Полный текст (3 539 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
قِيلَ: هُوَ جَوَابُ السَّائِلِ، وَقَوْلُهُ ﴿شَهِيدٌ﴾ [الأنعام: ١٩] خَبَرُ مُبْتَدَأِ: أَيْ هُوَ شَهِيدٌ.
وَقِيلَ: هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَقَوْلُهُ: ﴿شَهِيدٌ﴾ [الأنعام: ١٩] خَبَرُهُ؛ فَأَغْنَى ذَلِكَ عَن جَوَابِ الِاسْتِفْهَامِ.
والْأوَّلُ: عَلَى قِرَاءَةِ مَن يَقِفُ عَلَى قَوْله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩].
والثَّانِي: عَلَى قِرَاءَةِ مَن لَا يَقِفُ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ؛ لَكِنَّ الثَّانِيَ أَحْسَنُ وَهُوَ أَتَمُّ.
وَذَلِكَ أَنَّ كَوْنَ اللهِ أكْبَرُ شَهَادَةَ هُوَ مَعْلُومٌ، وَلَا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ: ﴿أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ بِخِلَافِ كَوْنِهِ شَهِيدًا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ؛ فَإِنَّ هَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بِالنَّصِّ وَالِاسْتِدْلَالِ. [١٤/ ١٩٣ - ١٩٤]
١٤٨٤ - قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١]، فَهَذَا مُحَرَّمٌ مُطْلَقًا لَا يَجُوزُ مِنْهُ شَيْءٌ ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الأنعام: ١٥١] فَهَذَا فِيهِ تَقْيِيد، فَإِنَّ الْوَالِدَ إذَا دَعَا الْوَلَدَ إلَى الشِّرْكِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُطِيعَهُ، بَل لَهُ أَنْ يَأْمُرَهُ وينْهَاهُ، وَهَذَا الأمْرُ وَالنَّهْيُ لِلْوَالِدِ هُوَ مِن الْإحْسَانِ إلَيْهِ.
وَإِذَا كَانَ مُشْرِكًا: جَاز لِلْوَلَدِ قَتْلُهُ، وَفِي كَرَاهَتِهِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ (١) . [١٤/ ٤٧٧ - ٤٧٨] الحواشي
(١) جواز قتل الولد والده إذا كان مشركًا لا يكون إلا في حال الحرب والقتال.
ولا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ولا غيره من أهل العلم بجواز قتل الأبناء للآباء إذا كانوا مشركين من غير عدوان وبغي، فهذا لا يقوله، كيف وقد أمر الله تعالى بالإحسان إلى الآباء المشيركين، بل وإلى الذين جاهدوا على دعوة أبنائهم للشرك فقال تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥].
قال شيخ الإسلام: فوصاه سبحانه بوالديه، ثم نهاه عن طاعتهما إذا جاهداه على الشرك، فكان في هذا بيان أنهما لا يطاعان في ذلك وإن جاهداه، وأمر مع ذلك ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ اهـ. جامع المسائل (٤/ ٢٧٥).
فبيَّن الشيخ أن المأمور به شركا صحبتهما في الدنيا بالمعروف ولم يقل القتل. =стр. 1227
١٤٨٥ - قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الأنعام: ٢]، الْأجَلُ الْأَوَّلُ هُوَ أَجَلُ كُلِّ عَبْدٍ؛ الَّذِي يَنْقَضِي بِهِ عُمُره، وَالْأجَلُ الْمُسَمَّى عِنْدَهُ هُوَ: أَجَلُ الْقِيَامَةِ الْعَامَّةِ.
وَلهَذَا قَالَ: ﴿مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ فَإِنَّ وَقْتَ السَّاعَةِ لَا يَعْلَمُهُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَل. [١٤/ ٤٨٩]
١٤٨٦ - قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) ﴾ [الأنعام: ١٠٩]، وَالْآيَةُ بَعْدَهَا: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]: أَشْكلَتْ قِرَاءَةُ الْفَتْحِ (١) عَلَى كَثِيرٍ بِسَبَب أنَّهُم ظَنُّوا أَنَّ الْآيَةَ بَعْدَهَا جُمْلَة مُبْتَدَأَةٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لَكنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي خَبَرِ أنَّ.
وَالْمَعْنَى: إذَا كُنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ أَنَّهَا إذَا جَاءَت لَا يُومِنُونَ وَأنَا أَفْعَلُ بِهِم هَذَا: لَمْ يَكُن قَسَمَهُم صِدْقًا؛ بَل قَد يَكُونُ كَذِبًا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْكَلَامِ الْمَعْرُوفِ أَنَّهَا "أَنَّ" الْمَصْدَرِّيَةَ، وَلَو كَانَ (وَنُقَلِّبُ) إلَخْ كَلَامًا مُبْتَدُا لَزِمَ أنَّ كُلَّ مَن جَاءَتْهُ آيَةٌ قُلِّبَ فُؤَاهُ، وَليْسَ كَذلِكَ، بَل قد يُؤمِنُ كثرٌ مِنْهُمْ (٢) . [١٤/ ٤٩٥] الحواشي
(١) في قوله تعالى: ﴿أَنَّهَا﴾.(٢) قال في موضع آخر: أَيْ: وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إذَا جَاءَت لَا يُؤمِنُونَ بِهَا وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهُم؛ أَيْ: يَتْرُكُونَ الْإِيمَانَ وَنَحْنُ نُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُم لِكَوْنِهِمْ لَمْ يُؤْمِنُوا أوَّلَ مَرَّةٍ؛ أيْ: مَا يُدْرِيكُمْ أنَّهُ لَا يَكُونُ هَذَا وَهَذَا حِينَئِذٍ. وَمَن فَهِمَ مَعْنَى الْآيَةِ عَرَفَ خَطَأَ مَن قَالَ: أنَّ بِمَعْنَى لَعَلَّ وَاسْتَشْكَلَ قِرَاءَةَ الْفَتْحِ؛ بَل يَعْلَمُ حِينئذٍ أنَّهَا أَحْسَنُ مِن قِرَاءَةِ الْكَسْرِ. (١٣/ ٢٤٦).стр. 1228
١٤٨٧ - قَوْلُهُ تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، الْإِدْرَاكُ عِنْدَ السَّلَفِ وَالْأكْثَرِينَ هُوَ الْإِحَاطَةُ، وَقَالَ طَائِفَةٌ: هُوَ الرُّؤْيةُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ نَفْيَ الرُّويَةِ عَنْهُ لَا مَدْحَ فِيهِ؛ فَإِنَّ الْعَدَمَ لَا يُرَى، وَكُلُّ وَصْفٍ يَشْتَرِكُ فِيهِ الْوُجُودُ وَالْعَدَمُ لَا يَسْتَلْزِمُ أَمْرًا ثُبُوتِيًّا فَلَا يَكونُ فِيهِ مَدْحٌ، إذ هُوَ عَدَمٌ مَحْضٌ، بِخِلَافِ مَا إذَا قِيلَ: لَا يُحَاطُ بِهِ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى عَظَمَةِ الرَّبِّ ﷻ ، وَإِنَّ الْعِبَادَ مَعَ رُؤْيتِهِمْ لَهُ لَا يُحِيطُونَ بِهِ رُؤَيةً، كَمَا أَنَّهُم مَعَ مَعْرِفَتِهِ لَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا، وَكَمَا أَنَّهُم مَعَ مَدْحِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ لَا يُحِيطُونَ ثَنَاءً عَلَيْهِ، بَل هُوَ كمَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ الْمُقَدَّسَةِ. [١٧/ ١١١]
١٤٨٨ - قَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنعام: ١٢٢]، فَالْإِيمَانُ الَّذِي يَهَبُهُ اللهُ لِعَبْدِهِ سَمَّاهُ نُورًا، وَسمّى الْوَحْي النَّازِل مِن السَّمَاءِ الَّذِي بِهِ يَحْصُلُ الْإِيمَانُ ﴿نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢].
وَلَا ريبَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَق وَالْبَاطِلِ، بَل يُفَرِّقُ بَيْنَ أعْظَمِ الْحَقِّ.
لَكِنْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: بأَنَّ كُلَّ مَن لَهُ إيمَانٌ: يُفَرِّقُ بِمُجَرَّدِ مَا أُعْطِيَهُ مِن الْإِيمَانِ بَيْنَ كُلِّ حَقٍّ وَكُلِّ بَاطِل (١) . [٧/ ٦٥٠]
* * *
سورة الأعراف
١٤٨٩ - قال اللهُ : ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) ﴾ [الأعراف: ٥٥، ٥٦]: هَاتَانِ الْآيَتَانِ مُشْتَمِلَتَانِ عَلَى آدَابِ نَوْعَي الدُّعَاءِ: دُعَاءِ الْعِبَادَةِ وَدُعَاءِ الْمَسْأَلَةِ؛ فَإِنَّ الدُّعَاءَ فِي الْقرْآنِ يُرَادُ بِهِ هَذَا تَارَةً وَهَذَا تَارَةً، ويُرَادُ بِهِ مَجْموعُهُمَا؛ وَهُمَا مُتَلَازِمَانِ. الحواشي
(١) بل لا بدّ من العلم.стр. 1229
فَعُلِمَ أَنَّ النَّوْعَيْنِ مُتَلَازِمَانِ، فَكُلُّ دُعَاءِ عِبَادَةٍ مُسْتَلْزِمٌ لِدُعَاءِ الْمَسْأَلَةِ، وَكُلُّ دُعَاءِ مَسْألَةٍ مُتَضَمِّن لِدُعَاءِ الْعِبَادَةِ.
وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] يَتَنَاوَلُ نَوْعَي الدُّعَاءِ، وَبِكُل مِنْهُمَا فُسّرَتْ الْآيَةُ، قِيلَ: أُعْطِيهِ إذَا سَأَلَني، وَقِيلَ: أُثِيبُهُ إذَا عَبَدَنِي.
وَالْقَوْلَانِ مُتَلَازِمَانِ، وَلَيْسَ هَذَا مِن اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ كِلَيْهِمَا (١) ، أَو اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ (٢) ، بَل هَذَا اسْتِعْمَالُهُ فِي حَقِيقَتِهِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا (٣) ، فَتَأَمَّلْهُ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ عَظِيمُ النَّفْعِ وَقَل مَا يُفْطَنُ لَهُ.
وَأَكْثَرُ آياتِ الْقُرْآنِ دَالَّة عَلَى مَعْنيَيْنِ فَصَاعِدًا: فَهِيَ مِن هَذَا الْقَبِيلِ.
مِثَالُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨] فُسِّرَ "الدُّلُوكُ " بِالزَّوَالِ، وَفُسِّرَ بِالْغُرُوبِ، وَلَيْسَ بِقَوْلَيْنِ؛ بَل اللَّفْظُ يَتَنَاوَلُهُمَا مَعًا؛ فَإِنَّ الدُّلُوكَ هُوَ الْمَيْلُ، وَدُلُوكُ الشَّمْسِ مَيْلُهَا، وَلهَذَا الْمَيْلِ مُبْتَدَأٌ وَمُنْتَهًى، فَمبْتَدَؤُهُ الزَّوَالُ وَمُنْتَهَاهُ الْغُرُوبُ، وَاللَّفْظُ متَنَاوِلٌ لَهُمَا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ.
وَمِثَالُهُ أَيْضًا تَفْسِيرُ "الْغَاسِقِ" بِاللَّيْلِ وَتَفْسِير بِالْقَمَرِ، فَإِنَّ ذَلِكَ ليْسَ بِاخْتِلَافِ؛ بَل يَتَنَاوَلُهُمَا لِتَلَازُمِهِمَا، فَإِنَّ الْقَمَرَ آيَةُ اللَّيْلِ، وَنَظَائِرُه كَثِيرَةٌ.
وَمِن ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧]؛ أَيْ: دُعَاؤُكمْ إيَّاهُ، وَقِيلَ: دُعَاؤُهُ إيَّاكُمْ إلَى عِبَادَتِهِ، فَيَكُونُ الْمَصْدَرُ مُضَافًا إلَى الْمَفْعُولِ، وَمَحَلُّ الْأَوَّلِ مُضَافًا إلَى الْفَاعِلِ وَهُوَ الْأَرْجَحُ مِن الْقَوْلَيْنِ. الحواشي
(١) اللفظ المشترك: هو ما وُضع لمعنيين فأكثر، كالقرء للطُّهْر والحيض، والعين: الباصرة والجاسوس ومجرى الماء.(٢) كقولهم: فلان أسد، فهذا من المجاز، عند من يرى المجاز في اللغة، والشيخ لا يرى ذلك ﵀.(٣) أي: أن لفظ الدعاء يتضمن معنى دعاء المسألة والعبادة، ليس من باب المجاز أو الاشتراك اللفظي، بل هو حقيقةٌ فيهما.стр. 1230
وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِهِ نَوْعَي الدُّعَاءِ، وَهُوَ فِي دُعَاءِ الْعِبَادَةِ أَظْهَرُ؛ أَيْ: مَا يَعْبَأُ بِكُمْ لَوْلَا أَنَّكُمْ تَرْجُونَهُ، وَعِبَادَتُهُ تَسْتَلْزِمُ مَسْأَلَتَهُ. فَالنَّوْعَانِ دَاخِلَانِ فِيهِ.
وَمِن ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، فَالدُّعَاءُ يَتَضَمَّنُ النَّوْعَيْنِ وَهُوَ فِي دُعَاءِ الْعِبَادَةِ أَظْهَرُ.
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣] الْآيَةُ .. وَكُلُّ مَوْضِعٍ ذَكَرَ فِيهِ دُعَاءَ الْمُشْرِكِينَ لِأَوْثَانِهِمْ فَالْمُرَادُ بِهِ دُعَاءُ الْعِبَادَةِ الْمُتَضَمِّنُ دُعَاءَ الْمَسْألَةِ فَهُوَ فِي دُعَاءِ الْعِبَادَةِ أَظْهَرُ.
إذَا عُرِفَ هَذَا: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ يَتَنَاوَلُ نَوْعَي الدُّعَاءِ؛ لَكِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي دُعَاءِ الْمَسْأَلَةِ، مُتَضَمّنٌ دُعَاءَ الْعِبَادَةِ، وَلهَذَا أَمَرَ بِإِخْفَائِهِ وَإِسْرَارِهِ.
وَفِي إخْفَاءِ الدُّعَاءِ فَوَائِدُ عَدِيدَة:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ أَعْظَمُ إيمَانًا؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ يَعْلَمُ أَنَّ اللهَ يَسْمَعُ الدُّعَاءَ الْخَفِيَّ.
وثَانِيهَا: أَنَّهُ أَعْظَمُ فِي الْأَدَبِ وَالتَّعْظِيمِ؛ لِأَنَّ الْمُلُوكَ لَا تُرْفَعُ الْأَصْوَاتُ عِنْدَهُمْ، وَمَن رَفَعَ صَوْتَه لَدَيْهِمْ مَقَتُوهُ، وَللَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى، فَإِذَا كَانَ يَسْمَعُ الدُّعَاءَ الْخَفِيَّ فَلَا يَلِيقُ بِالْأَدَبِ بَيْنَ يَدَيْهِ إلَّا خَفْضُ الصَّوْتِ بِهِ.
وثَالِثُهَا: أَنَّه أَبْلَغُ فِي التَّضَرُّعِ وَالْخُشُوعِ الَّذِي هُوَ رُوحُ الدُّعَاءِ وَلُبُّهُ وَمَقْصُودُهُ، فَإِنَّ الْخَاشِعَ الذَّلِيلَ إنَّمَا يَسْأَلُ مَسْأَلَةَ مِسْكِينٍ ذَلِيلٍ قَد انْكسَرَ قَلْبُهُ، وَذَلَّتْ جَوَارِحُهُ، وَخَشَعَ صَوْتُهُ، حَتَّى إنَّهُ لَيَكَادُ تَبْلُغُ ذِلَّتُهُ وَسَكِينَتُهُ وَضَرَاعَتُهُ إلَى أَنْ يَنْكَسِرَ لِسَانُهُ، فَلَا يُطَاوِعُهُ بِالنُّطْقِ، وَقَلْبُهُ يَسْأَلُ طَالِبًا مُبْتَهِلًا، وَلسَانُهُ لِشِدَّةِ ذِلَّتِهِ سَاكِتًا، وَهَذِهِ الْحَالُ لَا تَأتِي مَعَ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالدُّعَاءِ أَصْلًا.
ورَابِعُهَا: أَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِخْلَاصِ.
وخَامِسُهَا: أَنَّهُ أَبْلَغُ فِي جَمْعِيَّةِ الْقَلْبِ عَلَى الذّلَّةِ فِي الدُّعَاءِ، فَإِن رَفْعَ الصَّوْتِ يُفَرِّقُهُ، فَكُلَّمَا خَفَضَ صَوْتَهُ كَانَ أَبْلَغَ فِي تَجْرِيدِ هِمَّتِهِ وَقَصْدِهِ لِلْمَدْعُوِّ سُبْحَانَهُ.
стр. 1231
وسَادِسُهَا -وَهُوَ مِن النُّكَتِ الْبَدِيعَةِ جِدًّا-: أَنَّهُ دَالٌّ عَلَى قُرْبِ صَاحِبِهِ [مِن الله، وأنه لاقترابِه منه وشدَّةِ حضورِه يسألُه مَسْأَلةَ أقربِ شَيءٍ إليه، فيسألُه مَسْألةَ مُنَاجاةِ الْقَرِيبِ] (١) لِلْقَرِيبِ، لَا مَسْأَلَةَ نِدَاءِ الْبَعِيدِ لِلْبَعِيدِ؛ وَلهَذَا أَثْنَى اللهُ عَلَى عَبْدِهِ زَكَرِيَّا بِقَوْلِهِ : ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣) ﴾ [مريم: ٣].
فَلَمَّا اسْتَحْضَرَ الْقَلْبُ قُرْبَ اللهِ ، وَأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِن كُل قَرِيبٍ أَخْفَى دُعَاءَ مَا أَمْكَنَهُ.
وَتَأَمَّلْ كَيْفَ قَالَ فِي آيَةِ الذّكْرِ: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ [الأعراف: ٢٠٥] (٢) الْآيَةُ، وَفِي آيَةِ الدُّعَاءِ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ فَذِكَرَ التَّضَرُّعَ فِيهِمَا مَعًا، وَهُوَ التَّذَلُّلُ وَالتَّمَسْكُنُ وَالِانْكِسَارُ (٣) .
وَخَصَّ الدُّعَاءَ بِالْخُفْيَةِ لِمَا ذَكَرْنَا مِن الْحِكَمِ وَغَيْرِهَا، وَخَصَّ الذِّكْرَ بِالْخِيفَةِ (٤) ؛ لِحَاجَةِ الذَّاكِرِ إلَى الْخَوْفِ، فَإِنَّ الذكْرَ يَسْتَلْزِمُ الْمَحَبَّةَ ويُثْمِرُهَا؛ الحواشي
(١) ما بين المعقوفتين من بدائع الفوائد لابن القيِّم (٣/ ٨٤٤)، ولا يتم ويصح المعنى إلا به، وقد نقل ابن القيِّم كلام شيخ الاسلام بنصّه مع هذه الزيادة، وهذا يدل على أنّ ما في الفتاوى فيه سقط.(٢) في الأصل: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ تضرّعًا﴾.(٣) ومما يُلاحظ على كثير من الناس في ذكرهم أنهم لا يستشعرون التضرع والتذلل لله، بل يذكرون الله وهم في غفلة عن التفكر في الذكر الذي يقولونه، وبعضهم يتثاءب، وبعضهم ربما حدثه آخر وهو منصتٌ له حال ذكره. وبعضهم يلتفت يمنةً ويسرةً وينشغل بالناس وبما حوله.
وهذا خلاف التضرع والتذلل الذي أمر الله به، بل الذي ينبغي أنْ ينشغل تمامًا بالذكر، ويتفكر به، ويتأمل في معناه.(٤) في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ(٢٠٥) ﴾.
وتأمل كيف ذكر في الدعاء: أنه خفية، وفي الذكر: أنه دون الجهر، وذلك يُفيد أنّ الذكر لا ينبغي إخفاؤه كإخفاء الدعاء؛ لِمَا في رفع الصوت به الذي هو دون الجهر من الفوائد عليه وعلى غيره، أما عليه: فلأنه أدعى لحضور قلبه وعدم شرود ذهنِه، وأما على غيره: فلأنه يُذكر غيره بالذكر، وينشر هذه السُّنَّة، ولذلك ورد النص برفع الصوت في الذكر، كالأذكار أدبار الصلوات، وتكبير العيدين وغيرها، ولم يرد في الدعاء -إلا إذا كان يُدخل غيره فيه، كالدعاء في الجمعة والوتر وغيرها-.стр. 1232
وَلَا بُدَّ لِمَن أَكثَرَ مِن ذِكْرِ اللهِ أَنْ يُثْمِرَ لَه ذَلِكَ مَحَبَّتَهُ، وَالْمَحَبَّةُ مَا لَمْ تَقْتَرِنْ بِالْخَوْفِ فَإِنَّهَا لَا تَنْفَعُ صَاحِبَهَا بَل تَضُرُّهُ؛ لِأنَّهَا تُوجِبُ التواني وَالِانْبِسَاطَ، وَرُبَّمَا آلَتْ بِكَثِيرٍ مِن الْجُهَّالِ الْمَغْرُورِينَ إلَى أَن اسْتَغْنَوْا بِهَا عَن الْوَاجِبَاتِ.
وَلَقَد حَدَّثَنِي رَجُلٌ أنَّه أَنْكَرَ عَلَى بَعْضِ هَؤُلَاءِ خَلْوَةً لَهُ تَرَكَ فِيهَا الْجُمُعَةَ، فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ: أَلَيْسَ الْفُقَهَاءُ يَقُولُونَ: إذَا خَافَ عَلَى شَيءٍ مِن مَالِهِ فَإِنَّ الْجُمُعَةَ تَسْقُطُ؟
فَقَالَ لَهُ: بَلَى.
فَقَالَ لَهُ: فَقَلْبُ الْمُرِيدِ أَعَزُّ عَلَيْهِ مِن عَشَرَةِ دَرَاهِمَ -أَو كَمَا قَالَ-؟ وَهُوَ إذَا خَرَجَ ضَاعَ قَلْبُهُ، فَحِفْظُهُ لِقَلْبِهِ عُذْرٌ مُسْقِطٌ لِلْجُمُعَةِ فِي حَقِّهِ! فَقَالَ لَهُ: هَذَا غُرُورٌ، بل (١) الْوَاجِبُ الْخُرُوجُ إلَى أَمْرِ اللهِ .
فَتَأَمَّلْ هَذَا الْغُرُورَ الْعَظِيمَ كَيْفَ أَدَّى إلَى الِانْسِلَاخِ عَن الْإسْلَامِ جُمْلَةً، فَإِنَّ مَن سَلَكَ هَذَا الْمَسْلَكَ انْسَلَخَ عَن الْإِسْلَامِ الْعَامِّ كَانْسِلَاخِ الْحَيَّةِ مِن قِشْرِهَا، وَهُوَ يَظنُّ أَنَّهُ مِن خَاصَّةِ الْخَاصَّةِ.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ .. الِاعْتِدَاءُ فِي الدُّعَاءِ:
أ- تَارَةً بِأَنْ يَسْأَلَ مَا لَا يَجُوزُ لَهُ سُؤَالُهُ مِن الْمَعُونَةِ عَلَى الْمُحَرَّمَاتِ (٢) .
ب- وَتَارَةً: يَسْأَلُ مَا لَا يَفْعَلُة اللهُ، مِثْل أَنْ يَسْأَلَ تَخْلِيدَهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
ج- وَفُسِّرَ الِاعْتِدَاءُ بِرَفْعِ الصَّوْتِ أَيْضًا فِي الدُّعَاءِ.
د- وَمِن الْعُدْوَانِ أَنْ يَدْعُوَهُ غَيْرَ مُتَضَرِّعٍ؛ بَل دُعَاءُ هَذَا كَالْمُسْتَغْنِي الْمُدَلِّي عَلَى رَبِّهِ، وَهَذَا مِن أَعْظَمِ الِاعْتِدَاءِ لِمُنَافَاتِهِ لِدُعَاءِ الذَّلِيلِ، فَمَن لَمْ يَسْأَلْ مَسْألَةَ الحواشي
(١) في الأصل: (بِك)، والتصويب من بدائع الفوائد (٣/ ٨٥١).(٢) والدعاء على غيره بغير حق.стр. 1233
مِسْكِينٍ مُتَضَرِّعٍ خَائِفٍ فَهُوَ مُعْتَدٍ (١) .
هـ- وَمِن الِاعْتِدَاءِ أَنْ يَعْبُدَهُ بِمَا لَمْ يَشْرَعْ، ويُثْنِيَ عَلَيْهِ بِمَا لَمْ يُثْنِ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا أَذِنَ فِيهِ (٢) .
وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَن لَمْ يَدْعُهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً فَهُوَ مِن الْمُعْتَدِينَ الَّذِينَ لَا يُحِبُّهُمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]، فِيهِ تَنْبِيهٌ ظَاهِرٌ عَلَى أَنَّ فِعْلَ هَذَا الْمَأمُورِ هُوَ الْإِحْسَانُ الْمَطْلُوبُ مِنْكُمْ، وَمَطْلُوبُكُمْ أَنْتُمْ مِن اللهِ رَحْمَتُهُ وَرَحْمَتُه قَرِيبٌ مِن الْمُحْسِنِينَ الَّذِينَ فَعَلُوا مَا أمِرُوا بِهِ مِن دُعَائِهِ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً وَخَوْفًا وَطَمَعًا، فَقَرَّرَ مَطْلُوبَكُمْ مِنْهُ وَهُوَ الرَّحْمَةُ بِحَسَبِ أَدَائِكُمْ لِمَطْلُوبِهِ وَإِن أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ. [١٥/ ١٠ - ٢٧]
١٤٩٠ - قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ [الأعراف: ٨٨، ٨٩]، ظَاهِرُهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ شعَيْبًا وَاَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ كَانُوا عَلَى مِلَّةِ قَوْمِهِمْ؛ لِقَوْلِهِمْ: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [إبراهيم: ١٣]، وَلقَوْلِ شُعَيْبٍ: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ﴾ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُم كَانُوا فِيهَا.
وَلقَوْلِهِ: ﴿بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا﴾. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ اللهَ أَنْجَاهُم مِنْهَا بَعْدَ التَّلَوُّثِ بِهَا (٣) . [١٥/ ٢٩] الحواشي
(١) ومن صُوَر عدم التضرع في الدعاء، الذي هو أقرب للهزل منه إلى الجد: من يدعو بصوت مرتفع أن يرزقه الله ملايين الريالات، وخاصةً حينما يرده اتصال، ومَثل هذا: كمثل رجل وقف مع الناس في طريق الْمَلِك، وحينما مرّ عليه ناداه أمام الناس بصوت مرتفع: أيها الملك أعطني مالًا قدره كذا وكذا! فهذا مُخالف للأدب والمروءة، وربما يُعاقبه على سوء أدبه.(٢) ومن الاعتداء أيضًا: أنْ يستعجل ربه في الإجابة، ويترك الدعاء إذا لم يُستجب له.(٣) لكن لا يلزم أنّه كان معهم في شركهم وضلالهم بعد بلوغه زمن الرشد، فقد كان على مِلّةِ =стр. 1234
١٤٩١ - قَوْله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، الْآصَارُ فِي الْإِيجَابِ وَالأغْلَالُ فِي التَّحْرِيمِ. [٢٠/ ١٩٩]
* * *
سورة الأنفال
١٤٩٢ - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) ﴾ [الأنفال: ٤٥]، وفي أثر إلهي يقول الله تعالى: "إن عبدي كل عبدي الدي يذكرني وهو ملاق قرنه" (١) ، قال ابن القيم: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدَّس الله روحه- يستشهد به.
وسمعته يقول: المحبون يفتخرون بذكر من يحبونه في هذه الحال، كما قال عنترة:
ولقد ذكرتك والرماح كأنها … أشطان بئر في لبان الأدهم
وقال الآخر:
ولقد ذكرتك والرماح شواجر … نحوي وبيض الهند تقطر من دمي
وهذا كثير في أشعارهم، وهو مما يدل على قوة المحبة، فإن ذكر المحب محبوبه في تلك الحال التي لا يهم المرء فيها غير نفسه، يدل على أنه عنده بمنزلة نفسه أو أعز منها. وهذا دليل على صدق المحبة. [المستدرك ١/ ١٨١ - ١٨٢]
١٤٩٣ - في قَوْله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ الْمُتَوَلِّدَ لَيْسَ مِن فِعْلِ الْآدَمِيِّ؛ بَل مِن فِعْلِ اللهِ، وَالْقَتْلُ فوَ الْإِزْهَاقُ وَذَاكَ مُتَوَلِّدٌ. الحواشي
(١) رواه الترمذي(٢٥٨٠) ، وضعَّفه الألباني.стр. 1235
الثاني: أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى خَلْقِ الْأَفْعَالِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ خَرَقَ الْعَادَةَ فِي ذَلِكَ، فَصَارَتْ رُؤُوسُ الْمُشْرِكِينَ تَطِيرُ قَبْلَ وُصُولِ السِّلَاحِ إلَيْهَا بِالْإِشَارَةِ، وَصَارَتْ الْجَرِيدَةُ تَصِيرُ سَيْفًا يُقْتَلُ بِهِ.
وَكَذَلِكَ رَمْيَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَصَابَتْ مَن لَمْ يَكُن فِي قُدْرَتهِ أَنْ يُصِيبَهُ.
وَهَذَا أَصَحُّ، وَبِهِ يَصِحُّ الْجَمْعُ بَيْنَ النَّفْي وَالْإِثْبَاتِ ﴿وَمَا رَمَيْتَ﴾؛ أَيْ: مَا أَصَبْت ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾؛ إذ طَرَحْت، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾: أَصَابَ.
وَهَكَذَا كُلُّ مَا فَعَلَهُ اللهُ مِن الْأَفْعَالِ الْخَارِجَةِ عَن الْقُدْرَةِ الْمعْتَادَةِ بِسَبَبٍ ضَعِيفٍ؛ كَإِنْبَاعِ الْمَاءِ وَغَيْرِهِ مِن خَوَارِقِ الْعَادَاتِ أَو الْأُمُورِ الْخَارِجَةِ عَن قُدْرَةِ الْفَاعِلِ. [١٥/ ٣٩ - ٤٠]
١٤٩٤ - قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣]، لَمْ يُرِدْ بِهِ مُجَرَّدَ إسْمَاعِ الصَّوْتِ لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدِهِمَا: أَنَّ هَذَا السَّمَاعَ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَلَا تَقُومُ الْحُجَّةُ عَلَى الْمَدْعُوِّينَ إلَّا بِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ وَحْدَهُ لَا يَنْفَعُ؛ فَإِنَّهُ قَد حَصَلَ لِجَمِيع الْكُفَّارِ الَّذِينَ اسْتَمَعُوا الْقُرْآنَ وَكَفَرُوا بِهِ بخلاف إسْمَاعِ الْفِقْهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي يُعْطِيهِ اللهُ لِمَن فِيهِ خَيْرٌ، وَهَذَا نَظِيرُ مَا فِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَن يُرِد اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ" (١) وَهَذِهِ الْآيَةُ وَالْحَدِيثُ يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ مَن لَمْ يَحْصُلْ لَهُ السَّمَاعُ الَّذِي يَفْقَهُ مَعَهُ الْقَوْلَ فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَعْلَمْ فِيهِ خَيْرًا، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ خَيْرًا، وَأَنَّ مَن عَلِمَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا أَو أَرَادَ بِهِ خَيْرًا فَلَا بُدَّ أَنْ يُسْمِعَهُ ويُفَقِّهَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣] .. دَلَّتْ الْآيَةُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِكُلِّ مَن سَمِعَ وَفَقِهَ يَكونُ فِيهِ خَيْرٌ؛ بَل قَد يَفْقَهُ وَلَا يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ فَلَا الحواشي
(١) البخاري(٧٣١٢) .стр. 1236
يَنْتَفِعُ بِهِ، فَلَا يَكُونُ فِيهِ خَيْرًا (١) .
وَدَلَّتْ أَيْضًا عَلَى أَنَّ إسْمَاعَ التَّفْهِيمِ إنَّمَا يُطْلَبُ لِمَن فِيهِ خَيْرٌ، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِهِ، فَأَمَّا مَن لَيْسَ يَنْتَفِعُ بِهِ فَلَا يُطْلَبُ تَفْهِيمُهُ. [١٦/ ١٠ - ١٢]
* * *
سورة التوبة
١٤٩٥ - قال ابن القيم ﵀ في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وليست هذه الحرم هي الحرم المذكورة في قوله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦].
قال شيخنا: من قال هذه هي تلك فقوله خطأ؛ وذلك أن هذه قد بيَّنها رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح بأنها "ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان" (٢) ، وهذه ليست متوالية فلا يقال فيها: "فإذا انسلخت" فإن الثلاثة إذا انسلخت بقي رجب، فإذا انسلخ رجب بقي ثلاثة أشهر ثم يأتي الحرم، فليس جعل هذا انسلاخًا بأولى من ذلك. ولا يقال لمثل هذا انسلخ، إنما يستعمل هذا في الزمن المتصل.
ثم إن جمهور الفقهاء على أن القتال في تلك الحرم مباح، فكيف يقول: فإذا انسلخ ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب فاقتلوا المشركين وهو قد أباح فيها قتال المشركين. [المستدرك ١/ ١٨٢]
١٤٩٦ - قال ابن القيم ﵀: ذكر الله سبحانه "السكينة" في كتابه في ستة مواضع: الحواشي
(١) لعل الصواب: (خَيْرٌ)، بالرفع؛ لأنها اسم كان مرفوع.(٢) صحيح البخاري(٣١٩٧) ، ومسلم(١٦٧٩) .стр. 1237
الأول: قوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٨].
الثاني: قوله: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٢٦].
الثالث: قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة: ٤٠].
الرابع: قوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤) ﴾ [الفتح: ٤].
الخامس: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨) ﴾ [الفتح: ١٨].
السادس: قوله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٦] الآية.
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إذا اشتدت عليه الأمور قرأ آيات السكينة، وسمعته يقول في وقعة عظيمة جرت له في مرضه تعجز العقول عن حملها- من محاربة أرواح شيطانية ظهرت له إذ ذاك في حال ضعف القوة- قال: فلما اشتد عليَّ الأمر قلت لأقاربي ومن حولي: اقرؤوا آيات السكينة قال: ثم أقلع عني ذلك الحال، وجلست وما بي قلبة. [المستدرك ١/ ١٨٢ - ١٨٣]
١٤٩٧ - قَالَ تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠) ﴾ [التوبة: ١٠٠]؛ فَجَعَلَ التَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَانٍ مُشَارِكِينَ لَهُم فِيمَا ذُكِرَ مِن الرّضْوَانِ وَالْجَنَّةِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ﴾ [الجمعة: ٣]؛ فَمَن اتَّبَعَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلينَ كَانَ مِنْهُمْ، وَهُم خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، وَأُولَئِكَ خَيْرُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ.
стр. 1238
وَلهَذَا كَانَ مَعْرِفَةُ أَقْوَالِهِمْ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَأَعْمَالِهِمْ خَيْرًا وَأَنْفَعَ مِن مَعْرِفَةِ أَقْوَالِ الْمُتَأَخرِينَ وَأَعْمَالِهِمْ فِي جَمِيعِ عُلُومِ الدِّينِ وَأَعْمَالِهِ؛ كَالتَّفْسِيرِ، وَأُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ، وَالزُّهْدِ، وَالْعِبَادَةِ، وَالْأَخْلَاقِ، وَالْجِهَادِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهم أَفْضَلُ مِمَن بَعْدَهُم كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، فَالِاقْتِدَاءُ بِهِم خَيْرٌ مِن الِاقْتِدَاءِ بِمَن بَعْدَهُمْ، وَمَعْرِفَةُ إجْمَاعِهِمْ وَنزَاعِهِمْ فِي الْعِلْمِ وَالدّينِ خَيْرٌ وَأَنْفَعُ مِن مَعْرِفَةِ مَا يُذْكَرُ مِن إجْمَاعِ غَيْرِهِمْ وَنزَاعِهِمْ (١) .
وَذَلِكَ أَنَّ إجْمَاعَهُم لَا يَكُونُ إلَّا مَعْصُومًا، وَإِذَا تَنَازَعُوا فَالْحَقُّ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ، فَيُمْكِنُ طَلَبُ الْحَقِّ فِي بَعْضِ أَقَاوِيلِهِمْ، وَلَا يُحْكَمُ بِخَطَأِ قَوْلٍ مِن أَقْوَالِهِمْ حَتَّى يُعْرَفَ دَلَالَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى خِلَافِهِ. [١٣/ ٢٣ - ٢٤]
١٤٩٨ - قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، الْمُرَادُ بِالْيَهودِ جِنْسُ الْيَهُودِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، لَمْ يَقُلْ جَمِيعَ النَّاسِ، وَلَا قَالَ: إنَّ جَمِيعَ النَّاسِ قَد جَمَعُوا لَكُمْ؛ بَل الْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ. [١٥/ ٤٧]
١٤٩٩ - قوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾: تَدلُّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِهْزَاءَ بِاللهِ كُفْرٌ وَبِالرَّسُولِ كُفْرٌ مِن جِهَةِ الِاسْتِهْزَاءِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ كُفْرٌ بِالضَّرُورَةِ، فَلَمْ يَكُن ذِكْرُ الْآيَاتِ وَالرَّسُولِ شَرْطًا، فَعُلِمَ أَنَّ الِاسْتِهْزَاءَ بِالرَّسُولِ كُفْرٌ، وَإِلَّا لَمْ يَكُن لِذِكْرِهِ فَائِدَةٌ وَكَذَلِكَ الْآيَات. [١٥/ ٤٩ - ٥٠]
١٥٠٠ - قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) ﴾، إِنَّ الْمُرَادَ بِعِمَارَتهَا: عِمَارَتُهَا بالْعِبَادَةِ فِيهَا كَالصَّلَاةِ وَالِاعْتِكَافِ، يُقَالُ: مَدِينَة عَامِرَةٌ إذَا كَانَت مَسْكُونَةً وَمَدِينَة خَرَابٌ إذَا لَمْ يَكُن فِيهَا ساكِنٌ. الحواشي
(١) ولهذا؛ فالذي يبنغي لطالب العلم أن ينظر في كتب المتقدمين وسيرهم وعلومهم، فهي أنفع وأصوب.стр. 1239
وَأَمَّا نَفْسُ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فَيَجُوزُ أَنْ يَبْنِيَهَا الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ وَالْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ، وَذَلِكَ يُسَمَّى بِنَاءً. [١٧/ ٤٩٩]
١٥٠١ - قَالَ تَعَالَى: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) ﴾ [التوبة: ٣٩]، هَذَا خِطَابٌ لِكُلِّ قَرْنٍ، وَقَد أَخْبَرَ فِيهِ أَنَّهُ مَن نَكَلَ عَنِ الْجِهَادِ الْمَأمُورِ بِهِ عَذَّبَهُ وَاسْتَبْدَلَ بِهِ مَن يَقُومُ بِالْجِهَادِ، وَهَذَا هُوَ الْوَاقِعُ. [١٨/ ٣٠١]
١٥٠٢ - فِي الْمُؤْمِنِينَ مَن قَد يَكُونُ سَمَّاعًا لِلْمُنَافِقِينَ كَمَا قَالَ: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٧]، وَبَعْضُ النَّاسِ يَظُنُّ أَنَّ الْمَعْنَى: سَمَّاعُونَ لِأَجْلِهِمْ، بِمَنْزِلَةِ الْجَاسُوسِ؛ أَيْ: يَسْمَعُونَ مَا يَقُولُ وينْقُلُونَهُ إلَيْهِمْ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ [المائدة: ٤١] " أَيْ: لِيَكْذِبُوا: أَنَّ اللَّامَ لَامُ التَّعْدِيَةِ لَا لَامُ التَّبَعَيَّةِ.
وَلَيْسَ هَذَا مَعْنَى الْآيَتَيْنِ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى: فِيكُمْ مَن يَسْمَعُ لَهُم؛ أَيْ: يَسْتَجِيبُ لَهُم ويتْبَعُهُم، كَمَا فِي قَوْلِهِ: "سَمِعَ اللهُ لِمَن حَمِدَهُ" اسْتَجَابَ اللهُ لِمَن حَمِدَهُ؛ أَيْ: قَبِلَ مِنْهُ، يُقَالُ: فُلَانٌ يَسْمَعُ لِفُلَانٍ؛ أَيْ: يَسْتَجِيبُ لَهُ وَيُطِيعُهُ.
مِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أنَّه قَالَ: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة؛ ٤٢]، فَذَكَرَ مَا يَدْخُلُ فِي آذَانِهِمْ وَقُلُوبِهِم مِن الْكَلَامِ، وَمَا يَدْخلُ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَبُطُونِهِمْ مِن الطَّعَامِ: غِذَاءِ الْجُسُومِ وَكِذَاءِ الْقُلُوبِ، فَإِنَّهُمَا غِذَاءَانِ خَبِيثَانِ: الْكَذِبُ وَالسُّحْتُ، وَهَكَذَا مَن يَأْكلُ السُّحْتَ مِن الْبِرْطِيلِ (١) وَنَحْوِهِ: يَسْمَعُ الْكَذِبَ كَشَهَادَةِ الزُّورِ.
فَلَمَّا كَانَ هَؤُلَاءِ: يَسْتَجِيبُونَ لِغَيْرِ الرَّسُولِ، كَمَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُ إذَا وَافَقَ آرَاءَهُم وَأَهْوَاءَهُمْ: لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحُكْمُ بَيْنَهُمْ؛ فَإِنَّهُم مُتَخَيّرُونَ بَيْنَ الْقَبُولِ مِنْهُ الحواشي
(١) أي: الرِّشْوَة.стр. 1240
وَالْقَبُولِ مِمَن يُخَالِفُهُ، فَكانَ هُوَ مُتَخَيِّرًا فِي الْحُكْمِ بَيْنَهُم وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُم، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ بَيْنَ مَن لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ مِن الْمُؤْمِنِينَ.
وَإِذَا ظَهَرَ الْمَعْنَى تَبَيَّنَ فَصْلُ الْخِطَابِ فِي وُجُوب الْحُكْمِ بَيْنَ الْمُعَاهِدِينَ مِن أَهْلِ الْحَرْبِ: كَالْمُسْتَأْمِنِ وَالْمُهَادِنِ وَالذِّمِّيِّ، فَإِنَّ فِيهِ نِزَاعًا مَشْهُورًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ:
قِيلَ: لَيْسَ بِوَاجِبِ؛ لِلتَّخَيُّرِ.
وَقِيلَ: بَل هُوَ وَاجِبٌ وَالتَّخْيِيرُ مَنْسُوخ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩].
قَالَ الْأَوَّلُونَ: أَمَّا الْأَمْرُ هُنَا أَنْ يَحْكُمَ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ إذَا حَكَمَ: فَهُوَ أَمْرٌ بِصِفَةِ الْحُكْمِ لَا بِأَصْلِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٤٢]، وَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨]. وَهَذَا أَصْوَبُ؛ فَإِنَّ النَّسْخَ لَا يَكُونُ بِمُحْتَمَلٍ، فَكَيْفَ بِمَرْجُوحٍ؟.
وَحَقِيقَةُ الْآيَةِ: إنْ كَانَ مُسْتَجيبًا لِقَوْم آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوهُ: لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحُكْمُ بَيْنَهُمْ؛ كَالْمُعَاهِدِ مِن الْمُسْتَأَمَنِ وَغَيْرِهِ، الَّذِي يَرْجِعُ إلَى أُمَرَائِهِ وَعُلَمَائِهِ فِي دَارهِمَ، وَكَالذِّمِّيِّ الَّذِي إنْ حَكَمَ لَهُ بِمَا يُوَافِقُ غَرَضَهُ وَإِلَّا رَجَعَ إلَى أَكَابِرِهِمْ وَعُلَمَائِهِمْ فَيَكُون مُتَخَيَّرًا بَيْنَ الطَّاعَةِ لِحُكْمِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَبَيْنَ الْإِعْرَاضِ عَنْهُ.
وَأَمَّا مَن لَمْ يَكُن إلَّا مُطِيعًا لِحُكْمِ اللهِ وَرَسُولِهِ لَيْسَ عَنْهُ مَنْدُوحَةٌ؛ كَالْمَظْلُومِ الَّذِي يَطْلُبُ نَصْرَهُ مِن ظَالِمِهِ وَلَيْسَ لَهُ مَن يَنْضرُهُ مِن أَهْلِ دِينهِ: فَهَذَا: لَيْسَ فِي الْآيَةِ تَخْيِيرٌ.
وَكَذَلِكَ لَو كَانَ الْمُتَحَاكِمُ إلَى الْحَاكِمِ وَالْعَالِمِ مِن الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يَتَخَيَّرُونَ بَيْنَ الْقَبُولِ مِن الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَبَيْنَ تَرْكِ ذَلِكَ: لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحُكْمُ بَيْنَهُمْ.
وَهَذَا مِن حُجَّةِ كَثِيرٍ مِن السَّلَفِ الَّذِينَ كَانُوا لَا يُحَدِّثُونَ الْمُعْلِنِينَ بِالْبِدَع بِأَحَادِيثِ النَّبِيِّ ﷺ .
стр. 1241
وَمِن هَذَا الْبَابِ: مَن لَا يَكُون قَصْدُهُ فِي اسْتِفْتَائِهِ وَحُكُومَتِهِ الْحَقَّ بَل غَرَضُهُ مَن يُوَافِقُهُ عَلَى هَوَاهُ كَائِنًا مَن كَانَ سَوَاءٌ كَانَ صَحِيحًا أَو بَاطِلًا: فَهَذَا سَمَاعٌ لِغَيْرِ مَا بَعَثَ اللهُ بِهِ رَسُولَهُ؛ فَإِنَّ اللهَ إنَّمَا بَعَثَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ، فَلَيْسَ عَلَى خُلَفَاءِ رَسُولِ اللهِ أَنْ يُفْتُوهُ وَيحْكُمُوا لَهُ، كَمَا لَيْسَ عَلَيْهِم أَنْ يَحْكُمُوا بَيْنَ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ الْمُسْتَجِيبِينَ لِقَوْم آخَرِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا للهِ وَرَسُولِهِ. [٢٨/ ١٩٤ - ١٩٩]
* * *
سورة يونس
١٥٠٣ - قَالَ تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس: ٣٩]؛ أَيْ: كَذَّبُوا بِالْقُرْآنِ الَّذِي لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ.
فَفَرَّقَ بَيْنَ الْإِحَاطَةِ بِعِلْمِهِ وَبَيْنَ إتْيَانِ تَأْوِيلِهِ.
فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُحِيطَ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ، وَأَنَّ الْإِحَاطَةَ بِعِلْمِ الْقُرْآنِ لَيْسَتْ إتْيَانَ تَأْوِيلِهِ، فَإِنَّ الْإِحَاطَةَ بِعِلْمِهِ مَعْرِفَةُ مَعَانِي الْكَلَامِ عَلَى التَّمَامِ، وَإِتْيَانُ التَّأوِيلِ نَفْسُ وُقُوعِ الْمُخْبَرِ بِهِ، وَفَرَّقَ بَيْنَ مَعْرِفَةِ الْخَبَرِ وَبَيْنَ الْمُخْبَرِ بِهِ، فَمَعْرِفَةُ الْخَبَرِ هِيَ مَعْرِفَةُ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ، وَمَعْرِفَةُ الْمُخْبَرِ بِهِ هِىَ مَعْرِفَةُ تَأْوِيلِهِ. [١٣/ ٢٨٣]
١٥٠٤ - قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ﴾ [يونس:: ٦٦]، ظَنَّ طَائِفَةٌ أَنَّ (مَا) نَافِيَةٌ وَهُوَ خَطَأٌ، بَل هِيَ اسْتِفْهَامٌ، فَإِنَّهُم يَدْعُونَ مَعَهُ شُرَكَاءَ كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُم فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ. [١٥/ ٦١]
* * *
سورة هود
١٥٠٥ - قَوْله تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ [هود: ١٧] وَهَذَا يَعُمُّ جَمِيعَ مَن هُوَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ.
стр. 1242
فَالْبَيِّنَةُ: الْعِلْمُ النَّافِعُ، وَالشَّاهِدُ الَّذِي يَتْلُوهُ: الْعَمَلُ الصَّالِحُ، وَذَلِكَ يَتَنَاوَلُ الرَّسُولَ وَمَن اتَّبَعَهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَإِنَّ الرَّسُولَ عَلَى بَيّنَةٍ مِن رَبِّهِ، وَمُتَّبِعِيهِ عَلَى بَينةٍ مِن رَبِّهِ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ وَالضمِيرُ فِي (مِنْهُ) عَائِدٌ إلَى اللهِ تَعَالَى؛ أَيْ: وَيَتْلُو هَذَا الَّذِي هُوَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِن ربِّهِ شَاهِد مِن اللهِ.
ويتْلُوهُ: مَعْنَاهُ يَتَّبِعهُ، كَمَا قَالَ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]؛ أَيْ: يَتَّبِعُونَهُ حَقَّ اتِّبَاعِهِ، وَقَالَ: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) ﴾ [الشمس: ٢]؛ أَيْ: تَبِعَهَا.
فَهَذَا الشَّاهِدُ يَتْبَعِ الَّذِي عَلَى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ فَيُصَدِّقُهُ ويُزَكِّيهِ ويُؤِّيدُهُ وَيُثْبِتُهُ، كَمَا قَالَ: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النحل: ١٠٢].
وَقَد سَمَّى اللهُ الْقُرْآنَ سُلْطَانًا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، فَإِذَا كَانَ السُّلْطَانُ الْمُنَزَّلُ مِن اللهِ يَتْبَعُ هَذَا الْمُؤْمِنَ: كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ قُوَّتَهُ وَتَسَلُّطَهُ عِلْمًا وَعَمَلًا.
وَقَالَ جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: تَعَلَّمْنَا الْإِيمَانَ ثُمَّ تَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ فَازْدَدْنَا إيمَانًا.
فَهُم كَانُوا يَتَعَلَّمُونَ الْإِيمَانَ ثُمَّ يَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ.
فَتَبَيَّنَ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [هود: ١٧]؛ يَعْنِي: هُدَى الْإِيمَانِ ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾؛ أَيْ: مِن اللهِ، يَعْنِي: الْقُرْآنَ شَاهِدٌ مِن اللهِ، يُوَافِقُ الْإِيمَانَ ويتْبَعُهُ.
وَقَالَ: ﴿وَيَتْلُوهُ﴾ لِأَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْمَقْصُودُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُرَادُ بِإِنْزَالِ الْقُرْآنِ الْإِيمَانُ وَزِيَادَتُهُ (١) . الحواشي
(١) فيكون المعنى: يَتْلُو الشَّاهدُ على منْ كانَ على بَيِّنَةٍ مِن رَبِّه؛ أَيْ: يَتْبَعُهُ، شاهدًا لهُ بِما هُو عليْه مِن البَيِّنةِ. =стр. 1243
وَلهَذَا كَانَ الْإِيمَانُ بِدُونِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ يَنْفَعُ صَاحِبَهُ وَيدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ، وَالْقُرْآنُ بِلَا إيمَانٍ لَا يَنْفَعُ فِي الْآخِرَةِ، بَل صَاحِبُهُ مُنَافِقٌ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾ [الأحقاف: ١٢]، فَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٢] الضَّمِيرُ يَعُودُ إلَى الْقُرْآنِ؛ أَيْ: مِن قَبْلِ الْقُرْآنِ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ زيدٍ، وَقِيلَ: يَعُودُ إلَى الرَّسُولِ كَمَا قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَهُمَا مُتَلَازِمَانِ.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِه﴾ [هود: ١٧] أَيْ: كُلُّ مَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ فَإِنَّهُ يُؤْمِن بِالشَّاهِدِ مِن اللهِ، وَالْإِيمَانُ بِهِ إيمَان بِمَا جَاءَ بِهِ مُوسَى، قَالَ: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِه﴾ وَهُم الْمُتَّبِعُونَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ مِن أَصْحَابِهِ وَغَيْرِهِمْ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾، وَالْأَحْزَابُ هُم أَصْنَافُ الْأُمَمِ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا وَصَارُوا أَحْزَابًا.
وَقَوْلُه: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [هود: ١٧] كَمَن لَمْ يَكنْ؟.
وَأَمَّا مَن قَالَ: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [هود: ١٧] إنَّهُ مُحَمَّد ﷺ كَمَا قَالَهُ طَائِفَة مِن السَّلَفِ، فَقَد يُرِيدُونَ بِذَلِكَ التَّمْثِيلَ لَا التَّخْصِيصَ، فَإِنَّ الْمُفَسِّرِينَ كَثِيرًا مَا يُرِيدُونَ ذَلِكَ، وَمُحَمَّد هُوَ أَوَّلُ مَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ وَتَلَاهُ شَاهِدٌ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ الْأنْبِيَاءُ، وَهُوَ أَفْضَلُهُم وَإِمَامُهُمْ، وَالْمُؤمِنُونَ تَبَعٌ لَهُ، وَبِهِ صَارُوا عَلَى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِمْ.
وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّهَا (١) تَرْجِعُ إلَى "مِنْ"، أَو تَرْجِعُ إلَى الْبَيِّنَةِ، وَالْبَيِّنَةُ يُرَادُ بِهَا الْقُرْآنُ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى: أَنَّ الشَّاهِدَ مِن الْقُرْآنِ. [١٥/ ٦٢ - ٩٠] الحواشي
(١) أي: "هـ" يَتْلُوهُ.стр. 1244
١٥٠٦ - قَالَ طَوَائِفُ مِن الْعُلَمَاءِ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود: ١٠٧] أَرَادَ بِهَا سَمَاءَ الْجَنَّةِ وَأرْضَ الْجَنَّةِ.
وَعَلَى هَذَا فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ انْطِوَاءِ هَذِهِ السَّمَاءِ وَبَقَاءِ السَّمَاءِ الَّتِي هِيَ سَقْفُ الْجَنَّةِ؛ إذ كُلُّ مَا عَلَا فَإِنَّهُ يُسَمَّى فِي اللُّغَةِ سَمَاءً، كَمَا يُسَمَّى السَّحَابُ سَمَاءً وَالسَّقْفُ سَمَاءً.
وأَيْضًا: فَإِنَّ السَّمَوَاتِ وَإِن طُوِيَتْ وَكَانَت كَالْمُهْلِ وَاسْتَحَالَتْ عَن صُورَتهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُوجِبُ عَدَمَهَا وَفَسَادَهَا بَل أَصْلُهَا بَاقٍ بِتَحْوِيلِهَا مِن حَالٍ إلَى حَالٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]، وَإِذَا بُدِّلَتْ فَإِنَّهُ لَا يَزَالُ سَمَاءٌ دَائِمَةً وَأَرْضٌ دَائِمَةً. [١٥/ ١٠٩ - ١١٠]
* * *
سورة يوسف
١٥٠٧ - قال ابن القيم ﵀: احتج بعض الفقهاء بقصة يوسف على أنه جائز للإنسان التوصل إلى أخذ حقه من الغير بما يمكنه الوصول إليه بغير رضا من عليه الحق.
قال شيخنا ﵁: وهذه الحجة ضعيفة؛ فإن يوسف لم يكن يملك حبس أخيه عنده بغير رضاه، ولم يكن هذا الأخ ممن ظلم يوسف حتى يقال: إنه اقتص منه، وإنما سائر الإخوة هم الذين كانوا قد فعلوا ذلك، نعم تخلفه عنده كان يؤذيهم من أجل تأذي أبيهم والميثاق الذي أخذه عليهم، وقد استثنى في الميثاق بقوله: ﴿أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦]، وقد أحيط بهم، ولم يكن قصد يوسف باحتباس أخيه الانتقام من إخوته؛ فإنه كان أكرم من هذا، وكان في ذلك من الإيذاء لأبيه أعظم مما فيه من إيذاء إخوته، وإنما هو أمر أمره الله به ليبلغ الكتاب أجله، ويتم البلاء الذي استحق به يعقوب ويوسف كمال الجزاء، وتبلغ حكمة الله التي قضاها لهم نهايتها.
стр. 1245
ولو كان يوسف قصد القصاص منهم بذلك فليس هذا موضع الخلاف بين العلماء؛ فإن الرجل له أن يعاقب بمثل ما عوقب به، وإنما موضع الخلاف: هل يجوز له أن يسرق أو يخون من سرقه أو خانه مثل ما سرق منه أو خانه إياه؟ وقصة يوسف لم تكن من هذا الضرب، نعم لو كان يوسف أخذ أخاه بغير أمره لكان لهذا المحتج شبهة، مع أنه لا دلالة في ذلك على هذا التقدير أيضًا؛ فإن مثل هذا لا يجوز في شرعنا بالاتفاق، وهو أن يحبس رجل بريء ويعتقل للانتقام من غيره من غير أن يكون له جرم. [المستدرك ١/ ١٨٤]
١٥٠٨ - قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ يُوسُفَ: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]، فَاللهُ يَصْرِفُ عَن عَبْدِهِ مَا يَسُوءُهُ مِن الْمَيْلِ إلَى الصُّوَرِ (١) وَالتَّعَلُّقِ بِهَا، وَيَضرِفُ عَنْهُ الْفَحْشَاءَ بِإِخْلَاصِهِ للهِ.
وَلهَذَا يَكُونُ قَبْلَ أَنْ يَذُوقَ حَلَاوَةَ الْعُبُودِيَّةِ للهِ وَالْإِخْلَاصِ لَهُ تَغْلِبهُ نَفْسُهُ عَلَى اتّبَاعِ هَوَاهَا، فَإذَا ذَاقَ طَعْمَ الْإِخْلَاصِ وَقَوِيَ فِي قَلْبِهِ انْقَهَرَ لَهُ هَوَاهُ بِلَا عِلَاجٍ. [١٠/ ١٨٨]
١٥٠٩ - قَوْلُ يُوسُفَ ﷺ لَمَّا قَالَتْ لَهُ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ: ﴿هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣) ﴾ [يوسف ٢٣]، الْمُرَادُ بِرَبِّهِ فِي ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [يوسف: ٢١].
وَالضَّمِيرُ فِي: ﴿إِنَّهُ﴾ مَعْلُومٌ بَيْنَهُمَا وَهُوَ سَيِّدُهَا (٢) .
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٢٤] فَهَذَا خَبَرٌ مِن اللهِ تَعَالَى أَنَّهُ رَأَى بُرْهَانَ رَبّهِ، وَرَبُّهُ هُوَ اللهُ. الحواشي
(١) المقصود بالصور في كلام شيخ الإسلام وابن القيِّم رحمهما الله تعالى سورة الآدمي الحي، كالنسوان والمردان، ولا يقصدان الصور المرسومة أو المجسّمة.(٢) والتقدير: إنّ سيدي أكرم مثواي؛ أي: إقامتي في مصر، فكيف أخونه في أهلِه؟стр. 1246
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٤٢]، قِيلَ: أُنْسِيَ يُوسُفُ ذِكْرَ رَبِّهِ لَمَّا قَالَ: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّك﴾ [يوسف: ٤٢].
وَقِيلَ: بَل الشَّيْطَانُ أنْسَى الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا ذِكْرَ رَبِّهِ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، فَإنَّهُ مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ وَالضَّمِيرُ يَعُودُ إلَى الْقَرِيبِ إذَا لَمْ يَكن هُنَاكَ دَلِيلٌ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ يُوسُفَ لَمْ يَنْسَ ذِكْرَ رَبِّهِ، بَل كَانَ ذَاكِرًا لِرَبِّهِ.
وَمِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الَّذِي نَسِيَ رَبَّهُ هُوَ الْفَتَى لَا يُوسُفُ: قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) ﴾ [يوسف: ٤٥]، وَقَوْلُهُ: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥] دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَد نَسِيَ فَادَّكَرَ.
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥) ﴾ [يوسف: ٣٥]، وَلُبْثُهُ فِي السِّجْنِ كَانَ كَرَامَةً مِن اللهِ فِي حَقِّهِ؛ لِيَتِمَّ بِذَلِكَ صَبْرُهُ وَتَقْوَاهُ، فَإِنَّهُ بِالصَّبْرِ وَالتَّقْوَى نالَ مَا نالَ؛ وَلهَذَا قَالَ: ﴿أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠]، وَلَو لَمْ يَصْبِرْ ويتَّقِ بَل أَطَاعَهُم فِيمَا طَلَبُوا مِنْهُ جَزَعًا مِن السِّجْنِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ هَذَا الصَّبْرُ وَالتَّقْوَى، وَفَاتَهُ الْأَفْضَلُ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ.
ولَمَّا كَانَ الزنى بِالْمَرْأَةِ الْمُزَوَّجَةِ لَهُ عِلَّتَانِ، كُل مِنْهُمَا تَسْتَقِلُّ بِالتَّحْرِيمِ، مِثْل لَحْمِ الْخِنْزِيرِ الْمَيِّتِ: عَلَّلَ يُوسُفُ ذَلِكَ بِحَق الزَّوْجِ، وَإِن كَانَ كُلٌّ مِن الْأَمْرَيْنِ (١) مَانِعًا لَهُ.
وَكَانَ فِي تَعْلِيلِهِ بِحَقِّ الزَّوْجِ فَوَائِدُ:
مِنْهَا: أَنَّ هَذَا مَانِعٌ تَعْرِفُهُ الْمَرْأَةُ وَتَعْذُرُهُ بِهِ، بِخِلَافِ حَقِّ اللهِ تَعَالَى فَإنَّهَا لَا تَعْرِفُ عُقُوبَةَ اللهِ فِي ذَلِكَ. الحواشي
(١) وهو حق الزوج وحق الله تعالى.стр. 1247
ومِنْهَا: أَنَّ الْمَرْأَةَ قَد تَرْتَدِعُ بِذَلِكَ فَتَرْعَى حَقَّ زَوْجِهَا، إمَّا خَوْفًا وَإِمَّا رِعَايَةً لِحَقِّهِ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ الْمَمْلُوكُ يَمْتَنِعُ عَن هَذَا رِعَايَةً لِحَقِّ سَيِّدِهِ فَالْمَرْأَةُ أَوْلَى بِذَلِكَ.
وَفِي قَوْلِ يُوسُفَ: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣) ﴾ [يوسف: ٣٣] عِبْرَتَانِ:
إحْدَاهُمَا: اخْتِيَارُ السَّجْنِ وَالْبَلَاءِ عَلَى الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي.
والثَّانِيَةُ: طَلَبُ سُؤَالِ اللهِ وَدُعَائِهِ أَنْ يُثَبِّتَ الْقَلْبَ عَلَى دِينِهِ ويصْرِفَة إلَى طَاعَتِهِ، وإِلَّا فَإِذَا لَمْ يُثَبِّتِ الْقَلْبَ صَبَا إلَى الْآمِرِينَ بِالذُّنُوبِ وَصَارَ مِن الْجَاهِلِينَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٠]: دَلَّ عَلَى أَنَّ هُنَاكَ كَيْدًا مِنْهُنَّ، وَقَد قَالَ لَهُنَّ الْمَلِكُ: ﴿مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف: ٥١] فَهُنَّ لَمْ يُرَاوِدْنَهُ لِأَنْفسِهِنَّ؛ إذ كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ مُمْكِنٍ وَهُوَ عِنْدَ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا وَتَحْتَ حِجْرِهَا؛ لَكِنْ قَد يَكُنَّ أَعَنَّ الْمَرْأَةَ عَلَى مَطْلُوبِهَا.
وَاخْتِيَارُ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ وَلأَهْلِهِ الِاحْتبَاسَ فِي شِعْبِ بَنِي هَاشِمٍ بِضْعَ سِنِينَ لَا يُبَايَعُونَ وَلَا يُشَارُونَ، وَصِبْيَانُهُم يَتَضَاغَوْنَ مِن الْجُوعِ، قَد هَجَرَهُم وَقَلَاهُم قَوْمُهُم وَغَيْرُ قَوْمِهِمْ، هَذَا أَكْمَلُ مِن حَالِ يُوسُفَ ﵇.
وَكَانَ كَذِبُ هَؤُلَاءِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَعْظَمَ مِن الْكَذِبِ عَلَى يُوسُفَ؛ فَإِنَّهُم قَالوا: إنَّهُ سَاحِرٌ وَإِنَّهُ كَاهِنٌ وَإِنَّهُ مَجْنُونٌ. [١٥/ ١١١ - ١٣٥]
١٥١٠ - فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف: ١١٠]: قِرَاءَتَانِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ؛ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّثْقِيلِ، وَكَانَت عَائِشَةُ ﵂ تَقْرَأُ بِالتّثقِيلِ وَتُنْكِرُ التَّخْفِيفَ.
وَالظَّنُّ لَا يُرَادُ بِهِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الِاعْتِقَادُ الرَّاجِحُ كَمَا هُوَ فِي
стр. 1248
اصْطِلَاحِ طَائِفَةٍ مِن أَهْلِ الْكَلَامِ فِي الْعِلْمِ، ويُسَمُّونَ الِاعْتِقَادَ الْمَرْجُوحَ وَهْمًا، بَل قَد قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَنَّ كذَبُ الْحَدِيثِ" (١) ، وَقَد قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨].
فَالِاعْتِقَادُ الْمَرْجُوحُ هُوَ ظَنٌّ، وَهُوَ وَهْمٌ، وَهَذَا الْبَابُ قَد يَكُونُ مِن حَدِيثِ النَّفْسِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ.
وَقَد يَكونُ مِن بَابِ الْوَسْوَسَةِ الَتِي هِيَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ.
وَأَمَّا الرُّسُلُ فَلَمْ يَذْكُرْ مَا اسْتَيْأسُوا مِنْهُ، بَل أَطْلَقَ وَصْفَهُم بِالِاسْتِيئَاسِ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُقَيِّدَة بِأَنَّهُم اسْتَيْأسُوا مِمَّا وُعِدُوا بِهِ، وَاخْبِرُوا بِكَوْنِهِ، وَلَا ذَكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ ذَلِكَ.
وَثَبَتَ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ لَا يَدُلُّ عَلَى ظَاهِرِهِ فَضْلًا عَن بَاطِنِهِ: أَنَّهُ حَصَلَ فِي قُلُوبِهِم مِثْلُ تَسَاوِي الطَّرَفَيْنِ فِيمَا أُخْبِرُوا بِهِ، فَإِنَّ لَفْظَ الظَّنِّ فِي اللُّغَةِ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ؛ بَل يُسَمَّى ظَنُّا مَا هُوَ مِن أَكْذَبِ الْحَدِيثِ عَنِ الظَّانِّ؛ لِكَوْنِهِ أَمْرًا مَرْجُوحًا فِي نَفْسِهِ. [١٥/ ١٧٥ - ١٨٣]
١٥١١ - قَالَ تَعَالَى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]، وَأَحْسَنُ الْقَصَصِ: قِيلَ: إَّنهُ مَصْدَرٌ، وَقِيلَ: إنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ.
وَالْقَوْلَانِ مُتَلَازِمَانِ فِي الْمَعْنَى.
وَمَن رَجَّحَ الْأَوَّلَ مِن النُّحَاةِ -كَالزَّجَّاجِ وَغَيْرِهِ- قَالُوا: الْقَصَصُ مَصْدَرٌ، يُقَالُ: قَصَّ أَثَرَة يَقُصُّهُ قَصَصًا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤]، وَكَذَلِكَ اقْتَصَّ أَثَرَهُ وَتَقَصَّصَ وَقَد اقْتَصَصْت الْحَدِيثَ: رَويته عَلَى وَجْهِهِ، وَقَد اقْتَصَّ عَلَيْهِ الْخَبَرَ قَصَصًا.
وَلَيْسَ الْقَصَصُ بِالْفَتْحِ جَمْعُ قِصَّةٍ كَمَا يَظُنُّهُ بَعْضُ الْعَامَّةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُقَالُ الحواشي
(١) رواه البخاري(٥١٤٣) ، ومسلم(٢٥٦٣) .стр. 1249
فِي قِصَصٍ بِالْكَسْرِ، وَاحِدُهُ قِصَّة، وَالْقِصَّةُ هِيَ الأمْرُ وَالْحَدِيثُ الَّذِي يُقَصُّ، فِعْلَةُ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، وَجَمْعُهُ قِصَصٌ بِالْكَسْرِ، وَقَوْلُهُ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ بِالْفَتْحِ لَمْ يَقُلْ أَحْسَنَ الْقِصَصِ بِالْكَسْرِ وَلَكِنْ بَعْضُ النَّاسِ ظَنُّوا أَنَّ الْمُرَادَ أَحْسَنُ الْقِصَصِ بِالْكَسْرِ، وَأَنَّ تِلْكَ الْقِصَّةَ قِصَّةُ يُوسُفَ، وَذَكَرَ هَذَا طَائِفَةٌ مِن الْمُفَسِّرِينَ، ثُمَّ ذَكَرُوا: لِمَ سُمِّيَتْ أَحْسَنَ الْقَصَصِ؟.
وَاَلَّذِينَ يَجْعَلُونَ قِصَّةَ يُوسُفَ أحْسَنَ الْقَصَصِ:
أ - مِنْهُم مَن يَعْلَمُ أنَّ "الْقَصَصَ" بِالْفَتْحِ هُوَ النَّبَأُ وَالْخَبَرُ، ويقُولُونَ: هِيَ أَحْسَنُ الْأَخْبَارِ وَالْأنْبَاءِ.
ب- وَكَثِيرٌ مِنْهُم يَظُنُّ أَنَّ الْمُرَادَ أَحْسَنُ الْقِصَصِ بِالْكَسْرِ، وَهَؤُلَاءِ جُهَّالٌ بِالْعَرَبِيَّةِ.
وَكلَا الْقَوْلَيْنِ خَطَأٌ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: (أَحْسَنَ الْقَصَصِ) قصَّةَ يُوسُفَ وَحْدَهَا، بَل هِيَ مِمَّا قَصَّهُ اللهُ، وَمِمَّا يَدْخُلُ فِي أَحْسَنِ الْقَصَصِ.
وَمِن الْمَعْلُومِ أَنَّ قِصَّةَ مُوسَى وَمَا جَرَى لَهُ مَعَ فِرْعَوْنَ وَغَيْرِهِ أَعْظَمُ وَأشرَفُ مِن قِصَّةِ يُوسُفَ بِكَثِيرِ كثِيرٍ، وَلهَذَا هِيَ أَعْظَمُ قَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ الَّتِي تُذْكَرُ فِي الْقُرْآنِ، ثَنَّاهَا اللهُ أَكْثَرَ مِن غَيْرِهَا وَبَسَطَهَا وَطَوَّلَهَا أَكْثَرَ مِن غَيْرِهَا، بَل قَصَصُ سَائِرِ الْأنْبِيَاءِ -كَنُوحِ وَهُودِ وَصَالِحٍ وَشُعَيْبٍ وَغَيْرِهِمْ مِن الْمُرْسَلِينَ- أَعْظَمُ مِن قِصَّةِ يُوسُفَ. وَلهَذَا ثَنَّى اللهُ تِلْكَ الْقَصَصَ فِي الْقُرْآنِ وَلَمْ يُثَنّ قِصَّةَ يُوسُفَ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَن قَوْلَهُ: ﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ قَد قِيلَ إنَّهُ مَصْدَرٌ، وَقِيلَ إنَّه مَفْعُولٌ بِهِ، وَالْقَوْلَانِ مُتَلَازِمَانِ، لَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الْقَصَصَ مَفْعُولٌ بِهِ، وَإِن كَانَ أَصْلُهُ مَصْدَرًا، فَقَد غَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْمَقْصُوصِ، كَمَا فِي لَفْظِ الْخَبَرِ وَالنَّبَأِ، وَالِاسْتِعْمَالُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.
فَلَيْسَ هُوَ قِيَاس مَصْدَرِ الْمُضَعَّفِ، وَلَمْ يَذْكُرُوا عَلَى كَوْنِهِ مَصْدَرًا إلَّا
стр. 1250
قَوْلُه: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ، بَل قَد يَكُونُ اسْمَ مَصْدَرٍ أُقِيمَ مَقَامَهُ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ﴾ [نوح: ١٧]، وإن جُعِلَ مَصْدَرَ (قَصَّ الْأَثَرَ) لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرَ (قَصَّ الْحَدِيثَ)؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ خَبَرٌ وَنَبأٌ، فَكَانَ لَفْظُ قَصَصٍ كَلَفْظِ خَبَرٍ وَنبأٍ وَكَلَامٍ.
وَأَسْمَاءُ الْمَصَادِرِ فِي بَابِ الْكَلَامِ تَتَضَمَّنُ الْقَوْلَ نَفْسَهُ، وَتَدُلُّ عَلَى فِعْل الْقَائِلِ بِطَرِيقِ التَّضَمُّنِ وَاللُّزُومِ، فَإنَّك إذَا قُلْت: الْكَلَامُ وَالْخَبَرُ وَالْحَدِيثُ وَالنَّبَأَ وَالْقَصَصُ، لَمْ يَكُن مِثْل قَوْلِك: التَّكلِيمُ وَالْإِنْبَاءُ وَالْإِخْبَارُ وَالتَّحْدِيثُ، وَلهَذَا يُقَالُ إنَّهُ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ، وَاسْمُ الْمَصْدَرِ يَنْتَصِبُ عَلَى الْمَصْدَرِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ﴾ فَإِذَا قَالَ: كَلَّمْته كَلَامًا حَسَنًا، وَحَدَّثْته حَدِيثًا طَيِّبًا، وَأَخْبَرْته أَخْبَارًا سَارَّةً، وَقَصَصْت عَلَيْهِ قِصَصًا صَادِقَةَ وَنَحْو ذَلِكَ، كَانَ هَذَا مَنْصوبًا عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ، لَمْ يَكُن هَذَا كَقَوْلِك: كَلَّمْته تَكْلِيمًا وَأَنْبَأته إنْبَاءً، فَتَبَيَّنَ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِ، وَكُلُّ مَا قَصَّهُ اللهُ فَهُوَ أَحْسَنُ الْقَصَصِ.
وهُمْ (١) كُلُّهُم مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ الْمَتْلُوَّ هُوَ الْقُرْآنُ الْعَرَبِي الَّذِي نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن اللهِ بِالْحَقّ، وَهُوَ كَلَامُ اللهِ الَّذِي تَكلَّمَ بِهِ.
وَلَكِنْ تَنَازَعُوا فِي تِلَاوَةِ الْعِبَادِ لَهُ (٢) : هَل هِيَ الْقُرْآنُ نَفْسُهُ، أَمْ هِيَ الْفِعْلُ الَّذِي يَقْرأُ بِهِ الْقُرْآنَ؟
وَالتَّحْقِيقُ أنَّ لَفْظَ "التِّلَاوَةِ" يُرَادُ بِهِ هَذَا وَهَذَا (٣) .
وَلَفْظُ "الْقُرْآنِ" يُرَادُ بِهِ الْمَصدَرُ (٤) ، ويُرَادُ بِهِ الْكَلَامُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ﴾ [القيامة: ١٧، ١٨]، وَفِي الحواشي
(١) أي: أَهْل السُّنَّة.(٢) أي: نطقهم للقرآن.(٣) أي: يراد به كلام الله، ويراد به حركة اللسان في القراءة.(٤) أي: مصدر قرأ، بمعنى تلا وهو حركة اللسان، ويراد به الكلام نفسُه، وهو كلام الله تعالى.стр. 1251
"الصَّحِيحَيْنِ" عَن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إنَّ عَلَيْنَا أَنْ نَجْمَعَهُ فِي قَلْبِك وَتَقْرَأَهُ بِلِسَانِك.
وَقَد قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) ﴾ [النحل: ٩٨] .. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وَهْم إنَّمَا يَسْتَمِعُونَ الْكَلَامَ نَفْسَهُ، وَلَا يَسْتَمِعُونَ مُسَمَّى الْمَصْدَرِ، الَّذِي هُوَ الْفِعْلُ (١) ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُسْمَعُ.
فَقَوْلُهُ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ مِن هَذَا الْبَابِ مِن بَابِ: نَقْرَأُ عَلَيْك أَحْسَنَ الْقَصَصِ، وَنَتْلُو عَلَيْك أَحْسَنَ الْقَصَصِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ﴾ [القصص: ٣].
وَالْمَشْهُورُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ [الإسراء: ٤٥] أَنَّهُ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ؛ فَكَذَلِكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ، لَكِنْ في كِلَيْهِمَا مَعْنَى الْمَصْدَرِ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ، فَفِيهِ مَعْنَى الْمَفْعُولِ بِهِ، وَمَعْنَى الْمَصْدَرِ جَمِيعًا.
وَغَالِبُ مَا يُذْكرُ لَفْظُ "الْقُرْآنِ" إنَّمَا يُرَادُ بِهِ نَفْسُ الْكَلَامِ، لَا يُرَادُ بِهِ التَّكَلُّمُ بِالْكَلَامِ الَّذِي هُوَ مُسَمَّى الْمَصْدَرِ.
وَمِثْل هَذَا كَثِيرٌ فِي اللُّغَةِ يَكُونُ أَمْرَانِ مُتَلَازِمَانِ إمَّا دَائِمًا وَإِمَّا غَالِبًا فَيُطْلَقُ الِاسْمُ عَلَيْهِمَا وَيَغْلِبُ هَذَا تَارَةً وَهَذَا تَارَةً، وَقَد يَقَع عَلَى أَحَدِهِمَا مُفْرَدًا كَلَفْظِ "النَّهْرِ" و"الْقَرْيَةِ" و"الْمِيزَابِ" ونَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ حَالٌ وَمَحَلُّ، فَالِاسْمِ يَتَنَاوَلُ مَجْرَى الْمَاءِ وَالْمَاءُ الْجَارِي، وَكَذَلِكَ لَفْظُ الْقَرْيَةِ يَتَنَاوَلُ الْمَسَاكِنَ وَالسُّكَّانَ، ثمَّ تَفولُ: حَفَرَ النَّهْرَ فَالْمُرَادُ بِهِ الْمَجْرَى، وَتَقُولُ جَرَى النَّهْرُ فَالْمُرَادُ بِهِ الْمَاءُ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ﴾ [النحل: ١١٢]، وَالْمُرَادُ السُّكَّانُ فِي الْمَكَانِ. الحواشي
(١) وهو حركة اللسان.стр. 1252
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) ﴾ [الحج: ٤٥]، وَالْخَاوِي عَلَى عُرُوشِهِ الْمَكَانُ لَا السُّكان. [١٧/ ١٧ - ٣٨]
* * *
سورة الرعد
١٥١٢ - قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ [الرعد: ٣٣] .. حَامَ حَوْلَ مَعْنَاهَا كَثِيرٌ مِن الْمُفَسِّرِينَ، فَمَا شَفَوْا عَلِيلًا وَلَا أَرْوَوْا غَلِيلًا، وَإِن كَانَ مَا قَالُو صَحِيحًا.
فَتَأَمُّلُ مَا قَبْلَ الْآيَةِ وَمَا بَعْدَهَا يُطْلِعُك عَلَى حَقِيقَةِ الْمَعْنَى، فَإنّهُ سُبْحَانَهُ يَقولُ: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] وَهَذَا اسْتِفْهَامُ تَقْرِيرٍ يَتَضَمَّنُ إقَامَةَ الْحُجَّةِ عَلَيْهِم وَنَفْيَ كُلِّ مَعْبُودٍ مَعَ اللهِ الَّذِي هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ بِعِلْمِهِ وَقُدْرَتهِ وَجَزَائِهِ فِي الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
فَهُوَ رَقِيبٌ عَلَيْهَا حَافِظٌ لِأعْمَالِهَا، مُجَازِ لَهَا بِمَا كَسَبَتْ مِن خَيْرٍ وَشَرٍّ.
فَإِذَا جَعَلْتُمْ أُولَئِكَ شُرَكَاءَ فَسَمُّوهُم إذًا بِالْأَسْمَاءِ الَّتِي يُسَمَّى بِهَا الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ؛ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ يُسَمَّى بِالْحَيِّ الْقَيُّومِ الْمُحْيِي الْمُمِيتِ السَّمِيعِ الْبَصِيرِ الْغَنِيِ عَمَّا سِوَاهُ، وَكُل شَيءٍ فَقِيرٌ إلَيْهِ، وَوُجُود كُلِّ شَيءٍ بِهِ.
فَهَل تَسْتَحِقُّ آلِهَتُكُمْ اسْمًا مِن تِلْكَ الْأَسْمَاءِ؟
فَإِنْ كَانَت آلِهَةً حَقًّا فَسَمُّوهَا بِاسْمٍ مِن هَذِهِ الْأسْمَاءِ؛ وَذَلِكَ بن بَيِّنٌ؛ فَإِذَا انْتَفَى عَنْهَا ذَلِكَ عُلِمَ بُطْلَانُهَا كَمَا عُلِمَ بُطْلَانُ مسَمَّاهَا.
وَأَمَّا إنْ سَمَّوْهَا بِأسْمَائِهَا الصَّادِقَةِ عَلَيْهَا كَالْحِجَارَةِ وَغَيْرِهَا مِن مُسَمَّى الْجَمَادَاتِ وَأَسْمَاءِ الْحَيَوَانِ الَّتِي عَبَدُوهَا مِن دُونِ اللهِ كَالْبَقْرِ وَغَيْرِهَا، وَبِأسْمَاءِ الشَّيَاطِينِ الَّذِينَ أَشْرَكُوهُم مَعَ اللهِ جَلَّ وَعَلَا، وَبِأسْمَاءِ الْكَوَاكِبِ الْمُسَخَّرَاتِ تَحْتَ أَوَامِرَ الرَّبِّ، وَالْأَسْمَاءُ الشَّامِلَةُ لِجَمِيعِهَا أَسْمَاءُ الْمَخْلُوقَاتِ الْمُحْتَاجَاتُ
стр. 1253
الْمُدَبَّرَاتُ الْمَقْهُورَاتُ، وَكَذَلِكَ بَنُو آدَمَ عِبَادَةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، فَهَذِهِ أَسْمَاؤُهَا الْحَقُّ وَهِيَ تُبْطِلُ إلَهِيَّتَهَا؛ لأنَّ الْأسمَاءَ الَّتِىِ مِن لَوَازِمِ الْإِلَهِيَّةِ مُسْتَحِيلَةٌ عَلَيْهَا؛ فَظَهَرَ أَنَّ تَسْمِيَتَهَا آلِهَةً مِن أَكْبَرِ الْأدِلَّةِ عَلَى بُطْلَانِ إلَهِيَّتِهَا وَامْتِنَاعِ كَوْنِهَا شُرَكَاءَ لله . [١٥/ ١٩٦ - ١٩٧]
* * *
سورة الحجر
١٥١٣ - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) ﴾ [الحجر: ٧٥].
قال ابن القيم ﵀: وَلَقَد شَاهَدْتُ مِنْ فِرَاسَةِ شَيْخِ الْإسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ ﵀ أُمُورًا عَجِيبَةً، وَمَا لَمْ أُشَاهِدْهُ مِنْهَا أَعْظَمُ وَأَعْظَمُ، وَوَقَائِعُ فِرَاسَتِهِ تَسْتَدْعِي سِفْرًا ضَخْمًا.
أَخْبَرَ أصْحَابَهُ بِدُخولِ التّتَارِ الشَّامَ سَنَةَ تِسْعٍ وَتسْعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَأَنَّ جُيُوشَ الْمُسْلِمِينَ تُكْسَرُ، وَأَنَّ دِمَشْقَ لَا يَكُونُ بِهَا قَتْلٌ عَام وَلَا سَبْيٌ عَامٌّ، وَأَنَّ كَلَبَ الْجَيْشِ وَحِدَّتَهُ فِي الْأَمْوَالِ. وَهَذَا قَبْلَ انْ يَهُمَّ التتارُ بِالْحَرَكَةِ.
ثُمَّ أَخْبَرَ النَّاسَ وَالْأُمَرَاءَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِمِائَةٍ لَمَّا تَحَرَّكَ التَّتَارُ وَقَصَدُوا الشَّامَ: أَنَّ الدَّائِرَةَ وَالْهَزِيمَةَ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّ الظَّفَرَ وَالنَّصْرَ لِلْمُسْلِمِينَ. وَأَقْسَمَ عَلَى ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ يَمِينًا. فَيُقَالُ لَهُ: قُلْ إِنْ شَاءَ اللهُ. فَيَقُولُ: إِنْ شَاءَ اللهُ تَحْقِيقَا لَا تَعْلِيقًا، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ ذَلِكَ.
قَالَ: فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَيَّ، قُلْتُ: لَا تُكْثِرُوا، كَتَبَ اللهُ تَعَالَى فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ أنَّهُمْ مَهْزُومُونَ فِي هَذِهِ الْكَرَّةِ، وَأَنَّ النَّصْرَ لِجُيُوشِ الْإِسْلَامِ.
قَالَ: وَأَطْمَعَتْ بَعْضَ الْأمَرَاءِ وَالْعَسْكَرِ حَلَاوَةُ النَّصْرِ قَبْلَ خُرُوجِهِمْ إِلَى لِقَاءِ الْعَدُوِّ.
وَكَانَتْ فِرَاسَتُهُ الْجَرِيْئَةُ (١) فِي خِلَالِ هَاتَيْنِ الْوَاقِعَتَيْنِ مِثْلَ الْمَطَرِ. الحواشي
(١) في الأصل: (الجزئية) وهو غلط. (الجامع).стр. 1254
وَلَمَّا طُلِبَ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَأُرِيدَ قَتْلُهُ -بَعْدَمَا أُنْضِجَتْ لَهُ الْقُدُورُ، وَقُلِّبَتْ لَهُ الْأُمُورُ- اجْتَمَعَ أَصْحَابُهُ لِوَدَاعِهِ، وَقَالُوا: قَد تَوَاتَرَتِ الْكُتُبُ بِأنَّ الْقَوْمَ عَامِلُونَ عَلَى قَتْلِكَ.
فَقَالَ: وَاللهِ لَا يَصِلُونَ إِلَى ذَلِكَ أبَدًا، قَالُوا: أفَتُحْبَسُ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَيَطُول حَبْسِي، ثُمَّ أَخْرُجُ وَأَتَكَلَّمُ بِالسُّنَّةِ عَلَى رُؤُوسِ النَّاسِ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ ذَلِكَ.
وَلَمَّا تَوَلَّى عَدُوُّهُ الْمُلَقَّبُ بِالْجَاشِنْكيرِ (١) الْمُلْكَ أَخْبَرُوهُ بِذَلِكَ، وَقَالُوا: الْآنَ بَلَغَ مُرَادَة مِنْكَ، فَسَجَدَ للهِ شُكْرًا وَأطَالَ، فَقِيلَ لَهُ: مَا سَبَبُ هَذِهِ السَّجْدَةُ؟ فَقَالَ: هَذَا بِدَايَةُ ذُلِّهِ وَمُفَارَقَةُ عِزِّهِ مِنَ الْآنِ، وَقُرْبُ زَوَالِ أمْرِهِ، فَقِيلَ: مَتَى هَذَا؟ فَقَالَ: لَا تُرْبَطُ خُيُولُ الْجُنْدِ عَلَى الْقُرْطِ حَتَّى تُغْلَبَ دَوْلَتُهُ، فَوَقَعَ الْأمْرُ مِثْلَ مَا أخْبَرَ بِهِ، سَمِعْتُ ذَلِكَ مِنْهُ.
وَقَالَ مَرَّةً: يَدْخُلُ عَلَيَّ أَصْحَابِي وَغيْرُهُمْ، فَأرَى فِي وُجُوهِهِمْ وَأعْيُنِهِمْ أمُورًا لَا أَذْكُرُهَا لَهُمْ.
فَقُلْتُ لَهُ -أَوَ غَيْرِي-: لَوْ أخْبَرْتَهُمْ؟ فَقَالَ: أَتُرِيدُونَ انْ أَكُونَ مُعَرِّفًا كَمُعَرِّفِ الْوُلَاةِ؟
وَقُلْتُ لَهُ يَوْمًا: لَوْ عَامَلْتَنَا بِذَلِكَ لَكَانَ أَدْعَى إِلَى الِاسْتِقَامَةِ وَالصَّلَاحِ.
فَقَالَ: لَا تَصْبِرُونَ مَعِي عَلَى ذَلِكَ جُمُعَةً، أوْ قَالَ: شَهْرًا.
وَأَخْبَرَنِي غَيْرَ مَنْ مَرَّةٍ بَاطِنَةٍ تَخْتَصُّ بِي مِمَّا عَزَمْتُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَنْطِقْ بِهِ لِسَانِي. الحواشي
(١) هو: المظفر الجاشنكير بيبرس، وكان يُدني المبتدعة من الاتحادية والحلولية والصوفية.
وكان الشيخ تقي الدين يَنَالُ مِنَ الْجَاشْنكِيرِ، وَمِن شَيْخِهِ نَصْر الْمَنْبِجيِّ، ويقُولُ: زَالَتْ أَيَّامُهُ، وَانْتَهَتْ رِياسَتُهُ، وَقَرُبَ انْقِضَاءُ أجْلِهِ، وَيَتكَلَّمُ فِيهِمَا وَفي ابْنِ عَرَبِيٍّ وأتْبَاعِهِ.
ولم يُخيب الله تعالى ظن الشيخ، فعاد الملك المنصور قلاوون إلى الملك سَنَة تِسْعٍ وَسَبْعِمِائَةٍ، وزالت دولة الْجَاشْنكِيرِ، وخُذل هو وشيخه نصر المنبجي الاتحادي الحلولي.стр. 1255
وَأَخْبَرَنِي بِبَعْضِ حَوَادِثَ كِبَارٍ تَجْرِي فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَلَمْ يُعَيِّنْ أَوْقَاتَهَا. وَقَد رَأَيْتُ بَعْضَهَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ بَقِيّتَهَا.
وَمَا شَاهَدَهُ كِبَارُ أَصْحَابِهِ مِنْ ذَلِكَ أَضْعَافُ أَضْعَافِ مَا شَاهَدَتْهُ. [المستدرك ١/ ١٨٦ - ١٨٨]
* * *
سورة النحل
١٥١٤ - قَوْله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ [النحل: ٨١]، فَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ وَلَمْ يَذْكرِ الْبَرْدَ، فَقَد قِيلَ: لِأَنَّ التَّنْزِيلَ كَانَ بِالْأَرْضِ الْحَارَّةِ فَهُم يَتَخَوَّفُونَهُ.
وَقيلَ: حُذِفَ الْآخَرُ لِلْعِلْمِ بِهِ، وَيُقَالُ: هَذَا مِن بَابِ التَّنْبِيهِ؛ فَإِنَّهُ إذَا امْتَنَّ عَلَيْهِم بِمَا يَقِي الْحَرَّ فَالِامْتِنَانُ بِمَا يَقِي الْبَرْدَ أَعْظَمُ.
وَأَحْسَنُ مِن هَذَا أَنَّهُ قَد تَقَدَّمَ ذِكْرُ وِقَايَةِ الْبَرْدِ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) ﴾ [النحل: ٥].
فَيُقَالُ: لِمَ فَرَّقَ هَذَا؟
فَيُقَالُ -وَاللهُ أَعْلَمُ-: الْمَذْكُورُ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ النِّعَمُ الضَّرُورِيَّةُ الَّتِي لَا يَقُومُونَ بِدُونهَا، مِن الْأَكْلِ وَشُرْبِ الْمَاءِ الْقَرَاحِ وَدَفْعِ الْبَرْدِ وَالرُّكُوبِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ فِي النُّقْلَةِ، وَفِي آخِرِهَا ذَكَرَ كَمَالَ النِّعَمِ، مِن الْأشْرِبَةِ الطَّيِّبَةِ وَالسُّكُونِ فِي الْبُيُوتِ وَبُيُوتِ الْأُذمِ وَالِاسْتِظْلَالِ بِالظِّلَالِ وَدَفْعِ الْحَرّ وَالْبَأسِ بِالسَّرَابِيلِ، فَإِنَّ هَذَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ فِي الْجُمْلَةِ، فَفِي الْأَوَّلِ الْأصولُ، وَفِي الْآخَرِ الْكَمَالُ؛ وَلهَذَا قَالَ: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾. [١٥/ ٢١٨ - ٢١٩]
١٥١٥ - قَالَ تعالى فِي سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النحل: ١١٨]، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ حَرَّمَ ذَلِكَ بِبَغْيِهِمْ فَقَالَ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا
стр. 1256
حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] .. وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَصَحِّ قَوْلَي الْعُلَمَاءِ وَهُوَ: أَنَّ هَذَا التَّحْرِيمَ بَاقٍ عَلَيْهِم بَعْدَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ لَا يَزُولُ إلَّا بِمُتَابَعَتِهِ؛ لِأَنّهُ تَحْرِيمُ عُقُوبَةٍ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَبَغْيِهِمْ؛ وَهَذَا لَمْ يَزُلْ، بَل زَادَ وتغلظ فَكَانُوا أَحَقَّ بِالْعُقُوبَةِ.
وَقَوْلهُ: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ لَا يَدْخُلُ فِيهِ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ، كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، لَا يَدْخُلُ فِيهِ مَا حُرِّمَ عَلَيْنَا مِمَّا يَسْتَحِلُّونَهُ هُمْ؛ كَصَيْدِ الْحَرَمِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ. [١٩/ ٢٦٤ - ٢٦٥]
١٥١٦ - أَمَرَ الله رَسُولَهُ ﷺ بسِؤَالِ أَهلِ الْكِتَابِ عَمَّا تَوَاتَرَ عِنْدَهم كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) ﴾ [النحل: ٤٣]، فَإِنَّ مِنَ الْكُفَّارِ مَن أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ للهِ رَسُولٌ بَشَرٌ فَأَخْبَرَ اللهُ أَنَّ الَّذِينَ أَرْسَلَهُم قَبْلَ مُحَمَّدٍ كَانُوا بَشَرًا، وَأَمَرَ بِسُؤَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ عَن ذَلِكَ لِمَن لَا يَعْلَمُ (١) . [١٩/ ١١]
* * *
سورة الإسراء
١٥١٧ - ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢) ﴾ [الإسراء: ٤٢].
قال شيخنا ﵁: والصحيح أن المعنى: لابتغوا (٢) إليه سبيلًا بالتقرب إليه وطاعته، فكيف تعبدونهم من دونه؟ وهم لو كانوا آلهة كما يقولون لكانوا عبيدًا له. الحواشي
(١) كلام شيخ الإسلام ﵀ ظاهر في أنّ المقصود بأهل الذكر أهل الكتاب، وسياق الآية يدل على ذلك، قال الحافظ ابن كثير ﵀: وَقَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ: الذِّكْرُ: الْقُرْآنُ، وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ(٩) ﴾ [الحجر: ٩]: صَحِيحٌ، وَلَكِنْ لَيْسَ هُوَ الْمُرَادُ هَاهُنَا؛ لِأن الْمُخَالِفَ لَا يَرْجِعُ فِي إِثْبَاتِهِ بَعْدَ إِنْكارِهِ إِلَيْهِ.
وَكَذَا قَوْلُ أبي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ: "نَحْنُ أَهْلُ الذكْرِ" -وَمُرَادُ أنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ أهْلُ الذكْرِ- صَحِيحٌ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ أعْلَمُ مِنْ جَمِيعِ الْأمَمِ السَّالِفَةِ. اهـ. تفسير ابن كثير (٤/ ٥٧٣).(٢) أي: الآلهة.стр. 1257
قال: ويدل على هذا وجوه:
منها: قَولُهُ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧].
أَي: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَعْبُدُونَهُمْ مِنْ دُوني هُمْ عِبَادِي كَمَا أَنْتُمْ عِبَادِي، وَيَرْجُونَ رَحْمَتِي ويخَافُونَ عَذَابِي، فَلِمَاذَا تَعْبُدُونَهُمْ مِنْ دُوني؟
الثاني: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَقُلْ: "لَابْتَغَوْا عَلَيْهِ سَبِيلًا"، بَلْ قَالَ: "لَابْتَغَوْا إِلَيْهِ سَبِيلًا" (١) ، وَهَذَا اللَّفْظُ إِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي التَّقَرُّبِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥].
وَأَمَّا فِي الْمُغَالَبَةِ فَإنَّمَا يُسْتَعْمَلُ بِعَلَى؛ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٣٤] (٢) . [المستدرك ١/ ١٨٨]
١٥١٨ - قَولُهُ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢) ﴾ [الإسراء: ٣٢]، عَلَّلَ النَّهْيَ عَنْهُ بِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِن أَنَّهُ فَاحِشَةٌ وَأَنَّهُ سَاءَ سَبِيلًا، فَلَو كَانَ إنَّمَا صَارَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا بِالنَّهْيِ لَمَا صَحَّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ تَسْبِقُ الْمَعْلُولَ لَا تَتْبَعُهُ (٣) . [١٥/ ٨ - ٩]
١٥١٩ - قال تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩) ﴾ [الإسراء: ١٠٩]، قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: أَوَّلُ مَا يَلْقَى الْأَرْضَ مِن الَّذِي يَخِرُّ قَبْلَ أَنْ يُصَوِّبَ جَبْهَتَهُ ذَقَنُهُ فَلِذَلِكَ قَالَ: ﴿لِلْأَذْقَانِ﴾ [الإسراء: ١٠٩]؛ أَيْ: عَلَى الْأَذْقَانِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] أَيْ: عَلَى الْجَبِينِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿لِلْأَذْقَانِ﴾ [الإسراء: ١٠٧] يَدُلُّ عَلَى تَمَامِ السُّجُودِ، وَأَنَّهُم سَجَدُوا الحواشي
(١) في الأصل: (لم يقل: ﴿لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ بل قال: (لابتغوا إليه سبيلًا)، والتصويب من الجواب الكافي.(٢) الجواب الكافي (ص ٢٤٢)، هذه الوجوه غير موجودة في المجموع. (الجامع).(٣) في هذا ردٌّ على مَن لا يُثْبِتُ لِلْأَفْعَالِ فِي نَفْسِهَا صِفَاتِ الْحُسْنِ وَالسُّوءِ.стр. 1258
عَلَى الْأَنْفِ مَعَ الْجَبْهَةِ حَتَّى الْتَصَقَت الْأَذْقَانُ بِالْأَرْضِ، لَيْسُوا كَمَن سَجَدَ عَلَى الْجَبْهَةِ فَقَطْ، وَالسَّاجِدُ عَلَى الْأَنْفِ قَد لَا يُلْصِقُ الذَّقَنَ بِالْأَرْضِ إلَّا إذَا زَادَ انْخِفَاضُهُ.
فَالسَّاجِدُ يَخِرُّ عَلَى ذَقَنِهِ ويسْجُدُ عَلَى جَبْهَتِهِ، فَهَذَا خُرُورُ السُّجُودِ. [٢٣/ ١٤٣، ١٥٧]
* * *
سورة الكهف
١٥٢٠ - قوله سبحانه: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦] العين في الأرض، ومعنى ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾؛ أي: في رأي الناظر باتفاق المفسرين، وليس المراد أنها تسقط من الفلك فتغرب في تلك العين؛ فإنها لا تنزل من السماء إلى الأرض، ولا تفارق فلكها، والفلك فوق الأرض من جميع أقطارها لا يكون تحت الأرض. [المستدرك ١/ ١٨٩]
١٥٢١ - قَالَ الْمُؤْمِنُ لِصَاحِبِهِ: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩]، وَلهَذَا يُؤمَرُ بِهَذَا مَن يَخَافُ الْعَيْنَ عَلَى شَيءٍ، فَقَوْلُهُ: مَا شَاءَ اللهُ تَقْدِيرُهُ: مَا شَاءَ اللهُ كَانَ، فَلَا يَأْمَن (١) ، بَل يُومِنُ بِالْقَدَرِ، ويقُولُ: لَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ. [١٣/ ٣٢١]
١٥٢٢ - قِصَّةُ الْخَضِرِ مَعَ مُوسَى لَمْ تَكُنْ مُخَالِفَةً لِشَرْعِ اللهِ وَأَمْرِهِ، وَلَا فَعَلَ الْخَضِرُ مَا فَعَلَهُ لِكَوْنِهِ مُقَدَّرًا كَمَا يَظُنُّهُ بَعْضُ النَّاسِ؛ بَل مَا فَعَلَهُ الْخَضِرُ هُوَ مَأمُورٌ بِهِ فِي الشَّرْعِ، بِشَرْطِ أَنْ يَعْلَمَ مِن مَصْلَحَتِهِ مَا عَلِمَهُ الْخَضِرُ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ مُحَرَّمًا مُطْلَقًا؛ وَلَكِنْ خَرَقَ السَّفِينَةَ وَقَتَلَ الْغُلَامَ وَأَقَامَ الْجِدَارَ، فَإِنَّ إتْلَافَ بَعْضِ الْمَالِ لِصلَاحِ أَكْثَرِهِ هُوَ أَمْرٌ مَشْرُوعٌ دَائِمًا، وَكَذَلِكَ قَتْلُ الْإِنْسَانِ الصَّائِلِ الحواشي
(١) أي: لا ينبغي أنْ يكون آمنًا من العين ونحوها، بل يُؤمن بأنها حقٌّ ويفعل الأسباب التي تحفظُه منها، ومِن أعظم الأسباب قراءة الأوراد والأذكار.стр. 1259
لِحِفْظِ دِينِ غَيْرِهِ أَمْرٌ مَشْرُوعٌ، وَصَبْرُ الْإِنْسَانِ عَلَى الْجُوعِ مَعَ إحْسَانِهِ إلَى غَيْرِهِ أَمْرٌ مَشْرُوعٌ.
فَهَذِهِ الْقَضِيَّةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَكُونُ مِن الْأُمُورِ مَا ظَاهِرُهُ فَسَاد، فَيُحَرِّمُهُ مَن لَمْ يَعْرِفِ الْحِكْمَةَ الَّتِي لِأجْلِهَا فُعِلَ، وَهُوَ مُبَاحٌ فِي الشَّرْعِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا لِمَن عَلِمَ مَا فِيهِ مِن الْحِكْمَةِ الَّتِي تُوجِبُ حُسْنَهُ وَإِبَاحَتَهُ (١) . [١٤/ ٤٧٥ - ٤٥٦]
* * *
سورة مريم
١٥٢٣ - سُورَةُ مَرْيَمَ: سُورَةُ الْمَوَاهِبِ، وَهِيَ مَا وَهَبَهُ اللهُ لِأَنْبِيَائِهِ مِن الذُّرِّيَّةِ الطَّيِّبةِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَالْعِلْمِ النَّافِعِ. [١٥/ ٢٣١]
١٥٢٤ - قَوْله : ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) ﴾ [مريم: ٥٩]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) ﴾ [الماعون:٤، ٥] الْمُرَادُ بِهَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ: مَن أَضَاعَ الْوَاجِبَ فِي الصَّلَاةِ لَا مُجَرَّدَ تَرْكِهَا، هَكَذَا فَسَّرَهَا الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْكَلَامِ فَاِنَّهُ قَالَ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) ﴾ فأثْبَتَ لَهُم صَلَاةً وَجَعَلَهُم سَاهِينَ عَنْهَا، فَعُلِمَ أَنَّهُم كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَ السَّهْوِ عَنْهَا، وَقَد قَالَ طَائِفَةٌ مِن السَّلَفِ: بَل هُوَ السَّهْوُ عَمَّا يَجِبُ فِيهَا، مِثْل تَرْكِ الطُّمَأنينَةِ، وَكِلَا الْمَعْنيَيْنِ حَقٌّ، وَالْآيَةُ تتنَاوَلُ هَذَا وَهَذَا.
وَقَد تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِيمَن غَلَبَ عَلَيْهِ الْوَسْوَاسُ فِي صِلَاتِهِ هَل عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ عَلَى قَوْلَيْنِ: الحواشي
(١) كما في صلح الحديبية، فإنّ ظاهره فساد وغضاضةٌ على المسلمين، ومصلحة وعزة للمشركين، ولذلك اعترض عليه بعض الصحابة، ولكنّ النبي ﷺ علم ما يترتب عليه من المصالح والحِكَم العظيمة، التي تربوا على ما يُظن أنه مفسدة، وهذا ما حصل، فقد أتاح هذا الصلح الحوار بين الكفار والمسلمين، واستمع الكفار لحجج المسلمين ولنبيهم وكتاب ربّهم، فأسلم الكثير منهم.стр. 1260
لَكِنَّ الْأَئِمَّةَ كَأحْمَدَ وَغَيْرِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ.
والثَّاني: عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ.
وَالتَّحْقِيقُ أنَّهُ لَا أَجْرَ لَهُ إلَّا بِقَدْرِ الْحُضورِ، لَكِن ارْتَفَعَتْ عَنْة الْعُقُوبَةُ الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا تَارِكُ الصَّلَاةِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ: تَبْرَأ ذِمَّتُهُ بِهَا؛ أيْ: لَا يُعَاقَبُ عَلَى التَّرْكِ، لَكِنَّ الثَّوَابَ عَلَى قَدْرِ الْحُضُورِ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: لَيْسَ لَك مِن صَلَاتِك إلَّا مَا عَقَلْت مِنْهَا، فَلِهَذَا شُرِعَتِ السُّنَنُ الرَّوَاتِبُ جَبْرًا لِمَا يَحْصُلُ مِن النَّقْصِ فِي الْفَرَائِضِ وَاللهُ أَعْلَمُ. [١٥/ ٢٣٥ - ٢٣٦]
* * *
سورة طه
١٥٢٥ - قَالَ تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠) ﴾ [طه: ١١٠]، الرَّاجِحُ مِن الْقَوْلَيْنِ أَنَّ الضَّمِيرَ (١) عَائِدٌ إلَى: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وَإِذَا لَمْ يُحِيطُوا بِهَذَا عِلْمًا وَهُوَ بَعْضُ مَخْلُوقَاتِ الرَّبِّ، فَأنْ لَا يُحِيطُوا عِلْمًا بِالْخَالِقِ أوْلَى وَأَحْرَى. [١٦/ ٨٨]
١٥٢٦ - قوله فِي قِصَّةِ فِرْعَوْنَ: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]، جَعَلَ ذَلِكَ نوْعَيْنِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْفَوَائِدِ: أَنَّهُ إذَا تَذَكَّرَ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ وَأَنَّ اللهَ خَالِقُهُ وَلَيْسَ هُوَ إلَهًا وَرَبًّا كَمَا ذَكَرَ، وَذَكَرَ إحْسَانَ الله إلَيْهِ، فَهَذَا التَّذَكُّرُ يَدْعُوهُ إلَى اعْتِرَافِهِ بِرُبُوبِيَّةِ اللهِ وَتَوْحِيدِهِ وَإِنْعَامِهِ عَلَيْهِ، فَيَقْتَضِي الْإِيمَانَ وَالشُّكرَ وَإِن قَدَّرَ أَنَّ اللهَ لَا يُعَذِّبُهُ .. وَإِن لَمْ يَخَفْ عَذَابًا.
﴿أَوْ يَخْشَى﴾، وَنَفْسُ الْخَشْيَةِ إذَا ذَكَرَ لَهُ مُوسَى مَا تَوَعَّدَهُ الله بِهِ مِن عَذَابِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَإِنَّ هَذَا الْخَوْفَ قَد يَحْمِلُهُ عَلَى الطَّاعَةِ وَالِانْقِيَادِ وَلَو لَمْ يَتَذَكَرْ. الحواشي
(١) في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ﴾.
قال البغوي ﵀: قِيلَ: الْكِنَايَةُ تَرْجِعُ إِلَى مَا؛ أيْ: هُوَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ، وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَهُ، وَقيلَ: الْكنَايَةُ رَاجِعَة إِلَى اللهِ لِأنَّ عِبَادَهُ لَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا. اهـ.стр. 1261
وَقَد يَحْصُلُ تَذَكُّرٌ بِلَا خَشْيَةٍ، وَقَد يَحْصُلُ خَشْيَةٌ بِلَا تَذَكُّرٍ، وَقَد يَحْصُلَانِ جَمِيعًا وَهُوَ الْأَغْلَبُ.
وَأَيْضًا: فَذِكْرُ الْإِنْسَانِ يَحْصُلُ بِمَا عَرَفَهُ مِنَ الْعُلُومِ قَبْلَ هَذَا فَيَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ عَقْلِهِ، وَخَشْيَتُهُ تكُونُ بِمَا سَمِعَهُ مِنَ الْوَعِيدِ.
فَبِالْأوَّلِ: يَكُونُ مِمَن لَهُ قَلْبٌ يَعْقِلُ بِهِ.
وَالثَّاني: يَكُونُ مِمَن لَهُ أُذُنٌ يَسْمَعُ بِهَا (١) . [١٦/ ١٧٩ - ١٨٠]
١٥٢٧ - ذَكَرَ اللهُ هَذِهِ الْقِصَّةَ؛ [أي: قصة موسى ﵇ مع فرعون وقومه] فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ مِنَ الْقُرْآنِ، يُبَيّنُ فِي كلِّ مَوْضِعٍ مِنْهَا مِنَ الِاعْتِبَارِ وَالِاسْتِدْلَالِ نَوْعًا غَيْرَ النَّوْعِ الْآخَرِ؛ كَمَا يُسَمَّى اللهُ وَرَسُولُهُ وَكِتَابُهُ بِأَسْمَاءٍ مُتَعَدِّدَةٍ، كُلُّ اسْم يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ الِاسْمُ الْآخَرُ، وَلَيْسَ فِي هَذَا تَكْرَارٌ، بَل فِيهِ تَنْوِيعُ الْآيَاتِ؛ مِثْل: أَسْمَاءِ النَّبِيِّ ﷺ إذَا قِيلَ: مُحَمَّد وَأَحْمَد وَالْحَاشِرُ وَالْعَاقِبُ وَالْمُقَفَّى وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ وَنَبِيُّ الْمَلْحَمَةِ، فِي كُلِّ اسْمٍ دَلَالَةٌ عَلَى مَعْنًى لَيْسَ فِي الِاسْمِ الْآخَرِ، وَإِن كَانَتِ الذَّاتُ وَاحِدَة فَالصِّفَات مُتَنَوِّعَةٌ.
فَهَذَا فِي الْأَسْمَاءِ الْمُفْرَدَةِ.
وَكَذَلِكَ فِي الْجُمَلِ التَّامَّةِ يُعَبّرُ عَنِ الْقِصَّةِ بِجُمَلٍ تَدُلُّ عَلَى مَعَانٍ فِيهَا ثُمَّ الحواشي
(١) وعلى هذا: فإنّ (أو) على بابها على الراجح، وليست للعطف كما هو قول كثير من المفسرين والنحويين.
قال ابن القيِّم: اعْلَمْ أن الرَّجُلَ قَد يَكُونُ لَهُ قَلْبٌ وَقَّادٌ، مَلِيءٌ كل بِاستِخْرَاجِ الْعِبَرِ، وَاسْتِنْبَاطِ الْحِكَمِ، فَهَذَا قَلْبُهُ يُوقِعُهُ عَلَى التَّذَكُّرِ وَالِاعْتِبَارِ، فَإذَا سَمِعَ الآيَاتِ كَانَت لَهُ نُورًا عَلَى نُورٍ، وَهَؤُلَاءِ أكْمَلُ خَلْقِ اللهِ، وَأَعْظَمُهُم إِيمَانًا وَبَصِيرَةً ..
فَصَاحِبُ هَذَا الْقَلْبِ إِذَا سَمِعَ الْآيَاتِ وَفي قَلْبِهِ نُورٌ مِنَ الْبَصِيرَةِ ازْدَادَ بِهَا نُورًا إِلَى نُورِهِ. فَإنْ لَمْ يَكُن لِلْعَبْدِ مِثْلُ هَذَا الْقَلْب فَألْقَى السَّمْعَ وَشَهِدَ قَلْبُهُ وَلَمْ يَغِبْ حَصَلَ لَهُ التَّذكرُ أَيْضًا.
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ(٦) ﴾ [سبأ: ٦] فَكلُّ مُؤْمِنٍ يَرَى هَذَا، وَلَكِنَّ رُويَةَ أَهْلِ الْعِلْمِ لَهُ لَوْنٌ، وَرُؤيَةَ غَيْرِهِمْ لَهُ لَوْنٌ آخَرُ. اهـ. مدارج السالكين (١/ ٤٤٢).стр. 1262
يُعَبِّرُ عَنْهَا بِجُمَلٍ أخْرَى تَدُلُّ عَلَى مَعَانٍ أُخَرَ وَإِن كَانَتِ الْقِصَّةُ الْمَذْكُورَةُ ذَاتُهَا وَاحِدةً فَصِفَاتُهَا مُتَعَدِّدَةٌ، فَفِي كُلِّ جُمْلَةٍ مِنَ الْجُمَلِ مَعْنًى لَيْسَ فِي الْجُمَلِ الأُخَرِ.
وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ تكْرَارٌ أَصْلًا. [١٩/ ١٦٧ - ١٦٨]
* * *
سورة الأنبياء
١٥٢٨ - سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ سُورَةُ الذِّكْرِ، وَسُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ عَلَيهِم نَزَلَ الذِّكْرُ افْتَتَحَهَا بِقَوْلِهِ: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء:٢]. [١٥/ ٢٦٥]
١٥٢٩ - قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢]؛ يَعْنِي وَاللهُ أَعْلَمُ: اُنْصُرْ أَهْلَ الْحَقِّ، أَو اُنْصُرْ الْحَقَّ. [١٥/ ٢٦٥]
١٥٣٠ - قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء: ٤٢]؛ أَيْ: بَدَلًا عَن الرَّحْمَنِ، هَذَا أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) ﴾ [الزخرف: ٦٠]؛ أَيْ: لَجَعَلْنَا بَدَلًا مِنْكُمْ، كَمَا قَالَهُ عَامَّةُ الْمُفَسِّرِينَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
فَلَيْتَ لَنَا مِن مَاءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً … مُبَرَّدَةً بَاتَتْ عَلَى الطَّهَيَانِ
أَيْ: بَدَلًا مِن مَاءِ زَمْزَمَ.
فَلَا يَكْلَأُ الْخَلْقَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فَيَحْفَظُهُم وَيَدْفَعُ عَنْهُم الْمَكَارِهَ إلَّا اللهُ. [٢٧/ ٤٤١]
* * *
سورة الحج
١٥٣١ - قَوْله تَعَالَى: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ
стр. 1263
أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٣، ٥٤].
جَعَلَ اللهُ الْقُلُوبَ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: قَاسِيَةً، وَذَاتَ مَرَضٍ، وَمُؤمِنَةً مُخْبِتَةً.
وَذَلِكَ لِأَنَّهَا إمَّا أَنْ تَكُونَ يَابِسَةً جَامِدَة لَا تَلِينُ لِلْحَقِّ اعْتِرَافًا وإذْعَانًا، أَو لَا تكونُ يَابِسَةً جَامِدَةً.
فالْأوّلُ: هُوَ الْقَاسِي، وَهُوَ الْجَامِدُ الْيَابِسُ بِمَنْزِلَةِ الْحَجَرِ لَا يَنْطَبعُ وَلَا يُكْتَبُ فِيهِ الْإِيمَانُ، وَلَا يَرْتَسِمُ فِيهِ الْعِلْمُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي مَحَلًّا لَيّنًا قَابِلًا.
والثَّانيْ: لَا يَخْلو:
أ - إمَّا أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ ثَابِتًا فِيهِ لَا يَزولُ عَنْهُ؛ لِقُوَّتِهِ مَعَ لِينِهِ.
ب- أَو يَكُونَ لِينُهُ مَعَ ضَعْفٍ وَانْحِلَالٍ.
فَالثَّاني: هُوَ الَّذِي فِيهِ مَرَضٌ، وَالْأوَّلُ هُوَ الْقَوِيُّ اللَّيِّنُ.
وَفي قَولهِ: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ يَذلُّ عَلَى الْإِيمَانِ. [١٣/ ٢٧٠ - ٢٧١]
١٥٣٢ - قَوْله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) ﴾ لِلنَّاسِ فِيهَا قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ؛ بَعْدَ اتفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ التَّمَنّيَ هُوَ التّلَاوَةُ وَالْقُرْآنُ كَمَا عَلَيْهِ الْمُفَسِّرُونَ مِن السَّلَفِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨) ﴾ [البقرة: ٧٨]:
الْاوّلُ: أَنَّ الْإِلْقَاءَ هُوَ فِي سَمْعِ الْمُسْتَمِعِينَ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ الرَّسُولُ، وَهَذَا قَوْلُ مَن تَأوَّلَ الْآيَةَ بِمَنْعِ جَوَازِ الْإِلْقَاءِ فِي كَلَامِهِ.
والثَّانِي: -وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ عَامَّةُ السَّلَفِ وَمَنِ اتبعَهُم- أَنَّ الْإِلْقَاءَ فِي نَفْسِ التِّلَاوَةِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ وَسِيَاقُهَا مِن غَيْرِ وَجْهٍ، كَمَا وَرَدَتْ بِهِ الْآثَارُ
стр. 1264
الْمُتَعَدِّدَةُ، وَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ، إلَّا إذَا أُقِرَّ عَلَيْهِ، فَأَمَّا إذَا نَسَخَ اللهُ مَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ وَأَحْكَمَ آيَاتِهِ فَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ، وَلَيْسَ هُوَ خَطَأٌ وَغَلَطٌ فِي تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ إلَّا إذَا أُقِرَّ عَلَيْهِ.
وَلَا ريبَ أَنَّه مَعْصومٌ فِي تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ أَنْ يقَرَّ عَلَى خَطَأٍ. [١٥/ ١٩٠ - ١٩١]
١٥٣٣ - قَوْلُهُ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ﴾ [الحج: ٣، ٤] فِي أَثْنَاءِ آياتِ الْمَعَادِ، وَعَقَّبَهَا بآيةِ الْمَعَادِ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٨، ٩].
قَوْلُهُ: (يجادل في الله بلا علم) ذَمٌّ لِكُلِّ مَن جَادَلَ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْم، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ بِالْعِلْمِ كَمَا فَعَلَ إبْرَاهِيمُ بِقَوْمِهِ (١) ، وَفي الْأولَى ذمَّ الْمُجَادِلَ بِغَيْرِ عِلْم، وَفِي الثَّانِيَةِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابِ مُنِير.
وَهَذَا -وَاللهُ أَعْلَمُ- مِن بَابِ عَطْفِ الْخَاصّ عَلَى الْعَامّ، أَو الِانْتِقَالِ مِن الْأَدْنَى إلَى الأعْلَى (٢) . [١٥/ ٢٦٨]
١٥٣٤ - قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١) يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣) ﴾ [الحج: ١١ - ١٣]، الحواشي
(١) وكما فعل شيخ الاسلام ﵀ مع المخالفين من المسلمين والمبتدعة والكفار، حيث أكثر من جدالهم وردّ شبههم.
وأما ما ورد من ذم الجدال: فقد بين الشيخ أنّ الجدال المذموم هو الذي يكون بغير علم، ولا يكون الهدف منه الوصول للحق.(٢) وقيل بأنّ الآية الأولى بيَّنت حَالَ الضلَّالِ الْجُهَّالِ الْمُقَلَّدِينَ، والآية الثانية بيّنت حَالَ الدُّعَاةِ إِلَى الضَّلَالِ مِنْ رُءُوسِ الْكُفْرِ وَالْبِدَع. وهذا اختيار الحافظ ابن كثير ﵀. تفسير ابن كثير (٥/ ٣٩٩).стр. 1265
فَإِنَّ آخِرَ هَذِهِ الْآيَةِ قَد أَشْكَلَ عَلَى كَثِيرٍ مِن النَّاسِ، كَمَا قَالَ طَائِفَةٌ مِن الْمُفَسِّرِينَ؛ كَالثَّعْلَبِيِّ والبغوي وَاللَّفْظُ للبغوي قَالَ: هَذِهِ الْآيَةُ مِن مُشْكِلَاتِ الْقُرْآنِ، وَفيهَا أَسْئِلَةٌ أَوَّلُهَا: قَالُوا: قَد قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُولَى: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ﴾؛ أَيْ: لَا يَضُرُّهُ تَرْكُ عِبَادَتِهِ، وَقَوْلُهُ: ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ﴾؛ أَيْ: ضَرُّ عِبَادَتِهِ.
قُلْت: هَذَا جَوَابٌ، وَذَكَرَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ جَوَابًا غَيْرَ هَذَا.
فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ﴾ هُوَ نَفْيٌ لِكوْنِ الْمَدْعُوِّ الْمَعْبُودِ مِن دُونِ اللهِ يَمْلِكُ نَفْعًا أَو ضُرًّا.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَنَقُولُ: الْمَنْفِيُّ قُدْرَةُ مَن سِوَاهُ عَلَى الضُّرِّ وَالنَّفْعِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ فَنَقُولُ أَوَّلًا: الْمَنْفِيُّ هُوَ فِعْلُهُم بِقَوْلِهِ: ﴿مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ﴾، وَالْمُثْبَتُ اسْمٌ مُضَافٌ إلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ: يَضُرُّ أَعْظَمَ مِمَّا يَنْفَعُ؛ بَل قَالَ: ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ وَالشَّيءُ يُضَافُ إلَى الشَّيءِ بِأدْنَى مُلَابَسَةٍ، فَلَا يَجِبُ أنْ يَكُونَ الضُّرُّ وَالنَّفْعُ الْمُضَافَيْنِ مِن بَابِ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلَى الْفَاعِلِ (١) ، بَل قَد يُضَافُ الْمَصْدَرُ مِن جِهَةِ كَوْنِهِ اسْمًا كَمَا تُضَافُ سَائِرُ الْأسْمَاءِ، وَقَد يُضَافُ إلَى مَحَلِّهِ وَزَمَانِهِ وَمَكَانِهِ وَسَبَبِ حُدُوثهِ وَإِن لَمْ يَكُن فَاعِلًا؛ كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣]، وَلَا رَيْبَ أَنَّ بَيْنَ الْمَعْبُودِ مِن دُونِ اللهِ وَبَيْنَ ضَرَرِ عَابِدِيهِ تَعَلُّقٌ يَقْتَضِي الْإِضَافَةَ؛ كَأَنَّهُ قِيلَ: لَمَن شَرُّهُ أَقْرَبُ مِن خَيْرِهِ وَخَسَارَتُهُ أَقْرَبُ مِن رِبْحِهِ، فَتَدَبَّرْ هَذَا.
وَلَو جُعِلَ هُوَ فَاعِلَ الضُّرِّ بِهَذَا لِأنَّهُ سَبَبٌ فِيهِ، لَا لأنَّهُ هُوَ الَّذِي فَعَلَ الضَّرَرَ وَهَذَا كَقَوْلِ الْخَلِيلِ عَنِ الْأَصْنَامِ: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، فَنُسِبَ الْإِضْلَال إلَيْهِنَّ وَالْإِضْلَالُ هُوَ ضَرَرٌ لِمَن أَضْلَلْنَهُ. [١٥/ ٢٦٩ - ٢٧٤] الحواشي
(١) فالأصنام لا تضر بنفسِها.следующие страницы →