← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 8771

الإمام أبو العباس ابن سريج المتوفي سنة 306 هـ وآراؤه الأصولية

حسين بن خلف الجبورى

Полный текст (104 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أبو الراكب. فغشي علي من صعوبة ما سمعت. فلما رجعت من الحج، رجعت على والدتي لتخبرني. فأخبرتني أن أبي طلقها ثلاثا. ثم ندم فأمر هذا الغلام بنكاحها للتحليل، ففعل، فعلقت منه. وكان ذا مال كثير وليس له ولد فاستحقه ونكحني مرة ثانية".

стр. 37

رابعا: أبو علي الحسن بن الحسين المعروف بابن أبي هريرة ١: أحد أئمة الشافعية، تفقه على ابن سريج، ثم على أبي إسحاق المروزي، وصحبه إلى مصر. ثم عاد إلى بغداد وشرح شرحين للمختصر، مختصرا ومبسوطا. درس ببغداد وتخرج عليه خلق كثير. وانتهت إليه إمامة العراقيين. توفي ببغداد سنة ٣٤٥ هـ.

стр. 38

خامسا: أبو الوليد حسان بن محمد بن أحمد القرشي الأموي النيسابوري ٢: الفقيه، شيخ الشافعية بخراسان، وصاحب ابن سريج، كان زاهدا محتشما، قال عنه الحاكم: "بأنه إمام أهل الحديث بخراسان"، له كتاب المستخرج على صحيح مسلم. كما أنه شرح رسالة الإِمام الشافعي شرحا حسنا. عاش اثنتين وتسعين سنة. توفي بنيسابور سنة ٣٤٩ هـ.

стр. 39

سادسا: أبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل القفال الشاشي ٣: كان إماما، إذ أنه أفصح الأصحاب قلما، وأمكنهم في دقائق العلوم قدما، وأسرعهم بيانا، وأتقنهم جنانا، وأعلمهم إسنادا، وأرفعهم عمادا، انتشر عنه مذهب الشافعي بما وراء النهر، له كتاب في أصول الفقه، وله شرح الرسالة. وهو أول من صنف في الجدل الحسن من الفقهاء. توفي سنة ٣٣٥ هـ وقيل سنة ٣٣٦ هـ.

стр. 40

سابعا: أبو الحسن أحمد بن محمد بن أحمد البغدادي المعروف بابن القطان ٤: وهو آخر أصحاب ابن سريج وفاة. أخذ عنه علماء بغداد. إذ درس بها. له مصنفات في أصول الفقه وفروعه. توفي سنة ٣٥٩ هـ.

стр. 41

ثامنا: أبو جعفر أحمد بن محمد الاستراباذي ١: من أصحاب ابن سريج ومن كبار الفقهاء والمؤذنين، وأَجل العلماء المبرزين، وهو القائل: "لا وجود للسحر وإنما هو تخييل". أبو بكر أحمد بن الحسن بن سهل الفارسي٢: وهو صاحب "عيون المسائل في نصوص الشافعي" تفقه على ابن سريج. مات بحدود سنة خمسين وثلاثمائة. الآراء الأصولية للإمام أبي العباس ابن سريج الشافعي البغدادي المتوفي سنة ٣٠٦ هـ

стр. 42

الآراء الأصولية للإمام أبي العباس ابن سريج الشافعي البغدادي باب: الأحكام مسألة: طلب العلم ... الآراء الأصولية للإمام أبي العباس ابن سريج الشافعي البغدادي المتوفي سنة ٣٠٦ هـ باب الأحكام (١) مسألة: طلب العلم٣: قال ابن سريج: "إذا قيل لك ما الأصل في طلب العلم؟ تقول: كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وما اتفقت عليه الأمة. فالحجة من الكتاب قوله : ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ ٤ فأفادنا بذلك حكم طلب العلم. وما قاله الرسول ﷺ : "اطلبوا العلم ولو بالصين" ٥ فإن طلب العلم فريضة على كل مسلم. وقد أجمعت الأمة على أن علم ما لا يسع جهله فرض على الإنسان أن يعلمه، فإذا علمه كان طلب ما سوى ذلك فضلا لا فرضا. فعلى من علمَ أن الله قد فرض عليه فرائض وتواعده على تركها أن يعلمها، وأن يسارع إلى موافقة الله تعالى فيها رغبة في ثوابه، وخوفا من عقابه، وطلبا لمرضاته، والله نسأل التوفيق بمنه وهو حسبنا ونعم الوكيل".

стр. 43

(٢) مسألة: حكم الأشياء قبل ورود الشرع: اختلف العلماء في حكم الأشياء قبل ورود الشرع على أقوال: فقال أبو العباس ابن سريج: "إنها على الإباحة حتى يرد الشرع بحظرها"٦.

стр. 44

وجاء في شرح الكوكب المنير١ إيراد المسألة باسم آخر وهو "الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع وبعده وخلا عن حكمها فما هو حكم هذه الأعيان" ومن العلماء من ذكرها قبل ورود الشرع. ومع ذلك فقد قال صاحب الكوكب بأن أبا العباس ابن سريج قال: "بأنها مباحة". هذا وقرر استدل ابن سريج على قوله هذا بالأدلة الآتية٢ وهي: أولا: قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْق﴾ ٣. وجه الاستدلال: إن هذا استفهام إنكاري وهو يفيد الذم والتوبيخ. لذا كان مقتضى الآية أن الأصل في الأعيان المنتفع بها الإباحة. ثانيا: استدل بقوله ﷺ : "من أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم لأجل مسألته" ٤ وقوله ﷺ : "ما سكت عنه فهو عفو" ٥. وجه الاستدلال: إن الحديثين يفيدان الإباحة. ثالثا: استدل بأن هذه الأعيان ملك للَه تعالى والانتفاع بملك الغير على وجه لا يستضر به المالك جائز. والدليل على ذلك أملاك الآدميين. فإنها يجور الانتفاع بها على وجه لا يستضر به المالك مثل الاستظلاِل بظله والمشي في ضوء سراجه، ولا ضرر على الله تعالى في انتفاعنا بهذه الأعيان. فوجب أن يكون الانتفاع بها جائزا على الإطلاق. رابعا: قال: "إن الحكيم لا يخلق شيئا إلا لغرض ووجه من الحكمة يقتضي خلقه. وقد خلق الله تعالى هذه الأعيان فلا يخلو إما أن يكون خلقها للمنفعة أو المضرة. بطل أن يكون خلقها للمضرة، لأن هذا لا يليق بالحكيم. فبقي القسم الثاني وهو أنه خلقها للانتفاع بها. وإذا ثبت هذا فلا يخلو إما أن يكون خلقها لنفع نفسه أو لنفعنا، بطل أن يكون خلقها لنفع نفسه لأن الله تعالى مستغن عن ذلك. بقي أن يكون خلقها لنفع الناس، وإذا ثبت

стр. 45

هذا ثبت أن الانتفاع بها جائز، إذ لا يخرج خلقه إياها عن هذين القسمين. لأن القسم الثالث عبث ولعب، وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا". ويدل عليه قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ ١. خامسا: قال: بأن المباح ما لا ثواب في فعله ولا عقاب في تركه وعندكم أن من يفعل شيئا قبل الشرع لا ثواب له في فعله ولا عقاب في تركه، فقد أثبتم له حكم الإباحة. سادسا: بأن القول بالوقف يؤدي إلى ترك الوقف وذلك أن القول به لا يخلو إما أن يكون حقا يجب اعتقاده أو باطلا لا يجوز اعتقاده. فإن كان حقا وجب اعتقاده. بطل القول بالوقف. لأنه قد وجب الاعتقاد وإن كان باطلا لم يجز القول به.

стр. 46

(٣) مسألة: شكر المنعم: اختلف أهل العلم في حكم هذه المسألة على أقوال فقال أبو العباس ابن سريج: "يجب شكر المنعم عقلا"٢. ونقل الزركشي عن تقاضى أبي بكر الباقلانيى والأستاذ أبي إسحاق الاسفرائينى في معرض الاعتذار عن ابن سريج هذا أنهما قالا: "أعلم أن هذه الطائفة من أصحابنا ابن سريج وغيره، برعوا في فن الفقه، ولم يكن لهم قدم راسخ في الكلام، وطالعوا على الكبر كتب المعتزلة فاستحسنوا عَباراتهم، وقولهم في شكر المنعم عقلا فذهبوا إلى ذلك غير عالمين بما تؤدي إليه هذه المقالة من قبح القول"٣.

стр. 47

(٤) مسألة: صيغة أفعل ليست حقيقة: صيغة أفعل تستعمل في معان متعددة قد تصاب إلى ستة عشر معنى. فهل استعملها في هذه المعاني على وجه الحقيقة أم على خلاف ذلك؟ قال البخاري في كشف الأسرار٤ بأن العلماء اتفقوا على أن صيغة أفعل ليست حقيقة في جميع الوجوه لأن معنى التسخير والتعجيز والتسوية مثلا غير مستفاد من مجرد الصيغة. بل إنما يفهم ذلك من القرائن. إنما الذي وقع الاختلاف فيه أربعة أمور هي الوجوب والندب والإباحة والتهديد.

стр. 48

فقال أبو العباس ابن سريج: "الأمر مشترك بين هذه الوجوه الأربعة بالاشتراك اللفظي كلفظ العين"١. وقد استدل على قوله هذا٢ بما يلي: وهو أن صيغة الأمر استعملت في معان مختلفة من غير أن يثبت هو ترجيح أحدها على الباقي والأصل في الاستعمال الحقيقة. فيثبت الاشتراك الذي هو من أقسام الإجمال. فلا يجب العمل به إلا بدليل زائد يرجح أحد المعاني على سائرها لاستحالة ترجيح أحد المتساويين بلا مرجح.

стр. 49

(٥) مسألة: ما هي حقيقة الأشبه: هذه المسألة موضعها عند كل الفقهاء في التخطئة والتصويب فالمجتهد إذا وقعت له واقعة يطلب النصوص من الكتاب والسنة ثم الإجماع، ثم إن أعوز المطلوب فيه فينظر في قواعد الشريعة يحاول إلحاقا ويريد جمعا ويطلب شبها فيخيل في نفسه وجود التشبه ثم يجتهد في طلب الأشبه فالمطلوب هو الأشبه. ومعنى هذا أن المسألة إذا ترددت بين أصلين في التحريم والتحليل ويجاذبها أصل التحريم وأصل التحليل فالمطلوب تقرير الأشبه، لذا اختلف العلماء في حقيقة الأشبه الذي هو المطلوب. فقال أبو العباس ابن سريج: "الأشبه المطلوب هو الذي يغلب على الظن عند تقدير ورود الشرع بحكم في المحل. أنه كان ينص على ذلك الحكم"٣.

стр. 50

باب العام والخاص (١) مسألة: إذا ورد لفظ عام هل يبحث عن المخصص قبل الشروع في العمل به أم لا ؟: هذه المسألة قد اختلفت ألفاظ العلماء في التعبير عن مقتضاها إذ أن من العلماء من عبر عنها بقوله: الألفاظ موضوعة للعموم٤. ومنهم من قال: "هل يجب اعتقاد العموم من الصيغة والعمل بمقتضاها أو يتوقف عنها"٥.

стр. 51

وقد اختلف العلماء في بيان حكمها على أقوال متعددة فقال أبو العباس ابن سريج: "لا يجوز التمسك بالعام ما لم يتقص في طلب المخصص، فإذا لم يوجد ذلك المخصص فحينئذ يجوز التمسك به في إثبات الحكم العام"١. وقد استدل ابن سريج بالأدلة الآتية وهي٢: أولا: أن المقتضي للعموم هو الصيغة المتجردة عن القرائن ولا يعلم تجردها عن القرائن إلا بعد النظر في الأصول والبحث عن الأدلة، لأن دليل التخصيص قد يكون متصلا بلفظ العموم بالشرط والاستثناء، وقد يكون متأخرا عنه فلم يجز اعتقاد عمومه ما لم يوجد شرط العموم فيه. ثانيا: إن هذا الأمر يقاس على البينة في الحكم حيث يعتمد على ما يعلم إذا علم الحاكم عدالتها، لو كانت البينة لا تكون بينة حتى يعلم خبرها من الأسباب القادحة في العدالة، لم يجز العمل بها مع الجهل بحالها، بل يجب عليه أن يتوقف فيها حتى يكشف عن باطن حالها بسؤال أهل الخبرة والمعرفة بالشهود. كذلك في مسألتنا. ثالثا: بأنه لا طريق إلى معرفة ذلك بغير البحث والسبر وهو غير يقيني. والقول بأنه لو كان ثم مخصص لاطلع عليه العلماء غير يقيني لجواز وجوده مع عدم اطلاع أحد من العلماء عليه. وبتقدير اطلاع بعضهم عليه فنقله له أيضا غير قاطع. بل غايته أن يكون ظنيا. كيف وأنه ليس كل ما ورد فيه العام مما كثر خوض العلماء فيه، وبحثهم عنه ليصح ما قيل. رابعا: إنه بتقدير قيام المخصص لا يكون العموم حجة في صورة التخصيص فقبل البحث عن وجود المخصص يجوز أن يكون العموم حجة، وأن لا يكون، والأصل أن لا يكون حجة إبقاء للشيء على حكم الأصل. خامسا: أن اللفظ الموضوع للاستغراق هو اللفظ المتجرد عن القرائن المخصصة، ولابد من طلب التجرد لنحمل على المعنى الموضوع له اللفظ، وعند الطلب نعرض الخطاب الوارد على دلائل الشرع ليعرف هل وجد هناك دليل يخص اللفظ أولا. ثم إذا لم نجد فقد

стр. 52

أصاب اللفظ المجرد عن قرينة مخصصة فيحمل عام الموضوع له، وهو الاستيعاب، ويعتقد ذلك.

стр. 53

(٢) مسألة: تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بالقياس: اختلف أهل العلم في جواز تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بالقياس. فقال أبو العباس ابن سريج: "إن كان القياس جليا١ جاز وإن كان خفيا فلا٢ مثل قياس تحريم ضرب الوالدين على تحريم التأفيف". وجاء في إرشاد الفحول٣ عنه روايتان: الأولى: "أنه يقول بالتخصيص مطلقا". والثانية: "أنه يقول بالتخصيص إن كان القياس جليا" وصحح عنه الرواية الأولى. إلا إني أقول لعل الراجح هي الرواية الثانية لأن أكثر المصادر ذكرت عنه هذه الرواية دون الثانية أي التخصيص بالقياس الجلي دون غيره.

стр. 54

(٣) مسألة: تخصيص العموم بدليل الخطاب: معنى ذلك أنه إن ورد نص عام فهل لنا أن نخصصه بدليل الخطاب٤ (مفهوم المخالفة) أم لا؟. اختلف العلماء في حكم هذه المسألة على أقوال. فقال أبو العباس ابن سريج: "لا يجور تخصيص العموم بدليل الخطاب"٥.

стр. 55

(٤) مسألة: هل تحمل الألفاظ على كل ما تتناوله أم على البعض ؟: معنى ذلك أن اللفظ إذا كان متناولا لأفراد كثيرة فهل يحمل على جميع هذه الأفراد أم أنه يكتفي بحمله على أقل ما يتناوله؟. قال أبو العباس ابن سريج: "يجب حمل الألفاظ على أقل ما يتناوله اللفظ"٦. وقد استدل ابن سريج بالأدلة الآتية٧

стр. 56

ولا: بأن أقل الجمع ثلاثة ولا يشك في أن ذلك المقدار مراد باللفظ وما زاد على ذلك مشكوك فيه. فلا يحمل اللفظ عليه إلا بدليل. ثانيا: لفظ الجميع لو اقتضى العموم لوجب إذا قال: لفلان عندي دراهم ألا يقبل منه ثلاثة دراهم. ولما أجمعنا على أنه يقبل منه ثلاثة دراهم. علمنا أن اللفظ محمول على أقل ما يتناوله.

стр. 57

باب: الحقيقة والمجاز (١) مسألة: المجاز في القرآن: اختلف العلماء في وقوع المجاز في القرآن الكريم. فقال أبو بكر بن داود: "بأن المجاز في اللغة، وليس في القرآن مجاز". فرد عليه أبو العباس ابن سريج بوقوع المجاز في القرآن١ وقد استدل على رده بقوله تعالى: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَات﴾ ٢. وجه الاستدلال: أن الصلوات لا تهدم وإنما أراد به مواضع الصلوات. وعبر بالصلوات عنها على سبيل المجاز. وحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. فلم يكن لأبي بكر من جواب على ما استدل به ابن سريج.

стр. 58

(٢) مسألة: هل يحمل اللفظ على الحقيقة قبل البحث عن المجاز أم لا ؟. معنى ذلك هل يحمل اللفظ على معناه الحقيقي ابتداء أم لابد من البحث عن معناه المجازي قبل حمله على الحقيقي؟. اختلف العلماء في ذلك على أقوال: فقال أبو العباس بن سريج: "يجب طلب المجاز قبل استعمال اللفظ في المعنى الحقيقي"٣.

стр. 59

باب: المفهوم (١) مسألة: مفهوم الصفة: هذه المسألة تسمى عند علماء الأصول بمسميات كثيرة منها: "مفهوم المخالفة" ومنها:

стр. 60

"دليل الخطاب". ومنها: "العمل بالوجوه الفاسدة". ومثلها قوله الرسول ﷺ : "في سائمة الغنم زكاة" ١. وهل معنى هذا نفي الزكاة عن المعلوفة من الغنم أم لا؟. اختلف علماء الأصول في ذلك: فقال أبو العباس ابن سريج: "تعليق الحكم على صفة لا يدل على انتفاء الحكم فيما لم توجد فيه تلك الصفة٢ إلا إذا جاء بلفظ الشرط". وقد استدل على قوله هذا بالأدلة الآتية٣: أولا: استدل بقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ ٤. وجلا الاستدلال: أنه لو كان كما قلتم لكان في الآية دليل على جواز القتل عند انتفاء خشية إملاق وهو الفقر، وليس كذلك، بل هو حرام. ثانيا: لو دل تخصيص الحكم بالصفة على نفيه عما عداه لدل تخصيصه بالاسم على نفيه عما عداه. لكن التخصيص بالأسماء لا يدل على نفيه عما عداه. فالتخصيص بالصفة وجب أن لا يدل على نفيه عما عداه. ثالثا: ثبوت الحكم في إحدى الصورتين لا يلزمه ثبوت الحكم في الصورة الأخرى والإِخبار عن ثبوت ذلك الحكم في إحدى الصورتين لا يلزمه الإِخبار عنه في الصورة الأخرى، فإذن الإخبار عن ثبوت الحكم في إحدى الصورتين لا يدل على حال الصورة الأخرى ثبوتا وعدما. رابعا: ليس في كلام العرب كلمة تدل على شيئين متضادين وهذا اللفظ يدل على إثبات الحكم ونفيه، وهذا خلاف اللغة. خامسا: لو كان تعليق الحكم على الصفة للشيء يدل على نفيه عما عداه لوجب أن لا يحسن فيه الاستفهام، كما لا يحسن في نفس النطق.

стр. 61

سادسا: بأن نفي الحكم عن غير المنصوص لا يفهم من مجرد الإثبات إلا بنقل متواتر من أهل اللغة، أو جار مجرى التواتر كعلمنا بأن قولهم ضروب وقتول وَأمثالهما للتكثير، وإن قولهم عليم وقدير وأقدر للمبالغة. ونقل الآحاد لا يكفي إذ الحكم على اللغة ينزل عليها كلام الله تعالى بقول الآحاد مع جواز الغلط، لا سبيل إليه، ولم يوجد. سابعا: أهل اللغة فرقوا بين العطف وبين النقض. وقد قالوا أضرب الرجال الطوال والقصار عطف، وليس بنقض. ولو كان قوله أضرب الرجال الطوال يدل على نفي ضرب القصار لكان قوله والقصار نقضا لا عطفا. ثامنا: الخبر عن ذي الصفة لا يبقي غير الموصوف، فإن الرجل إذا قال: قام أسود، أو خرج، لم يدل على نفيه عن الأبيض. بل هو مسكوت عن الأبيض فكذلك الأمر. تاسعا: بمفهوم الاسم واللقب. فإن الأسماء موضوعة لتمييز الأجناس والأشخاص كإنسان وزيد. والصفات موضوعة لتمييز النعوت والأحوال كطويل وقصير، وقائم وقاعد. فإذا كان تقييد الخطاب بالاسم لا يدل على نفيه عما عداه، فإنه إذا قيل في الإبل الزكاة لا يدل ذلك على نفيها عن البقر. وجب أن يكون التقييد بالصفات بمثابته. عاشرا: كان دليل الخطاب يقتضي الحكم لكان ذلك مستنبطا من اللفظ، وما استنبط من اللفظ لا يجوز تخصيصه كالعلة. حادي عشر: ما روي عن عروة بن الزبير ﵁ أنه قال: "قلت لعائشة أم المؤمنين ﵂، وأنا يومئذ حديث السن. أرأيت قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ١ فما أرى على أحد شيئا ألا يطوف بهما". قالت عائشة ﵂: "كلا يا ابن أخي لو كان كما قلت لكانت "فلا جناح عليه ألا يطوف بهما". فهذه عائشة وهي من أهل اللسان لم تحكم للمسكوت عنه ضد حكم المنطوق به، واعتذر عروة ﵁ ما اعتقد ذلك بحداثة سنه، وأنه لم يكن فقه بعد. وإذا كان هذا طريقه اللغة. وجب أن يرجع إلى قول عائشة ﵂. والله أعلم وأحكم. ثاني عشر: لو دل الخطاب المقيد بالصفة على نفي ما عداه لدل عليه إما بصريحه ولفظه، وإما بفائدته ومعناه. وليس يدل علية من كلا الوجهين. فإذا ليس يدل عليه. أما صريحه فلأنه ليس فيه ذكير لما عدا الصفة. ألا ترى أن قول القائل "أدوا عن الغنم السائمة الزكاة" ليس فيه ذكر للمعلومة أصلا.

стр. 62

وأما المعنى: فلو دل من جهة المعنى لكان من حيث أنه لو كانت الزكاة في غير السائمة كهي في السائمة لما تكلف الشارع ذكر السوم وتعلق الزكاة باسم الغنم لأن تكلف ذكر السوم مع تعلق الزكاة بمطلق اسم الغنم تكلف لما لا فائدة فيه.

стр. 63

(٢) مسألة: الحكم المعلق عن شيء بكلمة "إن" هل حكم على العدم عند عدم ذلك الشيء أم لا ؟ نحو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنّ﴾ ١ ونحو قول القائل: إذا جاءكم كريم فأكرموه. اختلف العلماء في حكم هذه المسألة على أقوال كثيرة: فقال أبو العباس ابن سريج: "إنه حكم على العدم مع عدم ذلك الشرط"٢. وقد استدل بالأدلة الآتية٣: أولا: بأن قوله إن دخل عبدي فأعتقه. يفهم منه لغة ولا تعتقه إن لم يدخل الدار. فكما أن الدخول يوجب جواز الإعتاق فعدمه يمنع عنه فكان العدم مضافا إليه. ثانيا: أن النحويين قالوا: إن كلمة "إن" حرف شرط. ويلزم من انتفاء الشرط انتفاء المشروط. ثالثا: الشرط هو الذي يتوقف عليه الحكم فلو ثبت الحكم مع عدمه لكان كل شيء شرطا في كل شيء حتى يكون دخول زيد الدار شرطا في كون السماء فوق الأرض. وإن وجد ذلك مع عدم الدخول. والدليل عليه ما روي أن يعلي بن أمية ﵁ قال لعمر بن الخطاب ﵁: "ما بالنا نقصر الصلاة وقد أمنا وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ "٤. فقال عمر بن الخطاب ﵁: "عجبت مما عجبا منه فسألت رسول الله عليه وسلم فقال: "إنما هي صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" ٥. فلو لم يعقل من التعليق نفي الحكم عند عدم الشرط لم يكن لتعجبها معنى، مع أنهما من فصحاء العرب. رابعا: أن فائدة وصفنا له بأنه شرط أن ينتفي الحكم بانتفائه، وإن صح أن يوجد الشرط من عدم الحكم كالشروط العقلية.

стр. 64

(٣) مسألة: فحوى الخطاب (مفهوم الموافقة) : اختلف العلماء في حجية مفهوم الموافقة أو فحوى الخطاب فقال محمد بن داود وأهل الظاهر بأنه مفهوم من النطق فتصدي للرد عليه أبو العباس ابن سريج إذ جاء في شرح اللمع١ أنه قال: "حكي عن ابن سريج أنه ناظره محمد بن داود فألزمه الذرة فقال: "إذا قال: لا تمسك من المالك ذرة لا يجوز له أن يتناول المئين والألوف، لأن اللفظ غير موضوع له" فقال ابن داود: "لا أُسلم أن المئين والألوف ذرات مجموعة شكل ذرة منها يتناوله اللفظ" فألزمه ابن سريج نصف ذرة فقال "النصف لا يسمى ذرة" فلم يجب عنه ابن داود". قد حكي الجويني في البرهان٢ أن ابن سريج قد ناظر أبو بكر بن داود حيث قال له: "أنت تلتزم الظاهر وقد قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ ٣ فما تقول فيمن يعمل مثقال ذرتين". فقال مجيبا: "الذرتان ذرة وذرة". فقال أبو العباس ابن سريج: "فلو عمل مثقال ذرة ونصف فتبلد وظهر خزيه".

стр. 65

باب المجمل والمبين مسألة: تأخير البيان عن وقت الخطاب: معنى ذلك إذا ورد الخطاب من الشارع وكان مجملاً فهل يمكن أن يتأخر البيان عن وقت وروده أم لا؟. اختلف علماء الأصول في هذه المسألة علي أقوال متعددة. فقال أبو العباس ابن سريج: "يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب"٤. وقد استدل ابن سريج بالأدلة الآتية٥ وهي: أولاً: قوله : ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ ٦. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ٧. وجه الاستدلال: أن ثم تقتضي المهلة والتراخي. فدل على أن التفصيل يجوز أن يتأخر عن الخطاب.

стр. 66

ثانيا: أن الله تعالى أوجب الصلوات الخمس ولم يبين أوقاتها وأفعالها حتى نزل جبريل ﵇ وبين للنبي ﷺ كل صلاة في وقتها١. وبين النبي ﷺ أفعالها وأوقاتها للناس وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" ٢ وكذلك أمر الحج حيث بين النبي ﷺ أفعاله للناس في العام الذي حج فيه وقال: "خذوا عني مناسككم" ٣ ولو لم يجز التأخير لما أخر عن وقت الخطاب. وكذا قوله : ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ٤ وقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ ٥ ثم وقع البيان لهذه الأمور بعد ذلك بالسنة النبوية المطهرة. ثالثا: أن البيان إنما يحتاج إليه للامتثال وفعل المأمور به، كما أن القدرة يحتاج إليها الفعل المأمور به. ثم يجوز تأخير القدرة عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة، فكذلك تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة يجب أن يكون جائزا. رابعا: أن النسخ تخصيص للأزمان، كما أن التخصيص تخصيص للأعيان. ثم تأخير بيان النسخ عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة جائز فكذلك تأخير بيان التخصيص يجب أن يكون جائزا عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة. خامسا: استدل بقوله تعالى: ﴿وَأَهْلَكَ﴾ ٦ وحكمه تناول ابنه. وبقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ ٧. ثم لما سأل ابن الزبعري عن عيسى والملائكة نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ ٨. وهذا دليل البيان عن وقت الخطاب.

стр. 67

باب: السنة (١) مسألة أنواع السنن: قال أبو العباس ابن سريج مشيرا إلى حكم هذه المسألة بقوله١: "إذا قيل لك: السنن على كم ضرب؟ فقل على ضروب ثلاثة: فمنها ما يؤخذ من الأمر. والأمر أمران. أمر فرض وأمر ندب فالأوامر: إذا وردت فهي على الإيجاب حتى تقوم دلالة الندب. وضرب ثان: وهو ما أخذ عن الفعل والأفعال على ضربين: فعل عام وفعل خاص. فأفعاله ﷺ على العموم حتى تقوم دلالة الخصوص، وعمومها داخل في ضربي الأمر من الفرض والندب. والضرب الثالث: ما أخذ عن العمل بحضرته ﷺ يوجد منه نهي عنه. وهذا ضرب واحد وهو على الندب دون الفرض فهذه طرق السنن. والسنن فيها مجمل ومفسر، والمذهب في ذلك القضاء بمفسرها على مجملها. وفيها ناسخ ومنسوخ. فيحكم بناسخها على منسوخها. ومنها: مقدم ومؤخر فيستعمل حكم ذلك على ما يوجبه فيها. وفيها خاص وعام. والعموم أولى بنا من الخصوص حتى تقوم الدلالة على الخصوص فيما مخرجه العموم. وكذلك إذا كانت خاصة فهي على خصوصها حتى تقوم دلالة العموم".

стр. 68

(٢) مسألة: فعل النبي ﷺ المجرد عن القرائن وظهر فيه قصد القربى: المراد من فعل النبي هنا هو فعله الذي يصدر منه ابتداء بحيث لم يكن امتثالا لأمر ولا بيانا لمجمل، ولم يقرن به ما يفيد بيان صفته إلا أنه اقترن به ما يفيد قصد القربى فقد اختلف العلماء في تحديد صفته على أقوال: فقال أبو العباس ابن سريج: "يدل على الوجوب"٢. وقال الشيرازي في شرح اللمع٣ مشيرا إلى قول ابن سريج بأنه قال: "يدل على الوجوب ولا يحمل على غيره إلا بدليل".

стр. 69

بينما قال عبد العزيز البخاري في كشف الأسرار١. إن ابن سريح قد قال: "بأنه يصح إطلاق الأمر عليه بطريق الحقيقة، ويجب علينا اتباعه". وجاء عنه أنه قال: "إن لم تعلم صفته في حقه، وظهر فيه قصد القربى فإنه للوجوب"٢. وخلاصة ما ورد عنه أنه يقول بأن فعل النبي ﷺ المجرد عن القرائن يحمل على الوجوب إن ظهر فيه قصد القربى والعبادة. وقد استدل على قوله هذا بالأدلة الآتية٣: أولا: قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ٤. وجه الاستدلال: أن هذا أمر والأمر يقتضي الوجوب، لذا يجب اتباعه في أقواله وأفعاله. ثانيا: قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ ٥. وجه الاستدلال: أن الأمر هذا يستعمل في القول والفعل والدليل عليه قوله ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْض﴾ ٦ وقوله : ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ ٧. وقول الشاعر: فقلت لها: أمري إلى الله كله ... وإني إليه في الآياب لراغب والمراد من الأمر بذلك كله هو الفعل. والتحذير عن مخالفته يقتضي وجوب موافقة فعله. ثالثا: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ ٨.

стр. 70

وجه الاستدلال: أن هذه الآية وردت في حق من تخلف عن غزوة أحد، ولم يتأس بالرسول ﷺ في حضورها فتوعد على ذلك بقوله: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ وهذا إنما يستعمل عند الوعيد كما نقول "لا يترك الصلاة من يؤمن بالله واليوم الآخر. يريد بذلك أن تركها من أفعال الكفر وأفعال من لا يؤمن بالله. وبهذا لا معنى للتأسي به إلا أن يفعل الإنسان مثل فعله. رابعاً: قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ ١. وجه الاستدلال: دلت الآية الكريمة على أن محبة الله مستلزمة للمتابعة. لكن المحبة واجبة بالإجماع، ولازم الواجب واجب فمتابعته واجبة. خامساً: قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ ٢. وجه الاستدلال: أنه ﷺ إذا فعل فعلا فقد أتانا بالفعل، فوجب عَلينا أن نأخذه. والشاهد لذلك قوله في تتمة الآية ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ والنهي إنما يقارنه على مضادة الأمر. سادساً: قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ ٣: وجه الاستدلال: لم يفرق بين طلب طاعة الله وطاعة رسوله الكريم ﷺ . وطاعة الله واجبة فطاعة الرسول ﷺ واجبة. سابعاً: قوله : ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا﴾ ٤. وجد الاستدلال: دلت الآية على أنه تعالى إنما زوجه بها ليكون حكم أمته مساويا لحكمه في ذلك وهذا هو المطلوب. ثامناً: الإجماع من الصحابة الكرام ﵃ في رجوعهم إلى قول السيدة عائشة ﵂ لما اختلفوا في وجوب الغسل من التقاء الختانين. فقالت عائشة ﵂: "فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا"٥ فأجمعوا على الأخذ به ووجوب فعله. وهذا إجماع منهم على أن مقتضاه الوجوب.

стр. 71

تاسعاً: استدلوا بما روى عن النبي ﷺ : "أنه خلع نعليه في الصلاة فخلع الناس نعالهم فسألهم فقالوا: رأيناك خلعت نعلك فخلعنا نعالنا"١ فدل على أن متابعته فيما يفعل واجبة. عاشراً: روي أن أم سلمة ﵂ قالت للنبي ﷺ عام الحديبية "انحر هديك حيث وجدته، وأحلق فإنهم يحلقون ففعل فتبعوه"٢. فدل على أن فعله يقتضي الوجوب. حادي عشر: لا خلاف أنه يجوز أن يكون واجباً والاحتياط في فعله واجب لأنا لا نأمن أن يكون واجبا فنتركه. وهذا صحيح، لأنه نوى الوجوب، فإن كان واجبا فقد فعله، وإن كان ندبا سقط الوجوب، وبقي فعله نفلا، كرجل شك هل عليه فرض أم لا؟ فصلى صلاة، ونوى الفرض احتياطاً، ثم بان أنه لم يكن عليه فرض فإنها تكون نافلة. ثاني عشر: أنه لا نزاع في وجوب تعظيم الرسول ﷺ في الجملة، وإيجاب الإتيان بمثل فعله تعظيماً له، وبدليل العرف، والتعظيمان يشتركان في قدر من المناسبة فيجمع بينهما بالقدر المشترك، فيكون ورود الشرع بإيجاب ذلك التعظيم يقتضي وروده بأن يجب على الأمة الإتيان بمثل فعله. ثالث عشر: البيان تارة يكون بالقول، وتارة يكون بالفعل، ثم ثبت أن القول يقتضي الوجوب فكذلك الفعل.

стр. 72

(٣) مسألة: فعل النبي ﷺ المجرد من القرائن والذي لا يظهر منه قصد القربة . اختلف العلماء في ذلك على أقوال: فقال أبو العباس ابن سريج: "إذا لم يظهر في الفعل قصد القربة بل كان مجردا مطلقاً فإنه واجب علينا"٣ إلا أن إمام الحرمين الجويني٤ قد رد نسبة هذا القول إلى ابن سريج بقوله: "بأن هذا زلل وقدر الرجل عن هذا أجل". ومن قال بأن ابن سريج يقول بالوجوب فقد أحال استدلاله في هذه على ما استدل به في مسألة فعل الرسول ﷺ المجرد مع ظهور قصد القربة. وقد سبق ذكر هذه الأدلة في المسألة السابقة.

стр. 73

(٤) مسألة: وجوب العمل بخبر الواحد: اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال عديدة. فقال أبو العباس ابن سريج: "بوجوب العمل بخبر الواحد شرعا وعقلا" وقد استدل على هذا الوجوب بالنقل والإجماع والمعقول١. أما النقل فقد استدل بالكتاب والسنة. وأدلته من الكتاب هي: أولاً: استدل بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ ... ﴾ الآية٢. وجه الاستدلال: أن الله تعالى أمر بالتوقف عند خبر الفاسق. وفي ذلك دلالة على قبول خبر العدل، وترك التوقف عند خبره. ثانياً: قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ ٣. وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ كان يسمع من كل قائل واحدا كان أو اثنين. وهذا قبول الخبر الواحد. ثالثاً: استدل بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ ٤. وجه الاستدلال: أن الله تعالى أوجب الحذر بإنذار طائفة من فرقة، لأن لعل للترجي، وهو على الله تعالى محال فيحمل على الوجوب لاشتراكهما في الطلب. وإنذار الطائفة إخبارهم المخوف فيلزم وجوب الحذر بإخبار الطائفة، والطائفة قوم لا يحصل من خبرهم إلا الظن، لأن كل فرقة ثلاثة. فالطائفة منهم إما واحد أو اثنان. وخبر الواحد أو الاثنين لا يفيد إلا الظن. فقد وجب الحذر بإخبار من لا يفيد قولهم إلا الظن. فيجب الحذر بإخبار واحد عدل. لأن خبره يفيد الظن. ويلزم منه وجوب العمل بخبر الواحد. رابعاً: استدل بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ ٥. وجه الاستدلال: أن الله تعالى تواعد على كتمان ما أنزل الله تعالى من البينات فيجب على الواحد إخبار ما سمع من الرسول ﷺ فوجب العمل بخبره، وإلا لم يكن لإخباره فائدة. أما أدلته من السنة فهي:

стр. 74

أولاً: ما روي أن الرسول ﷺ قبل خبر الأعرابي على رؤية هلال رمضان وذلك ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال جاء أعرابي إلى رسوله ﷺ فقال: إني رأيت الهلال- يعني رمضان- فقال: "أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: "نعم". قال: "أتشهد أن محمداً رسول الله". قال: "نعم". قال: "يا بلال أذن في الناس فليصوموا غدا" ١. وهذا دليل على أن الرسول ﷺ قبل خبر الواحد، وأخذ به. ثانيا: بعثه ﷺ لبعض الصحابة لتبليغ الأحكام ونشر الدعوة في أماكن متفرقة من المعمورة، ومن ذلك توجيهه لمعاذ ﵁ إلى اليمن. إذ روى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ بعث معاذا إلى اليمن فقال: "أدعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمسة صلوات في كل يوم وليلة. فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد عام فقرائهم"٢. أما استدلاله بالإجماع فكان كما يلي: بأنه تكرر العمل بخبر الواحد كثيرا في زمان الصحابة والتابعين في وقائع كثير وكان هذا شائعا ذائعا ولم ينكر أحد على العمل به وذلك أن تكرر العمل به من غير نكير لأحد يقضي عادة بأنهم اتفقوا على وجوب العمل بخبر الواحد. كما أن قولهم بوجوب العمل يدل قطعا أنهم اتفقوا على وجوب العمل به. وأما استدلاله بالمعقول فكان كما يلي: أولاً: بأنه إذا علم أصل كلي. كرفع المضار، وجلب المنافع، وجب عقلا العمل بالظن في تفاصيل ذلك الأصل المعلوم كما إذا أخبر واحد عدل من مضرة شيء مخصوصة وعن ضعف جدار، وجب عقلا الاحتراز بذلك الشيء المضر وعن ذلك الجدار. وهذا المعنى متحقق في خبر الواحد، لأن الرسول ﷺ بعثه الله تعالى ليبين الأحكام الشرعية المشتملة على مصالح العباد. وخبر الواحد يفيد الظن في تفاصيل تلك الأحكام والمصالح، فوجب العمل به عقلا. ثانيا. لاشك في أن خبر العدل الواحد يمكن صدقه فحينئذ يجب العمل به احتياطا

стр. 75

قياسا على المتواتر، وقول المفتي لأن كل واحد منهما لما أمكن صدقة وجب العمل به، فكذلك هاهنا. ثالثا: لو لم يجب العمل بخبر الواحد لخلت أكثر الوقائع عن الحكم والتالي باطل بالإجماع. بيان الملازمة أنه إذا لم يوجد في الوقائع الحادثة دليل إلا خبر الواحد، ولا يجب العمل به لزم خلو تلك الوقائع عن الحكم.
следующие страницы →