← Фатава

Фатава · id 879

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (3 539 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

يَذْكُرْهُ؛ بَل ذَكَرَ النَّاس؛ لِأَنَّهُم الْمُسْتَعِيذُونَ، فَيَسْتَعِيذُونَ بِرَبِهِم الَّذِي يَصُونُهُمْ، وَبِمَلِكِهِمْ الَّذِي أَمَرَهُم وَنَهَاهُمْ، وَبِإِلَاهِهِمْ الَّذِي يَعْبُدُونَهُ مِن شَرّ الَّذِي يَحُولُ بَيْنَهُم وَبَيْنَ عِبَادَتِهِ، ويسْتَعِيذُونَ أَيْضًا مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الَّذِي يَحْصُلُ فِي نُفُوسِ النَّاسِ مِنْهُم وَمِنَ الْجِنَّةِ، فَإِنَّهُ أَصْلُ الشَّرِّ الَّذِي يَصْدُرُ مِنْهُم وَاَلَّذِي يَرُدُّ عَلَيْهِمْ. [١٧/ ٥٠٩ - ٥١٨] * * * (فصلٌ فِي آيَاتٍ ثَلَاثٍ مُتَنَاسِبَةٍ مُتَشَابِهَةِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى) ١٦١٨ - فصلٌ فِي آياتٍ ثَلَاثٍ مُتَنَاسِبَةٍ مُتَشَابِهَةِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، يَخْفَى مَعْنَاهَا عَلَى أَكْثَرِ النَّاسِ: أ - قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١)﴾ [الحجر: ٤١]. ب- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ [النحل: ٩]. ج- وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢)﴾ [الليل: ١٢]. قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١)﴾. الْقَوْلُ الصَّوَابُ هُوَ قَوْلُ أَئِمَّةِ السَّلَفِ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَنَحْوِهِ (١): "الْحَقُّ يَرْجِعُ إلَيَّ وَعَلَيْهِ طَرِيقُهُ لَا يُعَرِّجُ عَلَى شَيءٍ". وَمَا ذَكَرُوهُ عَن مُجَاهِدٍ ثَابِتٌ عَنْهُ. وعَن ابْنِ أَبِي نَجِيح عَن مُجَاهِدٍ قَوْلُهُ: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ قَالَ: طَرِيقُ الْحَقِّ عَلَى اللهِ.

стр. 1332

وَإِذَا كَانَت الْعَرَبُ تَقُولُ: طَرِيقُك فِي هَذَا الْأَمْرِ عَلَى فُلَانٍ؛ أَيْ: إلَيْهِ يَصِيرُ أَمْرُك، فَهَذَا يُطَابِقُ تَفْسِيرَ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ مِن السَّلَفِ، كَمَا قَالَ مُجَاهِد: الْحَقُّ يَرْجِعُ إلَى اللهِ، وَعَلَيْهِ طَرِيقُهُ لَا يُعَرِّجُ عَلَى شَيءٍ. فَطَرِيقُ الْحَق عَلَى اللهِ وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ الَّذِي قَالَ اللهُ فِيهِ: ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١)﴾. وَالصَّحِيحُ: أَنَّ "السَّبِيلَ" اسْمُ جِنْسٍ، وَلَكِنَّ الَّذِي عَلَى اللهِ هُوَ الْقَصْدُ مِنْهَا، وَهِيَ سَبِيلٌ وَاحِدٌ، وَلَمَّا كَانَ جِنْسًا قَالَ: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾. وَأَمَّا آيَةُ اللَّيْلِ -قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢)﴾ -. قَالَ الزَّجَّاجُ: إنَّ عَلَيْنَا أَنْ نُبَيِّنَ طَرِيقَ الْهُدَى مِن طَرِيقِ الضَّلَالِ. وَهَذَا التَّفْسِيرُ ثَابِتٌ عَن قتادة. فَقَد تبَيَّنَ أَنَّ جُمْهُورَ الْمُتَقَدّمِينَ فَسَّرُوا الْآيَاتِ الثَّلَاثَ بِأَنَّ الطَّرِيقَ الْمُسْتَقِيمَ لَا يَدُلُّ إلَّا عَلَى اللهِ. وَمِنْهُم مَن فَسَّرَهَا بِأَنَّ عَلَيْهِ بَيَانَ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ. وَالْمَعْنَى الْأَوَّلُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. وَأَمَّا الثَّانِي فَقَد يَقُولُ طَائِفَةٌ: لَيْسَ عَلَى اللهِ شَيٌ - لَا بَيَانُ هَذَا وَلَا هَذَا، فَإِنَّهُم مُتَنَازِعُونَ هَل أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ. وَدَلَالَةُ الْآيَاتِ عَلَى هَذَا فِيهَا نَظَرٌ. وَأَمَّا الْمَعْنَى الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ فَهُوَ مُرَاد مِنَ الْآيَاتِ الثَّلَاثِ قَطْعًا، وَأَنَّهُ أَرْشَدَ بِهَا إلَى الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ، وَهِيَ الطَّرِيقُ الْقَصْدُ، وَهِيَ الْهُدَى. [١٥/ ١٩٨ - ٢١٣] * * *

стр. 1333

(أفضلية بعض السور على بعض) ١٦١٩ - وَلهَذَا كَانَت سورَةُ "الْأَنْعَامِ" أَفْضَل مِن غَيْرِهَا، وَكَذَلِكَ سُورَةُ "يس" وَنحْوُهَا مِنَ السُّوَرِ الَّتِي فِيهَا أُصُولُ الدّينِ الَّتِي اتَّفَقَ عَلَيْهَا الرُّسُلُ كُلُّهُم صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِم. وَلهَذَا كَانَت ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ مَعَ قِلَّةِ حُرُوفهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ فِيهَا التَّوْحِيدَ، فَعُلِمَ أَنَّ آيَاتِ التَّوْحِيدِ أَفْضَلُ مِن غَيْرِهَا، وَفَاتِحَةُ الْكِتَابِ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ بِلَا رَيْبٍ. و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ مَكِّيَّة بِلَا ريبٍ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَسُورَةُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ أَكْثَرُهُم عَلَى أَنَّهَا مَكِّيَّة، وَقَد ذُكِرَ فِي أَسْبَابِ نُزُولهَا سُؤَالُ الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ، وَسُؤَالُ الْكُفَّارِ مِن أَهْلِ الْكِتَابِ الْيَهُود بِالْمَدِينَةِ، وَلَا مُنَافَاةَ؛ فَإِنَّ اللهَ أَنْزَلَهَا بِمَكَّةَ أَوَّلًا ثمَّ لَمَّا سُئِلَ نَحْو ذَلِكَ أَنْزَلَهَا مَرَة أُخْرَى. وَهَذَا مِمَّا ذَكَرَهُ طَائِفَةٌ مِن الْعُلَمَاءِ وَقَالُوا: إنَّ الْآيَةَ أَو السُّورَةَ قَد تَنْزِلُ مَرَّتَيْنِ وَأَكْثَرَ مِن ذَلِكَ، فَمَا يُذْكَرُ مِن أَسْبَابِ النُّزُولِ الْمُتَعَدِّدَةِ قَد يَكُونُ جَمِيعُهُ حَقًّا. وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ: أَنَّهُ إذَا حَدَثَ سَبَبٌ يُنَاسِبُهَا نَزَلَ جِبْرِيلُ فَقَرَأَهَا عَلَيْهِ لِيُعَلِّمَهُ أَنَّهَا تتضَمَّنُ جَوَابَ ذَلِكَ السَّبَبِ، وإن كَانَ الرَّسُولُ يَحْفَظُهَا قَبْلَ ذَلِكَ. [١٧/ ١٩٠ - ١٩٨] * * * (أصلان هما جماع الدين العام) ١٦٢٠ - جماع الأمر المحمود يرجع إلى الأصلين، كما روى [الترمذي] (١) حديثًا صححه عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ سُئِل: ما أكثر ما يُدخِلُ الناس

стр. 1334

الجنة؟ فقال: "تقوى الله وحُسن الخُلُق" (١). فتقوى الله وحُسن الخُلُق يجمع كل خير، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨]. [المجموعات العليّة ١/ ١١٧ - ١١٨] ١٦٢١ - قَالَ تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥)﴾ [الليل: ٥] وَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨] وَهَذَانِ الْأَصْلَانِ هُمَا جِمَاعُ الذينِ الْعَامّ، كَمَا يُقَالُ: التَّعْظِيمُ لِأَمْرِ اللهِ، وَالرَّحْمَةُ لِعِبَادِ اللهِ. فَالتَّعْظِيمُ لِأَمْرِ اللهِ يَكُونُ بِالْخُشُوعِ وَالتَّوَاضُعِ وَذَلِكَ أَصْلُ التَّقْوَى، وَالرَّحْمَةُ لِعِبَادِ اللهِ بِالْإِحْسَانِ إلَيْهِمْ، وَهَذَانِ هُمَا حَقِيقَةُ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإنَّ الصَّلَاةَ مُتَضَمِّنَة لِلْخُشُوعِ للهِ وَالْعُبُودِيَّةِ لَهُ وَالتَّوَاضُعِ لَهُ وَالذُّلّ لَهُ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مُضَادٌّ لِلْخُيَلَاءِ وَالْفَخْرِ وَالْكِبْرِ. وَالزَّكَاةُ مُتَضَمِّنَةٌ لِنَفْعِ الْخَلْقِ وَالْإِحْسَانِ إلَيْهِم وَذَلِكَ مُضَادٌّ لِلْبُخْلِ. وَلهَذَا وَغَيْرِهِ كَثُرَ الْقِرَانُ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ فِي كِتَابِ اللهِ. [١٤/ ٢١٤ - ٢١٥] * * *

стр. 1335

الحديث ١٦٢٢ - الْحَدِيثُ الَّذِي يَرْوِيه بَعْضُهُم أَنَّهُ قَالَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ: "رَجَعْنَا مِن الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ": لَا أَصْلَ لَهُ. [١١/ ١٩٧] ١٦٢٣ - قَولُهُ: "أُمَّتِي كَالْغَيْثِ لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخرهُ" (١) خلافُ السُّنَنِ الْمُتَوَاتِرَةِ عَن النَّبِيِّ ﷺ مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْن وَمِمَّا هوَ فِي "الصحِيحَيْنِ" أَو أَحَدِهِمَا مِن قَوْلِهِ: خَيْرُ الْقُرُونِ الْقَرْن الَّذِي بُعِثْت فِيهِمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ" (٢) وَقَوْلُهُ: "وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَو أنفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا: مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ" (٣)، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن الْأَحَادِيثِ. وَخِلَافُ إجْمَاعِ السَّلَف. [١١/ ٣٦٧] ١٦٢٤ - صَنَّفَ بَعْضُهُمْ فِي فَضَائِلِ رَجَبٍ، وَغَيْرُهمْ فِي فَضَائِلِ صَلَوَاتِ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي، وَصَلَاةِ يَوْمِ الْأَحَدِ، وَصَلَاةِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ، وَصَلَاةِ يَوْمِ الثُّلَاثَاءَ، وَصَلَاةِ أَوَّلِ جُمُعَةٍ فِي رَجَبٍ، وَأَلْفِيَّةِ رَجَبٍ، وَأَوَّلِ رَجَب، وَأَلْفِيَّةِ نِصْفِ شَعْبَانَ، وَإِحْيَاءِ لَيْلَتَيْ الْعِيدَيْنِ، وَصَلَاةِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ. وأَجْوَدُ مَا يُرْوَى مِن هَذ الصَّلَوَاتِ حَدِيثُ صلَاةِ التَّسْبِيحِ، وَقَد رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِي، وَمَعَ هَذَا فَلَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ مِن الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، بَل أَحْمَدُ ضَعَّفَ الْحَدِيثَ وَلَمْ يَسْتَحِبَّ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ. وَمَن تَدَبَّرَ الْأُصُولَ عَلِمَ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ. [١١/ ٥٧٩]

стр. 1336

١٦٢٥ - ثَبَتَ فِي "صَحِيحِ مُسْلِم" وَغَيْرِهِ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "صِنْفَانِ مِن أَهْلِ النَّارِ مِن أُمّتي لَمْ أَرَهُمَا بَعْدُ: نِسَاءٌ كاسِيَاتٌ عَارِياتٌ" وَمَن زَعَمَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَيْسَ بِصَحِيح بِمَا فِيهِ مِن الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ فَإِنَّهُ جَاهِلٌ ضَالٌّ عَن الشَّرْعِ، يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ الَّتِي تَرْدَعُهُ وَأَمْثَالَهُ مِن الْجُهَّالِ الَّذِينَ يَعْتَرِضُونَ عَلَى الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَهِ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ . [١١/ ٦٤٦] ١٦٢٦ - قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَأمَا الْخُيَلَاء الَّتي يحِبُّهَا اللهُ فَاخْتِيَالُ الرَّجُلِ بِنَفْسِهِ عِنْدَ الْحَرْب وَاخْتِيَالُة بِنَفْسِهِ عِنْدَ الصَّدَقَةِ" (١)؛ لِأَنَّهُ مَقَامُ ثَبَاتِ وَقُوَّةٍ، فَالْخُيَلَاءُ تُنَاسِبُهُ، وإنَّمَا الَّذِي لَا يُحِبُّهُ اللهُ الْمُخْتَالُ الْفَخُورُ الْبَخِيلُ الْآمِرُ بِالْبُخْلِ، فَأَمَّا الْمُخْتَالُ مَعَ الْعَطَاءِ أَو الْقِتَالِ فَيُحِبُّهُ. [١٤/ ٩٥] ١٦٢٧ - فِي "الصَّحِيحِ" (٢) عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: مُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ :، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ"، وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ : "وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ"، قَالَ عُمَرُ: فِدًى لَكَ أَبِي وَأُمِّي، مُرَّ بِجَنَازَةٍ، فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرٌ، فَفلْتَ: "وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ"، وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ، فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرٌّ، فَقُلْتَ: "وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ"؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَن أثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَمَن أثنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الْأَرْضِ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الْأَرْضِ، أنتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ: في الْأَرْضِ" (٣) فَقَوْلُهُ: "شُهَدَاءُ اللهِ" أَضَافَهُم إلَى اللهِ تَعَالَى. وَالشَّهَادَةُ تُضَافُ تَارَةً إلَى مَن يَشْهَدُ لَهُ، وإِلَى مَن يَشْهَدُ عِنْدَهُ فَتُقْبَلُ

стр. 1337

شَهَادَتُهُ، كَمَا يُقَالُ: شُهُودُ الْقَاضِي وَشُهُودُ السُّلْطَانِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِن الَّذِينَ تُقْبَلُ شَهَادَتَهُمْ. [١٤/ ١٩٩] ١٦٢٨ - فِي حَدِيتِ أَبِي يَحْيَى الْقَتَّاتِ عَن مُجَاهِدِ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: "مَن عَشِقَ فَعَفَّ وَكَتَمَ وَصَبَرَ ثُمَّ مَاتَ فَهُوَ شَهِيدٌ" (١). وَأَبُو يَحْيَى فِي حَدِيثِهِ نَظَرٌ؛ لَكِنَّ الْمَعْنَى الذِي ذكِرَ فِيهِ دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ؛ فَإِنَّ اللهَ أَمَرَهُ بِالتَّقْوَى وَالصَّبْرِ، فَمِن التَّقْوَى أَنْ يَعِفَّ عَن كُلِّ مَا حَزمَ اللهُ مِن نَظَرٍ بِعَيْنٍ، وَمِن لَفْظٍ بِلِسَانٍ، وَمِن حَرَكَةٍ بِيَدٍ وَرِجْلٍ. وَالصَّبْرُ أَنْ يَصْبِرَ عَن شَكْوَى بِهِ إلَى غَيْرِ اللهِ، فَإِنَّ هَذَا هُوَ الصَّبْرُ الْجَمِيلُ. وَأَمَّا الْكِتْمَانُ فَيُرَادُ بِهِ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكْتُمَ بَثَّهُ وَأَلَمَهُ وَلَا يَشْكُوَ إلَى غَيْرِ اللهِ، فَمَتَى شَكَا إلَى غَيْرِ اللهِ نَقَصَ صَبْرُهُ، وَهَذَا أَعْلَى الكتمانين؛ لَكِنَّ هَذَا لَا يَصْبِرُ عَلَيْهِ كُلُّ أَحَدٍ؛ بَل كَثِيرٌ مِن النَّاسِ يَشْكُو مَا بِهِ، وَهَذَا عَلَى وَجْهَيْن (٢): أ - فَإِنْ شَكَا ذَلِكَ إلَى طَبِيبٍ يَعْرِفُ طِبَّ النُّفُوسِ لِيُعَالِجَ نَفْسَهُ بِعِلَاجِ الْإِيمَانِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَفْتي، وَهَذَا حَسَنٌ. ب- وَإِن شَكَا إلَى مَن يُعِينُهُ عَلَى الْمُحَرَّمِ فَهَذَا حَرَامٌ. ج- وَإِن شَكَا إلَى غَيْرِهِ لِمَا فِي الشَّكْوَى مِن الرَّاحَةِ، كَمَا أنَّ الْمُصَابَ يَشْتَكِي مُصِيبَتَهُ إلَى النَّاسِ مِن غَيْرِ أَنْ يَقْصِدَ تَعَلُّمَ مَا يَنْفَعُهُ، وَلَا الِاسْتِعَانَةَ عَلَى مَعْصِيَةٍ، فَهَذَا يَنْقُصُ صَبْرُهُ؛ لَكِنْ لَا يَأْثَمُ مُطْلَقًا إلا إذَا اقْتَرَنَ بِهِ مَا يحرُمُ؛ كَالْمُصَابِ الَّذِي يَتَسَخَّطُ (٣). والثَّانِي: أَنْ يَكْتُمَ ذَلِكَ فَلَا يَتَحَدَّثُ بِهِ مَعَ الناسِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِن إظْهَارِ السُّوءِ وَالْفَاحِشَةِ، فَإِنَّ النُّفُوسَ إذَا سَمِعَتْ مِثْل هَذَا تَحَرَّكْت وَتَشَهَّتْ وَتَمَنَّتْ.

стр. 1338

وَالْإِنْسَانُ مَتَى رَأَى أَو سَمِعَ أَو تَخَيَّلَ مَن يَفْعَلُ مَا يَشْتَهِيهِ كَانَ ذَلِكَ دَاعِيًا لَهُ إلَى الْفِعْلِ. وَالنِّسَاءُ مَتَى رَأَيْنَ الْبَهَائِمَ تَنْزُو (١) الذُّكُورَ مِنْهَا عَلَى الْإِنَاثِ مِلْنَ إلَى الْبَاءَةِ وَالْمُجَامَعَةِ. وَالرَّجُلُ إذَا سَمِعَ مَن يَفْعَلُ مَعَ المردان وَالنِّسَاءِ أَو رَأَى ذَلِكَ أَو تَخَيَّلَهُ فِي نَفْسِهِ دَعَاهُ ذَلِكَ إلَى الْفِعْلِ (٢). وَإِذَا ذَكَرَ الْإِنْسَانُ طَعَامًا اشْتَهَاهُ وَمَالَ إلَيْهِ، وَإِن وُصِفَ لَهُ مَا يَشْتَهِيهِ مِن لِبَاسٍ أَو امْرَأَةٍ أَو مَسْكَنٍ أَو غَيْرِ ذَلِكَ مَالَتْ نَفْسُهُ إلَيْهِ. وَالْغَرِيبُ عَن وَطَنِهِ مَتَى ذُكِّرَ بِالْوَطَنِ حَنَّ إلَيْهِ. فَكُلَّمَا كَانَ فِي نَفْسِ الْإِنْسَانِ مَحَبَّتُهُ: إذَا تَصَوَّرَهُ تَحَرَّكَتْ الْمَحَبَّةُ وَالطَّلَبُ إلَى ذَلِكَ الْمَحْبُوبِ الْمَطْلُوبِ (٣). فَالْمُبْتَلَى بِالْفَاحِشَةِ وَالْعِشْقِ إذَا ذَكَرَ مَا بِهِ لِغَيْرِهِ تَحَرَّكَتْ النُّفُوسُ إلَى جِنْسِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النُّفُوسَ مَجْبُولَةٌ عَلَى حُبِّ الصُّوَرِ الْجَمِيلَةِ، فَإِذَا تَصَوَّرَتْ جِنْسَ ذَلِكَ تَحَرَّكَتْ إلَى الْمَحْبُوبِ؛ وَلهَذَا نَهَى اللهُ عَن إشَاعَةِ الْفَاحِشَةِ. [١٤/ ٢٠٧ - ٢١٠] ١٦٢٩ - مَا تَسْألُهُ طَائِفَةٌ مِن النَّاسِ، وَهُوَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: "لَا يَقْضِي اللهُ لِلْمُؤْمِنِ قَضَاءً إلَّا كانَ خَيْرًا لَه" (٤)، وَقَد قَضَى عَلَيْهِ بِالسَّيِّئاتِ الْمُوجِبَةِ لِلْعِقَابِ، فَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ خَيْرًا؟

стр. 1339

وَعَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَعْمَالَ الْعِبَادِ لَمْ تَدْخُلْ فِي الْحَدِيثِ، إنَّمَا دَخَلَ فِيهِ مَا يُصِيبُ الْإِنْسَانَ مِن النِّعَمِ وَالْمَصَائِبِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]. الْوَجْهُ الثانِي: أَنَّهُ إذَا قُدِّرَ أَنَّ الْأعْمَالَ دَخَلَتْ فِي هَذَا، فَقَد قَالَ النَّبِيِّ ﷺ : "مَن سَرَّتْة حَسَنتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيئتُهُ فَهُوَ مُؤْمِن" (١). فَإِذَا قَضَى له بِأنْ يُحْسِنَ فَهَذَا مِمَّا يَسُرُّهُ، فَيَشْكُرُ اللهَ عَلَيْهِ. وَإِذَا قَضَى عَلَيْهِ بِسَيِّئَةِ: فَهِيَ إنَّمَا تَكُونُ سَيِّئَةً يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ عَلَيْهَا إذَا لَمْ يَتُبْ مِنْهَا، فَإِنْ تَابَ أُبْدِلَتْ بِحَسَنَةِ، فَيَشْكرُ الله عَلَيْهَا. وَإِن لَمْ يَتُبْ اُبْتُلِيَ بِمَصَائِبَ تُكَفِّرُهَا فَصَبَرَ عَلَيْهَا، فَيَكُونُ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُ. وَالرَّسُولُ ﷺ قَالَ: "لَا يَقْضِي اللهُ لِلْمُؤْمِنِ، وَالْمُؤْمِنُ هُوَ الَّذِي لَا يُصِرُّ عَلَى ذَنْبٍ بَل يَتوبُ مِنْهُ، فَيَكُونُ حَسَنَةً. [١٤/ ٣١٧ - ٣١٨] ١٦٣٠ - قوله: "وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْك الجَد" ضَمَّنَ "يَنْفَعُ" مَعْنَى "يُنْجِي وَيُخَلِّصُ" فَبَيَّنَ أَنْ جَدَّهُ لَا يُنْجِيهِ مِن الْعَذَاب؛ بَل يَسْتَحِقُّ بِذُنُوبِهِ مَا يَسْتَحِقُّهُ أَمْثَالُهُ وَلَا يَنْفَعُهُ جَدُّهُ مِنْك، فَلَا يُنَجّيهِ وَلَا يُخَلِّصُهُ. [١٤/ ٣٧٧] ١٦٣١ - سَوَّغَ الْعُلَمَاءُ أَنْ يُرْوَى فِي بَابِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ مِنَ الْأَحَادِيثِ مَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ كَذِبٌ وَإِن كَانَ ضَعِيفَ الْإِسْنَادِ. بِخِلَافِ بَابِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، فَإِنَّهُ لَا يُؤخَذُ فِيهِ إلَّا بِمَا يَثْبُتُ أَنَّهُ صِدْقٌ. [١٥/ ١٩٣] ١٦٣٢ - الْحَدِيثُ النَّبَوِيُّ هُوَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَنْصَرِفُ إلَى مَا حُدِّثَ بِهِ عَنْهُ بَعْدَ النبوَّةِ: مِن قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ وَإِقْرَارِهِ؛ فَإِنَّ سُنَّتهُ ثَبَتَتْ مِن هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ. [١٨/ ٦ - ٧]

стр. 1340

١٦٣٣ - ثَبَتَ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ يَكُن أَحَدٌ مِن أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَحْفَظُ مِنِّي إلَّا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو؛ فَإنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ بِيَدِهِ ويَعِي بِقَلْبِهِ، وَكُنْت أَعِي بِقَلْبِي وَلَا أَكْتُبُ بِيَدِي. وَكَانَ عِنْدَ آلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاص نُسْخَةٌ كَتَبَهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَبِهَذَا طَعَنَ بَعْضُ النَّاسِ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَن أَبِيهِ شُعَيْبٍ عَن جَدِّهِ وَقَالُوا: هِيَ نُسْخَةٌ. وَشُعَيْبٌ هُوَ: شُعَيْبُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاص، وَقَالُوا: عَن جَدِّهِ الْأَدْنَى محَمَّدٍ: فَهُوَ مُرْسَلٌ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُدْرِك النَّبِيَّ ﷺ ، وَإِن عَنَى جَدَّهُ الْأَعْلَى فَهُوَ مُنْقَطِعٌ؛ فَإِنَّ شُعَيْبًا لَمْ يُدْرِكْهُ. وَأَمَّا أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ وَجُمْهورُ الْعُلَمَاءِ فَيَحْتَجُّونَ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَن أَبِيهِ عَن جَدِّهِ إذَا صَحَّ النَّقْلُ إلَيْهِ؛ مِثْل مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَة وَنَحْوِهِمَا، وَمِثْل الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وإسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْه وَغَيْرِهِمْ قَالُوا: الْجَدُّ هُوَ عَبْدُ اللهِ؛ فَإِنَّهُ يَجِيءُ مُسَمَّى، وَمُحَمَّد أَدْرَكَهُ، قَالُوا: وَإِذَا كَانَت نُسْخَةٌ مَكْتُوبَةٌ مِن عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ هَذَا أوكَدَ لَهَا وَأَدَلَّ عَلَى صِحَّتِهَا؛ وَلهَذَا كَانَ فِي نُسْخَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْفِقْهِيَّةِ الَّتِي فِيهَا مُقَدَّرَاتُ مَا احْتَاجَ إلَيْهِ عَامَّةُ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ. وَقَدْ يَدْخُلُ فِيهَا بَعْض أَخْبَارِهِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْضُ سِيرَتِهِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، مِثْل: تَحَنُّثِهِ بِغَارِ حِرَاءٍ. وَكُتُبُ الْحَدِيثِ هِيَ مَا كَانَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ أَخَصُّ، وإن كَانَ فِيهَا أُمُورٌ جَرَتْ قَبْلَ النّبوَّةِ؛ فَإِنَ تِلْكَ لَا تُذْكَرُ لِتُؤْخَذَ وَتَشْرَعَ فِعْلَهُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ؛ بَل قَد أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَى عِبَادِهِ الْإِيمَانَ بِهِ وَالْعَمَلَ هُوَ مَا جَاءَ بِهِ بَعْدَ النبوَّةِ. فَكُلُّ مَا قَالَهُ بَعْدَ النُّبُوَّةِ وَأَقَرَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يُنْسَخْ: فَهوَ تَشْرِيعٌ. [١٨/ ٨ - ١٢]

стр. 1341

١٦٣٤ - الْحَدِيثُ الْوَاحِدُ يُرَادُ بِهِ مَا رَوَاهُ الصَّاحِبُ مِنَ الْكَلَامِ الْمُتَّصِلِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ وَلَو كَانَ جُمَلًا كَثِيرَةً؛ مِثْل حَدِيثِ تَوْبَةِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ. وَأَمَّا إذَا رَوَى الصَّاحِبُ كَلَامًا فَرَغَ مِنْهُ ثُمَّ رَوَى كَلَامًا آخَرَ وَفَصَلَ بَيْنَهُمَا، بِأنْ قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، أَو بِأنْ طَالَ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا فَهَذَانِ حَدِيثَانِ. [١٨/ ١٣ - ١٥] ١٦٣٥ - مِنَ "الصَّحِيحِ" مَا تَوَاتَرَ لَفْظُهُ كَقَوْلِهِ: "مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتبوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" (١). وَمِنْهُ مَا تَوَاتَرَ مَعْنَاهُ: كَأحَادِيثِ الشَفَاعَةِ وَأَحَادِيثِ الرُّؤْيَةِ وَأَحَادِيثِ الْحَوْضِ وَأَحَادِيثِ نَبْعِ الْمَاءِ مِن بَيْنِ أَصَابِعِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَهَذَا يُفِيدُ الْعِلْمَ وُيجْزَمُ بِأنَّهُ صِدْقٌ؛ لِأنَّهُ مُتَوَاتِرٌ إمَّا لَفْظًا وإِمَّا مَعْنًى. وَمِنَ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مَا تَلَقَّاهُ الْمُسْلِمُونَ بِالْقَبُولِ فَعَمِلُوا بِهِ، كَمَا عَمِلُوا بِحَدِيثِ الْغُرَّةِ فِي الْجَنِينِ، وَكَمَا عَمِلُوا بِأحَادِيثِ الشُّفْعَةِ، وَأَحَادِيثِ سُجُودِ السَّهْوِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذَا يُفِيدُ الْعِلْمَ ويُجْزَمُ بِاَنَّهُ صِدْقٌ؛ لِأَنَّ الْأُمَّةَ تَلَقَّتْهُ بِالْقَبُولِ تَصْدِيقًا وَعَمَلًا بِمُوجِبِهِ، وَالْأُمَّةُ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ؛ فَلَو كَانَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَذِبًا لَكَانَتِ الْأُمَّةُ قَد اتَّفَقَتْ عَلَى تَصْدِيقِ الْكَذِبِ وَالْعَمَلِ بِهِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهَا. وَمِنَ الصَّحِيحِ مَا تَلَقَّاهُ بِالْقَبُولِ وَالتَّصْدِيقِ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ؛ كَجُمْهُورِ أَحَادِيثِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ؛ فَإِنَّ جَمِيعَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ يَجْزِمُونَ بِصِحَّةِ جُمْهُورِ أَحَادِيثِ الْكِتَابَيْنِ، وَسَائِرُ النَّاسِ تَبَعٌ لَهُم فِي مَعْرِفَةِ الْحَدِيثِ؛ فَإِجْمَاعُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ صِدْقٌ كَإجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ حَلَالٌ أَو حَرَامٌ أَو وَاجِبٌ.

стр. 1342

وَإِذَا أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى شَيءٍ فَسَائِرُ الْأُمَّةِ تبَعٌ لَهُم؛ فَإجْمَاعُهُم مَعْصُومٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُجْمِعُوا عَلَى خَطَأٍ (١). وَمِمَّا قَد يُسَمَّى صَحِيحًا مَا يُصَحِّحُهُ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ وَآخَرُونَ يُخَالِفُونَهُم فِي تَصْحِيحِهِ فَيَقُولونَ: هُوَ ضَعِيفٌ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، مِثْل أَلْفَاظٍ رَوَاهَا مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ" وَنَازَعَهُ فِي صِحَّتِهَا غَيْرُهُ مَن أَهْلِ الْعِلْمِ، إمَّا مِثْلَة أَو دُونَه أَو فَوْقَهُ، فَهَذَا لَا يُجْزَمُ بِصِدْقِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ. وَالْبُخَارِيُّ أَحْذَقُ وَأَخْبَرُ بِهَذَا الْفَنِّ مِن مُسْلِمٍ؛ وَلهَذَا لَا يَتَّفِقَانِ عَلَى حَدِيثٍ إلَّا يَكُونُ صَحِيحًا لَا ريبَ فِيهِ، قَد اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى صِحَّتِهِ. ثُمَّ يَنْفَرِدُ مُسْلِمٌ فِيهِ بِألْفَاظٍ يُعْرِضُ عَنْهَا الْبُخَارِيُّ، ويقُولُ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ: إنَّهَا ضَعِيفَةٌ، ثُمَّ قَد يَكُونُ الصَّوَابُ مَعَ مَن ضَعَّفَهَا؛ كَمِثْل صَلَاةِ الْكُسُوفِ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعٍ، وَقَد يَكونُ الصَّوَابُ مَعَ مُسْلِمٍ، وَهَذَا أَكْثَرُ، مِثْل قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى: "إنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَرَأَ فَأنصِتُوا"، فَإِنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ صَحَّحَهَا مُسْلِمٌ، وَقَبْلَهُ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ، وَضَعَّفَهَا الْبُخَارِيُّ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ مُطَابِقَةٌ لِلْقُرْآنِ، فَلَو لَمْ يُرَدْ بِهَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ لَوَجَبَ الْعَمَلُ بالْقُرْآنِ، فَإِنَّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعراف: ٢٠٤] أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الصَّلَاةِ، وَأَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي الصَّلَاةِ مُرَادَةٌ مِن هَذَا النَّصّ. وَلهَذَا كَانَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ فِي الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ: أَنَّ الْمَأمُومَ إذَا سَمِعَ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ يَسْتَمِعُ لَهَا وَيُنْصِتُ، لَا يَقْرَأُ بِالْفَاتِحَةِ وَلَا غَيْرِهَا، وإِذَا لَمْ يَسْمَعْ

стр. 1343

قِرَاءَتَهُ بِهَا يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَمَا زَادَ، وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِهِ. وَعَلَى هَذَا فَاسْتِمَاعُهُ لِقِرَاءَةِ إمَامِهِ بِالْفَاتِحَةِ يَحْصُلُ لَهُ بِهِ مَقْصُودُ الْقِرَاءَةِ وَزَيادَةٌ تُغْنِي عَن الْقِرَاءَةِ مَعَهُ الَّتِي نُهِيَ عَنْهَا. [١٨/ ١٦ - ٢١] ١٦٣٦ - قِسْمَةُ الْحَدِيثِ إلَى صَحِيحٍ وَحَسَنٍ وَضَعِيفٍ، أَوَّلُ مَن عُرِفَ أَنَّهُ قَسَّمَهُ هَذِهِ الْقِسْمَةَ: أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، وَلَمْ تُعْرَفْ هَذِهِ الْقِسْمَةُ عَن أَحَدٍ قَبْلَهُ، وَقَد بَيَّنَ أَبُو عِيسَى مُرَادَهُ بِذَلِكَ، فَذَكَرَ أَنَّ الْحَسَنَ مَا تَعَدَّدَتْ طُرُقُهُ، وَلَمْ يَكُن فِيهِمْ مُتَّهَمٌ بِالْكَذِبِ، وَلَمْ يَكُن شَاذًّا، وَهُوَ دُونَ الصَّحِيحِ الَّذِي عُرِفَتْ عَدَالَةُ نَاقِلِيهِ وَضَبْطُهُمْ. وَقَالَ: الضَّعِيفُ الَّذِي عُرِفَ أَنَّ نَاقِلَهُ مُتَّهَم بِالْكَذِبِ رَدِيءُ الْحِفْظِ؛ فَإِنَّهُ إذَا رَوَاهُ الْمَجْهُولُ خِيفَ أَنْ يَكُونَ كَاذِبًا أو سَيِّئَ الْحِفْظِ، فَإِذَا وَافَقَهُ آخَرُ لَمْ يَأخُذْ عَنْهُ عُرِفَ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدْ كَذِبَهُ، وَاتِّفَاقُ الِاثْنَيْنِ عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ طَوِيلٍ قَد يَكُونُ مُمْتَنِعًا وَقَد يَكُونُ بَعِيدًا، وَلَمَّا كَانَ تَجْوِيزُ اتِّفَاقِهِمَا فِي ذَلِكَ مُمْكِنًا نَزَلَ مِن دَرَجَةِ الصَّحِيحِ. وَقَد أَنْكَرَ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى التِّرْمِذِيِّ هَذِهِ الْقِسْمَةَ وَقَالُوا: إنَّهُ يَقُولُ: حَسَن غَرِيبٌ، وَالْغَرِيبُ الَّذِي انْفَرَدَ بِهِ الْوَاحِدُ، وَالْحَدِيثُ قَد يَكُونُ صَحِيحًا غَرِيبًا كَحَدِيثِ: "إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ"، وَحَدِيثِ: "نَهَى عَن بَيْعِ الْوَلَاءِ وَهِبَتِهِ"، وَحَدِيثِ: "دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَى رَأسِهِ الْمِغْفَرُ"، فَإِنَّ هَذِهِ صَحِيحَةٌ مُتَلَقَّاةٌ بِالْقَبُولِ. وَالْأوّلُ: لَا يُعْرَفُ ثَابِتًا عَن غَيْرِ عُمَرَ. وَالثَّاني: لَا يُعْرَفُ عَن غَيْرَ ابْنِهِ عَبْدِ اللهِ. وَالثَّالِث: لَا يُعْرَفُ إلَّا مِن حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَن أَنَسٍ. وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ طَعَنُوا عَلَى التِّرْمِذِيِّ لَمْ يَفْهَمُوا مُرَادَهُ فِي كَثِيرٍ مِمَّا قَالَهُ؛ فَإِنَّ أَهْلَ الْحَدِيثِ قَد يَقُولُونَ: هَذَا الْحَدِيثُ غَرِيبٌ؛ أَيْ: مِن هَذَا الْوَجْهِ،

стр. 1344

وَقَد يُصَرِّحُونَ بِذَلِكَ فَيَقُولُونَ: غَرِيبٌ مِن هَذَا الْوَجْهِ، فَيَكُونُ الْحَدِيثُ عِنْدَهُم صَحِيحًا مَعْرُوفًا مِن طَرِيقٍ وَاحِدٍ، فَإِذَا رُوِيَ مِن طَرِيقٍ آخَرَ كَانَ غَرِيبًا مِن ذَلِكَ الْوَجْهِ، وَإِن كَانَ الْمَتْنُ صَحِيحًا مَعْرُوفًا، فَالتِّرْمِذِيُّ إذَا قَالَ: حَسَن غَرِيبٌ قَد يَعْنِي بِهِ: أَنَّهُ غَرِيبًا مِن ذَلِكَ الطَّرِيقِ، وَلَكِنَ الْمَتْنَ لَهُ شَوَاهِدُ صَارَ بِهَا مِن جُمْلَةِ الْحُسْنِ. وَأَمَّا مَن قبلَ التِّرْمِذِيِّ مِنَ الْعُلَمَاءِ فَمَا عُرِفَ عَنْهُم هَذَا التَّقْسِيمُ الثُّلَاثِي، لَكِنْ كَانُوا يُقَسِّمُونَهُ إلَى صَحِيحٍ وَضَعِيفٍ، وَالضَّعِيفُ عِنْدَهُم نَوْعَانِ: أ- ضَعِيفٌ ضَعْفًا لَا يَمْتَنِعُ الْعَمَلُ بِهِ، وَهُوَ يُشْبِهُ الْحَسَنَ فِي اصْطِلَاحِ التِّرْمِذِيِّ. ب- وَضَعِيفٌ ضَعْفًا يُوجِبُ تَرْكَهُ، وَهُوَ الْوَاهِي. [١٨/ ٢٣ - ٢٥] ١٦٣٧ - بَعْضُ مَا يُصَحِّحُهُ التِّرْمِذِيُّ يُنَازِعُهُ غَيْرُهُ فِيهِ، كَمَا قَد يُنَازِعُونَهُ فِي بَعْضِ مَا يُضَعِّفُهُ وَيُحَسِّنُهُ، فَقَد يُضَغفُ حَدِيثًا وَيُصَحِّحُهُ الْبُخَارِيِّ. [١٨/ ٢٤] ١٦٣٨ - إِنَّ تَعَدُّدَ الطُّرُقِ وَكَثْرَتَهَا يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا حَتَّى قَد يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِهَا، وَلَو كَانَ النَّاقِلُونَ فُجَّارًا فُسَّاقًا، فَكَيْفَ إذَا كَانُوا عُلَمَاءَ عُدُولًا، وَلَكِنْ كَثُرَ فِي حَدِيثهِم الْغَلَطُ! وَمِثْلُ هَذَا عَبْدُ اللهِ بْنُ لَهِيعَةَ، فَإِنَّهُ مِن أَكَابِرِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَكَانَ قَاضِيًا بِمِصْر كَثِيرَ الْحَدِيثِ، لَكِنِ احْتَرَقَتْ كُتُبُهُ فَصَارَ يُحَدِّثُ مِن حفْظه فَوَقَعَ فِي حَدِيثهِ غَلَطٌ كَثِيرٌ، مَعَ أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى حَدِيثهِ الصّحَّةُ. وَأَمَّا مَن عُرِفَ مِنْهُ أَنَّهُ يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ: فَمِنْهُم مَن لَا يَرْوِي عَن هَذَا شَيْئًا، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ أَحْمَد بْنِ حَنْبَل وَغَيْرِهِ، لَمْ يَرْوِ فِي مُسْنَدِهِ عَمَّن يَعْرِفُ أَنَّهُ يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ، لَكِنْ يَرْوِي عَمَّن عُرِفَ مِنْهُ الْغَلَط لِلِاعْتِبَارِ بِهِ وَالِاعْتِضَادِ. [١٨/ ٢٦] ١٦٣٩ - فَصْلٌ: فِي أَنْوَاعِ الرِّوَايَةِ وَأَسْمَاءِ الْأَنْوَاعِ، مِثْل: حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا، وَأَ نْبَأَنَا، وَسَمِعْت، وَقَرَأت، وَالْمُشَافَهَةِ، وَالْمُنَاوَلَةِ، وَالْمُكَاتَبَةِ، وَالْإِجَازَةِ، وَالْوِجَادَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَنَقُولُ: الْكَلَامُ فِي شَيْئَيْنِ:

стр. 1345

أَحَدُهُمَا: مِمَّا تَصِحُّ الرِّوَايَةُ بِهِ ويثْبُتُ بِهِ الِاتصَالُ. وَالثاني: فِي التَّعْبِيرِ عَن ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنْوَاعٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يَسْمَعَ مِن لَفْظِ الْمُحَدِّثِ، سَوَاءٌ رَآهُ أَو لَمْ يَرَة، كَمَا سَمِعَ الصَّحَابَةُ الْقُرْآنَ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ وَالْحَدِيثَ أَيْضًا، وَكَمَا كَانَ يَقْرَؤهُ عَلَيْهِم، وَقَرَأَ عَلَى أُبَيّ (سُورَةَ لَمْ يَكُن)، فَإِنَّ هَذَا لَمْ يُفَرِّق النَّاسُ بَيْنَهُمَا. وَالئوْعُ الثانِي: أَنْ يَقْرَأَ عَلَى الْمُحَدِّثِ فَيُقِرُّ بِهِ، كَمَا يَقْرأ الْمُتَعَلِّمُ الْقُرْآنَ عَلَى الْمُعَلِّمِ، وَيُسَمِّيه الْحِجَازُّيونَ الْعَرْضَ؛ لِأَنَّ الْمُتَحَمِّلَ يَعْرِضُ الْحَدِيثَ عَلَى الْمُحَمِّلِ. فَيَقُولُ: نَعَمْ، وَهَذَا عِنْدَ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَجُمْهُورِ السَّلَفِ كَاللَّفْظِ. النَّوْعُ الثَّالِثُ: الْمنَاوَلَةُ وَالْمُكَاتَبَةُ: وَكِلَاهُمَا إنَّمَا أَعْطَاهُ كِتَابًا لَا خِطَابًا، لَكِنِ الْمُنَاوَلَةُ مُبَاشِرَة وَالْمُكَاتبَةُ بِوَاسِطَةِ. الرَّابعُ: الْإِجَازَةُ، فَإِذَا كَانَت لِشَيء مُعَيَّنٍ قَد عَرَفَهُ الْمُجِيزُ فَهِيَ كَالْمُنَاوَلَةِ، وَهِيَ: عَرْضُ الْعَرْضِ؛ فَإِنَّ الْعَارِضَ تَكَلَّم بِالْمَعْرُوضِ مُفَصَّلًا فَقَالَ الشَّيْخُ: نَعَمْ، وَالْمُسْتَجِيزُ (١) قَالَ: أَجَزْتَ لِي أَنْ أحَدِّثَ بِمَا فِي هَذَا الْكِتَابِ؟ فَقَالَ الْمُجِيزُ: نَعَمْ. [١٨/ ٢٨ - ٣٥] ١٦٤٠ - الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ: أَنَّ الْمُتَوَاتِرَ لَيْسَ لَهُ عَدَدٌ مَحْصُورٌ بَل إذَا حَصَلَ الْعِلْمُ عَن إخْبَارِ الْمُخْبِرِينَ كَانَ الْخَبَرُ مُتَوَاتِرًا، وَكَذَلِكَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ الْعِلْمَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْمُخْبِرِينَ بِهِ، فَرُبَّ عَدَدٍ قَلِيلٍ أَفَادَ خَبَرُهُم الْعِلْمَ بِمَا يُوجِبُ صِدْقَهُمْ، وَأَضْعَافُهُم لَا يُفِيدُ خَبَرُهُم الْعِلْمَ؛ وَلهَذَا كَانَ الصَّحِيحُ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ قَد يُفِيدُ الْعِلْمَ إذَا احْتَفتْ بِهِ قَرَائِنُ تُفِيدُ الْعِلْمَ. وَعَلَى هَذَا فَكَثِيرٌ مِن مُتُونِ الصَّحِيحَيْنِ مُتَوَاتِرُ اللَّفْظِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ، وإن لَمْ يَعْرِفْ غَيْرُهُم أَنَّهُ مُتَوَاتِرٌ؛ وَلهَذَا كَانَ أَكْثَرُ مُتُونِ الصَّحِيحَيْنِ

стр. 1346

مِمَّا يَعْلَمُ عُلَمَاءُ الْحَدِيث عِلْمًا قَطْعِيًّا أَن النَّبِيَّ ﷺ قَالَهُ، تَارَةً لِتَوَاتُرِهِ عِنْدَهُمْ، وَتَارَةً لِتَلَقِّي الْأُمَّةِ لَهُ بِالْقَبُولِ. وَخَبَرُ الْوَاحِدِ الْمُتَلَقَّى بِالْقَبُولِ يُوجبُ الْعِلْمَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. [١٨/ ٤٠ - ٤١] ١٦٤١ - وَأَمَّا عِدَّةُ الْأحَادِيثِ الْمُتَوَاتِرَةِ الَّتِي فِي الصَّحِيحَيْنِ: فلَفْظُ الْمُتَوَاتِرِ يُرَاد بِهِ مَعَانٍ، إذ الْمَقْصُودُ مِن الْمُتَوَاتِرِ مَا يُفِيدُ الْعِلْمَ، لَكِنْ مِنَ النَّاسِ مَن لَا يُسَمِّي مُتَوَاتِرًا إلَّا مَا رَوَاهُ عَدَد كَثِيرٌ يَكُونُ الْعِلْمُ حَاصِلًا بِكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ فَقَطْ. وَهَذَا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وَالصَّحِيحُ مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرونَ: أَنَّ الْعِلْمَ يَحْصُلُ: أ - بِكَثْرَةِ الْمُخْبِرِينَ تَارَةً. ب- وَقَد يَحْصُلُ بِصفَاتِهِمْ لِدِينهِمْ وَضَبْطِهِمْ. ج- وَقَد يَحْصُلُ بِقَرَائِنَ تَحْتَفُّ بِالْخَبَرِ يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِمَجْمُوعِ ذَلِكَ. د- وَقَد يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِطَائِفَةٍ دُونَ طَائِفَةٍ. هـ- وَأَيْضًا فَالْخَبَرُ الَّذِي تَلَقَّاهُ الْأَئِمَّةُ بِالْقَبُولِ تَصْدِيقًا لَهُ أَو عَمَلًا بِمُوجَبِهِ يُفِيدُ الْعِلْمَ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْخَلَفِ وَالسَّلَفِ، وَهَذَا فِي مَعْنَى الْمُتَوَاتِرِ، لَكِنْ مِنَ النَّاسِ مَن يُسَمِّيه الْمَشْهُورَ وَالْمُسْتَفِيضَ. [١٨/ ٤٨] ١٦٤٢ - مَا أَحْسَنَ قَوْلَ الْإِمَامِ أَحْمَد: ضَعِيفُ الْحَدِيثِ خَيْرٌ مِن الرَّأي (١). [١٨/ ٥٢] ١٦٤٣ - كِتَابُ الْبُخَارِيِّ: مَا فِيهِ مَتْن يُعْرَفُ أَنَّهُ غَلَطٌ عَلَى الصَّاحِبِ، لَكِنْ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ مَا هُوَ غَلَطٌ. وَأَمَّا مُسْلِمٌ فَفِيهِ أَلْفَاظ عُرِفَ أَنَّهَا غَلَظ، كَمَا فِيهِ: "خَلَقَ الله التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ"، وَقَد بَيَّنَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ هَذَا غَلَطٌ، وَأَنَّ هَذَا مِن كَلَامِ كَعْبٍ.

стр. 1347

وَفِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الْكُسُوفَ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ فِي كُل رَكْعَةٍ، وَالصَّوَابُ: أَنَّهُ لَمْ يُصَلّ الْكُسُوفَ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَة. وَفِيهِ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ سَألَهُ التَّزَوُّجَ بِأُمِّ حَبِيبَةَ وَهَذَا غَلَطٌ. وَهَذَا مِن أَجَلِّ فُنُونِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ، يُسَمَّى: عِلْمَ "عِلَلِ الْحَدِيثِ". [١٨/ ٧٣] ١٦٤٤ - لَيْسَ تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ كِتَابٌ أَصَحُّ مِنَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ بَعْدَ الْقُرْآنِ، وَمَا جُمِعَ بَيْنَهُمَا، مِثْل الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ لِلْحَمِيدِيِّ وَلعَبْدِ الْحَقِّ الإشبيلي. [١٨/ ٧٤] ١٦٤٥ - عَن أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، عَن أَبِي ذَرٍّ، عَن النَّبِيِّ ﷺ ، فِيمَا رَوَى عَنِ اللهِ ﵎ أَنَّهُ قَالَ: "يَا عِبَادِي إِنّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي كُلُّكُم ضَالّ إِلَّا مَن هَدَيْتُهُ، فَاستَهْدُوني أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي كلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَن أَطْعَمْتُهُ، فَاستطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَن كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُوني أكسُكُمْ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأنا أَغْفِرُ الدُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُوني أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغوا ضَرِّي فَتَضُرُّوني وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُوني، يَا عِبَادِي لَو أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كانُوا عَلَى أتقَى قَلْبِ رَجُل وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ في مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَو أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكَمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أفجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِن مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَو أَن أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَألونِي فَأَعْطَيْتُ كل إِنْسَانٍ مَسْأَلتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَن وَجَدَ خَيْرًا، فَلْيَحْمَدِ اللهَ، وَمَن وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَهُ" (١).

стр. 1348

قالَ سَعِيدٌ: كَانَ أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِي، إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ. هَذَا الْحَدِيث شَرِيفُ الْقَدْرِ عَظِيمُ الْمَنْزِلَةِ، وَلهَذَا كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَد يَقُولُ: هُوَ أَشْرَفُ حَدِيثٍ لِأهْلِ الشامِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ قَد تَضَمَّنَ مِن قَوَاعِدِ الدِّينِ الْعَظِيمَةِ فِي الْعُلُومِ وَالْأَعْمَالِ وَالْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ، فَإِنَّ تِلْكَ الْجُمْلَةَ الْأُولَى وَهِيَ قَوْلُهُ: "حَرَّمْت الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي" يَتَضَمَّنُ جُلَّ مَسَائِلِ الصِّفَاتِ وَالْقَدَرِ. وَأَمَّا هَذ الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ قَوْلُهُ: "وَجَعَلْته بَيْنَكُم مُحَرَّمًا فَلَا تظالموا" فَإِنَّهَا تَجْمَعُ الدِّينَ كُلَّهُ؛ فَإِنَّ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ رَاجِع إلَى الظُّلْمِ، وَكُلُّ مَا أَمَرَ بِهِ رَاجِعٌ إلَى الْعَدْلِ. وَلهَذَا كَانَ الْعَدْلُ أَمْرًا وَاجِبًا فِي كُلِّ شَيءٍ، وَعَلَى كُل أَحَدٍ، وَالظُّلْمُ مُحَرَّمًا فِي كُلِّ شَيءٍ، وَلكُلِّ أحَدٍ، فَلَا يَحِلُّ ظُلْمُ أَحَدٍ أَصْلًا، سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَو كَافِرًا أَو كَانَ ظَالِمًا. وَلهَذَا كَانَ الْقِصَاصُ مَشْرُوعًا إذَا أَمْكَنَ اسْتِيفَاؤُهُ مِن غَيْرِ جَنَفٍ؛ كَالِاقْتِصَاصِ فِي الْجُرُوحِ الَّتِي تَنْتَهِي إلَى عَظْمٍ، وَفي الْأعْضَاءِ الَّتِي تَنْتَهِي إلَى مَفْصِلٍ، فَإِذَا كَانَ الْجَنَفُ وَاقِعًا فِي الِاسْتِيفَاءِ عُدِلَ إلَى بَدَلِهِ وَهُوَ الدِّيَةُ؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِالْعَدْلِ مِن إتْلَافِ زِيَادَةٍ فِي الْمُقْتَصِّ مِنْهُ، وَهَذِهِ حُجَّةُ مَن رَأَى مِنَ الْفُقَهَاءِ أَنَهُ لَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ فِي الْعُنقِ. لَكِنِ الَّذِينَ قَالُوا: يُفْعَلُ بِهِ مِثْلُ مَا فَعَلَ: قَوْلُهُم أَقْرَبُ إلَى الْعَدْلِ؛ فَإنَّهُ مَعَ تَحَرِّي التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْفِعْلَيْنِ يَكُونُ الْعَبْدُ قَد فَعَلَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ الْعَدْلِ، وَمَا حَصَلَ مِن تَفَاوُتِ الْأَلَمِ خَارجٌ عَن قُدْرَتهِ. وَامَّا إذَا قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ثُمَّ وَسَطَهُ فَقُوبِلَ ذَلِكَ بِضَرْبِ عُنُقِهِ بِالسَّيْفِ، أَو رَضَّ رَأسَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ فَضرِبَ بِالسَّيْفِ، فَهُنَا قَد تيَقَّنَّا عَدَمَ الْمُعَادَلَةِ وَالْمُمَاثَلَةِ، وَكُنَّا قَد فَعَلْنَا مَا تَيَقَّنَّا انْتِفَاءَ الْمُمَاثَلَةِ فِيهِ، وَأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ وُجُودُهَا بِخِلَافِ

стр. 1349

الْأَوَّلِ؛ فَإنَّ الْمُمَاثَلَةَ قَد تَقَعُ؛ إذِ التَّفَاوُتُ فِيهِ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ، وَكَذَلِكَ الْقِصَاصُ فِي الضَّرْبَةِ وَاللَّطْمَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، عَدَلَ عَنْهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ إلَى التَّعْزِيرِ؛ لِعَدَمِ إمْكَانِ الْمُمَاثَلَةِ فِيهِ. وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَغَيْرُهُم مِنَ الصَّحَابَةِ وَهُوَ مَنْصُوصُ أَحْمَد: مَا جَاءَت بِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن ثُبُوتِ الْقِصَاصِ بِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ إلَى الْعَدْلِ وَالْمُمَاثَلَةِ. قولُه: "يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إلَّا مَن هَدَيْته فَاسْتَهْدُوني أَهْدِكُمْ" أَمَرَ الْعِبَادَ بأنْ يَسْألُوهُ الْهِدَايَةَ كَمَا أمَرَهُم بِذَلِكَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ فِي قَوْلِهِ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾. وَلهَذَا قِيلَ: الْهُدَى أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: الْهِدَايَةُ إلَى مَصَالِحِ الدُّنْيَا، فَهَذَا مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْحَيَوَانِ النَّاطِقِ وَالْأَعْجَمِ، وَبَيْنَ الْمُؤمِنِ وَالْكَافِرِ. وَالثانِي: الْهُدَى بِمَعْنَى دُعَاءِ الْخَلْقِ إلَى مَا يَنْفَعُهُمْ، وَأَمْرِهِمْ بِذَلِكَ، وَهُوَ نَصْبُ الْأَدِلَّةِ، وَإرْسَالُ الرُّسُلِ، وَإِنْزَالُ الْكُتُبِ، فَهَذَا أَيْضًا يَشْتَرِكُ فِيهِ جَمِيغ الْمُكَلَّفِينَ، سَوَاءٌ آمنُوا أَو كَفَرُوا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)﴾ [الرعد: ٧]. وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: الْهُدَى الَّذِي هُوَ جَعْلُ الْهُدَى فِي الْقُلُوبِ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيهِ بَعْضُهُم بِالْإِلْهَامِ وَالْإِرْشَادِ. وَالْقِسْمُ الرَّابعُ: الْهُدَى فِي الْآخِرَةِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (٢٤)﴾ [الحج: ٢٤]. وَهَذَا الْهُدَى ثَوَابُ الِاهْتِدَاءِ فِي الدُّنْيَا، كَمَا أَنَّ ضَلَالَ الْآخِرَةِ جَزَاءُ ضَلَالِ الدُّنْيَا، وَكَمَا أَنَ قَصْدَ الشَّرِّ فِي الدُّنْيَا جَزَاؤُهُ الْهُدَى إلَى طَرِيقِ النَّارِ، كَمَا

стр. 1350

قَالَ تَعَالَى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣)﴾ [الصافات: ٢٢، ٢٣]. وَأَمَّا قَوْلُهُ: "يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إلَّا مَن أَطْعَمْته فَاسْتَطْعِمُوني أُطْعِمْكُمْ وَكُلّكُمْ عَارٍ إلا مَن كسَوْته فَاسْتكْسُوني أكسُكُمْ" فَيَقْتَضِي أَصْلَيْنِ عَظِيمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وُجُوبُ التَوَكُّلِ عَلَى اللهِ فِي الرِّزْقِ الْمُتَضَمِّنِ جَلْبَ الْمَنْفَعَةِ كَالطَّعَامِ، وَدَفْعَ الْمَضَرَّةِ كَاللِّبَاسِ، وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ غَيْرُ اللهِ عَلَى الْإِطْعَامِ وَالْكُسْوَةِ قُدْرَةً مُطْلَقَةً، وإنَّمَا الْقُدْرَةُ الَّتِي تَحْصُلُ لِبَعْضِ الْعِبَادِ تَكُونُ عَلَى بَعْضِ أَسْبَابِ ذَلك (١). وَأَمَّا قَوْلُهُ: "يَا عِبَادِي إئكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَيْلِ وَالنَّهَارِ وَأنا أَغْفِرُ الذنُوبَ جَمِيعًا" وَفي رِوَايَةٍ: "وَأنا أَغْفِرُ الذُنُوبَ وَلَا أُبالِي فَاسْتَغْفِرُوني أَغْفِرْ لَكُمْ"؛ فَالْمَغْفِرَةُ الْعَامَّةُ لِجَمِيعِ الذُّنُوبِ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: الْمَغْفِرَةُ لِمَن تَابَ. النُّوْعُ الثانِي: الْمَغْفِرَةُ بِمَعْنَى: تَخْفِيفِ الْعَذَابِ، أَو بِمَعْنَى: تَأخِيرِهِ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، وَهَذَا عَامٌّ مُطْلَقًا؛ وَلهَذَا شَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ فِي أَبِي طَالِبٍ مَعَ مَوْتِهِ عَلَى الشِّرْكِ، فَنُقِلَ مِن غَمْرَةٍ مِن نَارٍ حَتَّى جُعِلَ فِي ضَحْضَاحٍ مِن نَارٍ. وَأَمَّا قَوْلُهُ عزوجل: "يَا عِبَادِي إنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّوني وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي" فَإِنَّهُ هُوَ بَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ فِيمَا يُحْسِنُ بِهِ إلَيْهِم مِن إجَابَةِ الذعَوَاتِ، وَغُفْرَانِ الزَّلَّاتِ، بِالْمُسْتَعِيضِ بِذَلِكَ مِنْهُم جَلْبَ مَنْفَعَةٍ، أَو دَفْعَ مَضَرَّةٍ، كَمَا هِيَ عَادَةُ الْمَخْلُوقِ الَّذِي يُعْطِي غَيْرَهُ نَفْعًا لِيُكَافِئَهُ عَلَيْهِ بِنَفْعٍ، أَو يَدْفَعَ عَنْهُ ضَرَرًا ليَتَّقِيَ بِذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: "لَمْ يَنْقُصْ مِمَّا عِنْدِي". الْمُرَادُ مَا أَخَذَ عِلْمِي وَعِلْمُك مِن

стр. 1351

عِلْمِ اللهِ، وَمَا قالَ عِلْمِي وَعِلْمُك مِن عِلْمِ اللهِ، وَمَا أَحَاطَ عِلْمِي وَعِلْمَك مِن عِلْمِ اللهِ. إلَّا كمَا نَقَصَ أَو أَخَذَ أَو قالَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِن هَذَا الْبَحْرِ؛ أيْ: نِسْبَةُ هَذَا إلَى هَذَا كَنِسْبَةِ هَذَا إلَى هَذَا. وَقَوْلَهُ: "مِن مُلْكِي" هُوَ مِن هَذَا الْبَابِ. [١٨/ ١٣٦ - ٢٠٩] ١٦٤٦ - عَن عبادةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: "أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ الْقَلَمَ فَقَالَ لَهُ: اُكْتُبْ، قَالَ: وَمَا أكْتُبُ؟ قَالَ: مَا هُوَ كَائِنٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ"، فَهَذَا الْقَلَمُ خَلَقَهُ لِمَا أَمَرَهُ بِالتَّقْدِيرِ الْمَكْتُوبِ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَكَانَ مَخْلُوقًا قَبْلَ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَا خُلِقَ مِن هَذَا الْعَالَمِ، وَخَلَقَهُ بَعْدَ الْعَرْشِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ السَّلَفِ. [١٨/ ٢١٣] ١٦٤٧ - فِي "صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ" (١) وَغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "يَا بَني تَمِيمٍ اقْبَلُوا الْبُشْرَى، قَائوا: قَد بَشَّرْتنَا فَأَعْطِنَا! فَأقْبَلَ عَلَى أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ: يَا أَهْلَ الْيَمَنِ اقْبَلُوا الْبُشْرَى إذ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ، فَقَالُوا: قَد قَبِلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالُوا: جِئْنَاك لِنَتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ وَلنَسْأَلَك عَن أَوَّلِ هَذَا الْأَمْرِ، فَقَالَ: كانَ اللهُ وَلَمْ يَكن شَيْءٌ قَبْلَهُ، وَفي لَفْظٍ: "مَعَهُ" وَفي لَفْظٍ: "غَيْرُهُ" (٢)، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَكتَبَ فِي الذِّكْرِ كلَّ شَيْءٍ وَخَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ"، وَفي لَفْظٍ: "ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ". قَوْلُهُ:: "كَتَبَ فِي الذِّكْرِ" يَعْنِي: اللَّوْحَ الْمَحْفُوظَ، كَمَا قَالَ: ﴿وَلَقَدْ

стр. 1352

وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]؛ أَيْ: مِن بَعْد اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، يُسَمَّى مَا يُكْتَبُ فِي الذِّكْرِ ذِكْرًا، كَمَا يُسَمَّى مَا يُكْتَبُ فِيهِ كِتَابًا. وَالنَّاسُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى قَوْلَيْنِ: أ- مِنْهُم مَن قَالَ: إنَّ مَقْصُودَ الْحَدِيثِ: إخْبَارُهُ بِأنَّ اللهَ كَانَ مَوْجُودًا وَحْدَهُ ثُمَّ إنَّهُ ابْتَدَأَ إحْدَاثَ جَمِيعِ الْحَوَادِثِ. ب- وَالْقَوْلُ الثَّانِي فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ: إنَّهُ لَيْسَ مُرَادُ الرَّسُولِ هَذَا؛ بَل إنَّ الْحَدِيثَ يُنَاقِضُ هَذَا، وَلَكِنَّ مُرَادَهُ: إخْبَارُهُ عَن خَلْقِ هَذَا الْعَالَمِ الْمَشْهُودِ الَّذِي خَلَقَهُ اللهُ فِي ستَةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ، كَمَا أَخْبَرَ الْقُرْآن الْعَظِيمُ بِذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِع، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧]. فَلَيْسَ مَعَ اللهِ شَيْءٌ مِن مَفْعُولَاتِهِ قَدِيمٌ مَعَهُ، لَا؛ بَل هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ، وَكُلُّ مَا سِوَاه مَخْلُوقٌ لَهُ، وَكُلُّ مَخْلُوقٍ مُحْدَثٌ كَائِنٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، وَإِن قُدِّرَ إنَّهُ لَمْ يَزَلْ خَالِقًا فَعَّالًا. وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَجَابَهُم عَمَّا سَألُوهُ عَنْهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ إلَّا ابْتِدَاءَ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُم: "جِئْنَا لِنَسْأَلَك عَن أَوَّلِ هَذَا الْأَمْرِ" كَانَ مُرَادُهُم خَلْقَ هَذَا الْعَالَمِ. [١٨/ ٢١٠ - ٢١٥] ١٦٤٨ - عَن يَحْيىَ بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَن مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ التيمي، عَن عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ الليثي، عَن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ؛ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى؛ فَمَن كَانَت هِجْرَتُهُ إلَى اللهِ وَرَسُولهِ فَهِجْرَتُهُ إلَى اللهِ وَرَسُولهِ وَمَن كانَت هِجْرَتُهُ إلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَو امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إلَى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ" (١). هذا حَدِيث صَحِيحٌ مُتَّفَق عَلَى

стр. 1353

صِحَّتِهِ، تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَولِ وَالتَّصْدِيقِ، مَعَ أَنَّهُ مِن غَرَائِبِ الصَّحِيحِ، فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ قَد رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ، كَمَا جَمَعَهَا ابْنُ منده وَغَيْرُهُ مِنَ الْحُفَّاظِ، فَأَهْلُ الْحَدِيثِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهَا إلَّا مِن طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ هَذِهِ الْمَذْكُورَةِ، وَلَمْ يَرْوِهِ عَنْهُ إلَّا عَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ الليثي، وَلَا عَن عَلْقَمَةَ إلَّا مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، وَلَا عَن مُحَمَّدٍ إلَّا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ قَاضِي الْمَدِينَةِ، وَرَوَاهُ عَن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ. لَفْظُ "النِّيَّةِ" فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مِن جِنْسِ لَفْظِ الْقَصْدِ وَالْإِرَادَةِ. وَقَد تَنَازَعَ النَّاسُ فِي قَوْلِهِ ﷺ : "إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ": هَل فِيهِ إضْمَارٌ أَو تَخْصِيصٌ؟ أو هوَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَعُمُومِهِ؟ فَذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُتَأخِّرِينَ إلَى الْأَوَّلِ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: بَلِ الْحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَعُمُومِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالنياتِ فِيهِ الْأعْمَالَ الصَّالِحَةَ وَحْدَهَا؛ بَل أَرَادَ النِّيَّةَ الْمَحْمُودَةَ وَالْمَذْمُومَةَ، وَالْعَمَلَ الْمَحْمُودَ وَالْمَذْمُومَ. وَلَفْظُ النِّيَّةِ يُرَادُ بِهَا النَّوْعُ مِنَ الْمَصْدَرِ، ويُرَادُ بِهَا الْمَنْوِيُّ، وَاسْتِعْمَالُهَا فِي هَذَا لَعَلَّهُ أَغْلَبُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ: إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِحَسَبِ مَا نَوَاهُ الْعَامِلُ؛ أَيْ: بِحَسَبِ مَنْوِيِّهِ. وَلَفْظُ النِّيَّةِ يَجْرِي فِي كَلَامِ الْعُلَمَاءِ عَلَى نَوْعَيْنِ: أ- فَتَارَةً يُرِيدُونَ بِهَا تَمْيِيزَ عَمَلٍ مِن عَمَلٍ، وَعِبَادَةٍ مِن عِبَادَةٍ (١). ب- وَتَارَةً يُرِيدُونَ بِهَا تَمْيِيزَ مَعْبُودٍ عَن مَعْبُودٍ، وَمَعْمُولٍ لَهُ عَن مَعْمُولٍ لَهُ (٢).

стр. 1354

فَالْأَوَّلُ كَلَامُهُم فِي النِّيَّةِ: هَل هِيَ شَرْطٌ فِي طَهَارَةِ الْأَحْدَاثِ؟ وَهَل تُشْتَرَطُ نِيَّةُ التَّعْيِينِ وَالتَّبْيِيتِ فِي الصِّيَامِ؟ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَالثاني: كَالتَّمْيِيزِ بَيْنَ إخْلَاصِ الْعَمَلِ للهِ وَبَيْنَ أَهْلِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ. وَإِن كَانَ قَد يُقَالُ: أَنَّ عُمُومَهُ يَتَنَاوَلُ النَّوْعَيْنِ. وَالنِّيَّةُ مَحَلُّهَا الْقَلْبُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، فَإنْ نَوَى بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِلِسَانِهِ أَجْزَأَتْهُ النِّيَّةُ بِاتِّفَاقِهِمْ. وَالنِّيَّةُ تَتْبَعُ الْعِلْمَ، فَمَن عَلِمَ مَا يُرِيدُ فِعْلَهُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَنْوِيَهُ ضَرُورَةً؛ كَمَن قَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ طَعَامًا لِيَأْكُلَهُ، فَإِذَا عَلِمَ أَنهُ يُرِيدُ الْأَكْلَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَنْوِيَهُ، وَكَذَلِكَ الرُّكُوبُ وَغَيْرُهُ. بَل لَو كُلِّفَ الْعِبَادُ أنْ يَعْمَلُوا عَمَلًا بِغَيْرِ نِيَّةٍ كُلِّفُوا مَا لَا يُطِيقُونَ. وإنَّمَا يَتَصَوَّرُ عَدَم النِّيَّةِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ مَا يُرِيدُ، مِثْل مَن نَسِيَ الْجَنَابَةَ وَاغْتَسَلَ لِلنَّظَافَةِ أَو لِلتبرُّدِ، أَو مَن يُرِيدُ أَنْ يُعَلِّمَ غَيْرَهُ الْوُضُوءَ وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ لِنَفْسِهِ، أَو مَن لَا يَعْلَمُ أَنَّ غَدًا مِن رَمَضَانَ فَيُصْبحُ غَيْرَ نَاوٍ لِلصَّوْمِ. وَمَن عَرَفَ هَذَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ النِّيَّةَ مَعَ الْعِلْمِ فِي غَايَةِ الْيُسْرِ، لَا تَحْتَاجُ إلَى وَسْوَسَةٍ وَآصَارٍ وَأَغْلَالٍ، وَلهَذَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: الْوَسْوَسَةُ إنَّمَا تَحْصُلُ لِعَبْدِ مِن جَهْل بِالشَّرْعِ، أَو خَبَلٍ فِي الْعَقْلِ. وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسُوغُ الْجَهْرُ بِالنِّيَّةِ، لَا لِإِمَام وَلَا لِمَأمُومٍ وَلَا لِمُنْفَرِدٍ، وَلَا يُسْتَحَبُّ تَكْرِيرُهَا، وإِنَّمَا النِّزَاعُ بَيْنَهُم فِي التَّكَلُّمِ بِهَا سِرًّا: هَل يُكْرَهُ أَو يُسْتَحَبُ؟ فصلٌ لَفْظَةُ "إنَّمَا" لِلْحَصْرِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ، وَهَذَا مِمَّا يُعْرَفُ بِالِاضْطِرَارِ مِن لُغَةِ الْعَرَبِ، كمَا تَعْرِفُ مَعَانِيَ حُرُوفِ النَّفْيِ وَالِاسْتِفْهَامِ وَالشَّرْطِ وَغيْرِ ذَلِكَ،

стр. 1355

لَكِنْ تَنَازَعَ النَّاسُ: هَل دَلَالَتهَا عَلَى الْحَصْرِ بِطَرِيقِ الْمَنْطُوقِ أَو الْمَفْهُومِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ بِطَرِيقِ الْمَنْطُوقِ. قَوْلُهُ ﷺ : "فَمَن كانَت هِجْرَتُهُ إلَى اللهِ وَرَسُولهِ فَهِجْرَتُهُ إلَى اللهِ وَرَسُولهِ": لَيْسَ هوَ تَحْصِيلٌ لِلْحَاصِلِ، لَكِنَّهُ إخْبَارٌ بِأنَّ مَن نَوَى بِعَمَلِهِ شَيْئًا فَقَد حَصَلَ لَهُ مَا نَوَاهُ؛ أَيْ: مَن قَصَدَ بِهِجْرَتِهِ اللهَ وَرَسُولَهُ حَصَلَ لَهُ مَا قَصَدَهُ، وَمَن كَانَ قَصْدُهُ الْهِجْرَةَ إلَى دُنْيَا أَو امْرَأَةٍ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا ذَلِكَ، فَهَذَا تَفْصِيل لِقَوْلِهِ: "إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ". [١٨/ ٢٤٧ - ٢٧٩] ١٦٤٩ - قَالَ ﷺ : "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلَكنْ جِهَادٌ وَنيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا" (١)، وَقَالَ: "لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتلَ الْعَدُوُّ" (٢)، وَكِلَاهُمَا حَقٌّ؛ فَالْأَوَّلُ أَرَادَ بِهِ الْهِجْرَةَ الْمَعْهُودَةَ فِي زَمَانِهِ، وَهِيَ الْهِجْرَة إلَى الْمَدِينَةِ مِن مَكَّةَ وَغَيْرِهَا مِن أَرْضِ الْعَرَبِ، فَإِنَّ هَذ الْهِجْرَةَ كَانَت مَشْرُوعَةً لَمَّا كَانَت مَكَّةُ وَغَيْرُهَا دَارَ كُفْرٍ وَحَرْبٍ، وَكَانَ الْإِيمَانُ بِالْمَدِينَةِ، فَكَانَت الْهِجْرَةُ مِن دَارِ الْكُفْرِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَاجِبَةً لِمَن قَدَرَ عَلَيْهَا فَلَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ وَصَارَتْ دَارَ الْإِسْلَامِ وَدَخَلَت الْعَرَبُ فِي الْإِسْلَامِ صَارَت هَذِهِ الْأرْضُ كُلهَا دَارَ الْإِسْلَامِ. [١٨/ ٢٨١] ١٦٥٠ - كَانَ مَعْمَرٌ يَغْلَطُ إذَا حَدَّثَ مِن حَفِظَهُ. [٣٢/ ٣١٨] ١٦٥١ - قَوْلُهُ: "وَنَعُوذُ بِاللهِ مِن شُرُورِ أنفُسِنَا، وَمِن سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا" (٣) السَّيِّئات: هِيَ عُقُوبَاتُ الْأَعْمَالِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ [غافر: ٤٥] فَإِنَّ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ يُرَادُ بِهَا: النِّعَمُ وَالنِّقَمُ كَثِيرًا، كَمَا يُرَادُ بِهَا الطَّاعَاتُ وَالْمَعَاصِي، وَإِن حُمِلَتْ عَلَى السَّيئاتِ الَّتِي هِيَ الْمَعَاصِي فَيَكُونُ قَد اسْتَعَاذَ أنْ يَعْمَلَ السَّيِّئَاتِ أَو أَنْ تَضُرَّهُ، وَعَلَى الْأوَّلِ -وَهُوَ أَشْبَهُ- فَقَد اسْتَعَاذَ مِن عُقُوبَةِ أَعْمَالِهِ أَنْ تُصِيبَهُ، وَهَذَا أَشْبَهُ. [١٨/ ٢٨٩]

стр. 1356

١٦٥٢ - قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "بَدَأَ الاسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأ فَطوبى لِلْغُرَبَاءِ" (١): يَحْتَمِلُ شَيْئَيْنِ: أحدُهُمَا: أَنَّهُ فِي أَمْكِنَةٍ وَأَزْمِنَةٍ يَعُودُ غَرِيبًا بَيْنَهُمْ، ثُمَّ يَظْهَرُ، كَمَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ غَرِيبًا ثُمَّ ظَهَرَ. ويحْتَمِلُ أَنَّهُ فِي آخِرِ الدُّنْيَا لَا يَبْقَى مُسْلِمًا إلَّا قَلِيلٌ، وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الدَّجَّالِ ويأجُوجَ وَمَأجُوجَ عِنْدَ قُرْبِ السَّاعَةِ، وَحِينَئِذٍ يَبْعَثُ اللهُ رِيحًا تَقْبِضُ رُوحَ كُل مُؤمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ ثُمَّ تَقُومُ الْقِيَامَةُ. وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَقَد قَالَ ﷺ : "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِن أُمَّتي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَق لَا يَضُرُّهُم مَن خَالَفَهُم وَلَا مَن خَذَلَهُم حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ" (٢). وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" وَمِثْلُهُ مِن عِدَّةِ أَوْجُهٍ. فَقَد أَخْبَرَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ أَنَّهُ لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مُمْتَنِعَةٌ مِن أمَّتِهِ عَلَى الْحَقّ، اعِزَّاءٌ لَا يَضُرُّهُم الْمُخَالِفُ وَلَا خِلَافُ الْخَاذِلِ. فَأَمَّا بَقَاءُ الْإِسْلَام غَرِيبًا ذَلِيلًا فِي الْأَرْضِ كُلِّهَا قَبْلَ السَّاعَةِ فَلَا يَكونُ هَذَا (٣). وَهَذَا الْحَدِيثُ يُفِيدُ الْمُسْلِمَ أَنَّهُ لَا يَغْتَمُّ بِقِلَّةِ مَن يَعْرِفُ حَقِيقَةَ الْإِسْلَامِ، وَلَا يَضِيقُ صَدْرُهُ بِذَلِكَ، وَلَا يَكُونُ فِي شَكٍّ مِن دِينِ الْإِسْلَامِ، كَمَا كَانَ الْأمْرُ حِينَ بَدَأَ. وَكَذَلِكَ إذَا تَغَرَّبَ يَحْتَاجُ صَاحِبُهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ وَالْبَرَاهِينِ إلَى نَظِيرِ مَا احْتَاجَ

стр. 1357

إلَيهِ فِي أَوَلِ الْأَمْرِ (١). وَقَد تَكُونُ الْغُرْبَة فِي بَعْضِ شَرَائِعِهِ، وَقَد يَكُونُ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَمْكِنَةِ، فَفِي كَثِيرٍ مِن الْأمْكِنَةِ يَخْفَى عَلَيْهِم مِن شَرَائِعِهِ مَا يَصِيرُ بِهِ غَرِيبًا بَيْنَهُمْ، لَا يَعْرِفُهُ مِنْهُم إلَّا الْوَاحِدُ بَعْدَ الْوَاحِدِ. وَمَعَ هَذَا فَطُوبَى لِمَن تَمَسَّكَ بِتِلْكَ الشَّرِيعَةِ كمَا أَمَرَ اللهُ وَرَسُولُهُ، فَإنَّ إظْهَارَهُ وَالْأَمْرَ بِهِ وَالْإِنْكَارَ عَلَى مَن خَالَفَهُ هُوَ بِحَسَبِ الْقُوَّةِ وَالْأَعْوَانِ (٢). وَإِذَا قُدِّرَ أَنَّ فِي النَّاسِ مَن حَصَلَ لَهُ سُوءٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِخِلَافِ مَا وَعَدَ اللهُ بِهِ رَسُولَهُ وَأَتْبَاعَهُ فَهَذَا مِن ذُنوبِهِ وَنَقْصِ إسْلَامِهِ؛ كَالْهَزِيمَةِ الَّتِي أَصَابَتْهُم يَوْمَ أُحُدٍ. [١٨/ ٢٩١ - ٢٩٩] ١٦٥٣ - هَذَا الْحَدِيثُ -اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ- قَد رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَد ذَكَرَهُ أَبُو الْفَرَجِ فِي الْمَوْضُوعَاتِ، وَسَوَاءٌ صَحَّ لَفْظُهُ أَو لَمْ يَصِحَّ، فَالْمِسْكِينُ الْمَحْمُودُ هُوَ الْمُتَوَاضِعُ الْخَاشِعُ للهِ، لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمَسْكَنَةِ عَدَمَ الْمَالِ؛ بَل قَد يَكُونُ الرَّجُلُ فَقِيرًا مِنَ الْمَالِ وَهُوَ جَبَّارٌ. [١٨/ ٣٢٦] ١٦٥٤ - فِي "الصَّحِيحَيْنِ" (٣) عَن أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ"، فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، فَمَن لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: "يَعْمَلُ بِيَدِهِ، فَيَنْفعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدُّقُ" قَالُوا: فَإنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: "يُعِينُ ذَا الحَاجَةِ المَلْهُوفَ" قَالوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: "فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ (٤)، وَلْيُمْسِكْ عَنِ الشَرِّ، فَإنَّهَا لَهُ صَدَقَةٌ".

стр. 1358

فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَوْجَبَ الصَّدَقَةَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، وَجَعَلَهَا خَمْسَ مَرَاتِبَ عَلَى الْبَدَلِ: الْأُولَى الصَّدَقَة بِمَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ: اكْتَسَبَ الْمَالَ فَنَفَعَ وَتَصَدَّقَ. وَفيهِ دَلِيلُ وُجُوبِ الْكسْبِ. فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ: فَيُعِينُ الْمُحْتَاجَ بِبَدَنِهِ. فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ: فَبِلِسَانِهِ. فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ: فَيَكُفُّ عَنِ الشَّرِّ. فَالْأُولَيَانِ تَقَعُ بِمَالٍ، إمَّا بِمَوْجُود أَو بِمَكْسُوب، وَالْأُخْرَيَانِ تَقَعُ بِبَدَن إمَّا بِيَد وَإِمَّا بِلِسَان. [١٨/ ٣٧٢ - ٣٧٣] ١٦٥٥ - قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "أُمِرْت أَنْ أقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ ويُؤْتُوا الزَّكاةَ" (١): مُرَادُهُ: قِتَالُ الْمُحَارِبِينَ الَّذِينَ أَذِنَ اللهُ فِي قِتَالِهِمْ، لَمْ يُرِدْ قِتَالَ الْمُعَاهَدِينَ الَّذِينَ أَمَرَ اللهُ بِوَفَاءِ عَهْدِهِمْ. [١٩/ ٢٠] ١٦٥٦ - قَالَ ﷺ : "مَن أَطَاعَنِي فَقَد أَطَاعَ اللهَ، وَمَن أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَد أَطَاعَني، وَمَن عَصَاني فَقَد عَصَى اللهَ، وَمَن عَصَى أَمِيرِي فَقَد عَصَاني" (٢)، وقال: "إنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ" (٣)؛ يَعْنِي: إذَا أَمَرَ أَمِيرِي بِالْمَعْروفِ فَطَاعَتُهُ مِن طَاعَتِي، وَكُلُّ مَن عَصَى اللهَ فَقَد عَصَى الرَّسُولَ. [١٩/ ١٧٩] ١٦٥٧ - الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد: إِمَامَانِ فِي الْفِقْهِ مِن أَهْلِ الِاجْتِهَادِ. وَأَمَّا مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِي وَالنَّسَائِي وَابْنُ مَاجَه وَابْنُ خُزَيْمَة وَأَبُو يَعْلَى وَالْبَزَّارُ وَنَحْوُهُمْ: فَهُم عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، لَيْسُوا مُقَلِّدِينَ لِوَاحِدٍ بِعَيْنِهِ مِنَ

стр. 1359

الْعُلَمَاءِ، وَلَا هُم مِنَ الْأئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ بَل هُمْ (١) يَمِيلُونَ إلَى قَوْلِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ؛ كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وإِسْحَاقَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَمْثَالِهِمْ. وَمِنْهُم مَن لَهُ اخْتِصَاصٌ بِبَعْضِ الْأئِمَّةِ كَاخْتِصَاصِ أَبِي دَاوُد وَنَحْوِهِ بِأحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. وَمِنْهُم مَن يَمِيلُ إلَى مَذْهَبِ الْعِرَاقِيِّينَ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَنَحْوِهِمَا؛ كَوَكِيعِ ويحْيَى بْنِ سَعِيدٍ. وَمِنْهُم مَن يَمِيلُ إلَى مَذْهَبِ الْمَدَنِيِّينَ: مَالِكٌ وَنَحْوُهُ؛ كَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ. وَأَمَّا البيهقي فَكَانَ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ؛ مُنْتَصِرًا لَهُ فِي عَامَّةِ أَقْوَالِهِ. وَالدَّارَقُطْنِي هُوَ أَيْضًا يَمِيلُ إلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَئِمَّةِ السَّنَدِ وَالْحَدِيثِ، لَكِنْ لَيْسَ هُوَ فِي تَقْلِيدِ الشَّافِعِيِّ كالبيهقي، مَعَ أَنَّ البيهقي لَهُ اجْتِهَادٌ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَسَائِلِ، وَاجْتِهَادُ الدارقطني أَقْوَى مِنْهُ؛ فَإِنَّهُ كَانَ أَعْلَمَ وَأَفْقَهَ مِنْهُ. [٢٠/ ٤٠ - ٤١] ١٦٥٨ - إِنَّ الواقدي لَا يُحْتَجُّ بِهِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ. [٢١/ ٤١] ١٦٥٩ - قوله في حديث أبي بكر ﵁: "اللَّهُمَّ إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم" (٢). ليعلم أن الدعاء الذي فيه اعتراف العبد بظلمه لنفسه ليس من خصائص الصديقين ومن دونهم؛ بل هو من الأدعية التي يدعوا بها الأنبياء وهم أفضل الخلق، قال الله تعالى عن آدم وحواء: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣]. [٢٣/ ٧] وقال موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ [القصص: ١٦].

стр. 1360

والخليل ﵇: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [إبراهيم: ٤١]، ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾ [الشعراء: ٨٢]. وقال هو وإسماعيل ﵇: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)﴾ [البقرة: ١٢٧] إلى قوله: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٢٨]. وقال يونس ﵇: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾ [الأنبياء: ٨٧]. وثبت في الصحيح عن النبي ﷺ ، أنه كان يقول في دعائه: "ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي" (١) (٢). [المستدرك ١/ ٢٠٣ - ٢٠٤] * * * (فوائد ولطائف حديثية) ١٦٦٠ - كَانَ -أي: الإمام أَحْمَد ﵀ يَأخُذُ بِحَدِيث ثُمَّ يَتَبَيَّنُ لَهُ ضَعْفُهُ فَيَتْرُكُ الْأَخْذَ بِهِ، وَقَد يَتْرُكُ الْأَخْذَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَتَبَيَّنَ صِحَّتُهُ، فَإِذَا تَبَيَّنَ لَهُ صِحَّتُهُ أَخَذَ بِهِ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ ﵃. [٢١/ ٤٩٧] ١٦٦١ - عِلْمُ الْإِسْنَادِ وَالرِّوَايَةِ مِمَّا خَصَّ اللهُ بِهِ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَجَعَلَهُ سُلَّمًا إلَى الدِّرَايَةِ، فَأهْلُ الْكِتَابِ لَا إسْنَادَ لَهُم يَأثُرُونَ بِهِ الْمَنْقُولَاتِ، وَهَكَذَا الْمُبْتَدِعُونَ مِن هَذِهِ الْأُمَّةِ أَهْلُ الضَّلَالَاتِ. [١/ ٩] ١٦٦٢ - إِذَا اجْتَمَعَ أَهْلُ الفِقْهِ عَلَى الْقَوْلِ بِحُكم: لَمْ يَكُن إلَّا حَقًّا، وإِذَا اجْتَمَعَ أَهْلُ الْحَدِيثِ عَلَى تَصْحِيحِ حَدِيثٍ: لَمْ يَكُن إلَّا صِدْقًا. [١/ ٩ - ١٠] ١٦٦٣ - لَمْ يَزَلْ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ يُعَظِّمُونَ نَقَلَةَ الْحَدِيثِ،

стр. 1361

حَتَّى قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: إذَا رَأَيْت رَجُلًا مِن أَهْلِ الْحَدِيثِ فَكَأَنِّي رَأَيْتُ رَجُلًا مِن أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ . وَإِنَّمَا قَالَ الشَّافِعِي هَذَا؛ لِأَنَّهُم فِي مَقَامِ الصَّحَابَةِ مِن تَبْلِيغِ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ . [١/ ١١] ١٦٦٤ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية في حديث أبي هريرة: "لا تزال جهنم يلقى فيها وهي تقول: هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط، وأما الجنة فينشئ الله خلقًا آخر" (١) فانقلب على بعض الرواة فقال: "وأما النار فينشئ الله لها خلقًا آخرين". [المستدرك ١/ ٢٢٦] ١٦٦٥ - حَدِيثُ الْإِدْلَاءِ الَّذِي رُوِيَ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي ذَرٍّ ﵄: قَد رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْر مِن حَدِيثِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ مُنْقَطِعٌ؛ فَإِنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِن أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَكِنْ يُقَوِّيه حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ الْمَرْفُوعُ. فَإِنَّ قَوْلَهُ: "لَو أدْلى أَحَدُكُمْ بِحَبْل لَهَبَطَ عَلَى اللهِ" (٢): إنَّمَا هُوَ تَقْدِيرٌ مَفْرُوضٌ؛ أَيْ: لَو وَقَعَ الْإِدْلَاءُ لَوَقَعَ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُدْلِيَ أَحَدٌ عَلَى اللهِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ عَالٍ بِالذَّاتِ، وَإِذَا أُهْبِطَ شَيءٌ إلَى جِهَةِ الْأَرْضِ وَقَفَ فِي الْمَرْكَزِ، وَلَمْ يَصْعَدْ إلَى الْجِهَةِ الْأخْرَى، لَكِنْ بِتَقْدِيرِ فَرْضِ الْإِدْلَاءِ يَكُونُ مَا ذَكَرَ مِن الْجَزَاءِ. [٦/ ٥٧١] ١٦٦٦ - تَنَازَعَ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ الهمداني وَالشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: هَل فِي الْمُسْنَدِ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ؟ فَأَنْكرَ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ أَنْ يَكُونَ فِي الْمُسْنَدِ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ، وَأَثْبَتَ ذَلِكَ أَبُو الْفَرَجِ، وَبَيَّنَ أنَّ فِيهِ أَحَادِيثَ قَد عُلِمَ أنَّهَا بَاطِلَةٌ. وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ؛ فَإِنَ الْمَوْضُوعَ فِي اصْطِلَاحِ أَبِي الْفَرَجِ هُوَ الَّذِي

стр. 1362

قَامَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ بَاطِلٌ، وَإِن كَانَ الْمُحَدِّثُ بِهِ لَمْ يَتَعَمَّد الْكَذِبَ بَل غَلِطَ فِيهِ، وَلهَذَا رَوَى فِي كِتَابِهِ فِي الْمَوْضُوعَاتِ أَحَادِيثَ كثِيرَةً مِن هَذَا النَّوْعِ، وَقَد نَازَعَهُ طَائِفَةٌ مِن الْعُلَمَاءِ فِي كَثِيرٍ مِمَّا ذَكَرَهُ وَقَالُوا: إنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يَقُومُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ بَاطلٌ؛ بَل بَيَّنُوا ثُبُوتَ بَعْضِ ذَلِكَ، لَكِنَّ الْغَالِبَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْمَوْضُوعَاتِ أَنَّهُ بَاطِل بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَأَمَّا الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ وَأَمْثَالُهُ فَإِنَّمَا يُرِيدُونَ بِالْمَوْضُوعِ الْمُخْتَلَقَ الْمَصْنُوعَ الَّذِي تَعَمَّدَ صَاحِبُهُ الْكَذِبَ وَالْكَذِبُ كَانَ قَلِيلًا فِي السَّلَفِ. [١/ ٢٤٨ - ٢٤٩] ١٦٦٧ - شَرْطُ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ أَجْوَدُ مِن شَرْطِ أَبِي دَاوُد فِي سُنَنِهِ. [١/ ٢٥٠] ١٦٦٨ - لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَمَدَ فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى الْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ الَّتِي لَيْسَتْ صَحِيحَة وَلَا حَسَنَةً، لَكِنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَغَيْرَهُ مِن الْعُلَمَاءِ جَوَّزُوا أَنْ يُرْوَى فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَال مَا لَمْ يُعْلَمْ أنَّهُ ثَابِت إذَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ كَذِبٌ. وَذَلِكَ أَنَّ الْعَمَلَ إذَا عُلِمَ أَنَّهُ مَشْرُوعٌ بِدَلِيل شَرْعِيٍّ، وَرُوِيَ فِي فَضْلِهِ حَدِيث لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ كَذِبٌ: جَازَ أَنْ يَكُونَ الثَّوَابُ حَقًّا. وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِن الْأَئِمَّةِ إنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ الشَّيءُ وَاجِبًا أَو مُسْتَحَبًّا بِحَدِيث ضَعِيفٍ، وَمَن قَالَ هَذَا فَقَدَ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ. وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحَرَّمَ شَيءٌ إلَّا بِدَلِيل شَرْعِيٍّ، لَكِنْ إذَا عُلِمَ تَحْرِيمُهُ وَرُوِيَ حَدِيث فِي وَعِيدِ الْفَاعِلِ لَهُ وَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّه كَذِبٌ جَازَ أَنْ يَرْوِيهُ. فَيَجُوزُ أَنْ يَرْوِيَ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ مَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ كَذِبٌ، لَكِنْ فِيمَا عُلِمَ أَنَّ اللهَ رَغَّبَ فِيهِ أَو رَهَّبَ مِنْهُ بِدَلِيل آخَرَ غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ الْمَجْهُولِ حَالُهُ، وَهَذَا كالإسرائيليات: يَجُوزُ أَنْ يُرْوَى مِنْهَا مَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ كَذِبٌ لِلتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ فِيما عُلِمَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ بِهِ فِي شَرْعِنَا وَنَهَى عَنْهُ فِي شَرْعِنَا. فَأَمَّا أَنْ يُثْبِتَ شَرْعًا لنا بِمُجَرَّدِ الإسرائيليات الَّتِي لَمْ تَثْبُتْ: فَهَذَا لَا يَقُولُهُ

стр. 1363

عَالِمٌ، وَلَا كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَلَا أَمْثَالُهُ مِن الْأئِمَّةِ يَعْتَمِدُونَ عَلَى مِثْل هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فِي الشَّرِيعَةِ. وَمَن نَقَلَ عَن أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ يَحْتَجُّ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ الَّذِي لَيْسَ بِصَحِيح وَلَا حَسَنٍ فَقَد غَلِطَ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ كَانَ فِي عُرْفِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَمَن قَبْلَهُ مِن الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْحَدِيثَ يَنْقَسِمُ إلَى نَوْعَيْنِ: صَحِيحٍ وَضَعِيفٍ. وَالضَّعِيفُ عِنْدَهُم يَنْقَسِمُ إلَى ضَعِيفٍ مَتْرُوكٍ لَا يُحْتَجُّ بِهِ، وَإِلَى ضَعِيفٍ حَسَنٍ، كَمَا أنَّ ضَعْفَ الْإِنْسَانِ بِالْمَرَضِ يَنْقَسِمُ إلَى مَرَضٍ مَخُوفٍ يَمْنَعُ التَّبَرُّعَ مِن رَأسِ الْمَالِ، وَإِلَى ضعِيفٍ خَفِيفٍ لَا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ. وَأَوَّلُ مَن عُرِفَ أَنَّهُ قَسَّمَ الْحَدِيثَ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ -صَحِيحٌ وَحَسَنٌ وَضَعِيفٌ- هوَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِي فِي جَامِعِهِ، وَالْحَسَنُ عِنْدَهُ مَا تَعَدَّدَتْ طُرُقُهُ وَلَمْ يَكُن فِي رُوَاتِهِ مُتَّهَمٌ وَلَيْسَ بِشَاذّ. فَهَذَا الْحَدِيثُ وَأَمْثَالُهُ يُسَمِّيهِ أَحْمَدُ ضَعِيفًا ويَحْتَجُّ بِهِ؛ وَلهَذَا مَثَّلَ أَحْمَدُ الْحَدِيثَ الضعِيفَ الَّذِي يحْتَجُّ بِهِ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وَحَدِيثِ إبْرَاهِيمَ الهجري وَنَحْوِهِمَا. [١/ ٢٥٠ - ٢٥٢] ١٦٦٩ - الْأَحَادِيثُ الَّتِي تُرْوَى فِي هَذَا الْبَابِ -وَهُوَ السُّؤَالُ بِنَفْسِ الْمَخْلُوقِينَ- هِيَ مِن الْأحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ الْوَاهِيَةِ بَل الْمَوْضُوعَةِ، وَلَا يُوجَدُ فِي أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ مَن احْتَجَّ بِهَا وَلَا اعْتَمَدَ عَلَيْهَا. [١/ ٢٥٢] ١٦٧٠ - إِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْحَاكِمَ فِيهِ مِن التَّسَاهُلِ وَالتَّسَامُحِ فِي بَابِ التَّصْحِيحِ، حَتَّى إنَّ تَصْحِيحَهُ دُونَ تَصْحِيحِ التّرْمِذِيِّ وَالدَّارَقُطْنِي وَأَمْثَالِهِمَا بِلَا نِزَاعٍ، فَكَيْفَ بِتَصْحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ؟ بَل تَصْحِيحُهُ دُونَ تَصْحِيحِ أَبِي بَكْرِ ابْنِ خُزَيْمَة، وَأَبِي حَاتِمِ ابْنِ حِبَّانَ البستي وَأَمْثَالِهِمَا؛ بَل تَصْحِيحُ الْحَافِظِ أَبِي عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ المقدسي فِي مُخْتَارِهِ خَيْرٌ مِن تَصْحِيحِ الْحَاكِمِ، فَكِتَابُهُ فِي هَذَا الْبَابِ خَيْرٌ مِن كِتَابِ الْحَاكِمِ بِلَا ريبٍ عِنْدَ مَن يَعْرِفُ الْحَدِيثَ.

стр. 1364

وَتَحْسِينُ التِّرْمِذِيِّ أَحْيَانًا يَكُونُ مِثْل تَصْحِيحِهِ أَو أَرْجَحَ، وَكَثِيرًا مَا يُصَحِّحُ الْحَاكِمُ أَحَادِيثَ يُجْزَمُ بِأَنَّهَا مَوْضُوعَة لَا أَصْلَ لَهَا. [٢٢/ ٤٢٦] ١٦٧١ - أهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ لَا يَعْتَمِدُونَ عَلَى مُجَرَّدِ تَصْحِيحِ الْحَاكِمِ، وإن كَانَ غَالِبُ مَا يُصَحِّحُهُ فَهُوَ صَحِيحٌ، لَكِنْ هُوَ فِي الْمُصَحِّحِينَ بِمَنْزِلَةِ الثِّقَةِ الَّذِي يَكْثُرُ غَلَطُهُ، وَإِن كَانَ الصَّوَابُ أَغْلَبَ عَلَيْهِ. وَلَيْسَ فِيمَن يُصَحِّحُ الْحَدِيثَ أَضْعَفُ مِن تَصْحِيحِهِ، بِخِلَافِ أَبِي حَاتِمِ ابْنِ حِبَّانَ البستي، فَإنَّ تَصْحِيحَهُ فَوْقَ تَصْحِيحِ الْحَاكِمِ وَأَجَلُّ قَدْرًا، وَكَذَلِكَ تَصْحِيحُ التِّرْمِذِيِّ وَالدَّارَقُطْنِي وَابْنِ خُزَيْمَة وَابْنِ منده وَأَمْثَالِهِمْ فِيمَن يُصَحِّحُ الْحَدِيثَ. فَإِنَّ هَؤُلَاءِ وَإِن كَانَ فِي بَعْضِ مَا يَنْقُلُونَهُ نِزَاعٌ: فَهُم أتقن فِي هَذَا الْبَابِ مِن الْحَاكِمِ، وَلَا يَبْلُغُ تَصْحِيحُ الْوَاحِدِ مِن هَؤُلَاءِ مَبْلَغَ تَصْحِيحِ مُسْلِمٍ، وَلَا يَبْلُغُ تَصْحِيحُ مُسْلِمٍ مَبْلَغَ تَصْحِيحِ الْبُخَارِيِّ؛ بَل كِتَابُ الْبُخَارِيِّ أَجَلُّ مَا صُنِّفَ فِي هَذَا الْبَابِ، وَالْبُخَارِيُّ مِن أَعْرَفِ خَلْقِ اللهِ بِالْحَدِيثِ وَعِلَلِهِ مَعَ فِقْهِهِ فِيهِ، وَقَد ذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ أَنَّهُ لَمْ يَرَ أَحَدًا أَعْلَم بِالْعِلَلِ مِنْهُ، وَلهَذَا كَانَ مِن عَادَةِ الْبُخَارِيِّ إذَا رَوَى حَدِيثًا اُخْتُلِفَ فِي إسْنَادِهِ أَو فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ أَنْ يَذْكُرَ الِاخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِذِكْرِهِ لَهُ بِأَنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَهُ مَقْرُونًا بِالِاخْتِلَافِ فِيهِ. وَلهَذَا كَانَ جُمْهُورُ مَا انْكِرَ عَلَى الْبُخَارِيِّ مِمَّا صَحَّحَهُ يَكُونُ قَوْلُهُ فِيهِ رَاجِحًا عَلَى قَوْلِ مَن نَازَعَهُ، بِخِلَافِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ فَإِنَّهُ نُوزعَ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ مِمَّا خَرَّجَهَا، وَكَانَ الصَّوَابُ فِيهَا مَعَ مَن نَازَعَهُ، كَمَا رَوَى فِي حَدِيثِ الْكسُوفِ أَنَّ النَبِيَّ ﷺ صَلَّى بِثَلَاثِ ركوعات وَبِأَرْبَعِ ركوعات، كَمَا رَوَى أَنَّهُ صَلَّى بِرُكُوعَيْنِ، وَالصَّوَابُ: أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ إلَّا بِرُكُوعَيْنِ، وَأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ الْكُسُوفَ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً يَوْمَ مَاتَ إبْرَاهِيمُ. وَلَكِنَّ جُمْهُورَ مُتُونِ "الصَّحِيحَيْنِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا بَيْنَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، تَلَقَّوْهَا بِالْقَبُولِ، وَأَجْمَعُوا عَلَيْهَا، وَهُم يَعْلَمُونَ عِلْمًا قَطْعِيًّا أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَهَا. [١/ ٢٥٥ - ٢٥٧]

стр. 1365

١٦٧٢ - الِاعْتِبَارُ بِمَا رَوَاهُ الصَّحَابِيُّ لَا بِمَا فَهِمَهُ، إذَا كَانَ اللَّفْظُ الَّذِي رَوَاهُ لَا يَدُلُّ عَلَى مَا فَهِمَهُ بَل عَلَى خِلَافِهِ (١). [١/ ٢٧٨] ١٦٧٣ - مَن قَالَ مِن الْعُلَمَاءِ: "إنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيّ حُجَّةٌ" فَإنَّمَا قَالَهُ إذَا لَمْ يُخَالِفْهُ غَيْرُهُ مِن الصَّحَابَةِ، وَلَا عُرِفَ نَصٌّ يُخَالِفُهُ، ثُمَّ إذَا اشْتَهَرَ وَلَمْ يُنْكِرُوهُ كَانَ إقْرَارًا عَلَى الْقَوْلِ، فَقَد يُقَالُ: "هَذَا إجْمَاغ إقراري" إذَا عُرِفَ أَنَّهُم أَقَرُّوهُ وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَهُم لَا يُقِرُّونَ عَلَى بَاطِل. وَأَمَّا إذَا لَمْ يَشْتَهِرْ: ١ - فَهَذَا إنْ عُرِفَ أَنَّ غَيْرَهُ لَمْ يُخَالِفْهُ فَقَد يُقَالُ: "هُوَ حُجَّةٌ". ٢ - وَأَمَّا إذَا عُرِفَ أَنَهُ خَالَفَهُ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ بِالِاتّفَاقِ. ٣ - وَأَمَّا إذَا لَمْ يُعْرَفْ هَل وَافَقَهُ غَيْرُهُ أَو خَالَفَهُ: لَمْ يَجْزِمْ بِأَحَدِهِمَا، وَمَتَى كانت السُّنَّةُ تَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ كَانَت الْحُجَّةُ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، لَا فِيمَا يُخَالِفُهَا بِلَا ريبٍ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ. [١/ ٢٨٣ - ٢٨٤] ١٦٧٤ - يُقَالُ: إنَّ أَبَا عُبَيْد لَمْ يَسْمَعْ مِن أَبِيهِ (٢)، لَكِنْ هُوَ عَالِمٌ بِحَالِ أَبِيهِ، مُتَلَقٍّ لِآثَارِهِ مَن أَكَابِرِ أَصْحَابِ أَبِيهِ. وَلَمْ يَكُن فِي أَصْحَابِ عَبْدِ اللهِ مَن يُتَّهَمُ عَلَيْهِ، حَتَّى يُخَافَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْوَاسِطَةَ؛ فَلِهَذَا صَارَ النَّاسُ يَحْتَجُّونَ بِرِوَايَةِ ابْنِهِ عَنْهُ، وَإِن قِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِن أَبِيهِ. [٦/ ٤٠٤] ١٦٧٥ - قَوْلُ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ: إذَا جَاءَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ شَدَّدْنَا فِي الْأَسَانِيدِ، وَإِذَا جَاءَ التَّرْغِيبُ وَالتَّرْهِيبُ تَسَاهَلْنَا فِي الْأَسَانِيدِ، وَكَذَلِكَ مَا عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ مِن الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ: لَيْسَ مَعْنَاهُ إثْبَاتُ

стр. 1366

الِاسْتِحْبَابِ بِالْحَدِيثِ الَّذِي لَا يُحْتَجُّ بِهِ (١)؛ فَإنَّ الِاسْتِحْبَابَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِدَلِيل شَرْعِي، وَمَن أَخْبَرَ عَن اللهِ أَنَّهُ يُحِبُّ عَمَلًا مِن الْأَعْمَالِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ شَرْعِي فَقَد شَرَعَ مِن الدِّينِ مَا لَمْ يَأذَنْ بِهِ اللهُ، كَمَا لَو أَثْبَتَ الْإِيجَابَ أَو التَّحْرِيمَ، وَلهَذَا يَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِي الِاسْتِحْبَابِ كَمَا يَخْتَلِفُونَ فِي غَيْرِهِ؛ بَل هُوَ أَصْلُ الدِّينِ الْمَشْرُوعِ. وَإِنَّمَا مُرَادُهُم بِذَلِكَ: أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ مِمَّا قَد ثَبَتَ أَنَهُ مِمَّا يُحِبُّهُ اللهُ أَو مِمَّا يَكْرَهُهُ اللهُ بِنَصٍّ أَو إجْمَاعٍ؛ كَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَالتَّسْبِيحِ، وَالدُّعَاءِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالْعِتْقِ، وَالْإِحْسَانِ إلَى النَّاسِ، وَكَرَاهَةِ الْكَذِبِ وَالْخِيَانَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإذَا رُوِيَ حَدِيثٌ فِي فَضْلِ بَعْضِ الْأَعْمَالِ الْمُسْتَحَبَّةِ وَثَوَابِهَا وَكَرَاهَةِ بَعْضِ الْأَعْمَالِ وَعِقَابِهَا: فَمَقَادِيرُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَأَنْوَاعُهُ إذَا رُوِيَ فِيهَا حَدِيث لَا نَعْلَمُ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ جَازَتْ رِوَايَتُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ بِمَعْنَى: أَنَّ النَفْسَ تَرْجُو ذَلِكَ الثَّوَابَ أَو تَخَافُ ذَلِكَ الْعِقَابَ كَرَجُلِ يَعْلَمُ أَنَّ التّجَارَةَ تَرْبَحُ لَكِنْ بَلَغَهُ أَنَّهَا تَرْبَحُ رِبْحًا كَثِيرًا فَهَذَا إنْ صَدَقَ نَفَعَهُ وإن كَذَبَ لَمْ يَضرَّهُ؛ وَمِثَالُ ذَلِكَ التَّرْغِيبُ وَالتَّرْهِيبُ بالإسرائيليات؛ وَالْمَنَامَاتِ وَكَلِمَاتِ السَّلَفِ وَالْعُلَمَاءِ؛ وَوَقَائِعِ الْعُلَمَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَجُوزُ بِمُجَرَّدِهِ إثْبَاتُ حُكْمِ شَرْعِيٍّ؛ لَا اسْتِحْبَاب وَلَا غَيْرِهِ وَلَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يُذْكَرَ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ؛ وَالتَّرْجِيَةِ وَالتَّخْوِيفِ. فَمَا عُلِمَ حُسْنُهُ أَو قُبْحُهُ بِأَدِلَّةِ الشَّرْعِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ وَسَوَاءٌ كَانَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ حَقًّا أَو بَاطِلًا فَمَا عُلِمَ أَنَّهُ بَاطِل مَوْضُوعٌ لَمْ يُجَزْ الِالْتِفَاتُ إلَيْهِ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ لَا يُفِيدُ شَيْئًا وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ صَحِيحٌ أُثْبِتَتْ بِهِ الْأَحْكَامُ وَإِذَا احْتَمَلَ الأمْرَيْنِ رُوِيَ لِإِمْكَانِ صِدْقِهِ وَلعَدَمٍ الْمَضَرَّةِ فِي كَذِبِهِ وَأَحْمَد إنَّمَا قَالَ: إذَا جَاءَ التَّرْغِيبُ وَالتَّرْهِيبُ تَسَاهَلْنَا فِي الْأسَانِيدِ. وَمَعْنَاهُ: أَنَّا نَرْوِي في ذَلِكَ بِالْأَسانِيدِ وَإِن لَمْ يَكُن محْدِثُوهَا مِن الثِّقَاتِ الَّذِينَ يُحْتَجُّ بِهِمْ.

стр. 1367

فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَن قَالَ: يُعْمَلُ بِهَا فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ إنَّمَا الْعَمَلُ بِهَا الْعَمَلُ بِمَا فِيهَا مِن الْأعْمَالِ الصَّالِحَةِ مِثْل التِّلَاوَةِ وَالذِّكْرِ وَالِاجْتِنَابِ لِمَا كُرِهَ فِيهَا مِن الْأَعْمَالِ السَّيِّئةِ. وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١) عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو: "بَلِّغُوا عَنِّي وَلَو آيةً، وَحَدِّثُوا عَن بَنِي إسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ، وَمَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِن النَّارِ" مَعَ قَوْلِهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "إذَا حَدَّثَكُم أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدَّقُوهُم وَلَا تُكَذِّبُوهُم" (٢)؛ فَإِنَّهُ رَخَّصَ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُم وَمَعَ هَذَا نَهَى عَن تَصْدِيقِهِمْ وَتَكْذِيبِهِم فَلَو لَمْ يَكُن فِي التَّحْدِيثِ الْمُطْلَقِ عَنْهُم فَائِدَةٌ لِمَا رَخَّصَ فِيهِ وَأَمَرَ بِهِ وَلَو جَازَ تَصْدِيقُهُم بِمُجَرَّدِ الْإِخْبَارِ لَمَا نَهَى عَن تَصْدِيقِهِمْ؛ فَالنُفُوسُ تَنْتَفِعُ بِمَا تَظُنُّ صِدْقَهُ فِي مَوَاضِعَ. فَإذَا تَضَمَّنَتْ أَحَادِيثُ الْفَضَائِلِ الضَّعِيفَةِ تَقْدِيرًا وَتَحْدِيدًا مِثْل صَلَاةٍ فِي وَقْتٍ مُعَيَّن بِقِرَاءَةِ مُعَيَّنَة أَو عَلَى صِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اسْتِحْبَابَ هَذَا الْوَصْفِ الْمُعَيَّنَ لَمْ يَثْبُتْ بِدَلِيل شَرْعِيٍّ بِخِلَافِ مَا لَو رُوِيَ فِيهِ: مَن دَخَلَ السُّوقَ فَقَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ كَانَ لَهُ كَذَا وَكَذَا فَإنَّ ذِكْرَ اللهِ فِي السُّوقِ مُسْتَحَبٌ لِمَا فِيهِ مِن ذِكْرِ اللهِ بَيْنَ الْغَافِلِينَ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ: "ذَاكِرُ اللهِ فِي الْغَافِلِينَ كَالشَّجَرَةِ الْخَضْرَاءِ بَيْنَ الشَّجَرِ الْيَابِسِ" (٣)؛ فَأمَّا تَقْدِيرُ الثَّوَاب الْمَرْوِيِّ فِيهِ فَلَا يَضُرُّ ثُبُوتُهُ وَلَا عَدَمُ ثُبُوتِهِ وَفي مِثْلِهِ جَاءَ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الَتِّرْمِذِيُّ: "مَن بَلَغَهُ عَن اللهِ شَيْءٌ فِيهِ فَضْلٌ فَعَمِلَ بِهِ رَجَاءَ ذَلِكَ الْفَضْلِ أَعْطَاهُ اللهُ ذَلِكَ وإن لَمْ يَكُن ذَلِكَ كَذَلِكَ" (٤). فَالْحَاصِلُ: أَنَّ هَذَا الْبَابَ يُرْوَى وَيُعْمَلُ بِهِ فِي "التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ" لَا فِي

стр. 1368

الِاسْتِحْبَابِ، ثُمَّ اعْتِقَادُ مُوجِبِهِ (١)، وَهُو مَقَادِيرُ الثَّوابِ وَالعِقَابِ يَتَوقَّف عَلَى الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ. [١٨/ ٦٥ - ٦٨] * * * (الأحاديث والآثار التي حكم عليها شيخ الإسلام) ١٦٧٦ - رَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ مِن حَدِيثِ حيوة بْنِ شريح الْمِصْرِيّ، حَدَّثَنَا أَبُو صَخْرٍ، عَن يَزِيدَ بْن قسيط، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: "مَا مِن أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَى إلَّا رَدَّ اللهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ ﵇". [١/ ٢٣٣] ١٦٧٧ - ثَبَتَ بِالْإِسْنَادِ الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ شُعْبَةَ عَن سُلَيْمَانَ التيمي عَن الْمَعْرُور بْنِ سويد قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب فِي سَفَرٍ، فَصَلَّى الْغَدَاةَ ثُمَّ أَتَى عَلَى مَكَانٍ فَجَعَلَ النَّاسُ يَأْتُونَهُ فَيَقُولُونَ: صَلَّى فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ عُمْرُ: إنَّمَا هَلَكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنَّهُم اتَّبَعُوا آثَارَ أَنْبِيَائِهِمْ فَاِتَّخَذُوهَا كَنَائِسَ وَبِيَعًا، فَمَن عَرَضَتْ لَهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَل وَإِلَّا فَلْيَمْضِ. [١/ ٢٨١] ١٦٧٨ - رَوَى بَعْضُ الْجُهَّالِ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إذَا سَأَلْتُمْ الله فَاسْأَلُوهُ بِجَاهِي؛ فَإِنَّ جَاهِي عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ"، وَهَذَا الْحَدِيثُ كَذِبٌ لَيْسَ فِي شَيءٍ مِن كُتُبِ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا أَهْلُ الْحَدِيثِ، وَلَا ذَكَرَهُ أَحَدٌ مِن أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ. [٣١٩] ١٦٧٩ - مِن أَعْظَمِ الْأُصُولِ الَّتِي يَعْتَمِدُهَا هَؤُلَاءِ الِاتّحَادِيَّةُ الْمَلَاحِدَةُ الْمُدَّعُونَ لِلتَّحْقِيقِ وَالْعِرْفَانِ: مَا يَأثُرُونَهُ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "كَانَ اللهُ وَلَا شَيءَ مَعَهُ وَهُوَ الْآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ"، عِنْدَ الِاتّحَادِيَّةِ الْمَلَاحِدَةِ، وَهَذ الزِّيَادَةُ وَهُوَ قَوْلُهُ: "وَهوَ الْآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ": كَذِبٌ مُفْتَرًى عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ مَوْضُوعٌ مُخْتَلَقٌ. [٢/ ٢٧٢]

стр. 1369

١٦٨٠ - الْحَدِيثُ صَحِيحٌ مَشْهُورٌ فِي السُّنَنِ وَالْمَسَانِدِ؛ كَسُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِي وَالنِّسَائِيِّ وَغَيْرِهِمْ وَلَفْظُهُ: "افْتَرَقَت الْيَهُودُ عَلَى إحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النّارِ إلَّا وَاحِدَة، وَافْتَرَقَت النَّصَارَى عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَة كُلُّهَا فِي النَّارِ إلَّا وَاحِدَةً، وَسَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الْأُمَّةُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إلَّا وَاحِدَةً". [٣/ ٣٤٥] ١٦٨١ - كُلُّ حَدِيثٍ فِيهِ أَنَّ محَمَّدًا ﷺ رَأَى رَبَّهُ بِعَيْنِهِ فِي الْأَرْضِ: فَهُوَ كَذِبٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَعُلَمَائِهِمْ، هَذَا شَيْءٌ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِن عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا رَوَاهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ. [٣/ ٣٨٦] ١٦٨٢ - فِي "سُنَنِ أَبِي دَاوُد" وَغَيْرِهِ عَن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي جِنَازَةِ رَجُل مِن الْأَنْصَارِ. فَانْتَهَيْنَا إلَى الْقَبْرِ وَلَمَّا يُلْحَدْ فَجَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُؤوسِنَا الطَّيْرُ وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ الْأَرْضَ … : هُوَ حَدِيث حَسَنٌ ثَابِت. [٤/ ٢٩٠] ١٦٨٣ - الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ فِي قَبْضِ رُوحِ الْمُؤْمِنِ وَأَنَّهُ يَصْعَدُ بِهَا إلَى السَّمَاءِ الَّتِي فِيهَا اللهُ: حَدِيثٌ مَعْروفٌ جَيِّدُ الْإِسْنَادِ. [٤/ ٢٧١] ١٦٨٤ - ثَبَتَ عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَهُ قَالَ: "إنَّ الْمَلَائِكَةَ قَالَتْ: يَا رَبِّ، جَعَلْت بَنِي آدمَ يَأكُلُونَ فِي الدُّنْيَا ويشْرَبُونَ ويتَمَتَّعُونَ، فَاجْعَلْ لَنَا الْآخِرَةَ كَمَا جَعَلْت لَهُم الدُّنْيَا. قَالَ: وَعِزَّتِي لَا أَجْعَلُ صَالِحَ ذَرّيَّةِ مَن خَلَقْت بِيَدَيَّ كَمَن قُلْت لَه كُنْ فَكانَ". ذَكَرَهُ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدارمي. [٤/ ٣٤٤] ١٦٨٥ - قَوْلُهُ: "أَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ": لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِن أَهْلِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ، وَلَا أَهْلُ الْمَسَانِيدِ الْمَشْهُورَةِ، لَا أَحْمَدُ وَلَا غَيْرُهُ بِإِسْنَاد صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ. وَإِنَّمَا يُرْوَى مِن طَرِيقِ مَن هُوَ مَعْرُوفٌ بِالْكَذِبِ. وَلَكِنْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: "أُبَيٌّ أَقْرَؤُنَا، وَعَلِيٌّ أَقْضَانَا"، وَهَذَا قَالَهُ بَعْدَ مَوْتِ أَبِي بَكْرٍ. [٤/ ٤٠٨]

стр. 1370

١٦٨٦ - أَمَّا حَدِيثُ "أَنَا مَدِينَةُ الْعِلْمِ": فَأَضْعَفُ وَأَوْهَى، وَلهَذَا إنَّمَا يُعَدُّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ الْمَكْذوبَاتِ، وَإِن كَانَ التّرْمِذِيُّ قَد رَوَاهُ، وَلهَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ مِن سَائِرِ طُرُقِهِ. [٤/ ٤١٠] ١٦٨٧ - الْمَرَاتِبَ الْأَرْبَعَةَ: الْمُسْلِمُ مَن سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِن لِسَانِهِ وَيَدِهِ. وَالْمُؤمِنُ مَن أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ. وَالْمُهَاجِرُ مَن هَجَرَ السَّيِّئاتِ. وَالْمُجَاهِدُ مَن جَاهَدَ نَفْسَهُ للهِ. وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَن النَّبِيِّ ﷺ من حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو وفضالة بْنِ عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِمَا بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ. [٧/ ٧] ١٦٨٨ - ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَن سَمِعَ النِّدَاءَ ثُمَّ لَمْ يُجِبْ مِن غَيْرِ عُذْرٍ؛ فَلَا صَلَاةَ لَهُ". [٧/ ٣٥] ١٦٨٩ - عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ يُؤْخَذَ بِرُخَصِهِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ". رَوَاهُ أَحْمَد وَابْنُ خُزَيْمَة فِي "صَحِيحِهِ" وَغَيْرُهُمَا. وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ يَرْوِيهِ: "كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُوتَى عَزَائِمُهُ"، وَلَيْسَ هَذَا لَفْظَ الْحَدِيثِ. [٧/ ٤٨] ١٦٩٠ - فِي حَدِيثِ عَدِيّ بْنِ حَاتِمٍ -وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ طَوِيل رَوَاهُ أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا- وَكَانَ قَد قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وهُوَ نَصْرَانِيٌّ، فَسَمِعَهُ يَقْرَأُ هَذ الْآيَةَ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾، قَالَ: فَقُلْت لَهُ: إنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُم، قَالَ: ألَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللهُ فَتحَرِّمُونَهُ وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَتُحِلُّونَهُ؟ قَالَ: فَقُلْت: بَلَى، قَالَ: فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ". [٦/ ٦٧] ١٦٩١ - رُوِيَ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا زَنَى الْعَبْدُ خَرَجَ مِنْهُ
следующие страницы →