← Фатава

Фатава · id 879

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (3 539 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِن الْأَسْبَابِ الَّتِي تَضُر الشَّيَاطِينَ. [١/ ١٦٨ - ١٧١] * * * (تلاعب الشياطين بمن يواليهم) ١٩٩ - الشَّيَاطِينُ يُوَالُونَ مَن يَفْعَلُ مَا يُحِبُّونَهُ مِن الشّرْكِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ، فَتَارَةً يُخْبِرُونَهُ بِبَعْضِ الْأُمُورِ الْغَائِبَةِ لِيُكَاشِفَ بِهَا، وَتَارَةً يُؤذُونَ مَن يُرِيدُ أَذَاهُ بِقَتْلٍ وَتَمْرِيضٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَتَارَةً يَجْلِبُونَ لَهُ مَن يُرِيدُهُ مِن الْإِنْسِ، وَتَارَة يَسْرِقُونَ لَهُ مَا يَسْرِقُونَهُ مِن أَمْوَالِ النَّاسِ مِن نَقْدٍ وَطَعَامٍ وَثيَابٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَيَعْتَقِدُ أَنَّهُ مِن كَرَامَاتِ الْأَوْليَاءِ، وَإِنَمَا يَكونُ مَسْرُوقًا، وَتَارَةً يَحْمِلُونَهُ فِي الْهَوَاءِ فَيَذْهَبُونَ بِهِ إلَى مَكَانٍ بَعِيدٍ .. وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ. فَإِنَّهُ ما مِن أَحدٍ يَعْتَادُ دُعَاءَ الْمَيِّتِ وَالِاسْتِغَاثَةَ بِهِ نَبِيًّا كَانَ أَو غَيْرَ نَبِيٍّ إلَّا وَقَد بَلَغَهُ مِن ذَلِكَ مَا كَانَ مِن أَسْبَابِ ضَلَالِهِ. [١/ ١٧٤] * * * (حكم سُؤَالِ الْخَلْقِ الْحَاجَاتِ الدُّنْيَوِيَّةَ) ٢٠٠ - أَصْلُ سُؤَالِ الْخَلْقِ الْحَاجَاتِ الدُّنْيَوِيَّةَ الَّتِي لَا يَجِبُ عَلَيْهِم فِعْلُهَا لَيْسَ وَاجِبًا عَلَى السَّائِلِ وَلَا مُسْتَحَبًّا؛ بَل الْمَأْمُورُ بِهِ سُؤَالُ اللهِ تَعَالَى وَالرَّغْبَةُ إلَيْهِ وَالتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ. وَسُؤَالُ الْخَلْقِ فِي الْأَصْلِ مُحَرَّمٌ، لَكِنَهُ أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ، وَتَرْكُهُ تَوَكُّلًا عَلَى اللهِ أَفْضَلُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾ [الشرح: ٧، ٨] أَي: ارْغَبْ إلَى اللهِ لَا إلَى غَيْرِهِ. وَفي "الصَّحِيحَيْنِ" (١) عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "يَدْخُلُ مِن أُمَّتِي الْجَنَّةَ

стр. 142

سَبْعُونَ ألفا بِغَيْرِ حِسَاب"، وَقَالَ: "هُم الَّذِينَ لَا يسترقون وَلَا يَكتَوُونَ وَلَا يَتَطَيرُونَ وَعَلَى رَبِهِم يَتَوَكَلُونَ". فَمَدَحَ هَؤُلَاءِ بِأَنَّهُم لَا يسترقون؛ أَيْ: لَا يَطْلُبُونَ مِن أَحَدٍ أنْ يَرْقِيَهُمْ. وَالرُّقْيَةُ مِن جِنْسِ الدُّعَاءِ، فَلَا يَطْلُبُونَ مِن أَحَدٍ ذَلِكَ. وَقَد رُوِيَ فِيهِ "وَلَا يَرْقُونَ" وَهُوَ غَلَطٌ؛ فَإِنَّ رقياهم لِغَيْرِهِمْ وَلِأَنْفُسِهِمْ حَسَنَة، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَرْقِي نَفْسَهُ وَغَيْرَهُ وَلَمْ يَكُن يَسْتَرْقِي؛ فَإِنَّ رُقْيَتَهُ نَفْسَهُ وَغَيْرَهُ مِن جِنْسِ الدُّعَاءِ لِنَفْسِهِ وَلغَيْرِهِ، وَهَذَا مَأْمُورٌ بِهِ. وَمَا يُرْوَى أَنَّ الْخَلِيلَ لَمَّا ألْقِيَ فِي الْمَنْجَنِيقِ قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: سَلْ، قَالَ: "حَسْبِي مِن سُؤَالِي عِلْمُهُ بِحَالِي" لَيْسَ لَهُ إسْنَاد مَعْرُوفُ وَهُوَ بَاطِلٌ؛ بَل الَّذِي ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" (١) عَن ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّه قَالَ:"حَسْبِي اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ"، قَالَهَا إبْرَاهِيمُ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ حِينَ: ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] .. وَقَد رُوِيَ أَنَّ جِبْرِيلَ قَالَ: هَل لَك مِن حَاجَةٍ؟ قَالَ: "أَمَّا إلَيْك فَلَا"، وَقَد ذَكَرَ هَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ. وَأَمَّا سؤَالُ الْمَخْلُوقِ الْمَخْلُوقَ أَنْ يَقْضِيَ حَاجَةَ نَفْسِهِ أَو يَدْعُوَ لَهُ: فَلَمْ يُؤمَرْ بِهِ. بِخِلَافِ: ١ - سُؤَالِ الْعِلْمِ؛ فَإِنَّ اللهَ أَمَرَ بِسُؤَالِ الْعِلْمِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]. وَهَذَا لِأَنَّ الْعِلْمَ: أ - يَجِبُ بَذْلُهُ، فَمَن سُئِلَ عَن عِلْمٍ يَعْلَمُهُ فَكَتَمَهُ أَلْجَمَهُ اللَّه بِلِجَامٍ مِن نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

стр. 143

ب- وَهُوَ يَزْكُو عَلَى التَّعْلِيمِ لَا يَنْقُصُ بِالتَّعْلِيمِ، كَمَا تَنْقُصُ الْأَمْوَالُ بِالْبَذْلِ؛ وَلهَذَا يُشَبَّهُ بِالْمِصْبَاحِ. ٢ - وَكَذَلِكَ مَن لَهُ عِنْدَ غَيْرِهِ حَقٌّ مِن عَيْنٍ أَو دَيْنٍ كَالْأَمَانَاتِ مِثْل الْوَدِيعَةِ وَالْمُضَارَبَةِ لِصَاحِبِهَا أَنْ يَسْألَهَا مِمَن هِيَ عِنْدَه. ٣ - وَكَذَلِكَ مَالُ الْفَيءِ وَغَيْرِهِ مِن الْأمْوَالِ الْمُشْتَرَكَةِ الَّتِي يَتَوَلَّى قِسْمَتَهَا وَلِيُّ الْأَمْرِ. ٤ - وَمِن هَذَا الْبَابِ سُؤَالُ النَّفَقَةِ لِمَن تَجِبُ عَلَيْهِ. ٥ - وَسُؤَالُ الْمُسَافِرِ الضِّيَافَةَ لِمَن تَجِبُ عَلَيْهِ، كَمَا اسْتَطْعَمَ مُوسَى وَالْخَضِرُ أَهْلَ الْقَرْيَةِ. ٦ - وَكَذَلِكَ الْغَرِيمُ لَهُ أَنْ يَطْلُبَ دَيْنَهُ مِمَن هُوَ عَلَيْهِ. ٧ - وَكُل وَاحِدٍ مِن الْمُتَعَاقِدَيْنِ لَهُ أَنْ يَسْأَلَ الْآخَرَ أَدَاءَ حَقِّهِ إلَيْهِ، فَالْبَائِعُ يَسْأَلُ الثَّمَنَ وَالْمُشْتَرِي يَسْأَلُ الْمَبِيعَ. ٨ - وَمِن هَذَا الْبَابِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١]. وَقَد يَكُونُ السُّؤَالُ مَنْهِيًّا عَنْهُ نَهْيَ تَحْرِيم أَو تَنْزِيهٍ، وَإِن كَانَ الْمَسْؤُولُ مَأُمُورًا بِإِجَابَةِ سُؤَالِهِ؛ فَالنَّبِيُّ ﷺ كَانَ مِن كَمَالِهِ أنْ يُعْطِيَ السَّائِلَ وَهَذَا فِي حَقِّهِ مِن فَضَائِلِهِ وَمَنَاقِبِهِ وَهُوَ وَاجِبٌ أَو مُسْتَحَبٌّ، وَإِن كَانَ نَفْسُ سُؤَالِ السَّائِلِ مَنْهِيُّا عَنْهُ. وَلهَذَا لَمْ يُعْرَفْ قَطّ أَنَّ الصِّدِّيقَ وَنَحْوَهُ مِن أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ سَألُوهُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، وَلَا سَألُوة أَنْ يَدْعُوَ لَهُمْ، وَإِن كَانُوا يَطْلُبُونَ مِنْة أنْ يَدْعُوَ لِلْمُسْلِمِينَ. وَكَانَت عَائِشَةُ إذَا أَرْسَلَتْ إلَى قَوْمٍ بِصَدَقَةٍ تَقُولُ لِلرَّسُولِ: "اسْمَعْ مَا يَدْعُونَ بِهِ لنا حَتَّى نَدْعُوَ لَهُم بِمِثْل مَا دَعَوْا لنَا، ويبْقَى أَجْرُنَا عَلَى اللهِ".

стр. 144

وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إذَا قَالَ لَك السَّائِلُ: بَارَكَ اللهُ فِيك فَقُلْ: وَفِيك بَارَكَ اللهُ. فَمَن عَمِلَ خَيْرًا مَعَ الْمَخْلُوقِينَ سَوَاءٌ كَانَ الْمَخْلُوقُ نَبِيًّا أَو رَجُلًا صَالِحًا أَو مَلِكا مِن الْمُلُوكِ أَو غَنِيًّا مِن الْأَغْنِيَاءِ: فَهَذَا الْعَامِلُ لِلْخَيْرِ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ خَالِصًا للهِ يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللهِ، لَا يَطْلُبُ بِهِ مِن الْمَخْلُوقِ جَزَاءً وَلَا دُعَاءً وَلَا غَيْرَهُ، لَا مِن نَبِيٍّ وَلَا رَجُلٍ صَالِحٍ وَلَا مِن الْمَلَائِكَةِ؛ فَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْعِبَادَ كُلَّهُم أَنْ يَعْبُدُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ. وَهَذَا هُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ الَّذِي بَعَثَ اللهُ بِهِ الْأَوَّلينَ والآخرين مِن الرُّسُلِ. فَكُلُّ مَا يَفْعَلُهُ الْمُسْلِمُ مِن الْقُرَبِ الْوَاجِبَةِ وَالْمُسْتَحَبَّةِ كَالْإِيمَانِ باللهِ وَرَسُولِهِ، وَالْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ، وَمَحَبَّةِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَالْإِحْسَانِ إلَى عِبَادِ اللهِ بِالنَّفْعِ وَالْمَالِ: هُوَ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَفْعَلَهُ خَالِصًا للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا يَطْلُبُ مِن مَخْلُوقٍ عَلَيْهِ جَزَاءً: لَا دُعَاءً وَلَا غَيْرَ دُعَاءٍ، فَهَذَا مِمَّا لَا يَسُوغُ أَنْ يَطْلُبَ عَلَيْهِ جَزَاءً لَا دُعَاءً وَلَا غَيْرَهُ. وَحَيْثُ أَمَرَ الْأُمَّةَ بِالدُّعَاءِ لَهُ- أي: للنَّبِيّ ﷺ فَذَاكَ مِن بَابِ أَمْرِهِمْ بِمَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، كَمَا يَأْمُرُهُم بِسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ والمستحبات، وَإِن كَانَ هُوَ يَنْتَفِعُ بِدُعَائِهِمْ لَهُ، فَهُوَ أَيْضًا يَنْتَفِعُ بِمَا يَأْمُرُهُم بِهِ مِن الْعِبَادَاتِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ؛ فَإِنَّهُ ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ (١) أَنَّهُ قَالَ: "مَن دَعَا إلَى هُدًى كانَ لَهُ مِن الْأَجْرِ مِثْلُ أجُورِ مَن اتبَعَهُ مِن غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِن أجُورِهِمْ شَيءٌ"، وَمُحَمَّدٌ ﷺ هُوَ الدَّاعِي إلَى مَا تَفْعَلُهُ أُمَّتُهُ مِن الْخَيْرَاتِ، فَمَا يَفْعَلُونَهُ لَهُ فِيهِ مِن الْأَجْرِ مِثْلُ اجُورِهِمْ مِن غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِن اجُورِهِمْ شَيْءٌ. وَلهَذَا لَمْ تَجْرِ عادَةُ السَّلَفِ بِأَنْ يُهْدُوا إلَيْهِ ثَوَابَ الْأَعْمَالِ؛ لِأَنَّ لَهُ مِثْل ثَوَابِ أَعْمَالِهِمْ بِدُونِ الْإِهْدَاءِ مِن غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِن ثَوَابِهِم شيء.

стр. 145

وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْأَبَوَانِ؛ فَإنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَا يَفْعَلُهُ الْوَلَدُ يَكُون لِلْوَالِدِ مِثْلُ أَجْرِهِ (١)، وَإِنَّمَا يَنْتَفِعُ الْوَالِدُ بِدُعَاءِ الْوَلَدِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يَعُودُ نَفْعُهُ إلَى الْأَبِ، كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ (٢): "إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِن ثَلَاث: صَدَقَة جَارِية، وَعِلْم يُنْتَفَعُ بِهِ، وَوَلَد صَالِح يَدْعُو لَهُ". فَالنَّبِيُّ ﷺ فِيمَا يَطْلُبُة مِن أُمَّتِهِ مِن الدُّعَاءِ -طَلَبُهُ طَلَبُ أَمْرٍ وَتَرْغِيب، لَيْسَ بِطَلَبِ سُؤَالٍ. فَمِن ذَلِكَ: أَمْرُهُ لنَا بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ. وَمِن ذَلِكَ أَمْرُهُ بِطَلَبِ الْوَسِيلَةِ وَالْفَضِيلَةِ وَالْمَقَامِ الْمَحْمُودِ. وَمِن هَذَا الْبَابِ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِي وَصَحَّحَهُ وَابْنُ مَاجَه أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اسْتَأذَنَ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْعُمْرَةِ فَأَذِنَ لَهُ ثُمَّ قَالَ: "لَا تَنْسَنَا يَا أَخِي مِن دُعَائِك"، فَطَلَبُ النَّبِيِّ ﷺ من عُمَرَ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ كَطَلَبِهِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ ويُسَلِّمَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَسْأَلَ اللهَ لَهُ الْوَسِيلَةَ وَالدَّرَجَةَ الرَّفِيعَةَ، وَهُوَ كَطَلَبِهِ أَنْ يَعْمَلَ سَائِرَ الصَّالِحَاتِ، فَمَقْصُودُهُ نَفْعُ الْمَطْلُوب مِنْهُ وَالْإِحْسَانُ إلَيْهِ، وَهُوَ ﷺ أَيْضًا يَنْتَفِعُ بِتَعْلِيمِهِم الْخَيْرَ وَأَمْرِهِمْ بِهِ، وَيَنْتَفِعُ أيْضًا بِالْخَيْرِ الَّذِي يَفْعَلُونَهُ مِن الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَمِن دُعَائِهِمْ لَهُ. وَمَن قَالَ لِغَيْرِهِ مِن النَّاسِ: اُدْع لِي -أَو لَنَا- وَقَصَدَ أَنْ يَنْتَفِعَ ذَلِكَ الْمَأمُورُ بِالدُّعَاءِ وَيَنْتَفِعَ هُوَ أَيْضا بِأَمْرِهِ ويفْعَلَ ذَلِكَ الْمَأْمُورُ بِهِ كَمَا يَأْمُرُهُ بِسَائِرِ فِعْلِ الْخَيْرِ: فَهُوَ مُقْتَدٍ بِالنَبِيِّ ﷺ ، مُؤْتَمٌّ بِهِ، لَيْسَ هَذَا مِن السُّؤَالِ الْمَرْجُوحِ.

стр. 146

وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكن مَقْصُودُهُ إلا طَلَبَ حَاجَتِهِ، لَمْ يَقْصِدْ نَفْعَ ذَلِكَ وَالْإِحْسَانَ إلَيْهِ: فَهَذَا لَيْسَ مِن الْمُقْتَدِينَ بِالرَّسُولِ، الْمُؤتَمِّينَ بِهِ فِي ذَلِكَ؛ بَل هَذَا هُوَ مِن السُّؤَالِ الْمَرْجُوحِ الَّذِي تَرْكُهُ إلَى الرَّغْبَةِ إلَى اللهِ وَرَسُولِهِ أَفْضَلُ مِن الرَّغْبَةِ إلَى الْمَخْلُوقِ وَسُؤَالِهِ. [١/ ١٨١ - ١٩٣] * * * (حكم ومفاسد سُؤَالِ الْمَخْلُوقِينَ) ٢٠١ - إِنَّ سُؤَالَ الْمَخْلُوقِينَ فِيهِ ثَلَاثُ مَفَاسِدَ: أ - مَفْسَدَةُ الِافْتِقَارِ إلَى غَيْرِ اللهِ وَهِيَ مِن نَوْعِ الشِّرْكِ. ب- وَمَفْسَدَةُ إيذَاءِ الْمَسْؤُولِ وَهِيَ مِن نَوْعِ ظُلْمِ الْخَلْقِ. ج- وَفِيهِ ذُلٌّ لِغَيْرِ اللهِ وَهُوَ ظُلْمٌ لِلنَّفْسِ. فَهُوَ مُشْتَمِل عَلَى أنْوَاعِ الظُّلْمِ الثلَاثَةِ. فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ الْمُومِنِينَ بِعِبَادَتِهِ وَالْإِحْسَانِ إلَى عِبَادِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٣٦]، وَهَذَا أَمْرٌ بِمَعَالِي الْأخْلَاقِ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُحِبُّ مَعَالِيَ الْأَخْلَاقِ ويكْرَهُ سَفْسَافَهَا. فَأَيْنَ الْإِحْسَانُ إلَى عِبَادِ اللهِ مِن إيذَائِهِمْ بِالسُّؤَالِ وَالشِّحَاذَةِ لَهُمْ؟ وَأَيْنَ التَّوْحِيدُ لِلْخَالِقِ بِالرَّغْبَةِ إلَيْهِ، وَالرَّجَاءِ لَهُ، وَالتَّوَكُلِ عَلَيْهِ، وَالْحُبِّ لَهُ، مِن الْإِشْرَاكِ بهِ بِالرَّغْبَةِ إلَى الْمَخْلُوقِ، وَالرَّجَاءِ لَهُ، وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُحَبَّ كَمَا يُحَبُّ الَلَّه؟ وَأَيْنَ صَلَاحُ الْعَبْدِ فِي عُبُودِيَّةِ اللهِ وَالذُّلِّ لَهُ، وَالِافْتِقَارِ إلَيْهِ، مِن فَسَاد فِي عُبُودِيَّةِ الْمَخْلُوقِ وَالذُّلِّ لَهُ وَالِافْتِقَارِ إلَيْهِ؟ [١/ ١٩١ - ١٩٥] * * *

стр. 147

(المراد بلَفْظِ التَّوَسُّلِ) ٢٠٢ - لَفْظُ التَّوَسُّلِ قَد يُرَادُ بِهِ ثَلَاثَةُ أمُورٍ: يُرَادُ بِهِ أمْرَانِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ: أَحَدُهُمَا هُوَ أَصْلُ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ: وَهُوَ التَّوَسُّلُ بِالْاِيمَانِ بِهِ وَبِطَاعَتِهِ. وَالثَّانِي: دُعَاؤُهُ وَشَفَاعَتُهُ، وَهَذَا أَيْضًا نَافِعٌ، يَتَوَسَّلُ بِهِ مَن دَعَا لَهُ وَشفَعَ فِيهِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. وَمَن أنْكَرَ التَّوَسُّلَ بِهِ بِأَحَدِ هَذَيْنِ الْمَعْنيَيْنِ فَهُوَ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ مُرْتَدًّا. وَأَمَّا دُعَاؤُهُ وَشَفَاعَتُهُ وَانْتِفَاعُ الْمُسْلِمِينَ بِذَلِكَ: فَمَن أَنْكَرَهُ فَهُوَ أَيْضًا كَافِرٌ، لَكِنَ هَذَا أَخْفَى مِن الْأَوَّلِ، فَمَن أَنْكَرَهُ عَن جَهْل عُرِّفَ ذَلِكَ، فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى إنْكَارِهِ فَهُوَ مُرْتَدٌّ. أَمَّا دُعَاؤُهُ وَشَفَاعَتُة فِي الدُّنْيَا: فَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ مِن أَهْلِ الْقِبْلَةِ. وَأَمَّا الشَّفَاعَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: فَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ -وَهُم الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ لَهُم بِإِحْسَان وَسَائِرِ أئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ- أَنَّ لَهُ شَفَاعَاتٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خَاصَّةً وَعَامَّةَ، وَأَنَّهُ يشفعُ فِيمَن يَأْذَنُ اللّهُ لَهُ أَنْ يَشْفعَ فِيهِ مِن أُمَّتِهِ مِن أَهْلِ الْكبَائِرِ، وَلَا يَنْتَفِعُ بِشَفَاعَتِهِ إلَّا أَهْلُ التَّوْحِيدِ الْمُؤْمِنُونَ دُونَ أَهْلِ الشِّرْكِ، وَلَو كَانَ الْمُشْرِكُ مُحِبًّا لَهُ مُعَظمًا لَهُ لَمْ تُنْقِذْهُ شفَاعَتُهُ مِن النَّارِ، وَإِنَّمَا يُنْجِيهِ مِن النَّارِ التَّوْحِيدُ وَالْإِيمَانُ بِهِ؛ وَلهَذَا لَمَّا كَانَ أَبُو طَالِبٍ وَغَيْرُهُ يُحِبُّونَهُ وَلَمْ يُقِرُّوا بِالتَّوْحِيدِ الَّذِي جَاءَ بِهِ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَخْرُجُوا مِن النَّارِ بِشَفَاعَتِهِ وَلَا بِغَيْرِهَا. [١/ ١٥٣ - ١٥٤] ٢٠٣ - لَفْظُ الْوَسِيلَةِ مَذْكُورٌ فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥]؛ فَالْوَسِيلَةُ الَّتِي أَمَرَ اللّهُ أَنْ تُبْتَغَى إلَيْهِ وَأَخْبَرَ عَن مَلَائِكَتِهِ وَأَنْبِيَائِهِ أَنَّهُم يَبْتَغُونَهَا إلَيْهِ: هِيَ مَا يُتَقَرَّبُ إلَيْهِ مِن

стр. 148

الْوَاجِبَاتِ والمستحبات، فَهَذِهِ الْوَسِيلَةُ الَّتِي أَمَرَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ بِابْتِغَائِهَا تتنَاوَلُ كُل وَاجِبٍ وَمُسْتَحَبٍّ، وَمَا لَيْسَ بِوَاجِب وَلَا مُسْتَحَبٍّ لَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ مُحَرَّمًا أَو مَكْرُوهًا أَو مُبَاحًا. فَالْوَاجِبُ وَالْمُسْتَحَبُّ: هُوَ مَا شَرَعَهُ الرَّسُولُ فَأَمَرَ بِهِ أَمْرَ إيجَابٍ أَو اسْتِحْبَابٍ، وَأَصْلُ ذَلِكَ الْإِيمَان بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ. فَجِمَاعُ الْوَسِيلَةِ الَّتِي أَمَرَ اللّهُ الْخَلْقَ بِابْتِغَائِهَا: هُوَ التَّوَسُّلُ إلَيْهِ بِاتِّبَاعِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، لَا وَسِيلَةَ لِأَحَد إلَى اللهِ إلَّا ذَلِكَ. [١/ ١٩٩ - ٢٠٠] * * * (المرادُ بالتَّوَسُّلِ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَالتَّوَجُّهِ بِهِ فِي كَلَامِ الصَّحَابَةِ) ٢٠٤ - أَمَّا التَّوَسُّلُ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَالتَّوَجّهُ بِهِ فِي كَلَامِ الصَّحَابَةِ فَيُرِيدُونَ بِهِ التَّوَسُّلَ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ. وَالتَّوَسُّلُ بِهِ فِي عُرْفِ كَثيرٍ مِن الْمُتَأْخِّرِينَ يُرَادُ بِهِ الْإِقْسَامُ بِهِ وَالسُّؤَالُ بِهِ. وَحِينَئِذٍ فَلَفْظُ التَّوَسّلِ بِهِ يُرَادُ بِهِ مَعْنيانِ صَحِيحَانِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَيُرَادُ بِهِ مَعْنًى ثَالِث لَمْ تَرِدْ بِهِ سُنَّةٌ: فَأَمَّا الْمَعْنيَانِ الْأَوَّلَانِ الصَّحِيحَانِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ: فَأَحَدُهُمَا هُوَ أَصْلُ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ: وَهُوَ التَّوَسل بِالْإِيمَانِ بِهِ وَبِطَاعَتِهِ. وَالثَّاني: دُعَاؤُهُ وَشَفَاعَتُهُ. فَهَذَانِ جَائِزَانِ بِاِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَمِن هَذَا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: "اللَّهُمَّ إنَّا كُنَّا إذَا أَجْدَبْنَا تَوَسَّلْنَا إلَيْك بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نتَوَسَّلُ إلَيْك بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا" (١)؛ أَيْ: بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ. وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥]؛ أَي: الْقُرْبَةَ إلَيْهِ بِطَاعَتِهِ.

стр. 149

فَهَذَا التَّوَسُّلُ الْأَوَّلُ هُوَ أَصْلُ الدِّينِ، وَهَذَا لَا يُنْكرُهُ أَحَدٌ مِن الْمُسْلِمِينَ. وَأَمَّا التَّوَسُّلُ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ -كَمَا قَالَ عُمَرُ- فَإِنَّهُ تَوَسَّلَ بِدُعَائِهِ لَا بِذَاتِهِ؛ وَلهَذَا عَدَلُوا عَن التَّوَسُّلِ بِهِ إلَى التَّوَسُّلِ بِعَمِّهِ الْعَبَّاسِ، وَلَو كَانَ التَّوَسُّلُ هُوَ بذَاتِهِ لَكَانَ هَذَا أَوْلَى مِن التَّوَسُّلِ بِالْعَبَّاسِ، فَلَمَّا عَدَلُوا عَن التَّوَسُّلِ بِهِ إلَى التَّوَسُّلِ بِالْعَبَّاسِ: عُلِمَ أَنَّ مَا يُفْعَل فِي حَيَاتِهِ قَد تَعَذَّرَ بِمَوْتِهِ، بِخِلَافِ التَّوَسُّلِ الَّذِي هُوَ الْإِيمَانُ بِهِ وَالطَّاعَة لَهُ فَإِنَّهُ مَشْرُوعٌ دَائِمًا. وَالثَّالِثُ: التَّوَسُّلُ بِهِ بِمَعْنَى الْإِقْسَامِ عَلَى اللّهِ بِذَاتِهِ وَالسُّؤَالِ بِذَاتِهِ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي لَمْ يَكُنْ الصَّحَابَةُ يَفْعَلُونَهُ فِي الاِسْتِسْقَاءِ وَنَحْوِهِ، لَا فِي حَيَاتِهِ وَلَا بَعْدَ مَمَاتِهِ، لَا عِنْدَ قَبْرِهِ وَلَا غَيْرِ قَبْرِهِ، وَلَا يُعْرَفُ هَذَا فِي شَيْءٍ مِن الْأَدْعِيَةِ الْمَشْهُورَةِ بَيْنَهُمْ، وَإِنَّمَا يُنْقَلُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ فِي أَحَادِيثَ ضَعِيفَةٌ مَرْفُوعَةٍ وَمَوْقُوفَةٍ، أَو عَمَّن لَيْسَ قَوْلُهُ حُجَّةً. وَهَذَا هُوَ الَّذِي قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَاُبهُ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ وَنَهَوْا عَنْهُ حَيْثُ قَالُوا: لَا يُسْأَلُ بِمَخْلُوقٍ وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ: أَسْأَلُك بِحَقِّ أَنْبِيَائِك. وَقَد اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ مَن حَلَفَ بِالْمَخْلُوقَاتِ الْمُحْتَرَمَةِ، أَو بِمَا يَعْتَقِدُ هُوَ حُرْمَتَهُ؛ كَالْعَرْشِ، وَالْكُرْسِيِّ، وَالْكَعْبَةِ، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ .. وَغَيْرِ ذَلِكَ: لَا يَنْعَقِدُ يَمِينُهُ وَلَا كَفَارَةَ فِي الْحَلِفِ بِذَلِكَ. وَالْحَلِفُ بِالْمَخْلُوقَاتِ حَرَامٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ الشَافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَقَد حُكِيَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ. وَقِيلَ: هِيَ مَكْرُوهَة كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ. وَالْأَوَّلُ أَصَح، حَتَّى قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسِ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: لَأَنْ أَحْلِفَ باللهِ كَاذِبًا أَحَبُّ إلَيَّ مِن أَنْ أحْلِفَ بِغَيْرِ اللّهِ صَادِقًا. وَذَلِكَ لِأنَّ الْحَلِفَ بِغَيْرِ اللهِ شِرْكٌ، وَالشِّرْكُ أَعْظَمُ مِن الْكذِبِ.

стр. 150

وَإِنَّمَا نَعْرِفُ النِّزَاعَ فِي الْحَلِفِ بِالْأَنْبِيَاءِ، فَعَن أحْمَدَ فِي الْحَلِفِ بِالنَّبِيّ ﷺ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: لَا يَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِهِ كَقَوْلِ الْجُمْهُورِ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَافِعِيِّ. وَالثانِيَة: يَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِهِ. وَقَصَرَ أَكْثَرُ هَؤُلَاءِ النِّزَاعَ فِي ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً، وَعَدَّى ابْنُ عَقِيلٍ هَذَا الْحُكْمَ إلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ. وَإِيجَابُ الْكَفَّارَةِ بِالْحَلِفِ بِمَخْلُوقِ وَإِن كَانَ نَبِيًّا: قَوْلٌ ضَعِيفٌ فِي الْغَايَةِ مُخَالِفٌ لِلْأصُولِ وَالنُّصُوصِ. [١/ ٢٠١ - ٢٠٤] ٢٠٥ - الَّذِي قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأصْحَابُهُ وَغَيْرُهُم مِن الْعُلَمَاءِ -مِن أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْأَلَ اللهُ تَعَالَى بِمَخْلُوق: لَا بِحَقِّ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ- يَتَضَمَّنُ شَيْئَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ: أَحَدُهُمَا: الْإِقْسَامُ عَلَى اللهِ بِهِ، وَهَذَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ، كَمَا يُنْهَى أنْ يُقْسَمَ عَلَى اللهِ بِالْكَعْبَةِ وَالْمَشَاعِرِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. والثَّانِي: السُّؤَالُ بِهِ، فَهَذَا يُجَوِّزهُ طَائِفَةٌ مِن النَّاسِ، وَنُقِلَ فِي ذَلِكَ آثَارٌ عَن بَعْضِ السَّلَفِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي دُعَاءِ كَثِيرٍ مِن النَّاسِ، لَكِنْ مَا رُوِيَ عَن النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ كُلُّهُ ضَعِيفٌ بَل مَوْضُوعٌ، وَلَيْسَ عَنْهُ حَدِيثٌ ثَابِتٌ قَد يُظَنُّ أَنَّ لَهُم فِيهِ حُجَّةً إلَّا حَدِيثَ الْأَعْمَى الَّذِي عَلَّمَهُ أَنْ يَقُولَ: "أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إلَيْك بِنَبِيِّك مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ" (١)، وَحَدِيثُ الْأعْمَى لَا حُجَّةَ لَهُم فِيهِ؛ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ إنَّمَا تَوَسَّلَ بِدُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَشَفَاعَتِهِ، وَهُوَ طَلَبَ مِن النَّبِيِّ ﷺ الدُّعَاءَ، وَقَد أَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَقُولَ: "اللَّهُمَّ شَفِّعْهُ فِيَّ"؛ وَلهَذَا رَدَّ اللّهُ عَلَيْهِ بَصَرَة لَمَّا دَعَا لَهُ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا يُعَدُّ مِن آيَاتِ النَّبِيِّ ﷺ .

стр. 151

وَهَذَا التَّوَسُّلُ بِالْأنْبِيَاءِ بِمَعْنَى السُّؤَالِ بِهِم - وَهُوَ الَّذِي قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَغَيْرُهُم أَنَّهُ لَا يَجُوزُ - لَيْسَ فِي الْمَعْرُوفِ مِن مَذْهَبِ مَالِكٍ مَا يُنَاقِضُ. فَمَن نَقَلَ عَن مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ جَوَّزَ التَّوَسُّلَ بِهِ بِمَعْنَى الْإِقْسَامِ بِهِ أَو السُّؤَالِ بِهِ: فَلَيْسَ مَعَهُ فِي ذَلِكَ نَقْل عَن مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ. [١/ ٢٢٢ - ٢٢٤] * * * (معنى السؤال بالله وحكمه) ٢٠٦ - قَوْلُهُ: "سَأَلْتُك باللّهِ أَنْ تَفْعَلَ كَذَا": سُؤَالٌ وَلَيْسَ بِقَسَم، وَفِي الْحَدِيثِ: "مَن سَأَلَكُمْ باللهِ فَأَعْطُوهُ" (١)، وَلَا. كَفَّارَةَ عَلَى هَذَا إذَا لَمْ يُجَبْ سُؤَالُهُ. وَإِذَا قَالَ السَّائِلُ لِغَيْرِهِ: "أسْأَلُ بِاللّهِ" فَإِنَّمَا سَأَلَهُ بِإِيمَانِهِ باللهِ؛ وَذَلِكَ سَبَبٌ لِإِعْطَاءِ مَن سَأَلَهُ بِهِ؛ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ يُحِبُّ الْإِحْسَانَ إلَى الْخَلْقِ. فَقَد تَبَيَّنَ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ "أَسْأَلُك بِكَذَا" نَوْعَانِ: فَإِنَّ الْبَاءَ قَد تَكُونُ لِلْقَسَمِ وَقَد تَكُونُ لِلسَّبَبِ. فَقَد يَكُونُ قَسَمًا بِهِ عَلَى اللّهِ، وَقَد يَكُونُ سُؤَالًا بِسَبَبِهِ. فَأمَّا الْأَوَّلُ: فَالْقَسَمُ بِالْمَخْلُوقَاتِ لَا يَجُوزُ عَلَى الْمَخْلُوقِ فَكيْفَ عَلَى الْخَالِقِ؟ وَأمَّا الثَّانِي: وَهُوَ السُّؤَالُ بِالْمُعَظَّمِ كَالسُّؤَالِ بِحَقِّ الْأَنْبِيَاءِ: فَهَذَا فِيهِ نِزَاعٌ، وَقَد تَقَدَّمَ عَن أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ. [١/ ٢٠٦ - ٢١١] * * * (حكم قول الدَّاعِي: يَا سَيِّدِي يَا سَيِّدِي) ٢٠٧ - كَرِهَ مَالِكٌ وَابْنُ أَبِي عِمْرَانَ مِن أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرهمَا أَنْ يَقُولَ الدَّاعِي: يَا سَيِّدِي يَا سَيِّدِي، وَقَالُوا: قُلْ كَمَا قَالَت الْأَنْبِيَاءُ: رَبِّ رَبِّ.

стр. 152

وَاسْمُهُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ يَجْمَعُ أَصْلَ مَعَانِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ؛ وَلهَذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُهُ إذَا اجْتَهَدَ فِي الدُّعَاءِ (١). [١/ ٢٠٧] * * * (معني الحديث: "أَسْأَلُكَ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْك وَبِحَقِّ مَمْشَايَ هَذَا ") ٢٠٨ - جَاءَ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ مَاجَه عَن عَطِيَّةَ العوفي عَن أَبِي سَعِيدٍ الخدري عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ عَلَّمَ الْخَارِجَ إلَى الصَّلَاةِ أَنْ يَقُولَ فِي دُعَائِهِ: وَأَسْأَلُكَ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْك، وَبِحَقِّ مَمْشَايَ هَذَا، فَإِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشَرًا وَلَا بَطَرًا وَلَا رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً" (٢)، فَإِنْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا فَحَقُّ السَّائِلِينَ عَلَيْهِ أَنْ يُجِيبَهُمْ، وَحَقُّ الْعَابِدِينَ لَهُ أَنْ يُثِيبَهُمْ، وَهُوَ حَقٌّ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ لَهُمْ، كَمَا يُسْأَلُ بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ الَّذِي جَعَلَهُ سَبَبًا لِإِجَابَةِ الدُّعَاءِ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الشورى: ٢٦]. فَنَقُولُ: قَوْلُ السَّائِلِ للهِ تَعَالَى: "أَسْأَلُكَ بِحَقِّ فُلَانٍ وَفُلَانٍ مِن الْمَلَائِكةِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَغَيْرِهِمْ، أَو بِجَاهِ فُلَانٍ، أَو بِحُرْمَةِ فُلَانٍ" يَقْتَضِي أَنَّ هَؤُلَاءِ لَهُم عِنْدَ اللّهِ جَاهٌ وَهَذَا صَحِيحٌ. فَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَهُم عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةٌ وَجَاهٌ وَحُرْمَة، يَقْتَضِي أَنْ يَرْفَعَ اللّهُ

стр. 153

دَرَجَاتِهِمْ، وَيُعْظِمَ أَقْدَارَهُمْ، وَيَقْبَلَ شَفَاعَتَهُم إذَا شفعُوا، مَعَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وَيَقْتَضِي أَيْضًا أَنَّ مَن اتَّبَعَهُم وَاقْتَدَى بِهِم فِيمَا سُنَّ لَهُ الاِقْتِدَاءُ بِهِم فِيهِ كَانَ سَعِيدًا، وَمَن أَطَاعَ أَمْرَهُم الَّذِي بَلَّغُوهُ عَن اللّهِ كَانَ سَعِيدًا. وَلَكِنْ لَيْسَ نَفْسُ مُجَرَّدِ قَدْرِهِمْ وَجَاهِهِمْ مِمَّا يَقْتَضِي إجَابَةَ دعَائِهِ إذَا سَأَلَ اللّهَ بِهِمْ، حَتَّى يَسْأَلَ اللّهَ بِذَلِكَ؛ بَل جَاهُهُم يَنْفَعُهُ أَيْضًا إذَا اتَّبَعَهُم وَأَطَاعَهُم فِيمَا أمرُوا بِهِ عَن اللهِ، أَو تَأَسَّى بِهِم فِيمَا سَنُّوهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَيَنْفَعُهُ أَيْضًا إذَا دَعَوْا لَهُ وَشفعُوا فِيهِ. فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُن مِنْهُم دُعَاءٌ وَلَا شَفَاعَة، وَلَا مِنْهُ سَبَبٌ يَقْتَضِي الْإِجَابَةَ: لَمْ يَكُن مُتَشَفِّعًا بِجَاهِهِمْ، وَلَمْ يَكُن سُؤَالُهُ بِجَاهِهِمْ نَافِعًا لَهُ عِنْدَ اللهِ. نَعَمْ، لَو سَأَلَ اللهَ بِإِيمَانِهِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَمَحَبَّتِهِ لَهُ وَطَاعَتِهِ لَهُ وَاتِّبَاعِهِ: لَكانَ قَد سَأَلَهُ بِسَبَبٍ عَظِيمٍ يَقْتَضِي إجَابَةَ الدُّعَاءِ؛ بَل هَذَا أَعْظَمُ الْأَسْبَابِ وَالْوَسَائِلِ. وَمَن قَالَ: بَل لِلْمَخْلُوقِ عَلَى اللهِ حَقٌّ: فَهُوَ صَحِيحٌ إذَا أَرَادَ بِهِ الْحَقَّ الَّذِي أَخْبَرَ اللّهُ بِوُقُوعِهِ؛ فَإِنَّ اللّهَ صَادِقٌ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ، وَهُوَ الَّذِي أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِحِكْمَتِهِ وَفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ. وَهَذَا الْمُسْتَحِقُّ لِهَذَا الْحَقِّ إذَا سَألَ اللهَ تَعَالَى بِهِ: يَسْأَلُ اللّهَ تَعَالَى إنْجَازَ وَعْدِهِ، أَو يَسْأَلُهُ بِالْأَسْبَابِ الَّتِي عَلَّقَ اللهُ بِهَا الْمُسَبِّبَاتِ كَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فَهَذَا مُنَاسِبٌ. وَأَمَّا غَيْرُ الْمُسْتَحِقِّ لِهَذَا الْحَقِّ إذَا سَأَلَهُ بِحَقِّ ذَلِكَ الشَّخْصِ: فَهُوَ كَمَا لَو سَأَلَهُ بِجَاهِ ذَلِكَ الشَّخْصِ، وَذَلِكَ سُؤَالٌ بِأَمْر أَجْنَبِيٍّ عَن هَذَا السَّائِلِ، لَمْ يَسْأَلْهُ بِسَبَب يُنَاسِبُ إجَابَةَ دُعَائِهِ. [١/ ٢٠٩ - ٢١٨] ٢٠٩ - مَا بَيَّنَ اللّهُ وَرَسُولُهُ أَنَّهُ حَقٌّ لِلْعِبَادِ عَلَى اللّهِ فَهُوَ حَقٌّ، لَكِنَّ الْكَلَامَ فِي السُّؤَالِ بِذَلِكَ، فَيُقَالُ: إنْ كَانَ الْحَقُّ الَّذِي سَأَلَ بِهِ سَبَبًا لِإِجَابَةِ السُّؤَالِ حَسُنَ السُّؤَالُ بِهِ؛ كَالْحَقِّ الَّذِي يَجِبُ لِعَابِدِيهِ وَسَائِلِيهِ.

стр. 154

وَأَمَّا إذَا قَالَ السَّائِلُ: بِحَقِّ فُلَانٍ وَفُلَانٍ فَأُولَئِكَ إذَا كَانَ لَهُم عِنْدَ اللّهِ حَقٌّ أَنْ لَا يُعَذبَهُم وَأَنْ يُكْرِمَهُم بِثَوَابِهِ وَيَرْفَعَ دَرَجَاتِهِمْ - كَمَا وَعَدَهُم بِذَلِكَ وَأَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ - فَلَيْسَ فِي اسْتِحْقَاقِ أُولَئِكَ مَا اسْتَحَقُّوهُ مِن كَرَامَةِ اللّهِ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِمَطْلُوبِ هَذَا السَّائِلِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ اسْتَحَقَّ مَا اسْتَحَقَّهُ بِمَا يَسَّرَهُ اللّهُ لَهُ مِن الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ، وَهَذَا لَا يَسْتَحِقُّ مَا اسْتَحَقَّهُ ذَلِكَ، فَلَيْسَ فِي إكْرَامِ اللهِ لِذَلِكَ سَبَبٌ يَقْتَضِي إجَابَةَ هَذَا. وَإِن قَالَ: السَّبَبُ هُوَ شَفَاعَتُهُ وَدُعَاؤُهُ، فَهَذَا حَقٌّ إذَا كَانَ قَد شَفَعَ لَهُ وَدَعَا لَهُ، وَإِن لَمْ يَشْفَعْ لَهُ وَلَمْ يَدْعُ لَهُ لَمْ يَكُن هُنَاكَ سَبَبٌ. وَإِن قَالَ: السَّبَبُ هُوَ مَحَبَّتِي لَهُ وَإِيمَانِي بِهِ وَمُوَالَاتِي لَهُ، فَهَذَا سَبَبٌ شَرْعِيٌّ، وَهُوَ سُؤَالُ اللّهِ وَتَوَسُّل إلَيْهِ بِإِيمَانِ هَذَا السَّائِلِ وَمَحَبَّتِهِ للّهِ وَرَسُولِهِ، وَطَاعَتِهِ للهِ وَرَسُولِهِ. لَكِنْ يَجِبُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَحَبَّةِ للّهِ وَالْمَحَبَّةِ مَعَ اللّهِ، فَمَن أَحَبَّ مَخْلُوقًا كَمَا يُحِبُّ الْخَالِقَ فَقَد جَعَلَهُ نِدًّا للهِ، وَهَذِهِ الْمَحَبَّةُ تَضُرهُ وَلَا تَنْفَعُهُ، وَأَمَّا مَن كَانَ اللّه تَعَالَى أَحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُ وَأَحَبَّ أَنْبيَاءَهُ وَعِبَادَهُ الصَّالِحِينَ لَهُ فَحُبُّهُ للّهِ تَعَالَى هُوَ أَنْفَع الْأشْيَاءِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَيْنِ مِن أَعْظَمِ الْأُمُورِ. فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَ التَّوَسُّلُ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَطَاعَتِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أ - تَارَةً يَتَوَسَّل بِذَلِكَ إلَى ثَوَابِهِ وَجَنَّتِهِ، وَهَذَا أَعْظَمُ الْوَسَائِلِ. ب - وَتَارَةً يَتَوَسَّلُ بِذَلِكَ فِي الدُّعَاءِ كمَا ذَكَرْتُمْ نَظَائِرَهُ. فَيُحْمَلُ قَوْلُ الْقَائِلِ: أَسْأَلُك بِنَبِيِّك مُحَمَّدٍ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ: أَنِّي أَسْأَلُكَ بِإِيمَانِي بِهِ وَبِمَحَبَّتِهِ وَأَتَوَسَّلُ إلَيْك بِإِيمَانِي بِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَقَد ذَكَرْتُمْ أَنَّ هَذَا جَائِزٌ بِلَا نِزَاعٍ. قِيلَ: مَن أَرَادَ هَذَا الْمَعْنَى فَهُوَ مُصِيبٌ فِي ذَلِكَ بِلَا نِزَاعٍ، وَإِذَا حُمِلَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى كَلَامُ مَن تَوَسَّلَ بِالنَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ مَمَاتِهِ مِن السَّلَفِ، كَمَا نُقِلَ عَن

стр. 155

بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَعَن الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ كَانَ هَذَا حَسَنًا. وَحِينَئِذٍ فَلَا يَكُونُ فِي الْمَسْألَةِ نِزَاعٌ. وَلَكِنْ كَثِير مِن الْعَوَامِّ يُطْلِقُونَ هَذَا اللَّفْظَ وَلَا يُرِيدُونَ هَذَا الْمَعْنَى. فَإِنْ قِيلَ: فَقَد يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ بِحَق الرَّحِمِ؟ قِيلَ: الرَّحِمُ تُوجِبُ عَلَى صَاحِبِهَا حَقًّا لِذِي الرَّحِمِ كَمَا قَالَ اللّهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١]. وَحَقُّ ذِي الرَّحِمِ بَاقٍ بَعْدَ مَوْتِهِ. [١/ ٢١٩ - ٢٢٢] * * *٥ (تضعيف قصة أبي جعفر مع الإمام مالك في التوسل بالنبي) ٢١٠ - ذَكَرَ -أي: الْقَاضِي عِيَاضٌ- حِكايَةً بِإِسْنَاد غَرِيبٍ مُنْقَطِعٍ رَوَاهَا عَن غَيْرِ وَاحِدٍ إجَازَةً قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْن عُمَرَ بْنِ دِلْهَات، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ فِهْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْن أَحْمَدَ بْنِ الْفَرَحِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَبْدُ اللّهِ بْنُ الْمُنْتَابِ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إسْحَاقَ بْنِ أَبِي إسْرَائِيلَ، حَدَّثنَا ابْنُ حميد قَالَ: نَاظَرَ أَبُو جَعْفَرٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مَالِكًا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَرْفَعْ صَوْتَك فِي هَذَا الْمَسْجِدِ فَإِنَّ اللهَ أَدَّبَ قَوْمًا فَقَالَ: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢]. وَإِنَّ حُرْمَتَهُ مَيِّتًا كَحُرْمَتِهِ حَيًّا. فَاسْتَكَانَ لَهَا أَبُو جَعْفَرٍ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللّهِ أَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَأدْعُو؟ أَمْ أَسْتَقْبِلُ رَسُولَ اللّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: وَلمَ تَصْرِفُ وَجْهَك عَنْهُ وَهُوَ وَسِيلَتُك وَوَسِيلَةُ أَبِيك آدمَ ﵇ إلَى اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ بَل اسْتَقْبِلْهُ وَاسْتَشْفِعْ بِهِ فَيُشَفِّعَك اللهُ، قَالَ اللّه تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤].

стр. 156

قُلْت: وَهَذِهِ الْحِكَايَةُ مُنْقَطِعَةٌ؛ فَإِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ حميد الرَّازِيَّ لَمْ يُدْرِكْ مَالِكًا، لَا سِيَّمَا فِي زَمَنِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ، فَإِنَّ أَبَا جَعْفَرٍ تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ لسَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ، وَتُوُفِّيَ مَالِكٌ سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ، وَتُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ حميد الرَّازِي سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَلَمْ يَخْرُجْ مِن بَلَدِهِ حِينَ رَحَلَ فِي طَلَبِ الْعِلْم إلَّا وَهُوَ كَبِيرٌ مَعَ أَبِيهِ، وَهُوَ مَعَ هَذَا ضَعِيفٌ عِنْدَ أَكْثَرِ أهْلِ الْحَدِيثِ، كَذَّبَهُ أَبُو زُرْعَةَ. وَهَذِهِ الْحِكَايَةُ لَمْ يَذْكرْهَا أَحَدٌ مِن أَصْحَابِ مَالِكٌ الْمَعْرُوفِينَ بِالْأَخْذِ عَنْهُ. وَلَكِنَّهَا مُنَاقِضَةٌ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ الْمَعْرُوفِ مِن وُجُوهٍ: أَحَدُهَا قَوْلُهُ: "أَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَأَدْعُو أَمْ أَسْتَقْبِلُ رَسُولَ اللّهِ وَأَدْعُو؟ فَقَالَ: وَلمَ تَصْرِفُ وَجْهَك عَنْهُ وَهُوَ وَسِيلَتُك وَوَسِيلَةُ أَبِيك آدمَ"؛ فَإِنَّ الْمَعْرُوفَ عَن مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِن الْأَئِمَّةِ وَسَائِر السَّلَفِ مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَنَّ الدَّاعِيَ إذَا سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ لِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَيَدْعُو فِي مَسْجِدِهِ، وَلَا يَسْتَقْبِلُ الْقَبْرَ وَيَدْعُو لِنَفْسِهِ؛ بَل إنَّمَا يَسْتَقْبِلُ الْقَبْرَ عِنْدَ السَّلَامِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالدُّعَاءِ لَهُ. [١/ ٢٢٧ - ٢٣٠] * * * (الردّ علي ما روي أن عُثْمَانَ بْنَ حَنِيفٍ أمر رجلًا أن يدعو بدعاء الأعمى) ٢١١ - عَن أَبِي أمامة سَهْلِ بْنِ العتبية أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَخْتَلِفُ إلَى عُثْمَانَ بْنِ عفان فِي حَاجَةٍ لَهُ، وَكَانَ عُثْمَانُ لَا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ وَلَا يَنْظُرُ فِي حَاجَتِهِ، فَلَقِيَ الرَّجُلُ عُثْمَانَ بْنَ حَنِيفٍ فَشَكَا إلَيْهِ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ بْنُ حَنِيفٍ: ائْتِ الْمِيضَأَةَ فَتَوَضَّأْ، ثُمَّ ائتِ الْمَسْجِدَ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك وَأَتَوَجَّهُ إلَيْك بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّدُ إنِّي أَتَوَجَّهُ بِك إلَى رَبِّي فَيَقْضِي لِي حَاجَتِي، ثُمَّ اُذْكُرْ حَاجَتَك، ثُمَّ رُحْ حَتَّى أَرُوحَ مَعَك، قَالَ: فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ فَصَنَعَ ذَلِكَ،

стр. 157

ثُمَّ أَتَى بَعْدُ عُثْمَانَ بْنَ عفان فَجَاءَ الْبَوَّابُ فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَأَدْخَلَهُ عَلَى عُثْمَانَ فَأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى الطِّنْفِسَةِ وَقَالَ: اُنْظُرْ مَا كَانَت لَك مِن حَاجَةٍ، فَذَكَرَ حَاجَتَهُ فَقَضَاهَا لَهُ. ثُمَّ إنَّ الرَّجُلَ خَرَجَ مِن عِنْدِهِ فَلَقِيَ عُثْمَانَ بْنَ حَنِيفٍ فَقَالَ لَهُ: جَزَاك اللّهُ خَيْرًا مَا كَانَ يَنْظُرُ فِي حَاجَتِي وَلَا يَلْتَفِتُ إلَيَّ حَتَّى كَلَّمْتَه فِيَّ، فَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ حَنِيفٍ: مَا كَلَّمْته وَلَكِنْ سَمِعْت رَسُولَ اللّهِ ﷺ يَقُولُ - وَجَاءَهُ ضَرِيرٌ فَشَكَا إلَيْهِ ذَهَابَ بَصَرِة. قُلْت: وَقَد رَوَاهُ النَّسَائِي فِي كِتَابِ (عَمَلُ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ) .. وَلَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِن هَؤُلَاءِ -لَا التِّرْمِذِيُّ وَلَا النَّسَائِي وَلَا ابْنُ مَاجَه- مِن تِلْكَ الطَّرِيقِ الْغَرِيبَةِ الَّتِي فِيهَا الزِّيَادَةُ. فَهَذِهِ الزِّيَادَةُ لَو كَانَت ثَابِتَةً لَمْ يَكُن فِيهَا حُجَّةٌ، وَإِنَّمَا غَايَتُهَا أَنْ يَكُونَ عُثْمَانُ بْنُ حَنِيفٍ ظَنَّ أَنَّ الدُّعَاءَ يُدْعَى بِبَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالدُّعَاءِ الْمَشْرُوعِ؛ بَل بِبَعْضِهِ، وَظَنَّ أَنَّ هَذَا مَشْرُوعٌ بَعْدَ مَوْتِهِ ﷺ . وَمِثْلُ هَذَا لَا تَثْبُتُ بِهِ شَرِيعَةٌ كَسَائِرِ مَا يُنْقَلُ عَن آحَادِ الصَّحَابَةِ فِي جِنْسِ الْعِبَادَاتِ أَو الْإِبَاحَاتِ او الْإِيجَابَاتِ أَو التَّحْرِيمَاتِ إذَا لَمْ يُوَافِقْهُ غَيْرُهُ مِن الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ، وَكَانَ مَا يَثْبُتُ عَن النَّبِيِّ ﷺ يُخَالِفُهُ لَا يُوَافِقُهُ، لَمْ يَكُن فِعْلُهُ سُنَّةً يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ اتِّبُاعُهَا؛ بَل غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمَّا يَسُوغُ فِيهِ الاِجْتِهَادُ، وَمِمَّا تَنَازَعَتْ فِيهِ الْأُمَّةُ، فَيَجِبُ رَدُّهُ إلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ. وَلهَذَا نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ: مِثْل مَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُدْخِلُ الْمَاءَ فِي عَيْنَيْهِ فِي الْوُضُوءِ، وَيَأْخُذُ لِأذُنَيْهِ مَاءً جَدِيدًا. وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إلَى الْعَضُدَيْنِ فِي الْوُضوءِ وَيَقُولُ: مَن اسْتَطَاعَ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ عُنُقَهُ وَيَقُولُ هُوَ مَوْضِعُ الْغُلِّ، فَإِنَّ هَذَا وَإِن اسْتَحَبَّهُ طَائِفَة مِن الْعُلَمَاءِ اتِّبَاعًا لَهُمَا فَقَد خَالَفَهُم فِي ذَلِكَ آخَرُونَ وَقَالُوا: سَائِرُ الصَّحَابَةِ لَمْ يَكُونُوا يَتَوَضَّؤُونَ هَكَذَا.

стр. 158

وَالْوُضُوءُ الثَّابِتُ عَنْهُ ﷺ الَّذِي فِي "الصَّحِيحَيْنِ" وَغَيْرِهِمَا مِن غَيْرِ وَجْهٍ لَيْسَ فِيهِ أَخْذُ مَاءٍ جَدِيدٍ لِلْأُذُنَيْنِ، وَلَا غَسْلُ مَا زَادَ عَلَى الْمَرْفِقَيْنِ وَالْكَعْبَيْنِ، وَلَا مَسْحُ الْعُنُقِ، وَلَا قَالَ النَبِيُّ ﷺ : "مَن اسْتَطَاعَ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ"؛ بَل هَذَا مِن كَلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ تجاءَ مُدْرَجًا فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ، وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّكُمْ تَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِن آثَارِ الْوُضُوءِ" (١)، وَكَانَ ﷺ يَتَوَضَّأُ حَتَّى يَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ وَالسَّاقِ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: "مَن اسْتَطَاعَ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ"، وَظَنَّ مَن ظَنَّ أَنَّ غَسْلَ الْعَضُدِ مِن إطَالَةِ الْغرَّةِ، وَهَذَا لَا مَعْنَى لَهُ؛ فَإِنَّ الْغُرَّةَ فِي الْوَجْهِ لَا فِي الْيَدِ وَالرِّجْلِ، وَإِنَّمَا فِي الْيَدِ وَالرِّجْلِ الْحَجْلَةُ، وَالْغُرَّةُ لَا يُمْكِنُ إطَالَتُهَا؛ فَاِنَّ الْوَجْهَ يُغْسَلُ كُلُّهُ، لَا يُغْسَل الرَّأسُ، وَلَا غرَّةَ فِي الرَّأسِ، وَالْحَجْلَةُ لَا يُسْتَحَبُّ إطَالَتُهَا، وَإِطَالَتُهَا مُثْلَةٌ. وَكَذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ كَانَ يَتَحَرَّى أَنْ يَسِيرَ مَوَاضِعَ سَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَيَنْزِلَ مَوَاضِعَ مَنْزِلِهِ، وَيَتَوَضَّأُ فِي السَّفَرِ حَيْثُ رَآهُ يَتَوَضَّأُ، وَيَصُبَّ فَضْلَ مَائِهِ عَلَى شَجَرَةٍ صَبَّ عَلَيْهَا، وَنَحْو ذَلِكَ مِمَّا اسْتَحَبَّهُ طَائِفَةٌ مِن الْعُلَمَاءِ وَرَأَوْهُ مُسْتَحَبًّا، وَلَمْ يَسْتَحِبَّ ذَلِكَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ؛ كَمَا لَمْ يَسْتَحِبَّهُ وَلَمْ يَفْعَلْهُ أَكَابِرُ الصَّحَابَةِ كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَغَيْرِهِمْ، لَمْ يَفْعَلُوا مِثْل مَا فَعَلَ ابْنُ عُمَرَ. وَلَو رَأَوْهُ مُسْتَحَبًّا لَفَعَلُوهُ، كَمَا كَانُوا يَتَحَرُّوْنَ مُتَابَعَتَهُ وَالِاقْتِدَاءَ بِهِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُتَابَعَةَ أَنْ يَفْعَلَ مِثْل مَا فَعَلَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلَ؛ فَإِذَا فَعَلَ فِعْلًا عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ شُرِعَ لَنَا أنْ نَفْعَلَهُ عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ؛ وَإِذَا قَصَدَ تخصِيصَ مَكَانٍ أَو زَمَانٍ بِالْعِبَادَةِ خَصَّصْنَاهُ بِذَلِكَ. وَأَمَّا مَا فَعَلَهُ بِحُكْمِ الاِتِّفَاقِ وَلَمْ يَقْصِدْهُ؛ مِثْل أَنْ يَنْزِلَ بِمَكان وَيُصَلِّيَ فِيهِ لِكَوْنِهِ نَزَلَهُ لَا قَصْدًا لِتَخْصِيصِهِ بِهِ بِالصَّلَاةِ وَالنُّزُولِ فِيهِ، فَإِذا قَصَدنَا تَخْصِيصَ

стр. 159

ذَلِكَ الْمَكَانِ بِالصَّلَاةِ فِيهِ أَو النُّزُولِ لَمْ نَكُنْ مُتَّبِعِينَ؛ بَل هَذَا مِن الْبِدَعِ الَّتِي كَانَ يَنْهَى عَنْهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ؛ كَمَا ثَبَتَ بِالْإِسْنَادِ الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ شُعْبَةَ عَن سُلَيْمَانَ التَّيمي عَن الْمَعْرُور بْنِ سويد قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي سَفَرٍ، فَصَلَّى الْغَدَاةَ ثُمَّ أَتَى عَلَى مَكَانٍ فَجَعَلَ النَّاسُ يَأْتُونَهُ فَيَقُولُونَ: صَلَّى فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ عُمْرُ: "إنَّمَا هَلَكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنَّهُم اتَّبَعُوا آثَارَ أَنْبِيَائِهِمْ فَاتَّخَذُوهَا كَنَائِسَ وَبِيَعًا، فَمَن عَرَضَتْ لَهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ وَإِلَّا فَلْيَمْضِ". فَلَمَّا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَقْصِدْ تَخْصِيصَهُ بِالصَّلَاةِ فِيهِ بَل صَلَّى فِيهِ لِأنَّهُ مَوْضِعُ نُزُولِهِ: رَأَى عُمَرُ أَنَّ مُشَارَكَتَهُ فِي صُورَةِ الْفِعْلِ مِن غَيْرِ مُوَافَقَةٍ لَهُ فِي قَصْدِهِ لَيْسَ مُتَابَعَةً؛ بَل تَخْصِيصُ ذَلِكَ الْمَكَانِ بِالصَّلَاةِ مِن بِدَعِ أَهْلِ الْكِتَاب الَّتِي هَلَكُوا بِهَا، وَنَهَى الْمُسْلِمِينَ عَن التَّشَبُّهِ بِهِم فِي ذَلِكَ، فَفَاعِلُ ذَلِكَ مُتَشَبِّهٌ بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي الصُّورَةِ، وَمُتَشَبِّهٌ بِالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي الْقَصْدِ الَّذِي هُوَ عَمَلُ الْقَلْبِ. وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ؛ فَإِنَّ الْمُتَابَعَةَ فِي السُّنَّةِ أَبْلَغُ مِن الْمُتَابَعَةِ فِي صُورَةِ الْعَمَلِ، وَلهَذَا لَمَّا اشْتَبَهَ عَلَى كَثِيرٍ مِن الْعُلَمَاءِ جَلْسَةُ الاِسْتِرَاحَةِ: هَل فَعَلَهَا اسْتِحْبَابًا أَو لِحَاجَةٍ عَارِضَةٍ؛ تَنَازَعُوا فِيهَا. وَكَذَلِكَ نُزُولُهُ بِالْمُحَصَّبِ عِنْدَ الْخُرُوجِ مَن مِنَى لَمَّا اشْتَبَهَ: هَل فَعَلَهُ لِأَنَّهُ كَانَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ أَو لِكَوْنِهِ سُنَّةً؟ تَنَازَعُوا فِي ذَلِكَ. وَمِن هَذَا وَضْعُ ابْنِ عُمَرَ يَدَهُ عَلَى مَقْعَدِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَتَعْرِيفُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِالْبَصْرَةِ، وَعَمْرِو بْنِ زاذان بِالْكُوفَةِ؛ فإِنَّ هَذَا لَمَّا لَمْ يَكُن مِمَّا يَفْعَلُهُ سَائِرُ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يَكُن النَّبِيُّ ﷺ شَرَعَهُ لِأُمَّتِهِ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُقَالَ هَذَا سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ؛ بَلْ غَايَتُهُ أَنْ يُقَالَ: هَذَا مِمَّا سَاغَ فِيهِ اجْتِهَادُ الصَّحَابَةِ، أَو مِمَّا لَا يُنْكَرُ عَلَى فَاعِلِهِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَسُوغُ فِيهِ الاِجْتِهَادُ، لَا لِأَنَّهُ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ سَنَّهَا النَّبِيُّ ﷺ لِأُمَّتِهِ، أَو يُقَالُ فِي التَّعْرِيفِ: إنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ أَحْيَانًا لِعَارِض إذَا لَمْ يُجْعَلْ سُنَّةً رَاتِبَةً.

стр. 160

وَهَكَذَا يَقُولُ أَئِمَّةُ الْعِلْمِ فِي هَذَا وَأَمْثَالِهِ: تَارَةَ يَكْرَهُونَهُ، وَتَارَةً يُسَوِّغُونَ فِيهِ الاِجْتِهَادَ، وَتَارَةً يُرَخِّصُونَ فِيهِ إذَا لَمْ يُتَّخَذْ سُنَّةً. وَلَا يَقُولُ عَالِمٌ بِالسُّنَّةِ: إنَّ هَذِهِ سُنَّةٌ مَشْرُوعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يُقَالُ فِيمَا شَرَعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؛ إذ لَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَسُنَّ وَلَا أَنْ يَشْرَعَ. وَمَا سَنَّة خُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ فَإِنَّمَا سَنُّوهُ بأمْرِهِ، فَهُوَ مِن سُنَنِهِ، وَلَا يَكُونُ فِي الدِّينِ وَاجِبًا إِلَّا مَا أَوْجَبَهُ، وَلَا حَرَامًا إلَّا مَا حَرَّمَهُ، وَلَا مُسْتَحَبًّا إلَّا مَا اسْتَّحَبَّهُ، وَلَا مَكْرُوهًا إِلَّا مَا كَرِهَهُ، وَلَا مُبَاحًا إلَّا مَا أَبَاحَهُ. [١/ ٢٦٨ - ٢٨٢] * * * (حكم النذر لغير الله، وحكم الحلف بالمخلوقات) ٢١٢ - اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَنْذِرَ لِغَيْرِ اللهِ، لَا لِنَبِيٍّ وَلَا لِغَيْرِ نبِيٍّ، وَأَنَّ هَذَا النَّذْرَ شِرْكٌ لَا يُوَفِّي بِهِ. وَكَذَلِكَ الْحَلِفُ بِالْمَخْلُوقَاتِ لَا تَنْعَقِدُ بِهِ الْيَمِينُ وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ، حَتَّى لَو حَلَفَ بِالِنَّبِيِّ ﷺ لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ؛ كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. [١/ ٢٦٨] ٢١٣ - لَو حَلَفَ حَالِفٌ بِحَقِّ الْمَخْلُوقِينَ لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْأنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَغَيْرِهِمْ. [١/ ٣٠٤] * * * (معنى قوله تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (٥٩)﴾ [التوبة: ٥٩]) ٢١٤ - قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (٥٩)﴾، فَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي لِهَؤُلَاءِ أَنْ يَرْضَوْا بِمَا آتَاهُم اللهُ وَرَسُولُهُ، وَيَقُولُوا: حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤتِينَا اللهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إلَى اللهِ رَاغِبُونَ.

стр. 161

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ [التوبة: ٥٩] وَلَمْ يَقُلْ: "وَرَسُولُهُ"؛ فَإِنَّ الحسب هُوَ الْكَافِي، وَاللهُ وَحْدَهُ كَافٍ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾ [الأنفال: ٦٤]؛ اُّيْ: هُوَ وَحْدَهُ حَسْبُك وَحَسْبُ مَن اتَّبَعَك مِن الْمُؤْمِنِينَ، هَذَا هُوَ الْقَوْلُ الصَّوَابُ الَّذِي قَالَهُ جُمْهُورُ السَّلَفِ وَالْخَلفِ. وَالْمُرَادُ أَنَّ اللهَ كَافٍ لِلرَّسُولِ وَلمَن اتَّبَعَهُ، فَكُلُّ مَن اتَّبَعَ الرَّسُولَ فَاللَّهُ كَافِيهِ وَهَادِيهِ وَنَاصِرُهُ وَرَازِقُهُ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ فَذَكَرَ الْإِيتَاءَ للهِ وَرَسُولِهِ، لَكِنْ وَسَّطَهُ بِذِكْرِ الْفَضْلِ؛ فَإِنَّ الْفَضْلَ للهِ وَحْدَهُ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ فَجَعَلَ الرَّكْبَةَ إلَى اللهِ وَحْدَهُ دُونَ الرَّسُولِ وَغَيْرِهِ مِن الْمَخْلُوقَاتِ. [١/ ٢٩٢ - ٢٩٣] (النَّبِيُّ ﷺ يَشْفَعُ لِلْخَلْقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ٢١٥ - أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَشْفَعُ لِلْخَلْقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَعْدَ أَنْ يَسْألَهُ النَّاسُ ذَلِكَ، وَبَعْدَ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لَهُ فِي الشَّفَاعَةِ. ثُمَّ إنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ وَاسْتَفَاضَتْ بِهِ السُّنَنُ مِن أَنَّهُ ﷺ يَشْفَعُ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِن أُمَّتِهِ وَيَشْفَعُ أَيْضًا لِعُمُومِ الْخَلْقِ. وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانوا يَسْتَشْفِعُونَ بِهِ وَيَتَوَسَّلُونَ بِهِ فِي حَيَاتِهِ بِحَضْرَتِهِ، كَمَا ثَبَتَ فِي "صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ" (١) عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ إذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ:

стр. 162

"اللَّهُمَّ إنَّا كُنَّا إذَا أَجْدَبْنَا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا" فَيُسْقَوْنَ. وَالتَّوَسُّلُ بِالنَّبِيِّ ﷺ الَّذِي ذَكَرَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَد جَاءَ مُفَسَّرًا فِي سَائِرِ أَحَادِيثِ الاِسْتِسْقَاءِ، وَهُوَ مِن جِنْسِ الاِسْتِشْفَاعِ بِهِ، وَهُوَ أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ الدُّعَاءَ وَالشَّفَاعَةَ، وَيَطْلُبَ مِن اللّهِ أَنْ يَقْبَلَ دُعَاءَهُ وَشَفَاعَتَهُ، وَنَحْنُ نُقَدِّمُهُ بَيْنَ أَيْدِينَا شَافِعًا وَسَائِلًا لنَا بِأَبِي وَأُمِّي ﷺ . [١/ ٣١٣ - ٣١٤] * * * (الكلام في حديث: "إذَا سَأَلْتُمْ اللّهَ فَاسْأَلُوهُ بِجَاهِي .. ") ٢١٦ - رَوَى بَعْضُ الْجُهَّالِ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إذَا سَأَلْتُمْ اللهَ فَاسْأَلُوهُ بِجَاهِي؛ فَإِنَّ جَاهِي عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ"، وَهَذَا الْحَدِيثُ كَذِبٌ لَيْسَ فِي شَيءٍ مِن كُتُبِ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا أَهْلُ الْحَدِيثِ، وَلَا ذَكَرَهُ أَحَدٌ مِن أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ. [١/ ٣١٩] * * * (نهي النَّبِي عن اتخاذ القبور مساجد) ٢١٧ - اسْتَفَاضَت الْأَحَادِيثُ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَن اتِّخَاذِ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ، وَلَعَنَ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَنَهَى عَن اتِّخَاذِ قَبْرِهِ عِيدًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ أَوَّلَ مَا حَدَثَ الشِّرْكُ فِي بَنِي آدَمَ كَانَ فِي قَوْمِ نُوحٍ. [١/ ٣٢١] * * * (حكم الحلف بغير الله كالنبي ﷺ -) ٢١٨ - اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِغَيْرِ اللّهِ تَعَالَى وَهُوَ الْحَلِفُ بِالْمَخْلُوقَاتِ، فَلَو حَلَفَ بِالْكَعْبَةِ أَو بِالْمَلَائِكَةِ، أَو بِالْأَنْبِيَاءِ، أَو بِأَحَد مِن الشُّيُوخِ، أَو بِالْمُلُوكِ: لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ، وَلَا يُشْرَعُ لَهُ ذَلِكَ؛ بَل يُنْهَى عَنْهُ إمَّا نَهْيُ تَحْرِيمٍ وَإِمَّا نَهْيُ تَنْزِيهٍ.

стр. 163

فَإِنَّ لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ نَهْيُ تَحْرِيم، فَفِي الصَّحِيحِ (١) عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَن كانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ باللّهِ أَوَ لِيَصْمُتْ"، وَفِي الترْمِذِيِّ (٢) عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَن حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ فَقَد أَشْرَكَ". وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِن الْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّهُ تَنْعَقِدُ الْيَمِين بِأَحَدٍ مِن الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا فِي نَبِيِّنَا ﷺ ، فَإِنَّ عَن أَحْمَدَ رِوَايَتَيْنِ فِي أَنَّهُ تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِهِ، وَقَد طَرَدَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ - كَابْنِ عَقِيل - الْخِلَافَ فِي سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ. وَأَصْلُ الْقَوْلِ بِانْعِقَادِ الْيَمِينِ بِالنَّبِيِّ ضَعِيفٌ شَاذٌّ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدُ مِن الْعُلَمَاءِ فِيمَا نَعْلَمُ، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِهِ كَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمَدَ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح. [١/ ٣٣٥ - ٣٣٦] * * * (معنى قوله تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾) ٢١٩ - قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١]، فَعَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ بِالنَّصْبِ: إنَّمَا يَسْأَلُونَ باللهِ وَحْدَهُ لَا بِالرَّحِمِ، وَتَسَاؤُلُهُم باللهِ تَعَالَى يَتَضَمَّنُ إقْسَامَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ باللهِ، وَتَعَاهُدَهُم باللهِ. وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ الْخَفْضِ فَقَد قَالَ طَائِفَةٌ مِن السَّلَفِ: هُوَ قَوْلُهُم أَسْأَلُك باللهِ وَبِالرَّحِمِ، وَهَذَا إخْبَارٌ عَن سُؤَالِهِمْ. وَقَد يُقَالُ: إنَّهُ لَيْسَ بِدَلِيل عَلَى جَوَازِهِ، فَإِنْ كَانَ دَلِيلًا عَلَى جَوَازِهِ فَمَعْنَى قَوْلِهِ: أَسْأَلُك بِالرَّحِمِ لَيْسَ إقْسَامًا بِالرَّحِمِ -وَالْقَسَمُ هُنَا لَا يَسُوغُ- لَكِنْ بِسَبَبِ الرَّحِمِ؛ أَيْ: لِأَنَّ الرَّحِمَ تُوجِبُ لِأَصْحَابِهَا بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ حُقُوقًا؛ كَسُؤَالِ الثَّلَاثَةِ للهِ تَعَالَى بِأَعْمَالِهِم الصَّالِحَةِ، وَكَسُؤَالِنَا بِدُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَشَفَاعَتِهِ. [١/ ٣٣٩] * * *

стр. 164

(حكم قول: أسألك بكذا) ٢٢٠ - مَن قَالَ لِغَيْرِهِ: أَسْأَلُكَ بِكَذَا: فَإِمَّا انْ يَكُونَ مُقْسِمًا فَهَذَا لَا يَجُوزُ بِغَيْرِ اللهِ تَعَالَى، وَالْكَفَّارَةُ فِي هَذَا عَلَى الْمُقْسِمِ لَا عَلَى الْمُقْسَمِ عَلَيْهِ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ اُّئِمَّةُ الْفُقَهَاءِ. وَإِن لَمْ يَكُن مُقْسِمًا فَهُوَ مِن بَابِ السُّؤَالِ، فَهَذَا لَا كَفَّارَةَ فِيهِ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا. [١/ ٣٤٥] * * * (حكم دعاء غير اللّه من الأحياء والأموات) ٢٢١ - ذَكَرَ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ وَأَئِمَّةُ الدِّينِ الْأدْعِيَةَ الشَّرْعِيَّةَ، وَأَعْرَضُوا عَن الْأَدْعِيَةِ الْبِدْعِيَّةِ؛ فَيَنْبَغِي اتِّبَاعُ ذَلِكَ. وَالْمَرَاتِبُ فِي هَذَا الْبَابِ ثَلَاثٌ: إحْدَاهَا: أَنْ يَدْعُوَ غَيْرَ اللهِ وَهُوَ مَيِّتٌ أَو غَائِبٌ، سَوَاءٌ كَانَ مِن الْأنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ أَو غَيْرِهِمْ، فَيَقُولُ: يَا سَيِّدِي فُلَانٌ أَغِثْنِي، أَو أَنَا أَسْتَجِيرُ بِك، أَو أَسْتَغِيثُ بِك، أَو اُنْصُرْني عَلَى عَدُوِّي، وَنَحْوُ ذَلِكَ: فَهَذَا هُوَ الشِّرْكُ باللهِ. وَالْمُسْتَغِيثُ بِالْمَخْلُوقَاتِ قَد يَقْضِي الشَّيْطَانُ حَاجَتَهُ أَو بَعْضَهَا، وَقَد يَتَمَثَّلُ لَهُ فِي صُورَةِ الَّذِي اسْتَغَاثَ بِهِ، فَيَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ كَرَامَة لِمَن اسْتَغَاثَ بِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَان دَخَلَهُ وَأَغْوَاهُ لَمَّا أَشْرَكَ باللهِ، كَمَا يَتَكَلَّمُ الشَّيْطَانُ فِي الْأَصْنَامِ وَفِي الْمَصْرُوعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَمِثْلُ هَذَا وَاقِعٌ كَثِيرًا فِي زَمَانِنَا وَغَيْرِهِ، وَأَعْرِفُ مِن ذَلِكَ مَا يَطُولُ وَصْفُهُ فِي قَوْمِ اسْتَغَاثُوا بِي أَو بِغَيْرِي وَذَكَرُوا أَنَّهُ أَتَى شَخْصٌ عَلَى صُورَتِي أَو صُورَةِ غَيْرِي، وَقَضَى حَوَائِجَهُمْ، فَظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ مِن بَرَكَةِ الاِسْتِغَاثَةِ بِي أَو بِغَيْرِي، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ أَضَلَّهُم وَأَغْوَاهُمْ، وَهَذَا هُوَ أَصْلُ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَإتِّخَاذِ الشُّرَكَاءِ مَعَ اللهِ تَعَالَى فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ مِن الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ. فَهَذَا أَشْرَكَ باللهِ نَعُوذُ باللهِ مِن ذَلِكَ.

стр. 165

الثَّانِيَةُ: أَنْ يُقَالَ لِلْمَيِّتِ أو الْغَائِبِ مِن الْأَنْبيَاءِ وَالصَّالِحِينَ: اُدْعُ اللهَ لِي، أَو اُدْعُ لَنَا رَبَّك، أَو اسْأَل اللهَ لَنَا، كَمَا تَقُولُ النَّصَارَى لِمَرْيَمَ وَغَيْرِهَا، فَهَذَا أَيْضًا لَا يَسْتَرِيبُ عَالِمٌ أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ، وَأَنَّهُ مِن الْبِدَعِ الَّتِي لَمْ يَفْعَلْهَا أَحَدٌ مِن سَلَفِ الْأُمَّةِ. فَعُلِمَ أَّنهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْأَلَ الْمَيِّتُ شَيْئًا، لَا يُطْلَبُ مِنْهُ أَنْ يَدْعُوَ اللهَ لَهُ وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُشْكَى إلَيْهِ شَيْءٌ مِن مَصَائِبِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ، وَلَو جَازَ أَنْ يُشْكَى إلَيْهِ ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ لَا يُفْضِي إلَى الشِّرْكِ، وَهَذَا يُفْضِي إلَى الشِّرْكِ؛ لِأَنَّهُ فِي حَيَاتِهِ مُكَلَّفٌ اُّنْ يُجِيبَ سُؤَالَ مَن سَأَلَهُ لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِن الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ، وَبَعْدَ الْمَوْتِ لَيْسَ مُكَلَّفًا. وَلَا يَلْزَمُ مِن جَوَازِ الشَّيءِ فِي حَيَاتِهِ جَوَازُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ فَإِنَّ بَيْتَهُ كل كَانَت الصَّلَاةُ فِيهِ مَشْرُوعَةَ، وَكَانَ يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ مَسْجِدًا، وَلَمَّا دُفِنَ فِيهِ حَرُمَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا؛ كَمَا فِي "الصَّحِيحَيْنِ" (١) عَنْهُ بأَنَّهُ قَالَ: "لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أنبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ"، يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوا. الثَّالِثَةُ: اُّنْ يُقَالَ: أَسْأَلُك بِفُلَان، أَو بِجَاهِ فُلَانٍ عِنْدَك وَنَحْوِ ذَلِكَ، الَّذِي تَقَدَّمَ عَن أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. وَتَقَدَّمَ أَيْضًا أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَشْهُورٍ عَن الصَّحَابَةِ؛ بَل عَدَلُوا عَنْهُ إلَى التَّوَسُّلِ بِدُعَاءِ الْعَبَّاسِ وَغَيْرِهِ. وَقَد تبَيَّنَ مَا فِي لَفْظِ "التَوَسُّلِ" مِن الاِشْتِرَاكِ بَيْنَ مَا كَانَت الصَّحَابَةُ تَفْعَلُهُ، وَبَيْنَ مَا لَمْ يَكُونُوا يَفْعَلُونَهُ؛ فَإِنَّ لَفْظَ التَّوَسُّلِ وَالتَّوَجهِ فِي عُرْفِ الصَّحَابَةِ وَلُغَتِهِمْ: هُوَ التَّوَسُّلُ وَالتَّوَجُّهُ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ، وَلهَذَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَسَّلَ وَيَتَوَجَّهَ بِدُعَاءِ كُل مُؤْمِنٍ. [١/ ٣٥٠ - ٣٥٦]، [١/ ١٨ - ٢٠]

стр. 166

٢٢٢ - هَؤُلَاءِ الْمُسْتَغِيثُونَ بِالْغَائِبِينَ وَالْمَيِّتِينَ عِنْدَ قُبُورِهِمْ وَغَيْرِ قُبُورِهِمْ لَمَّا كَانُوا مِن جِنْسِ عُبَّادِ الْأَوْثَانِ: صَارَ الشَّيْطَانُ يُضِلُّهُم وَيُغْوِيهِمْ كَمَا يَضِلُّ عُبَّادَ الْأَوْثَانِ وَيُغْوِيهِمْ، فَتَتَصَوَّرُ الشَّيَاطِينُ فِي صُورَةِ ذَلِكَ الْمُسْتَغَاثِ بِهِ، وَتُخَاطِبُهُم بِأَشْيَاءَ عَلَى سَبِيلِ الْمُكَاشَفَةِ، كَمَا تُخَاطِبُ الشَّيَاطِينُ الْكُهَّانَ، وَبَعْضُ ذَلِكَ صِدْقٌ، لَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ مَا هُوَ كَذِبٌ؛ بَل الْكَذِبُ أَغْلَبُ عَلَيْهِ مِن الصِّدْقِ. وَقَد قَالَ الْخَلِيلُ ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٥، ٣٦]. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحَجَرَ لَا يُضِل كَثِيرًا مِن النَّاسِ إلَّا بِسَبَب اقْتَضَى ضَلَالَهُمْ، وَلَمْ يَكُن أَحَدٌ مِن عُبَّادِ الْأَصْنَام يَعْتَقِدُ أَنَّهَا خَلَقَت السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ؛ بَل إنَّمَا كَانُوا يَتَّخِذُونَهَا شُفَعَاءَ وَوَسَائِطَ لِأَسْبَاب: أ - مِنْهُم مَن صَوَّرَهَا عَلَى صُوَرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ. ب - وَمِنْهُم: مَن جَعَلَهَا تَمَاثِيلَ وَطَلَاسِمَ لِلْكَوَاكِبِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ. ج - وَمِنْهُمْ مَن جَعَلَهَا لِأَجْلِ الْجِن. د - وَمِنْهُم: مَن جَعَلَهَا لِأَجْلِ الْمَلَائِكَةِ. فَالْمَعْبُودُ لَهُم فِي قَصْدِهِمْ إنَّمَا هُوَ الْمَلَائِكَةُ وَالْأَنْبِيَاءُ وَالصَّالِحُونَ، أَو الشَّمْسُ أَو الْقَمَرُ. وَهُم فِي نَفْسِ الْأَمْرِ يَعْبُدُونَ الشَّيَاطِينَ، فَهِيَ الَّتِي تَقْصِدُ مِن الْإِنْسِ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَتُظْهِرُ لَهُم مَا يَدْعُوهُم إلَى ذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ [سبأ: ٤٠، ٤١] (١). [١/ ٣٥٩ - ٣٦١] * * *

стр. 167

(﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾) ٢٢٣ - مَن فَهِمَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥] عَرَفَ أَنَّهُ لَا يُعِينُ عَلَى الْعِبَادَةِ الْإِعَانَةَ الْمُطْلَقَةَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ، وَأَنَّهُ يُسْتَعَانُ بِالْمَخْلُوقِ فِيمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الاِسْتِغَاثَةُ لَا تَكُونُ إلَّا باللّهِ، وَالتَّوَكُّلُ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَيْهِ، ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦]، فَالنَّصْرُ الْمُطْلَقُ -وَهُوَ خَلْقُ مَا يَغْلِبُ بِهِ الْعَدُوَّ- لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا اللهُ. [١/ ٣٥٧] * * * (دِينُ السْلَامِ مَبْنِيٌّ عَلَي أَصْلَيْنِ .. ) ٢٢٤ - دِينُ الْإِسْلَامِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلَيْنِ: أ - عَلَى أَنْ يُعْبَدَ اللهُ وَحْدَهُ لَا يُشْرَك بِهِ شَيءٌ. ب - وَعَلَى أنْ يُعْبَدَ بِمَا شَرَعَهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيّهِ ﷺ . وَهَذَانِ هُمَا حَقِيقَةُ قَوْلِنَا: "أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ". فَالْإِلَهُ: هُوَ الَّذِي تَأْلَهُهُ الْقُلُوبُ عِبَادَةً وَاسْتِعَانَةً وَمَحَبَّةً وَتَعْظِيمًا وَخَوْفًا وَرَجَاءً وَإِجْلَالً وَإِكْرَامًا. وَاللَّهُ لَهُ حَقٌّ لَا يَشْرَكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، فَلَا يُعْبَدُ إلَّا اللهُ، وَلَا يُدْعَى إلَّا اللّهُ، وَلَا يُخَافُ إلَّا اللهُ، وَلَا يُطَاعُ إلَّا اللّهُ. وَالرَّسُولُ ﷺ هُوَ الْمُبَلِّغُ عَن اللّهِ تَعَالَى أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ، وَتَحْلِيلَهُ وَتَحْرِيمَهُ، فَالْحَلَالُ مَا حَلَّلَهُ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَهُ، وَالدِّينُ مَا شَرَعَهُ. وَالرَّسُولُ ﷺ وَاسِطَةٌ بَيْنَ اللّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ فِي تَبْلِيغِ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ، وَتَحْلِيلِهِ وَتَحْرِيمِهِ، وَسَائِرِ مَا بَلَّغَهُ مِن كَلَامِهِ. [١/ ٣٦٥] * * *

стр. 168

(اللّه قريب من عباده) ٢٢٥ - كَانَ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللّهِ عَلَيْهِم إذَا سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ عَن الْأَحْكَامِ أمِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِإِجَابَتِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]. فَلَمَّا سَأَلُوهُ عَنْهُ قَالَ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، فَلَمْ يَقُلْ سُبْحَانَهُ: "فَقُلْ"؛ بَل قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾، فَهُوَ قَرِيبٌ مِن عِبَادِهِ (١). [١/ ٣٦٦] * * * (حوار الشيخ مع مجموعة من الرُّهبان) ٢٢٦ - لَمَّا كَانَ الشَّيْخُ فِي قَاعَةِ التَّرْسِيمِ (٢) دَخَلَ إلَى عِنْدِهِ ثَلَاثَة رُهْبَانٍ مِن الصَّعِيدِ، فَنَاظَرَهُم وَأَقَامَ عَلَيْهِم الْحُجَّةَ بِأَنَّهُم كُفَّارٌ، وَمَا هُم عَلَى الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ إبْرَاهِيمُ وَالْمَسِيحُ. فَقَالُوا لَهُ: نَحْنُ نَعْمَلُ مِثْل مَا تَعْمَلُونَ، أَنْتُمْ تَقُولُونَ بِالسَّيدَةِ نَفِيسَةَ (٣) وَنَحْنُ نَقُولُ بِالسَّيدَةِ مَرْيَمَ، وَقَد أَجْمَعْنَا نَحْنُ وَأَنْتُمْ عَلَى أَنَّ الْمَسِيحَ وَمَرْيَمَ أَفْضَلُ مِن الْحُسَيْنِ وَمِن نَفِيسَةَ. وَأَنْتُمْ تَسْتَغِيثُونَ بِالصَّالِحِينَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ وَنَحْنُ كَذَلِكَ. فَقَالَ لَهُمْ: وَأَيُّ مَن فَعَلَ ذَلِكَ (٤) فَفِيهِ شَبَهٌ مِنْكُمْ، وَهَذَا مَا هُوَ دِينُ

стр. 169

إبْرَاهِيمَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ الدِّينَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ إبْرَاهِيمُ ﵇ أَنْ لَا نَعْبُدَ إلَّا اللهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا نِدَّ لَهُ وَلَا صَاحِبَةَ لَهُ، وَلَا وَلَدَ لَهُ، وَلَا نُشْرِكَ مَعَهُ مَلَكًا، وَلَا شَمْسًا، وَلَا قَمَرًا، وَلَا كَوْكَبًا، وَلَا نُشْرِكَ مَعَهُ نَبِيًّا مِن الْأَنْبِيَاءِ وَلَا صَالِحًا ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ [مريم: ٩٣]. وَأَنَّ الْأُمُورَ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا غَيْرُ اللّهِ لَا تُطْلَبُ مِن غَيْرِهِ. وَالْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِم الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نُؤْمِنُ بِهِم وَنُعَظمُهُم وَنُوَقّرُهُمْ وَنَتَّبِعُهُمْ، وَنُصَدِّقُهُم فِي جَمِيعِ مَا جَاؤُوا بِهِ وَنُطِيعُهُمْ، كَمَا قَالَ نُوحٌ وَصَالِحٌ وَهُودٌ وَشُعَيْبًا: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ [نوح: ٣]، فَجَعَلُوا الْعِبَادَةَ وَالتَّقْوَى للّهِ وَحْدَهُ، وَالطَّاعَةَ لَهُمْ؛ فَإِنَّ طَاعَتَهُم مِن طَاعَةِ اللّهِ. فَلَو كَفَرَ أَحَدٌ بِنَبِيٍّ مِن الْأَنْبِيَاءِ وَآمَنَ بِالْجَمِيعِ مَا يَنْفَعُهُ إيمَانُهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِذَلِكَ النَّبِيِّ، وَكَذَلِكَ لَو آمَنَ بِجَمِيعِ الْكُتُبِ وَكَفَرَ بِكِتَاب كَانَ كَافِرًا حَتَّى يُؤْمِنَ بِذَلِكَ الْكِتَابِ، وَكَذَلِكَ الْمَلَائِكَةُ وَالْيَوْمُ الْآخِرُ. فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْهُ قَالُوا: الدِّينُ الَّذِي ذَكَرْته خَيْرٌ مِن الدِّينِ الَّذِي نَحْنُ وَهَؤُلَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ انْصَرَفُوا مِن عِنْدِهِ. [١/ ٣٧٠ - ٣٧١] * * * (حكم الانْحِنَاءِ وتَقْبِيلِ الْأَرْضِ ونَحْو ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ السّجودُ مِمَّا يفْعَلُ قُدَّامَ بَعْضِ الشُّيُوخِ وَبَعْضِ الْمُلُوكِ) ٢٢٧ - أَمَّا تَقْبِيلُ الْأَرْضِ وَرَفْعُ الرَّأسِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ السُّجُودُ مِمَّا يُفْعَلُ قُدَّامَ بَعْضِ الشُّيُوخِ وَبَعْضِ الْمُلُوكِ: فَلَا يَجُوزُ؛ بَل لَا يَجُوزُ الاِنْحِنَاءُ كَالرُّكُوعِ أَيْضًا، كَمَا قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ الرَّجُلُ مِنَّا يَلْقَى أَخَاهُ أَيَنْحَنِي لَهُ؟ قَالَ: لَا (١).

стр. 170

وَأَمَّا فِعْلُ ذَلِكَ تَدَيُّنا وَتَقَرُّبًا: فَهَذَا مِن أَعْظَمِ الْمُنْكَرَاتِ، وَمَن اعْتَقَدَ مِثْل هَذَا قُرْبَةً وَتَدَيُّنًا فَفوَ ضَالٌّ مُفْتَرٍ؛ بَل يُبَيَّنُ لَهُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِدِين وَلَا قُرْبَةٍ، فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى ذَلِكَ اُسْتُييبَ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ. وَأَمَّا إذَا أُكرِهَ الرَّجُلُ عَلَى ذَلِكَ بِحَيْثُ لَو لَمْ يَفْعَلْهُ لَأَفْضَى إلَى ضَرْبِهِ، أَو حَبْسِهِ، او أَخْذِ مَالِهِ، أَو قَطْعِ رِزْقِهِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ مِن بَيْتِ الْمَالِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِن الضَّرَرِ: فَإِنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ فَاِنَّ الْإِكْرَاهَ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ يُبِيحُ الْفِعْلَ الْمُحَرَّمَ كشُرْبِ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَن أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَكْرَهَهُ بِقَلْبِهِ، وَيَحْرِصَ عَلَى الاِمْتِنَاعِ مِنْهُ بِحَسَبِ الْإمْكَانِ، وَمَن عَلِمَ اللهُ مِنْهُ الصِّدْقَ أَعَانَهُ اللّهُ تَعَالَى، وَقَد يُعَافَى بِبَرَكَةِ صِدْقِهِ مِن الْأَمْرِ بِذَلِكَ. وَأمَّا فِعْلُ ذَلِكَ لِأجْلِ فُضولِ الرِّيَاسَةِ وَالْمَالِ فَلَا، وَإِذَا أُكْرِهَ عَلَى مَثَلِ ذَلِكَ وَنَوَى بِقَلْبِهِ أنَّ هَذَا الْخُضُوعَ للّهِ تَعَالَى: كَانَ حَسَنًا؛ مِثْل أنْ يَكْرَهَ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَيَنْوِيَ مَعْنًى جَائِزًا. [١/ ٣٧٢ - ٣٧٣] * * * (حكم النُّهُوضِ وَالْقِيَامِ عِنْدَ قُدُومِ شَخْصٍ معَيَّنٍ) ٢٢٨ - لَمْ تَكُنْ عَادَةُ السَّلَفِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَخُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ أَنْ يَعْتَادُوا الْقِيَامَ كُلَّمَا يَرَوْنَهُ ﷺ كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِن النَّاسِ؛ بَل قَد قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكِ: "لَمْ يَكُن شَخْصٌ أَحَبُّ إلَيْهِم مِن النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَانُوا إذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا لَهُ؛ لِمَا يَعْلَمُونَ مِن كَرَاهَتِهِ لِذَلِكَ" (١)، وَلَكِنْ رُبَّمَا قَامُوا لِلْقَادِمِ مِن مَغِيبِهِ تَلَقِّيًا لَهُ كَمَا رُوِيَ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَامَ لِعِكْرِمَةَ، وَقَالَ لِلْأَنْصَارِ لَمَّا قَدِمَ سَعْدُ بْن مُعَاذٍ: "قُومُوا إلَى سَيِّدِكُمْ" (٢).

стр. 171

وَيَنْبَغِي لِلْمُطَاعِ أَنْ لَا يُقِرّ ذَلِكَ مَعَ أَصْحَابِهِ بِحَيْثُ إذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا لَهُ إلَّا فِي اللِّقَاءِ الْمُعْتَادِ. وَأَمَّا الْقِيَامُ لِمَن يَقْدَمُ مِن سَفَرٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ تَلَقِّيًا لَهُ فَحَسَن. وَإِذَا كَانَ مِن عَادَةِ النَّاسِ إكْرَامُ الْجَائِي بِالْقِيَامِ، وَلَو تُرِكَ لَا عْتَقَد أَنَّ ذَلِكَ لِتَرْكِ حَقِّهِ، أَو قَصْدِ خَفْضِهِ، وَلَمْ يَعْلَم الْعَادَةَ الْمُوَافِقَةَ لِلسُّنَةِ: فَالْأَصْلَحُ انْ يُقَامَ لَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَصْلَحُ لِذَاتِ الْبَيْنِ، وَإِزَالَةِ التَّبَاغُضِ وَالشَّحْنَاءِ. وَلَيْسَ هَذَا الْقِيَامُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ ﷺ : "مَن سَرَّهُ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا فَلْيَتبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِن النَّارِ" (١)؛ فَإِنَّ ذَلِكَ أَنْ يَقُومُوا لَهُ وَهُوَ قَاعِد، لَيْسَ هُوَ أَنْ يَقُومُوا لِمَجِيئِهِ إذَا جَاءَ، وَلهَذَا فَرَّقُوا بَيْنَ أَنْ يُقَالَ: قُمْت إلَيْهِ وَقُمْت لَهُ، وَالْقَائِمُ لِلْقَادِمِ سَاوَاهُ فِي الْقِيَامِ بِخِلَافِ الْقَائِمِ لِلْقَاعِدِ. [١/ ٣٧٤ - ٣٧٥] ٢٢٩ - أَمَّا الاِنْحِنَاءُ عِنْدَ التَّحِيَّةِ: فَيُنْهَى عَنْهُ .. وَكَذَلِكَ مَا هُوَ رُكُوعٌ نَاقِصٌ يَدْخُلُ فِي النَّهْيِ عَنْهُ. [١/ ٣٧٧] * * * (تَغييرُ الْأَسْمَاءِ الشركية إلَى الْأَسْمَاءِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَالْأَسْمَاءِ الكفرية إلَى الْأَسْمَاءِ الْإِيمَانِيَّةِ .) ٢٣٠ - كَانَ الْمُشْرِكُونَ يُعَبِّدُونَ أَنْفُسَهُم وَأَوْلَادَهُم لِغَيْرِ اللهِ، فَيُسَمُّونَ بَعْضَهُم عَبْدَ الْكَعْبَةِ كَمَا كَانَ اسْمُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَبَعْضَهُم عَبْدَ شَمْسٍ كَمَا كَانَ اسْمُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَاسْمُ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَبَعْضَهُم عَبْدَ اللَّاتِ، وَبَعْضَهُم عَبْدَ الْعُزَّى، وَبَعْضَهُم عَبْدَ مَنَاةَ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يُضِيفُونَ فِيهِ التَّعْبِيدَ إلَى غَيْرِ اللّهِ. وَشَرِيعَةُ الْإِسْلَامِ الَّذِي هُوَ الدِّينُ الْخَالِصُ للّهِ وَحْدَهُ: تَعْبِيدُ الْخَلْقِ لِرَبِّهِمْ،

стр. 172

كَمَا سَنَّهُ رَسُولُ اللّهِ ﷺ ، وَتَغييرُ الْأَسْمَاءِ الشركية إلَى الْأَسْمَاءِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَالْأسْمَاءِ الكفرية إلَى الْأَسْمَاءِ الْإِيمَانِيَّةِ. وَعَامَّة مَا سَمَّى بهِ النَّبِيُّ ﷺ عَبْدَ اللّهِ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]؛ فَإِنَّ هَذَيْنِ الاِسْمَيْنِ هُمَا أَصْلُ بَقِيَّةِ أَسْمَاءِ اللّهِ تَعَالَى. [١/ ٣٧٨ - ٣٧٩] * * *

стр. 173

كتاب توحيد الربوبية ٢٣١ - لَمَّا كَانَ الْإِقْرَارُ بِالصَّانِعِ فِطْرِيُّا -كَمَا قَالَ ﷺ : "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ" (١) .. وَكَانَ الْمَقْصُودُ بِالدَّعْوَةِ: وُصُولَ الْعِبَادِ إلَى مَا خُلِقُوا لَهُ مِن عِبَادَةِ رَبِهِم وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالْعِبَادَةُ أَصْلُهَا عِبَادَةُ الْقَلْبِ، الْمُسْتَتبعِ لِلْجَوَارحِ: كَانَ هَذَا الْأَصْلُ الَّذِي هُوَ عِبَادَةُ اللهِ بِمَعْرِفَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ هُوَ أَصْلُ الدَّعْوَةِ فِي الْقُرْآنِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]. وَقَالَ فِي صَدْرِ الْبَقَرَةِ -بَعْدَ أَنْ صَنَّفَ الْخَلْقَ ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ: مُؤْمِنٌ وَكَافِرٌ وَمُنَافِقٌ- فَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١]، وَذَكَرَ آلَاءَهُ الَّتِي تَتَضَمَّنُ نِعْمَتَهُ وَقُدْرَتَهُ، ثُمَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِتَقْرِيرِهِ النُّبُوَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣]. [٢/ ٦ - ٧] ٢٣٢ - فَاتِحَةُ دَعْوَةِ الرُّسُلِ: الْأَمْرُ بِالْعِبَادَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١]. [١٤/ ٢] ٢٣٣ - إنَّ الْأَنْبِيَاءَ ﵈ دَعَوا النَّاسَ إلَى عِبَادَةِ اللّهِ أَوَّلًا بِالْقَلْبِ وَاللّسَانِ، وَعِبَادَتُهُ مُتَضَمِّنَة لِمَعْرِفَتِهِ وَذِكْرِهِ. فَأَصْلُ عِلْمِهِمْ وَعَمَلِهِمْ: هُوَ الْعِلْمُ باللهِ وَالْعَمَلُ للهِ؛ وَذَلِكَ فِطْرِيٌّ كَمَا قَد

стр. 174

قَرَّرْته فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَبَيَّنْت أَنَّ أَصْلَ الْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ فِطْرِيٌّ ضَرُورِيٌّ، وَأَنَّهُ أَشَدُّ رُسُوخًا فِي النُّفُوسِ مِن مَبْدَأِ الْعِلْمِ الرِّيَاضِيِّ؛ كَقَوْلِنَا: إنَّ الْوَاحِدَ نِصْفُ الاِثْنَيْنِ، وَمَبْدَأِ الْعِلْمِ الطَّبِيعِيِّ؛ كَقَوْلِنَا: إنَّ الْجِسْمَ لَا يَكُونُ فِي مَكَانَيْنِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَعَارِفَ أَسْمَاءٌ قَد تُعْرِضُ عَنْهَا أَكْثَرُ الْفِطَرِ، وَأَمَّا الْعِلْمُ الْإِلَهِيُّ فَمَا يُتَصَوَّرُ أَنْ تُعْرِضَ عَنْهُ فِطْرَةٌ. [٢/ ١٥ - ١٦] ٢٣٤ - إنَّ اللّهَ -سُبْحَانَهُ- لَمَّا كَانَ هُوَ الْأَوَّلَ الَّذِي خَلَقَ الْكَائِنَاتِ، وَالْآخِرَ الَّذِي إلَيْهِ تَصِيرُ الْحَادِثَات، فَهُوَ الْأصْلُ الْجَامِعُ، فَالْعِلْمُ بِهِ أَصْلُ كُلِّ عِلْمٍ وَجَامِعُهُ، وَذِكْرُهُ أَصْلُ كُلِّ كَلَامٍ وَجَامِعُهُ، وَالْعَمَلُ لَهُ أَصْلُ كُلِّ عَمَلٍ وَجَامِعُهُ. وَلَيْسَ لِلْخَلْقِ صَلَاحٌ إلَّا فِي مَعْرِفَةِ رَبِهِم وَعِبَادَتِهِ، وَإِذَا حَصَلَ لَهُم ذَلِكَ: فَمَا سِوَاهُ إمَّا فَضْل نَافِعٌ، وَإِمَّا فُضُولٌ غَيْرُ نَافِعَةٍ، وَإمَّا أَمْرٌ مُضِرٌّ. [٢/ ١٦] ٢٣٥ - فِي الدُّعَاءِ الَّذِي عَلَّمَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ: يَا دَلِيلَ الْحَيَارَى دُلَّنِي عَلَى طَرِيقِ الصَّادِقِينَ، وَاجْعَلْنِي مِن عِبَادِك الصَّالِحِينَ؛ وَلهَذَا كَانَ عَامَّةُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِن أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ عَلَى أَنَّ اللهَ يُسَمَّى دَليلًا. وَمِن أسْمَائِهِ: الْهَادِي، وَقَد جَاءَ أيْضًا: الْبُرْهَانُ. [٢/ ١٧ - ١٨] ٢٣٦ - الْأَقْيِسَةُ الْعَقْلِيَّةُ -الَّتِي اشْتَمَلَ عَلَيْهَا الْقُرْآنُ-: هِيَ الْغَايَةُ فِي دَعْوَةِ الْخَلْقِ إلَى اللّهِ، كَمَا قَالَ تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الإسراء: ٨٩]، فِي أوَّلِ سُبْحَانَ وَآخِرِهَا، وَسُورَةِ الْكَهْفِ، وَالْمَثَلُ هُوَ الْقِيَاسُ؛ وَلهَذَا اشْتَمَلَ الْقُرْآنُ عَلَى خُلَاصَةِ الطُّرُقِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي تُوجَدُ فِي كَلَامِ جَمِيعِ الْعُقَلَاءِ مِن الْمُتَكَلِّمَةِ والمتفلسفة وَغَيْرِهِمْ، وَنَزَّهَ اللّهُ عَمَّا يُوجَدُ فِي كَلَامِهِمْ مِن الطُّرُقِ الْفَاسِدَةِ. وَيُوجَدُ فِيهِ مِن الطُّرُقِ الصَّحِيحَةِ مَا لَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ الْبَشَرِ بِحَالٍ. [٢/ ٤٦ - ٤٧]

стр. 175

٢٣٧ - الْكَاهِنُ مُسْتَمِدٌّ مِن الشَّيَاطِينِ، وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ، وَكِلَاهُمَا فِي لَفْظِهِ وَزْنٌ، هَذَا سَجْعٌ، وَهَذَا نَظْمٌ، وَكِلَاهُمَا لَهُ مَعَانٍ مِن وَحْيِ الشَّيَاطِينِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَعُوذُ بِاللهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِن الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ مِن هَمْزِهِ وَنَفْثِهِ وَنَفْخِه" وَقَالَ: "هَمْزُهُ الموتة، وَنَفْثُهُ الشِّعْرُ، وَنَفْخُهُ الْكِبْرُ" (١). فَظَاهِرُ الْقُرْآنِ: لَيْسَ فِيهِ أَنَّ الشُّعَرَاءَ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِم الشَّيَاطِين، إلَّا إذَا كَانَ أَحَدُهُم كَذَّابًا أَثِيمًا، فَالْكَذَّابُ فِي قَوْلِهِ وَخَبَرِهِ، وَالْأَثيمُ فِي فِعْلِهِ وَأَمْرِهِ. وَذَاكَ وَاللهُ أَعْلَمُ: لِأنَّ الشِّعْرَ يَكُونُ مِن الشَّيْطَانِ تَارَةً، وَيَكُونُ مِن النَّفْسِ أُخْرَى، كَمَا أَنَّهُ إذَا كَانَ حَقًّا يَكُونُ مِن رُوحِ الْقُدُسِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا دَعَا لِحَسَّانِ بْنِ ثَابِتِ: "اللَّهمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ" (٢). وَأَمَّا الشَّاعِرُ فَشَأْنُهُ التَّحْرِيكُ لِلنُّفُوسِ، فَهُوَ مِن بَابِ الْأَمْرِ الْخَاصِّ الْمُرَغِّبِ؛ فَلِهَذَا قِيلَ فِيهِمْ: ﴿يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤]، فَضَرَرُهُم فِي الْأَعْمَالِ لَا فِي الاِعْتِقَادَاتِ، وَأُولَئِكَ ضَرَرُهُم فِي الاِعْتِقَادَاتِ وَيَتْبَعُهَا الْأعْمَالُ؛ وَلهَذَا قَالَ: ﴿أَفاكٍ أَثيمٍ﴾ [الجاثية: ٧]. [٢/ ٥١ - ٥٣] * * * (الله تعالي هو الدليل) ٢٣٨ - كيف يُطلب الدليل على من هو دليل على كل شيء؟. وكان شيخ الإسلام ﵀ كثيرًا ما يتمثل بهذا البيت: وليس يصح في الأذهان شيء … إذا احتاج النهار إلى دليل [المستدرك ١/ ٣٣] * * *

стр. 176

(ضلال المتصوفة، ومنهم الغزالي) ٢٣٩ - إنَّ الْمُنْحَرِفِينَ الْمُشَابِهِينَ لِلصَّابِئَةِ: إمَّا مُجَرِّدَةٌ، وَإِمَّا مُنْحَرِفَةٌ إلَى يَهُودِيَّةٍ أَو نَصْرَانِيَّةٍ مَن أَهْلِ الْمَنْطِقِ وَالْقِيَاسِ، الطَّالِبِينَ لِلْعِلْمِ وَالْكَلَامِ، وَمِن أَهْلِ الْعَمَلِ وَالْوَجْدِ الطَّالِبِينَ لِلْمَعْرِفَةِ وَالْحَالِ: سَلَكُوا فِي أَصْلِ الْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ طَرِيقَيْنِ .. وَأَكْثَرُهُم لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ إلَيْهِ طَرِيق إلَّا أَحَدُ هَذَيْنِ؛ كَمَا يَذْكُرُهُ جَمَاعَات: مِثْل ابْنِ الْخَطِيبِ، وَمَن نَحَا نَحْوَهُ؛ بَل مِثْلُ أَبِي حَامِدٍ لَمَّا حَصَرَ الطُّرُقَ فِي الْكَلَامِ وَالْفَلْسَفَةِ الَّذِي هُوَ النَّظَرُ وَالْقِيَاسُ، أَو فِي التَّصَوُّفِ وَالْعِبَادَةِ الَّذِي هُوَ الْعَمَلُ وَالْوَجْدُ، وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَ هَؤُلَاءِ الْأصْنَافِ الثَّلَاثَةِ. بَل أَبُو حَامِدٍ لَمَّا ذَكَرَ فِي الْمُنْقِذِ مِن الضَّلَالِ (١) .......................

стр. 177

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 178

أَحْوَالَهُ فِي طُرُقِ الْعِلْمِ وَأَحْوَالِ الْعَالِمِ، وَذَكَرَ أَنَّ أَوَّلَ مَا عَرَضَ لَهُ مَا يَعْتَرِضُ طَرِيقَهُم -وَهُوَ السّفْسَطَةُ بِشُبَهِهَا الْمَعْرُوفَةِ- وَذَكَرَ أنَّة أَعْضَلَ بِهِ هَذَا الدَّاءُ قَرِيبًا مِن شَهْرَيْنِ، هُوَ فِيهِمَا عَلَى مَذْهَبِ السَّفْسَطَةِ بِحُكْمِ الْحَالِ، لَا بِحُكْمِ الْمَنْطِقِ وَالْمَقَالِ، حَتَّى شَفَى اللّه عَنْهُ ذَلِكَ الْمَرَضَ، وَعَادَت النَّفْسُ إلَى الصّحَّةِ وَالاِعْتِدَالِ، وَرَجَعَت الضَّرُورِيَّاتُ الْعَقْلِيَّةُ مَقْبُولَةً مَوْثُوقًا بِهَا عَلَى أَمْنٍ وَتَبَيُّنن، وَلَمْ يَكُن ذَلِكَ بِنَظْمِ دَلِيل وَتَرْتِيبِ كَلَامٍ؛ بَل بِنُور قَذَفَهُ اللهُ فِي الضَدْرِ، وَذَلِكَ النُّوز هُوَ مِفْتَاحُ أَكْبَرِ الْمَعَارِفِ. قَالَ: فَمَنْ ظَنَّ أَن الْكَشْفَ مَوْقُوفٌ عَلَى الْأدِلَّةِ الْمُجَرَّدَةِ فَقَد ضَيَّقَ رَحْمَةَ اللّهِ الْوَاسِعَةَ. ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ أَقْبَلَ بِهِمَّتِهِ عَلَى طَرِيقِ الصُّوفِيَّةِ، وَعَلِمَ أَنَّهَا لَا تَحْصُلُ إِلَّا بعِلْمٍ وَعَمَلٍ، فَابْتَدَأَ بِتَحْصِيلِ عِلْمِهِمْ مِن مُطَالَعَةِ كُتُبِهِمْ؛ مِثْل قُوتِ الْقُلُوبِ لَأبِي طَالِبٍ الْمَكِّيِّ، وَكتُبِ الْحَارِثِ المحاسبي، والمتفرقات الْمَأْثُورَةِ عَن الْجُنَيْد وَالشِّبْلِيِّ وَأَبِي يَزِيدَ، حَتَّى طَلَعَ عَلَى كُنْهِ مَقَاصِدِهِم الْعِلْمِيَّةِ. ثُمَّ إَّنهُ عَلِمَ يَقِينًا أنَّهُم أَصْحَابُ أحْوَال لَا أَصْحَابُ أَقْوَالٍ، وَأنَّ مَا يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ بِطَرِيقِ الْعِلْمِ قَد حَصَّلَهُ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا مَا لَا سَبِيلَ إلَيْهِ بِالتَّعَلُّمِ وَالسَّمَاعِ؛ بَل بِالذَّوْقِ وَالسُّلُوكِ.

стр. 179

وَذَكَرَ أَنَّهُ تَخَلَّى عَشْرَ سِنِينَ، إلَى أَنْ قَالَ: انْكَشَفَ لِي فِي أَثْنَاءِ هَذِهِ الْخَلَوَاتِ أُمُورٌ لَا يُمْكِنُ إحْصَاؤُهَا وَاسْتِقْصَاؤُهَا، وَالْقَدْرُ الَّذِي أَذْكُر لِيُنْتَفَعَ بِهِ: أَنِّي عَلِمْت يَقِينًا أَنَّ الصُّوفِيَّةَ هُم السَّالِكُونَ لِطَرِيقِ اللّهِ خَاصَّةً، وَأَنَّ سِيرَتَهُم أَحْسَنُ السِّيَرِ، وَطَرِيقَتَهُم أَصْوَبُ الطُّرُقِ، وَأَخْلَاقَهُم أَزْكَى الْأَخْلَاقِ. قُلْت: يُسْتَفَادُ مِن كَلَامِهِ أَنَّ أَسَاسَ الطَّرِيقِ: هِيَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللّهِ كَمَا قَرَّرْته غَيْرَ مَرَّةٍ، وَهَذَا أَوَّلُ الْإِسْلَامِ، الَّذِي جَعَلَهُ هُوَ النِّهَايَةَ. لَكِنْ هُوَ لَمْ يَعْرِفْ طَرِيقَةَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ مِن الْعَارِفِينَ؛ فَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهَا، وَهِيَ الطَّرِيقَةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ الْمَحْضَة الشَّاهِدَةُ عَلَى جَمِيعِ الطُّرُقِ. وَلهَذَا أُصِيبَ صَاحِبُ الْخَلْوَةِ بِثَلَاثِ تَوَهُّمَاتٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَعْتَقِدَ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ أَكْمَلُ النَّاسِ اسْتِعْدَادًا. وَالثَّانِي: أَنْ يَتَوَهَّمَ فِي شَيْخِهِ أَنَّهُ أَكْمَلُ مَن عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يَتَوَهَّمُ أَنَهُ يَصِلُ إلَى مَطْلُوبِهِ بِدُونِ سَبَبٍ، وَأَكْثَرُ اعْتِمَادِهِ عَلَى الْقُوَّةِ الْوَهْمِيَّةِ، فَقَد تَعْمَلُ الْأَوْهَامُ أَعْمَالًا لَكِنَّهَا بَاطِلَةٌ. وَقَد ذَكَرَ الْقُرْآنُ صَلَاحَ الْقُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ الْعِلْمِيَّةِ، وَالْقُوَّةِ الْإِرَادِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [الفتح: ٢٨]، فَالْهُدَى كَمَالُ الْعِلْمِ، وَدِينُ الْحَقِّ كَمَالُ الْعَمَلِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥]. لَكِنَّ النَّظَرَ النَّافِعَ أَنْ يَكُونَ فِي دَلِيلِ؛ فَإِنَّ النَّظَرَ فِي غَيْرِ دَلِيلٍ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ بِالْمَدْلُولِ عَلَيْهِ، وَالدَّلِيلُ هُوَ الْمُوَصِّلُ إلَى الْمَطْلُوبِ، وَالْمُرْشِدُ إلَى الْمَقْصُودِ، وَالدَّليلُ التَّامُّ هُوَ الرِّسَالَةُ. وَكَذَلِكَ الْعِبَادَةُ التَّامَّةُ فِعْلُ مَا أُمِرَ بِهِ الْعَبْدُ وَمَا جَاءَت بِهِ الرُّسُلُ. [٢/ ٥٤ - ٥٩] * * *

стр. 180

(مَن ادَّعَى أَنَّ شَيْخًا مِن الْمَشَايِخِ يُخَلِّصُ مُوِيدِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِن الْعَذَابِ: فَقَد ادَّعَى أَنَّ شَيْخَة أَفْضَلُ مِن النبي) ٢٤٠ - مَن ادَّعَى أَنَّ شَيْخا مِن الْمَشَايِخِ يُخَلِّصُ مُرِيدِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِن الْعَذَابِ: فَقَد ادَّعَى أَنَّ شَيْخَهُ أَفْضَلُ مِن مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﷺ ، وَمَن قَالَ هَذَا فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ. فَإِنَّهُ قَد ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ (١) أَنَّ النَّبِيّ ﷺ قَالَ: "يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ لَا أُغْنِي عَنْك مِن اللهِ شَيْئًا، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ لَا أُغْنِي عَنْك مِن اللهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ عَمَّ رَسُولِ اللّهِ لَا أُغْنِي عَنْك مِن اللهِ شَيْئًا". وَقَد قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾ [الانفطار: ١٧ - ١٩]، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِن نُصُوصِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ. وَقَد عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَّا الشَّفَاعَةُ. [٢/ ١٠٥] * * * (ضلال وكفر ابن عربي، والواجب تجاه مُؤيّديه) ٢٤١ - قَالَ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ الجعبري لَمَّا اجْتَمَعَ بِابْنِ عَرَبِيٍّ: رَأَيْته شَيْخًا نَجِسًا يُكَذِّبُ بِكُل كِتَاب أَنْزَلَهُ اللهُ وَبِكُلِّ نَبِيٍّ أَرْسَلَهُ اللهُ. وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ -لَمَّا قَدِمَ الْقَاهِرَةَ وَسأَلُوهُ عَنْهُ-: هُوَ شَيْخُ سُوءٍ كَذَّابٌ مَقْبُوحٌ، يَقُولُ بِقِدَمِ الْعَالَمِ، وَلَا يُحَرِّمُ فَرْجًا. فَقَوْلُهُ: يَقُولُ بِقِدَمِ الْعَالَمِ؛ لِأنَّ هَذَا قَوْلهُ وَهَذَا كُفْرٌ مَعْرُوفٌ، فَكَفَّرَهُ الْفَقِيهُ أَبُو مُحَمَّدٍ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَكُن بَعْدُ ظَهَرَ مِن قَوْلِهِ: إنَّ الْعَالَمَ هُوَ اللهُ، وَإِنَّ الْعَالَمَ
следующие страницы →