارٍ، فلما خرج وقع بصره علي، فقال: من أين الفتى؟ قلت: من أهل بخارى، قال: كيف تركت أبا عبد الله؟ فأمسكت، فقال له أصحابه: رحمك الله، هو أبو عبد الله، فقام فأخذ بيدي وعانقني، وقال: مرحباً بمن أفتخر به منذ سنين.
وروي عن البخاري أنه قال: ما استصغرت نفسي عند أحدٍ إلا عند علي بن المديني، وربما كنت أغرب عليه.
وفي رواية أخرى عنه متصلاً بهذا الكلام: ما سمعت الحديث من في إنسانٍ أشهى عندي من أن أسمعه من في علي.
قيل: وذكر قول البخاري لعلي بن المديني: «ما تصاغرت نفسي عند أحدٍ إلا عند علي»؛ فقال: ذروا قوله، هو ما رأى مثل نفسه.
حدثني أبو النجيب الأرموي، حدثني محمد بن إبراهيم الأصبهاني، أخبرني محمد بن إدريس الوراق، نا محمد بن حم، أنا محمد بن يوسف، نا محمد بن أبي حاتم الوراق، قال: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: ذاكرني أصحاب عمرو بن علي بحديثٍ، فقلت: لا أعرفه، فسروا بذلك، وساروا إلى عمرو بن علي، فقالوا له: ذاكرنا محمد بن إسماعيل بحديثٍ فلم يعرفه، فقال عمرو بن علي: حديثٌ لا يعرفه محمد بن إسماعيل ليس بحديثٍ.
стр. 20
أخبرني الحسن بن محمد الأشقر، أنا محمد بن أبي بكر، نا أبو نصرٍ محمد بن سعيد بن أحمد بن سعيد التاجر، نا محمد بن يوسف بن مطرٍ، نا محمد بن أبي حاتم الوراق، قال: سمعت محمد بن قتيبة قريب أبي عبد الله محمد بن إسماعيل قال: كنت عند أبي عاصم النبيل فرأيت عنده غلاماً، فقلت له: من أين أنت؟ فقال: من بخارى، فقلت: ابن من؟ فقال: ابن إسماعيل، فقلت له: أنت قرابتي، فعانقته، فقال لي رجلٌ في مجلس أبي عاصمٍ: هذا غلامٌ يناطح الكباش.
وقيل: إنه لما قدم البخاري من العراق قدمته الآخرة، وتلقاه من تلقاه من الناس، وازدحموا عليه وبالغوا في بره، فقيل له في ذلك وفيما كان من كرامة الناس وبرهم له، فقال: فكيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة!
وصف أهل الحجاز والكوفة له
روي عن محمد بن إسماعيل قال: كان إسماعيل بن أبي أويسٍ إذا انتخبت من كتابه نسخ تلك الأحاديث لنفسه، وقال: هذه أحاديث انتخبها محمد بن إسماعيل من حديثي.
стр. 21
وروى محمد بن أبي حاتم قال: سمعت حاشد بن عبد الله يقول: قال لي أبو مصعب أحمد بن أبي بكر المدني: محمد بن إسماعيل أفقه عندنا وأبصر من ابن حنبلٍ، فقال رجلٌ من جلسائه: جاوزت الحد، فقال أبو مصعب: لو أدركت مالكاً ونظرت إلى وجهه ووجه محمد بن إسماعيل لقلت: كلاهما واحدٌ في الفقه والحديث.
وروي عن أبي بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نمير أنهما كانا يقولان: ما رأينا مثل محمد بن إسماعيل.
وروي عن محمد بن أبي حاتمٍ قال: سمعت محمود بن النضر أبا سهلٍ الشافعي يقول: دخلت البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيت علماءها، فكلما جرى ذكر محمد بن إسماعيل فضلوه على أنفسهم.
ثناء البغداذيين عليه
وروي عن صالح بن محمد البغداذي -ويعرف بجزرة، وكان من الحافظ- قال: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداذ، وكنت أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثر من عشرين ألفاً.
وروى عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه قال: انتهى الحفظ إلى أربعةٍ من أهل خراسان: أبو زرعة الرازي، ومحمد بن إسماعيل البخاري،
стр. 22
وعبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي، والحسن بن شجاع البلخي.
وروى عبد الرحمن بن محمد بن علوية الأبهري، [قال: سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل]، عن أبيه قال: ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل البخاري.
وروي عن محمد بن يوسف بن مطرٍ قال: سمعت أبا جعفرٍ محمد ابن أبي حاتمٍ يقول: حدثني حاشد بن عبد الله بن عبد الواحد قال: سمعت يعقوب بن إبراهيم الدورقي يقول: محمد بن إسماعيل فقيه هذه الأمة.
وروي عن موسى بن هارون الحمال أنه قال: لو أن أهل الإسلام اجتمعوا على أن ينصبوا مثل محمد بن إسماعيل البخاري آخر ما قدروا عليه.
وسئل أبو علي صالح بن محمد -هو جزرة- عن البخاري وأبي زرعة وعبد الله بن عبد الرحمن، فقال: عن أي شيء تسأل؟ فهم مختلفون في أشياء، فقلت: من أعلمهم بالحديث؟ فقال: محمد بن إسماعيل، وأبو زرعة أحفظهم وأكثرهم حديثاً، فقلت: عبد الله بن عبد الرحمن؟ فقال: ليس من هؤلاء في شيءٍ.
стр. 23
وفي روايةٍ أخرى عن صالحٍ هذا قال: ما رأيت خراسانياً أفهم منه.
وروي عن البخاري أنه قال: دخلت بغداد آخر ثماني مراتٍ، كل ذلك أجالس أحمد بن حنبل، فقال لي في آخر ما ودعته: يا أبا عبد الله، تترك العلم والناس وتصير إلى خراسان. قال أبو عبد الله: فأنا لا أزال أذكر قوله.
قال أبو علي: وأخبرونا عن أبي عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري الحاكم قال: سمعت أبا الطيب محمد بن أحمد المذكر يقول: سمعت أبا بكرٍ محمد بن إسحاق -يعني ابن خزيمة- يقول: ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بالحديث من محمد بن إسماعيل البخاري.
قال الحاكم: وسمعت أبا زكريا يحيى بن عمرو بن صالح الفقيه يقول: سمعت محمد بن عبد الرحمن أبا العباس الفقيه يقول: كتب أهل بغداد إلى محمد بن إسماعيل البخاري ﵀:
المسلمون بخيرٍ ما بقيت لهم … وليس بعدك خيرٌ حين تفتقد
وذكر أبو بكر الخطيب هذه الحكاية بإسناده إلى يحيى بن عمرو ابن صالحٍ بمثله.
стр. 24
قول أهل الري فيه
سئل أبو زرعة عن ابن لهيعة فقال: تركه أبو عبد الله محمد بن إسماعيل، وسئل عن محمد بن حميد فقال: تركه أبو عبد الله. فذكر ذلك لمحمد بن إسماعيل فقال: بره لنا قديمٌ.
وسئل الفضل بن العباس الرازي أيهما أحفظ: أبو زرعة أم محمد بن إسماعيل؟ فقال: لم أكن التقيت مع محمد بن إسماعيل، فاستقبلني ما بين حلوان وبغداد، قال: فرجعت معه مرحلةً، قال: وجهدت الجهد على أن أجيء بحديثٍ لا يعرفه، فما أمكنني، وأنا أغرب على أبي زرعة عدد شعره.
وقال محمد بن إدريس الرازي في سنة سبع وأربعين ومئتين: يقدم عليكم رجلٌ من أهل خراسان لم يخرج منها أحفظ منه، ولا قدم العراق أعلم منه. فقدم علينا بعد ذلك محمد بن إسماعيل بأشهرٍ.
وقال أبو حاتم الرازي في هذا المجلس: محمد بن إسماعيل أعلم من دخل العراق، ومحمد بن يحيى أعلى من بخراسان اليوم من أهل الحديث، ومحمد بن أسلم أورعهم، وعبد الله بن عبد الرحمن أثبتهم.
стр. 25
ما حفظ عن أهل خراسان وما وراء النهر من القول فيه
روي عن عبدان أنه قال: ما رأيت بعيني شاباً أبصر من هذا، وأشار بيده إلى محمد بن إسماعيل.
وقال نعيم بن حماد: محمد بن إسماعيل فقيه هذه الأمة.
وروي عن البخاري أنه قال: قال لي محمد بن سلامٍ: انظر في كتبي، فما وجدت فيها من خطأٍ فاضرب عليه كيلا أرويه، ففعلت ذلك. فكان محمد بن سلامٍ عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل يقول: «رضي الفتى»، وفي الأحاديث الضعيفة: «لم يرض الفتى». فقال له بعض أصحابه: من هذا الفتى؟ فقال: هو الذي ليس مثله، محمد بن إسماعيل.
وقال محمد بن أبي حاتمٍ: سمعت يحيى بن جعفر يقول: لو قدرت أن أزيد في عمر محمد بن إسماعيل لفعلت، فإن موتي يكون موت رجلٍ واحدٍ، وموت محمد بن إسماعيل ذهاب العلم.
وذكر أحمد بن سيارٍ، قال: محمد بن إسماعيل الجعفي طلب
стр. 26
العلم وجالس الناس، ورحل في الحديث، ومهر فيه وأبصر، وكان حسن المعرفة حسن الحفظ، وكان يتفقه.
قال الشيخ الحافظ أبو علي ﵀: أحمد بن سيار يكنى أبا الحسن، مروزي.
قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: رأيت أبي يطنب في مدحه، ويذكره بالعلم والفقه.
قال أبو بكر: وروى سليم بن مجاهدٍ قال: كنت عند محمد بن سلامٍ فقال: لو جئت قبل لرأيت صبياً يحفظ سبعين ألف حديثٍ، قال: فخرجت في طلبه حتى لقيته، فقلت: أنت الذي تقول: أنا أحفظ سبعين ألف حديثٍ؟ قال: نعم وأكثر منه، ولا أجيئك بحديثٍ من الصحابة والتابعين إلا عرفت مولد أكثرهم ووفاتهم ومساكنهم، ولست أروي حديثاً من حديث الصحابة والتابعين إلا لي في ذلك أصلٌ أحفظه حفظاً عن كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ .
وعن محمد بن أبي حاتمٍ قال: سمعت حاشد بن عبد الله بن عبد الواحد يقول: رأيت عمرو بن زرارة ومحمد بن رافعٍ عند محمد بن
стр. 27
إسماعيل، وهما يسألان محمد بن إسماعيل عن علل الحديث، فلما قاما قالا لمن حضر المجلس: لا تخدعوا عن أبي عبد الله، فإنه أفقه منا وأعلم وأبصر.
وقال علي بن الحسين بن عاصم البيكندي: قدم علينا محمد ابن إسماعيل فاجتمعنا عنده، ولم يكن يتخلف عنه من المشايخ أحدٌ، فتذاكرنا عنده، فقال رجل من أصحابنا -أراه حامد بن حفصٍ-: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: كأني أنظر إلى سبعين ألف حديثٍ من كتابي! قال: فقال محمد بن إسماعيل: أو تعجب من هذا؟ لعل في هذا الزمان من ينظر إلى مئتي ألف حديثٍ من كتابه. وإنما عنى به نفسه.
وروي عن البخاري أنه قال: أحفظ مائه ألف حديثٍ صحيحٍ، وأحفظ مئتي ألف حديثٍ غير صحيحٍ.
وذكر عمر بن حفصٍ الأشقر قال: لما قدم رجاء بن مرجى الحافظ بخارى يريد الخروج إلى الشاش نزل الرباط، وسار إليه مشايخنا، وسرت فيمن سار إليه، فسألني عن أبي عبد الله محمد بن إسماعيل، فأخبرته بسلامته، وقلت له: لعله يجيئك الساعة. فأملى علينا، وانقضى
стр. 28
المجلس، ولم يجيء أبو عبد الله، فلما كان اليوم الثاني لم يجئه، فلما كان اليوم الثالث قال رجاءٌ: إن أبا عبد الله لم يرنا أهلاً للزيارة، فمروا بنا إليه نقض حقه، فإني على الخروج، وكان كالمترغم عليه. فجئنا بجماعتنا إليه، ودخلنا على أبي عبد الله، وسأل به، فقال له رجاءٌ: يا أبا عبد الله، كنت بالأشواق إليك، وأشتهي أن تذكر شيئاً من الحديث، فإني على الخروج، قال: ما شئت. فألقى عليه رجاءٌ شيئاً من حديث أيوب، وأبو عبد الله يجيبه، إلى أن سكت رجاءٌ عن الإلقاء، فقال لأبي عبد الله: ترى بقي شيءٌ لم نذكره؟ فأخذ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل يلقي، ويقول رجاءٌ: من روى هذا؟ وأبو عبد الله يجيء بإسناده، إلى أن ألقى قريباً من بضعة عشر حديثاً أو أكثر أعدها، وتغير رجاءٌ تغيراً شديداً، وحانت من أبي عبد الله نظرةٌ إلى وجهه، فعرف التغير فيه، فقطع الحديث. فلما خرج رجاءٌ قال أبو عبد الله محمد بن إسماعيل: أردت أن أبلغ به ضعف ما ألقيت، إلا أني خشيت أن يدخله شيءٌ، فأمسكت.
وذكر أبو عيسى الترمذي قال: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منيرٍ، فلما قام من عنده قال: يا أبا عبد الله، جعلك الله زين هذه الأمة. قال أبو عيسى: فاستجيب له فيه.
стр. 29
وقال أبو عيسى الترمذي: لم أر أحداً بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم من محمد بن إسماعيل.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعت حاشد بن إسماعيل يقول: رأيت إسحاق بن راهويه جالساً على السرير، ومحمد بن إسماعيل معه، فأنكر عليه محمد بن إسماعيل شيئاً، فرجع إلى قول محمد. وقال إسحاق: يا معشر أصحاب الحديث، انظروا إلى هذا الشاب واكتبوا عنه، فإنه لو كان في زمن الحسن بن أبي الحسن لاحتاج إليه الناس، لمعرفته بالحديث وفقهه.
أخبرني الحسن بن محمد الأشقر قال: أنا محمد بن أبي بكر، أنا خلف بن محمد قال: سمعت أبا عمرو أحمد بن نصر الخفاف يقول: محمد بن إسماعيل أعلم بالحديث من إسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل وغيرهما بعشرين درجةً.
قال أبو عمرو الخفاف: ومن قال في محمد بن إسماعيل شيئاً فمني عليه ألف لعنةٍ.
قال: وسمعت أبا عمرو الخفاف يقول: لو دخل محمد بن إسماعيل البخاري من هذا الباب لملئت منه رعباً. يعني أني لا أقدر أن أحدث بين يديه.
стр. 30
وقال خلفٌ: سمعت أبا عمرو الخفاف يقول: نا محمد بن إسماعيل التقي النقي العالم الذي لم أر مثله.
وروي عن محمد بن أبي حاتمٍ قال: سمعت علي بن حجرٍ قال: أخرجت خراسان ثلاثةً: أبا زرعة الرازي بالري، ومحمد بن إسماعيل البخاري ببخارى، وعبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي بسمرقند، ومحمد بن إسماعيل عندي أبصرهم وأعلمهم وأفقههم.
وروي عن عبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي قال: قد رأيت العلماء بالحرمين والحجاز والشام والعراقين، فما رأيت فيهم أجمع من أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري.
وروي عن الحسين بن محمد المعروف بعبيد العجل قال: ما رأيت مثل محمد بن إسماعيل، ومسلم الحافظ لم يكن يبلغ محمد بن إسماعيل، ورأيت أبا زرعة وأبا حاتمٍ يستمعان إلى محمد بن إسماعيل أي شيء يقول، يجلسان إلى جنبه. فذكر له قصة محمد بن يحيى، فقال: ماله ولمحمد بن إسماعيل؟ كان محمد بن إسماعيل أمةً من الأمم، وكان أعلم من محمد بن يحيى بكذا وكذا، وكان محمد بن إسماعيل
стр. 31
ديناً فاضلاً يحسن كل شيء.
حدثنا أبو عبد الله محمد بن علي الصوري، قال: نا عبد الغني بن سعيدٍ، أنا أبو الفضل جعفر بن الفضل، نا محمد بن موسى بن يعقوب ابن المأمون قال: سئل أبو عبد الرحمن -يعني النسائي- عن العلاء وسهيلٍ، فقال: هما خيرٌ من فليح، ومع هذا فما في هذه الكتب كلها أجود من كتاب محمد بن إسماعيل. يعني أن البخاري خرج عن فليحٍ، ولم يخرج عن العلاء وسهيلٍ.
قال أبو علي: وروينا عن محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري قال: نا أبو نصر أحمد بن محمد الوراق، قال: سمعت أبا حامدٍ أحمد ابن حمدون القصار يقول: سمعت مسلم بن الحجاج وجاء إلى محمد ابن إسماعيل البخاري، فقبل بين عينيه، وقال: دعني حتى أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله، حدثك محمد بن سلامٍ قال: نا مخلد بن يزيد الحراني، قال: أنا ابن جريجٍ، عن موسى بن عقبة، عن سهيلٍ، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في كفارة المجلس، فما علته؟ قال محمد بن إسماعيل: هذا حديثٌ مليحٌ، ولا أعلم في الدنيا غير هذا الحديث الواحد في هذا
стр. 32
الباب، إلا أنه معلولٌ، حدثنا به موسى بن إسماعيل، قال: نا وهيبٌ قال: نا سهيلٌ عن عون بن عبد الله قوله. قال محمد بن إسماعيل: وهذا أولى، فإنه لا يذكر لموسى بن عقبة سماعٌ من سهيلٍ.
وذكرها أبو بكرٍ، وفي آخرها: فقال له مسلمٌ: لا يبغضك إلا حاسدٌ، وأشهد أنه ليس في الدنيا مثلك.
ذكر قصة البخاري مع محمد بن يحيى الذهلي
قال أبو بكر: وقال الحسن بن محمد بن جابر: سمعت محمد ابن يحيى لما ورد محمد بن إسماعيل البخاري نيسابور قال: اذهبوا إلى هذا الرجل الصالح العالم، فاسمعوا منه. قال: فذهب الناس إليه، وأقبلوا على السماع منه، حتى ظهر الخلل في مجالس محمد بن يحيى، فحسده بعد ذلك وتكلم فيه.
أخبرنا أحمد بن محمد بن غالبٍ، قال: أنا أبو بكرٍ الإسماعيلي، قال: أنا عبد الله بن محمد بن سيارٍ، قال: حدثني محمد بن خشنام،
стр. 33
وسمعته يقول: سئل محمد بن إسماعيل بنيسابور عن اللفظ فقال: حدثني عبيد الله بن سعيد -يعني أبا قدامة- عن يحيى بن سعيد قال: أعمال العباد كلها مخلوقةٌ. فمزقوا عليه، قال: فقالوا له بعد ذلك: ترجع عن هذا القول حتى نعود إليك، قال: لا أفعل إلا أن تجيئوا بحجةٍ فيما تقولون أقوى من حجتي. فأعجبني من محمد بن إسماعيل ثباته.
أخبرنا محمد بن علي بن أحمد المقرئ، قال: أنا محمد بن عبد الله النيسابوري الحافظ، قال: نا أبو بكر محمد بن أبي الهيثم المطوعي ببخارى، قال: نا محمد بن يوسف الفربري، قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل يقول: أما أفعال العباد فمخلوقةٌ، فقد حدثنا علي بن عبد الله، قال: نا مروان بن معاوية، قال: أنا أبو مالكٍ عن ربعي بن حراشٍ عن حذيفة قال: قال النبي ﷺ : «إن الله يصنع كل صانعٍ وصنعته».
قال أبو عبد الله: وسمعت عبيد الله بن سعيدٍ يقول: سمعت يحيى بن سعيدٍ يقول: ما زلت أسمع أصحابنا يقولون: إن أفعال العباد مخلوقةٌ. قال أبو عبد الله البخاري: حركاتهم وأصواتهم واكتسابهم وكتابتهم مخلوقةٌ، فأما القرآن المتلو المبين المثبت في المصاحف المسطور المكتوب الموعى في القلوب فهو كلام الله، ليس بخلقٍ، قال الله تعالى: ﴿بل هو آياتٌ بيناتٌ في صدور الذين أوتوا العلم﴾.
стр. 34
أخبرنا أبو حازمٍ العبدويي قال: سمعت الحسن بن أحمد بن سنانٍ يقول: سمعت أبا حامدٍ الأعشى يقول: رأيت محمد بن إسماعيل البخاري في جنازة أبي عثمان سعيد بن مروان، ومحمد بن يحيى يسأله عن الأسامي والكنى وعلل الحديث، ويمر فيه محمد بن إسماعيل مثل السهم، كأنه يقرأ ﴿قل هو الله أحدٌ﴾، فما أتى على هذا شهرٌ حتى قال محمد بن يحيى: ألا من يختلف إلى مجلسه لا يختلف إلينا، فإنهم كتبوا إلينا من بغداد أنه تكلم في اللفظ، ونهيناه فلم ينته، ولا تقربوه، ومن يقربه فلا يقربنا. فأقام محمد بن إسماعيل ههنا مدة، وخرج إلى بخارى.
أخبرنا أبو سعيدٍ محمد بن حسنوية بن إبراهيم الأبيوردي قال: أنا أبو سعيدٍ محمد بن عبد الله بن حمدون، قال: سمعت أبا حامدٍ الشرقي يقول: سمعت محمد بن يحيى يقول: القرآن كلام الله غير مخلوقٍ من جميع جهاته وحيث يتصرف، فمن لزم استغنى عن اللفظ وغيره من الكلام في القرآن، ومن زعم أن القرآن مخلوقٌ فقد كفر، وخرج عن الإيمان، وبانت منه امرأته، يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وجعل ماله فيئاً بين المسلمين، ولم يدفن في مقابر المسلمين. ومن وقف وقال: لا أقول
стр. 35
«مخلوق» ولا «غير مخلوق» فقد ضاهى الكفر. ومن زعم أن لفظي بالقرآن مخلوقٌ فهذا مبتدعٌ، لا يجالس ولا يكلم، ومن ذهب بعد مجلسنا هذا إلى محمد بن إسماعيل البخاري فاتهموه، فإنه لا يحضر مجلسه إلا من كان على مثل مذهبه.
أخبرني الحسن بن محمد الأشقر، أنا محمد بن أبي بكر، نا أبو صالحٍ خلف بن محمد بن إسماعيل قال: سمعت أبا عمرو أحمد بن نصر بن إبراهيم النيسابوري المعروف بالخفاف ببخارى يقول: كنا يوماً عند أبي إسحاق القيسي ومعنا محمد بن نصرٍ المروزي، فجرى ذكر محمد بن إسماعيل البخاري، فقال محمد بن نصرٍ: سمعته يقول: من زعم أني قلت: «لفظي بالقرآن مخلوقٌ» فهو كاذبٌ، فإني لم أقله. فقلت له: يا أبا عبد الله! قد خاض الناس في هذا وأكثروا فيه، فقال: ليس إلا ما أقول وأحكي لك عنه.
قال أبو عمرو الخفاف: فأتيت محمد بن إسماعيل، فناظرته في شيء من الحديث حتى طابت نفسه، فقلت له: يا أبا عبد الله أههنا أحدٌ يحكي عنك أنك قلت هذه المقالة، فقال: يا أبا عمرو! احفظ ما أقول
стр. 36
لك: من زعم من أهل نيسابور وقومس والري وهمذان وحلوان وبغداذ والكوفة والمدينة ومكة والبصرة أني قلت: «لفظي بالقرآن مخلوق» فهو كذابٌ، فإني لم أقل هذه المقالة، إلا أني قلت: «أفعال العباد مخلوقةٌ».
أخبرني أبو الوليد الدربندي قال: أنا محمد بن أحمد بن سليمان، قال: نا أبو نصر أحمد بن سهل بن حمدوية، قال: نا أبو العباس الفضل بن بسامٍ، قال: سمعت إبراهيم بن محمد يقول: أنا توليت دفن محمد بن إسماعيل، لما أن مات بخرتنك أردت حمله إلى مدينة سمرقند لأدفنه بها، فلم يتركني صاحبٌ لنا، فدفناه بها، فلما فرغنا ورجعت إلى المنزل الذي كنت فيه قال لي صاحب القصر: سألته أمسٍ، فقلت: يا أبا عبد الله، ما تقول في القرآن؟ فقال: القرآن كلام الله غير مخلوقٍ، قال: فقلت له: إن الناس يزعمون أنك تقول: ليس في المصاحف قرآنٌ ولا في صدور الناس، فقال: أستغفر الله أن تشهد علي بشيء لم تسمعه مني، قال: أقول كما قال الله تعالى: ﴿والطور. وكتابٍ مسطور﴾، أقول: في المصحف قرآنٌ، وفي صدور الناس قرآن، فمن قال غير هذا يستتاب، فإن تاب وإلا فسبيله سبيل الكفر.
ذكر خبره مع خالدٍ بن أحمد والي بخارى
أخبرنا الحسن بن محمد الأشقر، قال: أنا محمد بن أبي بكر الحافظ، قال: سمعت أبا عمرو أحمد بن محمد بن عمر المقرئ
стр. 37
يقول: سمعت أبا سعيد بكر بن منير بن خليد بن عسكر يقول: بعث الأمير خالد بن أحمد الذهلي والي بخارى إلى محمد بن إسماعيل أن احمل إلي كتاب «الجامع» و «التاريخ» وغيرهما لأسمع منك، فقال محمد بن إسماعيل لرسوله: أنا لا أذل العلم ولا أحمله إلى أبواب الناس، فإن كانت لك إلى شيء منه حاجةٌ فاحضرني في مسجدي أو في داري، وإن لم يعجبك هذا فأنت سلطانٌ فامنعني من المجلس، ليكون لي عذرٌ عند الله يوم القيامة، لأني لا أكتم العلم لقول النبي ﷺ : «من سئل عن علمٍ فكتمه ألجم بلجامٍ من نارٍ». قال: فكان سبب الوحشة بينهما هذا.
وأخبرني محمد بن علي بن أحمد المقرئ، أنا محمد بن عبد الله الحافظ، قال: سمعت محمد بن العباس الضبي يقول: سمعت أبا بكر ابن أبي عمرو الحافظ يقول: كان سبب مفارقة أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البلد -يعني بخارى- أن خالد بن أحمد الذهلي الأمير خليفة الطاهرية ببخارى سأل أن يحضر منزله، فيقرأ «الجامع» و «التاريخ» على أولاده فامتنع أبو عبد الله من الحضور عنده، فراسله أن يعقد مجلساً لأولاده لا
стр. 38
يحضره غيرهم، فامتنع من ذلك -أيضاً-، وقال: لا يسعني أن أخص بالسماع قوماً دون قومٍ. فاستعان خالد بن أحمد بحريث بن أبي الورقاء وغيره من أهل العلم ببخارى عليه، حتى تكلموا في مذهبه، ونفاه عن البلد، فدعا عليهم أبو عبد الله محمد بن إسماعيل فقال: «اللهم أرهم ما قصدوني به في أنفسهم وأولادهم وأهاليهم»؛ فأما خالدٌ فلم يأت عليه إلا أقل من شهرٍ حتى ورد أمر الطاهرية بأن ينادى عليه؛ فنودي عليه وهو على أتانٍ، وأشخص على إكافٍ، ثم صارت عاقبة أمره إلى ما قد اشتهر وشاع. وأما حريث بن أبي الورقاء فإنه ابتلي بأهله، فرأى فيها ما يجل عن الوصف، وأما فلانٌ أحد القوم -وسماه- فإنه ابتلي بأولاده، وأراه الله فيهم البلايا.
وأخبرنا علي بن أبي حامدٍ الأصبهاني في كتابه، قال: نا محمد بن محمد بن مكي الجرجاني، قال: سمعت عبد الواحد بن آدم الطواويسي، قال: رأيت النبي ﷺ في النوم ومعه جماعةٌ من أصحابه، وهو واقفٌ في موضعٍ -ذكره-، فسلمت عليه، فرد السلام، فقلت: ما وقوفك يا رسول الله؟ فقال: أنتظر محمد بن إسماعيل البخاري. فلما كان بعد أيامٍ بلغني موته، فنظرنا فإذا هو قد مات في الساعة التي رأيت النبي ﷺ فيها.
стр. 39
انتهى ما كتبناه عن أبي بكرٍ الخطيب ﵀.
ومما رويناه عن غير أبي بكر الخطيب
ذكر عن أحمد بن منصور بن محمد الشيرازي قال: حدثني محمد بن يعقوب الأخرم، قال: سمعت أصحابنا يقولون: لما قدم محمد بن إسماعيل البخاري نيسابور استقبله أربعة آلاف رجلٍ ركبانٌ على الخيل، سوى من ركب بغلاً أو حماراً، وسوى الرجالة، فحضر الكل مجلسه، إلى أن أظهر ما أظهر من قوله، فبلغ ذلك محمد بن يحيى الذهلي، فقال محمد بن يحيى الذهلي: من حضر مجلسي فلا يحضر مجلس هذا، فإنه قد أظهر خلاف السنة، قال: فجفي، فلم يقربه أحدٌ إلا مسلم ابن الحجاج وأحمد بن سلمة، فلما كان في اليوم الثاني حضرا عند محمد بن يحيى، فقال محمد بن يحيى: أحظر على من قال: «لفظي بالقرآن» أن يقرب مجلسي. قال: فقام مسلم بن الحجاج فخرج، وتبعه أحمد بن سلمة، فقال محمد بن يحيى: لا يساكني هذا الرجل في البلد. فخشي البخاري أن يلحقه منه مكروهٌ، فخرج.
стр. 40
فسمعت القاسم بن القاسم يقول: سمعت إبراهيم وراق أحمد بن سيار يقول: لما قدم البخاري مرو استقبله أحمد بن سيارٍ فيمن استقبله، فقال له أحمد بن سيارٍ: يا أبا عبد الله، نحن لا نخالفك فيما تقول، ولكن العامة لا تحتمل ذا منك، فقال: إني أخشى النار أسأل عن شيء أعلمه حقاً أن أقول غيره. فانصرف عنه أحمد بن سيار.
قال: وسمعت بعض أصحابنا يقول: لما قدم بخارى نصبت له القباب على فرسخٍ من البلد، واستقبله عامة أهل البلد، حتى لم يبق مذكورٌ إلا وقد استقبله، ونثر عليه الدنانير والدراهم والسكر الكثير، قال: فبقي أياماً، قال: فكتب بعد ذلك محمد بن يحيى إلى خالد بن أحمد -وكان أمير بخارى- فقال: إن هذا الرجل قد أظهر خلاف السنة فقرأ كتابه على أهل بخارى، فقالوا: لا نفارقه، فأمره الأمير بالخروج عن البلد، فخرج.
قال أحمد بن منصور: فحكى لي بعض أصحابنا عن إبراهيم بن معقلٍ قال: رأيت محمد بن إسماعيل في اليوم الذي أخرج فيه من بخارى،
следующие страницы →