Полный текст (3 539 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
وَقَد يَحْصُلُ تَذَكُّرٌ بِلَا خَشْيَةٍ، وَقَد يَحْصُلُ خَشْيَةٌ بِلَا تَذَكُّرٍ، وَقَد يَحْصُلَانِ جَمِيعًا وَهُوَ الْأَغْلَبُ.
وَأَيْضًا: فَذِكْرُ الْإِنْسَانِ يَحْصُلُ بِمَا عَرَفَهُ مِنَ الْعُلُومِ قَبْلَ هَذَا فَيَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ عَقْلِهِ، وَخَشْيَتُهُ تكُونُ بِمَا سَمِعَهُ مِنَ الْوَعِيدِ.
فَبِالْأوَّلِ: يَكُونُ مِمَن لَهُ قَلْبٌ يَعْقِلُ بِهِ.
وَالثَّاني: يَكُونُ مِمَن لَهُ أُذُنٌ يَسْمَعُ بِهَا (١) . [١٦/ ١٧٩ - ١٨٠]
١٥٢٧ - ذَكَرَ اللهُ هَذِهِ الْقِصَّةَ؛ [أي: قصة موسى ﵇ مع فرعون وقومه] فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ مِنَ الْقُرْآنِ، يُبَيّنُ فِي كلِّ مَوْضِعٍ مِنْهَا مِنَ الِاعْتِبَارِ وَالِاسْتِدْلَالِ نَوْعًا غَيْرَ النَّوْعِ الْآخَرِ؛ كَمَا يُسَمَّى اللهُ وَرَسُولُهُ وَكِتَابُهُ بِأَسْمَاءٍ مُتَعَدِّدَةٍ، كُلُّ اسْم يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ الِاسْمُ الْآخَرُ، وَلَيْسَ فِي هَذَا تَكْرَارٌ، بَل فِيهِ تَنْوِيعُ الْآيَاتِ؛ مِثْل: أَسْمَاءِ النَّبِيِّ ﷺ إذَا قِيلَ: مُحَمَّد وَأَحْمَد وَالْحَاشِرُ وَالْعَاقِبُ وَالْمُقَفَّى وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ وَنَبِيُّ الْمَلْحَمَةِ، فِي كُلِّ اسْمٍ دَلَالَةٌ عَلَى مَعْنًى لَيْسَ فِي الِاسْمِ الْآخَرِ، وَإِن كَانَتِ الذَّاتُ وَاحِدَة فَالصِّفَات مُتَنَوِّعَةٌ.
فَهَذَا فِي الْأَسْمَاءِ الْمُفْرَدَةِ.
وَكَذَلِكَ فِي الْجُمَلِ التَّامَّةِ يُعَبّرُ عَنِ الْقِصَّةِ بِجُمَلٍ تَدُلُّ عَلَى مَعَانٍ فِيهَا ثُمَّ الحواشي
(١) وعلى هذا: فإنّ (أو) على بابها على الراجح، وليست للعطف كما هو قول كثير من المفسرين والنحويين.
قال ابن القيِّم: اعْلَمْ أن الرَّجُلَ قَد يَكُونُ لَهُ قَلْبٌ وَقَّادٌ، مَلِيءٌ كل بِاستِخْرَاجِ الْعِبَرِ، وَاسْتِنْبَاطِ الْحِكَمِ، فَهَذَا قَلْبُهُ يُوقِعُهُ عَلَى التَّذَكُّرِ وَالِاعْتِبَارِ، فَإذَا سَمِعَ الآيَاتِ كَانَت لَهُ نُورًا عَلَى نُورٍ، وَهَؤُلَاءِ أكْمَلُ خَلْقِ اللهِ، وَأَعْظَمُهُم إِيمَانًا وَبَصِيرَةً ..
فَصَاحِبُ هَذَا الْقَلْبِ إِذَا سَمِعَ الْآيَاتِ وَفي قَلْبِهِ نُورٌ مِنَ الْبَصِيرَةِ ازْدَادَ بِهَا نُورًا إِلَى نُورِهِ. فَإنْ لَمْ يَكُن لِلْعَبْدِ مِثْلُ هَذَا الْقَلْب فَألْقَى السَّمْعَ وَشَهِدَ قَلْبُهُ وَلَمْ يَغِبْ حَصَلَ لَهُ التَّذكرُ أَيْضًا.
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ(٦) ﴾ [سبأ: ٦] فَكلُّ مُؤْمِنٍ يَرَى هَذَا، وَلَكِنَّ رُويَةَ أَهْلِ الْعِلْمِ لَهُ لَوْنٌ، وَرُؤيَةَ غَيْرِهِمْ لَهُ لَوْنٌ آخَرُ. اهـ. مدارج السالكين (١/ ٤٤٢).стр. 1262
يُعَبِّرُ عَنْهَا بِجُمَلٍ أخْرَى تَدُلُّ عَلَى مَعَانٍ أُخَرَ وَإِن كَانَتِ الْقِصَّةُ الْمَذْكُورَةُ ذَاتُهَا وَاحِدةً فَصِفَاتُهَا مُتَعَدِّدَةٌ، فَفِي كُلِّ جُمْلَةٍ مِنَ الْجُمَلِ مَعْنًى لَيْسَ فِي الْجُمَلِ الأُخَرِ.
وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ تكْرَارٌ أَصْلًا. [١٩/ ١٦٧ - ١٦٨]
* * *
سورة الأنبياء
١٥٢٨ - سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ سُورَةُ الذِّكْرِ، وَسُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ عَلَيهِم نَزَلَ الذِّكْرُ افْتَتَحَهَا بِقَوْلِهِ: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء:٢]. [١٥/ ٢٦٥]
١٥٢٩ - قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢]؛ يَعْنِي وَاللهُ أَعْلَمُ: اُنْصُرْ أَهْلَ الْحَقِّ، أَو اُنْصُرْ الْحَقَّ. [١٥/ ٢٦٥]
١٥٣٠ - قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء: ٤٢]؛ أَيْ: بَدَلًا عَن الرَّحْمَنِ، هَذَا أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) ﴾ [الزخرف: ٦٠]؛ أَيْ: لَجَعَلْنَا بَدَلًا مِنْكُمْ، كَمَا قَالَهُ عَامَّةُ الْمُفَسِّرِينَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
فَلَيْتَ لَنَا مِن مَاءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً … مُبَرَّدَةً بَاتَتْ عَلَى الطَّهَيَانِ
أَيْ: بَدَلًا مِن مَاءِ زَمْزَمَ.
فَلَا يَكْلَأُ الْخَلْقَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فَيَحْفَظُهُم وَيَدْفَعُ عَنْهُم الْمَكَارِهَ إلَّا اللهُ. [٢٧/ ٤٤١]
* * *
سورة الحج
١٥٣١ - قَوْله تَعَالَى: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ
стр. 1263
أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٣، ٥٤].
جَعَلَ اللهُ الْقُلُوبَ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: قَاسِيَةً، وَذَاتَ مَرَضٍ، وَمُؤمِنَةً مُخْبِتَةً.
وَذَلِكَ لِأَنَّهَا إمَّا أَنْ تَكُونَ يَابِسَةً جَامِدَة لَا تَلِينُ لِلْحَقِّ اعْتِرَافًا وإذْعَانًا، أَو لَا تكونُ يَابِسَةً جَامِدَةً.
فالْأوّلُ: هُوَ الْقَاسِي، وَهُوَ الْجَامِدُ الْيَابِسُ بِمَنْزِلَةِ الْحَجَرِ لَا يَنْطَبعُ وَلَا يُكْتَبُ فِيهِ الْإِيمَانُ، وَلَا يَرْتَسِمُ فِيهِ الْعِلْمُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي مَحَلًّا لَيّنًا قَابِلًا.
والثَّانيْ: لَا يَخْلو:
أ - إمَّا أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ ثَابِتًا فِيهِ لَا يَزولُ عَنْهُ؛ لِقُوَّتِهِ مَعَ لِينِهِ.
ب- أَو يَكُونَ لِينُهُ مَعَ ضَعْفٍ وَانْحِلَالٍ.
فَالثَّاني: هُوَ الَّذِي فِيهِ مَرَضٌ، وَالْأوَّلُ هُوَ الْقَوِيُّ اللَّيِّنُ.
وَفي قَولهِ: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ يَذلُّ عَلَى الْإِيمَانِ. [١٣/ ٢٧٠ - ٢٧١]
١٥٣٢ - قَوْله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) ﴾ لِلنَّاسِ فِيهَا قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ؛ بَعْدَ اتفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ التَّمَنّيَ هُوَ التّلَاوَةُ وَالْقُرْآنُ كَمَا عَلَيْهِ الْمُفَسِّرُونَ مِن السَّلَفِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨) ﴾ [البقرة: ٧٨]:
الْاوّلُ: أَنَّ الْإِلْقَاءَ هُوَ فِي سَمْعِ الْمُسْتَمِعِينَ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ الرَّسُولُ، وَهَذَا قَوْلُ مَن تَأوَّلَ الْآيَةَ بِمَنْعِ جَوَازِ الْإِلْقَاءِ فِي كَلَامِهِ.
والثَّانِي: -وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ عَامَّةُ السَّلَفِ وَمَنِ اتبعَهُم- أَنَّ الْإِلْقَاءَ فِي نَفْسِ التِّلَاوَةِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ وَسِيَاقُهَا مِن غَيْرِ وَجْهٍ، كَمَا وَرَدَتْ بِهِ الْآثَارُ
стр. 1264
الْمُتَعَدِّدَةُ، وَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ، إلَّا إذَا أُقِرَّ عَلَيْهِ، فَأَمَّا إذَا نَسَخَ اللهُ مَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ وَأَحْكَمَ آيَاتِهِ فَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ، وَلَيْسَ هُوَ خَطَأٌ وَغَلَطٌ فِي تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ إلَّا إذَا أُقِرَّ عَلَيْهِ.
وَلَا ريبَ أَنَّه مَعْصومٌ فِي تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ أَنْ يقَرَّ عَلَى خَطَأٍ. [١٥/ ١٩٠ - ١٩١]
١٥٣٣ - قَوْلُهُ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ﴾ [الحج: ٣، ٤] فِي أَثْنَاءِ آياتِ الْمَعَادِ، وَعَقَّبَهَا بآيةِ الْمَعَادِ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٨، ٩].
قَوْلُهُ: (يجادل في الله بلا علم) ذَمٌّ لِكُلِّ مَن جَادَلَ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْم، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ بِالْعِلْمِ كَمَا فَعَلَ إبْرَاهِيمُ بِقَوْمِهِ (١) ، وَفي الْأولَى ذمَّ الْمُجَادِلَ بِغَيْرِ عِلْم، وَفِي الثَّانِيَةِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابِ مُنِير.
وَهَذَا -وَاللهُ أَعْلَمُ- مِن بَابِ عَطْفِ الْخَاصّ عَلَى الْعَامّ، أَو الِانْتِقَالِ مِن الْأَدْنَى إلَى الأعْلَى (٢) . [١٥/ ٢٦٨]
١٥٣٤ - قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١) يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣) ﴾ [الحج: ١١ - ١٣]، الحواشي
(١) وكما فعل شيخ الاسلام ﵀ مع المخالفين من المسلمين والمبتدعة والكفار، حيث أكثر من جدالهم وردّ شبههم.
وأما ما ورد من ذم الجدال: فقد بين الشيخ أنّ الجدال المذموم هو الذي يكون بغير علم، ولا يكون الهدف منه الوصول للحق.(٢) وقيل بأنّ الآية الأولى بيَّنت حَالَ الضلَّالِ الْجُهَّالِ الْمُقَلَّدِينَ، والآية الثانية بيّنت حَالَ الدُّعَاةِ إِلَى الضَّلَالِ مِنْ رُءُوسِ الْكُفْرِ وَالْبِدَع. وهذا اختيار الحافظ ابن كثير ﵀. تفسير ابن كثير (٥/ ٣٩٩).стр. 1265
فَإِنَّ آخِرَ هَذِهِ الْآيَةِ قَد أَشْكَلَ عَلَى كَثِيرٍ مِن النَّاسِ، كَمَا قَالَ طَائِفَةٌ مِن الْمُفَسِّرِينَ؛ كَالثَّعْلَبِيِّ والبغوي وَاللَّفْظُ للبغوي قَالَ: هَذِهِ الْآيَةُ مِن مُشْكِلَاتِ الْقُرْآنِ، وَفيهَا أَسْئِلَةٌ أَوَّلُهَا: قَالُوا: قَد قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُولَى: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ﴾؛ أَيْ: لَا يَضُرُّهُ تَرْكُ عِبَادَتِهِ، وَقَوْلُهُ: ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ﴾؛ أَيْ: ضَرُّ عِبَادَتِهِ.
قُلْت: هَذَا جَوَابٌ، وَذَكَرَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ جَوَابًا غَيْرَ هَذَا.
فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ﴾ هُوَ نَفْيٌ لِكوْنِ الْمَدْعُوِّ الْمَعْبُودِ مِن دُونِ اللهِ يَمْلِكُ نَفْعًا أَو ضُرًّا.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَنَقُولُ: الْمَنْفِيُّ قُدْرَةُ مَن سِوَاهُ عَلَى الضُّرِّ وَالنَّفْعِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ فَنَقُولُ أَوَّلًا: الْمَنْفِيُّ هُوَ فِعْلُهُم بِقَوْلِهِ: ﴿مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ﴾، وَالْمُثْبَتُ اسْمٌ مُضَافٌ إلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ: يَضُرُّ أَعْظَمَ مِمَّا يَنْفَعُ؛ بَل قَالَ: ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ وَالشَّيءُ يُضَافُ إلَى الشَّيءِ بِأدْنَى مُلَابَسَةٍ، فَلَا يَجِبُ أنْ يَكُونَ الضُّرُّ وَالنَّفْعُ الْمُضَافَيْنِ مِن بَابِ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلَى الْفَاعِلِ (١) ، بَل قَد يُضَافُ الْمَصْدَرُ مِن جِهَةِ كَوْنِهِ اسْمًا كَمَا تُضَافُ سَائِرُ الْأسْمَاءِ، وَقَد يُضَافُ إلَى مَحَلِّهِ وَزَمَانِهِ وَمَكَانِهِ وَسَبَبِ حُدُوثهِ وَإِن لَمْ يَكُن فَاعِلًا؛ كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣]، وَلَا رَيْبَ أَنَّ بَيْنَ الْمَعْبُودِ مِن دُونِ اللهِ وَبَيْنَ ضَرَرِ عَابِدِيهِ تَعَلُّقٌ يَقْتَضِي الْإِضَافَةَ؛ كَأَنَّهُ قِيلَ: لَمَن شَرُّهُ أَقْرَبُ مِن خَيْرِهِ وَخَسَارَتُهُ أَقْرَبُ مِن رِبْحِهِ، فَتَدَبَّرْ هَذَا.
وَلَو جُعِلَ هُوَ فَاعِلَ الضُّرِّ بِهَذَا لِأنَّهُ سَبَبٌ فِيهِ، لَا لأنَّهُ هُوَ الَّذِي فَعَلَ الضَّرَرَ وَهَذَا كَقَوْلِ الْخَلِيلِ عَنِ الْأَصْنَامِ: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، فَنُسِبَ الْإِضْلَال إلَيْهِنَّ وَالْإِضْلَالُ هُوَ ضَرَرٌ لِمَن أَضْلَلْنَهُ. [١٥/ ٢٦٩ - ٢٧٤] الحواشي
(١) فالأصنام لا تضر بنفسِها.стр. 1266
١٥٣٥ - قَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢]، مِن أَحْوَالِ الْقَلْبِ وَأَعْمَالِهِ مَا يَكُونُ مِن لَوَازِمِ الْإِيمَانِ الثَّابِتَةِ فِيهِ؛ بِحَيْثُ إذَا كَانَ الْإِنْسَانُ مُومِنًا لَزِمَ ذَلِكَ بِغَيْرِ قَصْدٍ مِنْهُ وَلَا تَعَمُّدِ لَهُ، وإِذَا لَمْ يُوجَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ الْوَاجِبَ لَمْ يَحْصُلْ فِي الْقَلْبِ.
وَقَد فَسَّرُوا (وَجِلَتْ) بفرقت .. وَهَذَا صَحِيحٌ؛ فَإنَّ الْوَجَلَ فِي اللُّغَةِ هوَ الْخَوْفُ.
وَإِذَا كَانَ وَجَلُ الْقَلْبِ مِن ذِكْرِهِ يَتَضَمَّنُ خَشْيَتَهُ وَمَخَافَتَهُ: فَذَلِكَ يَدْعُو صَاحِبَهُ إلَى فِعْلِ الْمَأمُورِ وَتَرْكِ الْمَحْظُورِ.
قَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: لَيْسَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ أَغْلَظَ مِن الدَّعْوَى (١) ، وَلَا طَرِيقٌ إلَيْهِ أَقْرَبَ مِن الِافْتِقَارِ (٢) ، وَأَصْلُ كُلِّ خَيْرٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ الْخَوْفُ مِن اللهِ.
ويدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤) ﴾ [الأعراف: ١٥٤]، فَأخْبَرَ أَنَّ الْهُدَى وَالرَّحْمَةَ لِلَّذِينَ يَرْهَبُونَ اللهَ. [٧/ ١٧ - ٢٠]
* * *
سورة النور
١٥٣٦ - عَن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ﴾ [النور: ٢٣]، نَزَلَتْ فِي عَائِشَةَ خَاصَّةً وَاللَّعْنَةُ فِي الْمُنَافِقِينَ عَامَّةٌ.
فَقَد بَيَّنَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ إنَّمَا نَزَلَتْ فِيمَن يَقْذِفُ عَائِشَةَ وَأُمَّهَاتِ الْمُؤمنينَ؛ لِمَا فِي قَذْفِهِنَّ مِن الطَّعْنِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَعَيْبِهِ. الحواشي
(١) أي: الدعوى بأنه على صلاح، وأن على هدى وبرّ.(٢) أي: الحاجة إلى الله في كل شيء.стр. 1267
وَيَقُولُ آخَرُونَ: يَعْنِي أَزْوَاجَ الْمُؤْمِنِينَ عَامَّةً.
وَوَجْهُهُ: ظَاهِرُ الْخِطَابِ، فَإِنَّهُ عَام فَيَجِبُ إجْرَاؤُهُ عَلَى عُمُومِهِ؛ إذ لَا مُوجِبَ لِخُصُوصِهِ، وَلَيْسَ هُوَ مُخْتَصًّا بِنَفْسِ السَّبَبِ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأنَّ حُكْمَ غَيْرِ عَائِشَةَ مِن أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ دَاخِلٌ فِي الْعُمُومِ، وَلَيْسَ هُوَ مِن السَّبَبِ.
وَلِأنَّهُ لَفْظُ جَمْعٍ، وَالسَّبَبُ فِي وَاحِدَةٍ هُنَا.
وَلأَنَّ قَصْرَ عمومات الْقُرْآنِ عَلَى أَسْبَابِ نُزُولهَا بَاطِلٌ، فَإنَّ عَامَّةَ الْآيَاتِ نَزَلَتْ بِأَسْبَابٍ اقْتَضَتْ ذَلِكَ، وَقَد عُلِمَ أَنَّ شَيْئًا مِنْهَا لَمْ يُقْصَرْ عَلَى سَبَبِهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ (١) : أَنَّهُ فِي أَوَّلِ السّورَةِ ذَكَرَ الْعُقُوبَاتِ الْمَشْرُوعَةَ عَلَى أَيْدِي الْمُكَلَّفِينَ مِن الْجَلْدِ وَرَدِّ الشَّهَادَةِ وَالتَّفْسِيقِ، وَهُنَا ذَكَرَ الْعُقُوبَةَ الْوَاقِعَةَ مِن اللهِ سُبْحَانَهُ، وَهِيَ اللَّعْنَةُ فِي الدَّارينِ وَالْعَذَابُ الْعَظِيمُ. [١٥/ ٣٦٠ - ٣٦٤]
١٥٣٧ - قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧]، إلَى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠]، وَقَد ثَبَتَ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَان مِن أَجْلِ النظَرِ" (٢) .
والنَّظَرُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ هُوَ:
أ- نَظَرُ الْعَوْرَاتِ.
ب- وَنَظَرُ الشَّهَوَاتِ وَإِن لَمْ تكُنْ مِن الْعَوْرَاتِ.
وَاللهُ سُبْحَانَهُ ذَكَرَ الِاسْتِئْذَانَ عَلَى نَوْعَيْنِ: ذَكَرَ فِي هَذ الْآيَةِ أحَدَهُمَا، الحواشي
(١) وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ(٤) ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(٢٣) ﴾.(٢) البخاري(٦٢٤١) .стр. 1268
وَفِي الْآيَتَيْنِ فِي آخِرِ السُّورَةِ النَّوْعَ الثَّانِيَ وَهُوَ اسْتِئْذَانُ الصِّغَارِ وَالْمَمَالِيكِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ [النور: ٥٨].
فَأَمَرَ بِاسْتِئْذَانِ الصِّغَارِ وَالْمَمَالِيكِ حِينَ الِاسْتِيقَاظِ مِن النَّوْمِ وَحِينَ إرَادَةِ النَّوْمِ وَحِينَ الْقَائِلَةِ؛ فَإِنَّ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ تَبْدُو الْعَوْرَاتُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾.
وَفي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَمْلُوكَ الْمُمَيًزَ وَالْمُمَيِّزَ مِن الصِّبْيَانِ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى عَوْرة الرَّجُلِ (١) ، كَمَا لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْظُرَ إلَى عَوْرَةِ الصَّبِيِّ وَالْمَمْلُوكِ وَغَيْرِهِمَا (٢) .
وَأَمَّا دُخُولُ هَؤُلَاءِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ بِغَيْرِ اسْتِئْذَانٍ فَهُوَ مَأخُوذ مِن قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾.
وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الطَّوَّافِينَ يُرَخَّصُ فِيهِمْ مَا لَا يُرَخَّصُ فِي غَيْرِ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ، وَالطَّوَّافُ مَن يَدْخُلُ بِغَيْرِ إذْنٍ، كَمَا تَدْخُلُ الْهِرَّةُ، وَكَمَا يَدْخُلُ الصَّبِيُّ وَالْمَمْلُوكُ، وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ فَغَيْرُ الْمُمَيِّزِ أَوْلَى، ويُرَخَّصُ فِي طَهَارَتهِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور: ٣٠] الْآيَةُ، إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣٠، ٣١] .. مَا ظَهَرَ مِن الزِّينَةِ هُوَ الثّيَابُ الظَّاهِرَةُ، فَهَذَا لَا جُنَاحَ عَلَيْهَا فِي الحواشي
(١) والمرأة من باب أولى، فلا يجوز للصبيان المميزين النظر إلى عورات النساء، وكثيرًا ما تتساهل بعض الأمهات في لباسهن عند أولادهن الذكور والإناث، والذي يجوز كشفه للأولاد هو: ما جرت العادة بكشفه؛ كالوجه والرأس والكفين والذراعين والقدمين ونحو ذلك.(٢) والصبية المميزة من باب أولى، وقد يتساهل بعض الآباء في النظر إلى عورة بناته المميزات، وخاصةً حينما يدخل عليهن وهن نائمات، فربما تنكشف عوراتهن أثناء النوم.стр. 1269
إبْدَائِهَا إذَا لَمْ يَكُن فِي ذَلِكَ مَحْذُورٌ آخَر (١) ؛ فَإنَّ هَذِهِ لَا بُدَّ مِن إبْدَائِهَا، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَن أَحْمَد.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْوَجْهُ وَالْيَدَانِ مِن الزّينَةِ الظَاهِرَةِ، وَهِيَ الرِّوَايَة الثَّانِيَةُ عَن أَحْمَد، وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِن الْعُلَمَاءِ كَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ.
وَأَمَرَ سُبْحَانَهُ النِّسَاءَ بِإِرْخَاءِ الْجَلَابِيبِ لِئَلَّا يُعْرَفْنَ وَلَا يُؤْذَيْنَ، وَهَذَا دَلِيل عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ.
وَثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ": أَنَّ الْمَرْأَةَ الْمُحْرِمَةَ تُنْهَى عَن الِانْتِقَابِ وَالْقُفَّازَيْنِ.
وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النِّقَابَ وَالْقُفَّازينِ كَانَا مَعْرُوفَيْنِ فِي النّسَاءِ اللَّاتِي لَمْ يُحْرِمْنَ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي سَتْرَ وُجُوهِهِنَّ وَأَيْدِيهِنَّ.
وَالْحِجَابُ مُخْتَصّ بِالْحَرَائِرِ دُونَ الْإِمَاءِ، كَمَا كَانَت سُنَّةُ الْمُؤْمِنِينَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَخُلَفَائِهِ أَنَّ الْحُرَّةَ تَحْتَجِبُ وَالْأَمَةُ تَبْرُزُ، وَكَانَ عُمَرُ ﵀ إذَا رَأَى أَمَةً مُخْتَمِرَةً ضَرَبَهَا وَقَالَ: أَتتشَبَّهِينَ بِالْحَرَائِرِ؟
فَيَظْهَرُ مِن الْأَمَةِ رَأسُهَا ويدَاهَا وَوَجْهُهَا.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠) ﴾ [النور: ٦٠]، فَرَخَّصَ لِلْعَجُوزِ الَّتِي لَا تَطْمَعُ فِي النِّكَاحِ أَنْ تَضَعَ ثِيَابَهَا فَلَا تُلْقِي عَلَيْهَا جِلْبَابَهَا وَلَا تَحْتَجِبُ، وإن كَانَت مُسْتَثْنَاة مِن الْحَرَائِرِ (٢) ؛ لِزَوَالِ الْمَفْسَدَةِ الْمَوْجُودَةِ فِي غَيْرِهَا، كَمَا اسْتَثْنَى التَّابِعِينَ غَيْرَ أُولي الْإِرْبَةِ مِن الرِّجَالِ فِي إظْهَارِ الزِّينَةِ لَهُمْ؛ لِعَدَمِ الشَّهْوَةِ الَّتِي تَتَوَلَّدُ مِنْهَا الْفِتْنَةُ، وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ إذَا كَانَ يُخَافُ بِهَا الْفِتْنَةُ كَانَ عَلَيْهَا أَنْ تُرْخِيَ مِن جِلْبَابِهَا وَتَحْتَجِبَ وَوَجَبَ غَضُّ الْبَصَرِ عَنْهَا وَمِنْهَا. الحواشي
(١) كان يكون الثوب مُعطّرًا، أو ضيقًا أو شفافًا، أو فتنة.(٢) أي: القواعد.стр. 1270
وَلَيْسَ فِي الْكِتَابِ وَالسنَّةِ إبَاحَةُ النَّظَرِ إلَى عَامَّةِ الْإِمَاءِ وَلَا تَرْكُ احْتِجَابِهِنَّ وَإِبْدَاءُ زِينَتِهِنَّ.
فَإذَا كَانَ فِي ظُهُورِ الْأَمَةِ وَالنَّظَرِ إلَيْهَا فِتْنَة وَجَبَ الْمَنْعُ مِن ذَلِكَ .. وَهَكَذَا الرَّجُلُ مَع الرِّجَالِ وَالْمَرْأَةُ مَعَ النِّسَاءِ: لَو كَانَ فِي الْمَرْأَةِ فِتْنَةٌ لِلنِّسَاءِ، وَفِي الرَّجُلِ فِتْنَة لِلرِّجَالِ لَكَانَ الْأَمْرُ بِالْغَضّ لِلنَاظِرِ مِن بَصَرِهِ مُتَوَجِّهًا، كَمَا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ الْأَمْرُ بِحِفْظِ فَرْجِهِ، فَالْإِمَاءُ وَالصّبْيَانُ إذَا كُنَّ حِسَانًا تُختشى الْفِتْنَةُ بِالنَّظَرِ إلَيْهِم كَانَ حُكْمُهُم كَذَلِكَ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْعُلَمَاءُ.
وَكَمَا يَتَنَاوَلُ غَضَّ الْبَصَرِ عَن عَوْرَةِ الْغَيْرِ وَمَا أَشْبَهَهَا مِن النَّظَرِ إلَى الْمُحَرَّمَاتِ فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْغَضَّ عَن بُيُوتِ النَّاسِ، فَبَيْتُ الرَّجُلِ يَسْتُرُ بَدَنَهُ كَمَا تَسْتُرُهُ ثِيَابُهُ.
وَفِي "الصَّحِيحَيْنِ" (١) عَن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ فِي حُجْرَةٍ فِي بَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِدْرَى يَحُكُّ بِهَا رَأسَة، فَقَالَ: "لَو أَعْلَمُ أنَّك تَنْظُرُ إلَيَّ لَطَعَنْت بِهِ في عَيْنِك؛ إنَّمَا جُعِلَ الِاسْتئذَانُ مِن أَجْلِ الْبَصَرِ".
وَقَد ظَنَّ طَائِفَةٌ مِن الْعُلَمَاءِ أَنَّ هَذَا مِن بَابِ دَفْعِ الصَّائِلِ؛ لِأَنَّ النَّاظِرَ مُعْتَدٍ بِنَظَرِهِ، فَيُدْفَعُ كَمَا يُدْفَعُ سَائِرُ الْبُغَاةِ، وَلَو كَانَ الْأَمْرُ كَمَا قَالُوا لَدُفِعَ بِالْأَسْهَلِ فَالْأَسْهَلِ، وَلَمْ يَجُزْ قَلْعُ عَيْنِهِ ابْتِدَاءً إذَا لَمْ يَذْهَبْ إلَّا بِذَلِكَ، وَالنُّصُوصُ تُخَالِفُ ذَلِكَ؛ فَإنَّهُ أَبَاحَ أَنْ تَخْذِفَهُ حَتَّى تَفْقَأ عَيْنَهُ قَبْلَ أَمْرِهِ بِالِانْصِرَافِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: "لَو أَعْلَمُ أنك تُنْظِرُنِي لَطَعَنْت به فِي عَيْنِك" فَجَعَلَ نَفْسَ النَّظَرِ مُبِيحًا لِلطَّعْنِ فِي الْعَيْنِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْأَمْرَ لَهُ بِالِانْصِرَافِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِن بَابِ الْمُعَاقَبَةِ لَهُ عَلَى ذَلِكَ، حَيْثُ جَنَى هَذِهِ الْجِنَايَةَ عَلَى حُرْمَةِ صَاحِبِ الْبَيْتِ فَلَهُ أَنْ يَفْقَأَ عَيْنَهُ بِالْحَصَى وَالْمِدْرَى.
وفي قَوْلِهِ فِي آخِرِ الْآيَةِ: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ فَوَائِدُ جَلِيلَةٌ: الحواشي
(١) البخاري(٦٢٤١) ، ومسلم(٢١٥٦) .стр. 1271
أ - مِنْهَا: أَنَّ أَمْرَهُ لِجَمِيع الْمُؤْمِنِينَ بِالتَّوْبَةِ فِي هَذَا السِّيَاقِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْلُو مُؤْمِنٌ مِن بَعْضِ هَذِهِ الذُّنُوبِ الَّتِي هِيَ: تَرْكُ غَضِّ الْبَصَرِ وَحِفْظِ الْفَرْجِ وَتَرْكُ إبْدَاءِ الزّينَةِ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ فَمُسْتَقِلٌّ وَمُسْتَكْثِرٌ.
ب- وَمِنْهَا: أنَّ أَهْلَ الْفَوَاحِشِ الَّذِينَ لَمْ يَغضُّوا أَبْصَارَهُم وَلَمْ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُم مَأمُورُونَ بِالتَّوْبَةِ، وَإِنَّمَا أُمِرُوا بِهَا لِتُقْبَلَ مِنْهُمْ، فَالتَّوْبَةُ مَقْبُولَةٌ مِنْهُم وَمِن سَائِرِ الْمُذْنِبِينَ [١٥/ ٣٦٩ - ٤٠٤]
* * *
سورة الفرقان
١٥٣٨ - قال تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُم﴾ [الفرقان: ٧٧]. قِيلَ: لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ إيَّاهُ وَقِيلَ: لَوْلَا دُعَاؤُهُ إيَّاكُمْ. فَإِنَّ الْمَصْدَرَ يُضَافُ إلَى الْفَاعِلِ تَارَةً وإِلَى الْمَفْعُولِ تَارَةً، وَلَكِنَّ إضَافَتَهُ إلَى الْفَاعِلِ أَقْوَى؛ لِأَنهُ لَا بُدَّ لَهُ مِن فَاعِل، فَلِهَذَا كَانَ هَذَا أَقْوَى الْقَوْلَيْنِ؛ أَيْ: مَا يَعْبَأُ بِكُمْ لَوْلَا أَنَّكُمْ تَدْعُونَهُ فَتَعْبُدُونَهُ وَتَسْأَلُونَهُ: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان: ٧٧]؛ أَيْ: عَذَابٌ لَازِم لِلْمُكَذِّبِينَ. [١٠/ ٢٣٨]
١٥٣٩ - قَوْلُهُ تعالى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٢]، فَإِنَّ الشَّاكِرَ قَد يَشْكُر اللهَ عَلَى نِعَمِهِ وإن لَمْ يَخَفْ، وَالتَّذَكّرُ قَد يَقْتَضِي الْخَشْيَةَ.
وَأَيْضًا فَالتَّذَكُّرُ قَد يَكُونُ لِفِعْلِ الْوَاجِبَاتِ الَّتِي يَدْفَعُ بِهَا الْعِقَابَ، وَالشَّكُورُ يَكُونُ لِلْمَزِيدِ مِن فَضْلِهِ.
وَقَد جَعَلَ اللهُ ﴿اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾ فَيَتُوبَ، ويسْتَغْفِرَ مِن ذُنُوبِهِ، ﴿أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ لِرَبِّهِ عَلَى نِعَمِهِ، وَكُلُّ مَا يَفْعَلُهُ اللهُ بِالْعَبْدِ مِن نِعْمَةٍ وَكُلُّ ما يُخْلِفُهُ الله فَهُوَ نِعْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ، فَكُلَّمَا نَظَرَ إلَى مَا فَعَلَهُ ربهُ شَكَرَ، وَإِذَا نَظَرَ إلَى نَفْسِهِ اسْتَغْفَرَ.
وَالتَّذَكُّرُ: اسْمٌ جَامِعٌ لِكُل مَا أَمَرَ اللهُ بِتَذَكُّرِهِ. [١٦/ ١٨٦ - ١٨٨]
* * *
стр. 1272
سورة الشعراء
١٥٤٠ - ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ سوَّالَ فِرْعَوْنَ: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] هُوَ سُؤَالٌ عَن مَاهِيَّةِ الرَّبِّ؛ كَاَلَّذِي يَسْألُ عَن حُدُودِ الْأَشْيَاءِ فَيَقُولُ: "مَا الْإنْسَانُ؟ مَا الْمَلَكُ؟ مَا الْجِنِّيُّ؟ " ونَحْو ذَلِكَ .. وَهَذَا قَوْلٌ قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأخِّرِينَ وَهُوَ بَاطِلٌ.
فَإنَّ فِرْعَوْنَ إنَّمَا اسْتَفْهَمَ اسْتِفْهَامَ إنْكَارٍ وَجَحْدٍ، لَمْ يَسْأَلْ عَن مَاهِيَّةِ رَبٍّ أَقَرَّ بِثُبُوتِهِ، بَل كَانَ مُنْكِرًا لَهُ جَاحِدًا، وَلهَذَا قَالَ فِي تَمَامِ الْكَلَام: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩]، وَقَالَ: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٧].
فَاسْتِفْهَامُهُ كَانَ إنْكَارًا وَجَحْدًا، يَقُولُ: لَيْسَ لِلْعَالِمِينَ رَبٌّ يُرْسِلُك فَمَن هُوَ هَذَا؟ إنْكَارًا لَهُ. [١٦/ ٣٣٤]
* * *
سورة النمل
١٥٤١ - قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، هَذَا هُوَ الْغَيْبُ الْمُطْلَقُ عَن جَمِيعِ الْمَخْلُوقِينَ الَّذِي قَالَ فِيهِ: ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ٢٦].
وَالْغَيْبُ الْمُقَيَّدُ مَا عَلِمَهُ بَعْضُ الْمَخْلُوقَاتِ مِن الْمَلَائِكَةِ أَو الْجِن أَو الْإِنْسِ وَشَهِدُوهُ: فَإِنَّمَا هُوَ غَيْبٌ عَمَّن غَابَ عَنْهُ، لَيْسَ هُوَ غَيْبًا عَمَّن شَهِدَه، وَالنَّاسُ كُلُّهُم قَد يَغِيبُ عَن هَذَا مَا يَشْهَدُهُ هَذَا، فَيَكُونُ غَيْبًا مُقَيَّدًا؛ أَيْ: غَيْبًا عَمَّن غَابَ عَنْهُ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ، لَا عَمَّن شَهِدَهُ، لَيْسَ غَيْبًا مُطْلَقًا غَابَ عَن الْمَخْلُوقِينَ قَاطِبَةً. [١٦/ ١١١]
١٥٤٢ - قَالَ تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٦١]؛ أَيْ: أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ
стр. 1273
فَعَلَ هَذَا؟ وَهَذَا اسْتِفْهَام إنْكَارٍ، وَهُم مُقِرُّونَ بِأنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ هَذَا إلَهٌ آخَرُ مَعَ اللهِ.
وَمَن قَالَ مِن الْمُفَسِّرِينَ إنَّ الْمُرَادَ: هَل مَعَ اللهِ إلَهٌ آخَرُ؟: فَقَد غَلِطَ؛ فَإِنَّهُم كَانُوا يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ ألِهَةً أُخْرَى كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٩]. [٧/ ٧٦]
* * *
سورة القصص
١٥٤٣ - قَالَ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣) ﴾ [القصص: ٨٣].
فَإِنَّ النَّاسَ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ:
الْقِسْمُ الْأوَّلُ: يُرِيدُونَ الْعُلُوَّ عَلَى النَّاسِ وَالْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ وَهُوَ مَعْصِيَةُ اللهِ، وَهَؤُلَاءِ الْمُلُوكُ وَالرُّؤَسَاءُ الْمُفْسِدُونَ كَفِرْعَوْنَ وَحِزْبِهِ، وَهَؤُلَاءِ هُم شِرَارُ الْخَلْقِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْفَسَادَ بِلَا عُلُوٍّ؛ كَالسُّرَّاقِ وَالْمُجْرِمِينَ مِن سَفَلَةِ النَّاسِ.
وَالْقِسْمُ الثالِثُ: يُرِيدُونَ الْعُلُوَّ بِلَا فَسَادٍ؛ كَاَلَّذِينَ عِنْدَهُم دِينٌ يُرِيدُونَ أَنْ يَعْلُوا بِهِ عَلَى غَيْرِهِمْ مِن النَّاسِ.
وَأمَّا الْقِسْمُ الرَّابعُ: فَهُم أَهْلُ الْجَنَّةِ الَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا، مَعَ أَنَّهُم قَد يَكُونُونَ أَعْلَى مِن غَيْرِهِمْ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) ﴾ [آل عمران: ١٣٩].
فَكَمْ مِمَن يُرِيدُ الْعُلُوَّ وَلَا يَزِيدُهُ ذَلِكَ إلَّا سُفُولًا، وَكَمْ مِمَن جُعِلَ مِن الْأَعْلَيْنَ وَهُوَ لَا يُرِيدُ الْعُلُوَّ وَلَا الْفَسَادَ. [٢٨/ ٣٩٢ - ٣٩٣]
* * *
стр. 1274
سورة العنكبوت
١٥٤٤ - قَوْلُهُ: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩] (١) ، سَوَاءٌ أُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ بَيِّنٌ فِي صُدُورِهِمْ، أَو أَنَّهُ مَحْفُوظ فِي صُدُورِهِمْ أَو أُرِيدَ بِهِ الْأَمْرَانِ، وَهُوَ الصَّوَابُ؛ فَإِنَّهُ مَحْفُوظ فِي صُدُورِ الْعُلَمَاءِ بَيِّن فِي صُدُورِهِمْ، يَعْلَمُونَ أَنَّهُ حَقٌّ كَمَا قَالَ: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ: ٦]، وقال: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الحج: ٥٤]. [١٤/ ١٩٠]
١٥٤٥ - قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]؛ أَيْ: ذِكْرُ اللهِ الَّذِي فِي الصَّلَاةِ أَكْبَرُ مِن كَونِهَا تَنْهَى عَن الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ (٢) ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ ذِكْرَ اللهِ خَارج الصَّلَاةِ أَفْضَلُ مِن الصَّلَاةِ وَمَا فِيهَا مِن ذِكْرِ اللهِ، فَإِنَّ هَذَا خِلَافُ الْإِجْمَاعِ. [٣٢/ ٢٣٢]
* * *
سورة الروم
١٥٤٦ - قَالَ تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الروم: ٢٨]، يَقُولُ تَعَالَى: إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ لَا يَرْضَا أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكُهُ شَرِيكًا لَهُ مِثْل نَفْسِهِ، فَكَيْفَ تَجْعَلُونَ مَمْلُوكِي شَرِيكَا لِي؟ وَكُلُّ مَا سِوَى اللهِ مِن الْمَلَائِكَةِ الحواشي
(١) في الآية دلالة واضحةٌ في أنّ بيان القرآن ودلائله واستنباط الأحكام منه لا يكون إلا عن طريق العلماء، وإنما ضلّت أكثر الفرق والطوائف حينما ترك أصحابُها الرجوع إلى بيان العلماء للقرآن، وأخذوه من الجهلة وأنصاف العلماء.
وفي الآية تزكيةٌ للعلماء، حيث حصر تعالى بيان القرآن فيهم، وأنه بيّنٌ عندهم لا عند غيرهم من العُبَّاد والمجاهدين والْحُكَّام، وأنهم هم الحفاظ له دون غيرهم، ولو لم يحفظوا نصّه كلّه، فإن حفظ فهمه والعمل به أعظم من حفظ حروفه.(٢) فالصلاة لها مقصودان: النهي عَن الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، وذِكْرُ اللهِ الَّذِي فِي الصَّلَاةِ، وذكر الله أكبر مقاصدها.стр. 1275
وَالنَّبِيِّينَ وَالصَّالِحِينَ وَسَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ هُوَ مَمْلُوكٌ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُل شَيءٍ قَدِير. [٢٧/ ٣٥٤]
١٥٤٧ - قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠) ﴾ [الروم: ٦٠]، فإن الخفيف لا يثبت بل يطيش، وصاحب اليقين ثابت. يقال: أيقن. إذا كان مستقرًّا، واليقين: استقرار الإيمان في القلب علمًا وعملًا فقد يكون علم العبد جيّدًا، لكن نفسه لا تصبر على المصائب بل تطيش. [المستدرك ١/ ١٩٧]
* * *
سورة السجدة
١٥٤٨ - قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤) ﴾ [السجدة: ٢٤]، فَمَن أُعْطِيَ الصَّبْرَ وَالْيَقِينَ: جَعَلَهُ اللهُ إمَامًا فِي الدِّينِ. [٦/ ٢١٥]
فبالصبر تُترك الشهوات، وباليقين تُدفع الشبهات. [اقتضاء الصراط المستقيم ٥٣]
١٥٤٩ - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٥]، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّذْكِيرَ بِهَا كَقِرَاءَتِهَا فِي الصَّلَاةِ مُوجِبٌ لِلسُّجُودِ وَالتَّسْبِيحِ، وَأنَّهُ مَن لَمْ يَكُن إذَا ذُكِّرَ بِهَا يَخِرُّ سَاجِدًا ويسَبِّحُ بِحَمْدِ رَبِّهِ فَلَيْسَ بِمُؤْمِن، وَهَذَا فتَنَاوِلٌ للْآيَاتِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا سُجُود، وَهِيَ جُمْهُورُ آيَاتِ الْقُرْآنِ، فَفِي الْقُرْآنِ أَكْثَرُ مِن سِتَّةِ آلَافِ آيةٍ، وَأَمَّا آياتُ السَّجْدَةِ فَبِضْعَ عَشْرَةَ آيةً.
وَقَوْلُهُ: ﴿ذُكِّرُوا بِهَا﴾ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْآيَاتِ، فَالتَّذْكِيرُ بِهَا جَمِيعِهَا مُوجِبٌ لِلتَّسْبِيحِ وَالسُّجُودِ، وَهَذَا مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى وُجُوب التَّسْبِيحِ وَالسُّجُودِ، وَعَلَى هَذَا تَدُلُّ عَامَّةُ أَدِلَّةِ الشَّرِيعَةِ مِن الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ: تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ جِنْسِ
стр. 1276
التَّسْبِيحِ، فَمَن لَمْ يُسَبِّحْ فِي السُّجُودِ فَقَد عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ، وإِذَا أَتَى بِنَوْع مِن أَنْوَاعِ التَّسْبِيحِ الْمَشْرُوعِ أَجْزَأَهُ (١) . [٣٢/ ١٤٩]
* * *
سورة الأحزاب
١٥٥٠ - ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦].
في كتاب "الزهد" للإمام أحمد: أن المسيح ﵇ قال للحواريين: "إنكم لن تلجوا ملكوت السموات حتى تولدوا مرتين".
قال ابن القيم ﵀: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية: ﵀ يقول: "هي ولادة الأرواح والقلوب من الأبدان وخروجها من عالم الطبيعة، كما ولدت الأبدان من البدن وخرجت منه"، والولادة الأخرى هي الولادة المعروفة.
وقال ﵀ بعد النقل عن شيخ الإسلام ما ذكره عن المسيح في المجلد الثالث من المدارج: سمعت شيخ الاسلام ابن تيمية ﵀ يذكر ذلك، ويفسره بأنَّ الولادة نوعان:
أحدهما: هذه المعروفة.
والثاني: ولادة القلب والروح وخروجهما من مشيمة النفس وظلمة الطبع.
قال: وهذه الولادة لما كانت بسبب الرسول كان كالأب للمؤمنين.
قال: فالشيخ والمعلم والمؤدب: أبو الروح، والوالد: أبو الجسم (٢) . الحواشي
(١) شيخ الإسلام ﵀ لا يرى وجوب صيغة معينة لتسبيح الركوع والسجود، بل يرى وجوب تسبيح الله تعالى بأي صيغة من صيغ التسبيح، وسيأتي مزيد تفصيل لذلك بحول الله تعالى في باب الصلاة.(٢) والروح أشرف من البدن، فشرف الشيخ والمعلم المخلص الناصح عظيم وكبير، فالواجب معرفة مكانته، والقيام بحقه، والدعاء له.стр. 1277
وليس للأب إلا ما يدعو به الولد له، فظهر معنى قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾، فهو الأب الروحاني، والوالد الأب الجثماني.
وهو ﷺ سبب السعادة الأبدية للمؤمن في الدنيا والآخرة، والأب سبب لوجوده في الدنيا، ومعلوم أن الإنسان يجب عليه أن يطيع معلمه الذي يدعوه إلى الخير ويأمره بطاعة الله، ولا يجوز له أن يطيع أباه في مخالفة هذا الداعي؛ لأنه يدله على ما ينفعه ويقربه إلى ربه، ويحصل له باتباعه السعادة الأبدية.
فظهر فضل الأب الروحاني على الأب الجثماني، فهذا أبوه في الدين، وذاك أبوه في الطين، وأين هذا من هذا؟!
وأزواج النبي ﷺ أمهات المؤمنين في الحرمة، لا في المحرمية، ولهن من الاحترام ما ليس للأم الوالدة. [المستدرك ١/ ١٩٨ - ١٩٩]
١٥٥١ - قَالَ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧) ﴾ [الأحزاب: ٥٧]، لَمْ يَجِئْ إعْدَادُ الْعَذَابِ الْمُهِينِ فِي الْقُرْآنِ إلَّا فِي حَقّ الْكُفَّارِ.
وَقَد قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج: ١٨]، وَذَلِكَ لِأَنَ الْإِهَانَةَ إذْلَالٌ وَتَحْقِيرٌ وَخِزْيٌ، وَذَلِكَ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى أَلَمِ الْعَذَاب، فَقَد يُعَذَّبُ الرَّجُلُ الْكَرِيمُ وَلَا يُهَانُ، فَلَمَّا قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ عُلِمَ أَنَّهُ مِن جِنْسِ الْعَذَابِ الَّذِي تَوَعَّدَ بِهِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ. [١٥/ ٣٦٦ - ٣٦٧]
١٥٥٢ - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٩]: دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحِجَابَ إنَّمَا أَمَرَ بِهِ الْحَرَائِرَ دُونَ الْإِمَاءِ؛ لِأَنَّهُ خَصَّ أَزْوَاجَهُ وَبَنَاتَهُ، وَلَمْ يَقُلْ: وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُك وَإِمَائِك وَإِمَاءِ أَزْوَاجِك وَبَنَاتِك، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وَالْإِمَاء لَمْ يَدْخُلْنَ فِي نِسَاءِ الْمُؤمِنينَ. [١٥/ ٤٤٨]
* * *
стр. 1278
سورة سبأ
١٥٥٣ - قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢].
أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أنَّ مَا يُدْعَى مِن دُونهِ:
- لَيْسَ لَهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأرْضِ.
- وَلَا شِرْكٌ فِي مِلْكٍ.
- وَلَا إعَانَةٌ عَلَى شَيءٍ.
وَهَذِهِ الْوُجُوهُ الثلَاثَةُ: هِيَ الَّتِي ثَبَتَ بِهَا حَقُّ الْغَيْرِ؛ فَإنّهُ:
- إمَّا أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِلشَّيءِ مُسْتَقِلًّا بِمِلْكِهِ.
- أَو يَكُونُ مُشَارِكًا لَهُ فِيهِ نَظِيرٌ.
- أَو لَا ذَا وَلَا ذَاكَ؛ فَيَكُونُ مُعِينًا لِصَاحِبِهِ؛ كَالْوَزِيرِ وَالْمُشِيرِ وَالْمُعَلِّمِ وَالْمُنْجِدِ وَالنَّاصِرِ.
فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ لَيْس لِغَيْرِهِ مِلْكٌ لِمِثْقَالِ ذَرَّةِ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ، وَلَا لِغَيْرِهِ شِرْكٌ فِي ذَلِكَ لَا قَلِيل وَلَا كَثِيرٌ، فَلَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا، وَلَا لَهُم شِرْكٌ فِي شَيءٍ، وَلَا لَهُ سُبْحَانَهُ ظَهِيرٌ، وَهُوَ الْمُظَاهِرُ الْمُعَاوِنُ. [٨/ ٥١٩]
* * *
سورة فاطر
١٥٥٤ - ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر: ١١].
أما الدعاء بطول العمر فقد كرهه الأئمة، وكان أحمد إذا دعا له أحد بطول العمر يكره ذلك ويقول: هذا أمر قد فرغ منه.
وحديث أم حبيبة ﵂ لما طلبت إمتاعها بزوجها وأبيها وأخيها فقال لها
стр. 1279
النبي ﷺ : "سألت الله لآجال مضروبة وآثار مبلوغة، وأرزاق مقسومة" (١) ففيه أن العمر لا يطول بهذا السبب الذي هو الدعاء فقط. [المستدرك ١/ ١٩٩ - ٢٠٠]
١٥٥٥ - قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ قِيلَ: إنَّ الْمُرَادَ الْجِنْسُ؛ أَيْ: مَا يُعَمَّرُ مِن عُمُرِ إنْسَانٍ وَلَا يُنْقَصُ مِن عُمُرِ إنْسَانٍ.
وَقَد يُرَاد بِالنَّقْصِ النَّقْصُ مِن الْعُمُرِ الْمَكْتُوبِ، كَمَا يُرَاد بِالزِّيَادَةِ الزِيَادَةُ فِي الْعُمُرِ الْمَكْتُوبِ.
وَالْجَوَابُ الْمُحَقَّقُ: أَنَّ اللهَ يَكْتُبُ لِلْعَبْدِ أَجَلًا فِي صُحُفِ الْمَلَائِكَةِ، فَإِذَا وَصَلَ رَحِمَهُ زَادَ فِي ذَلِكَ الْمَكْتُوبِ.
وَإِن عَمِلَ مَا يُوجِبُ النَّقْصَ نَقَصَ مِن ذَلِكَ الْمَكْتُوبِ.
وَهَذَا مَعْنَى مَا رُوِيَ عَن عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: اللَّهُمَّ إنْ كُنْت كتَبَتْنِي شَقِيًّا فَامْحُنِي وَاكْتُبْني سَعِيدًا فَإِنَّك تَمْحُو مَا تَشَاءُ وَتُثْبِتُ.
فَلِهَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ: إنَّ الْمَحْوَ وَالْإِثْبَاتَ فِي صُحُفِ الْمَلَائِكَةِ.
وَأَمَّا عِلْمُ اللهِ سُبْحَانَهُ فَلَا يَخْتَلِفُ وَلَا يَبْدُو لَهُ مَا لَمْ يَكُن عَالِمًا بِهِ، فَلَا مَحْوَ فِيهِ وَلَا إثْبَاتَ.
وَأَمَّا اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ فَهَل فِيهِ مَحْوٌ وإِثْبَاتٌ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ. [١٤/ ٤٩٠ - ٤٩٢]
١٥٥٦ - أَمَّا نَقْصُ الْعُمُرِ وَزَيادَتُهُ فَمِن النَاسِ مَن يَقُولُ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ، وَيُحْمَلُ مَا وَرَدَ عَلَى زَيادَةِ الْبَرَكَةِ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ يَحْصلُ نَقْصٌ وَزِيادَة عَمَّا كُتِبَ فِي صُحُفِ الْمَلَائِكَةِ، وَأَمَّا عِلْمُ اللهِ الْقَدِيمُ فَلَا يَتَغَيَّرُ، وَأَمَّا اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ: فَهَل يُغَيَّرُ مَا فِيهِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَعَلَى هَذَا يَتَّفِقُ مَا وَرَدَ فِي هَذَا الْبَابِ مِن النُّصُوصِ. [٢٤/ ٣٨١]
١٥٥٧ - قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، فَلَا يَخْشَاهُ إلَّا عَالِمٌ، فَكُلُّ خَاشٍ للهِ فَهُوَ عَالِمٌ. الحواشي
(١) رواه مسلم(٢٦٦٣) .стр. 1280
هَذَا مَنْطُوقُ الْآيَةِ.
وَقَالَ السَّلَفُ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ: إنَّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ عَالِمٍ فَإِنَّهُ يَخْشَى اللهَ، كَمَا دَلَّ غَيْرُهَا عَلَى أَنَّ كُلَّ مَن عَصَى اللهَ فَهُوَ جَاهِلٌ.
كَمَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: سَألْت أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ عَن قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء: ١٧]، فَقَالُوا لِي: "كُلُّ مَن عَصَى اللهَ فَهُوَ جَاهِلٌ".
وَكَذَلِكَ قَالَ مُجَاهِد وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَغَيْرُهُم مِن الْعُلَمَاءِ التَّابِعِينَ وَمَن بَعْدَهُمْ.
وَذَلِكَ أَنَّ الْحَصْرَ فِي مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنَ النَّفْيِ إثْبَاتٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، فَنَفَى الْخَشْيَةَ عَمَّن لَيْسَ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَهُم الْعُلَمَاءُ بِهِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا جَاءَت بِهِ الرُّسُلُ يَخَافُونَهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩] وَأَثْبَتَهَا لِلْعُلَمَاءِ.
فَكلُّ عَالِمٍ يَخْشَاهُ، فَمَن لَمْ يَخْشَ اللهَ فَلَيْسَ مِن الْعُلَمَاءِ بَل مِن الْجُهَّالِ. [١٦/ ١٧٧ - ١٧٨]
* * *
سورة الصافات
١٥٥٨ - قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) ﴾ [الصافات: ٣٥، ٣٦]، فَهَؤُلَاءِ مُسْتَكْبِرُونَ مُشْرِكُونَ، وإنَّمَا اسْتِكْبَارُهُم عَن إخْلَاصِ الدِّينِ للهِ، فَالْمُسْتَكْبِرُ الَّذِي لَا يُقِرُّ بِاللهِ فِي الظَّاهِرِ كَفِرْعَوْنَ أَعْظَمُ كَفْرًا مِنْهُمْ، وَإِبْلِيسُ الَّذِي يَأْمُرُ بِهَذَا كُلِّهِ وَيُحِبُّه ويسْتَكْبِرُ عَن عِبَادَةِ رَبِّهِ وَطَاعَتِهِ أَعْظَمُ كُفْرًا مِن هَؤُلَاء، وَإِن كَانَ عَالِمًا بِوُجُودِ اللهِ وَعَظَمَتِهِ، كَمَا أَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ أَيْضًا عَالِمًا بِوُجُودِ اللهِ. [٧/ ٦٣٣]
стр. 1281
١٥٥٩ - قَالَ تَعَالَى: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٥، ٩٦] فَـ "مَا" بِمَعْنَى "الَّذِي"، وَمَن جَعَلَهَا مَصْدَرِيَّةَ فَقَد غَلِطَ. [٨/ ٧٩]
* * *
سورة ص
١٥٦٠ - حجَّةُ إبْلِيسَ فِي قَوْلِهِ: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص: ٧٦]: بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّهُ عَارَضَ النَّصَّ بِالْقِيَاسِ، وَلهَذَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: أَوَّلُ مَن قَاسَ إبْلِيسُ، وَمَا عُبِدَت الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ إلَّا بِالْمَقَايِيسِ.
ويظْهَرُ فَسَادُهَا بِالْعَقْلِ مِن وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ ادَّعَى أَنَّ النَّارَ خَيْرٌ مِن الطِّينِ، وَهَذَا قَد يُمْنَعُ، فَإنَّ الطِّينَ فِيهِ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ وَالِاسْتِقْرَارُ وَالثَّبَاتُ وَالْإِمْسَاكُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَفي النَّارِ الْخِفَّةُ وَالْحِدَّةُ وَالطَّيْشُ وَالطِّينُ فِيهِ الْمَاءُ وَالتُّرَابُ.
الثانِي: أَنهُ وَإِن كَانَت النَّارُ خَيْرًا مِن الطِّينِ فَلَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَخْلُوقُ مِن الْأفْضَلِ أَفْضَلَ، فَإنَّ الْفَرْعَ قَد يُخْتَصُّ بِمَا لَا يَكُونُ فِي أَصْلِهِ، وَهَذَا التُّرَابُ يُخْلَقُ مِنْهُ مِن الْحَيَوَانِ وَالْمَعَادِنِ وَالنَّبَاتِ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، والِاحْتِجَاجُ عَلَى فَضْلِ الْإنْسَانِ عَلَى غَيْرِهِ بِفَضْلِ أَصْلِهِ عَلَى أَصْلِهِ: حُجَّة فَاسِدَة، احْتَجَّ بِهَا إبْلِيسُ، وَهِيَ حُجَّةُ الَّذِينَ يَفْخَرُونَ بِأنْسَابِهِمْ، وَقَد قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَن قَصَّرَ به عَمَلُهُ لَمْ يَبْلُغْ بِهِ نَسَبُهُ" (١) .
الثالِثُ: أنَّه وإِن كَانَ مَخْلُوقًا مِن طِينٍ فَقَد حَصَلَ لَهُ بِنَفْخِ الرُّوحِ الْمُقَدَّسَةِ فِيهِ مَا شُرِّفَ بِهِ فَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص: ٧٢]. الحواشي
(١) رواه مسلم(٢٦٩٩) بلفظ: "وَمَن بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرعْ بِهِ نَسَبُهُ".стр. 1282
الرَّابع: أَنَّهُ مَخْلُوق بِيَدَي اللهِ تَعَالَى كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]. [١٥/ ٥ - ٦]
* * *
سورة الزمر
١٥٦١ - قَالَ تَعَالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] الْمُرَادُ بِالْقَوْلِ الْقُرْآنُ، كَمَا فَسَّرَهُ بِذَلِكَ سَلَفُ الْأمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) ﴾ [المؤمنون: ٦٨] وَاللَّامُ لِتَعْرِيفِ الْقَوْلِ الْمَعْهُودِ؛ فَإنَّ السُّورَةَ كُلَّهَا إنَّمَا تَضَمَّنَتْ مَدْحَ الْقُرْآنِ وَاسْتِمَاعَهُ.
وَهُنَا سُؤَالٌ مَشْهُورٌ وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾، فَقَد قَسَّمَ الْقَوْلَ إلَى حَسَنٍ وَأَحْسَنَ، وَالْقُرْآنُ كلُّهُ مُتَّبَع، وَهَذَا حُجَّتُهُمْ، فَيُقَالُ: الْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: الْقُرْآنُ تَضَمَّنَ خَبَرًا وَأَمْرًا، فَالْخَبَرُ عَن الْأبْرَارِ وَالْمُقَرَّبِينَ، وَعَن الْكُفَّارِ وَالْفُجَّارِ، فَلَا ريبَ أَنَّ اتِّباعَ الصِّنْفَيْنِ حَسَن، وَاتِّباعَ الْمُقَرَّبِينَ أَحْسَنُ، وَالْأَمْرُ يَتَضَمَّنُ الْأَمْرَ بِالْوَاجِبَاتِ والمستحبات، وَلَا ريبَ أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى فِعْلِ الْوَاجِبَاتِ حَسَن، وَفِعْلُ الْمُسْتَحَبَّاتِ مَعَهَا أَحْسَنُ، وَمَن اتَّبَعَ الْأَحْسَنَ فَاقْتَدَى بِالْمُقَرَّبِينَ وَتَقَرَّبَ إلَى اللهِ بِالنَّوَافِلِ بَعْدَ الْفَرَائِضِ كَانَ أَحَقَّ بِالْبُشْرَى. [١٦/ ٥ - ٧]
١٥٦٢ - قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) ﴾ [الزمر: ٥٣] ذَكَرْنَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِي حَقِّ التَّائِبِينَ، وَأَمَّا آيتَا النِّسَاءِ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي حَقِّ التَّائِبِينَ.
والْقُنُوطُ يَكُونُ بِأنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ لَهُ:
أ - إمَّا لِكوْنِهِ إذَا تَابَ لَا يَقْبَلُ اللهُ تَوْبَتَهُ وَيَغْفِرُ ذُنُوبَهُ.
ب- وَإِمَّا بِأنْ يَقُولَ: نَفْسُهُ لَا تُطَاوِعُهُ عَلَى التَّوبَةِ؛ بَل هُوَ مَغْلُوبٌ مَعَهَا،
стр. 1283
وَالشَّيْطَانُ قَد اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِ، فَهُوَ يَيْأسُ مِن تَوْبَةِ نَفْسِهِ، وَإِن كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ إذَا تَابَ غَفَرَ اللهُ لَهُ، وَهَذَا يَعْتَرِي كَثِيرًا مِن النَّاسِ.
وقد تَنَازَعَ النَّاسُ فِي الْعَبْدِ هَل يَصِيرُ فِي حَالٍ تَمْتَنِعُ مِنْهُ التَّوْبَةُ إذَا أَرَادَهَا؟ الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجُمْهُورُ: أَنَّ التَّوْبَةَ مُمْكِنَة مِن كُلِّ ذَنْبٍ، وَمُمْكِنٌ أَنَّ اللهَ يَغْفِرُهُ.
وَهَذِهِ آيةٌ عَظِيمَةٌ جَامِعَةٌ مِن أَعْظَمِ الْآيَاتِ نَفْعًا، وَفِيهَا رَدٌّ عَلَى طَوَائِفَ: رَدٌّ عَلَى مَن يَقُولُ إنَّ الدَّاعِيَ إلَى الْبِدْعَةِ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ.
وَمِن ذَلِكَ: تَوْبَةُ قَاتِلِ النَّفْسِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا مَقْبُولَةٌ. وَهَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَآيةُ النِّسَاءِ (١) إنَّمَا فِيهَا وَعِيدٌ فِي الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠) ﴾ [النساء: ١٠]، وَمَعَ هَذَا فَهَذَا إذَا لَمْ يَتُبْ.
وَكُلُّ وَعِيدٍ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ، فَبِأيِّ وَجْهٍ يَكُونُ وَعِيدُ الْقَاتِلِ لَاحِقًا بِهِ وَإِن تَابَ؟ هَذَا فِي غَايَةِ الضَّعْفِ؟ وَلَكِنْ قَد يُقَالُ: لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ بِمَعْنَى: أَنَّهُ لَا يَسْقُط حَقُّ الْمَظْلُومِ بِالْقَتْلِ؛ بَل التَّوْبَةُ تُسْقِطُ حَقَّ اللهِ، وَالْمَقْتُولُ مُطَالِبُهُ بِحَقِّهِ، وَهَذَا صَحِيحٌ فِي جَمِيعِ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ حَتَّى الدَّيْنِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَد قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠) ﴾ [آل عمران: ٩٠]؟
قِيلَ: إنَّ الْقُرْآنَ قَد بَيَّنَ تَوْبَةَ الْكَافِرِ وَإِن كَانَ قَدِ ارْتَدَّ ثُمَّ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ الحواشي
(١) وهي قَوْله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء: ٩٣].стр. 1284
جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩) ﴾ [آل عمران: ٨٦ - ٨٩].
وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتهُم قَد ذَكَرُوا فِيهِمْ أَقْوَالًا:
قِيلَ: لِنِفَاقِهِمْ.
وَقِيلَ: لِأَنَّهُم تَابُوا مِمَّا دُونَ الشِّرْكِ وَلَمْ يَتُوبُوا مِنْهُ.
وَقِيلَ: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُم بَعْدَ الْمَوْتِ.
وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ -كَالْحَسَنِ وقتادة وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ والسدي-: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُم حِينَ يَحْضُرُهُم الْمَوْتُ، فَيَكُونُ هَذَا كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء: ١٨].
فَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا﴾ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ الْقَائِلِ: ثُمَّ أَصَرُّوا عَلَى الْكُفْرِ وَاسْتَمَرُّوا عَلَى الْكفْرِ وَدَامُوا عَلَى الْكُفْرِ، فَهُم كَفَرُوا بَعْدَ إسْلَامِهِمْ، ثُمَّ زَادَ كُفْرُهُم مَا نَقَصَ، فَهَؤُلَاءِ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُمْ، وَهِيَ التوْبَةُ عِنْدَ حُضُورِ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّ مَن تَابَ قَبْلَ حُضُورِ الْمَوْتِ فَقَد تَابَ مِن قَرِيبٍ وَرَجَعَ عَن كُفْرِهِ، فَلَمْ يَزْدَدْ بَل نَقَصَ (١) ؛ بِخِلَافِ الْمُصِرِّ إلَى حِينِ الْمُعَايَنَةِ، فَمَا بَقِيَ لَهُ زَمَانٌ يَقَعُ لِنَقْصِ كُفْرِهِ، فَضْلًا عَن هَدْمِهِ.
وَفي الْآيَةِ الْأخْرَى قَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٣٧] قِيلَ: لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ إذَا تَابَ غُفِرَ لَهُ كُفْرُهُ، فَإِذَا كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ وَمَاتَ كَافِرًا حَبِطَ إيمَانُهُ، فَعُوقِبَ بِالْكُفْرِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي. الحواشي
(١) والله تعالى قال: ثم ازدادوا كفرًا، فمن تاب قبل الاحتضار فقد نقص كفره بل انمحى وزال، فليس هناك توبة لا ينقص معها الكفر إلا توبة المحتضر، الذي عاين الموت ويئس من الحياة.стр. 1285
فَلَو قَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾، ﴿ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٣٧]: كَانَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ (١) ذَكَرَهُم فِي آلِ عِمْرَانَ فَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران: ٩٠] (٢) ؛ بَل ذَكَرَ أنَّهُم آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمنُوا بَعْدَ ذَلِكَ، وَهُوَ الْمُرْتَدُّ التَّائِبُ؛ فَهَذَا إذَا كَفَرَ وَازْدَادَ كُفْرًا لَمْ يُغْفَرْ لَهُ كُفْرُهُ السَّابِقُ أَيْضًا، فَلَو آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمنُوا لَمْ يَكُونُوا قَد ازْدَادُوا كُفْرًا (٣) ، فَلَا يَدْخُلُونَ فِي الْآيَةِ.
وَالْعُقُوبَاتُ الَّتِي تُقَامُ مِن حَدٍّ أو تَعْزِيرٍ:
أ - إمَّا أَنْ يَثْبُتَ سَبَبُهَا بِالْبَيِّنَةِ، مِثْل قِيَامِ الْبَيِّنَةِ بِأنَّهُ زَنَى أو سَرَقَ أَو شَرِبَ، فَهَذَا إذَا أَظْهَرَ التُّوْبَةَ لَمْ يُوثَقْ بِهَا، وَلَو دُرِئَ الْحَدُّ بِإظْهَارِ هَذَا: لَمْ يُقمْ حَدٌّ؛ فَإنَّهُ كُلُّ مَن تُقَامُ عَلَيْهِ الْبَيِّنةُ يَقُولُ: قَد تُبْت.
وإِن كَانَ تَائِبًا فِي الْبَاطِنِ: كَانَ الْحَدُّ مُكَفِّرًا، وَكَانَ مَأْجُورًا عَلَى صَبْرِهِ.
ب- وَأمَّا إذَا جَاءَ هُوَ بِنَفْسِهِ فَاعْتَرَفَ وَجَاءَ تَائِبًا: فَهَذَا لَا يَجِبُ أنْ يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِ أَحْمَد، نَصَّ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَهِيَ مِن مَسَائِلِ التَّعْلِيقِ، وَاحْتَجَّ عَلَيْهَا الْقَاضِي بِعِدَّةِ أَحَادِيثَ، وَحَدِيثُ الَّذِي قَالَ: "أصَبْت حَدًّا فَأقِمْهُ عَلَى فَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ": يَدْخُلُ فِي هَذَا؛ لِأنَّهُ جَاءَ تَائِبًا، وَإِن شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ كَمَا شَهِدَ بِهِ مَاعِزٌ والغامدية وَاخْتَارَ إقَامَةَ الْحَدِّ: أقِيمَ عَلَيْهِ، وإِلَّا فَلَا. الحواشي
(١) أي: لكان هؤلاء هم نفسهم المذكورين في سورة آل عمران.(٢) يعني: لو أنهم ارتدوا مرةً واحدة وازدادوا كفرًا: لقيل فيهم ما قيل في الآية الأولى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾.
لكنهم ارتدوا مرتين ثم ازدادوا كفرًا، فالحال هناك مُختلف، فيكون معنى قوله: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾؛ أي: لم يكن ليغفر لهم توبتهم السابقة.
وهو تعالى لم يذكر أنه لن يقبل توبتهم، بل ذكر أنه لم يكن ليغفر لهم.(٣) بل نقص وزال كفرهم.стр. 1286
الْإِمَامُ وَالنَّاسُ لَيْسَ عَلَيْهِم إقَامَةُ الْحَدِّ عَلَى مِثْل هَذَا، وَلَكِنْ هُوَ إذَا طَلَبَ ذَلِكَ أُقِيمَ عَلَيْهِ؛ كَاَلَّذِي يُذْنِبُ سِرًّا.
وَلَيْسَ عَلَى أحَدٍ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهِ حَدًّا (١) . [١٦/ ١٨ - ٣٢]
* * *
سورة غافر
١٥٦٣ - فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦]: بَيَانٌ أنَّهُ لَا يَجُوزُ أنْ يُعَارَضَ كتاب اللهِ بِغَيْرِ كِتَابِ اللهِ، لَا بِفِعْلِ أحَدٍ وَلَا أمْرِهِ، لَا دَوْلَةً وَلَا سِيَاسَةَ، فَإنَّهُ حَالُ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ.
وَلَكِنْ يَجُوزُ أنْ يَكونَ فِي آياتِ اللهِ نَاسِخ وَمَنْسُوخٌ، فَيُعَارَضُ مَنْسُوخُه بِنَاسِخِهِ. [١٩/ ٧٨ - ٧٩]
* * *
سورة الشورى
١٥٦٤ - ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]. [٥٢/ ٤٢]
قال ابن القيم ﵀: وقد اختلفوا في مفسِّر المضمر من قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا﴾ فقيل: هو الإيمان لكونه أقرب المذكورين، وقيل: هو الكتاب فإنه النور الذي هدى الله به عباده.
قال شيخنا: والصواب أنه عائد على الروح المذكور في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ الآية، فسمَّى وحيَه روحًا لما يحصل به من الحواشي
(١) فإقامة الحدود موكولةٌ لولي الأمر، ولا يجوز لأحد أن يفتات عليه، وبهذا يتبين ضلال الخوارج في هذا الزمان الذين قتلوا العساكر وغيرهم زعمًا منهم أنهم يُقيمون عليهم حد الردة!стр. 1287
حياة القلوب، والأرواح التي هي الحياة في الحقيقة، ومن عدمها فهو ميت لا حي. [المستدرك ١/ ٢٠٠]
١٥٦٥ - قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) ﴾ [الشورى: ٣٩] إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] فَمَدَحَهُم عَلَى الِانْتِصَارِ تَارَةً وَعَلَى الصَّبْرِ أُخْرَى.
وَضِدُّ الِانْتِصَارِ الْعَجْزُ، وَضِدُّ الصَّبْرِ الْجَزَعُ؛ فَلَا خَيْرَ فِي الْعَجْزِ وَلَا فِي الْجَزَعِ، كَمَا نَجِدُهُ فِي حَالِ كَثِيرٍ مِن النَّاسِ حَتَّى بَعْضُ الْمُتَدَيِّنِينَ إذَا ظُلِمُوا أَو رأوا مُنْكَرًا فَلَا هُم يَنْتَصِرُونَ وَلَا يَصْبِرُونَ؛ بَل يَعْجِزُونَ ويجْزَعُونَ. [١٦/ ٣٧ - ٣٨]
١٥٦٦ - قَوْله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ هَذَا تَفْسِيرُ الْوَصِيَّةِ، ﴿أَنْ﴾: الْمُفَسِّرَةُ الَّتِي تَأتِي بَعْدَ فِعْلٍ مِن مَعْنَى الْقَوْلِ لَا مِن لَفْظِهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١] وَالْمَعْنَى: قُلْنَا لَهُم: اتَّقُوا اللهَ.
فـ ﴿أَقِيمُوا الدِّينَ﴾: مُفَسِّرٌ لِلْمَشْرُوعِ لَنَا الْمُوصَى بِهِ الرُّسُلُ، وَالْمُوحَى إلَى مُحَمَّدٍ ﷺ .
فَقَد يُقَالُ: الضَّمِيرُ فِي (أَقِيمُوا) عَائِدٌ إلَيْنَا، ويُقَالُ: هُوَ عَائِدٌ إلَى الْمُرْسَلِ، وَيُقَالُ: هُوَ عَائِدٌ إلَى الْجَمِيعِ، وَهَذَا أَحْسَنُ، وَنَظِيرُهُ: أَمَرْتُكَ بِمَا أَمَرْتُ بِهِ زيدًا أَنْ أَطِع اللهَ، وَوَصَّيْتُكُمْ بِمَا وَصَّيْتُ بَنِي فلَانٍ أَن افْعَلُوا.
وَالْمَعْنَى عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ يَرْجِعُ إلَى هَذَا، فَإِنَّ الَّذِي شُرعَ لَنَا: هُوَ الَّذِي وَصَّى بِهِ الرُّسُلَ، وَهُوَ الْأَمْرُ بِإِقَامَةِ الدِّينِ وَالنَّهْيُ عَن التَّفَرُّقِ فِيهِ. [١/ ١٢ - ١٣]
* * *
стр. 1288
سورة الزخرف
١٥٦٧ - قَوْله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦) ﴾ [الزخرف: ٨٦]. التَّحْقِيق فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ، وَلَا يَمْلِكُ أَحَد مِن دُونِ اللهِ الشَّفَاعَةَ مُطْلَقًا، لَا يُسْتَثْنَى مِن ذَلِكَ أَحَدٌ عِنْدَ اللهِ.
فَإنَّهُ لَمْ يَقُلْ: وَلَا يَشْفَعُ أَحَدٌ، وَلَا قَالَ: لَا يَشْفَعُ لِأَحَدٍ؛ بَل قَالَ: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾، وَكُلُّ مَن دُعِيَ مِن دُونِ اللهِ لَا يَمْلِكُ الشَّفَاعَةَ أَلْبَتَّةَ، وَالشَّفَاعَةُ بِإِذْنٍ لَيْسَتْ مُخْتَصَّةً بِمَن عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ، وَسَيِّدُ الشُّفَعَاءِ ﷺ لَمْ يُعْبَدْ كَمَا عُبِدَ الْمَسِيحُ، وَهُوَ -مَعَ هَذَا- لَهُ شَفَاعَةٌ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ، فَلَا يَحْسُنُ أَنْ تَثْبُتَ الشَّفَاعَةُ لِمَن دُعِيَ مِن دُونِ اللهِ دُونَ مَن لَمْ يُدْعَ.
وَالْمَقْصودُ: أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾ قَد تَمَّ الْكَلَامُ هنَا، فَلَا يَمْلِكُ أَحَدٌ مِن الْمَعْبُودِينَ مِن دُونِ اللهِ الشَّفَاعَةَ أَلْبَتَّةَ، ثُمَّ اسْتَثْنَى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦) ﴾ فَهَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، وَالْمُنْقَطِعُ يَكُونُ فِي الْمَعْنَى الْمُشْتَرِكِ بَيْنَ الْمَذْكُورِينَ.
فَلَمَّا نَفَى مُلْكَهُم الشَّفَاعَةَ بَقِيَت الشَّفَاعَةُ بِلَا مَالِكٍ لَهَا.
كَأنَّهُ قَد قِيلَ: فَإِذَا لَمْ يَمْلِكُوهَا هَل يَشْفَعُونَ فِي أَحَدٍ؟
فَقَالَ: نَعَمْ ﴿مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦) ﴾.
وَهَذَا يَتَنَاوَلُ الشَّافِعَ وَالْمَشْفُوعَ لَهُ، فَلَا يَشْفَعُ إلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُم يَعْلَمُونَ.
فَالْمَلَائِكَةُ وَالْأنْبِيَاءُ وَالصَّالِحُونَ -وَإِن كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ- لَكِنْ إذَا أَذِنَ الرَّبُّ لَهُم شَفَعُوا، وَهُم لَا يُؤْذَنُ لَهُم إلَّا فِي الشَّفَاعَةِ لِلْمُؤمِنِينَ الَّذِينَ يَشْهَدونَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، فَيَشْهَدُونَ بِالْحَقِّ وَهُم يَعْلَمُونَ، لَا يَشْفَعُونَ لِمَن قَالَ
стр. 1289
هَذِهِ الْكَلِمَةَ تَقْلِيدًا لِلْآبَاءِ وَالشُّيُوخِ (١) .
فَاَلَّذِي تُنَالُ بهِ الشفَاعَةُ: هِيَ الشَّهَادَةُ بِالْحَقِّ، وَهِيَ شَهَادَةُ أنْ لَا إلَهَ إلا اللهُ، لَا تُنَالُ بِتَولِّي غَيْرِ اللهِ، لَا الْمَلَائِكَةِ وَلَا الْأَنْبِيَاءِ وَلَا الصَّالِحِينَ.
فَمَن وَالَى أَحَدًا مِن هَؤُلَاءِ وَدَعَاهُ وَحَجَّ إلَى قَبْرِهِ أَو مَوْضِعِهِ، وَنَذَرَ لَهُ وَحَلَفَ بِهِ، وَقَرَّبَ لَهُ الْقَرَابِينَ لِيَشْفَعَ لَهُ: لَمْ يُغْنِ ذَلِكَ عَنْهُ مِن اللهِ شَيْئًا، وَكَانَ مِن أَبْعَدِ النَّاسِ عَن شَفَاعَتِهِ وَشَفَاعَةِ غَيْرِهِ، فَإنَّ الشَّفَاعَةَ إنَّمَا تَكُونُ: لِأَهْلِ تَوحِيدِ اللهِ وإِخْلَاصِ الْقَلْبِ وَالدِّينِ له. [١٤/ ٤٠٢ - ٤١٢، ٢٧/ ٢٨٠ - ٢٨١]
١٥٦٨ - قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف: ١٥]، قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: ﴿جُزْءًا﴾ [الزخرف: ١٥]؛ أيْ: نَصِيبًا، وَبَعْضًا، وَقَالَ بَعْضُهُم: جَعَفوا للهِ نَصِيبًا مِنَ الْوَلَدِ، وَعَن قتادة وَمُقَاتِلٍ: عِدْلًا.
وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ صَحِيحٌ؛ فَإنَّهُم يَجْعَلُونَ لَهُ وَلَدًا وَالْوَلَدُ يُشْبِهُ أَبَاهُ. [١٧/ ٢٧١]
* * *
سورة الأحقاف
١٥٦٩ - قَوْلُهُ: ﴿كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأحقاف: ٨] لَمْ يَقُلْ: شَاهِدٌ عَلَيْنَا، وَلَا شَاهِدٌ لِي؛ لِأَنَّهُ ضَمَّنَ الشَّهَادَةَ الْحُكمَ، فَهُوَ شَهِيدٌ يَحْكُمُ بِشَهَادَتِهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَالْحُكْمُ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى مُجَرَّدِ الشَّهادَةِ؛ فَإِنَّ الشَّاهِدَ قَد يُؤَدِّي الشَّهَادَةَ. وَأَمَّا الْحَاكِمُ فَإنَّهُ يَحْكُمُ بِالْحَقِّ لِلْمُحِقَّ عَلَى الْمُبْطِلِ، وَيَأخُذُ حَقَّهُ مِنْهُ، وَيُعَامِلُ الْمُحِقَّ بِمَا يَسْتَحِقُّهُ وَالْمُبْطِلَ بِمَا يَسْتَحِقُّهُ. [١٤/ ١٩٤]
* * * الحواشي
(١) لأنّ شهادتهم ليست عن علم، وإنما تقليدًا لآبائهم وأجدادهم، ولو وجدوهم على غير هذا لاتبعوهم.
فهذا يدلّ على أهمية العلم، وأنه هو المنجي لصاحبه في الدنيا والآخرة.стр. 1290
سورة ق
١٥٧٠ - قَالَ تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) ﴾ [ق: ٦]، وَأمْثَالُ ذَلِكَ مِن النُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ السَّمَاءَ مُشَاهَدَةٌ، وَالْمُشَاهَدُ هُوَ الْفَلَكُ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ أَحَدَهمَا هوَ الْآخَرُ. [٦/ ٥٩٣]
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨) ﴾ [ق: ١٨].
وَقَد اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: هَل يُكْتَبُ جَمِيعُ أَقْوَالِهِ؟. وَالْقُرْآنُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا يَكْتُبَانِ الْجَمِيعَ؛ فَإنَّهُ قَالَ: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾ نَكِرَةٌ فِي الشَّرْطِ مُؤَكَّدَةٌ بِحَرْفِ مِنْ؛ فَهَذَا يَعُمُّ كُلَّ قَوْلِهِ. [٧/ ٤٩]
* * *
سورة الذاريات
١٥٧١ - قَالَ تَعَالَى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (١١) ﴾ [الذاريات: ١٠، ١١] الْآيَاتِ؛ أَيْ: سَاهُونَ عَن أَمْرِ الْآخِرَةِ (١) ، فَهُم فِي غَمْرَةٍ عَنْهَا؛ أَيْ: فِيمَا يَغْمُرُ قُلُوبَهُم مِن حُبّ الدُّنْيَا وَمَتَاعِهَا، سَاهُونَ عَن أَمْرِ الْآخِرَةِ وَمَا خُلِقُوا لَهُ. [١٠/ ٥٩٦]
١٥٧٢ - قَالَ تَعَالَى فِي قِصَّةِ قَوْم لُوطٍ: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦) ﴾ [الذاريات: ٣٥، ٣٦] ظَنَّ طَائِفَةٌ مِن النَّاسِ أَنَّ هَذ الْآيَةَ تَقْتَضِي أَنَّ مُسَمَّى الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَاحِدٌ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ امْرَأَةَ لُوطٍ كانت فِي أَهْلِ الْبَيْتِ الْمَوْجُودِينَ، وَلَمْ تَكُنْ مِن الْمُخْرَجِينَ الَّذِينَ نَجَوْا؛ بَل كَانَت مِن الْغَابِرِينَ الْبَاقِينَ فِي الْعَذَابِ، وَكَانَت فِي الحواشي
(١) فهم ساهون وغافلون عن حفظ واسْتثمار أوقات فراغهم بما ينجيهم يوم القيامة.
والخرص: الظن والتخمين والتقدير الجزاف، الذي لا يقوم على ميزان دقيق.стр. 1291
الظَّاهِرِ مَعَ زَوْجِهَا عَلَى دِينِهِ، وَفي الْبَاطِنِ مَعَ قَوْمِهَا عَلَى دِينِهِمْ، خَائِنَةً لِزَوْجِهَا تَدُلُّ قَوْمَهَا عَلَى أَضْيَافِهِ؛ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى فِيهَا: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم: ١٠]، وَكَانَت خِيَانَتُهُمَا لَهُمَا فِي الدِّينِ لَا فِي الْفِرَاشِ؛ فَإنَّهُ مَا بَغت امْرَأَةُ نَبِيٍّ قَطُّ؛ إذ نِكَاحُ الْكَافِرَةِ قَد يَجُوزُ فِي بَعْضِ الشَّرَائِعِ، ويجُوزُ فِي شَرِيعَتِنَا نِكَاحُ بَعْضِ الْأنْوَاعِ وَهُنَّ الْكِتَابِيَّات، وَأمَّا نِكَاحُ الْبَغِيِّ فَهُوَ: دِيَاثَةٌ، وَقَد صَانَ اللهُ النَّبِيَّ عَن أَنْ يَكُونَ دَيُّوثا؛ وَلهَذَا كَانَ الصَّوَابُ قَوْلَ مَن قَالَ مِن الْفُقَهَاءِ: بِتَحْرِيمِ نِكَاحِ الْبَغِيِّ حَتَّى تتُوبَ.
وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ امْرأةَ لوطٍ لَمْ تَكُنْ مُؤمِنَةً، وَلَمْ تَكُنْ مِن النَّاجِينَ الْمُخْرَجِينَ، فَلَمْ تَدْخُلْ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) ﴾، وَكَانَت مِن أهْلِ الْبَيْتِ الْمُسْلِمِينَ، وَمِمَن وُجِدَ فِيهِ؛ وَلهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦) ﴾. [٧/ ٤٧٣ - ٤٧٤]
* * *
سورة الطور
١٥٧٣ - قَوْلُهُ تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) ﴾ [الطور: ٣٥] فِيهَا قَوْلَانِ:
فَالْأكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ: أَمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ خَالِقٍ بَل مِن الْعَدَمِ الْمَحْضِ؟.
وَقِيلَ: أَمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ مَادَّةٍ؟ وَهَذَا ضَعِيفٌ لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى انَّ التَّقْسِيمَ: أَمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ خَالِقٍ أَمْ هُم الْخَالِقُونَ؟ [١٨/ ٢٣٦]
* * *
стр. 1292
سورة النجم
١٥٧٤ - جرت عادة القوم أن يذكروا في هذا المقام (١) قوله تعالى عن نبيِّه ﷺ حين أراه ما أراه: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) ﴾ [النجم: ١٧] وأبو القاسم القشيري صدَّر "باب الآداب" بهذه الآية، وكذلك غيره.
وكأنهم نظروا إلى قول من قال من أهل التفسير: إن هذا وصف لأدبه ﷺ في ذلك المقام إذ لم يلتفت جانبًا ولا تجاوز ما رآه، وهذا كمال الأدب، والإخلالُ به أن يلتفت الناظر عن يمينه وعن شماله أو يتطلع أمام المنظور، فالالتفات زيغ، والتَّطَلُّعُ إلى ما أمام المنظور طغيان ومجاوزة، فكمال إقبال الناظر على المنظور ألا ينصرف بصره عنه يمنة ولا يسرة ولا يتجاوزه. [المستدرك ١/ ٢٠٠ - ٢٠١]
١٥٧٥ - قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [النجم: ٢٩، ٣٠] أَخْبَرَ أَنَّهُم لَمْ يَحْصُلْ لَهم عِلْمٌ فَوْقَ مَا يَكُونُ فِي الدُّنْيَا، فَهِيَ أكْبَرُ هَمِّهِمْ وَمَبْلَغُ عِلْمِهِمْ، وَأَمَّا الْمُؤمِنُ فَأكْبَرُ هَمِّهِ هُوَ اللهُ، وَإِلَيْهِ انْتَهَى عِلْمُهُ وَذِكْرُهُ. [١٨/ ١٦٤ - ١٦٥]
* * *
سورة الرحمن
١٥٧٦ - قَوْلُهُ تعالى: ﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧) ﴾ [الرحمن: ٢٧] فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:
قِيلَ: أَهْلٌ أَنْ يُجَلَّ وَأَنْ يُكْرَمَ، كَمَا يُقَالُ: إنَّهُ ﴿أَهْلُ التَّقْوَى﴾ [المدثر: ٥٦]؛ أَيْ: الْمُسْتَحِقُّ لِأَنْ يُتَّقَى.
وَقِيلَ: أهْل أنْ يُجَلَّ فِي نَفْسِهِ وَأَنْ يُكْرِمَ أَهْلَ وِلَايَتهِ وَطَاعَتِهِ. الحواشي
(١) مقام الأدب مع الله. انظر: (ص ٣٧٦) من المدارج (ج ٢) فصل: والآداب ثلاثة أنواع. (الجامع).стр. 1293
وَقيلَ: أهْلٌ أَنْ يُجَلَّ فِي نَفْسِهِ، وَأَهْلٌ أَنْ يُكْرِمَ.
قُلْت: الْقَوْلُ الْأوَّلُ هُوَ أَقْرَبُهَا إلَى الْمُرَادِ، مَعَ أَنَّ الْجَلَالَ هُنَا لَيْسَ مَصْدَرَ جَلَّ جَلَالًا؛ بَل هُوَ اسْمُ مَصْدَرٍ أَجَلَّ إجْلَالًا. [١٦/ ٣١٧ - ٣١٩]
* * *
سورة الحديد
١٥٧٧ - قَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾ [الحديد: ٢٥] أَخْبَرَ أَنَّهُ أرْسَلَ الرُّسُلَ وَأَنْزَلَ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِأَجْلِ قِيَامِ النَّاسِ بِالْقِسْطِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ أَنْزَلَ الْحَدِيدَ الَّذِي بِهِ يَنْصُرُ هَذَا الْحَقَّ، فَالْكِتَابُ يَهْدِي، وَالسَّيْفُ يَنْصُرُ، وَكَفَى بِرَبّك هَادِيًا وَنَصِيرًا. وَلهَذَا كَانَ قِوَامُ النَّاسِ بِأهْلِ الْكِتَابِ وَأَهْلِ الْحَدِيدِ. [١٨/ ١٥٨]
* * *
سورة الحشر
١٥٧٨ - قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩] يَقْتَضي أَنَّ نِسْيَانَ اللهِ كَانَ سَبَبًا لِنِسْيَانِهِمْ أَنْفسَهُم وإِنَّهُم لَمَّا نَسُوا اللهَ عَاقَبَهُم بِأَنْ أَنْسَاهُم أنْفُسَهُمْ.
وَنسْيَانُهُم أَنْفُسَهم يَتَضَمَّنُ إعْرَاضَهُم وَغَفْلَتَهُم وَعَدَمَ مَعْرِفَتِهِمْ بِمَا كَانوا عَارِفِينَ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ مِن حَالِ أَنْفُسِهِمْ، كَمَا أَنَّهُ يَقْتَضِي تَرْكَهُم لِمَصَالِحِ أَنْفُسِهِمْ.
فَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُم لَا يَذْكُرُونَ أَنْفُسَهُم ذِكْرًا يَنْفَعُهَا وَيُصْلِحُهَا، وَأَنَّهُم لَو ذَكَرُوا اللهَ لَذَكَرُوا أَنْفُسَهُمْ.
وَهَذَا عَكسُ مَا يُقَالُ: "مَن عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ"، وَبَعْضُ النَّاسِ يَرْوِي هَذَا عَن النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَيْسَ هَذَا مِن كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَا هُوَ فِي شَيْءٍ مِن كُتُبِ
стр. 1294
الْحَدِيثِ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ إسْنَادٌ (١) . [١٦/ ٣٤٨ - ٣٤٩]
* * *
سورة الجمعة
١٥٧٩ - قَوْله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ وَالْأمِّيُّونَ يَتَنَاوَلُ الْعَرَبَ قَاطِبَةً دُونَ أَهْلِ الْكِتَابِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٣] فَهَذَا يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَن دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ دُخُولِ الْعَرَبِ فِيهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾؛ أَيْ: فِي الدِّينِ دُونَ النَّسَبِ، إذ لَو كَانُوا مِنْهُم فِي النَّسَبِ لَكَانُوا مِن الْأمِّيِّينَ. [١٦/ ١٩٠]
* * *
سورة التغابن
١٥٨٠ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ [التغابن: ١٤] (من) للتبعيض بالاتفاق. [المستدرك ١/ ٢٠١]
* * *
سورة التحريم
١٥٨١ - الْمَسِيحُ خلِقَ مِن مَرْيَمَ وَنَفْخَةِ جِبْرِيلَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ [التحريم: ١٢].
وَالْمَقْصُودُ: إنَّمَا هُوَ النَّفْخُ فِي الْفَرْجِ كَمَا أَخْبَرَ الله بِهِ فِي آيتَيْنِ، وَاِلَّا فَالنَّفْخُ فِي الثَّوْبِ فَقَطْ مِن غَيْرِ وصُولِ النَّفْخِ إلَى الْفَرَجِ مُخَالِفٌ لِلْقُرْآنِ، مَعَ أَنَّهُ الحواشي
(١) وهذا عام إن دق أو جل، ولهذا فكل من انشغل بعيوب الآخرين عن إصلاح نفسه وعيوبها، لا سيما من انشغل بتتبع عيوب الدعاة والمصلحين، فإنما هو بسبب أن الله أنساه نفسه ومصالحها والقيام عليها، والانشغال بها؛ عقوبةً من الله له لعدم قيامه بما أوجبه الله عليه من الاستقامة الظاهرة والباطنة، وحفظ اللسان، وإحسان الظن.
فانظر إلى مشايخ السوء، وبعض الكتاب الذين أفنوا أعمارهم، وضيعوا أوقاتهم في تتبع زلات الدعاة والعلماء، لتعرف أن الله نسيهم لنسيانهم أنفسهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.стр. 1295
لَا تَأثِيرَ لَهُ فِي حُصُولِ الْوَلَدِ، وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ أَحَدٌ مِن أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا نَقَلَه أَحَدٌ عَن عَالِمٍ مَعْرُوفٍ مِنَ السَّلَفِ. [١٧/ ٢٦٢ - ٢٦٣]
* * *
سورة الملك
١٥٨٢ - قَالَ تَعَالَى عَن أَهْلِ النَّارِ: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا﴾ [الملك: ٨، ٩] فَأَخْبَرَ أَنَّهُ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِي النَّارِ فَوْجٌ أَقَرُّوا بِأَنَّهُم جَاءَهُم النَّذِيرُ فَكَذَّبُوهُ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُلْقَى فِيهَا فَوْجٌ إلَّا مَن كَذَّبَ النَّذِيرَ. [١١/ ١٨٧]
* * *
سورة القلم
١٥٨٣ - ﴿ن﴾ [القلم: ١] أَقْسَمَ سُبْحَانَهُ بِالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ؛ فَإِنَّ الْقَلَمَ بِهِ يَكُونُ الْكِتَابُ السَّاطِرُ لِلْكَلَامِ، الْمُتَضمِّنِ لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْإِرَادَةِ وَالْعِلْمِ الْمُحِيطِ بِكُلِّ شَيءٍ.
وَالْمُقْسَمُ عَلَيْهِ ثَلَاثُ جُمَلٍ: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) ﴾ [القلم: ٢]، ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) ﴾ [القلم: ٣]، ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) ﴾، سَلَبَ عَنْهُ النَّقْصَ الَّذِي يَقْدَحُ فِيهِ، وَأَثْبَتَ لَهُ الْكَمَالَ الْمَطْلُوبَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.
١٥٨٤ - الْهَمَّازُ الْمَشَّاءُ بِنَمِيم: الْهَمْزُ أَقْوَى مِن اللَّمْزِ وَأَشَدُّ -سَوَاءٌ كَانَ هَمْزَ الصَّوْتِ أَو هَمْزَ حَرَكَة- وَمِنْهُ "الْهَمْزَةُ" وَهِيَ نَبْرَةٌ مِن الْحَلْقِ مِثْلُ التَّهَوُّعِ، وَمِنْهُ الْهَمْزُ بِالْعَقِبِ كَمَا فِي حَدِيثِ زَمْزَمَ: "أنَهُ هَمْزُ جِبْرِيلَ بِعَقِبِهِ" وَالْفَعَّالُ: مُبَالَغَةٌ فِي الْفَاعِلِ؛ فَالْهَمَّازُ الْمُبَالِغُ فِي الْعَيْبِ نَوْعًا وَقَدْرًا.
وَالْمَشَّاءُ بِنَمِيم هُوَ مِن الْعَيْبِ، وَلَكِنَّهُ عَيْبٌ فِي الْقَفَا، فَهُوَ عَيْبُ الضَّعِيفِ الْعَاجِزِ، فَذَكَرَ الْعَيَّابَ بِالْقُوَّةِ وَالْعَيَّابَ بِالضَّعْفِ، وَالْعَيَّابَ فِي مَشْهَدٍ وَالْعَيَّابَ فِي مَغِيبٍ. [١٦/ ٦٧]
стр. 1296
١٥٨٥ - قَوْلُهُ: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) ﴾ [القلم: ٦] حَارَ فِيهَا كثِيرٌ، وَالصَّوَابُ الْمَأثُورُ عَن السَّلَفِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: الشَّيْطَانُ، وَقَالَ الْحَسَنُ: هُم أَوْلَى بِالشَّيْطَانِ مِن نَبِيِّ اللهِ.
فَبَيَّنَ الْمُرَادَ، فَإِنَّهُ يَتَكلَّمُ عَلَى اللَّفْظِ كَعَادَةِ السَّلَفِ فِي الِاخْتِصَارِ مَعَ الْبَلَاغَةِ وَفَهْمِ الْمَعْنَى. [١٦/ ٧٢]
١٥٨٦ - قَوْلُهُ: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥) ﴾ الآيةْ [القلم: ٢٥]، وَصَفَتْهُم بِأنَّهُم غَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ؛ فَالْحَرْدُ يَرْجِعُ إلَى الْقَصْدِ، فَغَدَوْا بِإِرَادَة جَازِمَةٍ وَقُدْرَةٍ، وَلَكِنَّ اللهَ أَعْجَزَهُمْ.
قَالَ البغوي: الْحَرْدُ فِي اللُّغَةِ يَكُونُ بِمَعْنَى الْقَصْدِ وَالْمَنْعِ وَالْغَضَبِ.
قُلْت: الْحَرْدُ فِيهِ مَعْنَى الْعَزْمِ الشَّدِيدِ؛ فَإنَّ هَذَا اللَّفْظَ يَقْتَضِي هَذَا. وَكَذَلِكَ الْحَنَقُ وَالْغَضَبُ فِيهِ شِدَّةٌ، فَكَانَ لَهُم عَزْمٌ شَدِيدٌ عَلَى أَخْذِهَا وَعَلَى حِرْمَانِ الْمَسَاكِينِ، وَغَدَوْا بِهَذَا الْعَزْمِ قَادِرِينَ، لَيْسَ هُنَاكَ مَا يُعْجِزُهُم وَمَا يَمْنَعُهُمْ، لَكِنْ جَاءَهَا أَمْرٌ مِن السمَاءِ فَأبْطَلَ ذَلِكَ كُلَّه. [٧/ ١٣ - ١٤]
* * *
سورة المدثر
١٥٨٧ - قَوْلُهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) ﴾ [المدثر: ١، ٢] هَذَا فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، فَوَاجِبٌ عَلَى الْأُمَّةِ أَنْ يُبَلِّغُوا مَا أُنْزِلَ إلَيْهِ، وَيُنْذِرُوا كَمَا أَنْذَرَ. وَالْجِنُّ لَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) ﴾ [الأحقاف: ٢٩] (١) . [١٦/ ٣٢٧ - ٣٢٨]
* * * الحواشي
(١) ولم ينتظروا حتى يتمكنوا من العلم ويصبحوا علماء.стр. 1297
سورة النبأ
١٥٨٨ - قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (٣٧) ﴾ قَالَ: كَلَامًا.
هَذَا مِن تَفْسِيرِهِ الثَّابِتِ عَنْهُ، وَهُوَ مِن أَعْلَمِ -أَو أَعْلَمُ- التَّابِعِينَ بِالتَّفْسِيرِ.
وَهَذَا يَتَنَاوَلُ "الشَّفَاعَةَ" أَيْضًا.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (٣٧) ﴾ لَمْ يَذْكُرِ اسْتِثْنَاءً، فَإِنَّ أَحَدًا لَا يَمْلِكُ مِن اللهِ خِطَابًا مُطْلَقًا، إذ الْمَخْلُوق لَا يَمْلِكُ شَيْئًا يُشَارِكُ فِيهِ الْخَالِقُ.
فَإِنَ أَحَدًا -مِمَن يُدْعَى مِن دُونهِ- لَا يَمْلِكُ الشَّفَاعَةَ بِحَالٍ، وَلَكنَ اللهَ إذَا أَذِنَ لَهُم شَفَعُوا مِن غَيْرِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَمْلُوكًا لَهُمْ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (٣٧) ﴾ هَذَا قَوْلُ السَّلَفِ وَجُمْهورِ الْمُفَسِّرِينَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَؤلَاءِ هُم الْكُفَارُ لَا يَمْلِكُونَ مُخَاطَبَةَ اللهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ.
وَهُوَ خَطَأٌ مَحْضٌ، وَالصَّحِيحُ: قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَالسَّلَفِ: أنَّ هَذَا عَامٌّ، كَمَا قَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨]، وَفِي حَدِيثِ التَّجَلِّي الَّذِي فِي الصَّحِيحِ -لَمَّا ذَكَرَ مُرُورَهُم عَلَى الصِّرَاطِ- قَالَ ﷺ : "وَلَا يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ إلَّا الرُّسُلُ وَدَعْوَى الرُّسُلِ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ" (١) ، فَهَذَا فِي وَقْتِ الْمُرُورِ عَلَى الصِّرَاطِ، وَهُوَ بَعْدَ الْحِسَابِ وَالْمِيزَانِ، فَكيْفَ بِمَا قَبْلَ ذَلِكَ؟
وَالْعَرَبُ تَقُولُ: مَا أَمْلِكُ مِن أمْرِ فُلَانٍ أَو مِن فُلَانِ شَيْئًا؛ أَيْ: لَا أقْدِرُ مِن أَمْرِهِ عَلَى شَيءٍ، وَغَايَةُ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْإِنْسَانُ مِن أمْرِ غَيْرِهِ: خِطَابُهُ وَلَو بِالسُّؤَالِ.
فَهُم فِي ذَلِكَ الْمَوْطِنِ لَا يَمْلِكُونَ مِن اللهِ شَيْئًا وَلَا الْخِطَابَ، فَإنَّهُ لَا الحواشي
(١) رواه البخاري(٨٠٦) ، ومسلم(١٨٢) .стр. 1298
يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَا يَتَكَلَّمُ ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨]. [١٤/ ٣٩٦ - ٣٩٨]
* * *
سورة عبس
١٥٨٩ - عَن إبْرَاهِيمَ التيمي، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ سُئِلَ عَن قَوْلِهِ: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) ﴾ [عبس: ٣١] فَقَالَ: أيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، وَأيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي، إنْ أَنَا قُلْت فِي كِتَابِ اللهِ مَا لَا أَعْلَمُ؟ -مُنْقَطِعٌ- (١) .
وعَن أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَفِي ظَهْرِ قَمِيصِهِ أرْبَعُ رِقَاعٍ فَقَرَأَ: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) ﴾ فَقَالَ: مَا الْأبُّ؟ ثُمَّ قَالَ: إنَّ هَذَا لَهُوَ التَّكَلُّفُ، فَمَا عَلَيْك أنْ لَا تَدْرِيهِ.
وَهَذَا كُلُّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمَا ﵄ إنَّمَا أرَادَا اسْتِكْشَافَ عِلْمِ كَيْفِيَّةِ الْأبِّ، وَإِلَّا فَكَوْنهُ نَبْتًا مِن الْأرْضِ ظَاهِرٌ لَا يُجْهَلُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) ﴾ [عبس: ٢٧ - ٣٠].
فَأمَّا مَن تَكَلَّمَ بمَا يَعْلَمُ مِن ذَلِكَ لُغَةً وَشَرْعًا فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ؛ وَلهَذَا رُوِيَ عَن هَؤُلَاءِ وَغَيْرِهِمْ أَقوَالٌ فِي التَّفْسِيرِ وَلَا مُنَافَاةَ؛ لِأنَّهُم تَكَلَّمُوا فِيمَا عَلِمُوهُ وَسَكَتُوا عَمَّا جَهِلُوه وَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدِ فَإنَّهُ كَمَا يَجِبُ السُّكُوتُ عَمَّا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ؛ فَكَذَلِكَ يَجِبُ الْقَوْلُ فِيمَا سُئِلَ عَنْهُ مِمَّا يَعْلَمُهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]. [١٣/ ٣٢٩ - ٣٧٥]
١٥٩٠ - قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) ﴾ [عبس: ٣٤، ٣٥] إنَّ الِابْتِدَاءَ يَكُونُ فِي كُلِّ مَقَامِ بِمَا يُنَاسِبُهُ، فَتَارَة يَقْتَضِي الِابْتِدَاءَ بِالْأَعْلَى، وَتَارَةً بِالْأدْنَى، وَهُنَا الْمُنَاسَبَةُ تَقْتَضِي الِابْتِدَاءَ بِالْأدْنَى؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بَيَانُ فِرَارِهِ الحواشي
(١) إبْرَاهِيم التيمي لم يسمع من أبي بَكْرٍ.стр. 1299
عَن أَقَارِبِهِ مُفَصَّلًا شَيْئًا بَعْدَ شَيءٍ، فَلَو ذَكَرَ الْأَقْرَبَ أَوَّلًا لَمْ يَكُن فِي ذِكْرِ الْأَبْعَدِ فَائِدَةٌ طَائِلَةٌ، فَإِنَّهُ يُعْلَمُ أنَّهُ إذَا فَرَّ مِن الْأقْرَب فَرَّ مِن الْأبْعَدِ، وَلَما حَصَلَ لِلْمُسْتَمِعِ اسْتِشْعَارُ الشِّدَّةِ مُفَصَّلَةً فَابْتُدِئَ بِنَفْيِ إلَّا بْعَدِ مُنْتَقِلًا مِنْهُ إلَى الْأَقْرَب فَقِيلَ أَوَّلًا: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ فَعُلِمَ أَنَّ ثَمَّ شِدَّةً تُوجِبُ ذَلِكَ، وَقَد يَجُوزُ أَنْ يَفِرَّ مِن غَيْرِهِ وَيجُوزُ أَنْ لَا يَفِرَّ، فَقِيلَ: ﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) ﴾ فَعُلِمَ أَنَّ الشدَّةَ أَكْبَرُ مِن ذَلِكَ بِحَيْثُ تُوجِبُ الْفِرَارَ مِنَ الْأبَوَيْنِ، ثُمَّ قِيلَ ﴿وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) ﴾ [عبس: ٣٦] فَعُلِمَ انَّهَا طَامَّةٌ بِحَيْثُ تُوجِبُ الْفِرَارَ مِمَّا لَا يَفِرُّ مِنْهُم إلَّا فِي غَايَةِ الشّدَّةِ، وَهِيَ الزَّوْجَةُ وَالْبَنُونَ، وَلَفْظُ صَاحِبَتِهِ أَحْسَنُ مِن زَوْجَتِهِ. [١٦/ ٧٤ - ٧٥]
١٥٩١ - قَالَ تعالى فِي حَقِّ الْأَعمَى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) ﴾ [عبس: ٣] عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) ﴾ [عبس: ٤] لِوُجُوه:
أَحَدُهَا: أَنْ التَّزَكِّيَ يَحْصُلُ بِامْتِثَالِ أَمْرِ الرَّسُولِ وإن كَانَ صَاحِبُهُ لَا يَتَذَكَّرُ عُلُومًا عَنْهُ (١) ، كَمَا قَالَ: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، فَالتِّلَاوَةُ عَلَيْهِم وَالتَّزْكِيَةُ عَامُّ لِجَمِيعِ الْمُؤمِنِينَ، وَتَعْلِيمُ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ خَاصٌّ بِبَعْضِهِمْ.
وَكَذَلِكَ التَّزَكِّي عَام لِكُلِّ مَن آمَنَ بِالرَّسُولِ.
وَأَمَّا التَّذَكُّرُ: فَهُوَ مُخْتَصٌّ لِمَن لَهُ عُلُومٌ يَذكرُهَا فَعَرَفَ بِتَذَكُّرِهِ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ غَيْرُهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِهِ. [١٦/ ١٨٥]
* * *
سورة التكوير
١٥٩٢ - قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) ﴾ [التكوير: ٨، ٩] دَلِيل عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَتْلُ النَّفْسِ إلَّا بِذَنْبٍ مِنْهَا، فَلَا يَجُوزُ قَتْلُ الصَّبِيِّ الحواشي
(١) أي: لم يسمع منه قبل تذكيره.стр. 1300
وَالْمَجْنُونِ؛ لِأَنَّ الْقَلَمَ مَرْفُوعٌ عَنْهُمَا فَلَا ذَنْبَ لَهُمَا، وَهَذ الْعِلَّةُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُشَكَّ فِيهَا فِي النَّهْيِ عَن قَتْلِ صِبْيَانِ أَهْلِ الْحَرْبِ.
وَالْآيَةُ تَقْتَضِي ذَمَّ قَتْلِ كُلِّ مَن لَا ذَنْبَ لَهُ مِن صَغِيير وَكبِيرٍ، وَسُؤَالَهَا تَوْبِيخَ قَاتِلِهَا.
وَقَوْلُهُ فِي السُّورَةِ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ﴾ [التكوبر: ١٩] إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (٢٥) ﴾ [التكوير: ٢٥] هُوَ جِبْرِيل. [١٦/ ٨٠]
١٥٩٣ - قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥، ١٦] وَالْخُنُوسُ: الِاخْتِفَاءُ، وَذَلِكَ قَبْلَ ظُهُورِهَا مِن الْمَشْرِقِ، وَالْكُنُوسُ رُجُوعُهَا مِن جِهَةِ الْمَغْرِبِ، فَمَا خَنَسَ قَبْلَ ظُهُورِهَا كَنَسَ بَعْدَ مَغِيبِهَا، جَوَارٍ حَالَ ظُهُورِهَا، تَجْرِي مِن الْمَشْرِقِ إلَى الْمَغْرِبِ. [٦/ ٥٩٤]
* * *
سورة المطففين
١٥٩٤ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦) وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨) ﴾ [المطففين: ٢٢ - ٢٨]. وَعَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَغَيْرِهِ مِن السَّلَفِ قَالُوا: يُمْزَجُ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ مَزْجًا ويشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ صِرْفًا، وَهوَ كَمَا قَالُوا، فَإنَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ [المطففين: ٢٨] وَلَمْ يَقُلْ: يَشْرَبُ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ ضَمَّنَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿يَشْرَبُ﴾ [المطففين: ٢٨] يَعْنِي: يُرْوَى بِهَا، فَإِنَّ الشَّارِبَ قَد يَشْرَبُ وَلَا يُرْوَى، فَإِذَا قِيلَ: يَشْرَبُونَ مِنْهَا لَمْ يَدُلَّ عَلَى الرِّيِّ، فَإِذَا قِيلَ: يَشْرَبُونَ بِهَا كَانَ الْمَعْنَى: يَرْوُونَ بِهَا، فَالْمُقَرَّبُونَ يَرْوُونَ بِهَا فَلَا يَحْتَاجُونَ مَعَهَا إلَى مَا دُونَهَا؛ فَلِهَذَا يَشْرَبُونَ مِنْهَا صِرْفًا بِخِلَافِ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، فَإنَّهَا مُزِجَتْ لَهُم مَزْجًا، وَهُوَ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْإِنْسَانِ ﴿مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: ٥، ٦].
следующие страницы →