← Фатава

Фатава · id 879

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (3 539 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

عَلَيْهِ كَفَاكَ شَرَّ كُل شَرِّ وَلَمْ يُسَلِّطْهُ عَلَيْكَ، فَإِنَّهُ قَالَ: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]، وَتَسْلِيطُهُ يَكُونُ بِسَبَبِ ذُنُوبِك وَخَوْفِك مِنْهُ، فَإِذَا خِفْتَ اللَّهَ وَتُبْتَ مِن ذُنُوبِك وَاسْتَغْفَرْتَهُ لَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْكَ كَمَا قَالَ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] (١). [١/ ٥٦ - ٥٧] ١٦٥ - قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمران: ١٧٥]، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ: كَابْنِ عَبَّاسِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعِكرِمَةَ والنَّخَعِي؛ وَأَهْلِ اللُّغَةِ كَالْفَرَّاءِ وَابْنِ قُتَيْبَةَ وَالزَّجَّاجِ وَابْنِ الْأنْبَارِيِّ، وَعِبَارَةُ الْفَرَّاءِ: يُخَوِّفُكُمْ بِأوْليَائِهِ كَمَا قَالَ: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ [الكهف: ٢] بِبَأْسِ شَدِيدٍ، وَقَوْلُهُ: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ [غافر: ١٥]. وَقَد قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: يُخَوِّفُ أَوْليَاءَهُ الْمُنَافِقِينَ. وَلَو أَنَّهُ أرِيدَ أَنَّهُ يُخَوِّفُ أوْليَاءَهُ: أَيْ: يَجْعَلُهُم خَائِفِينَ لَمْ يَكُن لِلضَّمِيرِ مَا يَعُود عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَا تَخَافُوهُم﴾ [آل عمران: ١٧٥]. وَأيْضًا فَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَعِدُ أَوْليَاءَهُ وَيُمَنِّيهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠)﴾ [النساء: ١٢٠]. وَلَكِنَّ الْكُفَّارَ يُلْقِي اللهُ فِي قُلُوبِهِم الرُّعْبَ مِن الْمُؤمِنِينَ، وَالشَّيْطَانُ لَا يَخْتَارُ ذَلِكَ. قَالَ تَعَالى: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾ [الحشر: ١٣].

стр. 107

وَدَلَّتْ الْآيَةُ عَلَى أَنَ الْمُؤمِنَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَخَافَ أَوْليَاءَ الشَّيْطَانِ وَلَا يَخَافُ النَّاسَ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤]؛ بَل يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَخَافَ اللهَ. [١٤/ ٢٠٣ - ٢٠٦] * * * (ينبغي للمؤمن أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا) ١٦٦ - ينبغي للمؤمن أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا؛ فأيهما غلب هلك صاحبه، ونص عليه الإمام أحمد؛ لأن من غلب خوفه وقع في نوع من اليأس، ومن غلب رجاؤه وقع في نوع من الأمن من مكر الله. [المستدرك ١/ ١٤٧] * * * (الخوف المحمود) ١٦٧ - الخوف المحمود ما حجزك عن محارم الله (١) [المستدرك ١/ ١٤٧] * * * (الْغُلُوّ فِي الْأُمَّةِ وَقَعَ فِي طَائِفَتَيْنِ) ١٦٨ - الْغُلُوُّ فِي الْأمَّةِ وَقَعَ فِي طَائِفَتَيْنِ: أ - طَائِفَةٍ مِن ضُلَّالِ الشِّيعَةِ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ فِي الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَئِمَّةِ مِن أَهْلِ الْبَيْتِ الْألُوهِيَّةَ. ب- وَطَائِفَةٍ مِن جُهَّالِ الْمُتَصَوِّفَةِ يَعْتَقِدُونَ نَحْو ذَلِكَ فِي الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ. [١/ ٦٦] * * *

стр. 108

(الشَّهَادَتَانِ أَوَّلُ وَاجِبَاتِ الدِّينِ) ١٦٩ - لَمَّا كَانَ أَصْلُ الدِّينِ الشَّهَادَتَيْنِ: كَانَت هَذِهِ الْأُمَّةُ الشُّهَدَاءَ، وَلَهَا وَصْفُ الشَّهَادَةِ، وَالْقِسِّيسُونَ لَهُم الْعِبَادَةُ بِلَا شَهَادَةٍ، وَلهَذَا قَالُوا: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)﴾ [آل عمران: ٥٣] وَلهَذَا كَانَ الْمُحَقّقُونَ عَلَى أَنَّ الشَّهَادَتَيْنِ أَوَّلُ وَاجِبَاتِ الدِّينِ. [١/ ٧٦] * * * (الْإِسْلَامُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلَيْنِ) ١٧٠ - الْعِبَادَاتُ مَبْنَاهَا عَلَى الشَّرْعِ وَالِاتِّبَاعِ، لَا عَلَى الْهَوَى وَالِابْتِدَاعِ؛ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ مَبْنِيّ عَلَى أَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ نَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. وَالثَّانِي: أَنْ نَعْبُدَهُ بِمَا شَرَعَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ ، لَا نَعْبُدَهُ بِالْأَهْوَاءِ وَالْبِدَع، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾ [الجاثية: ١٨]. [١/ ٨٠] * * * (الفرق بين الْأَحْوَال الرَّحْمَانِيَّة والْأَحْوَالِ الشَّيْطَانِيَّةِ) ١٧١ - الْأَحْوَالُ الرَّحْمَانِيَّةُ وَكَرَامَاتُ أَوْليَائِهِ الْمُتَّقِينَ: أ - يَكُونُ سَبَبُهُ الْإِيمَانَ؛ فَإِنَّ هَذِهِ حَالُ أَوْليَائِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ [يونس: ٦٢، ٦٣]. ب- وَتَكُونُ نِعْمَةً للهِ عَلَى عَبْدِهِ الْمُومِنِ فِي دِينهِ وَدنْيَاهُ، فَتَكُونُ الْحُجَّةَ فِي الدِّينِ وَالْحَاجَةَ فِي الدُّنْيَا لِلْمُؤمِنِينَ، مِثْلَمَا كَانَت مُعْجِزَاتُ نَبِيّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ ، كَانَت الْحُجَّةَ فِي الدِّينِ وَالْحَاجَةَ لِلْمُسْلِمِينَ؛ مِثْلُ الْبَرَكَةِ الَّتِي تَحْصُلُ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، كَنَبْعِ الْمَاءِ مِن بَيْنِ أَصَابِعِهِ، وَمِثْلُ نُزُولِ الْمَطَرِ بِالِاسْتِسْقَاءِ، وَمِثْلُ

стр. 109

قَهْرِ الْكُفَّارِ، وَشِفَاءِ الْمَرِيضِ بِالدُّعَاءِ، وَمِثْلُ الْأَخْبَارِ الصَّادِقَةِ وَالنَّافِعَةِ بِمَا غَابَ عَن الْحَاضِرِينَ، وَأَخْبَارُ الْأنْبِيَاءِ لَا تَكْذِبُ قَطُّ. وَأَمَّا أَصْحَابُ الْأَحْوَالِ الشَّيْطَانِيَّةِ: أ - فَهُم مِن جِنْسِ الْكُهَّانِ، يَكْذِبُونَ تَارَةً وَيَصْدُقُونَ أُخْرَى. ب- وَلَا بُدَّ فِي أَعْمَالِهِمْ مِن مُخَالَفَةٍ لِلْأَمْرِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢)﴾ [الشعراء: ٢٢١، ٢٢٢] الْآيَتَيْنِ. وَلهَذَا يُوجَدُ الْوَاحِدُ مِن هَؤُلَاءِ مُلَابِسًا الْخَبَائِثَ مِن النَّجَاسَاتِ وَالْأَقْذَارِ الَّتِي تُحِبُّهَا الشَّيَاطِينُ، وَمُرْتكِبًا لِلْفَوَاحِشِ، أَو ظَالِمًا لِلنَّاسِ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ. [١/ ٨٤ - ٨٥] * * * (الشِّرْكُ باللّهِ أَعْظَمُ ذَنْبِ عُصِيَ اللهُ بِهِ) ١٧٢ - اعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ أَنَّ الشِّرْكً باللهِ أَعْظَمُ ذَنْبٍ عُصِيَ الله بِهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. فَاللهَ -سُبْحَانَة- هُوَ الْمُسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ لِذَاتِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢] فَذَكَرَ الْحَمْدَ بالْأَلِفِ وَاللَّامِ الَّتِي تَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاقَ لِجَمِيعِ الْمَحَامِدِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحَمْدَ كُلَّهُ للهِ، ثُمَّ حَصَرَهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]، فَهَذَا تَفْصِيل لِقَوْلِهِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢]. فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا مَعْبُودَ إلَّا اللهُ، وَأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ أَحَدٌ سِوَاهُ. فَقَوْلُهُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ إشَارَةٌ إلَى عِبَادَتِهِ بِمَا اقْتَضَتْهُ إلَهِيَّتُهُ مِن الْمَحَبَّةِ وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ. ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ إشَارَةٌ إلَى مَا اقْتَضَتْهُ الرُّبُوبِيَّةُ مِن التَّوَكُّلِ وَالتَّفْوِيضِ

стр. 110

وَالتَّسْلِيمِ؛ لِأَنَّ الرَّبَّ -سبحانه وتعالي- هُوَ الْمَالِكُ وَفِيهِ أَيْضًا مَعْنَى الرُّبُوبِيَّةِ وَالْإِصْلَاحِ، وَالْمَالِكُ: الَّذِي يَتَصَرَّفُ فِي مُلْكهِ كَمَا يَشَاءُ. [١/ ٨٩] * * * (أنواع الشرك) ١٧٣ - الشِّرْكُ إنْ كَانَ شِرْكًا: يَكْفُرُ بِهِ صَاحِبُهُ، وَهُوَ نَوْعَانِ: أ- شِرْكٌ فِي الْإِلَهِيَّةِ. ب- وَشِرْكٌ فِي الرُّبُوبِيَّةِ. فَأَمَّا الشِّرْكُ فِي الْإِلَهِيَّةِ: فَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ للهِ نِدًّا؛ أَيْ: مِثْلًا فِي عِبَادَتِهِ أَو مَحَبَّتِهِ أَو خَوْفِهِ أَو رَجَائِهِ أَو إنَابَتِهِ، فَهَذَا هُوَ الشِّرْكُ الَّذِي لَا يَغْفِرُهُ اللهُ إلَّا بِالتَوْبَةِ مِنْهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، وَهَذَا هُوَ الَّذِي قَاتَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُشْرِكِي الْعَرَبِ لِأَنَّهُم أَشْرَكُوا فِي الْإِلَهِيَّةِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ الآيَة [البقرة: ١٦٥] ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. وَأَمَّا الرُّبوبِيَّةُ فَكَانُوا مُقِرّينَ بِهَا، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦١]. وَمَا اعْتَقَدَ أَحَدٌ مِنْهُم قَطُّ أَنَّ الْأَصْنَامَ هِيَ الَّتِي تُنْزِلُ الْغَيْثَ، وَتَرْزقُ الْعَالَمَ وَتُدَبّرُهُ (١). وَإِنَّمَا كَانَ شِرْكُهُم كَمَا ذَكَرْنَا: اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُم كَحُبِّ اللهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَن أَحَبَّ شَيْئًا مِن دُونِ اللهِ كَمَا يُحِبّ اللهَ

стр. 111

تَعَالَى فَقَد أَشْرَكَ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ [الشعراء: ٩٦ - ٩٨] (١). وَكَذَا مَن خَافَ أَحَدًا كَمَا يَخَافُ اللهَ، او رَجَاهُ كَمَا يَرْجُو اللهَ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَأَمَّا النوْعُ الثَّانِي: فَالشّرْكُ فِي الرُّبُوبِيَّةِ، فَإِنَّ الرَّبَّ سُبْحَانَهُ هُوَ الْمَالِكُ الْمُدَبّرُ، الْمُعْطِي الْمَانِعُ، الضَّارُّ النَّافِعُ، الْخَافِضُ الرَّافِعُ، الْمُعِزُّ الْمُذِلُّ. فَمَن شَهِدَ أَنَّ الْمُعْطِيَ أَو الْمَانِعَ أَو الضَّارَّ أَو النَّافِعَ أَو الْمُعِز أَو الْمُذِلَّ غَيْرُهُ: فَقَد أشْرَكَ بِرُبُوبِيَّتِهِ. وَلَكِنْ إذَا أَرَادَ التَّخَلُصَ مِن هَذَا الشِّرْكِ: فَلْيَنْظُرْ إلَى الْمُعْطِي الْأَوَّلِ (٢) مَثَلًا فَيَشْكُرَهُ عَلَى مَا أَوْلَاهُ مِن النِّعَمِ، وَيَنْظُرْ إلَى مَن أَسْدَى إلَيْهِ الْمَعْرُوفَ (٣) فَيُكَافِئَهُ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ ﵇: "مَن أَسْدَى إلَيْكمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوَا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أنَّكُمْ قَد كَافَأْتمُوهُ" (٤)؛ لِأنَّ النِّعَمَ كُلَّهَا للهِ تَعَالَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾ [الإسراء: ٢٠]. فَاللهِ سُبْحَانَهُ هُوَ الْمُعْطِي عَلَى الْحَقِيقَةِ؛ فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَ الْأَرْزَاقَ وَقَدَّرَهَا، وَسَاقَهَا إلَى مَن يَشَاءُ مِن عِبَادِهِ.

стр. 112

فَالْمُعْطِي: هُوَ الَّذِي أَعْطَاهُ وَحَرَّكَ قَلْبَهُ لِعَطَاءِ غَيْرِهِ (١). فَهُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ (٢). وَمِمَّا يُقَوِّي هَذَا الْمَعْنَى: قَوْلُهُ ﷺ لِابْنِ عَبَّاسٍ ﵁: "إِذا سَألْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَو اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَد كتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَو اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَد كَتَبَة اللهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأقلَامُ وَجَفت الصُّحُفُ". قَالَ التِّرْمِذِيُّ (٣): هَذَا حَدِيث صَحِيحُ. فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْفَغ فِي الْحَقِيقَةِ إلَّا اللهُ، وَلَا يَضُرُّ غَيْرُهُ، وَكَذَا جَمِيعُ مَا ذَكَرْنَا فِي مُقْتَضَى الرُّبُوبِيَّةِ. فَمَن سَلَكَ هَذَا الْمَسْلَكَ الْعَظِيمَ: أ - اسْتَرَاحَ مِن عُبُودِيَّةِ الْخَلْقِ وَنَظَرِهِ إلَيْهِمْ (٤). ب- وَأَرَاحَ النَّاسَ مِن لَوْمِهِ وَذَمِّهِ إيَّاهمْ (٥). ت- وَتَجَرَّدَ التَّوْحِيدُ فِي قَلْبِهِ، فَقَوِيَ إيمَاُنهُ، وَانْشَرَحَ صَدْرُهُ، وَتَنَوَّرَ قَلْبُهُ، وَمَن تَوَكَّلَ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُة. وَلهَذَا قَالَ الْفُضَيْل بْنُ عِيَاضٍ-﵀: مَن عَرَفَ النَّاسَ اسْتَرَاحَ.

стр. 113

يُرِيدُ -وَاللهُ أَعْلَمُ-: أَنَّهُم لَا يَنْفَعُونَ وَلَا يَضُرُّونَ. وَأَمَّا الشِّرْكُ الْخَفِيُّ فَهُوَ الَّذِي لَا يَكَادُ أَحَدٌ أَنْ يَسْلَمَ مِنْهُ؛ مِثْلُ أَنْ يُحِبَّ مَعَ اللهِ غَيْرَهُ. فَإِنْ كَانَت مَحَبَّتُه للهِ؛ مِثْل حُبِّ النَّبِيّينَ وَالصَّالِحِينَ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ: فَلَيْسَتْ مِن هَذَا الْبَاب؛ لِأَنَّ هَذِهِ تَدُلُّ عَلَى حَقِيقَةِ الْمَحَبَّةِ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْمَحَبَّةِ أَنْ يُحِبَّ الْمَحْبُوبَ وَمَا أَحَبَّهُ، ويكْرَهَ مَا يَكْرَهُهُ، وَمَن صَحَّتْ مَحَبّتهُ امْتَنَعَتْ مُخَالَفَتُهُ. وَهَذَا مِيزَان لَمْ يَجْرِ عَلَيْكَ: كُلَّمَا قَوِيَتْ مَحَبَّةُ الْعَبْدِ لِمَوْلَاهُ صَغُرَتْ عِنْدَهُ الْمَحْبُوبَاتُ وَقَلَّتْ، وَكُلَّمَا ضَعُفَتْ كَثُرَتْ مَحْبُوبَاتُهُ وَانْتَشَرَتْ. وَكَذَا الْخَوْفُ وَالرَّجَاءُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَإِنْ كَمُلَ خَوْفُ الْعَبْدِ مِن رَّبهِ لَمْ يَخَفْ شَيْئًا سِوَاهُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٩]. وَإِذَا نَقَصَ خَوْفُهُ خَافَ مِن الْمَخْلُوقِ. وَعَلَى قَدْرِ نَقْصِ الْخَوْفِ وَزِيادَتِهِ يَكونُ الْخَوْفُ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْمَحَبَّةِ وَكَذَا الرَّجَاءُ وَغَيْرُهُ، فَهَذَا هُوَ الشِّرْكُ الْخَفِيُّ الَّذِي لَا يَكَادُ أَحَدٌ أَنْ يَسْلَمَ مِنْهُ إلَّا مَن عَصَمَهُ اللهُ تَعَالَى. وَقَد رُوِيَ أَنَّ الشِّرْكَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ أَخْفَى مِن دَبِيبِ النَّمْلِ (١). وَطَرِيقُ التَّخَلُّصِ مِن هَذِهِ الْآفَاتِ كُلِّهَا: الْإِخْلَاصُ للهِ ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. [الكهف: ١١٠]. وَلَا يَحْصُلُ الْإِخْلَاصُ إلَّا بَعْدَ الزُّهْدِ (٢)، وَلَا زُهْدَ إلَّا بِتَقْوَى، وَالتَّقْوَى مُتَابَعَةُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ. [١/ ٨٨ - ٩٤] * * *

стр. 114

(محَرِّكَاتُ الْقُلُوبِ الثَّلَاثَة) ١٧٤ - اعْلَمْ أَنَّ مُحَرِّكَاتِ الْقُلُوبِ إلَى اللهِ ثَلَاثَة: أ- الْمَحَبَّةُ. ب- وَالْخَوْفُ. ت- وَالرَجَاءُ. وَأَقْوَاهَا الْمَحَبَّةُ، وَهِيَ مَقْصُودَةٌ تُرَادُ لِذَاتِهَا؛ لِأَنَّهَا تُرَادُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، بِخِلَافِ الْخَوْفِ فَإِنَّهُ يَزُولُ فِي الْآخِرَةِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ [يونس: ٦٢]. وَالْخَوْفُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ: الزَّجْرُ وَالْمَنْعُ مِن الْخُرُوجِ عَن الطَّرِيقِ؛ فَالْمَحَبَّةُ تُلْقي الْعَبْدَ فِي السَّيْرِ إلَى مَحْبُوبِهِ، وَعَلَى قَدْرِ ضَعْفِهَا وَقُوَّتِهَا يَكونُ سَيْرُهُ إلَيْهِ، وَالْخَوْفُ يَمْنَعُهُ أَنْ يَخْرُجَ عَن طَرِيقِ الْمَحْبُوبِ، وَالرَّجَاءُ يَقُودُهُ. فَهَذَا أَصْل عَظِيمٌ يَجِبُ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ أَنْ يَتَنَبَّهَ لَه؛ فَإِنَّهُ لَا تَحْصُلُ لَهُ الْعُبُودِيَّةُ بِدُويهِ، وَكل أَحَدٍ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا للهِ لَا لِغَيْرِهِ. فَإنْ قِيلَ: فَالْعَبْدُ فِي بَعْضِ الْأحْيَانِ قَد لَا يَكُونُ عِنْدَهُ مَحَبَّة تَبْعَثُهُ عَلَى طَلَبِ مَحْبُوبِهِ، فَأيُّ شَئءٍ يُحَرّكُ الْقُلُوبَ؟ قُلْنَا: يُحَرِّكُهَا شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: كَثْرَةُ الذِّكْرِ لِلْمَحْبُوبِ؛ لِأنَّ كَثْرَةَ ذِكْرِهِ تُعَلّقُ الْقُلُوبَ بِه. وَالثَّاني: مُطَالَعَةُ اَلَائِهِ وَنَعْمَائِهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩)﴾ [الأعراف: ٦٩]. [١/ ٩٥ - ٩٦] * * * (هل الأَوْلي: قَبُولُ مَالِ النَّاسِ أو ردُّه ؟) ١٧٥ - بَابُ الطَّاعَةِ وَالتَّصْدِيقِ يَنْقَسِمُ إلَى مَشْرُوعٍ فِي حَقِّ الْبَشَرِ وَغَيْرِ مَشْرُوعٍ.

стр. 115

وأَمَّا الْعِبَادَةُ وَالِاسْتِعَانَةُ وَالتَّأَلُّهُ فَلَا حَقَّ فِيهَا لِلْبَشَرِ بِحَال؛ فَإِنَّهُ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ: مَا وَضَعْتُ يَدِي فِي قَصْعَةِ أَحَدٍ إلَّا ذَلَلْتُ لَهُ. وَلَا ريبَ أَنَّ مَن نَصَرَكَ وَرَزَقَكَ كَانَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَيْكَ، فَالْمُؤْمِنُ يُرِيدُ أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ سُلْطَان إلَّا للهِ وَلرَسُولِهِ، وَلمَن أَطَاعَ اللهَ وَرَسُولَهُ. وَقَبُولُ مَالِ النَّاسِ: فِيهِ سُلْطَان لَهُم عَلَيْهِ: - فَإِذَا قَصَدَ دَفْعَ هَذَا السُّلْطَانِ وَهَذَا الْقَهْرِ عَن نَفْسِهِ كَانَ حَسَنا مَحْمُودًا، يَصِحُّ لَهُ دِينُهُ بِذَلِكَ. - وَإِن قَصَدَ التَّرَفُّعَ عَلَيْهِم وَالتَّرَؤُّسَ وَالْمُرَاءَاةَ بِالْحَالِ الْأوْلَى كَانَ مَذْمُومًا. - وَقَد يَقْصدُ بِتَرْكِ الْأَخْذِ غِنَى نَفْسِهِ عَنْهُم فِي تَرْكِ أَمْوَالِهِمْ لَهُمْ. فَهَذِهِ أَرْبَعُ مَقَاصِدَ صَالِحَةٌ: غِنَى نَفْسِهِ، وَعِزَّتُهَا حَتَى لَا تَفْتَقِرَ إلَى الْخَلْقِ وَلَا تَذِلَّ لَهُم، وَسَلَامَةُ مَالِهِمْ وَدِينِهِمْ عَلَيْهِم حَتَّى لَا تَنْقُصَ عَلَيْهِم أَمْوَائهُم فَلَا يُذْهِبُهَا عَنْهُمْ. وَللرَّدّ وجُوهٌ مَكْرُوهَةٌ مَذْمُومَةٌ مِنْهَا: أ- الرَّدُّ مُرَاءَاةً بِالتَّشَبُّهِ بِمَن يُرِيدُ غِنًى وَعِزَّةً وَرَحْمَةً لِلنَّاسِ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ. ب- وَمِنْهَا التَّكَبُّرُ عَلَيْهِم وَالِاسْتِعْلَاءُ حَتَّى يَسْتَعْبِدَهُم ويسْتَعْلِيَ عَلَيْهِم بِذَلِكَ فَهَذَا مَذْمُومٌ أَيْضًا. ت- وَمِنْهَا الْبُخْل عَلَيْهِم فَإِنَّهُ إذَا أَخَذَ مِنْهُم احْتَاجَ أَنْ يَنْفَعَهُم ويقْضِيَ حَوَائِجَهُم، فَقَد يَتْرُكُ الْأَخْذَ بُخْلًا عَلَيْهِم بِالْمَنَافِعِ. ج- وَمِنْهَا الْكَسَلُ عَن الْإِحْسَانِ إلَيْهِمْ. فَهَذِهِ أَرْبَعُ مَقَاصِدَ فَاسِدَةٌ فِي الرَّدّ لِلْعَطَاءِ: الْكِبْرُ وَالرِّيَاءُ وَالْبُخْلُ وَالْكَسَلُ. فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ قَد يَتْرُكُ قَبُولَ الْمَالِ:

стр. 116

أ - لِجَلْبِ الْمَنْفَعَةِ لِنَفْسِهِ. ب- أَو لِدَفْعِ الْمَضَرَّةِ عَنْهَا. ت- أَو لِجَلْبِ الْمَنْفَعَةِ لِلنَّاسِ. ج- أَو دَفْعِ الْمَضَرَّةِ عَنْهُمْ. وَقَد يَتْرُكُهُ لِمَضَرَّةِ النَّاسِ، أَو لِتَرْكِ مَنْفَعَتِهِمْ، فَهَذَا مَذْمُومٌ، وَقَد يَكُونُ فِي التَرْكِ أَيْضًا مَضَرَّةُ نَفْسِهِ، أَو تَرْكُ مَنْفَعَتِهَا: إمَّا بِأَنْ يَكُونَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ فَيَضُرُّهُ تَرْكُهُ، أَو يَكُونَ فِي أَخْذِهِ وَصَرْفِهِ مَنْفَعَةٌ لَهُ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا، فَيَتْرُكُهَا مِن غَيْرِ مُعَارِضٍ مُقَاوِمٍ. فَلِهَذَا فَصَّلْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فَإِنَّهَا مَسْأَلَة عَظِيمَة. لَكنَّ الْأَغْلَبَ أَنَّ تَرْكَ الْأخْذِ كَانَ أَجْوَدَ مِن الْقَبُولِ؛ وَلهَذَا يُعَظِّمُ النَّاسُ هَذَا الْجِنْسَ أَكْثَرَ، وإِذَا صَخَ الْأَخْذُ (١): كَانَ أَفْضَلَ، أَعْنِي الْأَخْذَ وَالصَّرْفَ إلَى النَّاسِ (٢). [١/ ٩٨ - ١٠٠] * * * (هل يجوز التَّوَسُّل بِالنَّبِيِّ ﷺ -؟) ١٧٦ - الِاسْتِغَاثَةُ: طَلَبُ الْغَوْثِ، وَهُوَ إزَالَةُ الشِّدَّةِ؛ كَالِاسْتِنْصَارِ طَلَبُ النَّصْرِ، وَالِاسْتِعَانَةِ طَلَبُ الْعَوْنِ، وَالْمَخْلُوقُ يُطْلَبُ مِنْهُ مِن هَذِهِ الْأمُورِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْهَا؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [الأنفال: ٧٢] وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥]، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢].

стр. 117

وَأَمَّا مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا اللهُ: فَلَا يُطْلَبُ إلَّا مِن اللهِ، وَلهَذَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ لَا يَسْتَغِيثُونَ بِالنَّبِيِّ ﷺ ويَسْتَسْقُونَ بِهِ ويتَوَسَّلُونَ بِهِ. وَالتَّوَسُّلُ إلَى اللهِ بِغَيْرِ نَبِيِّنَا ﷺ سَوَاءٌ سُمِّيَ اسْتِغَاثَةً أَو لَمْ يُسَمَّ-: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِن السَّلَفِ فَعَلَهُ، وَلَا رَوَى فِيهِ أَثَرًا، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ إلَّا مَا أَفْتَى بِهِ الشَّيْخُ (١) مِن الْمَنْعِ. وَأَمَّا التَّوَسُّلُ بِالنَّبِيِّ ﷺ ففِيهِ حَدِيث فِي السُّنَنِ رَوَاهُ النَّسَائِي وَالتِّرْمِذِي (٢) وَغَيْرُهُمَا أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنِّي أُصِبْت فِي بَصَرِي، فَادْعُ اللهَ لِي، فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ : "تَوَضَّأْ وَصَلِّ رَكعَتَيْنِ ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ أسْأَلُك وَأتَوَجَّهُ إلَيْك بِنَبِيِّك مُحَمَّدٍ، يَا مُحَمَّدُ إنِّي أَتَشَفَّعُ بِك فِي رَد بَصَرِي، اللَهُمَّ شَفَعْ نَبِيَّك فيَّ، وَقَالَ: فَإِنْ كَانَت لَك حَاجَة فَمِثْلُ ذَلِكَ، فَرَدَّ اللهُ بَصَرَهُ". فَلِأَجْلِ هَذَا الْحَدِيثِ اسْتَثْنَى الشَّيْخُ التَّوَسُّلَ بِهِ. وَللنَّاسِ فِي مَعْنَى هَذَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا التَوَسُّلَ هُوَ الَّذِي ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ لَمَّا قَالَ: كُنَّا إذَا أَجْدَبْنَا نتَوَسَّلُ بِنَبِيِّنَا إلَيْك فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نتَوَسَّلُ إلَيْك بِعَمِّ نَبِينا فَاسْقِنَا (٣).

стр. 118

فَقَد ذَكَرَ عُمَرُ ﵁: أَنَّهُم كَانُوا يَتَوَسَّلُونَ بِهِ فِي حَيَاتِهِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ، ثُمَّ تَوَسَّلُوا بِعَمِّهِ الْعَبَّاسِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَتَوَسُّلهُم بِهِ هُوَ اسْتِسْقَاؤُهُم بِهِ؛ بِحَيْثُ يَدْعُو ويدْعُونَ مَعَهُ، فَيَكُونُ هُوَ وَسِيلَتَهُم إلَى اللهِ. وَهَذَا لَمْ يَفْعَلْهُ الصَّحَابَةُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَلَا فِي مَغِيبِهِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ كانَ فِي مِثْل هَذَا شَافِعًا لَهُم دَاعِيًا لَهُمْ؛ وَلهَذَا قَالَ فِي حَدِيثِ الْأَعْمَى: "اللَّهُمَّ فَشَفعْهُ فِيَّ"، فَعُلِمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَفَعَ لَهُ فَسَألَ اللهَ أَنْ يُشَفِّعَهُ فِيهِ. وَالثَّانِيْ: أَنَّ التَّوَسُّلَ يَكُونُ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ وَفِي مَغِيبِهِ وَحَضْرَتِهِ (١). وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ: إنَّ مَن قَالَ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَقَد كَفَرَ، وَلَا وَجْهَ لِتَكْفِيرِهِ؛ فَإِن هَذِهِ مَسْأَلَة خَفِيَّة، لَيْسَتْ أَدِلَّتُهَا جَلِيَّةً ظَاهِرَةً، وَالْكُفْرُ إنَّمَا يَكُونُ بِاِنْكَارِ مَا عُلِمَ مِن الدِّينِ ضَرُورَةً، أَو بِإِنْكَارِ الْأَحْكَامِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَالْمُجْمَعِ عَلَيْهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ. [١/ ١٠٣ - ١٠٦] * * * (حكم الاستغاثة والاستعانة بالمخلوق ؟) ١٧٧ - قَد يَكُونُ فِي كَلَامِ اللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ عِبَارَة لَهَا مَعْنًى صَحِيحٌ، لَكِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَفْهَمُ مِن تِلْكَ غَيْرَ مُرَادِ اللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ ، فَهَذَا يُرَدّ عَلَيْهِ فَهْمُهُ، كَمَا رَوَى الطَّبَرَانِي فِي مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُنَافِق يُؤْذِي الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدّيقُ: قُومُوا بِنَا لِنَسْتَغِيثَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ مِن هَذَا الْمُنَافِقِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إنَّهُ لَا يُسْتَغَاثُ بِي، وَإِنَّمَا يُسْتَغَاثُ بِاللهِ".

стр. 119

فَهَذَا إنَّمَا أَرَادَ بِهِ النَبِيُّ ﷺ الْمَعْنَى الثَّانِيَ، وَهُوَ أَنْ يُطْلَبَ مِنْهُ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا اللهُ، وَإِلَّا فَالصَّحَابَةُ كَانُوا يَطْلُبُونَ مِنْة الدُّعَاءَ ويسْتَسْقُونَ بِهِ. وَالِاسْتِغَاثَةُ بِمَعْنَى أَنْ يُطْلَبَ مِن الرَّسُولِ ﷺ مَا هُوَ اللَّائِقُ بِمَنْصِبِهِ لَا يُنَازعُ فِيهَا مُسْلِمٌ، وَمَن نَازَعَ فِي هَذَا الْمَعْنَى فَهُوَ إمَّا كَافِرٌ إنْ أَنْكَرَ مَا يَكْفُرُ بِهِ وَإِمَّا مُخْطِى ضَالٌّ. وَأَمَّا بِالْمَعْنَى الَّذِي نَفَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَهُوَ أَيْضًا مِمَّا يَجِبُ نَفْيُهَا، وَمَن أَثْبَتَ لِغَيْرِ اللهِ مَا لَا يَكُونُ إلَّا للهِ فَهُوَ أَيْضًا كَافِرٌ إذَا قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الَّتِي يَكْفُرُ تَارِكُهَا. وَمِن هَذَا الْبَابِ قَوْلُ أَبِي يَزِيدَ البسطامي: اسْتِغَاثَةُ الْمَخْلُوقِ بِالْمَخْلُوقِ كَاسْتِغَاثَةِ الْغَرِيقِ بِالْغَرِيقِ، وَقَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي عَبْدِ اللهِ الْقُرَشِيِّ الْمَشْهُورِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ: اسْتِغَاثَةُ الْمَخْلُوقِ بِالْمَخْلُوقِ كَاسْتِغَاثَةِ الْمَسْجُونِ بِالْمَسْجُونِ (١). وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْمَفْهُومَ مِنْهَا (٢) عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَكَانَ مُخْتَصُّا باللهِ: صَحَّ إطْلَاقُ نَفْيِهِ عَمَّا سِوَاهُ (٣)، وَلهَذَا لَا يُعْرَفُ عَن أَحَدٍ مِن أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ جَوَّزَ مُطْلَقَ الِاسْتِغَاثَةِ بِغَيْرِ اللهِ، وَلَا أَنْكَرَ عَلَى مَن نَفَى مُطْلَقَ الِاسْتِغَاثَةِ عَن غَيْرِ اللهِ. وَكَذَلِكَ الاسْتعانة (٤) أَيْضا فِيهَا مَا لَا يَصْلُحُ إلَّا للهِ، وَهِيَ الْمُشَارُ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]؛ فَإِنَهُ لَا يُعِين عَلَى

стр. 120

الْعِبَادَةِ الْإِعَانَةَ الْمُطْلَقَةَ إلَّا اللهُ، وَقَد يُسْتَعَانُ بِالْمَخْلُوقِ فِيمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الِاسْتِنْصَارُ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [الأنفال: ٧٢]، وَالنَّصْرُ الْمُطْلَقُ هُوَ خَلْقُ مَا بِهِ يَغْلبُ الْعَدُوَّ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا اللهُ. [١/ ١١٠ - ١١٣] ١٧٨ - قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٩] إنَّ الْإِغَاثَةَ أَحَقُّ بِالْأَفْعَالِ، وَالِاسْتِجَابَةَ أَحَقُّ بِالْأَقْوَالِ، وَقَد يَقَعُ كُلُّ مِنْهُمَا مَوْقِعَ الْآخَرِ. قَالُوا: الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُسْتَغِيثِ وَالدَّاعِي أَنَّ الْمُسْتَغِيثَ يُنَادِي بِالْغَوْثِ، وَالدَّاعِيَ يُنَادِي بِالْمَدْعُوِّ وَالْمُغِيثِ. وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ؛ فَإِنَّ مِن صِيغَةِ الِاسْتِغَاثَةِ: يَا للهِ لِلْمُسْلِمِينَ .. وَفي الدُّعَاءِ الْمَأثُور: "يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ بِرَحْمَتِك أَسْتَغِيثُ أَصلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ"، وَالِاسْتِغَاثَةُ بِرَحْمَتِهِ اسْتِغَاثَة بِهِ فِى الْحَقِيقَةِ، كَمَا أنَّ الِاسْتِعَاذَةَ بِصِفَاتِهِ اسْتِعَاذَةٌ بِهِ فِي الْحَقِيقَةِ. [١/ ١١١] * * * (كلام الله غير مخلوق) ١٧٩ - اسْتَدَلَّ الْأَئِمَّة فِيمَا اسْتَدَلُّوا عَلَى أَنَّ كَلَامَ اللهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ: بِقَوْلِهِ: "أعوذ بكلمات الله التامة"، قَالُوا: وَالِاسْتِعَاذَةُ لَا تَصْلُحُ بِالْمَخْلُوقِ. [١/ ١١٢] * * * (الْحَلِف "بِعِزَّةِ اللهِ" و"لَعَمْرُ اللهِ") ١٨٠ - ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ": الْحَلِفُ "بِعِزَّةِ اللهِ" و"لَعَمْرُ اللهِ" وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِن الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللهِ الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ. [١/ ١١٢] * * *

стр. 121

(الشَّفَاعَة الْمَنْفِيَّةُ فِي الْقُرآنِ) ١٨١ - فَصْلٌ: فِي الشَّفَاعَةِ الْمَنْفِيَّةِ فِي الْقُرْآنِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ٤٨]. وَأَمْثَالِ ذَلِكَ. وَاحْتَجَّ بِكَثِير مِنْهُ الْخَوَارج وَالْمُعْتَزِلَةُ عَلَى مَنْعِ الشَّفَاعَةِ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ، إذ مَنَعُوا: أ - أَنْ يُشْفَعَ لِمَن يَسْتَحِقُّ الْعَذَابَ. ب- أَو أَنْ يَخْرُجَ مِن النَّارِ مَن يَدْخُلُهَا. وَلَمْ يَنْفُوا الشَّفَاعَةَ لِأَهْلِ الثَّوَابِ فِي زَيادَةِ الثَّوَابِ. وَمَذْهَبُ سَلَفِ الْأمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا وَسَائِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ إثْبَاتُ الشَّفَاعَةِ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِن النَّارِ مَن فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِن إيمَانٍ. وَأَيْضًا: فَالْأَحَادِيثُ الْمُسْتَفِيضَةُ عَن النَّبِيِّ ﷺ فِي الشَّفَاعَةِ فِيهَا- اسْتِشْفَاعُ أَهْلِ الْمَوْقِفِ لِيُقْضَى بَيْنَهُمْ، وَفِيهِم الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ، وَهَذَا فِيهِ نَوْعُ شَفَاعَةٍ لِلْكُفَّارِ. وَأَيْضًا: فَفِي "الصَّحِيحِ" (١) عَن الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمطَّلِبِ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَل نَفَعْت أَبَا طَالِبٍ بِشَيءِ؟ فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَك؟ قَالَ: "نَعَمْ، هُوَ فِي ضِحْضَاحٍ مِن نَارٍ، وَلَوْلَا أنا لَكانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِن النَّارِ". فَهَذَا نَصٌّ صَحِيحٌ صَرِيحٌ لِشَفَاعَتِهِ فِي بَعْضِ الْكُفَّارِ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُ الْعَذَابُ. [١/ ١١٦ - ١١٧]

стр. 122

١٨٢ - الشَّفَاعَةُ الْمَنْفِيَّةُ: هِيَ الشَّفَاعَةُ الْمَعْرُوفَةُ عِنْدَ النَّاسِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَهِيَ أَنْ يَشْفَعَ الشَّفِيعُ إلَى غَيْرِهِ ابْتِدَاءً فَيَقْبَلُ شَفَاعَتَهُ، فَاَمَّا إذَا أَذِنَ لَهُ فِي أَنْ يَشْفَعَ فَشَفَعَ: لَمْ يَكُن مُسْتَقِلُّا بِالشَّفَاعَةِ؛ بَل يَكُونُ مُطِيعًا لَهُ؛ أَيْ: تَابِعًا لَهُ فِي الشَّفَاعَةِ، وَتَكُونُ شَفَاعَتُهُ مَقْبُولَةً، ويكُونُ الْأَمْرُ كلُّهُ لِلْآمِرِ الْمَسْؤُولِ. وَاَلَذِي يُبَيِّنُ أَنَّ هَذِهِ هِيَ الشَّفَاعَةُ الْمَنْفِيَّةُ أَنَّهُ قَالَ: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ [السجدة: ٤] فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُم مِن دُونِ اللهِ وَلي وَلَا شَفِيعٌ. وَأَمَّا نَفْيُ الشَّفَاعَةِ بِدُونِ إذْنِهِ: فَإِنَّ الشَّفَاعَةَ إذَا كَانَت بِإِذْنِهِ لَمْ تَكُنْ مِن دُونَهِ. [١/ ١١٨] ١٨٣ - ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ الْمُسْتَفِيضَةِ بَلْ الْمُتَوَاتِرَةِ وَاتِّفَاقِ الْأُمَّةِ: أَنَّ نَبِيَّنَا ﷺ الشَّافِعُ الْمُشَفَّعُ، وَأَنَّهُ يُشَفَّغ فِي الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّ النَّاسَ يَسْتَشْفِعُونَ بِهِ يَطْلُبُونَ مِنْهُ أَنْ يَشْفَعَ لَهُمْ إلَى رَبّهِمْ، وَأَنَّهُ يَشْفَعُ لَهُمْ. ثُمَّ اتَّفَقَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّهُ يَشْفَعُ فِي أَهْلِ الْكَبَائِرِ وَأَنَّهُ لَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ أَحَدٌ. وَأَمَّا الْخَوَارج وَالْمُعْتَزِلَةُ فَأَنْكَرُوا شَفَاعَتَهُ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ، وَلَمْ يُنْكرُوا شَفَاعَتَهُ لِلْمُؤمِنِينَ، وَهَؤُلَاءِ مُبْتَدِعَة ضُلَّالٌ، وَفي تَكْفِيرِهِمْ نِزَاعٌ وَتَفْصِيلٌ. وَأَمَّا مَنْ أَنْكَرَ مَا ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ وَالْإِجْمَاعِ: فَهُوَ كَافِرٌ بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ (١)، وَسَوَاءٌ سَمَّى هَذَا الْمَعْنَى اسْتِغَاثَة أَوْ لَمْ يُسَمِّهِ.

стр. 123

وَأَمَّا مَنْ أَقَرَّ بِشَفَاعَتِهِ وَأَنْكَرَ مَا كَانَ الصَّحَابَةُ يَفْعَلُونَهُ مِنْ التوَسُّلِ بِهِ وَالِاسْتِشْفَاعِ بِهِ (١) .. : هَذَا فَهوَ ضَالٌّ مُخْطِ مُبْتَدعٌ، وَفي تَكْفِيرِهِ نِزَاعٌ وَتَفْصِيلٌ. وَأَمَّا مَنْ أَقَرَّ بِمَا ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ مِنْ شَفَاعَتِهِ وَالتَّوَسُّلِ بِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَكِنْ قَالَ لَا يُدْعَى إلا اللهُ، وَأَنَّ الْأَمُورَ الَّتي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا إلَّا اللهُ لَا تُطْلَبُ إلَّا مِنْهُ؛ مِثْلَ غُفْرَانِ الذُّنُوبِ وَهِدَايَةِ الْقُلُوبِ وَإِنْزَالِ الْمَطَرِ وَإِنْبَاتِ النَّبَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ: فَهَذَا مُصِيبٌ فِي ذَلِكَ؛ بَل هَذَا مِمَّا لَا نِزَاعَ فِيهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، وَقَالَ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]. [١/ ١٠٨ - ١٠٩] * * * (هل يجوز اتخاذُ وَاسِطَةٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَ اللهِ ؟) ١٨٤ - سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ -قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ-: عَن رَجُلَيْنِ تَنَاظَرَا فَقَالَ أَحَدُهُمَا: لَا بُدَّ لَنَا مِن وَاسِطَةٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَ اللهِ، فَإِنَّا لَا نَقْدِرُ أَنْ نَصِلَ إلَيْهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ؟

стр. 124

فَأَجَابَ: إنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِن وَاسِطَةٍ تُبَلِّغُنَا أَمْرَ اللهِ: فَهَذَا حَقّ؛ فَإِنَّ الْخَلْقَ لَا يَعْلَمُونَ مَا يُحِبُّهُ اللهُ ويرْضَاة، وَمَا أَمَرَ بِهِ وَمَا نَهَى عَنْهُ، وَمَا أَعَدَّهُ لِأَوْليَائِهِ مِن كَرَامَتِهِ، وَمَا وَعَدَ بِهِ أَعْدَاءَهُ مِن عَذَابِهِ، وَلَا يَعْرِفُونَ مَا يَسْتَحِقُّهُ اللهُ تَعَالَى مِن أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلْيَا الَّتِي تَعْجِزُ الْعُقُولُ عَن مَعْرِفَتِهَا وَأَمْثَالِ ذَلِكَ إلَّا بِالرُّسُلِ الَذِينَ أَرْسَلَهُم اللهُ إلَى عِبَادِهِ. وإِن أَرَادَ بِالْوَاسِطَةِ: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِن وَاسِطَةٍ فِي جَلْبِ الْمَنَافِعِ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ؛ مِثْل: أَنْ يَكُونَ وَاسِطَةً فِي رِزْقِ الْعِبَادِ وَنَصْرِهِمْ وَهُدَاهُمْ، يَسْأَلُونَهُ ذَلِكَ ويرْجُونَ إلَيْهِ فِيهِ: فَهَذَا مِن أَعْظَمِ الشِّرْكِ الَّذِي كَفَّرَ اللهُ بِهِ الْمُشْرِكِينَ؛ حَيْثُ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهُ أَوْليَاءَ وَشُفَعَاءَ، يَجْتَلِبُونَ بِهِم الْمَنَافِعَ ويجْتَنِبُونَ الْمَضارَّ. فَمَن جَعَلَ الْمَلَائِكَةَ وَالْأَنْبِيَاءَ وَسَائِطَ يَدْعُوهُم ويتَوَكَلُ عَلَيْهِم ويسْأَلُهُم جَلْبَ الْمَنَافِعِ وَدَفْعَ الْمَضَارِّ؛ مِثْل أَنْ يَسْأَلَهُم غُفْرَانَ الذنْبِ وَهِدَايَةَ الْقُلُوبِ وَتَفْرِيجَ الْكُرُوبِ وَسَدَّ الفاقات: فَهُوَ كَافِرٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَد قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ [يونس: ١٨] وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ. وَمَن سِوَى الْأَنْبِيَاءِ -مِن مَشَايخِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ- فَمَن أَثْبَتَهُم وَسَائِطَ بَيْنَ الرَّسُولِ وَأُمَّتِهِ يُبَلِّغُونَهُم وَيُعَلِّمُونَهُم وُيؤَدّبُونَهُم وَيَقْتَدُونَ بِهِمْ: فَقَد أَصَابَ فِي ذَلِكَ. وَهَؤُلَاءِ إذَا أَجْمَعُوا فَإِجْمَاعُهُم حُجَّة قَاطِعَةٌ لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى ضَلَالَةٍ، وَإِن تَنَازَعُوا فِي شَيءٍ رَدُّوهُ إلَى اللهِ وَالرَّسُولِ؛ إذ الْوَاحِدُ مِنْهُم لَيْسَ بِمَعْصُوم عَلَى الْإِطْلَاقِ. وإِن أَثْبَتَهُم وَسَائِطَ بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ -كَالْحُجَّابِ الَّذِينَ بَيْنَ الْمَلِكِ

стр. 125

وَرَعِيَّتِهِ-، بِحَيْثُ يَكُونُونَ هُم يَرْفَعُونَ إلَى اللهِ حَوَائِجَ خَلْقِهِ، فَاَللهُ إنَّمَا يَهْدِي عِبَادَهُ ويرْزُقُهُم بتَوَسُّطِهِمْ، فَالْخَلْقُ يَسْأَلُونَهُم وَهُم يَسْأَلُونَ اللهَ، كَمَا أَنَّ الْوَسَائِطَ عِنْدَ الْمُلُوكِ: يَسأَلُونَ الْمُلُوكَ الْحَوَائِجَ لِلنَاسِ؛ لِقُرْبِهِم مِنْهُم وَالنَّاسُ يَسْأَلُونَهُمْ؛ أَدَبًا مِنْهُم أَنْ يُبَاشِرُوا سُؤَالَ الْمَلِكِ، أَو لِأَنَّ طَلَبَهُم مِن الْوَسَائِطِ أَنْفَعُ لَهُم مِن طَلَبِهِم مِن الْمَلِكِ؟ لِكَوْنِهِمْ أَقْرَبَ إلَى الْمَلِكِ مِن الطَّالِبِ لِلْحَوَائِجِ. فَمَن أَثْبَتَهُم وَسَائِطَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ: فَهُوَ كَافِرٌ مُشْرِكٌ، يَجِبُ أَنْ يُسْتَتَابَ فَإِنْ تَابَ وإِلَّا قُتِلَ. وَهَؤُلَاءِ مُشَبِّهُونَ للهِ، شَبَّهُوا الْمَخْلُوقَ بِالْخَالِقِ وَجَعَلُوا للهِ أَنْدَادًا، وَفِي الْقُرْآنِ مِن الرَّدِّ عَلَى هَؤُلَاءِ مَا لَمْ تتسِعْ لَهُ هَذِهِ الْفَتْوَى. وقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢،٢٣]، فَبَيَّنَ أَنَّ كُلَّ مَن دُعِيَ مِن دُونِهِ لَيْسَ لَهُ مُلْكٌ وَلَا شِرْكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَا هُوَ ظَهِيرٌ، وَأَنَّ شَفَاعَتَهُم لَا تَنْفَعُ إلَّا لِمَن أذِنَ لَهُ. وَهَذَا بِخِلَافِ الْمُلُوكِ؛ فَإِن الشَّافِعَ عِنْدَهُم قَد يَكُونُ لَهُ مُلْكٌ، وَقَد يَكُونُ شَرِيكًا لَهُم فِي الْمُلْكِ، وَتَد يَكُونُ مُظَاهِرًا لَهُم مُعَاوِنًا لَهُم عَلَى مُلْكهِمْ. وَهَؤُلَاءِ يشفعُونَ عِنْدَ الْمُلُوكِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُلُوكِ هُم وَغَيْرُهُمْ، وَالْمَلِكُ يَقْبَلُ شَفَاعَتَهُمْ: تَارَةً بِحَاجَتِهِ (١) إلَيْهِمْ، وَتَارَةً لِخَوْفِهِ مِنْهُمْ، وَتَارَةً لِجَزَاءِ إحْسَانِهِمْ إلَيْهِ، وَمُكَافَأَتِهِمْ وَلِإِنْعَامِهِمْ عَلَيْهِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ

стр. 126

رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإسراء:٥٦، ٥٧]. فَأَخْبَرَ أَنَّ مَا يُدْعَى مِن دُويهِ لَا يَمْلِكُ كَشْفَ ضُرٍّ وَلَا تَحْوِيلَهُ، وَأَنَّهُم يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويخَافُونَ عَذَابَهُ وَيَتَقَرَّبُونَ إلَيْهِ. فَهُوَ -سُبْحَانَهُ- قَد نَفَى مَا مِن الْمَلَائِكَةِ وَالْأنْبِيَاءِ إلَّا مِن الشَّفَاعَةِ بِإِذْنِهِ، وَالشَّفَاعَةُ هِيَ الدُّعَاءُ. وَلَا ريبَ أَنَّ دُعَاءَ الْخَلْقِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضِ نَافِعٌ، وَاللهُ قَد أَمَرَ بِذَلِكَ، لَكِنَّ الدَّاعِيَ الشَّافِعَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَدْعُوَ وَيَشْفَعَ إلَّا بِإِذْنِ اللهِ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَلَا يَشْفَعُ شَفَاعَةً نُهِيَ عَنْهَا؛ كَالشَّفَاعَةِ لِلْمُشْرِكِينَ وَالدُّعَاءِ لَهُم بِالْمَغْفِرَةِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ [التوبة: ١١٣] وَقَد قَالَ تَعَالَى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ [الأعراف: ٥٥]-فِي الدُّعَاءِ-. وَمِن الِاعْتِدَاءِ فِي الدُّعَاءِ: أ - أَنْ يَسْألَ الْعَبْدُ مَا لَمْ يَكُن الرَّبُّ لِيَفْعَلَهُ؛ مِثْلُ: أَنْ يَسْألَهُ مَنَازِلَ الْأَنْبِيَاءِ وَلَيْسَ مِنْهُمْ، أَو الْمَغْفِرَةَ لِلْمُشْرِكِينَ وَنَحْو ذَلِكَ. ب- أَو يَسْأَلَهُ مَا فِيهِ مَعْصِيَةُ اللهِ؛ كَإِعَانَتِهِ عَلَى الْكفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ. فَالشَّفِيعُ الَّذِي أَذِنَ اللهُ لَهُ فِي الشَّفَاعَةِ: شَفَاعَتُهُ فِي الدُّعَاءِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ عُدْوَانٌ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ مَن أَثْبَتَ وَسَائِطَ بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ كَالْوَسَائِطِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ الْمُلُوكِ وَالرَّعِيَّةِ فَهُوَ مُشْرِكٌ؛ بَل هَذَا دِينُ الْمُشْرِكِينَ عُبَّادُ الْأَوْثَانِ، كَانُوا يَقُولُونَ: إنَّهَا تَمَاثِيلُ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَإِنَّهَا وَسَائِلُ يَتَقَرَّبُونَ بِهَا إلَى اللهِ، وَهُوَ مِن الشِّرْكِ الَّذِي أَنْكَرَهُ اللهُ عَلَى النَّصَارَى حَيْثُ قَالَ: ﴿اتَّخَذُوا

стр. 127

أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١]. وَقَد كَانَ النَبِيُّ ﷺ يُحَقّقُ هَذَا التَّوْحِيدَ لأُمَّتِهِ ويحْسِمُ عَنْهُم مَوَادَّ الشِّرْكِ؛ إذ هَذَا تَحْقِيقُ قَوْلِنَا لَا إلَهَ إلا اللهُ، فَإِنَّ الْإِلَهَ هُوَ الَّذِي تَأْلَهُهُ الْقُلُوبُ لِكَمَالِ الْمَحَبَّةِ وَالتَّعْظِيمِ، وَالْإِجْلَالِ وَالْإِكْرَامِ، وَالرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ، حَتَّى قَالَ لَهُم: "لَا تَقُولُوا مَا شَاءَ اللهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ، وَلَكِنْ قُولُوا مَا شَاءَ اللهُ ثمَّ شَاءَ مُحَمدٌ" (١)، وَقَالَ لَهُ رَجُل: مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْت، فَقَالَ: "أَجَعَلْتَنِي للهِ نِدًّا؟ بَل مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ" (٢)، وَقَالَ: "مَن كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ باللهِ أَو لِيَصْمُتْ" (٣) [١/ ١٢١ - ١٣٦] * * * (الله الذي خلق السَّبَبَ) ١٨٥ - الِالْتِفَاتُ إلَى الْأَسْبَابِ شِرْكٌ فِي التَّوْحِيدِ، وَمَحْوُ الْأَسْبَابِ أَنْ تَكُونَ أَسْبَابًا نَقْصٌ فِي الْعَقْلِ، وَالْإِعْرَاضُ عَن الْأَسْبَابِ بِالْكُلِّيَّةِ قَدْحٌ فِي الشَرْعِ. * * * (معنى طَلَب النَّبِيِّ ﷺ من أُمَّتِهِ أَنْ يَدْعُوا لَهُ؟ وما الذي يحل ويحرم من سؤال الناس ؟) ١٨٦ - مُحَمَّد ﷺ وَهُوَ سَيِّدُ الشُّفَعَاءِ وَلَهُ شَفَاعَاتٌ يَختَصُّ بِهَا -وَمَعَ هَذَا- فَقَد ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ (٤) عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذّنَ فَقُولُوا

стр. 128

مِثْل مَا يَقُولُ ثمَّ صَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّهُ مَن صَلَّى عَلَيَّ مَرَّة صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِي الْوَسِيلَةَ؛ فَإِنَّهَا دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إلَّا لِعَبْد مِن عِبَادِ اللهِ وَأَرْجُو أَنْ كُونَ ذَلِكَ الْعَبْدَ، فَمَن سَأَل اللهَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ". وَقَد قَالَ لِعُمَر لَمَّا أرَادَ أَنْ يَعْتَمِرَ وَوَدَّعَهُ: "يَا أَخِي لَا تَنْسَنِي مِن دُعَائِك" (١). فَالنَّبِيُّ ﷺ قَد طَلَبَ مِن أُمَّتِهِ أنْ يَدْعُوا لَهُ، وَلَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ مِن بَابِ سُؤَالِهِمْ؛ بَل أمْرُهُ بِذَلِكَ لَهُم كَأَمْرِهِ لَهُم بِسَائِرِ الطَّاعَاتِ الَّتِي يُثَابُونَ عَلَيْهَا، مَعَ أنَّهُ ﷺ لَهُ مِثْلُ أُجُورِهِمْ فِي كُل مَا يَعْمَلُونَهُ؛ فَإِنَّهُ قَد صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "مَن دَعَا إلَى هُدًى كانَ لَهُ مِن الْأَجْرِ مِثْلُ أجُورِ مَن اتَّبَعَهُ مِن غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِن أجُورِهِمْ شَيْئًا" (٢). وَهُوَ دَاعِي الْأمَّةِ إلَى كُلِّ هُدًى، فَلَهُ مِثْلُ أُجُورِهِمْ فِي كُلِّ مَا اتبعُوهُ فِيهِ. وَكَذَلِكَ إذَا صَلَّوْا عَلَيْهِ فَإِن اللهَ يُصَلِّي عَلَى أَحَدِهِمْ عَشْرًا، وَلَهُ مِثْلُ أُجُورِهِمْ، مَعَ مَا يَسْتَجِيبُهُ مِن دُعَائِهِمْ لَهُ، فَذَلِكَ الدُّعَاءُ قَد أعْطَاهُم اللهُ أَجْرَهُم عَلَيْهِ، وَصَارَ مَا حَصَلَ لَهُ بِهِ مِن النَّفْعِ نِعْمَةً مِن اللهِ عَلَيْهِ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَ اللهَ لَمْ يَأمُرْ مَخْلُوقًا أنْ يَسْألَ مَخْلُوقًا إلا مَا كَانَ مَصْلَحَةً لِذَلِكَ الْمَخْلُوقِ إمَّا وَاجِبٌ أَو مُسْتَحَبٌّ. وَإِن كَانَ قَصْدُهُ مَصْلَحَةَ الْمَأْمُورِ، أَو مَصْلَحَتَهُ وَمَصْلَحَةَ الْمَأمُورِ: فَهَذَا يُثَابُ عَلَى ذَلِكَ. وَإِن كَانَ قَصْدُهُ حُصُولَ مَطْلُوبِهِ مِن غَيْرِ قَصْدِ مِنْهُ لِانتِفَاعِ الْمَأمُورِ: فَهَذَا

стр. 129

مِن نَفْسِهِ أَتَى، وَمِثْلُ هَذَا السُّؤَالِ لَا يَأْمُرُ اللهُ بِهِ قَطُّ؛ بَل قَد نَهَى عَنْهُ؛ إذ هَذَا سُؤَالٌ مَحْضٌ لِلْمَخْلُوقِ مِن غَيْرِ قَصْدِهِ لِنَفْعِهِ وَلَا لِمَصْلَحَتِهِ، وَاللهُ يَأْمُرُنَا أَنْ نَعْبُدَهُ وَنَرْغَبَ إلَيْهِ، ويأْمُرُنَا أَنْ نُحْسِنَ إلَى عِبَادِهِ، وَهَذَا لَمْ يَقْصِدْ لَا هَذَا وَلَا هَذَا، فَلَمْ يَقْصِد الرَّغْبَةَ إلَى اللهِ وَدُعَائِهِ، وَهُوَ الصَّلَاةُ، وَلَا قَصَدَ الْإِحْسَانَ إلَى الْمَخْلُوقِ الَّذِي هُوَ الزَّكَاةُ. وَإِن كَانَ الْعَبْدُ قَد لَا يَأْثَمُ بِمِثْل هَذَا السُّؤَالِ، لَكِنْ فَرْقٌ مَا بَيْنَ مَا يُؤْمَرُ بِهِ الْعَبْدُ وَمَا يُؤْذَنُ لَهُ فِيهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِ السَّبْعِينَ أَلْفًا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَاب: "أَنَّهُم لَا يسترقون" (١)، وَإِن كَانَ الِاسْتِرْقَاءُ جَائِزًا؟ [١/ ١٣٢ - ١٣٤] ١٨٧ - أَحَادِيث النَّهْيِ عَن مَسْاَلَةِ النَّاسِ الْأَمْوَالَ كَثِيرَةٌ كَقَوْلِهِ: "لَا تَحِلُّ الْمَسْأَلةُ إلَأ لِثَلَاَثةٍ" (٢). فَأَمَّا سُؤَالُ مَا يَسُوغُ مِثْلُهُ مِن الْعِلْمِ: فَلَيْسَ مِن هَذَا الْبَابِ؛ لِأَنَّ الْمُخْبِرَ لَا يَنْقُصُ الْجَوَابُ مِن عِلْمِهِ بَل يَزْدَادُ بِالْجَوَابِ، وَالسَّائِلُ مُحْتَاجٌ إلَى ذَلِكَ، قَالَ ﷺ : "هَلَّا سَأَلوا إذ لَمْ يَعْلَمُوا؟ " (٣)، وَلَكِنْ مِن الْمَسَائِلِ مَا يُنْهَى عَنْهُ، كمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ [المائدة: ١٠١]، وَكَنَهْيِهِ عَن أُغْلُوطَاتِ الْمَسَائِلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

стр. 130

وَأَمَّا سُؤَالُهُ لِغَيْرِهِ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ: فَقَد قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعُمَرِ: "لَا تَنْسَنَا مِن دُعَائِك" (١)، وَقَالَ: "إذَا سَمِعْتُم الْمُؤَذِّنَ: فَقُولُوا مِثْل مَا يَقُولُ ثُمَّ صلُّوا عَلَي فَإِنَّهُ مَن صَلَّى عَلَيَّ مَرَّةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا اللهَ لي الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إلَّا لِعَبْد مِن عِبَادِ اللهِ وَأرْجُو أَنْ أكُونَ أنَا ذَلِكَ الْعَبْدَ، فَمَن سَأَلَ اللهَ لي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتي يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (٢). وَقَد يُقَالُ فِي هَذَا: هُوَ طَلَبَ مِن الْأمَّةِ الدُّعَاءَ لَهُ لِأَنَّهُم إذَا دَعَوْا لَهُ حَصَلَ لَهُم مِن الْأَجْرِ أَكْثَرُ مِمَّا لَو كَانَ الدُّعَاءُ لِأَنْفُسِهِمْ، كَمَا قَالَ لِلَّذِي قَالَ: أَجْعَل صَلَاتِي كُلَّهَا عَلَيْكَ؟ فَقَالَ: "إذًا يَكْفِيكَ اللهُ مَا أَهَمَّكَ مِن أَمْرِ دُنْيَاك وَآخِرَتِكَ" (٣). فَطَلَبُهُ مِنْهُم الدُّعَاءَ لَهُ لِمَصْلَحَتِهِمْ كَسَائِرِ أمْرِهِ إيَّاهُم بِمَا أُمِرَ بِهِ، وَذَلِكَ لِمَا فِي ذَلِكَ مِن الْمَصْلَحَةِ لَهُمْ؛ فَإِنَّهُ قَد صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "مَا مِن رَجُلٍ يَدْعُو لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ بِدَعْوَة إلا وَكَّلَ اللهُ بِهِ مَلَكًا، كُلَّمَا دَعَا دَعْوَةً قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ وَلَك مِثْلُهُ" (٤). وَقَوْلُ السَّائِلِ: أَجْعَلُ لَك مِن صَلَاتِي؟ يَعْنِي مِن دُعَائِي؛ فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِي اللُّغَةِ هِيَ الدّعَاءُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]. فَيَكُونُ مَقْصُودُ السَّائِلِ: إنَّ لِي دُعَاءً أدْعُو بِهِ أَسْتَجْلِبُ بِهِ الْخَيْرَ وَأَسْتَدْفِعُ بِهِ الشَّرَّ، فَكَمْ أَجْعَلُ لَك مِن الدُّعَاءِ؟ قَالَ: "مَا شِئْت" فَلَمَّا انْتَهَى إلَى قَوْلِهِ: أَجْعَلُ لَك صَلَاتي كُلَّهَا؟ قَالَ: "إذًا تُكْفَى هَمَّك وَيُغْفَرُ ذَنْبُك". وَهَذَا غَايَةُ مَا يَدْعُو بِهِ الْإِنْسَانُ مِن جَلْبِ الْخَيْرَاتِ وَدَفْعِ الْمَضَرَّاتِ؛ فَإِنَّ

стр. 131

الدُّعَاءَ فِيهِ تَحْصِيلُ الْمَطْلُوبِ وَانْدِفَاعُ الْمَرْهُوبِ (١). [١/ ٧٨ - ٧٩، ٣٥٠] * * * (نِعَمُ الدُّنْيَا بِدُونِ الدَّينِ هَل هِيَ مِن نِعَمِ الله ؟) ١٨٨ - كُلَّمَا ازْدَادَ الْعَبْدُ عَمَلًا لِلْخَيْرِ: ازْدَادَ إيمَانُهُ، هَذَا هُوَ الْإِنْعَامُ الْحَقِيقِي، الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦٩]. بَل نِعَمُ الدُّنْيَا بِدُونِ الدِّينِ هَل هِيَ مِن نِعَمِهِ أَمْ لَا؟ فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ لِلْعُلَمَاءِ مِن أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ. وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّهَا نِعْمَة مِن وَجْهٍ، وَإِن لَمْ تَكُنْ نِعْمَةَ تَامَّةً مِن وَجْهٍ، وَأَمَّا الْإِنْعَامُ بِالدِّينِ الَّذِي يَنْبَغِي طَلَبُهُ فَهُوَ مَا أمَرَ اللهُ بِهِ مِن وَاجِبِ وَمُسْتَحَبٍّ، فَهُوَ الْخَيْرُ الَّذِي يَنْبَغِي طَلَبُهُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ النعْمَة الْحَقِيقِيَّةُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ. [١/ ١٣٣ - ١٣٤] * * * (ثلاث قواعد في اتخاذ الْأَسْبَابِ) ١٨٩ - مَعَ عِلْمِ الْمُؤمِنِ أنَّ اللهَ رَبُّ كلِّ شيء وَمَلِيكُهُ: فَإِنَّهُ لَا يُنْكِرُ مَا خَلَقَهُ اللهُ مِن الْأَسْبَابِ كَمَا جَعَلَ الْمَطَرَ سَبَبًا لِإِنْبَاتِ النَّبَاتِ .. وَكَمَا جَعَلَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ سَبَبًا لِمَا يَخْلُقُهُ بِهِمَا، وَكَمَا جَعَلَ الشَّفَاعَةَ وَالدُّعَاءَ سَبَبَا لِمَا يَقْضِيهِ بِذَلِكَ؛ مِثْلُ صَلَاةِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى جِنَازَةِ الْمَيِّتِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِن الْأَسْبَابِ الَّتِي يَرْحَمُهُ اللهُ بِهَا وُيُثيبُ عَلَيْهَا الْمُصَلِّينَ عَلَيْهِ.

стр. 132

لَكنْ يَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ فِي الْأَسْبَابِ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ: أَحَدُهَما: أَنَّ السَّبَبَ الْمُعَيَّنَ لَا يَسْتَقِلُّ بِالْمَطْلُوب؛ بَل لَا بُدَّ مَعَهُ مِن أَسْبَابٍ أُخَرَ، وَمَعَ هَذَا فَلَهَا مَوَانِعُ، فَإِنْ لَمْ يُكمِلِ اللهُ الْأَسْبَابَ وَيَدْفَع الْمَوَانِعَ: لَمْ يَحْصُل الْمَقصُودُ. وَهُوَ سُبْحَانَهُ مَا شَاءَ كَانَ وَإِن لَمْ يَشَأ النَّاسُ، وَمَا شَاءَ النَّاسُ لَا يَكُونُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ. الثَّانِي: أَنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ الشَّئءَ سَبَبٌ إلَّا بِعِلْم، فَمَن أَثْبَتَ شَيْئًا سَبَبًا بِلَا عِلْمٍ أَو يُخَالِفُ الشَّرْعَ كَانَ مُبْطِلًا؛ مِئْل مَن يَظُنُّ أَنَ النَّذْرَ سَبَبٌ فِي دَفْعِ الْبَلَاءِ وَحُصُولِ النَّعْمَاءِ، وَقَد ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ (١) عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَن النَّذْرِ وَقَالَ: "إنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْر وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِن الْبَخِيلِ". الثَّالِثُ: أَنَّ الْأَعْمَالَ الدِّينِيَّةَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُتَّخَذَ مِنْهَا شَيءٌ سَبَبًا إلَّا أَنْ تَكُونَ مَشْرُوعَةً؛ فَإِنَّ الْعِبَادَاتِ مَبْنَاهَا عَلَى التَّوْقِيفِ، فَلَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُشْرِكَ باللهِ فَيَدْعُوَ غَيْرَهُ، وَإِن ظَنَ أَنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ فِي حُصُولِ بَعْضِ أَغْرَاضِهِ. وَكَذَلِكَ لَا يَعْبُدُ اللهَ بِالْبِدَعِ الْمُخَالَفَةِ لِلشَّرِيعَةِ وإِن ظَنَّ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ قَد تُعِينُ الإِنْسَانَ عَلَى بَعْضِ مَقَاصِدِهِ إذَا أَشْرَكَ، وَقَد يَحْصُلُ بِالْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ بَعْضُ أَغْرَاضِ الْإِنْسَانِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ؛ إذ الْمَفْسَدَةُ الْحَاصِلَةُ بِذَلِكَ أَعْظَمُ مِن الْمَصْلَحَةِ الْحَاصِلَةِ بِهِ. [١/ ١٣٧ - ١٣٨] * * * (حكم قول الداعي: اللَّهمَّ إنِّي أَتَوَسَّلُ إلَيْك بالنَّبِيِّ ﷺ وحكم الْحَلِفِ بِهِ) ١٩٠ - أَمَّا قَؤلُ الْقَائِلِ: اللَّهُمَّ إنِّي أَتَوَسَّلُ إلَيْك بِهِ -أي: بالنَّبِيِّ ﷺ : فَلِلْعُلَمَاءِ فِيهِ قَوْلَانِ، كَمَا لَهُم فِي الْحَلِفِ بِهِ قَوْلَانِ، وَجُمْهُورُ الْأَئِمَّةِ كَمَالِكٍ

стр. 133

وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسُوغُ الْحَلِفُ بِغَيْرِهِ مِن الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ، وَلَا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَهَذَا إحْدَى الرِّوَايَتينِ عَن أَحْمَدَ. وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى: تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِهِ خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهِ .. وَأَحْمَدُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ قَد جَوَّزَ الْقَسَمَ بِهِ فَلِذَلِكَ جَوَّزَ التَوَسُّلَ بِهِ. وَلَكِنَ الرِّوَايَةَ الْأُخْرَى عَنْهُ: هِيَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يُقْسِمُ بِهِ، فَلَا يُقْسَمُ عَلَى اللهِ بِهِ كَسَائِرِ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِن السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ قَالَ: إنَّهُ يُقْسَمُ بِهِ عَلَى اللهِ؛ كَمَا لَمْ يَقُولُوا إنَّهُ يُقْسَمُ بِهِم مُطْلَقًا؛ وَلهَذَا أَفْتَى أَبُو مُحَمَّدٍ بنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ لَا يُقْسَمُ عَلَى اللهِ بِأَحَد مِن الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ، لَكِنْ ذُكِرَ لَهُ أَنَهُ رُوِيَ عَن النَّبِيِّ ﷺ حَدِيث فِي الْإِقْسَامِ بِهِ فَقَالَ: إنْ صَخَ الْحَدِيثُ كَانَ خَاصًّا بِهِ. وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْإِقْسَامِ بِهِ، وَقَد قَالَ النَبِيُّ ﷺ : "مَن كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللهِ وإِلَّا فَلْيَصْمُتْ" (١). [١/ ١٤٠ - ١٤١] * * * (فوائد ومسائل من كتاب التوسل والوسيلة) (معنى ابتغاء الوسيلة، وهل تنفع الشفاعة الكافر ؟) (٢) ١٩١ - قَوْله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] ابْتِغَاءُ الْوَسِيلَةِ إلَى اللهِ إنَّمَا يَكُونُ لِمَن تَوَسَّلَ إلَى اللهِ بِالْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَاتِّباعِهِ. وَهَذَا التَّوَسُّلُ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَطَاعَتِهِ: فَرْضٌ عَلَى كُل أَحَدٍ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَعْدَ مَوْتِهِ، فِي مَشْهَدِهِ وَمَغِيبِهِ، لَا يسْقط التَوَسُّلُ بِالْإِيمَانِ

стр. 134

بِهِ وَبِطَاعَتِهِ عَن أَحَدٍ مِن الْخَلْقِ فِي حَالٍ مِن الْأَحْوَالِ بَعْدَ قِيَامِ الْحجَّةِ عَلَيْهِ، وَلَا بِعُذْر مِن الْأَعْذَارِ. وَلَا طَرِيقَ إلَى كَرَامَةِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ وَالنَّجَاةِ هِن هَوَانِهِ وَعَذَابِهِ إلَّا التَوَسُّلُ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَبِطَاعَتِهِ. وَهُوَ ﷺ شَفِيعُ الْخَلَائِقِ، صَاحِبُ الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ الَّذِي يَغْبِطُهُ بِهِ الْأَوَّلُونَ والآخرون، فَهُوَ أَعْظَمُ الشُّفَعَاءِ قَدْرًا، وَأَعْلَاهُم جَاها عِنْدَ اللهِ. لَكِنْ شَفَاعَتُهُ وَدُعَاؤُهُ إنَّمَا يَنْتَفِعُ بِهِ مَن شَفَعَ لَهُ الرَّسُولُ وَدَعَا لَهُ، فَمَن دَعَا لَهُ الرَّسُولُ وَشَفَعَ لَهُ: تَوَسَّلَ إلَى اللهِ بِشَفَاعَتِهِ وَدُعَائِهِ، كَمَا كَانَ أَصْحَابُهُ يَتَوَسَّلونَ إلَى اللهِ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ، وَكَمَا يَتَوَسَّلُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَى اللهِ ﵎ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا. وَلَفْظُ التَّوَسُّلِ فِي عُرْفِ الصَّحَابَةِ كَانُوا يَسْتَعْلِمُونَهُ فِي هَذَا الْمَعْنَى. وَالتَّوَسُّلُ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ يَنْفَغ مَعَ الْإِيمَانِ بِهِ، وَأَمَّا بِدُونِ الْإِيمَانِ بِهِ فَالْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ لَا تُغْنِي عَنْهُم شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ فِي الْآخِرَةِ. وَلهَذَا نهِيَ عَن الِاسْتِغْفَارِ لِعَمِّهِ وَأَبِيهِ وَغَيْرِهِمَا مِن الْكُفَّارِ، وَنهِيَ عَن الِاسْتِغْفَارِ لِلْمُنَافِقِينَ. وَلَكِنَّ الْكُفَارَ يَتَفَاضَلُونَ فِي الْكُفْرِ، كَمَا يَتَفَاضَلُ أَهْلُ الْإِيمَانِ فِي الْإِيمَانِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧]. فَإِذَا كَانَ فِي الْكُفَّارِ مَن خَفَّ كُفْرُهُ بِسَبَبِ نُصْرَتِهِ وَمَعُونَتِهِ فَماِنَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتُهُ فِي تَخْفِيفِ الْعَذَابِ عَنْهُ، لَا فِي إسْقَاطِ الْعَذَابِ بِالْكلِّيَّةِ (١). وَثَبَتَ فِي "صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ" (٢) عَن أَبِي هُرَيْرَةَ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "يَلْقَى إبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ، فَيَقُولُ لَهُ

стр. 135

إبْرَاهِيمُ: ألَمْ أقلْ لَك لَا تَعْصِنِي؟ فَيَقُولُ لَهُ أَبُوهُ: فَالْيَوْمَ لَا أَعْصِيك، فَيَقُولُ ابْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ أَنْتَ وَعَدْتنِي أَنْ لَا تُخْزِينِى (١) يَوْمَ يُبْعَثونَ، وَأَيُّ خِزْي أَخْزَى مِن أَبِي الْأَبْعَدِ؟ فَيَقُولُ اللهُ : إنِّي حَرَّمْت الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ، ثمَّ يُقَالُ: اُنْظُرْ مَا تَحْت رِجْلَيْك؟ فَيَنْظُرُ فَإِذَا هُوَ بِذِيخ (٢) مُتَلَطِّخٍ، فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ"، فَهَذَا لَمَّا مَاتَ مُشْرِكًا لَمْ يَنْفَعْهُ اسْتِغْفَارُ إبْرَاهِيمَ مَعَ عِظَمِ جَاهِهِ وَقَدْرِهِ (٣). [١/ ١٤٣ - ١٤٦] * * * (إقرار المشركين بتوحيد الربوبية لا الألوهية) ١٩٢ - الْمُشْرِكُونَ مِن قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِم، الَّذِينَ أخْبَرَ الْقُرْآنُ بِشِرْكِهِمْ، وَاسْتَحَلَّ النَّبِيُّ ﷺ دِمَاءَهُم وَأَمْوَالَهُم وَسَبَى حَرِيمَهُم وَأَوْجَبَ لَهُم النَّارَ: كَانُوا مُقِرِّينَ بِأَنَّ اللهَ وَحْدَهُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ كَمَا قَالَ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥)﴾ [لقمان: ٢٥]. وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ جَعَلُوا مَعَهُ آلِهَةً أخْرَى مُقِرِّينَ بِأَنَّ آلِهَتَهُم مَخْلُوقَة، وَلَكِنَّهُم كَانُوا يَتَّخِذُونَهُم شُفَعَاءَ، وَيَتَقَرَّبُونَ بِعِبَادَتِهِمْ إلَيْهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ

стр. 136

قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ [يونس: ١٨]. [١/ ٥٤] * * * (من توسل بالأموات ودعاهم من دون الله كفر) ١٩٣ - قَالَ الله تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٦، ٥٧]، قَالَ طَائِفَة مِن السَّلَفِ: كَانَ أَقْوَامٌ يَدْعُونَ الْمَلَائِكَةَ وَالْأَنْبِيَاءَ كَالْعُزَيْرِ وَالْمَسِيحِ، فَبَيَّنَ اللهُ تَعَالَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ وَالْأَنْبِيَاءَ عِبَادُ اللهِ، كَمَا أَنَّ الَّذِينَ يَعْبُدُونَهُم عِبَادُ اللهِ، وَبَيَّنَ أَنَّهُم يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويخَافُونَ عَذَابَهُ وَيَتَقَرَّبُونَ إلَيْهِ، كَمَا يَفْعَلُ سَائِرُ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ. وَالْمُشْرِكُونَ مِن هَؤُلَاءِ قَد يَقُولُونَ: إنَّا نَسْتَشْفِعُ بِهِمْ أَيْ: نَطْلُبُ مِن الْمَلَائِكَةِ وَالْأنْبِيَاءِ أَنْ يَشْفَعُوا، فَإِذَا أتَيْنَا قَبْرَ أَحَدِهِمْ طَلَبْنَا مِنْهُ أَنْ يَشْفَعَ لَنَا، فَإِذَا صَوَّرْنَا تِمْثَالَهُ -وَالتَّمَاثِيلُ إمَّا مُجَسَّدَةٌ وَإِمَّا تَمَاثِيلُ مُصَوَّرَةٌ كَمَا يُصَوِّرُهَا النَّصَارَى فِي كَنَائِسِهِمْ- قَالُوا: فَمَقْصُودُنَا بِهَذِهِ التَّمَاثِيلِ تَذَكُّرُ أَصْحَابِهَا وَسِيَرِهِمْ، وَنَحْن نُخَاطِبُ هَذِهِ التَّمَاثِيلَ، وَمَقْصُودُنَا خِطَابُ أَصْحَابِهَا لِيَشْفَعُوا لَنَا إلَى اللهِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُم: يَا سَيِّدِي فُلَانٌ .. اشْفَعْ لِي إلَى رَبِّك. وَقَد يُخَاطِبُونَ الْمَيِّتَ عِنْدَ قَبْرِهِ: سَلْ لِي رَبَّك. أَو يُخَاطِبُونَ الْحَيَّ وَهُوَ غَائِبٌ كَمَا يُخَاطِبُونَهُ لَو كَانَ حَاضِرًا حَيًّا، وَيُنْشِدُونَ قَصَائِدَ، يَقولُ أَحَدُهُم فِيهَا: يَا سَيِّدِي فُلَانٌ أَنَا فِي حَسْبِك، أَنَا فِي جِوَارِك، اشْفَعْ لِي إلَى اللهِ، سَل اللهَ لَنَا أَنْ يَنْصُرَنَا عَلَى عَدُوِّنَا، سَل اللهَ أَنْ يَكْشِفَ عَنَّا هَذِهِ الشِّدَّةَ، أَشْكُو إلَيْك كَذَا وَكَذَا، فَسَل اللهَ أَنْ يَكْشِفَ هَذِهِ الْكُرْبَةَ، أَو يَقُولُ أَحَدُهُم: سَل اللهَ أَنْ يَغْفِرَ لِي.

стр. 137

فَهَذِهِ الْأَنْوَاعُ مِن خِطَابِ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ عِنْدَ قُبُورِهِمْ وَفِي مَغِيبِهِم وَخِطَابِ تَمَاثِيلِهِمْ: هُوَ مِن أَعْظَمِ أَنْوَاعِ الشِّرْكِ الْمَوْجُودِ فِي الْمُشْرِكِينَ مِن غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَفِي مُبْتَدِعَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ أَحْدَثُوا مِن الشرْكِ وَالْعِبَادَاتِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ تَعَالَى، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]. [٤/ ١٥٨ - ١٥٩] * * * (حكم من تقرب بِعِبَادَةٍ لَيْسَتْ وَاجِبَةً وَلَا مُسْتحَبَّةً) ١٩٤ - مَن تَعَبَّدَ بِعِبَادَةٍ لَيْسَتْ وَاجِبَةً وَلَا مُسْتَحَبَّةً، وَهُوَ يَعْتَقِدُهَا وَاجِبَةً أَو مُسْتَحَبَّة: فَهُوَ ضَالٌّ مُبْتَدِعٌ بِدْعَةً سَيِّئَةً لَا بِدْعَةً حَسَنَةً بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الدِّينِ؛ فَإِن اللهَ لَا يُعْبَدُ إلَّا بِمَا هُوَ وَاجِبٌ أَو مُسْتَحَبٌّ. [١/ ١٦٠] ١٩٥ - كُلُّ بِدْعَةٍ لَيْسَتْ وَاجِبَةً وَلَا مُسْتَحَبَّةً: فَهِيَ بِدْعَة سَيِّئَةٌ، وَهِيَ ضلَالَة بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. وَمَن قَالَ فِي بَعْضِ الْبِدَعِ إنَّهَا بِدْعَة حَسَنَةٌ: فَإِنَمَا ذَلِكَ إذَا قَامَ دَلِيل شَرْعِيٌّ أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ، فَأَمَّا مَا لَيْسَ بِمُسْتَحَبٍّ وَلَا وَاجِبٍ فَلَا يَقُولُ احَدٌ مِن الْمُسْلِمِينَ إنَّهَا مِن الْحَسَنَاتِ الَّتِي يُتَقَرَّبُ بِهَا إلَى اللهِ. وَمَن تَقَرَّبَ إلَى اللهِ بِمَا لَيْسَ مِن الْحَسَنَاتِ الْمَأْمُورِ بِهَا أَمْرَ إيجَابٍ وَلَا اسْتِحْبَابٍ: فَهُوَ ضَالٌّ مُتَّبعٌ لِلشَّيْطَانِ، وَسَبِيلُهُ مِن سَبِيلِ الشَيْطَانِ. [١/ ١٦٢] * * * (حكم اتخاذ القبور مساجد ومعني ذلك) ١٩٦ - فِي "الصَّحِيحَيْنِ" (١) عَن عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ قَبْلَ مَوْتِهِ: "لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أنبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ"، يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوا.

стр. 138

قَالَتْ عَائِشَةُ: وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأبْرِزَ قَبْرُهُ، وَلَكِنْ كَرِهَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا. وَاتِّخَاذُ الْمَكانِ مَسْجِدًا: هُوَ أَنْ يُتخَذَ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَغَيْرِهَا، كَمَا تُبْنَى الْمَسَاجِدُ لِذَلِكَ. وَالْمَكَانُ الْمُتَّخَذُ مَسْجِدًا إنَّمَا يُقْصَدُ فِيهِ عِبَادَةُ اللهِ وَدُعَاؤُهُ لَا دُعَاءُ الْمَخْلُوقِينَ، فَحَرَّمَ ﷺ أَنْ تتخَذَ قُبُورُهُم مَسَاجِدَ بِقَصْدِ الصَّلَوَاتِ فِيهَا كَمَا تُقْصَدُ الْمَسَاجِدُ، وإِن كَانَ الْقَاصِدُ لِذَلِكَ إنَّمَا يَقْصِدُ عِبَادَةَ اللهِ وَحْدَهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ ذَرِيعَة إلى أَنْ يَقْصِدُوا الْمَسْجِدَ لِأجْلِ صَاحِبِ الْقَبْرِ وَدُعَائِهِ وَالدُّعَاءِ بِهِ وَالدُّعَاءِ عِنْدَهُ، فَنَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَن اتِّخَاذِ هَذَا الْمَكَانِ لِعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ لِئَلَّا يُتَّخَذَ ذَرِيعَةَ إلَى الشِّرْكِ باللهِ. وَالْفِعْلُ إذَا كَانَ يُفْضِي إلَى مَفْسَدَةٍ وَلَيْسَ فِيهِ مَصْلَحَة رَاجِحَةٌ: يُنْهَى عَنْهُ؛ كَمَا نُهي عَن الصَّلَاةِ فِي الْأوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِن الْمَفْسَدَةِ الرَّاجِحَةِ، وَهُوَ التَّشَبُّهُ بِالْمُشْرِكِينَ الَّذِي يُفْضِي إلَى الشِّرْكِ، وَلَيْسَ فِي قَصْدِ الصَّلَاةِ في تِلْكَ الْأَوْقَاتِ مَصْلَحَة رَاجِحَةٌ لِإِمْكَانِ التَّطَوُّعِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِن الْأوْقَاتِ. وَلهَذَا تَنَازَعَ الْعْلَمَاءُ فِي ذَوَاتِ الْأَسْبَابِ: فَسَوَّغَهَا كَثِيرٌ مِنْهُم فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ، وَهُوَ أَظْهَرُ قَوْلَي الْعُلَمَاءِ؛ لِأن النَّهْيَ إذَا كَانَ لِسَدِّ الذَّرِيعَةِ أبِيحَ لِلْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ، وَفِعْلُ ذَوَاتِ الْأسْبَابِ يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ، ويفُوتُ إذَا لَمْ يُفْعَلْ فِيهَا، فَتَفُوتُ مَصْلَحَتُهَا، فَأُبِيحَتْ لِمَا فِيهَا مِن الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ، بِخِلَافِ مَا لَا سَبَبَ لَهُ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ فِعْلُهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْوَقْتِ فَلَا تَفُوتُ بِالنَّهْيِ عَنْهُ [١/ ١٦٣ - ١٦٤] مَصْلَحَة رَاجِحَةٌ، وَفيهِ مَفْسَدَةٌ تُوجِبُ النَّهْيَ عَنْه. ١٩٧ - لَو قَصَدَ الصَّلَاةَ عِنْدَ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ مِن غَيْرِ أَنْ يَقْصِدَ دُعَاءَهُم وَالدُّعَاءَ عِنْدَهُمْ؛ مِثْل أَنْ يَتَّخِذَ قُبُورَهُم مَسَاجِدَ: لَكَانَ ذَلِكَ مُحَرَّمًا مَنْهِيًّا عَنْهُ، وَلَكَانَ صَاحِبُهُ مُتَعَرضٌ لِغَضَبِ اللهِ وَلَعْنَتِهِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ :"اشْتَدَّ

стр. 139

غَضَبُ اللهِ عَلَى قَوْمٍ اَتخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ" (١) [١/ ١٦٦] * * * (العلامات الدالة على أنَّ ما يَحْصُلُ عِنْدَ الْقُبُورِ لِبَعْضِ النَّاسِ مِن خِطَابٍ يَسْمَعُه، وَشَخْصٍ يَرَاهُ، وَتَصَرفٍ عَجِيبٍ: مِن الْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ) ١٩٨ - جَعْلُ الْقُبُورِ أَوْثَانًا هُوَ أَوَّلُ الشرْكِ؛ وَلهَذَا يَحْصُلُ عِنْدَ الْقُبُورِ لِبَعْضِ النَّاسِ مِن خِطَابٍ يَسْمَعُهُ، وَشَخْصٍ يَرَاهُ، وَتَصَرُّفٍ عَجِيبٍ: مَا يَظُنُ أنَّهُ مِن الْمَيِّتِ، وَقَد يَكُونُ مِن الْجِنِّ وَالشيَاطِينِ؛ مِثْل أَنْ يَرَى الْقَبْرَ قَد انْشَقَّ وَخَرَجَ مِنْهُ الْمَيِّتُ وَكَلَّمَهُ وَعَانَقَهُ. وَالْجَاهِل يَظُنُّ أنَ ذَلِكَ الَّذِي رَآهُ قَد خَرَجَ مِن الْقَبْرِ وَعَانَقَة أو كَلَّمَهُ هُوَ الْمَقْبُورُ أَو النَّبِيُّ أَو الصَّالِحُ وَغَيْرُهُمَا. وَالْمُؤْمِنُ الْعَظِيمُ يَعْلَمُ أَنَّهُ شَيْطَانٌ، ويتبَيَّنُ ذَلِكَ بِأُمُور: أَحَدُهَا: أَنْ يَقْرا آيَةَ الْكُرْسِيِّ بِصِدْق، فَإِذَا قَرَأَهَا تَغَيَّبَ ذَلِكَ الشَّخْصُ او سَاخَ فِي الْأرْضِ أَو احْتَجَبَ، وَلَو كَانَ رَجُلًا صَالِحًا، أَو مَلَكًا أَو جِنِّيًّا مُؤمِنًا لَمْ تَضُرَّهُ آيّةُ الْكُرْسِئ، وإِنَّمَا تَضُرُّ الشَّيَاطِينَ كَمَا ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" (٢) مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَمَّا قَالَ لَهُ الْجِنِّيُّ: اقْرَأ آيَةَ الْكُرْسِيِّ إذَا أَوَيْت إلَى فِرَاشِك فَإِنَّهُ لَا يَزَالُ عَلَيْك مِن اللهِ حَافِظ وَلَا يَقْرَبُك شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ :"صَدَقَك وَهُوَ كَذُوبٌ". ومِنْهَا: أَنْ يَسْتَعِيذَ باللهِ مِن الشَيَاطِينِ. ومِنْهَا: أَنْ يَسْتَعِيذَ بِالْعُوَذِ الشَّرْعِيَّةِ؛ فَإِنَ الشَّيَاطِينَ كَانَت تَعْرِضُ لِلْأَنْبِيَاءِ فِي حَيَاتِهِمْ وَتُرِيد أَنْ تُؤْذِيَهُم وَتُفْسِدَ عِبَادَتَهُمْ، كَمَا جَاءَتِ الْجِنُّ إلَى النَّبِيِّ ﷺ بِشُعْلَةٍ

стр. 140

مِن النَّارِ تُرِيدُ أَنْ تُحْرِقَهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ بِالْعُوذَةِ الْمَعْرُوفَةِ الَّتِي تَضَمَّنَهَا الْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ عَن أَبِي التَّيَّاحِ أنَّهُ قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَنْبَشٍ التَّمِيمِيِّ، وَكَانَ كَبِيرًا: أَدْرَكْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ صَنَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ كَادَتْهُ الشيَاطِينُ، فَقَالَ: إِنَ الشَّيَاطِينَ تَحَدَّرَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الْأَوْدِيَةِ وَالشّعَابِ، وَفيهِمْ شَيْطَان بِيَدِهِ شُعْلَةُ نَارٍ، يُرِيدُ أَنْ يُحْرِقَ بِهَا وَجْهَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَهَبَطَ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ قُلْ، قَالَ: "مَا أقُولُ؟ " قَالَ: قُلْ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ وَذَرَأَ وَبَرَأَ، وَمِن شَرِّ مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ، وَمِن شَرِّ مَا يَعْرُجُ فِيهَا، وَمِن شَرِّ فِتَنِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَمِن شَرِّ كُلِّ طَارِقٍ، طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ يَا رَحْمَنُ، قَالَ: فَطَفِئَتْ نَارُهُمْ، وَهَزَمَهُمُ اللهُ ﵎ (١). فَإِذَا كَانَت الشَّيَاطِينُ تَأْتِي الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِم الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِتُؤْذِيَهُم وَتُفْسِدَ عِبَادَتَهُم فَيَدْفَعُهُم اللهُ تَعَالَى بِمَا يُؤَيِّدُ بِهِ الْأَنْبِيَاءَ مِن الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ وَالْعِبَادَةِ وَمِن الْجِهَادِ بِالْيَدِ: فَكَيْفَ مَن هُوَ دُونَ الْأَنْبِيَاءِ؟ فَالنَّبِيُّ ﷺ قَمَعَ شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنّ بِمَا أَيَّدَهُ اللهُ تَعَالَى مِن أَنْوَاعِ الْعُلُومِ وَالْأَعْمَالِ، وَمِن أَعْظَمِهَا الصَّلَاةُ وَالْجِهَادُ، وَأَكْثَرُ أَحَادِيثِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ وَالْجِهَادِ، فَمَن كَانَ مُتَّبِعًا لِلْأَنْبِيَاءِ نَصَرَهُ اللهُ سُبْحَانَهُ بِمَا نَصَرَ بِهِ الْأَنْبِيَاءَ (٢). ومِنْهَا: أَنْ يَدْعُوَ الرَّائِي بِذَلِكَ رَبَّهُ ﵎ لِيُبَيّنَ لَهُ الْحَالَ. ومِنْهَا: أَنْ يَقُولَ لِذَلِكَ الشَّخْصِ: أَأَنْت فُلَانٌ؟ وَيُقْسِمُ عَلَيْهِ بِالْأَقْسامِ الْمُعَظَّمَةِ، وَيَقْرَأُ عَلَيْهِ قَوَارعَ الْقُرْآنِ.

стр. 141

إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِن الْأَسْبَابِ الَّتِي تَضُر الشَّيَاطِينَ. [١/ ١٦٨ - ١٧١] * * * (تلاعب الشياطين بمن يواليهم) ١٩٩ - الشَّيَاطِينُ يُوَالُونَ مَن يَفْعَلُ مَا يُحِبُّونَهُ مِن الشّرْكِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ، فَتَارَةً يُخْبِرُونَهُ بِبَعْضِ الْأُمُورِ الْغَائِبَةِ لِيُكَاشِفَ بِهَا، وَتَارَةً يُؤذُونَ مَن يُرِيدُ أَذَاهُ بِقَتْلٍ وَتَمْرِيضٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَتَارَةً يَجْلِبُونَ لَهُ مَن يُرِيدُهُ مِن الْإِنْسِ، وَتَارَة يَسْرِقُونَ لَهُ مَا يَسْرِقُونَهُ مِن أَمْوَالِ النَّاسِ مِن نَقْدٍ وَطَعَامٍ وَثيَابٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَيَعْتَقِدُ أَنَّهُ مِن كَرَامَاتِ الْأَوْليَاءِ، وَإِنَمَا يَكونُ مَسْرُوقًا، وَتَارَةً يَحْمِلُونَهُ فِي الْهَوَاءِ فَيَذْهَبُونَ بِهِ إلَى مَكَانٍ بَعِيدٍ .. وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ. فَإِنَّهُ ما مِن أَحدٍ يَعْتَادُ دُعَاءَ الْمَيِّتِ وَالِاسْتِغَاثَةَ بِهِ نَبِيًّا كَانَ أَو غَيْرَ نَبِيٍّ إلَّا وَقَد بَلَغَهُ مِن ذَلِكَ مَا كَانَ مِن أَسْبَابِ ضَلَالِهِ. [١/ ١٧٤] * * * (حكم سُؤَالِ الْخَلْقِ الْحَاجَاتِ الدُّنْيَوِيَّةَ) ٢٠٠ - أَصْلُ سُؤَالِ الْخَلْقِ الْحَاجَاتِ الدُّنْيَوِيَّةَ الَّتِي لَا يَجِبُ عَلَيْهِم فِعْلُهَا لَيْسَ وَاجِبًا عَلَى السَّائِلِ وَلَا مُسْتَحَبًّا؛ بَل الْمَأْمُورُ بِهِ سُؤَالُ اللهِ تَعَالَى وَالرَّغْبَةُ إلَيْهِ وَالتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ. وَسُؤَالُ الْخَلْقِ فِي الْأَصْلِ مُحَرَّمٌ، لَكِنَهُ أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ، وَتَرْكُهُ تَوَكُّلًا عَلَى اللهِ أَفْضَلُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾ [الشرح: ٧، ٨] أَي: ارْغَبْ إلَى اللهِ لَا إلَى غَيْرِهِ. وَفي "الصَّحِيحَيْنِ" (١) عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "يَدْخُلُ مِن أُمَّتِي الْجَنَّةَ

стр. 142

سَبْعُونَ ألفا بِغَيْرِ حِسَاب"، وَقَالَ: "هُم الَّذِينَ لَا يسترقون وَلَا يَكتَوُونَ وَلَا يَتَطَيرُونَ وَعَلَى رَبِهِم يَتَوَكَلُونَ". فَمَدَحَ هَؤُلَاءِ بِأَنَّهُم لَا يسترقون؛ أَيْ: لَا يَطْلُبُونَ مِن أَحَدٍ أنْ يَرْقِيَهُمْ. وَالرُّقْيَةُ مِن جِنْسِ الدُّعَاءِ، فَلَا يَطْلُبُونَ مِن أَحَدٍ ذَلِكَ. وَقَد رُوِيَ فِيهِ "وَلَا يَرْقُونَ" وَهُوَ غَلَطٌ؛ فَإِنَّ رقياهم لِغَيْرِهِمْ وَلِأَنْفُسِهِمْ حَسَنَة، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَرْقِي نَفْسَهُ وَغَيْرَهُ وَلَمْ يَكُن يَسْتَرْقِي؛ فَإِنَّ رُقْيَتَهُ نَفْسَهُ وَغَيْرَهُ مِن جِنْسِ الدُّعَاءِ لِنَفْسِهِ وَلغَيْرِهِ، وَهَذَا مَأْمُورٌ بِهِ. وَمَا يُرْوَى أَنَّ الْخَلِيلَ لَمَّا ألْقِيَ فِي الْمَنْجَنِيقِ قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: سَلْ، قَالَ: "حَسْبِي مِن سُؤَالِي عِلْمُهُ بِحَالِي" لَيْسَ لَهُ إسْنَاد مَعْرُوفُ وَهُوَ بَاطِلٌ؛ بَل الَّذِي ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" (١) عَن ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّه قَالَ:"حَسْبِي اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ"، قَالَهَا إبْرَاهِيمُ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ حِينَ: ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] .. وَقَد رُوِيَ أَنَّ جِبْرِيلَ قَالَ: هَل لَك مِن حَاجَةٍ؟ قَالَ: "أَمَّا إلَيْك فَلَا"، وَقَد ذَكَرَ هَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ. وَأَمَّا سؤَالُ الْمَخْلُوقِ الْمَخْلُوقَ أَنْ يَقْضِيَ حَاجَةَ نَفْسِهِ أَو يَدْعُوَ لَهُ: فَلَمْ يُؤمَرْ بِهِ. بِخِلَافِ: ١ - سُؤَالِ الْعِلْمِ؛ فَإِنَّ اللهَ أَمَرَ بِسُؤَالِ الْعِلْمِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]. وَهَذَا لِأَنَّ الْعِلْمَ: أ - يَجِبُ بَذْلُهُ، فَمَن سُئِلَ عَن عِلْمٍ يَعْلَمُهُ فَكَتَمَهُ أَلْجَمَهُ اللَّه بِلِجَامٍ مِن نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

стр. 143

ب- وَهُوَ يَزْكُو عَلَى التَّعْلِيمِ لَا يَنْقُصُ بِالتَّعْلِيمِ، كَمَا تَنْقُصُ الْأَمْوَالُ بِالْبَذْلِ؛ وَلهَذَا يُشَبَّهُ بِالْمِصْبَاحِ. ٢ - وَكَذَلِكَ مَن لَهُ عِنْدَ غَيْرِهِ حَقٌّ مِن عَيْنٍ أَو دَيْنٍ كَالْأَمَانَاتِ مِثْل الْوَدِيعَةِ وَالْمُضَارَبَةِ لِصَاحِبِهَا أَنْ يَسْألَهَا مِمَن هِيَ عِنْدَه. ٣ - وَكَذَلِكَ مَالُ الْفَيءِ وَغَيْرِهِ مِن الْأمْوَالِ الْمُشْتَرَكَةِ الَّتِي يَتَوَلَّى قِسْمَتَهَا وَلِيُّ الْأَمْرِ. ٤ - وَمِن هَذَا الْبَابِ سُؤَالُ النَّفَقَةِ لِمَن تَجِبُ عَلَيْهِ. ٥ - وَسُؤَالُ الْمُسَافِرِ الضِّيَافَةَ لِمَن تَجِبُ عَلَيْهِ، كَمَا اسْتَطْعَمَ مُوسَى وَالْخَضِرُ أَهْلَ الْقَرْيَةِ. ٦ - وَكَذَلِكَ الْغَرِيمُ لَهُ أَنْ يَطْلُبَ دَيْنَهُ مِمَن هُوَ عَلَيْهِ. ٧ - وَكُل وَاحِدٍ مِن الْمُتَعَاقِدَيْنِ لَهُ أَنْ يَسْأَلَ الْآخَرَ أَدَاءَ حَقِّهِ إلَيْهِ، فَالْبَائِعُ يَسْأَلُ الثَّمَنَ وَالْمُشْتَرِي يَسْأَلُ الْمَبِيعَ. ٨ - وَمِن هَذَا الْبَابِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١]. وَقَد يَكُونُ السُّؤَالُ مَنْهِيًّا عَنْهُ نَهْيَ تَحْرِيم أَو تَنْزِيهٍ، وَإِن كَانَ الْمَسْؤُولُ مَأُمُورًا بِإِجَابَةِ سُؤَالِهِ؛ فَالنَّبِيُّ ﷺ كَانَ مِن كَمَالِهِ أنْ يُعْطِيَ السَّائِلَ وَهَذَا فِي حَقِّهِ مِن فَضَائِلِهِ وَمَنَاقِبِهِ وَهُوَ وَاجِبٌ أَو مُسْتَحَبٌّ، وَإِن كَانَ نَفْسُ سُؤَالِ السَّائِلِ مَنْهِيُّا عَنْهُ. وَلهَذَا لَمْ يُعْرَفْ قَطّ أَنَّ الصِّدِّيقَ وَنَحْوَهُ مِن أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ سَألُوهُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، وَلَا سَألُوة أَنْ يَدْعُوَ لَهُمْ، وَإِن كَانُوا يَطْلُبُونَ مِنْة أنْ يَدْعُوَ لِلْمُسْلِمِينَ. وَكَانَت عَائِشَةُ إذَا أَرْسَلَتْ إلَى قَوْمٍ بِصَدَقَةٍ تَقُولُ لِلرَّسُولِ: "اسْمَعْ مَا يَدْعُونَ بِهِ لنا حَتَّى نَدْعُوَ لَهُم بِمِثْل مَا دَعَوْا لنَا، ويبْقَى أَجْرُنَا عَلَى اللهِ".

стр. 144

وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إذَا قَالَ لَك السَّائِلُ: بَارَكَ اللهُ فِيك فَقُلْ: وَفِيك بَارَكَ اللهُ. فَمَن عَمِلَ خَيْرًا مَعَ الْمَخْلُوقِينَ سَوَاءٌ كَانَ الْمَخْلُوقُ نَبِيًّا أَو رَجُلًا صَالِحًا أَو مَلِكا مِن الْمُلُوكِ أَو غَنِيًّا مِن الْأَغْنِيَاءِ: فَهَذَا الْعَامِلُ لِلْخَيْرِ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ خَالِصًا للهِ يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللهِ، لَا يَطْلُبُ بِهِ مِن الْمَخْلُوقِ جَزَاءً وَلَا دُعَاءً وَلَا غَيْرَهُ، لَا مِن نَبِيٍّ وَلَا رَجُلٍ صَالِحٍ وَلَا مِن الْمَلَائِكَةِ؛ فَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْعِبَادَ كُلَّهُم أَنْ يَعْبُدُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ. وَهَذَا هُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ الَّذِي بَعَثَ اللهُ بِهِ الْأَوَّلينَ والآخرين مِن الرُّسُلِ. فَكُلُّ مَا يَفْعَلُهُ الْمُسْلِمُ مِن الْقُرَبِ الْوَاجِبَةِ وَالْمُسْتَحَبَّةِ كَالْإِيمَانِ باللهِ وَرَسُولِهِ، وَالْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ، وَمَحَبَّةِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَالْإِحْسَانِ إلَى عِبَادِ اللهِ بِالنَّفْعِ وَالْمَالِ: هُوَ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَفْعَلَهُ خَالِصًا للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا يَطْلُبُ مِن مَخْلُوقٍ عَلَيْهِ جَزَاءً: لَا دُعَاءً وَلَا غَيْرَ دُعَاءٍ، فَهَذَا مِمَّا لَا يَسُوغُ أَنْ يَطْلُبَ عَلَيْهِ جَزَاءً لَا دُعَاءً وَلَا غَيْرَهُ. وَحَيْثُ أَمَرَ الْأُمَّةَ بِالدُّعَاءِ لَهُ- أي: للنَّبِيّ ﷺ فَذَاكَ مِن بَابِ أَمْرِهِمْ بِمَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، كَمَا يَأْمُرُهُم بِسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ والمستحبات، وَإِن كَانَ هُوَ يَنْتَفِعُ بِدُعَائِهِمْ لَهُ، فَهُوَ أَيْضًا يَنْتَفِعُ بِمَا يَأْمُرُهُم بِهِ مِن الْعِبَادَاتِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ؛ فَإِنَّهُ ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ (١) أَنَّهُ قَالَ: "مَن دَعَا إلَى هُدًى كانَ لَهُ مِن الْأَجْرِ مِثْلُ أجُورِ مَن اتبَعَهُ مِن غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِن أجُورِهِمْ شَيءٌ"، وَمُحَمَّدٌ ﷺ هُوَ الدَّاعِي إلَى مَا تَفْعَلُهُ أُمَّتُهُ مِن الْخَيْرَاتِ، فَمَا يَفْعَلُونَهُ لَهُ فِيهِ مِن الْأَجْرِ مِثْلُ اجُورِهِمْ مِن غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِن اجُورِهِمْ شَيْءٌ. وَلهَذَا لَمْ تَجْرِ عادَةُ السَّلَفِ بِأَنْ يُهْدُوا إلَيْهِ ثَوَابَ الْأَعْمَالِ؛ لِأَنَّ لَهُ مِثْل ثَوَابِ أَعْمَالِهِمْ بِدُونِ الْإِهْدَاءِ مِن غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِن ثَوَابِهِم شيء.

стр. 145

وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْأَبَوَانِ؛ فَإنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَا يَفْعَلُهُ الْوَلَدُ يَكُون لِلْوَالِدِ مِثْلُ أَجْرِهِ (١)، وَإِنَّمَا يَنْتَفِعُ الْوَالِدُ بِدُعَاءِ الْوَلَدِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يَعُودُ نَفْعُهُ إلَى الْأَبِ، كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ (٢): "إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِن ثَلَاث: صَدَقَة جَارِية، وَعِلْم يُنْتَفَعُ بِهِ، وَوَلَد صَالِح يَدْعُو لَهُ". فَالنَّبِيُّ ﷺ فِيمَا يَطْلُبُة مِن أُمَّتِهِ مِن الدُّعَاءِ -طَلَبُهُ طَلَبُ أَمْرٍ وَتَرْغِيب، لَيْسَ بِطَلَبِ سُؤَالٍ. فَمِن ذَلِكَ: أَمْرُهُ لنَا بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ. وَمِن ذَلِكَ أَمْرُهُ بِطَلَبِ الْوَسِيلَةِ وَالْفَضِيلَةِ وَالْمَقَامِ الْمَحْمُودِ. وَمِن هَذَا الْبَابِ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِي وَصَحَّحَهُ وَابْنُ مَاجَه أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اسْتَأذَنَ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْعُمْرَةِ فَأَذِنَ لَهُ ثُمَّ قَالَ: "لَا تَنْسَنَا يَا أَخِي مِن دُعَائِك"، فَطَلَبُ النَّبِيِّ ﷺ من عُمَرَ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ كَطَلَبِهِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ ويُسَلِّمَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَسْأَلَ اللهَ لَهُ الْوَسِيلَةَ وَالدَّرَجَةَ الرَّفِيعَةَ، وَهُوَ كَطَلَبِهِ أَنْ يَعْمَلَ سَائِرَ الصَّالِحَاتِ، فَمَقْصُودُهُ نَفْعُ الْمَطْلُوب مِنْهُ وَالْإِحْسَانُ إلَيْهِ، وَهُوَ ﷺ أَيْضًا يَنْتَفِعُ بِتَعْلِيمِهِم الْخَيْرَ وَأَمْرِهِمْ بِهِ، وَيَنْتَفِعُ أيْضًا بِالْخَيْرِ الَّذِي يَفْعَلُونَهُ مِن الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَمِن دُعَائِهِمْ لَهُ. وَمَن قَالَ لِغَيْرِهِ مِن النَّاسِ: اُدْع لِي -أَو لَنَا- وَقَصَدَ أَنْ يَنْتَفِعَ ذَلِكَ الْمَأمُورُ بِالدُّعَاءِ وَيَنْتَفِعَ هُوَ أَيْضا بِأَمْرِهِ ويفْعَلَ ذَلِكَ الْمَأْمُورُ بِهِ كَمَا يَأْمُرُهُ بِسَائِرِ فِعْلِ الْخَيْرِ: فَهُوَ مُقْتَدٍ بِالنَبِيِّ ﷺ ، مُؤْتَمٌّ بِهِ، لَيْسَ هَذَا مِن السُّؤَالِ الْمَرْجُوحِ.
следующие страницы →