Полный текст (3 539 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
الْحَاجَةُ وَالْعُذْرُ، فَإِذَا احْتَاجَ إلَيْهِ جَمَعَ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ وَالطَّوِيلِ، وَكَذَلِكَ الْجَمْعُ لِلْمَطَرِ وَنَحْوِهِ وَللْمَرَضِ وَنَحْوِهِ وَلغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْبَابِ.
فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ رَفْعُ الْحَرَجِ عَنِ الْأُمَّةِ.
وَلَمْ يَرِدْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ جَمَعَ فِي السَّفَرِ وَهُوَ نَازِلٌ إلَّا فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ.
وَلهَذَا تَنَازَعَ الْمُجَوِّزُونَ لِلْجَمْعِ؛ كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد: هَل يَجُوزُ الْجَمْعُ لِلْمُسَافِرِ النَّازِلِ؟
فَمَنَعَ مِنْهُ مَالِكٌ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْه (١) .
وَجَوَّزَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد فِي الرِّوَايَةِ الْأخْرَى.
وَمَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ الْجَمْعَ إلَّا بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ. [٢٢/ ٢٩٠ - ٢٩٢]
٢٧٩٤ - قَالَ : ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، فَأَبَاحَ اللهُ الْقَصْرَ مِن عَدَدِهَا وَالْقَصْرَ مِن صِفَتِهَا؛ وَلهَذَا عَلَّقَهُ بِشَرْطَيْنِ: السَّفَرِ، وَالْخَوْفِ.
فَالسَّفَرُ: يُبِيحُ قَصْرَ الْعَدَدِ فَقَطْ .. وَالْخَوْفُ يُبِيحُ قَصْرَ صِفَتِهَا. [٢٢/ ٥٤١]
٢٧٩٥ - إِنَّ الْمُسْلِمِينَ قَد نَقَلُوا بِالتَّوَاتُرِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُصَلِّ فِي السَّفَرِ إلَّا رَكْعَتَيْنِ، وَلَمْ يَنْقُلْ عَنْهُ أَحَدٌ أَنَّهُ صَلَّى أَرْبَعًا قَطُّ، وَلَكِنَّ الثَّابِتَ عَنْهُ أَنَّهُ صَامَ فِي السَّفَرِ وَأَفْطَرَ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ مِنْهُم الصَّائِمُ وَمِنْهُم الْمُفْطِرُ.
وَأَمَّا الْقَصْرُ فَكُلُّ الصَّحَابَةِ كَانُوا يَقْصُرُونَ، مِنْهُم أَهْلُ مَكَّةَ وَغَيْرُ أَهْلِ مَكَّةِ، بِمِنَى وَعَرَفَةَ وَغَيْرِهِمَا. الحواشي
(١) وهو الذي يميل إليه الشيخ لكنه لم يجزم به، وأما الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀، فيرى أن الجمع للمسافر وقت النزول لا بأس به، ولكن تركه أفضل. انظر: مجموع فتاوى ابن باز (١٢/ ٢٩٧).
وهو اختيار العلَّامة محمد بن صالح العثيمين ﵀ حيث قال: "والصحيح أن الجمع للمسافر جائز لكنه في حق السائر مستحب، وفي حق النازل جائز غير مستحب، إن جمع فلا بأس، وإن ترك فهو أفضل". الشرح الممتع (٤/ ٥٥٠ - ٥٥٣).стр. 2032
وَقَد تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي التَّرْبِيعِ .. وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ قَوْلُ مَن يَقُولُ إنَّهُ سُنَّة وَأَنَّ الْإِتْمَامَ مَكْرُوهٌ؛ وَلهَذَا لَا تَجِبُ نِيَّةُ الْقَصْرِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَد فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ عَنْهُ فِي مَذْهَبِهِ. [٢٤/ ٨ - ٩]
٢٧٩٦ - تتازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُسَافِرِ إذَا صَلَّى أَرْبَعًا، فَقِيلَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ.
وَقِيلَ: يَجُوزُ.
وَلَكِنَّ الْقَصْرَ أَفْضَلُ عِنْدَ عَامَّتِهِمْ - لَيْسَ فِيهِ إلَّا خِلَافٌ شَاذٌّ، وَلَا يَفْتَقِرُ الْقَصْرُ إلَى نِيَّةٍ؛ بَل لَو دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ يَنْوِي أَنْ يُصَلِّيَ أرْبَعًا (١) -اتِّبَاعًا لِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَقَد كَانَ ﷺ لَمَّا حَجَّ بِالْمُسْلِمِينَ حِجَّةَ الْوَدَاعِ يُصَلِّي بِهِم رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ إلَى أَنْ رَجَعَ، وَجَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَالْمُسْلِمُونَ خَلْفَهُ وَيُصَلِّي بِصَلَاتِهِ أهْلُ مَكَةَ وَغَيْرُهُم جَمْعًا وَقَصْرًا، وَلَمْ يَأْمُرْ أَحَدًا أنْ يَنْوِيَ لَا جَمْعًا وَلَا قَصْرًا.
وَالصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ أَنَّ أَهْلَ مَكةَ يَقْصُرُونَ وَيَجْمَعُونَ هُنَاكَ كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ هُنَاكَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَخُلَفَائِهِ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَن أَحَدٍ مِن الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ قَالَ لَهُم هُنَاكَ: أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ، وَلَكِنْ نُقِلَ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ لَمَّا صَلَّى بِهِم دَاخِلَ مَكَّةَ، وَكَذَلِكَ كَانَ عُمَرُ يَأَمُرُ أَهْلَ مَكَّةَ بِالْإِتْمَامِ إذَا صَلَّى بِهِم فِي الْبَلَدِ، وَأَمَّا بِمِنَى فَلَمْ يَكُن يَأْمُرُهُم بِذَلِكَ.
وَقَد تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي قَصْرِ أَهْلِ مَكَّةَ خَلْفَهُ: فَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ لِأَجْلِ النُّسُكِ، فَلَا يَقْصُرُ الْمُسَافِرُ سَفَرًا قَصِيرًا هُنَاكَ، وَقِيلَ: بَل كَانَ ذَلِكَ لِأَجْلِ السَّفَرِ، وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَد.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي هُوَ الصَّوَابُ، وَهُوَ أَنَّهُم قَصَرُوا لِأَجْلِ سَفَرِهِمْ، وَلهَذَا لَمْ يَكُونُوا يَقْصُرُونَ بِمَكَّةَ وَكَانُوا مُحْرِمِينَ. الحواشي
(١) أي: فيقصُر ولو نوى الإتمام.стр. 2033
وَالْقَصْرُ مُعَلَّق بِالسَّفَرِ وُجُودًا وَعَدَمًا، فَلَا يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ إلا مُسَافِرٌ.
وَقَد تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ: هَل يَخْتَصُّ بِسَفَرٍ دُونَ سَفَرٍ، أَمْ يَجُوزُ فِي كُلِّ سَفَرٍ؟
وَأَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي كُلِّ سَفَرٍ قَصِيرًا كَانَ أَو طَوِيلًا، كَمَا قَصَرَ أَهْلُ مَكَّةَ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ بِعَرَفَةَ وَمِنًى، وَبَيْنَ مَكَّةَ وَعَرَفَةَ نَحْوُ بَرِيدٍ: أَرْبَعِ فَرَاسِخَ.
وَأَيْضًا: فَلَيْسَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ يَخُصَّانِ بِسَفَرٍ دُونَ سَفَرٍ: لَا بِقَصْرٍ وَلَا بِفِطْر، وَلَا تَيَمُّمٍ، وَلَمْ يَحُدَّ النَّبِيُّ ﷺ مَسَافَةَ الْقَصْرِ بِحَدّ لَا زَمَانِيِّ وَلَا مَكَانِيٍّ، وَالْأَقْوَالُ الْمَذْكُورَةُ فِي ذَلِكَ مُتَعَارِضَةٌ، لَيْسَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا حُجَّةٌ وَهِيَ مُتَنَاقِضَةٌ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَحُدَّ ذَلِكَ بِحَدٍّ صَحِيحٍ.
فَإِنَّ الْأَرْضَ لَا تُذْرَعُ بِذَرْع مَضْبُوطٍ فِي عَامَّةِ الْأَسْفَارِ، وَحَرَكَةُ الْمُسَافِرِ تَخْتَلِفُ.
وَالْوَاجِبُ أَنْ يُطْلَقَ مَا أَطْلَقَهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ ﷺ ، وَيُقَيَّدَ مَا قَيَّدَهُ، فَيَقْصُرُ الْمُسَافِرُ الصَّلَاةَ فِي كُلِّ سَفَرٍ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الأحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالسَّفَرِ مِن الْقَصْرِ، وَالصَّلَاةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ.
وَمَن قَسَّمَ الْأَسْفَارَ إلَى قَصِيرٍ وَطَوِيلٍ وَخَصَّ بَعْضَ الْأحْكَامِ بِهَذَا وَبَعْضَهَا بِهَذَا وَجَعَلَهَا مُتَعَلِّقَة بِالسَّفَرِ الطَّوِيلِ: فَلَيْسَ مَعَهُ حُجَّةٌ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهَا. [٢٤/ ١٠ - ١٣]
٢٧٩٧ - سافَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَرِيبًا مِن ثَلَاثِينَ سَفْرَة وَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فِي أَسْفَارِهِ وَلَمْ يَنْقُلْ عَنْهُ أَحَدٌ مِن أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ صَلَّى فِي السَّفَرِ الْفَرْضَ أَرْبَعًا قَطُّ (١) . الحواشي
(١) فهل يُعقل أنْ يُسافر كل هذه السفرات ولا يبين لأصحابه المسافة التي يجوز فيها القصر، ولا يحدد لهم الأيام التي لا يقصرون فيها إذا تجاوزوها؟ ولا ينقل أصحابه ذلك، ولا يسألون ولا يُسألون؟
كل هذا يبيِّن ويؤكد أن التحديد لا يقومُ عليه دليل صحيح صريح، والأصل في المسافر القصر حتى يرجع.стр. 2034
فَثَبَتَ بِهَذِهِ السُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ أَنَّ صَلَاةَ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ، كَمَا أَنَّ صَلَاةَ الْحَضَرِ أَرْبَعٌ، فَإِنَّ عَدَدَ الرَّكَعَاتِ إنَّمَا أُخِذَ مِن فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي سَنَّهُ لِأُمَّتِهِ.
وَبَطَلَ قَوْلُ مَن يَقُولُ مِن أَصْحَاب أَحْمَد وَالشَّافِعِيَّ: إنَّ الْأَصْلَ أَرْبَعٌ وَإِنَّمَا الرَّكْعَتَانِ رُخْصَةٌ، وَبَنَوْا عَلَى هَذَا: أَنَّ الْقَاصِرَ يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ الْقَصْرِ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ قَوْلُ الخرقي وَالْقَاضِي وَغَيْرِهِمَا.
بَل الصَّوَابُ مَا قَالَهُ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ الْقَصْرَ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ؛ بَل دُخُولُ الْمُسَافِرِ فِي صَلَاتِهِ كَدُخُولِ الْحَاضِرِ؛ بَل لَو نَوَى الْمُسافِرُ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا لَكُرِهَ لَهُ ذَلِكَ، وَكَانَت السُّنَّةُ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، وَنُصُوصُ الْإِمَامِ أَحْمَد إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ.
وَقَد تَنَازَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي التَّرْبِيعِ فِي السَّفَرِ: هَل هُوَ مُحَرَّمٌ؟ أَو مَكرُوهٌ؟ أَو تَرْكُ الْأَفْضَلِ. أَو هُوَ أَفْضَلُ. عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ.
وإنما الْمُتَوَجِّهُ أَنْ يَكونَ التَّرْبِيعُ إمَّا مُحَرَّمٌ أَو مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّ طَائِفَةً مِن الصَّحَابَةِ كَانُوا يُرَبِّعُونَ وَكَانَ الْآخَرُونَ لَا يُنْكِرُونَهُ عَلَيْهِم إنْكَارَ مَن فَعَلَ الْمُحَرَّمَ؛ بَل إنْكَارَ مَن فَعَلَ الْمَكْرُوهَ.
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] فَهُنَا عَلَّقَ الْقَصْرَ بِسَبَبَيْنِ:
أ- الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ.
ب- وَالْخَوْفِ مِن فِتْنَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا.
لِأَنَّ الْقَصْرَ الْمُطْلَقَ يَتَنَاوَلُ:
أ- قَصْرَ عَدَدِهَا.
ب- وَقَصْرَ عَمَلِهَا وَأَرْكَانِهَا؛ مِثْل الْإِيمَاءِ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَهَذَا الْقَصْرُ إنَّمَا يَشْرَعُ بِالسَّبَبَيْنِ كِلَاهُمَا، كُلُّ سَبَبٍ لَة قَصْرٌ.
стр. 2035
فَالسَّفَر: يَقْتَضِي قَصْرَ الْعَدَدِ، وَالْخَوْفُ يَقْتَضِي قَصْرَ الْأَرْكَانِ.
وَلَو قِيلَ: إنَّ الْقَصْرَ الْمُعَلَّقَ هُوَ قَصْرُ الْأَرْكَانِ فَإِنَّ صَلَاةَ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ لَكَانَ وَجِيهًا؛ وَلهَذَا قَالَ: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٣]. [٢٢/ ٧٨ - ٨٣]
٢٧٩٨ - الْأسْمَاءُ الَّتِي عَلَّقَ اللهُ بِهَا الْأَحْكَامَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ:
أ- مِنْهَا مَا يُعْرَفُ حَدُّهُ وَمُسَمَّاهُ بِالشَّرْعِ، فَقَد بَيَّنَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ؛ كَاسْمِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَالْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ.
ب- وَمِنْهُ مَا يُعْرَفُ حَدُّهُ بِاللُّغَةِ؟ كَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَالْبَرِّ.
ج- وَمِنْهُ مَا يَرْجِعُ حَدُّهُ إلَى عَادَةِ النَّاسِ وَعُرْفِهِمْ، فَيَتَنَوَّعُ بِحَسَبِ عَادَتِهِمْ؛ كَاسْمِ الْبَيْعِ وَالنِّكَاح وَالْقَبْضِ وَالدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الَّتِي لَمْ يَحُدَّهَا الشَّارعُ بِحَدٍّ وَلَا لَهَا حَدٌّ وَاحِدٌ يَشْتَرِكُ فِيهِ جَمِيعُ أَهْلِ اللُّغَةِ؛ بَل يَخْتَلِفُ قَدْرُهُ وَصِفَتُهُ بِاخْتِلَافِ عَادَاتِ النَّاسِ.
فَمَا كَانَ مِنَ النَّوْعِ الْأَوَّلِ فَقَد بَيَّنَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ.
وَمَا كَانَ مِنَ الثَّانِي وَالثَّالِثِ فَالصَّحَابَة وَالتَّابِعُونَ الْمُخَاطَبُونَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ قَد عَرَفُوا الْمُرَادَ بِهِ؛ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِمُسَمَّاهُ الْمَحْدُودِ فِي اللُّغَةِ، أَو الْمُطْلَقِ فِي عُرْفِ النَّاسِ وَعَادَتِهِم مِن غَيْرِ حَدٍّ شَرْعِيٍّ وَلَا لُغَوِيٍّ، وَبِهَذَا يَحْصُل النَّفَقُّهُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَالِاسْمُ إذَا بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ حَدَّ مُسَمَّاهُ لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَكونَ قَد نَقَلَهُ عَنِ اللُّغَةِ أَو زَادَ فِيهِ.
وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَمَا أَطْلَقَهُ اللهُ مِنَ الْأَسْمَاءِ وَعَلَّقَ بِهِ الْأَحْكَامَ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ لَمْ يَكُن لِأَحَدٍ أنْ يُقَيِّدَهُ إلَّا بِدَلَالَةٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ.
стр. 2036
فَمِن ذَلِكَ اسْمُ الْمَاءِ مُطْلَقٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَمْ يُقَسّمْهُ النَّبِيُّ ﷺ إلَى قِسْمَيْنِ: طَهُورٌ وَغَيْرُ طَهُورٍ، فَهَذَا التَّقْسِيمُ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
فصلٌ
وَاللهُ وَرَسُولُهُ عَلَّقَ الْقَصْرَ وَالْفِطْرَ بِمُسَمَّى السَّفَرِ، وَلَمْ يَحُدَّهُ بِمَسَافَةٍ وَلَا فَرْقٍ بَيْنَ طَوِيل وَقَصِيرٍ، وَلَو كَانَ لِلسَّفَرِ مَسَافَةٌ مَحْدُودَة لَبَيَّنَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَلَا لَهُ فِي اللُّغَةِ مَسَافَةٌ مَحْدُودَة، فَكُلَّمَا يُسَمِّيهِ أَهْلُ اللُّغَةِ سَفَرًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ الْقَصْرُ وَالْفِطْرُ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَقَد قَصَرَ أَهْلُ مَكَةَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إلَى عَرَفَاتٍ وَهِيَ مِن مَكَّةَ بَرِيدٌ، فَعُلِمَ أَنَّ التَّحْدِيدَ بِيَوْمٍ أَو يَوْمَيْنِ أَو ثَلَاثَةٍ لَيْسَ حَدًّا شَرْعِيًّا عَامًّا.
وَمَا نقِلَ فِي ذَلِكَ عَنِ الصَّحَابَةِ قَد يَكُون خَاصُّا: كَانَ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ، لَا يَكُونُ السَّفَرُ إلا كَذَلِكَ، وَلهَذَا اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَن كُلٍّ مِنْهُم كَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمَا، فَعُلِمَ أَنَّهُم لَمْ يَجْعَلُوا لِلْمُسَافِرِ وَلَا الزَّمَانِ حَدًّا شَرْعِيًّا عَامًّا كَمَوَاقِيتِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ؛ بَل حَدُّوهُ لِبَعْضِ النَّاسِ بِحَسَبِ مَا رَأَوْهُ سَفَرًا لِمِثْلِهِ فِي تِلْكَ الْحَالِ، وَكَمَا يَحُدُّ الْحَادُّ الْغَنِيّ وَالْفَقِير فِي بَعْضِ الصُّوَرِ بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ، لَا لِأَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ لِلْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ مِقْدَارًا مِنَ الْمَالِ يَسْتَوِي فِيهِ النَّاسُ كُلُّهُمْ؛ بَل قَد يَسْتَغْنِي الرَّجُلُ بِالْقَلِيلِ وَغَيْرُهُ لَا يُغْنِيهِ أَضْعَافُهُ؛ لِكَثْرَةِ عِيَالِهِ وَحَاجَاتِهِ وَبِالْعَكْسِ.
وَبَعْضُ النَّاسِ قَد يَقْطَعُ الْمَسَافَةَ الْعَظِيمَةَ وَلَا يَكُونُ مُسَافِرًا، كَالْبَرِيدِ إذَا ذَهَبَ مِنَ الْبَلَدِ لِتَبْلِيغِ رِسَالَةٍ أَو أَخْذِ حَاجَةٍ ثُمَّ كَرَّ رَاجِعًا مِن غَيْرِ نُزُولٍ، فَإِنَّ هَذَا لَا يُسَمَّى مُسَافِرًا، بِخِلَافِ مَا إذَا تَزَوَّدَ زَادَ الْمُسَافِرِ وَبَاتَ هُنَاكَ فَإِنَّهُ يُسَمَّى مُسَافِرًا، وَتَلْكَ الْمَسَافَةُ يَقْطَعُهَا غَيْرُهُ فَيَكُونُ مُسَافِرًا يَحْتَاجُ أَنْ يَتَزَوَّدَ لَهَا ويبِيتَ بِتِلْكَ الْقَرْيَةِ وَلَا يَرْجِعُ إلَّا بَعْدَ يَوْمٍ أَو يَوْمَيْنِ؛ فَهَذَا يُسَمِّيه النَّاسُ. مُسَافِرًا، وَذَلِكَ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهَا طَرْدا وَكَرَّ رَاجِعًا عَلَى عَقِبِهِ لَا يُسَمُّونَهُ مُسَافِرًا وَالْمَسَافَةُ وَاحِدَةٌ.
стр. 2037
فَالسَّفَرُ حَالٌ مِن أَحْوَالِ السَّيْرِ لَا يُحَدُّ بِمَسَافَةٍ وَلَا زَمَانٍ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْهَبُ إلَى قُبَاء كُلَّ سَبْتٍ رَاكِبًا وَمَاشِيًا وَلَمْ يَكن مُسَافِرًا، وَكَانَ النَّاسُ يَأْتُونَ الْجُمُعَةَ مِنَ الْعَوَالِي وَالْعَقِيقِ ثُمَّ يُدْرِكُهُم اللَّيْلُ فِي أَهْلِهِمْ وَلَا يَكُونُونَ مُسَافِرِينَ، وَأَهْلُ مَكَّةَ لَمَّا خَرَجُوا إلَى مِنَى وَعَرَفَةَ كَانُوا مُسَافِرِينَ يَتَزَوَّدُونَ لِذَلِكَ وَيَبِيتُونَ خَارجَ الْبَلَدِ وَيَتَأَهَّبُونَ أُهْبَةَ السَّفَرِ، بِخِلَافِ مَن خَرَجَ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَو غَيْرِهَا مِنَ الْحَاجَاتِ ثُمَّ رَجَعَ مِن يَوْمِهِ وَلَو قَطَعَ بَرِيدًا، فَقَد لَا يُسَمَّى مُسَافِرًا.
وَمَا زَالَ النَاسُ يَخْرُجُونَ مِن مَسَاكِنِهِمْ إلَى الْبَسَاتِينِ الَّتِي حَوْلَ مَدِينَتِهِمْ، ويعْمَلُ الْوَاحِد فِي بُسْتَانِهِ أَشْغَالًا مِن غَرْسٍ وَسقْيٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا كَانَتِ الْأَنْصَارُ تَعْمَلُ فِي حِيطَانِهِمْ وَلَا يُسَمَّوْنَ مُسَافِرِينَ.
وَلَو أَقَامَ أَحَدُهُم طُولَ النَّهَارِ وَلَو بَاتَ فِي بُسْتَانِهِ وَأَقَامَ فِيهِ أَيَّامًا، وَلَو كَانَ الْبُسْتَانُ أَبْعَدَ مِن بَرِيدٍ؛ فَإِنَّ الْبُسْتَانَ مِن تَوَابِعِ الْبَلَدِ عِنْدَهُمْ، وَالْخُرُوجُ إلَيْهِ كَالْخُرُوجِ إلَى بَعْضِ نَوَاحِي الْبَلَدِ.
وَالْبَلَدُ الْكَبِيرُ الَّذِي يَكُونُ أَكْثَرَ مِن بَرِيدٍ مَتَى سَارَ مِن أَحَدِ طَرَفَيْهِ إلَى الْآخَرِ لَمْ يَكن مُسَافِرًا.
فَالنَّاسُ يُفَرِّفونَ بَيْنَ الْمُتَنَقِّلِ فِي الْمَسَاكِنِ وَمَا يَتْبَعُهَا، وَبَيْنَ الْمُسَافِرِ الرَّاحِلِ عَن ذَلِكَ كُلِّهِ، كَمَا كَانَ أَهْلُ مَدِينَةِ النَّبِيِّ ﷺ يَذْهَبُونَ إلَى حَوَائِطِهِمْ وَلَا يَكُونُونَ مُسَافِرِينَ، وَالْمَدِينَةُ لَمْ يَكُن لَهَا سُورٌ؛ بَل كَانَت قَبَائِلَ قَبَائِلَ، وَدُورًا دُورًا، وَبَيْنَ جَانِبَيْهَا مَسَافَةٌ كَبِيرَةٌ، فَلَمْ يَكُنِ الرَّاحِلُ مِن قَبِيلَةٍ إلَى قَبِيلَةٍ مُسَافِرًا، وَلَو كَانَ كُلُّ قَبِيلَةٍ حَوْلَهُم حِيطَانُهُم وَمَزَارِعُهُمْ، فَإِنَّ اسْمَ الْمَدِينَةِ كَانَ يَتَنَاوَلُ هَذَا كُلَّهُ (١) . الحواشي
(١) مثال ذلك: لو أن رجلًا ذهب إلى مكان قرب مدينته للتنزه ونحوه، كروضة السبلة لأهل الزلفي، ومكث فيها أيامًا لا يرجع إلى أهله، فلا يترخص برخص السفر؛ لأنها داخلة حكمًا في المدينة.стр. 2038
يَقُولُ الْقَائِلُ: ذَهَبْت إلَى دِمَشْقَ أَو مِصْرَ أَو بَغْدَادَ أَو غَيْرِ ذَلِكَ وَسَكَنْت فِيهَا وَأَقَمْت فِيهَا مُدَّةً وَنَحْو ذَلِكَ، وَهُوَ إنَّمَا كَانَ سَاكِنًا خَارجَ السُّورِ فَاسْمُ الْمَدِينَةِ يَعُمُّ تِلْكَ الْمَسَاكِنَ كُلَّهَا.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْمُتَرَدِّدَ فِي الْمَسَاكِنِ لَا يُسَمَّى مُسَافِرًا، وَإِذَا كَانَ النَّاسُ يَعْتَادُونَ الْمَبِيتَ فِي بَسَاتِينِهِمْ وَلَهُم فِيهَا مَسَاكِنُ كَانَ خُرُوجُهُم إلَيْهَا كَخُرُوجِهِمْ إلَى بَعْضِ نَوَاحِي مَسَاكِنِهِمْ، فَلَا يَكُونُ الْمُسَافِرُ مُسَافِرًا حَتَّى يُسْفِرَ فَيَكْشِفَ وَيَظْهَرَ لِلْبَرِيَّةِ الْخَارِجَةِ عَنِ الْمَسَاكِنِ الَّتِي لَا يَسِيرُ السَّائِرُ فِيهَا؛ بَل يَظْهَرُ فِيهَا وَيَنْكَشِفُ فِي الْعَادَةِ. [١٩/ ٢٣٥ - ٢٤٧]
٢٧٩٩ - إِذَا جَدَّ السَّيْرُ بِالْمُسَافِرِ جَمَعَ سَوَاءٌ كَانَ سَفَرُهُ طَوِيلًا أَو قَصِيرًا كَمَا مَضَتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
وَلَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمَّا يُعَدُّ فِي الْعُرْفِ سَفَرًا؛ مِثْل أَنْ يَتَزَوَّدَ لَهُ، وَيبْرُزَ لِلصَّحْرَاءِ.
فَأمَّا إذَا كَانَ فِي مِثْل دِمَشْقَ وَهُوَ يَنْتَقِلُ مِن قُرَاهَا الشَّجَرِيَّةِ مِن قَرْيَةٍ إلَى قَرْيَةٍ كَمَا يَنْتَقِلُ مِنَ الصالحية إلَى دِمَشْقَ: فَهَذَا لَيْسَ بِمُسَافِر، كَمَا أَنَّ مَدِينَةَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَت بِمَنْزِلَةِ الْقُرَى الْمُتَقَارِبَةِ، عِنْدَ كُلِّ قَوْمٍ نَخِيلُهُم وَمَقَابِرُهُم وَمَسَاجِدُهُمْ: قُبَاء وَغَيْرِ قُبَاء، وَلَمْ يَكُن خُرُوجُ الْخَارجِ إلَى قُبَاء سَفَرًا، وَلهَذَا لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُة يَقْصُرُونَ فِي مِثْل ذَلِكَ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ [التوبة: ١٠١] فَجَمِيعُ الْأَبْنِيَةِ تَدْخلُ فِي مُسَمَّى الْمَدِينَةِ، وَمَا خَرَجَ عَن أَهْلِهَا فَهُوَ مِنَ الْأَعْرَابِ أَهْلِ الْعَمُودِ.
وَالْمُنْتَقِل مِنَ الْمَدِينَةِ مِن نَاحِيَةٍ إلَى نَاحِيَةٍ لَيْسَ بِمُسَافِر وَلَا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ.
وَلَكِنَّ هَذِهِ مَسَائِلُ اجْتِهَادٍ، فَمَن فَعَلَ مِنْهَا بِقَوْلِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ لَمْ يُنْكرْ عَلَيْهِ وَلَمْ يُهْجَرْ. [٢٤/ ١٤ - ١٦]
стр. 2039
٢٨٠٠ - تَنَازَعُوا فِي جَوَازِ الْجَمْعِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: فَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَجْمَعُ إلا بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ.
وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّهُ لَا يَجْمَعُ الْمُسَافِرُ إذَا كَانَ نَازِلًا، وَإِنَّمَا يَجْمَعُ إذَا كَانَ سَائِرًا؛ بَل عِنْد مَالِكٍ إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَنَّهُ يَجْمَعُ الْمُسَافِرُ وَإِن كَانَ نَازِلًا.
وَسَبَبُ هَذَا النِّزَاعِ مَا بَلَغَهُم مِن أَحَادِيثِ الْجَمْعِ، فَإِنَّ أَحَادِيثَ الْجَمْعِ قَلِيلَةٌ؛ فَالْجَمْعُ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَنْقُولٌ بِالتَّوَاتُرِ فَلَمْ يَتَنَازَعُوا فِيهِ.
وَأَبُو حَنِيفَةَ لَمْ يَقُلْ بِغَيْرِهِ لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي فِي "الصَّحِيحِ" أَنَّهُ قَالَ: "مَا رَأَيْت رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى صَلَاةً لِغَيْرِ وَقْتِهَا إلَّا صَلَاةَ الْفَجْرِ بمزدلفة وَصَلَاةَ الْمَغْرِبِ لَيْلَةَ جَمْع" (١) .
وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ: "فِي الْفَجْرِ لِغَيْرِ وَقْتِهَا" الَّتِي كَانَت عَادَتُهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا فِيهِ .. لَكِنْ بمزدلفة غَلَّسَ بِهَا تَغْلِيبها شَدِيدًا.
وَأَمَّا أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ فَبَلَغَتْهُم أَحَادِيثُ فِي الْجَمْعِ صَحِيحَةٌ؛ كَحَدِيثِ أَنَسٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَمُعَاذٍ وَكُلُّهَا مِنَ الصَّحِيحِ. [٢٤/ ٢٢ - ٢٣]
٢٨٠١ - وَأَمَّا الْجَمْعُ فَإِنَّمَا كَانَ يَجْمَعُ ﷺ بَعْضَ الْأَوْقَاتِ إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ وَكَانَ لَهُ عُذْرٌ شَرْعِيٌّ (٢) ، كَمَا جَمَعَ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ، وَكَانَ يَجْمَعُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ أَحْيَانًا.
كَانَ إذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ الزَّوَالِ أَخَّرَ الظُّهْرَ إلَى الْعَصْرِ ثُمَّ صَلَّاهُمَا جَمِيعًا، وَهَذَا ثَابِتٌ فِي "الصَّحِيحِ". الحواشي
(١) رواه مسلم(١٢٨٩) .(٢) هذا هو الأفضل، ولكن ليس على سبيل الوجوب، والشيخ لم يمنع الجمع للمسافر النازل.стр. 2040
وَأَمَّا إذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ الزَّوَالِ فَقَد رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلَّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، كَمَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِعَرَفَةَ، وَهَذَا مَعْرُوفٌ فِي "السُّنَنِ". [٢٤/ ٢٧]
٢٨٠٢ - أَوْسَعُ الْمَذَاهِبِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ: مَذْهَبُ الْإِمَامِ أحْمَد، فَإنَّهُ نصَّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ لِلْحَرَجِ وَالشُّغْلِ بِحَدِيثٍ رُوِيَ فِي ذَلِكَ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُ مِن أصْحَابِنَا: يَعْنِي: إذَا كَانَ هُنَاكَ شُغْلٌ يُبِيحُ لَهُ تَرْكَ الْجُمْعَةِ وَالْجَمَاعَةِ جَازَ لَهُ الْجَمْعُ. [٢٤/ ٢٨]
٢٨٠٣ - يَجُوزُ الْجَمْعُ لِلْوَحْلِ الشَّدِيدِ، وَالرِّيحِ الشَّدِيدَةِ الْبَارِدَةِ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ وَنحْوِ ذَلِكَ، وَإِن لَمْ يَكنِ الْمَطَرُ نَازِلًا فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ؛ وَذَلِكَ أَوْلَى مِن أَنْ يُصَلُّوا فِي بُيُوتِهِمْ؛ بَل تَرْكُ الْجَمْعِ مَعَ الصَّلَاةِ فِي الْبُيُوتِ بِدْعَةٌ مُخَالِفَة لِلسُّنَّةِ، إذِ السُّنَّةُ انْ تُصَلَّى الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ فِي الْمَسَاجِدِ جَمَاعَةً، وَذَلِكَ أَوْلَى مِنَ الصَّلَاةِ فِي الْبُيُوتِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
وَالصَّلَاةُ جَمْعًا فِي الْمَسَاجِدِ أَوْلَى مِنَ الصَّلَاةِ فِى الْبُيُوتِ مُفَرَّقَة بِاتِّفَاقِ الْأئِمَّةِ الَّذِينَ يجَوّزُونَ الْجَمْعَ؛ كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد. [٢٤/ ٢٩ - ٣٠]
٢٨٠٤ - الْفَرْقُ بَيْنَ السَّفَرِ الطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ لَا أَصْلَ لَهُ فِي كِتَابِ اللهِ وَلَا فِي سُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ ؛ بَلِ الْأَحْكامُ الَّتِي عَلَّقَهَا اللهُ بِالسَّفَرِ عَلَّقَهَا بِهِ مُطْلَقًا؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي آيَةِ الطَّهَارَةِ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء:١٠١]. [٢٤/ ٣٤]
٢٨٠٥ - وَأَمَّا الجمعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فَهَل يَجُوزُ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد:
أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ كَمَذْهَبِ الشَافِعِيِّ قِيَاسًا عَلَى الْقَصْرِ.
وَالثَّانِي: يَجُوزُ كَقَوْلِ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ شُرعَ فِي الْحَضَرِ لِلْمَرَضِ وَالْمَطَرِ فَصَارَ كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ إنَّمَا عِلَّتُهُ الْحَاجَةُ لَا السَّفَرُ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، فَإِنَّ الْجَمْعَ
стр. 2041
بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ لَيْسَ مُعَلَّقًا بِالسَّفَرِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ لِلْحَاجَةِ، بِخِلَافِ الْقَصْرِ. [٢٤/ ٣٧]
٢٨٠٦ - حَدُّ السَّفَرِ الَّذِي عَلَّقَ الشَّارعُ بِهِ الْفِطْرَ وَالْقَصْرَ: قِيلَ: ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَقِيلَ: يَوْمَيْنِ قَاصِدَيْنِ، وَقِيلَ: أَقَلُّ مِن ذَلِكَ حَتَّى قِيلَ: مِيلٌ.
وَاَلَّذِينَ حَدَّدُوا ذَلِكَ بِالْمَسَافَةِ مِنْهُم مَن قَالَ: ثَمَانِيَة وَأَرْبَعُونَ مِيلًا، وَقِيلَ: سِتَّة وَأَرْبَعُونَ، وَقِيلَ: خَمْسَة وَأَرْبَعُونَ، وَقِيلَ: أَرْبَعُونَ، وَهَذِهِ أَقْوَالٌ عَن مَالِكٍ.
وَقَد قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ المقدسي: لَا أَعْلَمُ لِمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْأَئِمَّةُ وَجْهًا (١) .
وَهُوَ كَمَا قَالَ ﵀ فَإِنَّ التَّحْدِيدَ بِذَلِكَ لَيْسَ ثَابِتًا بِنَصٍّ وَلَا إجْمَاعٍ وَلَا قِيَاسٍ.
وَأَيْضًا: فَالتَّحْدِيدُ بِالْأَمْيَالِ وَالْفَرَاسِخِ يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ مِقْدَارِ مِسَاحَةِ الْأَرْضِ، وَهَذَا أَمْرٌ لَا يَعْلَمُهُ إلَّا خَاصَّةُ النَّاسِ، وَمَن ذَكَرَهُ فَإِنَّمَا يُخْبِرُ بِهِ عَن غَيْرِهِ تَقْلِيدًا، وَلَيْسَ هُوَ مِمَّا يُقْطَعُ بِهِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يُقَدِّرْ الْأَرْضَ بِمِسَاحَةٍ أَصْلًا، فَكَيْفَ يُقَدِّرُ الشَّارعُ لِأُمَّتِهِ حَدًّا لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ فِي كَلَامِهِ وَهُوَ مَبْعُوثٌ إلَى جَمِيعِ النَّاسِ؟ الحواشي
(١) ونص كلامه كما في المغني (٢/ ١٩٠): وَلَا أَرَى لِمَا صَارَ إلَيْهِ الْأئِمَّةُ حُجَّةً؛ لِأنَّ أقْوَالَ الصَّحَابَةِ مُتَعَارِضَةٌ مُخْتَلِفَةْ، وَلَا حُجَّةَ فِيهَا مَعَ الِاخْتِلَافِ. وَقَد رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، خِلَافُ مَا احْتَجَّ بِهِ أَصْحَابُنَا.
ثُمَّ لَو لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ: لَمْ يَكُن فِي قَوْلِهِمْ حُجَّةٌ مَعَ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِعْلِهِ، وَإِذَا لَمْ تَثْبُتْ أَقْوَالُهُم امْتَنَعَ الْمَصِيرُ إلَى التقْدِيرِ الَّذِي ذَكَرُوهُ؛ لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِسُنَّةِ النبِيِّ ﷺ الَّتِي رَوَيْنَاهَا، وَلظَاهِرِ الْقُرْآنِ؛ لِأن ظَاهِرَهُ إبَاحَةُ الْقَصْرِ لِمَن ضَرَبَ فِي الْأرْضِ، لِقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]، وَقَد سقَطَ شَرْطُ الْخَوْفِ بِالْخَبَرِ الْمَذْكُورِ عَن يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، فَبَقِيَ ظَاهِرُ الْآيَةِ مُتَنَاوِلًا كُل ضَرْبِ فِي الْأرْضِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ التَّقْدِيرَ بَابُهُ التَّوْقِيفُ، فَلَا يَجُوزُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ بِرَأْي مُجَرَّدٍ، سِيَّمَا وَلَيْسَ لَهُ أصْلٌ يُرَدُّ إلَيْهِ، وَلَا نَظِيرٌ يُقَاسُ عَلَيْهِ، وَالْحُجَّةُ مَعَ مَن أبَاحَ الْقَصْر لِكُلِّ مُسَافِرٍ، إلَّا أَنْ يَنْعَقِدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِهِ. اهـ.стр. 2042
فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مِقْدَارُ السَّفَرِ مَعْلُومًا عِلْمًا عَامًّا، وَذَرْعُ الْأَرْضِ مِمَّا لَا يُمْكِنُ؛ بَل هُوَ إمَّا مُتَعَذَّرٌ وَإِمَّا مُتَعَسِّرٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَمْكَنَ الْمُلُوكَ وَنَحْوَهُم مَسْحُ طَرِيقٍ فَإِنَّمَا يَمْسَحُونَهُ عَلَى خَطٍّ مُسْتَوٍ أَو خطُوطٍ مُنْحَنِيَةٍ انْحِنَاءً مَضْبُوظًا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُسَافِرِينَ قَد يَعْرِفُونَ غَيْرَ تِلْكَ الطَّرِيقِ، وَقَد يَسْلُكُونَ غَيْرَهَا، وَقَد يَكُونُ فِي الْمَسَافَةِ صُعُودٌ، وَقَد يَطُولُ سَفَرُ بَعْضِهِمْ لِبُطْءِ حَرَكَتِهِ، وَيَقْصُرُ سَفَرُ بَعْضِهِمْ لِسُرْعَةِ حَرَكَتِهِ، وَالسَّبَبُ الْمُوجِبُ هُوَ نَفْسُ السَّفَرِ لَا نَفْسُ مِسَاحَةِ الْأرْضِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَنَقُولُ: كُلُّ اسْمٍ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ فِي اللُّغَةِ وَلَا فِي الشَّرْعِ فَالْمَرْجِعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ، فَمَا كَانَ سَفَرًا فِي عُرْفِ النَّاسِ فَهُوَ السَّفَرُ الَّذِي عَلَّقَ بِهِ الشَّارعُ الْحُكْمَ، وَذَلِكَ مِثْلُ سَفَرِ أَهْلِ مَكَّةَ إلَى عَرَفَةَ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْمَسَافَةَ بَرِيدٌ، وَهَذَا سَفَرٌ ثَبَتَ فِيهِ جَوَازُ الْقَصْرِ وَالْجَمْعِ بِالسُّنَّةِ، وَالْبَرِيدُ هُوَ نِصْفُ يَوْمٍ بِسَيْرِ الْإِبِلِ وَالْأقْدَامِ وَهُوَ رُبُعُ مَسَافَةِ يَوْمَيْنِ وَلَيْلَتَيْنِ، وَهُوَ الَّذِي قَد يُسَمَّى مَسَافَةَ الْقَصْرِ، وَهُوَ الَّذِي يُمْكِنُ الذَّاهِبُ إلَيْهَا أَنْ يَرْجِعَ مِن يَوْمِهِ.
وَأَمَّا مَا دُونَ هَذِهِ الْمَسَافَةِ إنْ كَانَت مَسَافَةُ الْقَصْرِ مَحْدُودَةً بِالْمِسَاحَةِ: فَقَد قِيلَ: يَقْصُرُ فِي مِيل.
وَقَد يَرْكَبُ الرَّجُلُ فَرْسَخًا يَخْرُجُ بِهِ لِكَشْفِ أمْرٍ وَتَكونُ الْمَسَافَةُ أَمْيَالًا وَيرْجِعُ فِي سَاعَةٍ أَو سَاعَتَيْنِ وَلَا يُسَمَّى مُسَافِرًا، وَقَد يَكُونُ غَيْرُهُ فِي مِثْل تِلْكَ الْمَسَافَةِ مُسَافِرًا بِأَنْ يَسِيرَ عَلَى الْأِبِلِ وَالْأقْدَامِ سَيْرًا لَا يَرْجِعُ فِيهِ ذَلِكَ الْيَوْمَ إلَى مَكَانِهِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ (١) : الْحُجَّةُ مَعَ مَن أبَاحَ الْقَصْرَ لِكُلِّ مُسَافِرٍ (٢) إلَّا أَنْ يَنْعَقِدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِهِ. الحواشي
(١) أي: ابن قدامة.(٢) لأن الشرع أباح القصر والفطر والمسح ثلاثة أيام لكل مسافر، فالأصل أنّ كلّ من خرج من بلده لغيره فهو مسافر.стр. 2043
وَالْمَعْلُومُ أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَمْ يَنْعَقِدْ عَلَى خِلَافِهِ (١) ، وَهُوَ اخْتِيَارُ طَائِفَةٍ مِن عُلَمَاءِ أَصْحَابِ أَحْمَد، كَانَ بَعْضُهُم يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي مَسِيرَةِ بَرِيدٍ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا يَجوزُ الْقَوْلُ بِخِلَافِهِ لِمَن تَبَيَّنَ السُّنَّةَ وَتَدَبَّرَهَا، فَإِنَّ مَن تَأَمَّلَ الْأَحَادِيثَ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ وَسِيَاقَهَا عَلِمَ عِلْمًا يَقِينا أَنَّ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِن أَهْلِ مَكةَ وَغَيْرِهِمْ صَلَّوْا بِصَلَاتِهِ قَصْرًا وَجَمْعًا وَلَمْ يَفْعَلُوا خِلَافَ ذَلِكَ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَمْ يَجْمَعْ بِعَرَفَةَ لِمُجَرَّدِ السَّفَرِ كَمَا قَصَرَ لِلسَّفَرِ؛ بَل لِاشْتِغَالِهِ بِاتِّصَالِ الْوُقُوفِ عَن النُّزُولِ، وَلِاشْتِغَالِهِ بِالْمَسِيرِ إلَى مُزْدَلِفَةَ.
وَكَانَ جَمْعُ عَرَفَةَ لِأَجْلِ الْعِبَادَةِ، وَجَمْعُ مُزْدَلِفَةَ لِأَجْلِ السَّيْرِ الَّذِي جَدَّ فِيهِ، وَهُوَ سَيْرُهُ إلَى مُزْدَلِفَةَ، وَكَذَلِكَ كَانَ يَصْنَعُ فِي سَفَرِهِ: كَانَ إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ أَخَّرَ الْأُولَى إلَى وَقْتِ الثَّانِيَةِ ثُمَّ يَنْزِلُ فَيُصَلِّيهِمَا جَمِيعًا كَمَا فَعَلَ بمزدلفة.
وَأَمَّا "الْقَصْرُ" فَلَا ريبَ أَنَّهُ مِن خَصَائِصِ السَّفَرِ، وَلَا تَعَلُّقَ لَه بِالنُّسُكِ، وَلَا مُسَوِّغَ لِقَصْرِ أَهْلِ مَكَّةَ بِعَرَفَةَ وَغَيْرِهَا إلَّا أَنَّهُم بِسَفَر، وَعَرَفَةُ عَنِ الْمَسْجِدِ بَرِيدٌ.
وَأيُّ فَرْقٍ بَيْنَ سَفَرِ أَهْلِ مَكَّةَ إلَى عَرَفَةَ، وَبَيْنَ سَفَرِ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ إلَى قَدْرِ ذَلِكَ مِن بِلَادِهِمْ؟ (٢) . الحواشي
(١) فنبقى على الأصل، وهو القصر لكل مسافر، فمن قال بخلافه فنُطالبه بالدليل الصحيح الصريح، أو الإجماع الصريح على قوله، وإلا فالأقوال كثيرة، فليس قول أحد بأولى من القول الآخر، إلا إذا كان مع أحدهم حجة واضحة صحيحة صريحة.(٢) كلام الشيخ ﵀ في غاية الإقناع والنظر الصحيح، والقياس الصريح، كيف وقد دلّ عليه الدليل الصحيح؟
وكثير ممن يرى التحديد يعترض على هذا ويستنكر أن يقصر الناس في مثل هذه المسافة، ويقول بعضهم: التحديد أضبط للناس! وهل المعتبر في ديننا الضبط أم اتباع الدليل؟
وأيضًا: لا نُسلم بأن التحديد أضبط؛ لأنه ليس كل الناس يعرفون مقدار المسافة -لا سيَّما في البادية وقبل العصر الحديث- فقد يتنازعون: هل هذه المدينة تبلغ مسافة ثمانين كيلًا أم لا؟
أما عدم التحديد فهو أضبط، فإذا قلنا للناس: لكم القصر إذا سافرتم من بلادكم إلى غيرها، =стр. 2044
وَقَد ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ الْقَصْرُ فِي مَسَافَةِ بَرِيدٍ، فَعُلِمَ أَنَّ فِي الْأَسْفَارِ مَا قَد يَكُونُ بَرِيدًا، وَأَدْنَى مَا يُسَمَّى سَفَرًا فِي كَلَامِ الشَّارعِ الْبَرِيدُ.
وَأَمَّا مَا دُونَ الْبَرِيدِ كَالْمِيلِ فَقَد ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي قُبَاء كُلَّ سَبْتٍ، وَكَانَ يَأْتِيهِ رَاكِبًا وَمَاشِيًا، وَلَا رَيْبَ أَنَّ أَهْلَ قُبَاء وَغَيْرَهُم مِن أَهْلِ الْعَوَالِي كَانُوا يَأْتُونَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ وَلَمْ يَقْصُر الصَّلَاةَ هُوَ وَلَا هُمْ، وَقَد كَانُوا يَأْتُونَ الْجُمُعَةَ مِن نَحْوِ مِيلٍ وَفَرْسَخٍ وَلَا يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ، وَالْجُمُعَةُ عَلَى مَن سَمِعَ النِّدَاءَ، وَالنّدَاءُ قَد يُسْمَعُ مِن فَرْسَخٍ.
وَأَمَّا مَا نقِلَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ (١) : فَيُنْظَرُ فِيهِ هَل هُوَ ثَابِتٌ أَمْ لَا؟ فَإِنْ ثَبَتَ فَالرِّوَايَةُ عَنْهُ مُخْتَلِفَةٌ، وَقَد خَالَفَهُ غَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ: إذَا قَطَعْتُ مِنَ الحواشي
(١) أَنَّهُ قَالَ: لَو سَافَرْت مِيلًا لَقَصَرْت. واختار ابن حزم القصر في مسافة ميل.стр. 2045
المسافة ميلًا (١) .
وَلَا ريبَ أَنْ قُبَاء مِنَ الْمَدِينَةِ أَكْثَرُ مِن مِيلٍ، وَمَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ وَلَا غَيْرُهُ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ إذَا ذَهَبُوا إلَى قُبَاء.
فَقَصْرُ أَهْلِ مَكَّةَ الصَّلَاةَ بِعَرَفَةَ وَعَدَمُ قَصْرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الصَّلَاةَ إلَى قُبَاء وَنَحْوِهَا مِمَّا حَوْلَ الْمَدِينَةِ: دَلِيلٌ عَلَى الْفَرْقِ.
وَالصَّلَاةُ عَلَى الرَّاحِلَةِ إذَا كَانَت مُخْتَصَّةً بِالسَّفَرِ: لَا تُفْعَلُ إلَّا فِيمَا يُسَمَّى سَفَرًا؛ وَلهَذَا لَمْ يَكُن النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ فِي خُرُوجِهِ إلَى مَسْجِدِ قُبَاء، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَذْهَبُ إلَيْهِ رَاكِبًا وَمَاشِيًا، وَلَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ الدَّاخِلُونَ مِن الْعَوَالِي يَفْعَلُونَ ذَلِكَ؛ وَهَذَا لِأَنَّ هَذِهِ الْمَسَافَةَ قَرِيبَة كَالْمَسَافَةِ فِي الْمِصْرِ.
وَاسْمُ "الْمَدِينَةِ" يَتَنَاوَلُ الْمَسَاكِنَ كُلَّهَا، فَلَمْ يَكُن هُنَاكَ إلا أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالْأَعْرَابُ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، فَمَن لَمْ يَكُن مِنَ الْأعْرَابِ كَانَ مِن أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ مَسِيرُهُ إلَى قُبَاء كَأَنَّهُ فِي الْمَدِينَةِ، فَلَو سُوِّغَ ذَلِكَ: سُوّغَتِ الصَّلَاةُ فِي الْمِصْرِ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَإِلَّا فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا تُشْتَرَطُ الْمُوَالَاةُ بِحَالٍ (٢) : لَا فِي وَقْتِ الْأُولَى وَلَا فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِذَلِكَ حَدٌّ فِي الشَّرْعِ، وَلأنَّ مُرَاعَاةَ ذَلِكَ يُسْقِطُ مَقْصُودَ الرُّخْصَةِ، وَهُوَ شَبِية بِقَوْلِ مَن حَمَلَ الْجَمْعَ عَلَى الْجَمْعِ بِالْفِعْلِ، وَهُوَ أَنْ يُسَلِّمَ مِن الْأُولَى فِي آخِرِ وَقْتِهَا وَيُحْرِمَ بِالثَّانِيَةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، كَمَا تَأَوَّلَ جَمْعَهُ عَلَى ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِن الْعُلَمَاءِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرهمْ، وَمُرَاعَاةُ هَذَا مِن أَصْعَبِ الْأَشْيَاءِ وَأَشَقِّهَا.
وَالْجَمْعُ جَائِزٌ فِي الْوَقْتِ الْمُشْتَرَكِ، فَتَارَةً يَجْمَعُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ كَمَا جَمَعَ الحواشي
(١) أي: إذا جاوزت البلد مسافة ميل شرعت في القصر.(٢) فإذَا صَلَّى الْمَغْرِبَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا وَالْعِشَاءَ فِي آخِرِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ -حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ الْجَمْعُ- جَازَ ذَلِكَ.стр. 2046
بِعَرَفَةَ، وَتَارَةً يَجْمَعُ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ كَمَا جَمَعَ بمزدلفة وَفِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، وَتَارَةً يَجْمَعُ فِيمَا بَيْنَهُمَا فِي وَسَطِ الْوَقْتَيْنِ .. ؛ لِأَنَّ أَصْلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ الْوَقْتَ عِنْدَ الْحَاجَةِ مُشْتَرَكٌ، وَالتَّقْدِيمُ وَالتَّوَسُّطُ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ وَالْمَصْلَحَةِ، فَفِي عَرَفَةَ وَنَحْوِهَا يَكُونُ التَّقْدِيمُ هُوَ السُّنَّةَ.
وَكَذَلِكَ جَمْعُ الْمَطَرِ: السُّنَّةُ أَنْ يَجْمَعَ لِلْمَطَرِ فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ، حَتَى اخْتَلَفَ مَذْهَبُ أَحْمَد: هَل يَجُوز أَنْ يَجْمَعَ لِلْمَطَرِ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ؟ [٢٤/ ٣٨ - ٥٦]
٢٨٠٧ - عَن أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَل أَخْبَرَهُمْ، "أَنَّهُم خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، فَأخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ دَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا" (١) .
قُلْت: الْجَمْعُ عَلَى ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ:
أ - إذَا كَانَ سَائِرًا فِي وَقْتِ الْأولَى فَإِنَّمَا يَنْزِلُ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ: فَهَذَا هُوَ الْجَمْعُ الَّذِي ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ أَنَسٍ وَابْنِ عُمَرَ، وَهُوَ نَظِيرُ جَمْعِ مُزْدَلِفَةَ.
ب - إذَا كَانَ وَقْتَ الثَّانِيَةِ سَائِرًا أَو رَاكِبًا: فَجَمَعَ فِي وَقْتِ الْأولَى، فَهَذَا نَظِيرُ الْجَمْعِ بِعَرَفَةَ.
ج- إذَا كَانَ نَازِلًا فِي وَقْتِهِمَا جَمِيعًا نُزُولًا مُسْتَمِرًّا: فَهَذَا مَا عَلِمْت رُوِيَ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَيْهِ إلا حَدِيثَ مُعَاذٍ هَذَا؛ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ كَانَ نَازِلًا فِي خَيْمَةٍ فِي السَّفَرِ، وَأَنَّهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الظهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ دَخَلَ إلَى بَيْتِهِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا. الحواشي
(١) رواه أبو داود(١٢٠٦) ، والنسائي(٥٨٧) ، وصحَّحه الألبانيّ.
قَالَ أبو عمر ابن عبد البَرّ ﵀: ليس في حديث ابن عُمَرَ هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أنَّ الْمُسَافِرَ لَا يَجُوزُ لَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ إِلا أنْ يَجِدَّ بِهِ السَّيْرُ بِدَلِيلِ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ؛ لِأَنَّ فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي سَفَرِهِ إِلَى تَبُوكَ نَازِلًا غَيْرَ سَائِرٍ. اهـ. التمهيد (٢/ ٢٠٥).стр. 2047
وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَجْمَعُ أَحْيَانًا فِي السَّفَرِ وَأَحْيَانًا لَا يَجْمَعُ وَهُوَ الْأغْلَبُ عَلَى أَسْفَارِهِ: أَنَّهُ لَمْ يَكُن يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا.
وَهَذَا يُبَيِّن انَّ الْجَمْعَ لَيْسَ مِن سُنَّةِ السَّفَرِ كَالْقَصْرِ؛ بَل يُفْعَلُ لِلْحَاجَةِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي السَّفَرِ أَو الْحَضَرِ فَإِنَّهُ قَد جَمَعَ أَيْضًا فِي الْحَضَرِ لِئَلَّا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ.
وَأَمَّا النَّازِلُ أَيَّامًا فِي قَرْيَةٍ أَو مِصْرٍ وَهُوَ فِي ذَلِكَ كَأَهْلِ الْمِصْرِ: فَهَذَا وَإِن كَانَ يَقْصُرُ؛ لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ: فَلَا يَجْمَعُ (١) ، كَمَا أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَلَا يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ، وَلَا يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، فَهَذِهِ الْأُمُورُ أُبِيحَتْ لِلْحَاجَةِ، وَلَا حَاجَةَ بِهِ إلَى ذَلِكَ، بِخِلَافِ الْقَصْرِ فَإِنَّهُ سُنَّةٌ صَلَاةِ السَّفَرِ. [٢٤/ ٦٣ - ٦٥]
٢٨٠٨ - عَن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "جَمَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ الحواشي
(١) هذه أصرح عبارةٍ -وقفتُ عليها- لشيخ الاسلام ﵀ بمنع المسافر النازل من الجمع.
لكن صح الجمع للمسافر النازل في غزوة تبوك وفي غيرها، وقد ذكر الشيخ ابن عثيمين ﵀ بعض الأحاديث الدالة على أن النبي ﷺ جمع بين الصلاتين في السفر وهو نازل، ثم قال:
"وظاهر هذه الأحاديث أنه كان يجمع بين الصلاتين وهو نازل، فإما يكون ذلك لبيان الجواز، أو أن ثمة حاجة إلى الجمع؛ لأن النبي ﷺ لم يجمع في حجته حين كان نازلًا بمنى.
وعلى هذا فنقول: الأفضل للمسافر النازل أن لا يجمع، وإن جمع فلا بأس، إلا أن يكون في حاجة إلى الجمع، إما لشدة تعبه ليستريح، أو لمشقة طلب الماء عليه لكل وقت، ونحو ذلك، فإن الأفضل له الجمع، واتباع الرخصة". اهـ. مجموع الفتاوى (١٢/ ٢٥٢).
وقال الشيخ ابن باز ﵀: "المسافر المقيم (يعني: النازل في مكان) مخير إن شاء جمع جمع تأخير وإن شاء جمع جمع تقديم، والأفضل له أن يصلي كل صلاة في وقتها كما فعل النبي ﷺ في منى في حجة الوداع، فإنه كان يصلي كل صلاة في وقتها؛ لأنه مقيم فإن دعت الحاجة إلى الجمع فلا حرج؛ لأن النبي ﷺ جمع في غزوة تبوك وهو مقيم". اهـ. مجموع فتاوى ابن باز (١٢/ ٢٨١، ٢٨٢).
قال البيهقي ﵀: وَالْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِعُذْرِ السَّفَرِ مِنَ الْأمُورِ الْمَشْهُورَةِ الْمُسْتَعْمَلَةِ فِيمَا بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ﵃ أَجْمَعِينَ. اهـ. سنن البيهقي(٥٥٣٦) .
وعلى هذا، فالمسافر مخير بين الجمع بين الصلاتين أو فعل كل صلاة في وقتها، والأفضل له أن لا يجمع إلا إذا كان عليه مشقة في فعل كل صلاة في وقتها.
وينبغي التنبيه إلى أن السفر لا يُسقط صلاة الجماعة في المسجد لمن سمع النداء ولا مشقة عليه، وقد رخص بعض العلماء للمسافر إذا لم يكن لوحده أن يصلي في بيته.стр. 2048
الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمَدِينَةِ، فِي غَيْرِ خَوْفٍ، وَلَا مَطَرٍ".
قِيلَ لَهُ: لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ؟ قَالَ: "كَيْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ" (١) .
اسْتَدَلَّ أَحْمَد بِهِ عَلَى الْجَمْعِ لِهَذِهِ الْأُمُورِ بِطَرِيقِ الأوْلَى، فَإِنَّ هَذَا الْكَلَامَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجَمْعَ لِهَذِهِ الْأُمُورِ أَوْلَى، وَهَذَا مِن بَابِ التَّنْبِيهِ بِالْفِعْلِ، فَإِنَّهُ إذَا جَمَعَ لِيَرْفَعَ الْحَرَجَ الْحَاصِلَ بِدُونِ الْخَوْفِ وَالْمَطَرِ وَالسَّفَرِ؛ فَالْحَرَجُ الْحَاصِلُ بِهَذِهِ أَوْلَى أَنْ يُرْفَعَ، وَالْجَمْعُ لَهَا أَوْلَى مِنَ الْجَمْعِ لِغَيْرِهَا.
وَمِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يُرِد الْجَمْعَ لِلْمَطَرِ- وَإِن كَانَ الْجَمْعُ لِلْمَطَرِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ- بِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢) مِن حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَن الزُّبَيْرِ بْنِ الْخِرّيتِ عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: خَطَبَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ يَوْمًا بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَبَدَتِ النُّجُومُ، وَجَعَلَ النَّاسُ يَقُولُونَ: الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ، قَالَ: فَجَاءَهُ رَجُل مِن بَنِي تَمِيمٍ، لَا يَفْتُرُ وَلَا يَنْثَنِي: الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَتُعَلِّمُنِي بِالسُّنَّةِ لَا أُمَّ لَكَ؟ ثُمَّ قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ".
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ شَقِيقٍ: فَحَاكَ فِي صَدْرِي مِن ذَلِكَ شَيْءٌ، فَأتَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَسَأَلْتُهُ فَصَدَّقَ مَقَالَتَهُ.
فَهَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ لَمْ يَكُن فِي سَفَرٍ وَلَا فِي مَطَرٍ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِمَا رَوَاهُ عَلَى مَا فَعَلَهُ، فَعُلِمَ أَنَّ الْجَمْعَ الَّذِي رَوَاهُ لَمْ يَكُن فِي مَطَرٍ، وَلَكِنْ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي أَمْرٍ مُهِمٍّ مِن أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، يَخْطُبُهُم فِيمَا يَحْتَاجُونَ إلَى مَعْرِفَتِهِ، وَرَأَى أَنَّهُ إنْ قَطَعَهُ وَنَزَلَ فَاتَتْ مَصْلَحَتُهُ، فَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَهُ مِنَ الْحَاجَاتِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا الْجَمْعُ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بِالْمَدِينَةِ لِغَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ؛ بَل لِلْحَاجَةِ تَعْرِضُ لَهُ، كَمَا قَالَ: "أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ"، وَمَعْلُومٌ أَنَّ جَمْعَ النَّبِيِّ ﷺ بِعَرَفَةَ
стр. 2049
وَمُزْدَلِفَةَ لَمْ يَكُن لِخَوْفٍ وَلَا مَطَر وَلَا لِسَفَرٍ أَيْضًا، فَإِنَّهُ لَو كَانَ جَمْعُهُ لِلسَّفَرِ: لَجَمَعَ فِي الطَّرِيقِ، وَلَجَمَعَ بِمَكَّةَ كَمَا كَانَ يَقْصُرُ بِهَا، وَلَجَمَعَ لَمَّا خَرَجَ مِن مَكَّةَ إلَى مِنَى وَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ، وَلَمْ يَجْمَعْ بِمِنَى قَبْلَ التَّعْرِيفِ، وَلَا جَمَعَ بِهَا بَعْدَ التَّعْرِيفِ أَيَّامَ مِنًى؛ بَل يُصَلَّي كُلَّ صَلَاةٍ رَكْعَتَيْنِ غَيْرَ الْمَغْرِبِ وَيُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا، وَلَا جَمْعُهُ أَيْضًا كَانَ لِلنُّسُكِ، فَإِنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِكَ لَجَمَعَ مِن حِينِ أَحْرَمَ، فَإِنَّهُ مِن حِينئِذٍ صَارَ مُحْرِمَا، فَعُلِمَ أَنَّ جَمْعَهُ الْمُتَوَاتِرَ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ لَمْ يَكُن لِمَطَرٍ وَلَا خَوْفٍ، وَلَا لِخُصُوصِ النُّسُكِ، وَلَا لِمُجَرَّدِ السَّفَرِ، فَهَكَذَا جَمْعُة بِالْمَدِينَةِ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَإِنَّمَا كَانَ الْجَمْعُ لِرَفْعِ الْحَرَجِ عَن أُمَّتِهِ، فَإِذَا احْتَاجُوا إلَى الْجَمْعِ جَمَعُوا.
فَالْأَحَادِيثُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ جَمَعَ فِي الْوَقْتِ الْوَاحِدِ لِرَفْعِ الْحَرَجِ عَن أُمَّتِهِ، فَيُبَاحُ الْجَمْعُ إذَا كَانَ فِي تَرْكِهِ حَرَجٌ قَد رَفَعَهُ اللهُ عَنِ الْأُمَّةِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الْجَمْعِ لِلْمَرَضِ الَّذِي يُحْرِجُ صَاحِبَهُ بِتَفْرِيقِ الصَّلَاةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى، وَيَجْمَعُ مَن لَا يُمْكِنُهُ إكْمَالُ الطَّهَارَةِ فِي الْوَقْتَيْنِ إلَّا بِحَرَجٍ؛ كَالْمُسْتَحَاضَةِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ مِنَ الصُّوَرِ (١) . [٢٤/ ٧٤ - ٨٤]
٢٨٠٩ - فَصْلٌ: فِي تَمَامٍ الْكَلَامِ فِي الْقَصْرِ وَسَبَبِ إتْمَامِ عُثْمَانَ الصَّلَاةَ بِمِنَى .. رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أخْبرنَا مَعْمَرٌ عَن الزُّهْرِيِّ قَالَ: إنَّمَا صَلَّى عُثْمَانُ بِمِنَى أَرْبَعًا لِأَنَّهُ قَد عَزَمَ عَلَى الْمُقَامِ بَعْدَ الْحَجِّ، وَرَجَّحَ الطَّحَاوِي هَذَا الْوَجْهَ.
قَالَ البيهقي: الْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ رَآهُ رُخْصَةً فَرَأَى الْإِتْمَامَ جَائِزًا كَمَا رَأَتْهُ عَائِشَةُ.
قُلْت: وَهَذَا بَعِيدٌ؛ فَإِنَّ عُدُولَ عُثْمَانَ عَمَّا دَاوَمَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَخَلِيفَتَاهُ بَعْدَهُ مَعَ أَنَّهُ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَعَلَى الْمسْلِمِينَ وَمَعَ مَا عُلِمَ مِن حِلْمِ عُثْمَانَ الحواشي
(١) ويجمع كبير السن الذي يشق عليه الوضوء، ولا يستطيع الوصول إلى مكان الماء إلا بكلفة، ويجمع الناس في الجو المصحوب بالغبار الشديد الذي يُؤثر على تنفسهم وصحتهم.стр. 2050
وَاخْتِيَارِهِ لَهُ وَلرَعِيَّتِهِ أَسْهَل الْأُمُورِ وَبُعْدهُ عَنِ التَّشْدِيدِ وَالتَّغْلِيظِ: لَا يُنَاسِبُ أَنْ يَفْعَلَ الْأَمْرَ الْأثْقَلَ الْأشَدَّ، مَعَ تَرْكِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَخَلِيفَتَاهُ بَعْدَهُ، وَمَعَ رَغْبَةِ عُثْمَانَ فِي الِاقْتِدَاءِ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَخَلِيفَتَيْهِ بَعْدَهُ لِمُجَرَّدِ كَوْنِ هَذَا الْمَفْضُولِ جَائِزًا إنْ لَمْ يَرَ أنَّ فِي فِعْلِ ذَلِكَ مَصْلَحَةً رَاجِحَةً بَعَثَتْة عَلَى أَنْ يَفْعَلَهُ. [٢٤/ ٨٥ - ٨٩]
٢٨١٠ - وَأَمَّا صَلَاةُ عُثْمَانَ فَقَد غرِفَ إنْكَارُ أَئِمَّةِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ، وَمَعَ هَذَا فَكَانُوا يُصَلُّونَ خَلْفَهُ؛ بَل كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُصَلِّي أَرْبَعًا وَإِن انْفَرَدَ، ويقُولُ: الْخِلَافُ شَرٌّ.
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا انْفَرَدَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ.
وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنْ صَلَاةَ السَّفَرِ أَرْبَعًا مَكْرُوهَة عِنْدَهُم وَمُخَالِفَة لِلسُّنَّةِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا إعَادَةَ عَلَى مَن فَعَلَهَا، وَإِذَا فَعَلَهَا الْإِمَامُ اُتُّبعَ فِيهَا، وَهَذَا لِأَنَّ صَلَاةَ الْمُسَافِرِ لَيْسَتْ كَصَلَاةِ الْفَجْرِ؛ بَل هِيَ مِن جِنْسِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ تَارَة وَيُصَلِّي أَرْبَعًا أُخْرَى، وَمَن فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ إنَّمَا يُصَلَّي أَرْبَعًا لَا يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ مَن لَمْ يُدْرِكْ مِنْهَا رَكْعَةً عِنْدَ الصَّحَابَةِ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ.
وَإِذَا حَصَلَتْ شُرُوطُ الْجُمُعَةِ خَطَبَ خطْبَتَيْنِ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَلَو قُدِّرَ أَنَّهُ خَطَبَ وَصَلَّى الظُّهْرَ أَرْبَعًا لَكَانَ تَارِكًا لِلسُّنَّةِ، وَمَعَ هَذَا فَلَيْسُوا كَمَن صَلَّى الْفَجْرَ أَرْبَعًا؛ وَلهَذَا يَجُوزُ لِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ وَالْمَرْأَةِ وَغَيْرِهِمْ مِمَن لَا تَجِبُ عَلَيْهِم الْجُمُعَةُ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ أَرْبَعًا أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ فِي الْجُمُعَةِ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَكَذَلِكَ الْمُسَافِرُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، وَلَهُ أَنْ يَأْتَمَّ بِمُقِيم فَيُصَلِّي خَلْفَهُ أَرْبَعًا.
فَإِنْ قِيلَ: الْجُمُعَةُ يُشْتَرَطُ لَهَا الْجَمَاعَةُ، فَلِهَذَا كَانَ حُكْمُ الْمُنْفَرِدِ فِيهَا خِلَافُ حُكْمِ الْمُؤتَمِّ؟
قِيلَ لَهُم: اشْتِرَاطُ الْجَمَاعَةِ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِيهِ نِزَاعٌ فِي مَذْهَبِ
стр. 2051
أَحْمَد وَغَيْرِهِ، وَالْأَقْوَى أَنَّهُ شَرْطٌ مَعَ الْقُدْرَةِ (١) ، وَحِينَئِذٍ الْمُسَافِرُ لَمَّا ائْتَمَّ بِالْمُقِيمِ دَخَلَ فِي الْجَمَاعَةِ الْوَاجِبَةِ فَلَزِمَهُ اتِّبَاعُ الْإِمَامِ كَمَا فِي الْجُمُعَةِ.
وَصَلَاةُ الْعِيدِ قَد ثَبَتَ عَن عَلِيٍّ أَنَّهُ اسْتَخْلَفَ مَن صَلَّى بِالنَّاسِ فِي الْمَسْجِدِ أَرْبَعًا: رَكْعَتَيْنِ لِلسُّنَّةِ وَرَكْعَتَيْنِ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَخْرُجُوا إلَى الصَّحْرَاءِ.
فَصَلَاةُ الظُّهْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَصَلَاةُ الْعِيدَيْنِ تُفْعَلُ تَارَةً اثْنَتَيْنِ، وَتَارَةً أَرْبَعًا، كَصَلَاةِ الْمُسَافِرِ، بِخِلَافِ صَلَاةِ الْفَجْرِ. [٢٤/ ١٠٠ - ١٠٢]
٢٨١١ - لَمْ يَنْقُلْ قَطُّ أَحَدٌ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَ أَصْحَابَهُ لَا بِنِيَّةِ قَصْرٍ وَلَا نِيَّةِ جَمْعٍ، وَلَا كَانَ خُلَفَاؤُهُ وَأَصْحَابُهُ يَأْمُرُونَ بِذَلِكَ مَن يُصَلِّي خَلْفَهُمْ، مَعَ أَنَّ الْمَأمُومِينَ أَو أَكْثَرَهُم لَا يَعْرِفُونَ مَا يَفْعَلُهُ الْإمَامُ. [٢٤/ ١٠٤]
٢٨١٢ - هَل يَقْصُرُ فِي سَفَرِ النُّزْهَةِ؟ فِيهِ عَن أَحْمَد رِوَايَتَانِ:
وَأَمَّا السَّفَرُ الْمُحَرَّمُ فَمَذْهَبُ الثَّلَاثَةِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد لَا يَقْصُرُ فِيهِ، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَطَوَائِفُ مِن السَّلَفِ وَالْخَلَفِ فَقَالُوا: يَقْصُرُ فِي جِنْسِ الْأَسْفَارِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَزْمٍ وَغَيْرِهِ.
وَأَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُمَا: يُوجِبُونَ الْقَصْرَ فِي كُلِّ سَفَرٍ وَإِن كَانَ مُحَرَّمًا، كَمَا يُوجِبُ الْجَمِيعُ التَّيَمُّمَ إذَا عُدِمَ الْمَاءُ فِي السَّفَرِ الْمُحَرَّمِ. الحواشي
(١) هذا صريحٌ في أنَّ شيخ الإسلام يرى أن صلاة الجماعة شرط فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ مع القدرة وليست واجبة.
وقد صرح في أنّ الْجَمَاعَة شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ في موضعين، هذا الموضع، والموضع الآخر في (١١/ ٦١٥).
قال العلَّامة ابن عثيمين ﵀ -بعد أن نسب القول بأنها شرط لشيخ الإسلام وابن عقيل-: وهذا القولُ ضَعيفٌ، ويضعَّفه أنَّ النَّبي ﷺ قال: "صَلاةُ الجماعةِ أفضلُ مِن صلاةِ الفَذِّ بسبعٍ وعِشرين درجةً".
والمفاضلةُ: تدلُّ على أن المُفَضَّلَ عليه فيه فَضَلٌ، ويلزمُ مِن وجودِ الفَضْلِ فيه أنْ يكون صحيحًا؛ لأن غيرَ الصحيح ليس فيه فَضْلٌ، بل فيه إثمٌ، وهذا دليل واضحٌ على أنَّ صلاةَ الفَذِّ صحيحةٌ، ضرورةَ أن فيَها فضلًا؛ إذ لو لم تكن صحيحةً لم يكن فيها فَضْلٌ. اهـ. الشرح الممتع (٤/ ١٤٥).стр. 2052
وَالْحُجَّةُ مَعَ مَن جَعَلَ الْقَصْرَ وَالْفِطْرَ مَشْرُوعًا فِي جِنْسِ السَّفَرِ، وَلَمْ يَخُصَّ سَفَرًا مِن سَفَرٍ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ؛ فَإِنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَةَ قَد أَطْلَقَا السَّفَرَ.
وَلَمْ يُذْكَرْ قَطُّ فِي شَيءٍ مِن نُصُوصِ الْكِتَاب وَالسُّنَّةِ تَقْيِيد السَّفَرِ بِنَوْعٍ دُونَ نَوْعٍ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مُعَلَّقًا بِأَحَدِ نَوْعَيِ السَّفَرِ وَلَا يُبَيِّنُ اللهُ وَرَسُولُهُ ذَلِكَ؛ بَل يَكُونُ بَيَانُ اللهِ وَرَسُولِهِ مُتَنَاوِلًا لِلنَّوْعَيْنِ.
وَهَكَذَا فِي تَقْسِيمِ السَّفَرِ إلَى طَوِيلٍ وَقَصِيرٍ، وَتَقْسِيمِ الطَّلَاقِ بَعْدَ الدُّخُولِ إلَى بَائِنٍ وَرَجْعِيٍّ (١) ، وَتَقْسِيمِ الأيْمَانِ إلَى يَمِينٍ مُكَفِّرَةٍ وَغَيْرِ مُكفِّرَةٍ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ مِمَّا عَلَّقَ اللهُ وَرَسُولُهُ الْحُكْمَ فِيهِ بِالْجِنْسِ الْمُشْتَرَكِ الْعَامِّ فَجَعَلَهُ بَعْضُ النَّاسِ نَوْعَيْنِ: نَوْعًا يَتَعَلَّقُ بِهِ ذَلِكَ الْحُكْمُ، وَنَوْعًا لَا يَتَعَلَّق مِن غَيْرِ دَلَالَةٍ عَلَى ذَلِكَ مِن كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ: لَا نَصًّا وَلَا اسْتِنْبَاطًا.
فَإنْ قِيلَ: فَلَو قَاتَلَ قِتَالًا مُحَرَّمًا هَل يُصَلّي صَلَاةَ الْخَوْفِ؟
قِيلَ: يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ وَلَا يُقَاتِلَ، فَإِنْ كَانَ لَا يَدَعُ الْقِتَالَ الْمُحَرَّمَ فَلَا نُبِيحُ لَهُ تَرْكَ الصَّلَاةِ؛ بَل إذَا صَلَّى صَلَاةَ خَائِفٍ كَانَ خَيْرًا مِن تَرْكِ الصَّلَاةِ بِالْكُلِّيَّةِ. [٢٤/ ١٠٨ - ١١٤]
٢٨١٣ - الْمُسَافِرُ لَمْ يَكن مُسَافِرًا لِقَطْعِهِ مَسَافَةً مَحْدُودَةً وَلَا لِقَطْعِهِ أَيَّامًا الحواشي
(١) الطلاق الشرعي هو ما كان مرةً بعد مرة، وأما جمع الثنتين أو الثلاث فبدعة وحرام، ولا يقع عند كثير من المحققين كشيخ الإسلام وتلميذه وابن باز وابن عثيمين رحمهم الله تعالى.
وهذا هو الطلاق المشروع في كتاب الله تعالى، وهو الطلاق المرجعي على هذه الصفة وبهذا العدد، أما الطلاق البائن- هو الذي يطلقها بالثلاث بكلمة واحدة عند الجمهور- فلم يرد في كتاب الله، وهو الذي أنكره هؤلاء المحققون وغيرهم.
إلا أن الإمام ابن باز ﵀ قال: إن طلاق الثلاث لا يقع إذا طلقها بالثلاث بكلمة واحدة، وهكذا لو قال: طالق، طالق، طالق، ولم ينو الثلاث، فإنه يعتبر واحدة ويكون لفظ الثانية والثالثة تأكيدًا للفظ الأول.
أما إذا طلقها بالثلاث بألفاظ متعددة، بأنْ قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، ولم ينو إفهامًا، ولا تأكيدًا، وهي في طهر لم يجامعها فيه، أو في حال الحمل، فإنه يعتبر الثلاث. ا هـ.стр. 2053
مَحْدُودَةً؛ بَل كَانَ مُسَافِرًا لِجِنْسِ الْعَمَلِ الَّذِي هُوَ سَفَرٌ، وَقَد يَكُونُ مُسَافِرًا مِن مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ وَلَا يَكُونُ مُسَافِرًا مِن أبْعَدَ مِنْهَا؛ مِثْل أَنْ يَرْكَبَ فَرَسًا سَابِقًا وَيَسِيرَ مَسَافَةَ بَرِيدٍ ثُمَّ يَرْجِعَ مِن سَاعَتِهِ إلَى بَلَدِهِ: فَهَذَا لَيْسَ مُسَافِرًا.
وَإِن قَطَعَ هَذِهِ الْمَسَافَةَ فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَيَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إلَى حَمْلِ زَادٍ وَمَزَادٍ: كَانَ مُسَافِرًا، كَمَا كَانَ سَفَرُ أَهْلِ مَكَّةَ إلَى عَرَفَةَ.
وَلَو رَكِبَ رَجُلٌ فَرَسًا سَابِقًا إلَى عَرَفَةَ ثُمَّ رَجَعَ مِن يَوْمِهِ إلَى مَكَّةَ: لَمْ يَكُن مُسَافِرًا. [٢٤/ ١١٩]
٢٨١٤ - الْمُسَافِرُ لَا بُدَّ أَنْ يُسْفِرَ؛ أَيْ: يَخْرُجَ إلَى الصَّحْرَاءِ؛ فَإِنَّ لَفْظَ "السَّفَرِ" يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، يُقَالُ: سَفَرَت الْمَرْأَةُ عَن وَجْهِهَا إذَا كَشَفَتْهُ.
فَإذَا لَمْ يَبْرُزْ إلَى الصَّحْرَاءِ الَّتِي يَنْكَشِفُ فِيهَا مِن بَيْن الْمَسَاكِن لَا يَكُونُ مُسَافِرًا (١) ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ [التوبة: ١٠١] فَجَعَلَ النَّاسَ قِسْمَيْنِ: أَهْلَ الْمَدِينَةِ وَالْأَعْرَابَ.
وَالْأَعْرَابُ هُم أَهْلُ الْعَمُودِ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ هُم أَهْلُ الْمَدَرِ.
فَجَمِيعُ مَن كَانَ سَاكِنًا فِي مَدَرٍ كَانَ مِن أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَكُن لِلْمَدِينَةِ سُورٌ يَتَمَيَّزُ بِهِ دَاخِلُهَا مِن خَارِجِهَا؛ بَل كَانَت مَحَالَّ مَحَالَّ، وَتُسَمَّى الْمَحَلَّةُ دَارًا، وَالْمَحَلَّةُ الْقَرْيَةُ الصَّغِيرَةُ فِيهَا الْمَسَاكِنُ وَحَوْلَهَا النَّخْلُ وَالْمَقَابِرُ، لَيْسَتْ أَبْنِيَةَ مُتَّصِلَةً. الحواشي
(١) صريح كلام شيخ الإسلام ﵀ أنّ من أراد السفر فإنه لا يقصر حتى يخرج من المدينة كلّها، وما تشمله من عمران ومزارع، ومن وصل حدود مدينته ودخل المزارع أو الاستراحات التابعة لها فإنه ينقطع في حقّه السفر، حيث قال: الْمُسَافِرُ لَا بُدَّ أَنْ يُسْفِرَ؛ أيْ: يَخْرُجَ إلَى الصَّحْرَاءِ، ومن خرج من العمران ولم يخرج من المزارع لم يخرج بعدُ إلَى الصَّحْرَاءِ.
وَقال كذلك: اسْمُ "الْمَدِينَةِ" يَتَنَاوَلُ الْمَسَاكِنَ كُلَّهَا، فَلَمْ يَكُن هُنَاكَ إلا أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالْأعْرَابُ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، فَحَن لَمْ يَكن مِنَ الْأعْرَابِ كَانَ مِن أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ مَسِيرُهُ إلَى قُبَاء كَأنَّهُ فِي الْمَدِينَةِ، فَلَو سُوِّغَ ذَلِكَ: سُوِّغَتِ الصَّلَاةُ فِي الْمِصْرِ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَإِلَّا فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا. اهـ.стр. 2054
وَإِن كَانَ الْمَكِّيُّ إذَا خَرَجَ إلَى عَرَفَاتٍ مُسَافِرًا: فَعَرَفَةُ وَمُزْدَلِفَةُ وَمِنَى صَحَارَى خَارِجَة عَن مَكَّةَ، لَيْسَتْ كَالْعَوَالِي مِنَ الْمَدِينَةِ.
وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِمَسَافَةٍ مَحْدُودَةٍ؛ فَإِنَّ الْمُسَافِرَ فِي الْمِصْرِ الْكَبِيرِ لَو سَافَرَ يَوْمَيْنِ أَو ثَلَاثَة لَمْ يَكُن مُسَافِرًا، وَالْمُسَافِرُ عَن الْقَرْيَةِ الصَّغِيرَةِ إذَا سَافَرَ مِثْل ذَلِكَ كَانَ مُسَافِرًا.
فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَقْصِدَ بُقْعَةً يُسَافِرُ مِن مَكَانٍ إلَى مَكَانٍ، فَإِذَا كَانَ مَا بَيْنَ الْمَكَانَيْنِ صَحْرَاء لَا مَسَاكِنَ فِيهَا يَحْمِلُ فِيهَا الزَّادَ وَالْمَزَادَ فَهُوَ مُسَافِرٌ، وَإِن وَجَدَ الزَّادَ وَالْمَزَادَ بِالْمَكَانِ الَّذِي يَقْصِدُهُ.
وَفِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" (١) عَن يَحْيَى بْنِ يَزِيدَ الْهُنَائِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَن قَصْرِ الصَّلَاةِ فَقَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، أَو ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ -شُعْبَةُ الشَّاكُّ- صَلَّى رَكْعَتَيْنِ".
وَلَمْ يَرَ أَنَسٌ أَنْ يَقْطَعَ مِن الْمَسَافَةِ الطَّوِيلَةِ هَذَا؛ لِأَنَّ السَّائِلَ سَأَلَة عَن قَصْرِ الصَّلَاةِ وَهُوَ سُؤَالٌ عَمَّا يَقْصُرُ فِيهِ؛ لَيْسَ سُؤَالًا عَن أَوَّلِ صَلَاةٍ يَقْصُرُهَا. [٢٤/ ١٢٠ - ١٣١]
فَدَلَّ عَلَى أَنَّ أَنَسًا أَرَادَ أَنَّهُ مَن سَافَرَ هَذِهِ الْمَسَافَةَ قَصَرَ.
٢٨١٥ - كَانَ عُثْمَانُ (٢) جَعَلَ حُكْمَ الْمَكَانِ الَّذِي يَقْصِدُهُ حُكْمَ طَرِيقِهِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يُعْدَمَ فِيهِ الزَّاد وَالْمَزَاد، وَخَالَفَهُ أَكْثَرُ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ، وَقَوْلُهُم أَرْجَحُ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَصَرَ بِمَكَّةَ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ وَفيهَا الزَّادُ وَالْمَزَادُ. [٢٤/ ١٢٢]
٢٨١٦ - نَفْسُ تَحْدِيدِ السَّفَرِ بِالْمَسَافَةِ بَاطِلٌ فِي الشَّرْعِ وَاللُّغَةِ. [٢٤/ ١٣٣]
٢٨١٧ - التَّحْدِيدُ بِالْمَسَافَةِ لَا أَصْلَ لَهُ فِي شَرْعٍ وَلَا لُغَةٍ، وَلَا عُرْفٍ وَلَا عَقْلٍ، وَلَا يَعْرِفُ عُمُومُ النَّاسِ مِسَاحَةَ الْأَرْضِ، فَلَا يُجْعَلُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ عُمُومُ الْمُسْلِمِينَ مُعَلَّقًا بِشَيْءٍ لَا يَعْرِفونَهُ، وَلَمْ يَمْسَحْ أَحَدٌ الْأَرْضَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَا قَدَّرَ النَّبِيُّ ﷺ الْأَرْضَ لَا بِأَمْيَالٍ وَلَا فَرَاسِخَ. الحواشي
(٦٩١) .(٢) حينما أتم بمكة.стр. 2055
وَالرَّجُلُ قَد يَخْرُجُ مِن الْقَرْيَةِ إلَى صَحْرَاءَ لِحَطَبٍ يَأْتِي بِهِ فَيَغِيبُ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فَيَكُونُ مُسَافِرًا وإن كَانَت الْمَسَافَةُ أَقَلَّ مِن مِيلٍ (١) ، بخِلَافِ مَن يَذْهَبُ ويرْجِعُ مِن يَوْمِهِ، فَإِنَّه لَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُسَافِرًا؛ فَإِنَّ الْأَوَّلَ يَأْخُذُ الزَّادَ وَالْمَزَادَ بِخِلَافِ الثَّانِي.
فَالْمَسَافَةُ الْقَرِيبَةُ فِي الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ تكونُ سَفَرًا، وَالْمَسَافَةُ الْبَعِيدَةُ فِي الْمَدَّةِ الْقَلِيلَةِ لَا تكُونُ سَفَرًا (٢) . الحواشي
(١) مع أنك لو سألت أهلَه: هل سافر؟ لقالوا: لم يُسافر، ولكن ذهب يحتطب لنا مِن حولنا.
فشرطُ السفر: طول الزمان أو بُعد المكان، فمتى وُجد أحدهما فهو سفر.(٢) فهذا صريحٌ في أن الشيخ ﵀ لا يرى القصر في المسافة الطويلة إذا كانت المدة قصيرة، وهذا ما فهمه البعلي في اختياراته حيث قال (ص ١١١): فالمسافة القريبة في المدة الطويلة سفر، لا البعيدة في المدة القليلة. ا هـ.
ومن الغريب قول العلَّامة ابن عثيمين ﵀: ولكن شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀ قال: إنَّ المسافة الطويلة في الزمن القصير سفر، والإقامة الطويلة في المسافة القصيرة: سفر. اهـ.
الشرح الممتع (٤/ ٣٥٢).
فشيخ الإسلام لم ينص على ذلك، بل كلامه مُخالف لما نقله الشيخ ابن عثيمين، ولكن لعله أخذه من مجموع ومفهوم كلام شيخ الإسلام وسبر كلامه.
وهل يشمل كلام شيخ الاسلام ﵀ المسافة الطويلة جدًّا، كمن يُسافر بالطائرة مسافة ألف كيلو ويرجع من يومه؟ وكمن يُسافر بالسيارة مسافةً تتجاوز مائتي كيلو؟
يرى العلامة ابن جبرين ﵀ أنه يشمله، حيث قال ﵀ في شرح أخصر المختصرات: ثم في هذه الأزمنة يكثر التساهل في الرخص كالذين يسافرون ساعتين أو نصف يوم نرى أن هذا ليس بسفر، إذا كان مثلًا يذهب في أول النهار ثم يرجع في الليل فلا يسمى سفرًا، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية وذكر أن السفر يحدد بالزمان لا بالمساحة.
فعلى هذا؛ لو أن إنسانًا خرج من الرياض مسافة ثلاثين كيلو وطال مقامه وجلس هناك -مثلًا - يومين فله أن يترخص، ولو وصل -مثلًا- إلى القصيم مع طول المسافة ورجع في يومه فلا يترخص؛ نظرًا إلى الزمان، وكذلك لو سافر في الطائرة إلى جدة ورجع في يومه فلا يترخص، فهذا هو الذي رجحه شيخ الإسلام؛ لأنه نظر إلى العلة وهي الزمان الذي يغيب فيه عن أهله؛ لأن الإنسان إذا غاب عن أهله نصف يوم فقط ولو وصل إلى أطراف المملكة، فإنه لا يقصده الناس، ولا يأتون ليسلموا عليه، ولا ليهنئوه بسلامته من السفر، ولا يظنون أنه سافر، أما إذا غاب يومين أو ثلاثة أيام، ولو كانت مسافة عشرين أو ثلاثين كيلو فقط فإنهم يفتقدونه ويأتون إليه ليسلموا عليه ويهنئوه، فهذا هو العذر.
وهذا هو الأقرب وهو أن السفر لا يقدر بالمساحة، بل يقدر بالزمان. اهـ. =стр. 2056
فَالسَّفَرُ يَكُونُ بِالْعَمَلِ الَّذِي سُمِّيَ سَفَرًا لِأَجْلِهِ، وَالْعَمَلُ لَا يَكُونُ إلَّا فِي زَمَانٍ، فَإِذَا طَالَ الْعَمَلُ وَزَمَانُهُ فَاحْتَاجَ إلَى مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمُسَافِرُ مِن الزَّادِ وَالْمَزَادِ سُمِّيَ مُسَافِرًا وَإِن لَمْ تَكُن الْمَسَافَةُ بَعِيدَةً، وَإِذَا قَصَرَ الْعَمَل وَالزَّمَان بِحَيْثُ لَا يَحْتَاجُ إلَى زَادٍ وَمَزَادٍ لَمْ يُسَمَّ سَفَرًا وَإِن بَعُدَتِ الْمَسَافَةُ.
الحواشي
(١) = وخالف في ذلك الشيخ سليمان الماجد حفظه الله فقال: ومن احتج بكلام الإمام ابن تيمية هذا من أن المسافة البعيدة في المدة القليلة لا تكون سفرًا، حتى في الشاسع منها؛ فاعتبروا أن من قطع ثلاثمائة كيل مثلًا دون مبيت أو تزود أنه غير مسافر فهو محل نظر وتأمل؛ لأمرين:
الأول: أن ابن تيمية لم يتعرض للمسافات الشاسعة التي يَعتبرها أهل العرف سفرًا حتى وإن رجع من ساعته ويومه؛ كالمائتي كيل ونحوها؛ فالناس لا يكادون يختلفون في اعتباره مسافرَا، ومثال ابن تيمية ﵀ في كلامه هذا إنما كان بالمسافة القصيرة جدًّا.
ومما يؤكد ذلك أنه ذكر هذه القاعدة في مواضع عدة، ومثَّل لها بمسافات قصيرة، وهي البريد والفرسخ، وبالمسافة بين مكة وعرفة، وبالمسافة بين المدينة وقباء، وبمسير الساعة والساعتين، ولم يذكر مع هذه القاعدة مسافات شاسعة.
الثاني: على تسليم أن ابن تيمية يرى عموم تلك القاعدة لجميع المسافات فإنه إنما يتكلم في تقدير ذلك بصفته من أهل العرف لا بصفته مجتهدًا مستدلًا من الشريعة؛ فإذا كان الأمر كذلك فإن الأعراف قد تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال، هذا من وجه، ومن وجه آخر: قد يختلف أهل العرف أنفسهم في التقدير والحكم، وإن اتحد المكان والزمان والحال.
ويلزم من طرد هذه القاعدة وهي عدم اعتبار المسافة الطويلة في المدة القليلة يلزم من ذلك أن نقول: إن من سافر بالطائرة مسافة ثلاثة آلاف كيل، أو بالسيارة ألف كيل مثلًا، ثم عاد من فوره أنه غير مسافر؛ لأنه يعود من نهاره ولا يبيت، وهذا مخالف للمقطوع به عرفًا. اهـ. حد الإقامة (٣٦ - ٣٧).
وكلامه أوجه وأقرب.
وقال ابن عثيمين ﵀: المسألة لا تخلو من أربع حالات:
أ- مدة طويلة في مسافة طويلة، فهذا سفر لا إشكال فيه، كما لو ذهب في الطائرة من القصيم إلى مكة، وبقي فيها عشرة أيام.
ب- مدة قصيرة في مسافة قصيرة، فهذا ليس بسفر، كما لو خرج مثلًا من عنيزة إلى بريدة في ضحى يوم ورجع، أو إلى الرس أو إلى أبعد من ذلك، لكنه قريب لا يعد مسافة طويلة.
ج- مدة طويلة في مسافة قصيرة، بمعنى أنه ذهب إلى مكان قريب لا ينسب لبلده، وليس منها، وبقي يومين أو ثلاثة فهذا سفر، فلو ذهب إنسان من عنيزة إلى بريدة مثلًا ليقيم ثلاثة أيام أو يومين أو ما أشبه ذلك فهو مسافر.
د- مدة قصيرة في مسافة طويلة، كمَن ذهب مثلًا من القصيم إلى جدة في يومه ورجع فهذا يسمى سفرًا؛ لأن الناس يتأهبون له، ويرون أنهم مسافرون. اهـ. الشرح الممتع (٤/ ٣٥٢ - ٣٥٣).стр. 2057
فَالْأَصْلُ هُوَ الْعَمَلُ الَّذِي يُسَمَّى سَفَرًا، وَلَا يَكُونُ الْعَمَلُ إلَّا فِي زَمَانٍ، فَيُعْتَبَرُ الْعَمَلُ الَّذِي هُوَ سَفَرٌ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا فِي مَكَانٍ يُسْفِرُ عَنِ الْأَمَاكِنِ، وَهَذَا مِمَّا يَعْرِفُهُ النَّاسُ بِعَادَاتِهِمْ، لَيْسَ لَهُ حَدٌّ فِي الشَّرْعِ وَلَا اللُّغَةِ، بَل مَا سَمَّوْه سَفَرًا فَهُوَ سَفَرٌ. [٢٤/ ١٣٤ - ١٣٥]
٢٨١٨ - الْإِقَامَةُ: هِيَ خِلَافُ السَّفَرِ؛ فَالنَّاسُ رَجُلَانِ: مُقِيمٌ وَمُسَافِرٌ.
وَلهَذَا كَانَت أَحْكَامُ النَّاسِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَحَدَ هَذَيْنِ الْحُكْمَيْنِ: إمَّا حُكْمُ مُقِيمٍ، وَإِمَّا حُكْمُ مُسَافِرٍ، وَقَد قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ [النحل: ٨٠]، فَجَعَلَ لِلنَّاسِ يَوْمَ ظَعْنٍ وَيوْمَ إقَامَةٍ.
وَقَد أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّتِهِ بِمَكَّةَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ سِتَّةَ أَيَّامٍ بِمِنَى وَمُزْدَلِفَةَ وَعَرَفَةَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُم كَانُوا مُسَافِرِينَ، وَأَقَامَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ، وَأَقَامَ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ.
وَمَعْلُومٌ بِالْعَادَةِ أَنَّ مَا كَانَ يَفْعَلُ بِمَكَّةَ وَتَبُوكَ لَمْ يَكُن يَنْقَضِي فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَا أَرْبَعَةٍ حَتَّى يُقَالَ: إنَّهُ كَانَ يَقُولُ الْيَوْمَ أُسَافِرُ، غَدًا أُسَافِرُ! بَل فَتَحَ مَكَّةَ وَأَهْلُهَا وَمَا حَوْلَهَا كُفَّارٌ مُحَارِبونَ لَهُ، وَهِيَ أَعْظَمُ مَدِينَةٍ فَتَحَهَا، وَبِفَتْحِهَا ذَلَّتِ الْأَعْدَاءُ وَأَسْلَمَتِ الْعَرَبُ، وَسَرَى السَّرَايَا إلَى النَّوَاحِي يَنْتَظِرُ قُدُومَهُمْ، وَمِثْلُ هَذِهِ الْأمُورِ مِمَّا يُعْلَمُ أَنَّهَا لَا تَنْقَضِي فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، فَعُلِمَ أَنَّهُ أَقَامَ لِأُمُورٍ يَعْلَمُ أَنَّهَا لَا تَنْقَضِي فِي أَرْبَعَةٍ، وَكَذَلِكَ فِي تَبُوكَ.
وَأَيْضًا: فَمَن جَعَلَ لِلْمُقَامِ حَدَّا مِنَ الْأَيَّامِ: إمَّا ثَلَاثَةً وَإِمَّا أَرْبَعَةً وَإِمَّا عَشَرَة وَإِمَّا اثْنَيْ عَشَرَ وَإِمَّا خَمْسَةَ عَشَرَ فَإِنَّهُ قَالَ قَوْلًا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ الشَّرْعِ، وَهِيَ تَقْدِيرَاتٌ مُتَقَابِلَةٌ.
فَقَد تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْأَقْوَالُ تَقْسِيمَ النَّاسِ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: إلَى مُسَافِرٍ، وَإِلَى مُقِيمٍ مُسْتَوْطِنٍ، وَهُوَ الَّذِي يَنْوِي الْمُقَامَ فِي الْمَكَانِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي تَنْعَقِدُ
стр. 2058
بِهِ الْجُمُعَةُ وَتَجِبُ عَلَيْهِ، وَهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ إتْمَامُ الصَّلَاةِ بِلَا نِزَاعٍ، فَإِنَّه الْمُقِيمُ الْمُقَابِلُ لِلْمُسَافِرِ، وَالثَّالِثُ: مُقِيم غَيْرُ مُسْتَوْطِنٍ أَوْجَبُوا عَلَيْهِ إتْمَامَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَأَوْجَبُوا عَلَيْهِ الْجُمُعَةَ وَقَالُوا: لَا تَنْعَقِدُ بِهِ الْجُمُعَةُ، وَقَالُوا: إنَّمَا تَنْعَقِدُ الْجُمُعَةُ بِمُسْتَوْطِنٍ.
وَهَذَا التَّقْسِيمُ -وَهُوَ تَقْسِيمُ الْمُقِيمِ إلَى مُسْتَوْطِنٍ وَغَيْرِ مُسْتَوْطِنٍ- تَقْسِيمٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ الشَّرْعِ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى مَن لَا تَنْعَقِدُ بِهِ؛ بَل مَن وَجَبَتْ عَلَيْهِ انْعَقَدَتْ بِهِ.
وَالنَبِيُّ ﷺ قَدِمَ ضبْحَ رَابِعَةٍ مِن ذِي الْحِجَّةِ (١) ، وَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، لَكِنْ مِن أَيْنَ لَهُم أَنَّهُ لَو قَدِمَ صُبْحَ ثَالِثَةٍ وَثَانِيَةِ كَانَ يُتِمُّ وَيَأْمُرُ أَصْحَابَهُ بِالْإِتْمَامِ؟
لَيْسَ فِي قَوْلِهِ وَعَمَلِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.
وَلَو كَانَ هَذَا حَدًّا فَاصِلًا بَيْنَ الْمُقِيمِ وَالْمُسَافِرِ لَبَيَّنَهُ لِلْمُسْلِمِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]، وَالتَّمْيِيزُ بَيْنَ الْمُقِيمِ وَالْمُسَافِرِ بِنِيَّةِ أَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ يُقِيمُهَا لَيْسَ هُوَ أَمْرًا مَعْلُومًا لَا بِشَرْعٍ وَلَا لُغَةٍ وَلَا عُرْفٍ (٢) .
وَقَد رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْمُهَاجِرِ أَنْ يُقِيمَ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثًا، وَالْقَصْرُ فِي هَذَا جَائِزٌ عِنْدَ الْجَمَاعَةِ، وَقَد سَمَّاهُ إقَامَة، وَرَخَّصَ لِلْمُهَاجِرِ أَنْ يُقِيمَهَا، فَلَو أَرَادَ الْمُهَاجِرُ أَنْ يُقِيمَ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ بَعْدَ قَضَاءِ النُّسُكِ لَمْ يَكُن لَهُ الحواشي
(١) قال العلَّامة ابن عثيمين ﵀ في شرحه لعبارة زاد المستقنع: "أَو نَوَى إِقَامَةَ أَكْثَرَ مِن أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ": إذا رجعنا إلى ما يقتضيه ظاهر الكتاب والشُنة وجدنا أن القول الذي اختاره شيخ الإِسلام ﵀ هو القول الصحيح، وهو أن المسافر مسافر، سواء نوى إقامة أكثر من أربعة أيام أو دونها. اهـ. الشرح الممتع (٤/ ٣٧٤).(٢) فهل يُعقل أنْ يشرع الله حكمًا ينبني عليه صحة أو بطلان عبادات من أعظم العبادات البدنية من صلاة وصيام ووضوء ونحوها، بخطابٍ غيرِ واضح الدلالة، بل يشرع هذا الحكم الكبير بطرق خفيَّةٍ، غامضةٍ غيرِ صريحة؟
لا يُظن ذلك بالشارع الحكيم.стр. 2059
ذَلِكَ، وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْمُدَّةَ فَرْقٌ بَيْنَ الْمُسَافِرِ وَالْمُقِيمِ؛ بَلِ الْمُهَاجِرُ مَمْنُوعٌ أَنْ يُقِيمَ بِمَكَّةَ أَكْثَرَ مِن ثَلَاثٍ بَعْدَ قَضَاءِ الْمَنَاسِكِ.
وَقَد أَقَامَ الْمُهَاجِرُونَ مَعَ النَبِيِّ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ قَرِيبًا مِن عِشْرِينَ يَوْمًا بِمَكَّةَ، وَلَمْ يَكُونُوا بِذَلِكَ مُقِيمِينَ إقَامَةً خَرَجُوا بِهَا عَنِ السَّفَرِ، وَلَا كَانُوا مَمْنُوعِينَ؛ لِأَنَّهُم كَانُوا مُقِيمِينَ لِأَجْلِ تَمَامِ الْجِهَادِ وَخَرَجُوا مِنْهَا إلَى غَزْوَةِ حنين.
وَهَذَا بِخِلَافِ مَن لَا يَقْدُمُ إلَّا لِلنُّسُكِ فَإنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى أَكْثَرَ مِن ثَلَاثٍ.
فَعُلِمَ أَنَ هَذَا التَّحْدِيدَ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَصْرِ وَلَا بِتَحْدِيدِ السَّفَرِ.
وَاَلَّذِينَ حَدُّوا ذَلِكَ بِأَرْبَعَةٍ مِنْهُم مَنِ احْتَجَّ بِإِقَامَةِ الْمُهَاجِرِ وَجَعَلَ يَوْمَ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ غَيْرَ مَحْسُوبٍ، وَمِنْهُم مَن بَنَى ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلِّ مَن قَدِمَ الْمِصْرَ أَنْ يَكُونَ مُقِيمًا يُتِمُّ الصَّلَاةَ، لَكِنْ ثَبَتَتِ الْأرْبَعَةُ بِإِقَامَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّتِهِ فَإنَّهُ أَقَامَهَا وَقَصَرَ، وَقَالُوا فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ وَتَبُوكَ: إنَّهُ لَمْ يَكُن عَزَمَ عَلَى إقَامَةِ مُدَّةٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ عَامَ الْفَتْحِ غَزْوَ حنين، وَهَذَا الدَّلِيلُ مَبْنِي عَلَى أَنَّهُ مَن قَدِمَ الْمِصْرَ فَقَد خَرَجَ عَن حَدِّ السَّفَرِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ، بَل هُوَ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ وَالْإجْمَاعِ وَالْعُرْفِ، فَإِنَّ التَّاجِرَ الَّذِي يَقْدُمُ لِيَشْتَرِيَ سِلْعَةً أَو يَبِيعَهَا وَيَذْهَبُ: هُوَ مُسَافِرٌ عِنْدَ النَّاسِ، وَقَد يَشْتَرِي السِّلْعَةَ وَيَبِيعُهَا فِي عِدَّةِ أَيَّامٍ وَلَا يَحِدُّ النَّاسُ فِي ذَلِكَ حَدًّا. [٢٤/ ١٣٦ - ١٤٠]
٢٨١٩ - فِي "الصَّحِيحَيْنِ" (١) عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ زيدٍ قَالَ: صَلَّى بِنَا عُثْمَانُ بِمِنَى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَقِيلَ ذَلِكَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَاسْتَرْجَعَ وَقَالَ: صَلَّيْت مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمِنَى رَكعَتَيْنِ، وَصَلَّيْت مَعَ أَبِي بَكْرِ بِمِنَى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْت مَعَ عُمَرَ بِمِنَى رَكْعَتَيْنِ، فَلَيْتَ حَظِّي مِن أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ.
وَإِتْمَامُ عُثْمَانَ ﵁ قَد قِيلَ إنَّهُ كَانَ لِأَنَّهُ تَأَهَّلَ بِمَكَّةَ فَصَارَ مُقِيمًا. الحواشي
(١) رواه البخاري(١٠٨٤) ، ومسلم(٦٩٥) .стр. 2060
وَكَانَ عُثْمَانُ إذَا اعْتَمَرَ يَأْمُرُ بِرَاحِلَتِهِ فَتُهَيَّأُ لَهُ فَيَرْكَبُ عَلَيْهَا عَقِبَ الْعُمْرَةِ لِئَلَّا يُقِيمَ بِمَكَّةَ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ صَارَ مُسْتَوْطِنًا بِمَكَّةَ؟
لَكِنْ قَد يَكُونُ نَفْسُ التَّأَهُّلِ مَانِعًا مِن الْقَصْرِ، وَهَذَا أَيْضًا بَعِيدٌ؛ فَإِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ كَانوا يَقْصُرُونَ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ وَخُلَفَائِهِ بِمِنَى.
وَقِيلَ: إنَّهُ خَشِيَ أَنَّ الْأعْرَابَ يَظُنُّونَ أَنَّ الصَّلَاةَ أَرْبَعٌ، وَهَذَا أَيْضًا ضَعِيفٌ؛ فَإِنَّ الْأَعْرَابَ كَانُوا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَجْهَلَ مِنْهُم فِي زَمَنِ عُثْمَانَ وَلَمْ يُتَمِّمِ الصَّلَاةَ.
وَأَيْضًا: فَظَنُّهُم أنَّ السُّنَّةَ فِي صَلَاةِ الْمُسَافِرِ أَرْبَعٌ خَطَأٌ مِنْهُمْ، فَلَا يَسُوغُ مُخَالَفَةُ السُّنَّةِ ليَحْصُلَ بِالْمُخَالَفَةِ مَا هُوَ بِمِثْل ذَلِكَ (١) .
وَعُرْوَةُ قَد قَالَ: إنَّ عَائِشَةَ تَأَوَّلَتْ كَمَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ، وَعَائِشَةُ أَخْبَرَتْ أَنَّ الْإِتْمَامَ لَا يَشُقُّ عَلَيْهَا.
أَو يَكُونُ ذَلِكَ كَمَا رَآهُ مَن رَآهُ لِأَجْلِ شُقَّةِ السَّفَرِ، وَرَأَوْا أَنَّ الدُّنْيَا لَمَّا اتَّسَعَتْ عَلَيْهِم لَمْ يَحْصُلْ لَهُم مِن الْمَشَقَّةِ مَا كَانَ يَحْصُلُ عَلَى مَن كَانَ صَلَّى أَرْبَعًا، كَمَا قَد جَاءَ عَن عُثْمَانَ مِن نَهْيِهِ عَن الْمُتْعَةِ الَّتِي هِيَ الْفَسْخُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِأَجْلِ حَاجَتِهِمْ إذ ذَاكَ إلَى هَذِهِ الْمُتْعَةِ، فَتِلْكَ الْحَاجَةُ قَد زَالَتْ. [٢٤/ ١٦٠ - ١٦٢]
٢٨٢٠ - إذَا نَوَى أَنْ يُقِيمَ بِالْبَلَدِ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ فَمَا دُونَهَا: قَصَرَ الصَّلَاةَ؛ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ، فَإِنَهُ أَقَامَ بِهَا أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ.
وَإِن كَانَ أَكْثَرَ فَفِيهِ نِزَاعٌ، وَالْأَحْوَطُ أَنْ يُتِمَّ الصَّلَاةَ (٢) . الحواشي
(١) ويُقال: كان الأولى أن يُعلمهم بأنهم مسافرون، وحق المسافر القصر، فإذا رجعتم إلى بلدكم فأتموا.(٢) هذا الموضع الوحيد الذي مشى فيه الشيخ على رأي المذهب الحنبلي -فيما وقفت عليه-، وبظهر أنه ليس رأيه المتأخر الذي انتصر له في مواضع وفتاوى كثيرة.стр. 2061
وَأَمَّا إنْ قَالَ غَدًا أُسَافِرُ أَو بَعْدَ غَدٍ أُسَافِرُ وَلَمْ يَنْوِ الْمُقَامَ: فَإِنَّهُ يَقْصُرُ أَبَدًا فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقَامَ بِمَكَةَ بِضْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ وَأقَامَ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ لَيْلَةً يَقْصرُ الصَّلَاةَ. [٢٤/ ١٧]
٢٨٢١ - وَسُئِلَ: عَن رَجُلٍ خَرَجَ إلَى الْخَرِبَةِ لِأجْلِ الْحُمَّى وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُقِيمُ مُدَّةَ شَهْرَيْنِ. فَهَل يَجُوزُ لَهُ الْقَصْرُ؟ وَإِذَا جَازَ الْقَصْرُ فَالْإِتْمَامُ أَفْضَلُ أَم الْقَصْرُ؟
فَأَجَابَ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا نِزَاعٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ: مِنْهُم مَن يُوجِبُ الْإِتْمَامَ، وَمِنْهُم مَن يُوجِبُ الْقَصْرَ، وَالصَّحِيحُ أَن كِلَاهُمَا سَائِغٌ، فَمَن قَصَرَ لَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ، وَمَن أَتَمَّ لَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ تَنَازَعُوا فِي الْأَفْضَلِ.
فَمَن كَانَ عِنْدَهُ شَكٌّ فِي جَوَازِ الْقَصْرِ فَأَرَادَ الِاحْتِيَاطَ فَالْإِتْمَامُ أَفْضَلُ.
وَأَمَّا مَن تَبَيَّنَتْ لَهُ السُّنَةُ وَعَلِمَ أنَ النَّبِيَّ ﷺ يَشْرَعْ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يُصَلَّيَ إلا رَكْعَتَيْنِ، وَلَمْ يحدَّ السَّفَرَ بِزَمَانٍ أَو بِمَكَان، وَلَا حَدَّ الْإِقَامَةَ أَيْضًا بِزَمَنٍ مَحْدُودٍ: لَا ثَلَاثَةٍ وَلَا أَرْبَعَةٍ وَلَا اثْنَا عَشَرَ وَلَا خَمْسَةَ عَشَرَ: فَإِنَّهُ يَقْصُرُ، كمَا كَانَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ يَفْعَلُ.
وَإِذَا كَانَ التَّحْدِيدُ لَا أَصْلَ لَهُ: فَمَا دَامَ الْمُسَافِرُ مُسَافِرًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ وَلَو أَقَامَ فِي مَكَانٍ شُهُورًا (١) . [٢٤/ ١٧ - ١٨]
* * *
(صلاة الخوف)
٢٨٢٢ - يصلي صلاة الخوف في الطريق إذا خاف فوات الوقوف بعرفة، وهو أحد الوجوه الثلاثة في مذهب أحمد. [المستدرك ٣/ ١٢٤]
* * * الحواشي
(١) هذا هو رأيه الذي استقرّ عليه، وانتصر له في جميع فتاويه وبحوثه أو جلّها.стр. 2062
(بَابٌ صَلَاة الْجُمُعَةِ)
٢٨٢٣ - الْجُمْعَةُ فَرِيضَة بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، وَالْجَمَاعَةُ وَاجِبَةٌ أَيْضًا عِنْدَ كَثِيرٍ مِن الْعُلَمَاءِ؛ بَل عِنْدَ أَكْثَرِ السَّلَفِ.
وَهَل هِيَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَقْوَاهُمَا كَمَا فِي "سُنَنِ أَبِي دَاوُد" عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَن سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يُجِبْ مِن غَيْرِ عُذْرٍ فَلَا صَلَاةَ لَهُ" (١) .
وَعِنْدَ طَائِفَةٍ مِن الْعُلَمَاءِ: أَنَّهَا وَاجِبَة عَلَى الْكِفَايَةِ.
وَأَحَدُ الْأَقْوَالِ أَنَّهَا سُنَّة مُؤَكَّدَةٌ. [١١/ ٦١٥]
٢٨٢٤ - [إن الله لم يخلق شَيْئًا وَلم يَأْمر بِشَيْء ثمَّ أبطله وأعدمه بِالْكُلِّيَّةِ؛ بل لَا بُد أَن يُثبتهُ بِوَجْه مَا؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا خلقه لحكمة لَهُ فِي خلقه، وَكَذَلِكَ أمرُه بِهِ وشرعُه إِيَّاه هُوَ لما فِيهِ من الْمصلحَة.
وَإِذا تَأَمَّلت الشَّرِيعَة والخلق رَأَيْت ذَلِك ظَاهرًا، وَهَذَا سر قل من تفطن لَهُ من النَّاس، فَتَأمل الْأَحْكَام المنسوخة حُكْمًا حُكْمًا كَيفَ تَجِد الْمَنْسُوخ لم يبطل بِالْكُلِّيَّةِ؛ بل لَهُ بَقَاء بِوَجْه، فَمن ذَلِك: نسخ الْقبْلَة وَبَقَاء بَيت الْمُقَدّس مُعظمًا مُحْتَرمًا تشد إِلَيْهِ الرّحال ويقصد بِالسَّفرِ إِلَيْهِ] (٢) .
ومن ذلك نسخُ وجوب الصدقة بين يدي مناجاة الرسول ﷺ لم يبطل الحواشي
(١) فالشيخ ﵀ يرى أن صلاة الجماعة شرط لصحة الصلاة مع القدرة كما قيّدها في موضع آخر.
والشيخ صرح بأنّ الْجَمَاعَة شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ في موضعين، هذا الموضع، والموضع الَاخر في (٢٤/ ١٠١).
وهكذا نقل البعلي ﵀ ذلك في اختياراته (ص ١٠٣) فقال: والجماعة شرط للصلاة المكتوبة .. فإذا صلى وحده لغير عذر: لم تصح صلاتُه.
وقال الشَّيْخُ تَقِي الذينِ في الصَّارِمِ الْمَسْلُولِ: خَبَرُ التَّفْضِيلِ في الْمَعْذُورِ الذي تبُاحُ له الصَّلَاةُ وَحْدَهُ. الإنصاف، للمرداوي (٢/ ٢١٢).(٢) ما بين المعقوفتين ليس في الأصل، ونقلتُه لتمام الفائدة.стр. 2063
حكمه بالكلية، نُسِخَ وجوبُه وبقي استحبابه والندب إليه، وما عُلم من تنبيهه وإشارته، وهو أنه إذا استحبت الصدقة بين يدي مناجاة المخلوق فاستحبابها بين يدي مناجاة الله عند الصلوات والدعاء أولى، فكان بعض السلف الصالح يتصدق بين يدي الصلاة والدعاء إذا أمكنه ويتأول هذه الأولوية، ورأيت شيخ الإسلام ابن تيمية يفعله ويتحراه ما اْمكنه، وفاوضته فيه فذكر لي هذا التنبيه والإشارة.
وشاهدت شيخ الإِسلام ابن تيمية قدس الله روحه إذا خرج إلى الجمعة يأخذ ما وجد في البيت من خبز أو غيره فيتصدق به في طريقه سرًّا، وسمعته يقول: إذا كان الله قد أمرنا بالصدقة بين يدي مناجاة رسول الله ﷺ ؛ فالصدقة بين يدي مناجاته أفضل وأولى بالفضيلة (١) . [المستدرك ٣/ ١٢٤ - ١٢٥]
٢٨٢٥ - لا يكره فعل الصلاة فيه (٢) وقت الزوال عند الشافعي ﵁ ومن وافقه، وهو اختيار شيخنا أبي العباس ابن تيمية، ولم يكن اعتماده على حديث ليث، عن مجاهد، عن أبي الخليل، عن أبي قتادة، عن النبي ﷺ ؛ أنه كره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة، وقال: "إن جهنم تسعر إلا يوم القيامة" (٣) ، وإنما كان اعتماده على أن من جاء إلى الجمعة يستحب له أن يصلي حتى يخرج الإمام. [المستدرك ٣/ ١٢٥]
٢٨٢٦ - صح عنه ﷺ أنه قال: "صيام يوم عرفة يكفر سنتين، وصيام يوم عاشوراء يكفر سنة" (٤) لكن إطلاق القول بأنه يكفر لا يوجب أن يكفر الكبائر بلا توبة فإنه ﷺ قال في: "الجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارة لما الحواشي
(١) زاد المعاد(١١٠) ، ومفتاح دار السعادة(٣٦٢) .(٢) أي: في يَوْمِ الْجُمُعَةِ.(٣) وذلك لضعفه، فقد ضعَّفه بعض أهل العلم، ومنهم الألباني، والحديث أخرجه أبو داود(١٠٨٣) .(٤) رواه مسلم(١١٦٢) .стр. 2064
بينهن إذا اجتنبت الكبائر" (١) ، ومعلوم أنَّ الصلاةَ هي أفضل من الصيام، وصيام رمضان أعظم من صيام يوم عرفة، ولا يكفر السيئات إلا باجتناب الكبائر كما قيده النبي ﷺ يظن أن صوم يوم أو يومين تطوعًا يكفر الزنى والسرقة وشرب الخمر، والميسر، والسحر، ونحوه؟ فهذا لا يكون.
وتكفير الطهارة والصلاة وصيام رمضان وعرفة وعاشوراء للصغائر فقط، وكذا الحج؛ لأن الصلاة ورمضان أعظم منه. [المستدرك ٣/ ١٢٦]
٢٨٢٧ - عَلَى وُلَاةِ الْأمُورِ أَمْرُ جَمِيعِ مَن تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمْعَةُ بِهَا مِن أَهْلِ الْأَسْوَاقِ وَالدُّورِ وَغَيْرِهِمْ، وَمَن تَخَلَّفَ عَن هَذَا الْوَاجِبِ عُوقِبَ عَلَى ذَلِكَ عُقُوبَةً تَحْمِلُهُ وَأَمْثَالَهُ عَلَى فِعْلِ ذَلِكَ.
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِن وُجُوب أَمْرِ مَن تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمْعَةُ بِهَا وَنَهْيِهِ عَمَّا يَمْنَعُهُ مِن الْجُمْعَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ. [٢١/ ٣٣٩ - ٣٤٠]
٢٨٢٨ - تنعقد الجمعة بثلاثة، واحد يخطب، واثنان يستمعان. [المستدرك ٣/ ١٢٧]
٢٨٢٩ - تجب الجمعة عدى مَن أقام في غير بناء؛ كالخيام وبيوت الشعر ونحوها.
وقال أبو العباس في موضع آخر: يشترط مع إقامتهم في الخيام ونحوها أن يكونوا يزرعون كما يزرع أهل القرية. [المستدرك ٣/ ١٢٧]
٢٨٣٠ - يجوز إقامة جمعتين في بلد واحد لأجل الشحناء بأن حضروا كلهم ووقعت الفتنة ويجوز ذلك للضرورة إلى أن تزول الفتنة. [المستدرك ٣/ ١٢٧]
٢٨٣١ - تسقط الجمعة عمن يخاف بحضوره فتنة إذا لم يكن ظالمًا. [المستدرك ٣/ ١٢٧] الحواشي
(١) رواه مسلم(٢٣٣) .стр. 2065
٢٨٣٢ - لا يكفي في الخطبة ذم الدنيا وذكر الموت؛ بل لا بد من مسمى الخطبة عرفًا، ولا تحصل باختصار يفوت به المقصود. [المستدرك ٣/ ١٢٧]
٢٨٣٣ - يجب في الخطبة أن يشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله.
وأوجب أبو العباس في موضع آخر الشهادتين، وتردد في وجوب الصلاة على النبي ﷺ في الخطبة.
وقال في موضع آخر، وهو الأشبه أن الصلاة عليه ﷺ فيها واجبة، ولا تجب منفردة (١) ؛ لقول عمر ﵁: الدعاء موقوف بين السماء والأرض حتى تصلي على نبيك ﷺ ، وتقدم الصلاة عليه ﷺ على الدعاء لوجوب تقديمه على النفس.
وأما الأمر بتقوى الله: فالواجب إما معنى ذلك وهو الأشبه من أن يقال الواجب لفظ التقوى. [المستدرك ٣/ ١٢٧ - ١٢٨]
٢٨٣٤ - في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٥٤]، أجمع الناس أنها نزلت في الصلاة، وقد قيل في الخطبة: والصحيح أنها نزلت في ذلك كله.
وظاهر كلام أبي العباس: أنها تدل على وجوب الاستماع.
وصرَّح على أنها تدل على وجوب القراءة في الخطبة، لأن كلمة (إذا) ظرف لما يُستقبل من الزمان يتضمن معنى الشرط غالبًا، والظرف للفعل لا بد أن يشتمل على الفعل وإلا لم يكن ظرفًا. [المستدرك ٣/ ١٢٨]
٢٨٣٥ - يحرم تخطي رقاب الناس.
قال أبو العباس في موضع آخر: ليس لأحد أن يتخطى رقاب الناس الحواشي
(١) فلو صلّى عليه في أثناء الخطبة حينما يذكرُ قولًا له، أو صلّى عليه في افتتاح الخطبة لكفى.стр. 2066
ليدخل في الصف إذا لم يكن بين يديه فرجة لا يوم الجمعة ولا غيره؛ لأن هذا من الظلم والتعدي لحدود الله تعالى. [المستدرك ٣/ ١٢٩]
٢٨٣٦ - اُسْتُحِبَّتْ وَفُعِلَتْ [أي: خطبة ابن مسعود] فِي مُخَاطَبَةِ النَّاسِ بِالْعِلْمِ عُمُومًا وَخُصُوصًا، مِن تَعْلِيمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْفِقْهِ فِي ذَلِكَ وَمَوْعِظَةِ النَّاسِ وَمُجَادَلَتِهِمْ أَنْ يُفْتَتَحَ بِهَذِهِ الْخُطْبَةِ الشَّرْعِيَّةِ النَّبوَّيةِ.
وَكَانَ الَّذِي عَلَيْهِ شُيُوخُ زَمَانِنَا ائَذِينَ أَدْرَكْنَاهُم وَأَخَذْنَا عَنْهُم وَغَيْرهمْ يَفْتَتِحُونَ مَجْلِسَ التَّفْسِيرِ أَو الْفِقْهِ فِي الْجَوَامِعِ وَالْمَدَارِسِ وَغَيْرِهَا بِخُطْبَةٍ أخْرَى؛ مِثْل: الْحَمْدُ للهِ رَبّ الْعَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ الْمُرْسَلِينَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أجْمَعِينَ، وَرَضِيَ اللهُ عَنَا وَعَنْكُمْ وَعَن مَشَايِخِنَا وَعَن جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، أَو وَعَنِ السَّادَةِ الْحَاضِرِينَ وَجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ.
كَمَا رَأَيْت قَوْمًا يَخْطُبُونَ لِلنّكَاحِ بِغَيْرِ الْخُطْبَةِ الْمَشْرُوعَةِ، وَكُلُّ قَوْمٍ لَهُم نَوْعٌ غَيْر نَوْعِ الْآخَرِينَ، فَإِنَّ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ لَمْ يَخُصَّ النِّكَاحَ، وَإِنَّمَا هِيَ خُطْبَة لِكُلِّ حَاجَةٍ فِي مُخَاطَبَةِ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَالنِّكَاحُ مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ، فَإِنَّ مُرَاعَاةَ السُّنَنِ الشَّرْعِيَّةِ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأعْمَالِ فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ هُوَ كَمَالُ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ.
٢٨٣٧ - قال شيخ الإسلام في رفع الخطيب يديه على المنبر يوم الجمعة: في هذه قولان، هما وجهان في مذهب أحمد في رفع الخطيب يديه، قيل: يستحب، قاله ابن عقيل: وقيل: لا يستحب؛ بل هو مكروه، وهو أصح. [١٨/ ٢٨٧]
قال إسحاق بن راهويه: هو بدعةٌ للخطيب، وإنما كان النبي ﷺ يشير بأصبعه إذا دعا. [المستدرك ٣/ ١٢٨ - ١٢٩]
٢٨٣٨ - مُبْتَدَأُ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
стр. 2067
فَإِنَّ الشَّهَادَةَ بِهَا يَصِيرُ مُسْلِمًا وَهُوَ الْأَصْلُ وَالْأَسَاسُ، وَلهَذَا جُعِلَتْ رُكْنًا فِي الْخُطَبِ:
أ- فِي خُطَبِ الصَّلَاةِ وَهِيَ التَّشَهُّدُ يخْتمُ بِقَوْلِهِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوُلهُ.
ب- وَفِي الْخُطَبِ خَارجَ الصَّلَاةِ؛ كَخُطْبَةِ الْحَاجَةِ: خُطْبَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
ج - وَالْخُطَبِ الْمَشْرُوعَةِ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا.
وَفِي "السُّنَنِ" عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَشَهُّدٌ فَهِيَ كَالْيَدِ الْجَذْمَاءِ" (١) .
وَاَلَّذِينَ أَوْجَبُوا ذِكْرَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْخُطْبَةِ كَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد قَالَ كَثِيرٌ مِنْهُم: يَجِبُ مَعَ الْحَمْدِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ، وَقَالَ بَعْضُهُم: يَجِبُ ذِكْرُهُ إمَّا بِالصَّلَاةِ وَإِمَّا بِالتَّشَهُّدِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ جَدِّي أبِي الْبَرَكَاتِ.
وَالصَّوَابُ: أَنَّ ذِكْرَهُ بِالتَّشَهُّدِ هُوَ الْوَاجِبُ؛ لِدَلَالَةِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ إيمَانٌ بِهِ، وَالصَّلَاةَ عَلَيْهِ دُعَاءٌ لَهُ، وَأَيْنَ هَذَا مِن هَذَا؟
فَقَدَّمَ فِي الْخُطَبِ الْحَمْدَ عَلَى التَّشَهُّدِ، كَمَا قَدَّمَ فِي الْفَاتِحَةِ الْحَمْدَ عَلَى التَّوْحِيدِ بِقَوْلِهِ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) ﴾ [الفاتحة: ٥].
وَلهَذَا كَانَت خُطَبُ النَّبِيِّ ﷺ يَفْتَتِحُهَا بالحمد للهِ، وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ إنَّمَا تُفْتَتَحُ بالحمد.
فَاَلَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ فِي الْخُطْبَةِ: الْحَمْدُ للهِ وَالتَّشَهُّدُ. [٢٢/ ٣٩٠ - ٣٩٤]
٢٨٣٩ - إِنَ كُلَّ قَوْمٍ كَانُوا مُسْتَوْطِنِينَ بِبِنَاءٍ مُتَقَارِبٍ لَا يَظْعَنُونَ عَنْهُ شِتَاءً وَلَا الحواشي
(١) رواه أبو داود(٤٨٤١) ، والترمذي(١١٠٦) ، وصحَّحه الألباني في صحيح الترمذي(١١٠٦) .стр. 2068
صَيْفًا تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ، إذ (١) كَانَ مَبْنِيًّا بِمَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُم: مِن مَدَرٍ وَخَشَبٍ، أَو قَصَبٍ، أَو جَرِيدٍ، أو سَعَفٍ، أَو غَيْرِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ أَجْزَاءَ الْبِنَاءِ وَمَادَّتَهُ لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي ذَلِكَ، إنَّمَا الْأَصْل أَنْ يَكُونُوا مُسْتَوْطِنِينَ لَيْسُوا كَأَهْلِ الْخِيَامِ وَالْحُلَلِ الَّذِينَ يَنْتَجِعُونَ فِي الْغَالِبِ مَوَاقِعَ الْقَطْرِ، وَيَتَنَقَّلُونَ فِي الْبِقَاعِ، وَيَنْقُلُونَ بُيُوتَهُم مَعَهُم إذَا انْتَقَلُوا، وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد: لَيْسَ عَلَى الْبَادِيَةِ جُمُعَةٌ لِأَنَّهُم يَنْتَقِلُونَ.
فَعَلَّلَ سُقُوطَهَا بِالِانْتِقَالِ، فَكُلُّ مَن كَانَ مُسْتَوْطِنًا لَا يَنْتَقِلُ بِاخْتِيَارِهِ فَهُوَ مِن أَهْلِ الْقُرَى (٢) . [٢٤/ ١٦٦ - ١٦٩]
٢٨٤٠ - تَنَازَعَ النَّاسُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ: هَل تُشْتَرَطُ لَهُمَا الْإِقَامَةُ أَمْ تُفْعَلُ فِي السَّفَرِ؟ عَلَى ثَلَاَثةِ أقوَالٍ:
أَحَدُهَا: مِن شَرْطِهِمَا جَمِيعًا الْإِقَامَةُ فَلَا يُشْرَعَانِ فِي السَّفَرِ، هَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَد فِي أظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ.
وَالثَّانِي: يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِي الْجُمُعَةِ دُونَ الْعِيدِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَالثَّالِثُ: لَا يُشْتَرَطُ لَا فِي هَذَا وَلَا هَذَا كَمَا يَقُولُهُ مَن يَقُولُهُ مِنَ الظَّاهِرِيَّةِ.
وَالصَّوَابُ بِلَا ريبٍ هُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ لِلْمُسَافِرِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُسَافِرُ أَسْفَارًا كَثِيرَةً، قَدِ اعْتَمَرَ ثَلَاثَ عُمَرٍ سِوَى عُمْرَةِ حَجَّتِهِ، وَحَجَّ حَجَّةَ الْوَدَاعِ وَمَعَهُ أُلُوفٌ مُؤَلَّفَةٌ، وَغَزَا أَكْثَرَ مِن عِشْرِينَ الحواشي
(١) هكذا في الأصل! ولعل الصواب: (إذا).(٢) قال هذه الفتوى جوابًا لأهل البحرين له، ومما جاء فيه: هُنَالِكَ مَسْجِدٌ مَبْنِي بِمَدَرٍ وَحَوْلَهُ أَقْوَامٌ كَثِيرُونَ مُقِيمُونَ مُسْتَوْطِنُونَ لَا يَظْعَنُونَ عَنِ الْمَكَانِ شِتَاءً وَلَا صَيْفًا إلَّا أَنْ يُخْرِجَهُم أحَدٌ بِقَهْرٍ، بَل هُم وَآبَاؤُهُم وَأَجْدَادُهُم مُسْتَوْطِنُونَ بِهَذَا الْمَكَانِ كَاسْتِيطَانِ سَائِر أَهْلِ الْقُرَى، لَكِنَّ بُيُوتَهُم لَيْسَتْ مَبْنِيَّةً بِمَدَرٍ، إنَّمَا هِيَ مَبْنيَّةٌ بِجَرِيدِ النَّخْلِ وَنَحْوِهِ. فأجابهم بأَنَّ مِثْل هَذِهِ الصُّورَةِ تُقَامُ فِيهَا الْجُمُعَةُ.стр. 2069
غَزَاة، وَلَمْ يَنْقُلْ عَنْهُ أَحَدٌ قَطُّ أَنَّهُ صَلَّى فِي السَّفَرِ لَا جُمُعَةً وَلَا عِيدًا؛ بَل كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فِي جَمِيعِ أَسْفَارِهِ، ويوْمَ الْجُمُعَةِ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ كَسَائِرِ الْأَيَّامِ، وَلَمْ يَنْقُلْ عَنْهُ أَحَد قَطُّ أَنَّهُ خَطَبَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهُوَ مُسَافِرٌ قَبْلَ الصَّلَاةِ لَا وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى قَدَمَيْهِ وَلَا عَلَى رَاحِلَتِهِ كَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ فِي خُطْبَةِ الْعِيدِ، وَلَا عَلَى مِنْبَرٍ كَمَا كَانَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَد كَانَ أَحْيَانًا يَخْطُبُ بِهِم فِي السَّفَرِ خُطَبًا عَارِضَةً. [٢٤/ ١٧٧ - ١٧٨]
٢٨٤١ - يُحْتَمَل أَنْ يُقَالَ بِوُجُوبِ الْجُمُعَةِ عَلَى مَن فِي الْمِصْرِ مِنَ الْمُسَافِرِينَ وَإِن لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِم الْإِتْمَامُ، كَمَا لَو صَلَّوْا خَلْفَ مَن يُتِمُّ فَإِنَّ عَلَيْهِم الْإِتْمَامَ تبَعًا لِلْإِمَامِ، كَذَلِكَ تَجِبُ عَلَيْهِم الْجُمُعَةُ تبَعًا لِلْمُقِيمِينَ.
وَهَؤُلَاءِ تَجِبُ عَلَيْهِم الْجُمُعَةُ لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ﴾ [الجمعة: ٩] وَنَحْوِهَا يَتَنَاوَلُهُمْ، وَلَيْسَ لَهُم عُذْرٌ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي مِصْرِ الْمُسْلِمِينَ مَن لَا يُصَلِّي الْجُمُعَةَ إلَّا مَن هُوَ عَاجِزٌ عَنْهَا كَالْمَرِيضِ وَالْمَحْبُوسِ، وَهَؤُلَاءِ قَادِرُونَ عَلَيْهَا؛ لَكِنِ الْمُسَافِرُونَ لَا يَعْقِدُونَ جُمُعَةً، لَكنْ إذَا عَقَدَهَا أَهْلُ الْمِصْرِ صَلَّوْا مَعَهُمْ، وَهَذَا أَوْلَى مِن إتْمَامِ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْإِمَامِ الْمُقِيمِ.
وَكَذَلِكَ وُجُوبُهَا عَلَى الْعَبْدِ قَوِيٌّ: إمَّا فطْلَقًا وَإِمَّا إذَا أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ.
وَالْمُسَافِرُ فِى الْمِصْرِ لَا يُصَلِّي عَلَى الرَّاحِلَةِ وَإِن كَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فَكَذَلِكَ الْجُمُعَةُ.
وَأَمَّا إفْطَارُهُ: فَالنَّبِيُّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَكَانَ هُوَ وَالْمُسْلِمُونَ مُفْطِرِينَ، وَمَا نقِلَ أَنَّهُم أُمِرُوا بِابْتِدَاءِ الصَّوْمِ فَالْفِطْرُ كَالْقَصْرِ؛ لِأنَّ الْفِطْرَ مَشْرُوعٌ لِلْمُسَافِرِ فِي الْإِقَامَاتِ ائتِي تَتَخَلَّلُ السَّفَرَ كَالْقَصْرِ؛ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فَإِنَّهُ لَا يُشْرَعُ إلَّا فِي حَالِ السَّيْرِ، وَلأنَّ اللهَ عَلَّقَ الْفِطْرَ وَالْقَصْرَ بِمُسَمَّى السَّفَرِ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فَلَيْسَ فِيهِ لَفْظُ إتْمَامٍ؛ بَل فِيهِ الْفِعْلُ الَّذِي لَا عُمُومَ لَهُ، فَهُوَ مِن جِنْسِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ الَّذِي يُبَاحُ لِلْعُذْرِ مُطْلَقًا، كَمَا أَنَّ
стр. 2070
الصَّلَاةَ عَلَى الرَّاحِلَةِ تُبَاحُ لِلْعُذْرِ فِي السَّفَرِ فِي الْفَرِيضَةِ مَعَ الْعُذْرِ الْمَانِعِ مِن النُّزُولِ، وَالْمُتَطَوِّعُ مُحْتَاجٌ إلَى دَوَامِ التَّطَوُّعِ، وَهَذَا لَا يُمْكِنُ مَعَ النُّزُولِ وَالسَّفَرِ، وَإِذَا جَازَ التَّطَوُّعُ قَاعِدًا مَعَ إمْكَانِ الْقِيَامِ فَعَلَى الرَّاحِلَةِ لِلْمُسَافِرِ أجوز. [٢٤/ ١٨٤ - ١٨٥]
٢٨٤٢ - النَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَكُن يُصَلِّي قَبْلَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْأَذَانِ شَيْئًا وَلَا نَقَلَ هَذَا عَنْهُ أَحَدٌ. [٢٤/ ١٨٨]
٢٨٤٣ - وَلهَذَا كَانَ جَمَاهِيرُ الْأئِمَّةِ مُتَّفِقِينَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ قَبْلَ الْجُمُعَةِ سُنَّةٌ مُؤَقَّتَةٌ بِوَقْتٍ مُقَدَّرَةٌ بِعَدَد. [٢٤/ ١٨٩]
٢٨٤٤ - الصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: لَيْسَ قَبْلَ الْجُمُعَةِ سُنَّة رَاتِبَةٌ مُقَدَّرَةٌ، وَلَو كَانَ الْأَذَانَانِ عَلَى عَهْدِهِ، فَإِنَّهُ قَد ثَبَتَ عَنْهُ فِي "الصَّحِيحِ" أَنَّهُ قَالَ: "بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ، بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صلَاةٌ، بَيْنَ كلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: لِمَن شَاءَ" (١) ؛ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً.
ويتَوَجَّهُ أَنْ يُقَالَ: هَذَا الْأَذَانُ لَمَّا سَنَّهُ عُثْمَانُ وَاتَّفَقَ الْمُسْلِمونَ عَلَيْهِ صَارَ أَذَانًا شَرْعِيًّا، وَحِينَئِذٍ فَتَكُونُ الصَّلَاةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَذَانِ الثَّانِي جَائِزَةً حَسَنَةً، وَلَيْسَتْ سُنَّةً رَاتِبَةً؛ كَالصَّلَاةِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ.
وَحِينَئِذٍ فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ، وَمَن تَرَكَ ذَلِكَ لَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ، وَهَذَا أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ، وَكَلَامُ الْإِمَامِ أَحْمَد يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وَحِينَئذٍ فَقَد يَكُونُ تَرْكُهَا أَفْضَلَ إذَا كَانَ الْجُهَّالُ يَظُنُّونَ أَنَّ هَذِهِ سُنَّةٌ رَاتِبَةٌ، أَو أَنَّهَا وَاجِبَةٌ، فَتُتْرَكُ حَتَّى يَعْرِفَ النَّاسُ أَنَّهَا لَيْسَتْ سُنَّةً رَاتِبَةً وَلَا وَاجِبَةً، لَا سِيَّمَا إذَا دَاوَمَ النَّاسُ عَلَيْهَا، فَيَنْبَغِي تَرْكُهَا أَحْيَانًا حَتَّى لَا تُشْبِهَ الْفَرْضَ، كَمَا اسْتَحَبَّ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَلَّا يُدَاوَمَ عَلَى قِرَاءَةِ السَّجْدَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مَعَ أَنَّهُ قَد ثَبَتَ الحواشي
(١) رواه البخاري(٦٢٧) ، ومسلم(٨٣٨) .следующие страницы →