← Фатава

Фатава · id 879

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (3 539 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

الْيَسِيرَةِ أحْيَانًا، ويسُوغُ أَيْضًا أَنْ يَتْرُكَ الْإِنْسَانُ الْأَفْضَلَ لِتَأْلِيفِ الْقُلُوبِ وَاجْتِمَاعِ الْكَلِمَةِ خَوْفًا مِنَ التَّنْفِيرِ عَمَّا يَصْلُحُ، كَمَا تَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ بِنَاءَ الْبَيْتِ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ؛ لِكَوْنِ قُرَيْشٍ كَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِالْجَاهِلِيَّةِ وَخَشِيَ تَنْفِيرَهُم بِذَلِكَ، وَرَأَى أَنَّ مَصْلَحَةَ الِاجْتِمَاعِ والائتلاف مُقَدَّمَةٌ عَلَى مَصْلَحَةِ الْبِنَاءِ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ (١). [٢٢/ ٤٣٦ - ٤٣٧] ٢٧٣٨ - الْأَفْضَلُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَتَحَرَّى صَلَاةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّتِي كَانَ يُصَلِّيهَا بِأصْحَابِهِ؛ بَل هَذَا هُوَ الْمَشْرُوعُ الَّذِي يَأمُرُ بِهِ الْأَئِمَّةُ؛ كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ فِي "الصَّحِيحِ" أَنَّهُ قَالَ لِمَالِكِ بْنِ الحويرث وَصَاحِبهِ: "إذَا حَضَرَت الصَّلَاةُ فَأذِّنَا وَأَقِيمَا وَلْيَؤُمَّكُمَا أَحَدُكمَا وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" (٢).

стр. 1997

وَقَد ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ فِي "الصَّحِيحِ": "أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ فِي الْفَجْرِ بِمَا بَيْنَ السِّتِّينَ آيَةً إلَى مِائَةِ آيَةٍ" (١)، وَهَذَا بِالتَّقْرِيبِ نَحْوُ ثُلُثِ جُزْءٍ إلَى نِصْفِ جُزْءٍ مِن تَجْزِئَةِ ثَلَاثِينَ، فَكَانَ يَقْرَأُ بِطِوَالِ الْمُفَضلِ. وَكَانَ يَقْرَأ فِي الظُّهْرِ بِأَقَلَّ مِن ذَلِكَ بِنَحْوِ ثَلَاثِينَ آيَةً. وَيَقْرَأ فِي الْعَصْرِ بِأَقَل مِن ذَلِكَ. وَيَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِأَقَلَّ مِن ذَلِكَ مِثْل قِصَارِ الْمُفَصَّلِ. وَفِي الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ بِنَحْوِ: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾ [الشمس: ١]، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾ [الليل: ١]، وَنَحْوِهِمَا. وَكَانَ أَحْيَانًا يُطِيلُ الصَّلَاةَ وَيَقْرَأُ بِأَكْثَرَ مِن ذَلِكَ. وَلَيْسَ لِلْإمَامِ أنْ يُطِيلَ عَلَى الْقَدْرِ الْمَشْرُوعِ إلَّا أَنْ يَخْتَارُوا ذَلِكَ؛ كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ فِي "الصَّحِيحِ" أَنَّهُ قَالَ ﷺ : "إذَا أَمَّ أحَدُكمْ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ وَإِذَا صَلَّى لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ" (٢). وَكَانَ يُطِيلُ الركُوعَ وَالسُّجُودَ والاعتدالين. وَفِي "السُّنَنِ" (٣) أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ شَبَّهَ صَلَاةَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِصَلَاتِهِ، وَكَانَ عُمَرُ يُسَبِّحُ فِي الرُّكُوعِ نَحْو عَشْرِ تَسْبِيحَاتٍ، وَفِي السُّجُودِ نَحْو عَشْرِ تَسْبِيحَاتٍ (٤). فَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَفْعَلَ فِي الْغَالِبِ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَفْعَلُهُ فِي الْغَالِبِ. وَإِذَا اقْتَضَتِ الْمَصْلَحَةُ أَنْ يُطِيلَ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ أَو يُقَصِّرَ عَن ذَلِكَ فَعَلَ ذَلِكَ؛ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْيَانًا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ وَأَحْيَانًا يُنْقِصُ عَن ذَلِكَ. [٢٢/ ٣١٥ - ٣١٨]

стр. 1998

٢٧٣٩ - إِنَّ الْمَسَاجِدَ يَجِبُ أَنْ يُوَلَّى فِيهَا الْأَحَقُّ شَرْعًا، وَهُوَ الْأَقْرَأُ لِكِتَابِ اللهِ وَالْأَعْلَمُ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، الْأَسْبَقُ إلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ؛ مِثْل أَنْ يَكُونَ أَسْبَقَ هِجْرَةً أَو أَقْدَمَ سِنًّا. فَكَيْفَ إذَا كَانَ الْأَحَقُّ هُوَ الْمُتَوَلِّي فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ عَزْلُهُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. [٣١/ ٩٥] ٢٧٤٠ - كَانَ أَحْمَدُ ﵀ فِي الْمَنْصُوصِ عَنْهُ وَطَائِفَةٌ مِن أَصْحَابِهِ يَقُولُ: يَجُوزُ اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ لِلْحَاجَةِ، كَمَا فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ، وَكَمَا لَو كَانَ الْمُفْتَرِضُ غَيْرَ قَارِئٍ كَمَا فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ وَمُعَاذٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَإِن كَانَ لَا يُجَوّزُهُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ. وَيُشْبِهُ هَذَا: مُفَارَقَةُ الْمَأْمُومِ إمَامَهُ قَبْلَ السَّلَامِ، فَعَنْهُ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ: أَوْسَطُهَا جَوَاز ذَلِكَ لِلْحَاجَةِ، كَمَا تَفْعَلُ الطَّائِفَةُ الْأُولَى فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ، وَكَمَا فَعَلَ الَّذِي طَوَّلَ عَلَيْهِ مُعَاذٌ صَلَاةَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ لَمَّا شَقَّ عَلَيْهِ طُولُ الصَّلَاةِ. وَلهَذَا جَوَّزَ أَحْمَد عَلَى الْمَشْهُورِ عَنْهُ أَنْ تَؤُمَّ الْمَرْأَةُ الرِّجَالَ لِحَاجَةِ؛ مِثْل أَنْ تَكُونَ قَارِئَةً وَهُم غَيْرُ قَارِئينَ فَتُصَلِّي بِهِمُ التَّرَاوِيحَ، كَمَا أَذِنَ النَّبِيُّ ﷺ لِأُمِّ وَرَقَةَ أَنْ تَؤمَّ أَهْلَ دَارِهَا، وَجَعَلَ لَهَا مُؤَذِّنًا وَتَتَأَخَّرُ خَلْفَهُمْ (١)، وَإِن كَانُوا مَأْمُومِينَ بِهَا لِلْحَاجَةِ.

стр. 1999

وَهُوَ حُجَّةٌ لِمَن يُجَوِّزُ تَقَدُّمَ الْمَأْمُومِ لِحَاجَة، هَذَا مَعَ مَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ مِن قَوْلِهِ: "لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا" (١)، وَأنَّ الْمَنْعَ مِن إمَامَةِ الْمَرْأَةِ بِالرِّجَالِ قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ. [٢٣/ ٢٤٧ - ٢٤٩] ٢٧٤١ - مَن كَانَ إمَامًا رَاتِبًا فِي مَسْجِدٍ فَصَلَاتُهُ فِيهِ إذَا لَمْ تَقُمْ الْجَمَاعَةُ إلَّا بِهِ أَفْضَلُ مِن صَلَاتِهِ فِي غَيْرِهِ وَإِن كَانَ أَكْثَرَ جَمَاعَةٍ. [٢٣/ ٢٥٢] ٢٧٤٢ - قال ﷺ : "يَؤُمُّ الْقَوْمَ أقرَؤُهُم لِكِتَاب اللهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُم بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا في السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُم هِجْرَةً" (٢). فَيُفَرَّقُ بَيْنَ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ أَو الْعِلْمِ بِالسُّنَةِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ. وَإِنَّمَا يَكونُ تَرْجِيحُ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ عَلَى بَعْضٍ إذا اسْتَوَوْا فِي الْمَعْرِفَةِ بِإِقَامِ الصَّلَاةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ وَفَعَلَهَا عَلَى السُّنَّةِ، وَفِي دِينِ الْإِمَامِ الَّذِي يَخْرُجُ بِهِ الْمَأْمُومُ عَن نَقْصِ الصَّلَاةِ خَلْفَهُ. فَإِذَا اسْتَوَيَا فِي كَمَالِ الصَّلَاةِ: قُدِّمَ الْأَقْرَأُ، ثُمَّ الْأَعْلَمُ بِالسُّنَّةِ، وَإِلَّا فَفَضْلُ الصَّلَاةِ فِي نَفْسِهَا مُقَدَّمٌ عَلَى صِفَةِ إمَامِهَا. وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنَ الْعِلْمِ وَالدِّينِ فِيهَا مُقَدَّمٌ عَلَى مَا يُسْتَحَبُّ مِن ذَلِكَ. [٢٣/ ٢٤٤] فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا فَاجِرًا؛ مِثْل أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالْكَذِبِ وَالْخِيَانَةِ وَنَحْوِ

стр. 2000

ذَلِكَ مِن أسْبَابِ الْفُسُوقِ، وَالْآخَرُ مُؤمِنًا مِن أَهْلِ التَّقْوَى، فَهَذَا الثَّانِي أَوْلَى بِالْأِمَامَةِ إذَا كَانَ مِن أَهْلِهَا، وَإِن كَانَ الْأوَّلُ أَقْرَأ وَأَعْلَمَ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ خَلْفَ الْفَاسِقِ مَنْهِيٌّ عَنْهَا نَهْيَ تَحْرِيمٍ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَنَهْيَ تَنْزِيهٍ عِنْدَ بَعْضِهِمْ. [٢٣/ ٣٤١] ٢٧٤٣ - الصَّلَاةُ خَلْفَ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ وَخَلْفَ أَهْلِ الْفُجُورِ: فِيهِ نِزَاعٌ مَشْهُورٌ، لَكِنْ أَوْسَطُ الْأقْوَالِ فِي هَؤُلَاءِ أَنَّ تَقْدِيمَ الْوَاحِدِ مِن هَؤُلَاءِ فِي الْإِمَامَةِ لَا يَجُوزُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى غَيْرِهِ. فَإِنَّ مَن كَانَ مُظْهِرَا لِلْفُجُورِ أَو الْبِدَعِ يَجِبُ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ وَنَهْيُهُ عَن ذَلِكَ، وَأَقَلُّ مَرَاتِبِ الْإِنْكارِ هَجْرُهُ لِيَنْتَهِيَ عَن فُجُورِهِ وَبِدْعَتِهِ. وَلهَذَا فَرَّقَ جُمْهُورُ الْأئِمَّةِ بَيْنَ الدَّاعِيَةِ وَغَيْرِ الدَّاعِيَةِ؛ فَإِنَّ الدَّاعِيَةَ أَظْهَرَ الْمُنْكَرَ فَاسْتَحَقَّ الْإِنْبهَارَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ السَّاكِتِ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَن أَسَرَّ بِالذَّنْبِ فَهَذَا لَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ فِي الظَّاهِرِ، فَإِنَّ الْخَطِيئَةَ إذَا خَفِيَتْ لَمْ تَضُرَّ إلا صَاحِبَبها وَلَكِنْ إذَا اعْلِنَتْ فَلَمْ تُنْكَرْ ضَرَّت الْعَامَّةَ؛ وَلهَذَا كَانَ الْمُنَافِقُونَ تُقْبَلُ مِنْهُم عَلَانِيَتَهُم وَتُوكَلُ سَرَائِرُهُم إلَى اللهِ تَعَالَى بِخِلَافِ مَن أظْهَرَ الْكُفْرَ. فَإِذَا كَانَ دَاعِيَةً: مُنِعَ مِن وِلَايَتِهِ وَإِمَامَتِهِ وَشَهَادَتِهِ وَرِوَايَتِهِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِن النَّهْيِ عَن الْمُنْكرِ، لَا لِأجْلِ فَسَادِ الصَّلَاةِ أَو اتِّهَامِهِ فِي شَهَادَتِهِ وَرِوَايَتِهِ (١). فَإِذَا أمْكَنَ لِإِنْسَان أَلَّا يُقَدِّمَ مُظْهِرَا لِلْمُنْكرِ فِي الْإِمَامَةِ وَجَبَ ذَلِكَ. لَكِنْ إذَا وَلَّاهُ غَيْرُهُ وَلَمْ يُمْكِنْهُ صَرْفُهُ عَن الْإِمَامَةِ، أَو كَانَ هُوَ لَا يَتَمَكَّنُ

стр. 2001

مِن صَرْفِهِ إلَّا بِشَرّ أَعْظَمَ ضَرَرًا مِن ضَرَرِ مَا أَظْهَرَهُ مِن الْمُنْكَرِ: فَلَا يَجُوزُ دَفْعُ الْفَسَادِ الْقَلِيلِ بِالْفَسَادِ الْكَثِيرِ، وَلَا دَفْعُ أَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ بِتَحْصِيلِ أَعْظَمِ الضَّرَرَيْنِ، فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ جَاءَت بِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَتَكْمِيلِهَا وَتَعْطِيلِ الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ. وَمَطْلُوبُهَا تَرْجِيحُ خَيْرِ الْخَيْرَيْنِ إذَا لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَجْتَمِعَا جَمِيعًا، وَدَفْعُ شَرِّ الشَّرَّيْنِ إذَا لَمْ يَنْدَفِعَا جَمِيعًا. فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ مَنْعُ الْمُظْهِرِ لِلْبِدْعَةِ وَالْفُجُورِ إلَّا بِضَرَر زَائِدٍ عَلَى ضَرَرِ إمَامَتِهِ: لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ؛ بَل يُصَلِّي خَلْفَهُ مَا لَا يُمْكِنُهُ فِعْلُهَا إلَّا خَلْفَهُ؛ كَالْجُمَعِ، وَالْأَعْيَادِ، وَالْجَمَاعَةِ إذَا لَمْ يَكُن هُنَاكَ إمَامٌ غَيْرُهُ، وَلهَذَا كَانَ الصَّحَابَة يُصَلُّونَ خَلْفَ الْحَجَّاجِ وَالْمُخْتَارِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ الثَّقَفِيِّ وَغَيْرِهِمَا الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ؛ فَإِنَّ تَفْوِيتَ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ أَعْظَمُ فَسَادًا مِن الِاقْتِدَاءِ فِيهِمَا بِإِمَام فَاجِرٍ، لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ التَّخَلُّفُ عَنْهُمَا لَا يَدْفَعُ فُجُورَهُ، فَيَبْقَى تَرْكُ الْمَصْلَحَةِ الشَّرْعِيَّةِ بِدُونِ دَفْعِ تِلْكَ الْمَفْسَدَةِ. وَلهَذَا كَانَ التَّارِكُونَ لِلْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَاتِ خَلْفَ أَئِمَّةِ الْجَوْرِ مُطْلَقًا: مَعْدُودِينَ عِنْدَ السَّلَفِ وَالْأئِمَّةِ مِن أَهْلِ الْبِدَع. وَأَمَّا إذَا أَمْكَنَ فِعْلُ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ خَلْفَ الْبَرِّ: فَهُوَ أَوْلَى مِن فِعْلِهَا خَلْفَ الْفَاجِرِ. وَحِينَئِذٍ فَإِذَا صَلَّى خَلْفَ الْفَاجِرِ مِن غَيْرِ عُذْرٍ فَهُوَ مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ لِلْعُلَمَاءِ: مِنْهُم مَن قَالَ: أَنَّهُ يُعِيدُ. وَمِنْهُم مَن قَالَ: لَا يُعِيدُ، قَالَ: لِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي نَفْسِهَا صَحِيحَة. وَأَمَّا إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الصَّلَاةُ إلا خَلْفَهُ كَالْجُمُعَةِ فَهُنَا لَا تُعَادُ الصَّلَاةُ، وَإِعَادَتُهَا مِن فِعْلِ أَهْلِ الْبِدَعِ. وَأَمَّا الصَّلَاةُ خَلْفَ مَن يَكْفُرُ بِبِدْعَتِهِ مِن أَهْلِ الْأَهْوَاءِ: فَهُنَاكَ قَد تَنَازَعُوا

стр. 2002

فِي نَفْسِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ خَلْفَهُ، وَمَن قَالَ إنَّهُ يَكْفُرُ أُمِرَ بِالْإِعَادَةِ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ خَلْفَ كَافِرٍ. لَكِنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِتَكْفِيرِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، وَالنَّاسُ مُضْطَرِبُونَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَقَد حُكِيَ عَن مَالِكٍ فِيهَا رِوَايَتَانِ، وَعَن الشَّافِعِيِّ فِيهَا قَوْلَانِ، وَعَن الْإِمَامِ أَحْمَد أَيْضًا فِيهَا رِوَايَتَانِ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْكَلَامِ فَذَكَرُوا لِلْأَشْعَرِيِّ فِيهَا قَوْلَيْنِ، وَغَالِبُ مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ فِيهَا تَفْصِيلٌ. وَحَقِيقَةُ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الْقَوْلَ قَد يَكُونُ كُفْرًا فَيُطْلَقُ الْقَوْلُ بِتَكْفِيرِ صَاحِبِهِ، وَيُقَالُ: مَن قَالَ كَذَا فَهُوَ كَافِرٌ، لَكِنَّ الشَّخْصَ الْمُعَيَّنَ الَّذِي قَالَهُ لَا يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الَّتِي يَكْفُرُ تَارِكُهَا. فَأَمَّا التَّفْرِيقُ بَيْنَ نَوْعٍ وَتَسْمِيَتِهِ مَسَائِلَ الْأُصُولِ، وَبَيْنَ نَوْعٍ آخَرَ وَتَسْمِيَتِهِ مَسَائِلَ الْفُرُوعِ: فَهَذَا الْفَرْقُ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ لَا عَن الصَّحَابَةِ وَلَا عَن التَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَانٍ وَلَا أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَأْخُوذٌ عَن الْمُعْتَزِلَةِ وَأَمْثَالِهِمْ مِن أَهْلِ الْبِدَعِ، وَعَنْهُم تَلَقَّاهُ مَن ذَكَرَهُ مِن الْفُقَهَاءِ فِي كُتُبِهِمْ، وَهُوَ تَفْرِيق مُتَنَاقِضٌ. فَإِنَّهُ يُقَالُ لِمَن فَرَّقَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ: مَا حَدٌ مَسَائِلِ الْأُصُولِ الَّتِي يَكْفرُ الْمُخْطِئُ فِيهَا؟ وَمَا الْفَاصِلُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَسَائِلِ الْفُرُوعِ؟ فَإِنْ قَالَ: مَسَائِلُ الْأُصُولِ هِيَ مَسَائِلُ الِاعْتِقَادِ، وَمَسَائِلُ الْفرُوعِ هِيَ مَسَائِلُ الْعَمَلِ. قِيلَ لَهُ: فَتَنَازَعَ النَّاسُ فِي مُحَمَّدٍ ﷺ هَل رَأَى رَبَّهُ أَمْ لَا؟ وَفِي أَنَّ عُثْمَانَ أَفْضَلُ مِن عَلِيٍّ أَمْ عَلِيٌّ أَفْضَلُ؟ وَفِي كَثِيرٍ مِن مَعَانِي الْقُرْآنِ وَتَصْحِيحِ بَعْضِ الْأَحَادِيثِ هِيَ مِن الْمَسَائِلِ الِاعْتِقَادِيَّةِ الْعِلْمِيَّةِ وَلَا كُفْرَ فِيهَا بِالِاتِّفَاقِ. وَوُجُوبُ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَتَحْرِيمِ الْفَوَاحِشِ وَالْخَمْرِ هِيَ مَسَائِلُ عَمَلِيَّةٌ وَالْمُنْكِرُ لَهَا يَكْفُرُ بِالِاتِّفَاقِ.

стр. 2003

وَإِن قَالَ الْأُصُولُ: هِيَ الْمَسَائِل الْقَطْعِيَّةُ. قِيل له: كَثِيرٌ مِن مَسَائِلِ الْعَمَلِ قَطْعِيَّةٌ، وَكَثِيرٌ مِن مَسَائِلِ الْعِلْمِ لَيْسَتْ قَطْعِيَّةً، وَكَوْنُ الْمَسْأَلَةِ قَطْعِيَّةً أَو ظَنّيَّةً هُوَ مِن الْأُمُورِ الْإِضَافِيَّةِ، وَقَد تَكُونُ الْمَسْأَلَةُ عِنْدَ رَجُلٍ قَطْعِيَّةً لِظُهُورِ الدَّلِيلِ الْقَاطِع لَهُ كَمَن سَمِعَ النَّصَّ مِن الرَّسُولِ ﷺ وَتَيَقَّنَ مُرَادَهُ مِنْهُ، وَعِنْدَ رَجُلٍ لَا تَكُون ظَنِّيَّةً فَضْلًا عَن أَنْ تَكُونَ قَطْعِيَّةً، لِعَدَمِ بُلُوغِ النَّصِّ إيَّاهُ، أَو لِعَدَمِ ثُبُوتِهِ عِنْدَهُ، أَو لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِن الْعِلْمِ بِدَلَالَتِهِ. وَقَد ثَبَتَ فِي "الصِّحَاحِ" عَن النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثُ الَّذِي قَالَ لِأَهْلِهِ: "إذَا أَنَا مُتّ فَأَحْرِقُونِي ثُمَّ اسْحَقُونِي ثُمَّ ذروني فِي الْيَمِّ فَوَاللهِ لَئِنْ قَدَرَ اللهُ عَلَيَّ لَيُعَدِّبُنِي اللهُ عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا مِن الْعَالَمِينَ، فَأَمَرَ اللهُ الْبَرَّ بِرَدِّ مَا أَخَذَ مِنْهُ وَالْبَحْرَ بِرَدِّ مَا أَخَذَ مِنْهُ وَقَالَ: مَا حَمَلَك عَلَى مَا صَنَعْت؟ قَالَ خَشْيَتَك يَا رَبِّ فَغَفَرَ اللهُ لَهُ" (١): فَهَذَا شَكَّ فِي قُدْرَةِ اللهِ وَفِي الْمَعَادِ؛ بَل ظَنَّ أَنَّهُ لَا يَعُودُ، وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ اللهُ عَلَيْهِ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ وَغَفَرَ اللهُ لَهُ. وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ مَبْسُوطَةٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَلَكِنَ الْمَقْصُودَ هُنَا أَنَّ مَذَاهِبَ الْأَئِمَّةِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ بَيْنَ النَّوْعِ وَالْعَيْنِ، وَلهَذَا حَكَى طَائِفَةٌ عَنْهُم الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ وَلَمْ يَفْهَمُوا غَوْرَ قَوْلِهِمْ، فَطَائِفَةٌ تَحْكِي عَن أَحْمَد فِي تَكْفِيرِ أَهْلِ الْبِدَعِ رِوَايَتَيْنِ مُطْلَقًا، حَتَّى تَجْعَلَ الْخِلَافَ فِي تَكْفِيرِ الْمُرْجِئَةِ وَالشِّيعَةِ الْمُفَضَّلَةِ لِعَلِيِّ، وَرُبَّمَا رَجَّحَت التَّكْفِيرَ وَالتَّخْلِيدَ فِي النَّارِ، وَلَيْسَ هَذَا مَذْهَبَ أَحْمَد وَلَا غَيْرِهِ مِن أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ؛ بَل لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُهُ أَنَّهُ لَا يُكَفِّرُ الْمُرْجِئَةَ الَّذِينَ يَقُولُونَ: الْإِيمَانُ قَوْلٌ بِلَا عَمَلٍ، وَلَا يُكَفِّرُ مَن يُفَضِّلُ عَلِيًّا عَلَى عُثْمَانَ؛ بَل نُصُوصُهُ صَرِيحَةٌ بِالِامْتِنَاعِ مِن تَكْفِيرِ الْخَوَارجِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ.

стр. 2004

وَإِنَّمَا كَانَ يُكَفِّرُ الْجَهْمِيَّة الْمُنْكِرِينَ لِأَسْمَاءِ اللهِ وَصِفَاتِهِ؛ لِأَنَّ مُنَاقَضَةَ أَقْوَالِهِمْ لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ ظَاهِرَةٌ بَيِّنَةٌ. لَكِنْ مَا كَانَ يُكَفِّرُ أَعْيَانَهُمْ. وَأَمَّا قَتْلُ الدَّاعِيَةِ إلَى الْبِدَعِ فَقَد يُقْتَلُ لِكَفِّ ضَرَرِهِ عَنِ اْلنَّاسِ كَمَا يُقْتَلُ الْمُحَارِبُ، وَإِن لَمْ يَكُن فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كفْرًا، فَلَيْسَ كُلُّ مَن أُمِرَ بِقَتْلِهِ يَكُونُ قَتْلُهُ لِرِدَّتِهِ، وَعَلَى هَذَا قَتْلُ غَيْلَان الْقَدَرِيّ وَغَيْره قَد يَكُونُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ. [٢٣/ ٣٤٢ - ٣٥٠] ٢٧٤٤ - مَن لَا يُقِيمُ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ: لَا يُصَلِّي خَلْفَهُ إلَّا مَن هُوَ مِثْلُهُ، فَلَا يُصَلِّي خَلْفَ الْأَلْثَغِ الَّذِي يُبَدِّلُ حَرْفًا بِحَرْفٍ، إلا حَرْفَ الضَّادِ إذَا أَخْرَجَهُ مِن طَرَفِ الْفَمِ كَمَا هُوَ عَادَةُ كَثِيرٍ مِن النَّاسِ، فَهَذَا فِيهِ وَجْهَانِ: مِنْهُم مَن قَالَ: لَا يُصَلِّي خَلْفَهُ وَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ أَبْدَلَ حَرْفًا بِحَرْفٍ؛ لِأَنَّ مَخْرَجَ الضَّادِ الشِّدْق، وَمَخْرَجَ الظَّاءِ طَرَفُ الْأَسْنَانِ، فَإِذَا قَالَ: (وَلَا الظَّالِّينَ) كَانَ مَعْنَاهُ: ظَلَّ يَفْعَلُ كَذَا. وَالْوَجْهُ الثانِي: تَصِحُّ، وَهَذَا أَقْرَبُ؛ لِأَنَّ الْحَرْفَيْنِ فِي السَّمْعِ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَحِسُّ أَحَدِهِمَا مِن جِنْسِ حِسِّ الْآخَرِ لِتَشَابُهِ الْمَخْرَجَيْنِ. وَالْقَارِئُ إنَّمَا يَقْصِدُ الضَّلَالَ الْمُخَالِفَ لِلْهُدَى وَهُوَ الَّذِي يَفْهَمُهُ الْمُسْتَمِعُ، فَأَمَّا الْمَعْنَى الْمَأْخُوذُ مِن ظَلَّ فَلَا يَخْطِرُ بِبَالِ أَحَدٍ. وَهَذَا بِخِلَافِ الْحَرْفَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ صَوْتًا وَمَخْرَجًا وَسَمْعًا؛ كَإِبْدَالِ الرَّاءِ بِالْغَيْنِ فَإِنَّ هَذَا لَا يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودُ الْقِرَاءَةِ. [٢٣/ ٣٥٠ - ٣٥١] ٢٧٤٥ - يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَالْجُمُعَةَ وَغَيْرَ ذَلِكَ خَلْفَ مَن لَمْ يَعْلَمْ مِنْهُ بِدْعَةً وَلَا فِسْقًا بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ مِن أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ. وَلَيْسَ مِن شَرْطِ الِائْتِمَامِ أَنْ يَعْلَمَ الْمَأْمُومُ اعْتِقَادَ إمَامِهِ، وَلَا أَنْ يَمْتَحِنَهُ فَيَقُولُ: مَاذَا تَعْتَقِدُ؟ بَل يُصَلِّي خَلْفَ مَسْتُورِ الْحَالِ.

стр. 2005

وَلَو عَلِمَ الْمَأْمُومُ أَنَّ الْإِمَامَ مُبْتَدِعٌ يَدْعُو إلَى بِدْعَتِهِ، أَو فَاسِقٌ ظَاهِرُ الْفِسْقِ وَهُوَ الْإِمَامُ الرَّاتِبُ الَّذِي لَا تُمْكِنُ الصَّلَاةُ إلَّا خَلْفَهُ كَإِمَامِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ، وَالْإِمَامِ فِي صَلَاةِ الْحَجِّ بِعَرَفَةَ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْمَأْمُومَ يُصَلِّي خَلْفَهُ عِنْدَ عَامَّةِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَد وَالشَّافِعِيِّ وَأبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ. وَلهَذَا قَالُوا فِي الْعَقَائِدِ: إنَّهُ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ وَالْعِيدَ خَلْفَ كُلِّ إمَامٍ بَرًّا كَانَ أَو فَاجِرًا، وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُن فِي الْقَرْيَةِ إلَّا إمَامٌ وَاحِدٌ فَإِنَّهَا تُصَلَّى خَلْفَهُ الْجَمَاعَاتُ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةٍ خَيْرٌ مِن صَلَاةِ الرَّجُلِ وَحْدَهُ وَإِن كَانَ الْإِمَامُ فَاسِقًا. هَذَا مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ: أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا؛ بَل الْجَمَاعَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى الْأَعْيَانِ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِ أَحْمَد. وَمَن تَرَكَ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ الْفَاجِرِ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ مِن أَئِمَّةِ السُّنَّةِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُصَلِّيهَا وَلَا يُعِيدُهَا؛ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يُصَلُّونَ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ خَلْفَ الْأَئِمَّةِ الْفُجَّارِ وَلَا يُعِيدُونَ. وَالْفَاسِقُ وَالْمُبْتَدِعُ (١) صَلَاتُهُ فِي نَفْسِهِ صَحِيحَةٌ، فإذَا صَلَّى الْمَأْمُومُ خَلْفَهُ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، لَكِنْ إنَّمَا كَرِهَ مَن كَرِهَ الصَّلَاةَ خَلْفَهُ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاجِبٌ. وَمِن ذَلِكَ أَنَّ مَن أَظْهَرَ بِدْعَةٌ أَو فجُورًا لَا يُرَتَّبُ إمَامًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ يَسْتَحِقّ التَعْزِيرَ حَتَّى يَتُوبَ، فَإِذَا أَمْكَنَ هَجْرُهُ حَتَّى يَتُوبَ كَانَ حَسَنًا، وَإِذَا كَانَ بَعْضُ النَّاسِ إذَا تَرَكَ الصَّلَاةَ خَلْفَهُ وَصَلَّى خَلْفَ غَيْرِهِ أثَّرَ ذَلِكَ حَتَّى يَتُوبَ أَو يُعْزَلَ أَو يَنْتَهِيَ النَّاسُ عَن مِثْل ذَنْبِهِ: فَمِثْلُ هَذَا إذَا تَرَكَ الصَّلَاةَ خَلْفَهُ كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ وَلَمْ يَفُتِ الْمَأْمُومَ جُمُعَةٌ وَلَا جَمَاعَةٌ.

стр. 2006

وَأَمَّا إذَا كَانَ تَرْك الصَّلَاة يفَوِّتُ الْمَأْمُومَ الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَة: فَهُنَا لَا يَتْرُكُ الصَّلَاةَ خَلْفَهُم إلا مُبْتَدِعٌ مُخَالِفٌ لِلصَّحَابَةِ ﵃. وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْإِمَامُ قَد رَتَّبَهُ وُلَاةُ الْأُمُورِ وَلَمْ يَكُن فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ خَلْفَهُ مَصْلَحَةٌ: فَهُنَا لَيْسَ عَلَيْهِ تَرْكُ الصَّلَاةِ خَلْفَهُ؛ بَلِ الصَّلَاةُ خَلْفَ الْإِمَامِ الْأَفْضَلِ أَفْضَلُ. وَهَذَا كُلُّه يَكُونُ فِيمَن ظَهَرَ مِنْهُ فِسْقٌ أَو بِدْعَةٌ تَظْهَرُ مُخَالَفَتهَا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ كَبِدْعَةِ الرَّافِضَةِ وَالْجَهْمِيَّة وَنَحْوِهِمْ (١). وَمَن أَنْكَرَ مَذْهَبَ الرَّوَافِضِ وَهُوَ لَا يُصَلِّي الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ؛ بَل يُكَفِّرُ الْمُسْلِمِينَ فَقَد وَقعَ فِي مِثْل مَذْهَبِ الرَّوَافِضِ، فَإِنَّ مِن أَعْظَمِ مَا أَنْكَرَهُ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَيْهِم تَرْكَهُم الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ وَتَكْفِيرَ الْجُمْهُورِ. [٢٣/ ٣٥١ - ٣٥٥] ٢٧٤٦ - وَسُئِلَ: عَن خَطِيبٍ قَد حَضَرَ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ فَامْتَنَعُوا عَنِ الصَّلَاةِ خَلْفَهُ؛ لِأَجْلِ بِدْعَةٍ فِيهِ فَمَا هِيَ الْبِدْعَةُ الَّتِي تَمْنَعُ الصَّلَاةَ خَلْفَهُ؟ فَأَجَابَ: لَيْسَ لَهُم أَنْ يَمْنَعُوا أَحَدًا مِن صَلَاةِ الْعِيدِ وَالْجُمُعَةِ وَإِن كَانَ الْإِمَامُ فَاسِقًا، وَكَذَلِكَ لَيْسَ لَهُم تَرْكُ الْجُمُعَةِ وَنَحْوِهَا لِأَجْلِ فِسْقِ الْإِمَامِ؛ بَل عَلَيْهِم فِعْلُ ذَلِكَ خَلْفَ الْإِمَامِ وَإِن كَانَ فَاسِقًا.

стр. 2007

وَإِن عَطَّلُوهَا لِأَجْلِ فِسْقِ الْإِمَامِ كَانُوا مِن أَهْلِ الْبِدَعِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا. وَإِنَّمَا تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي الْإِمَامِ إذَا كَانَ فَاسِقًا أَو مُبْتَدِعًا وَأَمْكَنَ أَنْ يُصَلَّى خَلْفَ عَدْلٍ. [٢٣/ ٣٦٠] ٢٧٤٧ - الْمَأْمُومُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِحَدَثِ الْإِمَامِ أَو النَّجَاسَةِ الَّتِي عَلَيْهِ حَتَّى قُضِيَتِ الصَّلَاةُ: فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَحْمَد إذَا كَانَ الْإِمَامُ غَيْرَ عَالِمٍ، وَيُعِيدُ وَحْدَهُ إذَا كَانَ مُحْدِثًا. وَبِذَلِكَ مَضَتْ سُنَّة الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، فَإِنَّهُم صَلَّوْا بِالنَّاسِ ثُمَّ رَأَوُا الْجَنَابَةَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَأَعَادُوا وَلَمْ يَأْمُرُوا النَّاسَ بِالْإِعَادَةِ. [٢٣/ ٣٦٩] ٢٧٤٨ - فَصْلٌ فِي انْعِقَادِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ: النَّاسُ فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَما: أنَّهُ لَا ارْتبَاطَ بَيْنَهُمَا وَأَنَّ كُلَّ امْرِئٍ يُصَلِّي لِنَفْسِهِ، وَفَائِدَةُ الِائتِمَامِ فِي تَكْثِيرِ الثَّوَابِ بِالْجَمَاعَةِ، وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ عَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيِّ. وَمِنَ الْحُجَّةِ فِيهِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْأئِمَّةِ: "إنْ أَحْسَنُوا فَلَكُمْ وَلَهُم وَإِن أَسَاؤُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ" (١). وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا مُنْعَقِدَةٌ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ وَفَرْعٌ عَلَيْهَا مُطْلَقًا، فَكُلُّ خَلَلٍ حَصَلَ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ يَسْرِي إلَى صلَاةِ الْمَأْمُومِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : "الْإِمَامُ ضَامِنٌ" (٢). وَعَلَى هَذَا فَالْمُؤْتَمُّ بِالْمُحْدِثِ النَّاسِي لِحَدَثِهِ يُعِيدُ كَمَا يُعِيدُ إمَامُهُ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَرِوَايَةٌ عَن أَحْمَد.

стр. 2008

وَالْقَوْلُ الثالِثُ: أنَّهَا مُنْعَقِدَةٌ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ، لَكِنْ إنَّمَا يَسْرِي النَّقْصُ إلَى صَلَاةِ الْمَأْمُومِ مَعَ عَدَمِ الْعُذْرِ مِنْهُمَا، فَأَمَّا مَعَ الْعُذْرِ فَلَا يَسْرِي النَّقْصُ، فَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ يَعْتَقِدُ طَهَارَتَهُ فَهُوَ مَعْذُورٌ فِي الْإِمَامَةِ، وَالْمَأُمُومُ مَعْذُور فِي الِائتِمَامِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا. وَعَلَيْهِ يَتَنَزَّلُ مَا يُؤْثَرُ عَنِ الصَّحَابَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ أَوْسَطُ الْأَقْوَالِ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي نَفْسِ صِفَةِ الْإِمَامِ النَّاقِصِ أَنَّ حُكْمَهُ مَعَ الْحَاجَةِ يُخَالِفُ حُكْمَهُ مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ، فَحُكْمُ صَلَاتِهِ كَحُكْمِ نَفسِهِ. وَعَلَى هَذَا أَيْضًا يَنْبَنِي اقْتِدَاءُ الْمُؤتَمِّ بِإِمَامٍ قَد تَرَكَ مَا يَعْتَقِدُهُ الْمَأْمُومُ مِن فَرَائِضِ الصَّلَاةِ إذَا كَانَ الْإِمَامُ مُتَأَوِّلًا تَأْوِيلًا يَسُوغُ كَأَنْ لَا يَتَوَضَّأَ مِن خُرُوجِ النَّجَاسَاتِ وَلَا مِن مَسِّ الذكَرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ: مَا أَخْرَجَة الْبُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ" عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "يُصَلُّونَ لَكُمْ، فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ وَلَهُمْ، وَإِن أَخْطَؤُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ"، فَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ الْإِمَامَ إذَا أَخْطَأَ كَانَ دَركُ خَطَئِهِ عَلَيْهِ لَا عَلَى الْمَأْمُومِينَ. [٢٣/ ٣٧٠ - ٣٧٢] ٢٧٤٩ - وَسُئِلَ: عَن رَجُلٍ يَؤُمُّ قَوْمًا وَأَكْثَرُهُم لَهُ كَارِهُونَ؟ فَأَجَابَ: إنْ كَانُوا يَكْرَهُونَ هَذَا الْإِمَامَ لِأَمْرٍ فِي دِينِهِ؛ مِثْل كَذِبِهِ أَو ظُلْمِهِ أَو جَهْلِهِ أَو بِدْعَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وُيحِبُّونَ الْآخَرَ لِأَنَّهُ أَصْلَحُ فِي دِينِهِ مِنْهُ؛ مِثْل أَنْ يَكُونَ أَصْدَقَ وَأَعْلَمَ وأدين: فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُوَلَّى عَلَيْهِم هَذَا الْإِمَامُ الَّذِي يُحِبُّونَهُ، وَلَيْسَ لِذَلِكَ الْإِمَامِ الَّذِي يَكْرَهُونَهُ أَنْ يَؤُمَّهُمْ (١). [٢٣/ ٣٧٣] ٢٧٥٠ - كَانَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَمَن بَعْدَهُم مِنْهُم مَن يَقْرَأُ الْبَسْمَلَةَ وَمِنْهُم مَن لَا يَقْرَؤُهَا، وَمِنْهُم مَن يَجْهَرُ بِهَا وَمِنْهُم مَن لَا يَجْهَرُ بِهَا، وَكَانَ مِنْهُم مَن

стр. 2009

يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ وَمِنْهُم مَن لَا يَقْنُتُ، وَمِنْهُم مَن يَتَوَضَّأُ مِن الْحِجَامَةِ وَالرُّعَافِ وَالْقَيْءِ وَمِنْهُم مَن لَا يَتَوَضَّأُ مِن ذَلِكَ، وَمِنْهُم مَن يَتَوَضَّأُ مِن مَسِّ الذَّكَرِ وَمَسِّ النِّسَاءِ بِشَهْوَة وَمِنْهُم مَن لَا يَتَوَضَّأُ مِن ذَلِكَ، وَمِنْهُم مَن يَتَوَضَّأُ مِن الْقَهْقَهَةِ فِي صَلَاتِهِ وَمِنْهُم مَن لَا يَتَوَضَّأُ مِن ذَلِكَ، وَمِنْهُم مَن يَتَوَضَّأُ مِن أَكْلِ لَحْمِ الْإِبِلِ وَمِنْهُم مَن لَا يَتَوَضَّأُ مِن ذَلِكَ. وَمَعَ هَذَا فَكَانَ بَعْضُهُم يُصَلِّي خَلْفَ بَعْضٍ. وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذِهِ الْمَسَائِلُ لَهَا صُورَتَانِ: إحْدَاهُمَا: أَنْ لَا يَعْرِفَ الْمَأْمُومُ أَنَّ إمَامَهُ فَعَلَ مَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ فَهُنَا يُصَلِّي الْمَأْمُومُ خَلْفَهُ بِاتِّفَاقِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَلَيْسَ فِي هَذَا خِلَافٌ مُتَقَدِّمٌ، وَإِنَّمَا خَالَفَ بَعْضُ الْمُتَعَصِّبِينَ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ فَزَعَمَ أَنَّ الصَّلَاةَ خَلْفَ الْحَنَفِيِّ لَا تَصِحُّ وَإِن أَتَى بِالْوَاجِبَاتِ؛ لِأَنَّهُ أَدَّاهَا وَهُوَ لَا يَعْتَقِدُ وُجُوبَهَا. وَقَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ إلَى أَنْ يُسْتَتَابَ كَمَا يُسْتَتَابُ أَهْلُ الْبِدَعِ أَحْوَجُ مِنْهُ إلَى أَنْ يُعْتَدَّ بِخِلَافِهِ. وَهَذَا الْقَائِلُ نَفْسُهُ لَيْسَ مَعَهُ إلَّا تَقْلِيدُ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ، وَلَو طُولِبَ بِأَدِلَّةٍ شَرْعِيَّةٍ تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ إمَامِهِ دُونَ غَيْرِهِ لَعَجَزَ عَن ذَلِكَ؛ وَلهَذَا لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِ مِثْل هَذَا فَإِنَّهُ لَيْسَ مِن أَهْلِ الِاجْتِهَادِ (١). الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَتَيَقَّنَ الْمَأمُومُ أَنَّ الْإِمَامَ فَعَلَ مَا لَا يَسُوغُ عِنْدَهُ؛ مِثْل أَنْ يَمَسَّ ذَكَرَهُ أَو النِّسَاءَ لِشَهْوَة، أَو يَحْتَجِمَ أَو يَفْتَصِدَ أَو يَتَقَيَّأَ ثُمَّ

стр. 2010

يُصَلِّيَ بِلَا وُضُوءٍ، فَهَذِهِ الصُّورَةُ فِيهَا نِزَاعٌ مَشْهُورٌ، فَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ لَا تَصِحُّ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: تَصِحُّ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ؛ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ السَّلَفِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ .. وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ. وَقَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّ الْمَأْمُومَ يَعْتَقِدُ بُطْلَانَ صَلَاةِ الْإِمَامِ: خَطَأٌ مِنْهُ؛ فَإِنَّ الْمَأْمُومَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْإِمَامَ فَعَلَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَأَنَّ اللهَ قَد غَفَرَ لَهُ مَا أَخْطَأَ فِيهِ، وَأنْ لَا تَبْطُلَ صَلَاتُهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ. [٢٣/ ٣٧٤ - ٣٧٧] ٢٧٥١ - إذَا رَأَى عَلَى الْإِمَامِ نَجَاسَةً وَلَمْ يُحَذِّرْهُ مِنْهَا: فَإِنَّ الْمَأْمُومَ هُنَا مُفَرِّطٌ، فَإِذَا صَلَّى يُعِيدُ لأَنَّ ذَلِكَ لِتَفْرِيطِهِ، وَأَمَّا الْإِمَامُ فَلَا يُعِيدُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فِي أَصَحِّ قَوْلَي الْعُلَمَاءِ. [٢٣/ ٣٨٠] ٢٧٥٢ - إذَا أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ بَعْضًا وَقَامَ يَأْتِي بِمَا فَاتَهُ فَائْتَمَّ بِهِ آخَرُونَ: جَازَ ذَلِكَ فِي أظْهَرِ قَوْلَي الْعُلَمَاءِ. [٢٣/ ٣٨٢] ٢٧٥٣ - مَن أَدَّى فَرْضَهُ إمَامًا أو مَأْمُومًا أَو مُنْفَرِدًا، فَهَل يَجُوزُ أَنْ يَؤُمَّ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ لِمَن يُؤَدِّي فَرْضَهُ؟ مِثْل أَنْ يُصَلِّيَ الْإِمَامُ مَرَّتَيْنِ؟ هَذِهِ فِيهَا نِزَاعٌ مَشْهُورٌ وَفِيهَا ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ عَن أَحْمَد: إحْدَاهَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَهِيَ اخْتِيَارُ كَثِيرٍ مِن أَصْحَابِهِ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ. وَالثَّانِيَةُ: يَجُوزُ مُطْلَقًا، وَهِيَ اخْتِيَارُ بَعْضِ أَصْحَابِهِ؛ كَالشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ المقدسي، وَهِيَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَالثَّالِثَةُ: يَجُوزُ عِنْدَ الْحَاجَةِ كَصَلَاةِ الْخَوْفِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ جَدِّنَا أَبِي الْبَرَكَاتِ؛ لِأَنَّ النَّبِيِّ ﷺ صلى بِأَصْحَابِهِ بَعْضَ الْأَوْقَاتِ صَلَاةَ الْخَوْفِ مَرَّتَيْنِ وَصَلَّى بِطَائِفَةِ وَسَلَّمَ ثُمَّ صَلَّى بِطَائِفَةٍ أُخْرَى وَسَلَّمَ. وَمَن جَوَّزَ ذَلِكَ مُطْلَقًا احْتَجَّ بِحَدِيثِ مُعَاذٍ الْمَعْرُوفِ: "أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي

стр. 2011

خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَنْطَلِقُ فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ" (١). وَاَلَّذِينَ مَنَعُوا ذَلِكَ لَيْسَ لَهُم حُجَّةٌ مُسْتَقِيمَة، فَإِنَّهُم احْتَجُّوا بِلَفْظٍ لَا يَدُلُّ عَلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ؛ كَقَوْلِهِ: "إنمَا جُعِلَ الامَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ" (٢). وَالِاخْتِلَافُ الْمُرَادُ بِهِ الِاخْتِلَافُ فِي الْأفْعَالِ (٣). وَمِن هَذَا الْبَابِ: صَلَاةُ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ خَلْفَ مَن يُصَلَّي قِيَامَ رَمَضَانَ، يُصَلِّي خَلْفَهُ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَقُومُ فَيُتِمُّ رَكْعَتَيْنِ، فَأَظْهَرُ الْأقْوَالِ جَوَازُ هَذَا كُلِّهِ، لَكِنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَلِّيَ بِغَيْرِهِمْ ثَانِيًا إلَّا لِحَاجَة أَو مَصْلَحَةٍ؛ مِثْل أَنْ يَكُونَ لَيْسَ هُنَاكَ مَن يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ غَيْرُهُ، أَو هُوَ أَحَقُّ الْحَاضِرِينَ بِالْإِمَامَةِ؛ لِكَوْنِهِ أَعْلَمَهُم بِكِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، أَو كَانُوا مُسْتَوِينَ فِي الْعِلْمِ وَهُوَ أَسْبَقُهُم إلَى هِجْرَةِ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ، أَو أَقْدَمُهُم سِنًّا. وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ إذَا صَلَّى عَلَيْهَا الرَّجُلُ إمَامًا ثُمَّ قُدِّمَ آخَرُونَ فَلَهُ أَنْ يُصَلَّيَ بِالطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ إذَا كَانَ أَحَقَّهُم بِالْإِمَامَةِ. وَلَهُ إذَا صَلَّى غَيْرُهُ عَلَى الْجِنَازَةِ مَرَّةً ثَانِيَةً أَنْ يُعِيدَهَا مَعَهُم تَبَعًا كَمَا يُعِيدُ الْفَرِيضَةَ تبَعًا. [٢٣/ ٣٨٤ - ٣٨٧] ٢٧٥٤ - [الصحيح] (٤) مِن قَوْلِ الْعُلَمَاءِ: أَنَّهُ لَا تَصِحُّ صَلَاةُ الْمُنْفَرِدِ خَلْفَ الصَّفِّ؛ لِأَن فِي ذَلِكَ حَدِيثَيْن عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَ الْمُصَلِّيَ خَلْفَ الصَّفِّ بِالْاِعَادَةِ، وَقَالَ: "لَا صَلَاةَ لِفَذًّ خَلْفَ الصَّفِّ" (٥)، وَقَد صَحَّحَ الْحَدِيثَيْنِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِن أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، وَأسَانِيدُهُمَا مِمَّا تَقُومُ بِهِمَا الْحُجَّةُ. فَإِذَا كَانَ الْجُمْهُورُ لَا يُصَحِّحُونَ الصَّلَاةَ قُدَّامَ الْإِمَامِ إمَّا مُطْلَقًا وَإِمَّا لِغَيْرِ عُذْرٍ: فَكَيْفَ تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِدُونِ الِاصْطِفَافِ؟

стр. 2012

فَقِيَاسُ الْأصُولِ يَقْتَضِي وُجُوبَ الِاصْطِفَافِ، وَأَنَّ صَلَاةَ الْمُنْفَرِدِ لَا تَصِحُّ. وَاَلَّذِينَ عَارَضُوهُ اضجُّوا بِصِحَّةِ صَلَاةِ الْمَرْأَةِ مُنْفَرِدَةً؛ كَمَا ثَبَتَ فِي "الصَّحِيح" أَنَّ أَنَسًا وَالْيَتِيمَ صفَّا خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ وَصفَّت الْعَجُوزُ خَلْفَهُمَا. وَقَد اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى صِحَّةِ وُقُوفِهَا مُنْفَرِدَةً إذَا لَمْ يَكُن فِي الْجَمَاعَةِ امْرَأَةٌ غَيْرَهَا كَمَا جَاءَت بِهِ السُّنَّةُ. وَهَذِهِ حُجَّةٌ ضَعِيفَةٌ لَا تُقَاوِمُ حُجَّةَ النَّهْيِ عَن ذَلِكَ، وَذَلِكَ مِن وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ وُقُوفَ الْمَرْأَةِ خَلْفَ صَفِّ الرِّجَالِ سُنَّةٌ مَأْمُورٌ بِهَا، وَلَو وَقَفَتْ فِي صَفِّ الرِّجَالِ لَكَانَ ذَلِكَ مَكْرُوهًا، وَهَل تَبْطُلُ صَلَاةُ مَن يُحَاذِيهَا؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ. وَأَمَّا وُقُوفُ الرَّجُلِ وَحْدَهُ خَلْفَ الضَفِّ فَمَكْرُوهٌ وَتَرْكٌ لِلسُّنَّةِ بِاتِّفَاقِهِمْ، فَكَيْفَ يُقَاسُ الْمَنْهِيُّ بِالْمَأْمُورِ بِهِ؟ وَكَذَلِكَ وُقُوفُ الْإِمَامِ أَمَامَ الصَّفّ هُوَ السُّنَّةُ، فَكَيْفَ يُقَاسُ الْمَأْمُورُ بِهِ بِالْمَنْهِيِّ عَنْهُ؟ وَالْقِيَاسُ الصَّحِيحُ إنَّمَا هُوَ قِيَاسُ الْمَسْكُوتِ عَلَى الْمَنْصُوصِ، أَمَّا قِيَاسُ الْمَنْصُوصِ عَلَى مَنْصُوصٍ يُخَالِفُهُ فَهُوَ بَاطِل بِاتّفَاقِ الْعُلَمَاءِ؛ كَقِيَاسِ الرِّبَا عَلَى الْبَيْعِ، وَقَد أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا. وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَرْأَةَ وَقَفَتْ خَلْفَ الصَّفِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُن لَهَا مَن تُصَافُّهُ، وَلَمْ يُمْكِنْهَا مُصَافَّةَ الرِّجَالِ، وَلهَذَا لَو كَانَ مَعَهَا فِي الصَّلَاةِ امْرَأَةٌ لَكَانَ مِن حَقِّهَا أَنْ تَقُومَ مَعَهَا وَكَانَ حُكْمُهَا حُكْمَ الرَّجُلِ الْمُنْفَرِدِ عَن صَفّ الرِّجَالِ. وَنَظِيرُ ذَلِكَ أَنْ لَا يَجِدَ الرَّجُلُ مَوْقِفًا إلا خَلْفَ الصَّفِّ، فَهَذَا فِيهِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْمُبْطِلِينَ لِصَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ، وَالَأظْهَرُ (١) صِحَّةُ صَلَاتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ تَسْقُطُ بِالْعَجْزِ. وَطَرْدُ هَذَا صِحَّةُ صَلَاةِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى الْإِمَامِ لِلْحَاجَةِ. [٢٣/ ٣٩٣ - ٣٩٦]

стр. 2013

٢٧٥٥ - لَمْ يَكُن التَّبْلِيغُ (١) وَالتَّكْبِير وَرَفْعُ الصَّوْتِ بِالتحْمِيدِ وَالتَّسْلِيمِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَا عَلَى عَهْدِ خُلَفَائِهِ وَلَا بَعْدَ ذَلِكَ بِزَمَانٍ طَوِيلٍ إلا مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً صُرعَ النَّبِيُّ ﷺ عَن فَرَسٍ رَكِبَهُ فَصَلَّى فِي بَيْتِهِ قَاعِدًا، فَبَلَّغَ أَبُو بَكْرٍ عَنْهُ التَّكْبِيرَ، كَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ". وَمَرَّةً أُخْرَى فِي مَرَضِ مَوْتِهِ بَلَّغَ عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ وَهَذَا مَشْهُورٌ. وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ هَذَا التَّبْلِيغَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ لَيْسَ بِمُسْتَحَبّ؛ بَل صَرَّحَ كَثِيرٌ مِنْهُم أَنَّهُ مَكْرُوة، وَمِنْهُم مَن قَالَ: تَبْطُلُ صَلَاة فَاعِلِهِ. وَأَمَّا الْحَاجَةُ لِبُعْدِ الْمَأْمُومِ أَو لِضَعْفِ الْإِمَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَقَد اخْتَلَفُوا فِيهِ فِي هَذِهِ، وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَصْحَابِ أَحْمَد أَنَّهُ جَائِزٌ فِي هَذَا الْحَالِ. وَحَيْثُ جَازَ وَلَمْ يَبْطُلُ: فَيُشْتَرَطُ انْ لَا يُخِلَّ بِشَيْءٍ مِن وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ. وَلَا ريبَ أَنَّ التَّبْلِيغَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ بِدْعَةٌ (٢)، وَمَن اعْتَقَدَهُ قُرْبَةً مُطْلَقَةً فَلَا ريبَ أَنَّهُ إمَّا جَاهِلٌ وَإِمَّا مُعَانِدٌ، وَإِلَّا فَجَمِيعُ الْعُلَمَاءِ مِن الطَّوَائِفِ قَد ذَكَرُوا ذَلِكَ فِي كُتُبِهِم حَتَّى فِي الْمُخْتَصَرَاتِ، قَالُوا: وَلَا يَجْهَرُ بِشَيْءٍ مِن التَّكْبِيرِ، إلا أَنْ يَكُونَ إمَامًا. وَمَن أَصَرَّ عَلَى اعْتِقَادِ كَوْنِهِ قُرْبَةً فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ عَلَى ذَلِكَ لِمُخَالَفَتِهِ الْإِجْمَاعَ، هَذَا أَقَلُّ أَحْوَالِهِ. [٢٣/ ٤٠٠ - ٤٠٢] ٢٧٥٦ - صَلَاةُ الْمَأْمُومِ قُدَّامَ الْإِمَامِ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ لِلْعُلَمَاءِ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا تَصِحُّ مُطْلَقًا وَإِن قِيلَ إنَّهَا تُكْرَهُ. وَالثَّانِي: أَنَّهَا لَا تَصِحُّ مُطْلَقًا.

стр. 2014

وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا تَصِحُّ مَعَ الْعُذْرِ دُونَ غَيْرِهِ؛ مِثْل مَا إذَا كَانَ زَحْمَةً فَلَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يُصلِّيَ الْجُمُعَةَ أَو الْجِنَازَةَ إلا قُدَّامَ الْإِمَامِ، فَتَكُونُ صَلَاتُهُ قدَّامَ الْإِمَامِ خَيْرًا لَهُ مِن تَرْكِهِ لِلصَّلَاةِ. وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِن الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ وَأَرْجَحُهَا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ تَرْكَ التَّقَدُّمِ عَلَى الْإِمَام غَايَتُهُ: أنْ يَكُونَ وَاجِبًا مِن بهاجِبَاتِ الصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ، وَالْوَاجِبَاتُ كُلُّهَا تَسْقُطُ بِالْعُذْرِ، وَإِن كَانَت وَاجِبَةً فِي أَصْلِ الصَّلَاةِ؛ فَالْوَاجِبُ فِي الْجَمَاعَةِ أَوْلَى بِالسُّقُوطِ؛ وَلهَذَا يَسْقُطُ عَن الْمُصَلِّي مَا يَعْجِزُ عَنْهُ مِن الْقِيَامِ وَالْقِرَاءَةِ وَاللِّبَاسِ وَالطَّهَارَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَأَمَّا الْجَمَاعَةُ فَإِنَّهُ يَجْلِسُ فِي الْأَوْتَارِ لِمُتَابَعَةِ الْإِمَامِ، وَلَو فَعَلَ ذَلِكَ مُنْفَرِدًا عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِن أَدْرَكَهُ سَاجِدًا أَو قَاعِدًا كَبَّرَ وَسَجَدَ مَعَهُ وَقَعَدَ مَعَهُ لِأَجْلِ الْمُتَابَعَةِ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَعْتَدُّ لَه بِذَلِكَ، ويسْجُدُ لِسَهْوِ الْإِمَامِ وَإِن كَانَ هُوَ لَمْ يَسْهَ. وَأَيْضًا فَفِي صَلَاةِ الْخَوْفِ لَا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، وَيَعْمَلُ الْعَمَلَ الْكَثِيرَ، وَيُفَارِقُ الْإِمَامَ قَبْلَ السَّلَامِ، وَيَقْضِي الرَّكْعَةَ الْأُولَى قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَفْعَلُهُ لِأجْلِ اْلْجَمَاعَةِ، وَلَو فَعَلَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَأبْلَغُ مِن ذَلِكَ أَنَّ مَذْهَبَ أَكْثَرِ الْبَصْرِيِّينَ وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْحَدِيثِ: أَنَّ الْإِمَامَ الرَّاتِبَ إذَا صَلَّى جَالِسًا صَلَّى الْمَأْمُومُونَ جُلُوسًا؛ لِأَجْلِ مُتَابَعَتِهِ، فَيَتْرُكُونَ الْقِيَامَ الْوَاجِب لِأَجْلِ الْمُتَابَعَةِ كَمَا اسْتَفَاضَت "السُّنَنُ" عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلَوْا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ" (١). وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ الْجَمَاعَةَ تُفْعَلُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، فَإِذَا كَانَ الْمَأْمُومُ لَا يُمْكِنُهُ الِائتِمَامُ بِإِمَامِهِ إلا قُدَّامَهُ كَانَ غَايَةُ مَا فِي هَذَا أَنَّهُ قَد تَرَكَ الْمَوْقِفَ لِأَجْلِ الْجَمَاعَةِ، وَهَذَا أَخَفُّ مِن غَيْرِهِ. [٢٣/ ٤٠٤ - ٤٠٦]

стр. 2015

٢٧٥٧ - تجوز الصلاة قدام الإمام لعذر من زحمة ونحوها في أعدل الأقوال، وكذا المأموم إذا لم يجد مَن يقوم معه صلى وحده ولم يدع الجماعة، ولم يجذب أحدًا يصلي معه؛ كالمرأة إذا لم تجد من يصافها فيها تصف وحدها بالاتفاق، وهو مأمور بالمصافة مع الإمكان لا مع العجز. [المستدرك ٣/ ١٣١] ٢٧٥٨ - تصح صلاة الجمعة ونحوها قدام الإمام لعذر، وهو قول في مذهب أحمد، ومن تأخر بلا عذر فلما أذَّن جاء فصلى قدام الإمام عذر. [المستدرك ٣/ ١٢٢] ٢٧٥٩ - صَلَاةُ الْمَأْمُومِ خَلْفَ الْإِمَامِ خَارجَ الْمَسْجِدِ أَو فِي الْمَسْجِدِ وَبَيْنَهُمَا حَائِل: إِنْ كَانَت الصُّفُوفُ مُتَّصِلَةً جَازَ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ. وَإِن كَانَ بَيْنَهُمَا طَرِيقٌ أَو نَهْرٌ تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ: فَفِيهِ قَوْلَانِ مَعْرُوفَانِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَن أَحْمَد: أَحَدُهُمَا: الْمَنْعُ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَالثاني: الْجَوَازُ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ. وَأمَّا إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ يَمْنَعُ الرُّؤْيةَ وَالِاسْتِطْرَاقَ (١): فَفِيهَا عِدَّةُ أَقْوَالٍ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ. وَلَا ريبَ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ مَعَ الْحَاجَةِ مُطْلَقًا؛ مِثْل أَنْ تَكُونَ أَبْوَابُ الْمَسْجِدِ مُغْلَقَة، أَو تَكُونَ الْمَقْصُورَةُ الَّتِي فِيهَا الْإِمَامُ مُغْلَقَةً أَو نَحْوُ ذَلِكَ، فَهُنَا لَو كَانَت الرُّؤْيَةُ وَاجِبَةً لَسَقَطَتْ لِلْحَاجَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَإِنَّهُ قَد تَقَدَّمَ أَنَّ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ وَالْجَمَاعَةِ تَسْقُطُ بِالْعُذْرِ، وَأَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْجَمَاعَةِ خَيْرٌ مِن صَلَاةِ الْإِنْسَانِ وَحْدَهُ بِكُل حَالٍ (٢). [٢٣/ ٤٠٧ - ٤٠٨]

стр. 2016

٢٧٦٠ - وَسُئِلَ ﵀: عَمَّن يُصَلِّي مَعَ الْإِمَامِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِمَامِ حَائِلٌ، بِحَيْثُ لَا يَرَاهُ وَلَا يَرَى مَن يَرَاهُ (١): هَل تَصِحُّ صَلَاتُهُ أَمْ لَا؟ فَأجَابَ: الْحَمْدُ للهِ (٢)، نَعَمْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ الصَّرِيحُ عَن أَحْمَد. [٢٣/ ٤٠٨] ٢٧٦١ - السُّنَّةُ فِي الصُّفُوفِ أَنْ يُتِمُّوا الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ، فَمَن صَلَّى فِي مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ مَعَ خُلُوِّ مَا يَلِي الْإِمَامَ كَانَت صَلَاتُهُ مَكْرُوهَةً. [٢٣/ ٤٠٨] ٢٧٦٢ - لَيْسَ لِأَحَد أَنْ يَسُدَّ الطفُوفَ الْمُؤَخَّرَةَ مَعَ خُلُوِّ الْمُقَدِّمَةِ، وَلَا يُصَفُّ فِي الطُّرُقَاتِ وَالْحَوَانِيتِ مَعَ خُلُوِّ الْمَسْجِدِ، وَمَن فَعَلَ ذَلِكَ اسْتَحَقَّ التَّأْدِيبَ، وَلمَن جَاءَ بَعْدَهُ تَخَطِّيهِ، وَيَدْخُلُ لِتَكْمِيلِ الصُّفُوفِ الْمُقَدَّمَةِ، فَإِنَّ هَذَا لَا حُرْمَةَ لَهُ. كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَد أَنْ يُقَدّمَ مَا يُفْرَشُ لَهُ فِي الْمَسْجِدِ وَيَتَأَخَّرَ هُوَ، وَمَا فُرِشَ لَهُ لَمْ يَكُن لَهُ حُرْمَةٌ؛ بَل يُزَالُ وَيُصَلِّي مَكَانَهُ عَلَى الصَّحِيحِ. بَل إذَا امْتَلَأَ الْمَسْجِدُ بِالصُّفُوفِ صَفُّوا خَارجَ الْمَسْجِدِ، فَإِذَا اتَّصَلَت الصُّفُوفُ حِينَئِذٍ فِي الطرُقَاتِ وَالْأَسْوَاقِ صَحَّتْ صَلَاتهُمْ. وَأَمَّا إذَا صَفُّوا وَبَيْنَهُم وَبَيْنَ الصَّفِّ الْآخَرِ طَرِيق يَمْشِي النَّاسُ فِيهِ: لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُم فِي أَظْهَرِ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ (٣).

стр. 2017

وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ بَيْنَهُم وَبَيْنَ الصُّفُوفِ حَائِطٌ بِحَيْثُ لَا يَرَوْنَ الصُّفُوفَ وَلَكِنْ يَسْمَعُونَ التَّكْبِيرَ مِن غَيْرِ حَاجَةٍ: فَإِنَّهُ لَا تَصِحُ صَلَاتُهُم فِي أَظْهَرِ قَوْلَي الْعُلَمَاءِ. وَكَذَلِكَ مَن صَلَّى فِي حَانُوتِهِ وَالطَّرِيقُ خَالٍ: لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ. وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْعُدَ فِي الْحَانُوتِ وَيَنْتَظِرَ اتِّصَالَ الصُّفوفِ بِهِ (١)؛ بَل عَلَيْهِ أَنْ يَذْهَبَ إلَى الْمَسْجِدِ فَيَسُدَّ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ. [٢٣/ ٤٠٩ - ٤١١] ٢٧٦٣ - كَانَت السُّنَّةُ أَنَّ الَّذِي يُصَلِّي بِالْمُسْلِمِينَ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ ويَخْطُبُ بِهِم: هُم أُمَرَاء الْحَرْبِ، الَّذِينَ هُم نُوَّابُ ذِي السُّلْطَانِ عَلَى الْأَجْنَادِ؛ وَلهَذَا لَمَّا قَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ أَبَا بَكْرٍ فِي الصَّلَاةِ قَدَّمَهُ الْمُسْلِمُونَ فِي إمَارَةِ الْحَرْبِ وَغَيْرِهَا. وَذَلِكَ لِأنَّ أَهَمَّ أَمْرِ الدِّينِ الصَّلَاةُ وَالْجِهَادُ؛ وَلهَذَا كَانَت أَكْثَرُ الْأَحَادِيثِ عَن النَبِيِّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ وَالْجِهَادِ. [٢٨/ ٢٦٠ - ٢٦١] ٢٧٦٤ - إذا كان الرجلان من أهل الديانة فايهما كان أعلم بالكتاب والسُّنَّة: وجب تقديمُه على الآخر، وكان ائتمامه به متعيِّنًا. [المستدرك ٣/ ١١٥] ٢٧٦٥ - لا يجوز أن يولى المصر ولا المدمن إمامة صلاة؛ لكن لو ولي صلي خلفه عند الحاجة؛ كالجمعة والجماعة التي لا يقوم بها غيره، وإن أمكن الصلاة خلف البر فهو أولى. ٢٧٦٦ - يصح ائتمام المسلمين بعضهم ببعض مع اختلافهم في الفروع بإجماع السلف وأصح قول الخلف، فإن صلاة الإمام جائزة إجماعًا؛ لأنه صلى باجتهاده فهو ماجور فاعل الواجب عليه الذي يكفي، وهو من المصلين. ولو ترك الإمام ركنًا يعتقده المأموم ولا يعتقده الإمام صحت صلاته خلفه، وهو إحدى الروايتين عن أحمد ومذهب مالك واختيار المقدسي.

стр. 2018

ولو فعل الإمام ما هو محرم عند المأموم دونه مما يسوغ فيه الاجتهاد صحت صلاته خلفه، وهو المشهور عن أحمد. [المستدرك ٣/ ١١٦] ٢٧٦٧ - إذا فعل الإمام ما يسوغ فيه الاجتهاد يتبعه المأموم فيه وإن كان هو لا يراه مثل القنوت في الفجر، ووصل الوتر، وإذا ائتم من يرى القنوت بمن لا يراه تبعه في تركه. [المستدرك ٣/ ١١٧] ٢٧٦٨ - من قال: لا تجوز الصلاة خلف من لا تعرف عقيدته وما هو عليه فهو قول لم يقله أحد من المسلمين، فإن أهل الحديث السُّنَّة كالشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم متفقون على أن صلاة الجمعة تصلى خلف البر والفاجر، حتى إن أهل الباع كالجهمية الذين يقولون بخلق القرآن وأن الله لا يرى في الآخرة، ومع أن أحمد ابتلي بهم،- وهو أشهر الأئمة بالإمامة في السُّنَّة- ومع هذا فلم تختلف نصوصه أنه تصلى الجمعة خلف الجهمي والقدري والرافضي (١)، وليس لأحد أن يدع الجمعة لبدعة في الإمام، لكن تنازعوا: هل تعاد؟ على قولين هما روايتان عن أحمد: قيل: تعاد خلف الفاسق، ومذهب الشافعي وأبي حنيفة لا تعاد. [المستدرك ٣/ ١١٧] ٢٧٦٩ - تصح إمامة من عليه نجاسة يعجز عن إزالتها بمن ليس عليه نجاسة. [المستدرك ٣/ ١١٨] ٢٧٧٠ - اللحن الذي يحيل المعنى: أ- إن أحاله إلى ما هو من جنس معنى من معاني القرآن خطأ: فهذا لا

стр. 2019

يبطل صلاته، كما لو غلط في القرآن في موضع الاشتباه فخلط سورة بغيرها. ب- وأما إن أحاله إلى ما يخالف معنى القرآن؟ كقوله: (أنعمتُ) بالضم: فهذا بمنزلة كلام الآدميين، وهو في مثل هذه الحال كلام محرم في الصلاة، لكنه لو تكلم به في الصلاة جاهلًا بتحريمه ففي بطلان صلاته نزاع في مذهب أحمد وغيره كالناسي، الصحيح أنه لا يبطل صلاته (١). والجاهل بمعنى أنعمت عذره أقوى من عذر الناسي والجاهل، فإنه يعلم أنه كلام الآدميين لكن لا يعلم أنه محظور. وعلى هذا: أ - فلو كان مثل هذا اللحن في نفل القراءة لم تبطل. ب- وأما إذا كان في الفاتحة التي هي فرض فيُقال: هب أنها لا تبطل من جهة كونه متكلمًا، لكنه لم يأت بفرض القراءة، فيكون قد ترك ركنا في الصلاة جاهلًا، ولو تركه ناسيًا لم تصح صلاته فكذلك إن تركه جاهلًا. لكن (٢) هذا لم يترك أصل الركن، وإنما ترك صفةً فيه وأتى بغيرها، ظانًّا أنها هي، فهو بمنزلة من سجد إلى غير القبلة (٣). ولو ترك بعضَ الفروض غيرَ عالمٍ بفرضه: ففي هذا الأصل قولان، في مذهب أحمد وغيره. وأصل ذلك (٤): خطاب الشارع: هل يثبت قبل البلوغ والعلم به أم لا؟ على ثلاثة أقوال: أصحها أنه يُعذر، فلا تجب الإعادة على هذا الجاهل.

стр. 2020

ومثله: ما لو لم تعلم المرأة أنه يجب ستر رأسها وجسدها لم تعد، ولهذا إذا تغير اجتهاد الحاكم لم ينقض ما حكم فيه، وكذلك المفتي إذا تغير اجتهاده. وأما إن تعمد اللحن عالمًا بمعناه بطلت صلاته من جهة أنه لم يقرأ الفاتحة، ومن جهة أنه تكلم بكلام الآدميين؛ بل لو عرف معناه وخاطب به الله كفر، وإن تعمده ولم يعلم معناه لم يكفر، وإن لم يتعمد لكن ظن أنه حق ففي صحة صلاته نزاع، كما ذكرناه. وكذلك لو علم أنه لحن لكن اعتقد أنه لا يحيل المعنى حتى لو كان إمامًا ففي صحة صلاة من خلفه نزاع، هما روايتان عن أحمد. وفي إمامة المتنفل بالمفترض ثلاثة أقوال: يجوز، ولا يجوز، ويجوز عند الحاجة؟ نحو أن يكون المأمومون (١) أُمِّيين. أما لو صلى من يلحن بمثله فيجوز إذا كانوا عاجزين عن إصلاحه هذا في الفاتحة، أما في غير الفاتحة فإن تعمده بطلت صلاته. والذي يحيل المعنى مثل: (أنعمتُ) و (إياك) بالضم والكسر، والذي لا يحيله مثل فك الأدغام في موضعه، أو قطع همز الوصل، ومثل: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ و ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. وأما إن قال: (الحمدَ) أو (ربَّ) أو (نستعين (أو (أنعَمَتَ) فهذا تصح صلاته لكل أحد؛ فإنها قراءة وليست لحنًا (٢). [المستدرك ٣/ ١١٨ - ١١٩] ٢٧٧١ - من يبدل الراء غينًا والكاف همزة: لا يَؤُم إلا مثله، أما من يشوب

стр. 2021

الراء بغين يخرجها من فوق مخرجها بقليل فتصح إمامته للقارئ وغيره، وهذا كله مع العجز. [المستدرك ٣/ ١١٩ - ١٢٠] ٢٧٧٢ - إِنَّ عَامَّةَ الْخَلْقِ مِنَ الْعَامَّةِ وَالْخَاضةِ يَقْرَؤُونَ الْفَاتِحَةَ قِرَاءَةً تُجْزِئُ بِهَا الصَّلَاةَ؛ فَإِنَّ اللَّحْنَ الْخَفِيَّ وَاللَّحْنَ الَّذِي لَا يُحِيلُ الْمَعْنَى لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ. وَفِي الْفَاتِحَةِ قِرَاءَاث كَثِيرَةٌ قَد قُرِئَ بِهَا، فَلَو قَرَأَ: (عَلَيْهِمِ) وَ (عَلَيْهُمْ) و (عَلَيْهِمُ). أَو قَرَأَ: (الصِّرَاطَ) وَ (السِّرَاطَ) وَ (الزراط)، فَهَذِهِ قِرَاءَاةٌ مَشْهُورَةٌ. وَلَو قَرَأَ: (الْحَمْدُ لِلّهِ) وَ (الْحَمْدَ للهِ). أَو قَرَأَ: (رَبَّ الْعَالَمِينَ) أَو (رَبِّ الْعَالَمِينِ)، أَو قَرَأَ بِالْكَسْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ: لَكَانَت قِرَاءَاتِ قَد قُرِئَ بِهَا، وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَ مَن قَرَأَ بِهَا. وَلَو قَرَأَ: (رَبُّ الْعَالَمِينَ) بِالضَّمِّ. أَو قَرَأَ: (مَالِكَ يَوْمَ الدِّينِ) بِالْفَتْحِ: لَكَانَ هَذَا لَحْنًا لَا يُحِيلُ الْمَعْنَى وَلَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ. وَإِن كَانَ إمَامَا رَاتِبًا وَفِي الْبَلَدِ مَن هُوَ أَقْرَأُ مِنْهُ صَلَّى خَلْفَهُ. وَإِن كَانَ فتَظَاهِرًا بِالْفِسْقِ وَلَيْسَ هُنَاكَ مَن يُقِيمُ الْجَمَاعَةَ غَيْرُهُ: صَلَّى خَلْفَهُ أَيْضًا وَلَمْ يَتْرُكِ الْجَمَاعَةَ، وَإِن تَرَكَهَا فَهُوَ آثِمٌ مُخَالِفٌ لِلْكِتَاب وَالسُّنَّةِ وَلمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ (١). [٢٣/ ٣٦٨ - ٣٦٩]

стр. 2022

٢٧٧٣ - لا يجوز للعامي أن يقدم على فعل لا يعلم جوازه ويفسق به إن كان مما يفسق به (١)، ذكره القاضي. [المستدرك ٣/ ١٢٠] ٢٧٧٤ - يلزم الإمام مراعاة المأموم إن تضرر بالصلاة أول الوقت أو آخره. وليس له أن يزيد على القدر المشروع، وينبغي أن يفعل غالبًا ما كان

стр. 2023

النبي ﷺ ويزيد وينقص للمصلحة كما كان النبي ﷺ وينقص أحيانًا. [المستدرك ٣/ ١٢٠] ٢٧٧٥ - ليس للإمام تأخير الصلاة عن الوقت المستحب وبعد حضور أكثر الجماعة منتظرًا لأحد؛ بل يُنهى عن ذلك إذا شق، ويجب عليه رعاية المأمومين. [المستدرك ٣/ ١٢٠] ٢٧٧٦ - إن كان بين الإمام والمأمومين معاداة من جنس معاداة أهل الأهواء أو المذاهب: لم ينبغ أن يؤمهم لأن المقصود بالصلاة جماعة الائتلاف ولهذا قال النبي: "لا تختلفوا فتختلف قلوبكم" (١). فإنْ أمَّهم: فقد أتى بواجب ومحرم يقام به الصلاة فلم تقبل؛ إذ الصلاة المقبولة ما يثاب عليها. [المستدرك ٣/ ١٢٠] ٢٧٧٧ - وتجوز الصلاة خلف ولد الزنى باتفاقهم. [المستدرك ٣/ ١٢٠] ٢٧٧٨ - تجوز صلاة الفجر خلف الظهر في إحدى الروايتين عن أحمد. [المستدرك ٣/ ١٢٠] ٢٧٧٩ - لو قام رجل يقضي ما فاته فائتم به رجل آخر جاز في أصح قولي العلماء إذا نويا. [المستدرك ٣/ ١٢١] (موقف الإمام والمأمومين) ٢٧٨٠ - قد أمر النبي ﷺ أ - بتسوية الصفوف. ب- ورصِّها.

стр. 2024

ج- وسدِّ الفرج. د- وتكميل الأول فالأول. هـ- وأن يتوسط الإمام وتقاربها -يعني: الصفوف-. خمسُ سنن (١). [المستدرك ٣/ ١٢١] ٢٧٨١ - تصح صلاة الفذ لعذر وفاقًا للحنفية، وإذا لم يجد إلا موقفًا خلف الصف فالأفضل أن يقف وحده ولا يجذب من يصافه؛ لما في الجذب من التصرف في المجذوب (٢). وللمجذوب الاصطفاف مع بقاء فرجه (٣)، أو وقوف المتأخر وحده؟ وكذلك لو حضر اثنان وفي الصف فرجة: فأيهما أفضل: وقوفهما جميعًا، أو سد أحدهما الفرجة وينفرد الآخر؟ رجح أبو العباس الاصطفاف مع بقاء الفرجة؛ لأن سد الفرجة مستحب والاصطفاف واجب. [المستدرك ٣/ ١٢١] ٢٧٨٢ - المرأة إذا كان معها امرأة أخرى تصافها كان من حقها أن تقف معها، وكان حكمها إن لم تقف معها حكم المنفرد عن صف الرجال، وهو أحد القولين في مذهب أحمد. [المستدرك ٣/ ١٢٢] ٢٧٨٣ - حيث صحت الصلاة عن يسار الإمام كرهت إلا لعذر. [المستدرك ٣/ ١٢٢] ٢٧٨٤ - من أخّر الدخول في الصلاة مع إمكانه حتى قضى الإمام القيام، أو كان القيام متسعًا لقراءة الفاتحة ولم يقرأها فهذا تجوز صلاته عند جماهير العلماء.

стр. 2025

وأما الشافعي فعليه عنده أن يقرأ وإن تخلف عن الركوع، وإنما تسقط قراءتها عنده عن المسبوق خاصة، فهذا الرجل كان حقه أن يركع مع الإمام ولا يتم القراءة؛ لأنه مسبوق. [المستدرك ٣/ ١٢٢ - ١٢٣] * * * بَابُ صَلَاةِ أَهْلِ الْأَعْذَارِ ٢٧٨٥ - كُلُّ مَا عَجَزَ عَنْهُ الْعَبْدُ مِن وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ: سَقَطَ عَنْهُ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ الصَّلَاةَ عَن وَقْتِهَا؛ بَل يُصَلِّي فِي الْوَقْتِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، لَكِنْ يَجُوزُ لَهُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ لِعُذْرٍ، حَتَّى أَنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ لِلْمَرِيضِ وَالْمُسْتَحَاضَةِ وَأَصْحَابِ الْأَعْذَارِ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ. وَلَا بُدَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ: إمَّا بِطَهَارَةٍ إنْ أَمْكَنَهُ وَإِلَّا بِالتَّيَمُّمِ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِمَن عَدِمَ الْمَاءَ أو خَافَ الضَّرَرَ بِاسْتِعْمَالِهِ إمَّا لِمَرَضٍ وَإِمَّا لِشِدَّةِ الْبَرْدِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَإِن كَانَ جُنُبًا؛ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ فِي أَظْهَرِ قَوْلَي الْعُلَمَاءِ. وَإِذَا تيَمَّمَ فِي السَّفَرِ لِعَدَمِ الْمَاءِ لَمْ يُعِدْ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ. وَكَذَلِكَ الْمَرِيضُ إذَا صَلَّى قَاعِدًا أَو صَلَّى عَلَى جَنْب لَمْ يُعِدْ بِاتفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَكَذَلِكَ الْعُرْيَانُ: كَاَلَّذِي تَنْكَسِرُ بِهِ السَّفِينَةُ، أَو يَأخُذُ الْقُطَّاعُ ثِيَابَهُ: فَإِنَّهُ يُصَلِّي عريانًا وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَكَذَلِكَ مَنِ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ وَصَلَّى ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ فِيمَا بَعْدُ: لَا يُعِيدُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَإِن أَخْطَأ مَعَ اجْتِهَادِهِ لَمْ يُعِدْ أَيْضًا عِنْدَ جُمْهُورِهِمْ. وَقَد تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي التَّيَمُّمِ لِخَشْيَةِ الْبَرْدِ: هَل يُعِيدُ؟ وَفِيمَن صَلَّى فِي ثَوْبٍ نَجِسٍ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ: هَل يُعِيدُ؟ وَالصَّحِيحُ فِي جَمِيعِ هَذَا النَّوْعِ: أَنَّهُ لَا إعَادَةَ عَلَى أَحَدٍ مِن هَؤُلَاءِ؛ بَل

стр. 2026

يُصَلِّي كل وَاحِدٍ عَلَى حَسَبِ اسْتِطَاعَتِهِ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ مَا عَجَزَ عَنْهُ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ. وَلَمْ يَأْمُرِ اللهُ تَعَالَى وَلَا رَسُولُهُ أَحَدًا أَنْ يُصَلّيَ الْفَرْضَ مَرَّتَيْنِ مُطْلَقًا. [٢١/ ٢٢٣ - ٢٢٤] ٢٧٨٦ - وَسُئِلَ عَن رَجُل نُصَلِّي الْخَمْسَ لَا يَقْطَعُهَا (١)، وَلَمْ يَحْضُرْ صَلَاةَ الْجُمْعَةِ؛ وَذَكَرَ أَنَّ عَدَمَ حُضُورِهِ لَهَا أَنَّهُ يَجِدُ رِيحًا فِي جَوْفِهِ تَمْنَعُهُ عَن انْتِظَارِ الْجُمْعَةِ، فَهَل الْعُذْرُ الَّذِي ذَكَرَهُ كَافٍ فِي تَرْكِ الْجُمْعَةِ مَعَ قُرْبِ مَنْزِلِهِ؟ فَأَجَابَ: بَل عَلَيْهِ أَنْ يَشْهَدَ الْجُمْعَةَ وَيَتَأخَّرَ، بِحَيْثُ يَحْضُرُ وَيُصَلِّي مَعَ بَقَاءِ وُضُوئِهِ. وَإِن كَانَ لَا يُمْكِنهُ الْحُضُورُ إلا مَعَ خرُوجِ الرِّيحِ فَلْيَشْهَدْهَا وَإِن خَرَجَتْ مِنْهُ الرِّيحُ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّه ذَلِكَ (٢). [٢١/ ٢٢٥] ٢٧٨٧ - من نوى الخير وفعل ما يقدر عليه منه كان له مثل أجر الفاعل، ثم احتج بحديث أبي كبشة، وحديث: "إِن بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا، إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ، حَبَسَهُمُ الْمَرَضُ" (٣)، وحديث: "إِذَا مَرِضَ العَبْدُ،

стр. 2027

أَوْ سَافَرَ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا" (١) وحديث: "منْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا" (٢). واحتج بها في مكان آخر وبقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾ [النساء: ٩٥]. وقال أيضًا عن حديث: "إذا مرض العبد" هذا يقتضي أن من ترك الجماعة لمرض أو سفر وكان يعتادها كتب له أجر الجماعة، وإن لم يكن يعتادها لم يكتب له، وإن كان في الحالين إنما له بنفس الفعل صلاة منفرد، وكذلك المريض إذا صلى قاعدًا أو مضطجعًا. قال: ومن قصد الجماعة فلم يدركها: كان له أجر من صلى في جماعة. [المستدرك ٣/ ١٢٣ - ١٢٤] * * * الجمع والقصر ٢٧٨٨ - اعْتَبَرَ في الفصول الموالاة، قال شيخنا: ومعناها أن لا يفصل بينهما بصلاة ولا كلام لئلا يزول معنى الاسم وهو الجمع .. واختار شيخنا لا موالاة (٣)، وأخذه من رواية أبي طالب والمروذي: للمسافر أن يصلي العشاء قبل مغيب الشفق، وعلَّله أحمد بأنه يجوز له الجمع، ومن نصه في جمع المطر، إذا صلى إحداهما في بيته والأخرى في المسجد فلا بأس. [المستدرك ٣/ ١٢٤] ٢٧٨٩ - كل مَسْجِدٍ بِمَكَّةَ وَمَا حَوْلَهَا غَيْرُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَهُوَ مُحْدَثٌ،

стр. 2028

وَمِنَى نَفْسُهَا لَمْ يَكُن بِهَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ مَسْجِدٌ مَبْنِيٌّ، وَلَكِنْ قَالَ: "مِنَى مُنَاخٌ لِمَن سَبَقَ" (١)، فَنَزَلَ بِهَا الْمُسْلِمُونَ، وَكَانَ يُصَلِّي بِالْمُسْلِمِينَ بِمِنَى وَغَيْرِ مِنًى، وَكَذَلِكَ خُلَفَاؤُهُ مِن بَعْدِهِ، وَاجْتِمَاعُ الْحُجَّاجِ بِمِنَى أَكْثَرُ مِن اجْتِمَاعِهِمْ بِغَيْرِهَا فَإِنَّهُم يُقِيمُونَ بِهَا أَرْبَعًا، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْر وَعُمَرُ يُصَلُّونَ بِالنَّاسِ بِمِنَى وَغَيْرِ مِنًى، وَكَانُوا يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ بِمِنَى وَعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ، وَيَجْمَعُونَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بمزدلفة، وَيُصَلِّي بِصَلَاتِهِمْ جَمِيعُ الْحُجَّاجِ مِن أَهْلِ مَكَّةَ وَغَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ، وَكُلُّهُم يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ بِالْمَشَاعِرِ، وَكُلُّهُم يَجْمَعُونَ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ. وَقَد تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي أَهْلِ مَكَّةَ وَنَحْوِهِمْ هَل يَقْصُرُونَ أَو يَجْمَعُونَ: فَقِيلَ: لَا يَقْصُرُونَ وَلَا يَجْمَعُونَ. وَقِيلَ: يَجْمَعُونَ وَلَا يَقْصُرُونَ؛ كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَد وَمَن وَافَقَهُ مِن أَصْحَابِهِ وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَقِيلَ: يَجْمَعُونَ ويقْصُرُونَ كمَا قَالَ ذَلِكَ مَالِكٌ وَابْن عُيَيْنَة وَإِسْحَاقُ بْن رَاهَوَيْه وَبَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَد وَغَيْرُهُمْ. وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ بِلَا ريب، فَإِنَّهُ الَّذِي فَعَلَهُ أَهْلُ مَكةَ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ بِلَا ريبٍ، وَلَمْ يَقُلِ النَّبِيُّ ﷺ قَطُّ وَلَا أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ بِمِنَى وَلَا عَرَفَةَ وَلَا مُزْدَلِفَةَ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ أَتِمُّوا صَلَاتكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفَرٌ، وَلَكِنْ ثَبَتَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ ذَلِكَ فِي جَوْفِ مَكَّةَ، وَكَذَلِكَ فِي "السُّنَنِ" عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي جَوْفِ مَكَّةَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ (٢)، وَهَذَا مِن أَقْوَى الْأدِلَّةِ عَلَى أَنَّ الْقَصْرَ مَشْرُوعٌ لِكُلِّ مُسَافِرٍ وَلَو كَانَ سَفَرُهُ بَرِيدًا، فَإِنَّ عَرَفَةَ مِن مَكَّةَ: بَرِيدٌ: أَرْبَعُ فَرَاسِخَ، وَلَمْ يُصَلِّ النَّبِي ﷺ وَلَا خُلَفَاؤُهُ بِمَكَّةَ صَلَاةَ عِيدٍ؛ بَل وَلَا صَلَّى فِي أَسْفَارِهِ قَطُّ صلَاةَ

стр. 2029

الْعِيدِ، وَلَا صَلَّى بِهِم فِي أسْفَارِهِ صَلَاةَ جُمْعَةٍ يَخْطُبُ ثمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ؛ بَل كَانَ يُصَلِّي يَوْمَ الْجُمْعَةِ فِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّي فِي سَائِرِ الْأيَّامِ. [١٧/ ٤٧٨ - ٤٨٠] ٢٧٩٠ - قَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ كَمَا يَجُوزُ فِي الطَّوِيلِ: أَقْوَى مِن قَوْلِ مَن لَا يُجَوِّزْهُ إلا فِي الطَّوِيلِ لَا فِي الْقَصِيرِ. ٢٧٩١ - مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ: أَنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ إذَا كَانَ عَلَيْهِ حَرَفي فِي التَّفْرِيقِ، فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا الْمَرِيضُ، وَيَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي الْمَطَرِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ؛ كَمَالِكِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد، وَقَالَ أَحْمَد: يَجْمَعُ إذَا كَانَ لَهُ شُغْلٌ. [٢١/ ٤٣٣] ٢٧٩٢ - الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِطِهَارَةٍ كَامِلَةٍ بالْمَاءِ خَيْرٌ مِن أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِالتَّيمُّمِ، كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ الْمُسْتَحَاضَةَ أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ، وَجعلَ ذَلِكَ خَيْرًا مِن التَّفْرِيقِ بِوُضُوءٍ. وَأَيْضًا: فَالْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ مَشْرُوعٌ لِحَاجَةٍ دُنْيَوِيَّةِ، فَلَأَنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا لِتَكْمِيلِ الصَّلَاةِ أَوْلَى. وَالْجَامِعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ مُصَلِّ فِي الْوَقْتِ. وَالنَّبِيُّ ﷺ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرفة فِي وَقْتِ الظُّهْرِ؛ لِأَجْلِ تَكْمِيلِ الْوُقُوفِ وَاتصَالِهِ، وَإِلَّا فَقَد كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَنْزِلَ فَيُصَلِّيَ، فَجَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ لِتَكْمِيلِ الْوُقُوفِ؛ فَالْجَمْعُ لِتَكْمِيلِ الصَّلَاةِ أَوْلَى. وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ جَمَعَ بِالْمَدِينَةِ لِلْمَطَرِ، وَهُوَ نَفْسُهُ ﷺ لَمْ يَكُن يَتَضَرَّرُ بِالْمَطَرِ؛ بَل جمعَ لِتَحْصِيلِ الصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ، وَالْجَمْعُ لِتَحْصِيلِ الْجَمَاعَةِ خَيْرٌ مِن التَّفْرِيقِ وَالِانْفِرَادِ. [٢١/ ٤٥١ - ٤٥٢] ٢٧٩٣ - مَا كَانَ ﷺ يَجْمَعُ فِي السَّفَرِ بَينَ الصَّلَاتَيْنِ إلَّا أَحْيَانًا عِنْدَ الْحَاجَةِ، لَمْ يَكُن جَمْعُهُ كَقَصْرِهِ؛ بَلِ الْقَصْرُ سُنَّةٌ رَاتِبَةٌ، وَالْجَمْعُ رُخْصَة عَارِضَةٌ، فَمَن نَقَلَ

стр. 2030

عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ رَبَّعَ فِي السَّفَرِ الظُّهْرَ أَو الْعَصْرَ أَو الْعِشَاءَ فَهَذَا غَلَطٌ، فَإِنَّ هَذَا لَمْ يَنْقُلْهُ عَنْهُ أَحَدٌ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ. وَلَكِنْ رَوَى بَعْضُ النَّاسِ حَدِيثًا عَن عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي السَّفَرِ يَقْصُرُ وَتُتِمُّ، وَيُفْطِرُ وَتَصُومُ، فَسَأَلْته عَن ذَلِكَ فَقَالَ: "أَحْسَنْت يَا عَائِشَةُ" فَتَوَهَّمَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ هُوَ كَانَ الَّذِي يَقْصُرُ فِي السَّفَرِ ويُتِمُّ، وَهَذَا لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ، وَنَفْسُ الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ فِي فِعْلِهَا بَاطِلٌ، وَلَمْ تَكُنْ عَائِشَةُ وَلَا أَحَدٌ غَيْرُهَا مِمَن كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يُصَلِّي إلَّا كَصَلَاتِهِ، وَلَمْ يُصَلِّ مَعَهُ أَحَدٌ أَرْبَعًا قَطُّ، لَا بِعَرَفَةَ وَلَا بمزدلفة وَلَا غَيْرِهِمَا، لَا مِن أَهْلِ مَكَّةَ وَلَا مِن غَيْرِهِمْ؛ بَل جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ كَانوا يُصَلُّونَ مَعَهُ رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ يُقِيمُ بِمِنَى أَيَّامَ الْمَوْسِمِ يُصَلِّي بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ بَعْدَهُ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ بْنُ عفان فِي أَوَّلِ خِلَافَتِهِ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ أَرْبَعًا لِأُمُورِ رَآهَا تَقْتَضِي ذَلِكَ فَاخْتَلَفَ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَمِنْهُم مَن وَافَقَهُ وَمِنْهُم مَن خَالَفَهُ. وَلَمْ يَجْمَعِ النَّبِي ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ إلَّا بِعَرَفَةَ وبمزدلفة خَاصَّةً، لَكِنَّهُ كَانَ إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِن أَسْفَارِهِ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ إلَى بَعْدِ الْعِشَاءِ ثُمَّ صَلَّاهُمَا جَمِيعًا، ثُمَّ أَخَّرَ الظُّهْرَ إلَى وَقْتِ الْعَصْرِ فَصَلَّاهُمَا جَمِيعًا. وَلهَذَا كَانَ الصَّحِيحُ مِن قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْقَصْرَ فِي السَّفَرِ يَجُوزُ، سَوَاءٌ نَوَى الْقَصْرَ أَو لَمْ يَنْوِهِ، وَكَذَلِكَ الْجَمْعُ حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ سَوَاءٌ نَوَاة مَعَ الصَّلَاةِ الْأولَى أَو لَمْ يَنْوِهِ. وَقَد اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ الْقَصْرِ فِي السَّفَرِ، وَاتَّفَقُوا أَنَّهُ الْأَفْضَلُ إلا قَوْلًا شَاذًّا لِبَعْضِهِمْ. وَاتَّفَقُوا أَنَّ فِعْلَ كُل صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا فِي السَّفَرِ أَفْضَلُ إذَا لَمْ يَكُن هُنَاكَ سَبَبٌ يُوجِبُ الْجَمْعَ إلَّا قَوْلًا شَاذًّا لِبَعْضِهِمْ. وَالْقَصْرُ سَبَبُهُ السَّفَرُ خَاصَّةً، لَا يَجُوزُ فِي غَيْرِ السَّفَرِ، وَأَمَّا الْجَمْعُ فَسَبَبُهُ

стр. 2031

الْحَاجَةُ وَالْعُذْرُ، فَإِذَا احْتَاجَ إلَيْهِ جَمَعَ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ وَالطَّوِيلِ، وَكَذَلِكَ الْجَمْعُ لِلْمَطَرِ وَنَحْوِهِ وَللْمَرَضِ وَنَحْوِهِ وَلغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْبَابِ. فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ رَفْعُ الْحَرَجِ عَنِ الْأُمَّةِ. وَلَمْ يَرِدْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ جَمَعَ فِي السَّفَرِ وَهُوَ نَازِلٌ إلَّا فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ. وَلهَذَا تَنَازَعَ الْمُجَوِّزُونَ لِلْجَمْعِ؛ كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد: هَل يَجُوزُ الْجَمْعُ لِلْمُسَافِرِ النَّازِلِ؟ فَمَنَعَ مِنْهُ مَالِكٌ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْه (١). وَجَوَّزَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد فِي الرِّوَايَةِ الْأخْرَى. وَمَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ الْجَمْعَ إلَّا بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ. [٢٢/ ٢٩٠ - ٢٩٢] ٢٧٩٤ - قَالَ : ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، فَأَبَاحَ اللهُ الْقَصْرَ مِن عَدَدِهَا وَالْقَصْرَ مِن صِفَتِهَا؛ وَلهَذَا عَلَّقَهُ بِشَرْطَيْنِ: السَّفَرِ، وَالْخَوْفِ. فَالسَّفَرُ: يُبِيحُ قَصْرَ الْعَدَدِ فَقَطْ .. وَالْخَوْفُ يُبِيحُ قَصْرَ صِفَتِهَا. [٢٢/ ٥٤١] ٢٧٩٥ - إِنَّ الْمُسْلِمِينَ قَد نَقَلُوا بِالتَّوَاتُرِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُصَلِّ فِي السَّفَرِ إلَّا رَكْعَتَيْنِ، وَلَمْ يَنْقُلْ عَنْهُ أَحَدٌ أَنَّهُ صَلَّى أَرْبَعًا قَطُّ، وَلَكِنَّ الثَّابِتَ عَنْهُ أَنَّهُ صَامَ فِي السَّفَرِ وَأَفْطَرَ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ مِنْهُم الصَّائِمُ وَمِنْهُم الْمُفْطِرُ. وَأَمَّا الْقَصْرُ فَكُلُّ الصَّحَابَةِ كَانُوا يَقْصُرُونَ، مِنْهُم أَهْلُ مَكَّةَ وَغَيْرُ أَهْلِ مَكَّةِ، بِمِنَى وَعَرَفَةَ وَغَيْرِهِمَا.

стр. 2032

وَقَد تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي التَّرْبِيعِ .. وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ قَوْلُ مَن يَقُولُ إنَّهُ سُنَّة وَأَنَّ الْإِتْمَامَ مَكْرُوهٌ؛ وَلهَذَا لَا تَجِبُ نِيَّةُ الْقَصْرِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَد فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ عَنْهُ فِي مَذْهَبِهِ. [٢٤/ ٨ - ٩] ٢٧٩٦ - تتازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُسَافِرِ إذَا صَلَّى أَرْبَعًا، فَقِيلَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ. وَقِيلَ: يَجُوزُ. وَلَكِنَّ الْقَصْرَ أَفْضَلُ عِنْدَ عَامَّتِهِمْ - لَيْسَ فِيهِ إلَّا خِلَافٌ شَاذٌّ، وَلَا يَفْتَقِرُ الْقَصْرُ إلَى نِيَّةٍ؛ بَل لَو دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ يَنْوِي أَنْ يُصَلِّيَ أرْبَعًا (١) -اتِّبَاعًا لِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَقَد كَانَ ﷺ لَمَّا حَجَّ بِالْمُسْلِمِينَ حِجَّةَ الْوَدَاعِ يُصَلِّي بِهِم رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ إلَى أَنْ رَجَعَ، وَجَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَالْمُسْلِمُونَ خَلْفَهُ وَيُصَلِّي بِصَلَاتِهِ أهْلُ مَكَةَ وَغَيْرُهُم جَمْعًا وَقَصْرًا، وَلَمْ يَأْمُرْ أَحَدًا أنْ يَنْوِيَ لَا جَمْعًا وَلَا قَصْرًا. وَالصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ أَنَّ أَهْلَ مَكةَ يَقْصُرُونَ وَيَجْمَعُونَ هُنَاكَ كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ هُنَاكَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَخُلَفَائِهِ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَن أَحَدٍ مِن الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ قَالَ لَهُم هُنَاكَ: أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ، وَلَكِنْ نُقِلَ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ لَمَّا صَلَّى بِهِم دَاخِلَ مَكَّةَ، وَكَذَلِكَ كَانَ عُمَرُ يَأَمُرُ أَهْلَ مَكَّةَ بِالْإِتْمَامِ إذَا صَلَّى بِهِم فِي الْبَلَدِ، وَأَمَّا بِمِنَى فَلَمْ يَكُن يَأْمُرُهُم بِذَلِكَ. وَقَد تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي قَصْرِ أَهْلِ مَكَّةَ خَلْفَهُ: فَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ لِأَجْلِ النُّسُكِ، فَلَا يَقْصُرُ الْمُسَافِرُ سَفَرًا قَصِيرًا هُنَاكَ، وَقِيلَ: بَل كَانَ ذَلِكَ لِأَجْلِ السَّفَرِ، وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَد. وَالْقَوْلُ الثَّانِي هُوَ الصَّوَابُ، وَهُوَ أَنَّهُم قَصَرُوا لِأَجْلِ سَفَرِهِمْ، وَلهَذَا لَمْ يَكُونُوا يَقْصُرُونَ بِمَكَّةَ وَكَانُوا مُحْرِمِينَ.

стр. 2033

وَالْقَصْرُ مُعَلَّق بِالسَّفَرِ وُجُودًا وَعَدَمًا، فَلَا يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ إلا مُسَافِرٌ. وَقَد تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ: هَل يَخْتَصُّ بِسَفَرٍ دُونَ سَفَرٍ، أَمْ يَجُوزُ فِي كُلِّ سَفَرٍ؟ وَأَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي كُلِّ سَفَرٍ قَصِيرًا كَانَ أَو طَوِيلًا، كَمَا قَصَرَ أَهْلُ مَكَّةَ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ بِعَرَفَةَ وَمِنًى، وَبَيْنَ مَكَّةَ وَعَرَفَةَ نَحْوُ بَرِيدٍ: أَرْبَعِ فَرَاسِخَ. وَأَيْضًا: فَلَيْسَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ يَخُصَّانِ بِسَفَرٍ دُونَ سَفَرٍ: لَا بِقَصْرٍ وَلَا بِفِطْر، وَلَا تَيَمُّمٍ، وَلَمْ يَحُدَّ النَّبِيُّ ﷺ مَسَافَةَ الْقَصْرِ بِحَدّ لَا زَمَانِيِّ وَلَا مَكَانِيٍّ، وَالْأَقْوَالُ الْمَذْكُورَةُ فِي ذَلِكَ مُتَعَارِضَةٌ، لَيْسَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا حُجَّةٌ وَهِيَ مُتَنَاقِضَةٌ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَحُدَّ ذَلِكَ بِحَدٍّ صَحِيحٍ. فَإِنَّ الْأَرْضَ لَا تُذْرَعُ بِذَرْع مَضْبُوطٍ فِي عَامَّةِ الْأَسْفَارِ، وَحَرَكَةُ الْمُسَافِرِ تَخْتَلِفُ. وَالْوَاجِبُ أَنْ يُطْلَقَ مَا أَطْلَقَهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ ﷺ ، وَيُقَيَّدَ مَا قَيَّدَهُ، فَيَقْصُرُ الْمُسَافِرُ الصَّلَاةَ فِي كُلِّ سَفَرٍ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الأحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالسَّفَرِ مِن الْقَصْرِ، وَالصَّلَاةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ. وَمَن قَسَّمَ الْأَسْفَارَ إلَى قَصِيرٍ وَطَوِيلٍ وَخَصَّ بَعْضَ الْأحْكَامِ بِهَذَا وَبَعْضَهَا بِهَذَا وَجَعَلَهَا مُتَعَلِّقَة بِالسَّفَرِ الطَّوِيلِ: فَلَيْسَ مَعَهُ حُجَّةٌ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهَا. [٢٤/ ١٠ - ١٣] ٢٧٩٧ - سافَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَرِيبًا مِن ثَلَاثِينَ سَفْرَة وَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فِي أَسْفَارِهِ وَلَمْ يَنْقُلْ عَنْهُ أَحَدٌ مِن أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ صَلَّى فِي السَّفَرِ الْفَرْضَ أَرْبَعًا قَطُّ (١).

стр. 2034

فَثَبَتَ بِهَذِهِ السُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ أَنَّ صَلَاةَ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ، كَمَا أَنَّ صَلَاةَ الْحَضَرِ أَرْبَعٌ، فَإِنَّ عَدَدَ الرَّكَعَاتِ إنَّمَا أُخِذَ مِن فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي سَنَّهُ لِأُمَّتِهِ. وَبَطَلَ قَوْلُ مَن يَقُولُ مِن أَصْحَاب أَحْمَد وَالشَّافِعِيَّ: إنَّ الْأَصْلَ أَرْبَعٌ وَإِنَّمَا الرَّكْعَتَانِ رُخْصَةٌ، وَبَنَوْا عَلَى هَذَا: أَنَّ الْقَاصِرَ يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ الْقَصْرِ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ قَوْلُ الخرقي وَالْقَاضِي وَغَيْرِهِمَا. بَل الصَّوَابُ مَا قَالَهُ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ الْقَصْرَ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ؛ بَل دُخُولُ الْمُسَافِرِ فِي صَلَاتِهِ كَدُخُولِ الْحَاضِرِ؛ بَل لَو نَوَى الْمُسافِرُ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا لَكُرِهَ لَهُ ذَلِكَ، وَكَانَت السُّنَّةُ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، وَنُصُوصُ الْإِمَامِ أَحْمَد إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ. وَقَد تَنَازَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي التَّرْبِيعِ فِي السَّفَرِ: هَل هُوَ مُحَرَّمٌ؟ أَو مَكرُوهٌ؟ أَو تَرْكُ الْأَفْضَلِ. أَو هُوَ أَفْضَلُ. عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ. وإنما الْمُتَوَجِّهُ أَنْ يَكونَ التَّرْبِيعُ إمَّا مُحَرَّمٌ أَو مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّ طَائِفَةً مِن الصَّحَابَةِ كَانُوا يُرَبِّعُونَ وَكَانَ الْآخَرُونَ لَا يُنْكِرُونَهُ عَلَيْهِم إنْكَارَ مَن فَعَلَ الْمُحَرَّمَ؛ بَل إنْكَارَ مَن فَعَلَ الْمَكْرُوهَ. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] فَهُنَا عَلَّقَ الْقَصْرَ بِسَبَبَيْنِ: أ- الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ. ب- وَالْخَوْفِ مِن فِتْنَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا. لِأَنَّ الْقَصْرَ الْمُطْلَقَ يَتَنَاوَلُ: أ- قَصْرَ عَدَدِهَا. ب- وَقَصْرَ عَمَلِهَا وَأَرْكَانِهَا؛ مِثْل الْإِيمَاءِ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَهَذَا الْقَصْرُ إنَّمَا يَشْرَعُ بِالسَّبَبَيْنِ كِلَاهُمَا، كُلُّ سَبَبٍ لَة قَصْرٌ.

стр. 2035

فَالسَّفَر: يَقْتَضِي قَصْرَ الْعَدَدِ، وَالْخَوْفُ يَقْتَضِي قَصْرَ الْأَرْكَانِ. وَلَو قِيلَ: إنَّ الْقَصْرَ الْمُعَلَّقَ هُوَ قَصْرُ الْأَرْكَانِ فَإِنَّ صَلَاةَ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ لَكَانَ وَجِيهًا؛ وَلهَذَا قَالَ: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٣]. [٢٢/ ٧٨ - ٨٣] ٢٧٩٨ - الْأسْمَاءُ الَّتِي عَلَّقَ اللهُ بِهَا الْأَحْكَامَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ: أ- مِنْهَا مَا يُعْرَفُ حَدُّهُ وَمُسَمَّاهُ بِالشَّرْعِ، فَقَد بَيَّنَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ؛ كَاسْمِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَالْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ. ب- وَمِنْهُ مَا يُعْرَفُ حَدُّهُ بِاللُّغَةِ؟ كَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَالْبَرِّ. ج- وَمِنْهُ مَا يَرْجِعُ حَدُّهُ إلَى عَادَةِ النَّاسِ وَعُرْفِهِمْ، فَيَتَنَوَّعُ بِحَسَبِ عَادَتِهِمْ؛ كَاسْمِ الْبَيْعِ وَالنِّكَاح وَالْقَبْضِ وَالدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الَّتِي لَمْ يَحُدَّهَا الشَّارعُ بِحَدٍّ وَلَا لَهَا حَدٌّ وَاحِدٌ يَشْتَرِكُ فِيهِ جَمِيعُ أَهْلِ اللُّغَةِ؛ بَل يَخْتَلِفُ قَدْرُهُ وَصِفَتُهُ بِاخْتِلَافِ عَادَاتِ النَّاسِ. فَمَا كَانَ مِنَ النَّوْعِ الْأَوَّلِ فَقَد بَيَّنَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ. وَمَا كَانَ مِنَ الثَّانِي وَالثَّالِثِ فَالصَّحَابَة وَالتَّابِعُونَ الْمُخَاطَبُونَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ قَد عَرَفُوا الْمُرَادَ بِهِ؛ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِمُسَمَّاهُ الْمَحْدُودِ فِي اللُّغَةِ، أَو الْمُطْلَقِ فِي عُرْفِ النَّاسِ وَعَادَتِهِم مِن غَيْرِ حَدٍّ شَرْعِيٍّ وَلَا لُغَوِيٍّ، وَبِهَذَا يَحْصُل النَّفَقُّهُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَالِاسْمُ إذَا بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ حَدَّ مُسَمَّاهُ لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَكونَ قَد نَقَلَهُ عَنِ اللُّغَةِ أَو زَادَ فِيهِ. وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَمَا أَطْلَقَهُ اللهُ مِنَ الْأَسْمَاءِ وَعَلَّقَ بِهِ الْأَحْكَامَ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ لَمْ يَكُن لِأَحَدٍ أنْ يُقَيِّدَهُ إلَّا بِدَلَالَةٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ.
следующие страницы →