← Фатава

Фатава · id 879

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (3 539 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

وَالرُّوحُ تُشْرِفُ عَلَى الْقَبْرِ وَتُعَادُ إلَى اللَّحْدِ أَحْيَانًا، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا مِن رَجُلٍ يَمُرُّ بِقَبْرِ الرَّجُلِ كانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إلَّا رَدَّ اللهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ حَتَّى يَرُدَّ ﵇" (١). وَالْمَيِّتُ فَد يَعْرِفُ مَن يَزُورُهُ. [٢٤/ ٣٠٤ - ٣٠٥] ٢٨٩٣ - الْأَئِمَّةُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ تَصِلُ إلَى الْمَيِّتِ، وَكَذَلِكَ الْعِبَادَاتُ الْمَالِيَّةُ؛ كَالْعِتْقِ. وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا فِي الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ؛ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْقِرَاءَةِ (٢)، وَمَعَ هَذَا فَفِي "الصَّحِيحَيْنِ" (٣) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ يَا رَسُولَ اللهِ إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صِيَامُ نَذْرٍ، قَالَ: "أَرَأَيْت إنْ كَانَ عَلَى أُمِّك دَيْنٌ فقضيتيه أَكَانَ يُؤَدِّي ذَلِكَ عَنْهَا؟ "، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: "فَصُومِي عَن أُمِّك". وَفِي "الصَّحِيحِ" (٤) عَنْهُ: أَنَّ امْرَأَةً جَاءَت إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: إنَّ أُخْتِي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ: "أَرَأَيْت لَو كَانَ عَلَى أُخْتِك دَيْنٌ أَكُنْت تَقْضِيهِ؟ "، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: "حَقُّ اللهِ أَحَقُّ بالوفاء". وَفِي "الصَّحِيحَيْن" (٥) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ امْرَأَةً مِن جُهَيْنَةَ جَاءَت إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ فَقَالَ: "حُجِّي عَنْهَا". فَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ: أَنَّهُ أَمَرَ بِحَجِّ الْفَرْضِ عَنِ الْمَيِّتِ وَبِحَجِّ النَّذْرِ، كَمَا أَمَرَ بِالصِّيَامِ، وَأَنَّ الْمَأْمُورَ تَارَةً يَكُونُ وَلَدَا، وَتَارَةً يَكُونُ أَخًا، وَشَبَّهَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ بِالدَّيْنِ يَكُونُ عَلَى الْمَيِّتِ، وَالدَّيْنُ يَصِحُّ قَضَاؤُهُ مِن كُلِّ أَحَدٍ،

стр. 2102

فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُفْعَلَ ذَلِكَ مِن كلِّ أَحَدٍ لَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْوَلَدِ، كَمَا جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي الْأَخِ. فَهَذَا الَّذِي ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ عِلْمٌ مُفَصَّلٌ مُبَيِّنٌ، فَعُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُنَافِي قَوْلَهُ: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩]، "إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِن ثَلَاثٍ"؛ بَل هَذَا حَقٌّ وَهَذَا حَقٌّ. أَمَّا الْحَدِيثُ فَإِنَّهُ قَالَ: لا انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِن ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَو وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ" (١)، فَذِكْرُ الْوَلَدِ وَدُعَاؤُهُ لَهُ خَاصَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ مِن كَسْبِهِ. فَلَمَّا كَانَ هُوَ السَّاعِيَ فِي وُجُودِ الْوَلَدِ: كَانَ عَمَلُهُ مِن كَسْبِهِ، بِخِلَافِ الْأَخِ وَالْعَمِّ وَالْأَبِ وَنَحْوِهِمْ، فَإِنَّهُ يَنْتَفِعُ أَيْضًا بِدُعَائِهِمْ بَل بِدُعَاءِ الْأَجَانِبِ، لَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ مِن عَمَلِهِ. وَالنَّبِيُّ ﷺ قَالَ: "انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِن ثَلَاثٍ"، لَمْ يَقُلْ: إنَّهُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِعَمَلِ غَيْرِهِ. فَإِذَا دَعَا لَهُ وَلَذهُ كَانَ هَذَا مِن عَمَلِهِ الَّذِي لَمْ يَنْقَطِعْ، وَإِذَا دَعَا لَهُ غَيْرُهُ لَمْ يَكُن مِن عَمَلِهِ لَكِنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهِ. وَأَمَّا الْآيَةُ .. فَإِنَّهُ قَالَ: ﴿لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ وَهَذَا حَقٌّ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ سَعْيَهُ، فَهُوَ الَّذِي يَمْلِكُهُ وَيَسْتَحِقُّهُ، كَمَا أَنَّهُ إنَّمَا يَمْلِكُ مِنَ الْمَكَاسِبِ مَا اكْتَسَبَهُ هُوَ، وَأَمَّا سَعْيُ غَيْرِهِ فَهُوَ حَقٌّ وَمِلْكٌ لِذَلِكَ الْغَيْرِ لَا لَهُ، لَكِنْ هَذَا لَا يَمْنَعُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِسَعْيِ غَيْرِهِ، كَمَا يَنْتَفِعُ الرَّجُلُ بِكَسْبِ غَيْرِهِ. وَلَيْسَ كُلُّ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْمَيِّتُ أَو الْحَيُّ أَو يُرْحَمُ بِهِ يَكُونُ مِن سَعْيِهِ؛ بَل أَطْفَالُ الْمُومِنِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ مَعَ آبَائِهِمْ بِلَا سَعْيٍ. [٢٤/ ٣٠٩ - ٣١٣]

стр. 2103

٢٨٩٤ - الصَّدَقَةُ عَنِ الْمَيِّتِ يَنْتَفِعُ بِهَا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ .. وَكَذَلِكَ يَنْفَعُهُ الْحَجُّ عَنْهُ، وَالْأُضْحِيَّةُ عَنْهُ، وَالْعِتْقُ عَنْهُ، وَالدُّعَاءُ وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُ، بِلَا نِزَاعٍ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ، وَأَمَّا الصِّيَامُ عَنْهُ وَصَلَاةُ التَّطَوُّعِ عَنْهُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ عَنْهُ فَهَذَا فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ. وَأَمَّا الِاسْتِئْجَارُ لِنَفْسِ الْقِرَاءَةِ وَالْإِهْدَاءِ فَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ إنَّمَا تَنَازَعُوا فِي جَوَازِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ، وَالْأَذَانِ، وَالْإِمَامَةِ، وَالْحَجِّ عَنِ الْغَيْرِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ يَسْتَوْفِي الْمَنْفَعَةَ (١)، فَقِيلَ: يَصِحُّ لِذَلِكَ كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ. وَقِيلَ: لَا يَجُوز. وَقِيلَ: يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهَا لِلْفَقِيرِ دُونَ الْغَنِيِّ، وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد، كَمَا أَذِنَ اللهُ لِوَلِيِّ الْيَتِيمِ أَنْ يَأْكُلَ مَعَ الْفَقْرِ وَيَسْتَغْنِيَ مَعَ الْغِنَى، وَهَذَا الْقَوْلُ أَقْوَى مِن غَيْرِهِ. عَلَى هَذَا: فَإِذَا فَعَلَهَا الْفَقِيرُ للهِ، وَإِنَّمَا أَخَذَ الْأُجْرَةَ لِحَاجَتِهِ إلَى ذَلِكَ وَليَسْتَعِينَ بِذَلِكَ عَلَى طَاعَةِ اللهِ فَاللهُ يَأْجُرُهُ عَلَى نِيَّتِهِ، فَيَكُونُ قَد أَكَلَ طَيِّبًا وَعَمِلَ صَالِحًا. وَأَمَّا إذَا كَانَ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ إلَّا لِأَجْلِ الْعُرُوضِ فَلَا ثَوَابَ لَهُم عَلَى ذَلِكَ، وَإِذَا لَمْ يَكن فِي ذَلِكَ ثَوابٌ فَلَا يَصِلُ إلَى الْمَيِّتِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِلُ إلَى الْمَيِّتِ ثَوَابُ الْعَمَلِ لَا نَفْسُ الْعَمَلِ؛ فَإِذَا تَصَدَّقَ بِهَذَا الْمَالِ عَلَى مَن يَسْتَحِقُّهُ وَصَلَ ذَلِكَ إلَى الْمَيِّتِ وَإِن قَصَدَ بِذَلِكَ مَن يَسْتَعِينُ عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَتَعْلِيمِهِ كَانَ أَفْضَلَ وَأَحْسَنَ فَإِنَّ إعَانَةَ الْمُسْلِمِينَ بِأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ عَلَى تَعَلُّمِ الْقُرْآنِ وَقِرَاءَتِهِ وَتَعْلِيمِهِ مِن أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ.

стр. 2104

وَأَمَّا صَنْعَةُ أَهْلِ الْمَيِّتِ طَعَامًا يَدْعُونَ النَّاسَ إلَيْهِ فَهَذَا غَيْرُ مَشْرُوعٍ وَإِنَّمَا هُوَ بِدْعَةٌ. [٢٤/ ٣١٤ - ٣١٦] ٢٨٩٥ - الْعُلَمَاءُ لَهُم فِي وُصُولِ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ؛ كَالْقِرَاءَةِ وَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ إلَى الْمَيِّتِ قَوْلَانِ، أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ يَصِلُ. وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِن الْعُلَمَاءِ: إنَّ الْقِرَاءَةَ عِنْدَ الْقَبْرِ أَفْضَلُ، وَمَن قَالَ: إنَّهُ عِنْدَ الْقَبْرِ يَنْتَفِعُ الْمَيِّتُ بِسَمَاعِهَا دُونَ مَا إذَا بَعُدَ الْقَارِئُ: فَقَوْلُهُ هَذَا بِدْعَة بَاطِلَةٌ مُخَالِفَةٌ لِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ. وَالْمَيِّتُ بَعْدَ مَوْتِهِ لَا يَنْتَفِعُ بِأَعْمَال يَعْمَلُهَا هُوَ بَعْد الموت: لَا مِن اسْتِمَاعٍ وَلَا قِرَاءَةٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. وَإِنَّمَا يَنْتَفِعُ بِآثَارِ مَا عَمِلَهُ فِي حَيَاتِهِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِن ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَو عِلْم يُنْتَفَعُ بِهِ أَو وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ" (١). وَيُنْتَفَعُ أَيْضًا بِمَا يُهْدَى إلَيْهِ مِن ثَوَابِ الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ؛ كَالصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ. وَكَذَلِكَ الْعِبَادَاتُ الْبَدَنِيَّةُ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْهِمْ. [٣١/ ٤١ - ٤٢] ٢٨٩٦ - أَمَّا بِنَاءُ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ وَتُسَمَّى "مَشاهِدَ": فَهَذَا غَيْرُ سَائِغٍ؛ بَل جَمِيعُ الْأُمَّةِ يَنْهَوْنَ عَن ذَلِكَ، لِمَا ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوا" (٢). فَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ الصَّلَاةَ عِنْدَهَا فِيهَا فَضْلٌ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِهَا، أَو أَنَّهَا

стр. 2105

أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ فِي بَعْضِ الْمَسَاجِدِ: فَقَد فَارَقَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَمَرَقَ مِنَ الدِّينِ (١). بَلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْأُمَّةُ أَنَّ الصَّلَاةَ فِيهَا مَنْهِي عَنْهَا نَهْيَ تَحْرِيمٍ. [٢٤/ ٣١٨] ٢٨٩٧ - لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَنْقُلَ صَلَاةَ الْمُسْلِمِينَ وَخطَبَهُم مِن مَسْجِدٍ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ إلَى مَشْهَدِ مِن مَشَاهِدِ الْقُبُورِ وَنَحْوِهَا، بَل ذَلِكَ مِن أَعْظَمِ الضَّلَالَاتِ وَالْمُنْكَرَاتِ، حَيْثُ تَرَكُوا مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ وَفَعَلُوا مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ، وَتَرَكُوا السُّنَّةَ وَفَعَلُوا الْبِدْعَةَ، تَرَكُوا طَاعَةَ اللهِ وَرَسولِهِ، وَارْتَكَبُوا مَعْصِيَةَ اللهِ وَرَسُولِهِ؛ بَل يَجِبُ إعَادَةُ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ إلَى الْمَسْجِدِ الَّذِي هُوَ بَيْتٌ مِن بُيُوتِ اللهِ. وَأَمَّا الْقُبُورُ الَّتِي فِي الْمَشَاهِدِ وَغَيْرِهَا؛ فَالسُّنَّةُ لِمَن زَارَهَا أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى الْمَيِّتِ وَيَدْعُوَ لَهُ بِمَنْزِلَةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ. [٢٤/ ٢٣٠] ٢٨٩٨ - الْأَمْرُ الَّذِي كَانَ مَعْرُوفًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْقُرُونِ الْمُفَضَّلَةِ: أَنَّهُم كَانُوا يَعْبُدُونَ اللهَ بِأْنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ الْمَشْرُوعَةِ فَرْضِهَا وَنَفْلِهَا مِنَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَانُوا يَدْعُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ كَمَا أَمَرَ اللهُ بِذَلِكَ لِأَحْيَائِهِمْ وَأَمْوَاتِهِمْ فِي صَلَاتِهِمْ عَلَى الْجِنَازَةِ وَعِنْدَ زِيَارَةِ الْقُبُورِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَقَد صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَ بِالصَّدَقَةِ عَلَى الْمَيِّتِ، وَأَمَرَ أَنْ يُصَامَ عَنْهُ الصَّوْمَ، فَالصَّدَقَةُ عَنِ الْمَوْتَى مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَكَذَلِكَ مَا جَاءَت بِهِ السُّنَّةُ فِي الصَّوْمِ عَنْهُمْ. وَبِهَذَا وَغَيْرِه احْتَجَّ مَن قَالَ مِنَ الْعُلَمَاءِ: إنَّهُ يَجُوزُ إهْدَاءُ ثَوَابِ الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ وَالْبَدَنِيَّةِ إلَى مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَحْمَد وَأَبِي حَنِيفَةَ.

стр. 2106

فَإِذَا أَهْدَى لِمَيِّت ثَوَابَ صِيَامٍ أَو صَلَاةٍ أَو قِرَاءَةٍ جَازَ ذَلِكَ. وَمَعَ هَذَا: فَلَمْ يَكُن مِن عَادَةِ السَّلَفِ إذَا صَلَّوْا تَطَوُّعًا وَصَامُوا وَحَجُّوا أَو قَرَؤُوا الْقُرْآنَ يُهْدُونَ ثَوَابَ ذَلِكَ لِمَوْتَاهُم الْمُسْلِمِينَ وَلَا لِخُصُوصِهِمْ؛ بَل كَانَ عَادَتُهُم كَمَا تَقَدَّمَ، فَلَا يَنْبَغِي لِلنَّاسِ أَنْ يَعْدِلُوا عَن طَرِيقِ السَّلَفِ، فَإِنَّهُ أَفْضَل وَأَ كْمَلُ. [٢٤/ ٣٢٢ - ٣٢٣] ٢٨٩٩ - القراءة على الميت بعد موته بدعة، بخلاف القراءة على المحتضر فإنها تستحب بياسين. [المستدرك ٣/ ١٤٢] ٢٩٠٠ - اختلف أصحابنا وغيرهم في عيادة المريض، وتشميت العاطس وابتداء السلام، والذي يدل عليه النص وجوب ذلك، فيقال: هو واجب على الكفاية. [المستدرك ٣/ ١٣٩] ٢٩٠١ - وسمعت (١) شيخ الإسلام أبا العباس ابن تيمية ﵀ يقول -وقد عرض له بعض الألم- فقال له الطبيب: أضر ما عليك الكلام في العلم والفكر فيه والتوجه والذكر، فقال الشيخ: ألستم تزعمون أن النفس إذا قويت وفرحت أوجب فرحها لها قوة تعين بها الطبيعة على دفع المعارض فإنه عدوها فإذا قويت عليه قهرته، فقال له الطبيب: بلى، فقال: إذا اشتغلت نفسي بالتوجه والذكر والكلام في العلم وظفرت بما يشكل عليها منه فرحت به وقويت فأوجب ذلك دفع المعارض هذا أو نحوه من الكلام (٢). [المستدرك ٣/ ١٣٩]

стр. 2107

٢٩٠٢ - كان الشيخ تقي الدين ﵀ يكتب على جبهة الراعف: ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [هود: ٤٤]. قال: ولا يجوز كتابتها بدم، فإن الدم نجس، فلا يجوز أن يكتب به كلام الله. وشاهدت شيخنا يرسل إلى المصروع، من يخاطب الروح التي فيه ويقول: قال لك الشيخ: اخرجي، فإن هذا لا يحل لك، فيفيق المصروع، وربما خاطبها بنفسها، وربما كانت الروح ماردة فيخرجها بالضرب فيفيق المصروع ولا يحس بألم، وقد شاهدنا نحن وغيرنا منه ذلك مرارًا. وكان كثيرًا ما يقرأ في أذن المصروع: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ [المؤمنون: ١١٥]. وحدثني أنه قرأها مرة في أذن المصروع، فقالت الروح: نعم، ومد بها صوته، قال: فأخذت له عصا وضربته بها في عروق عنقه حتى تخلت يداي من الضرب، ولم يشك الحاضرون بأنه يموت لذلك الضرب، ففي أثناء الضرب قالت: أنا أحبه، فقلت لها: هو لا يحبك، قالت: أنا أريد أن أحج به، فقلت لها: هو لا يريد أن يحج معك، فقالت: أنا أدعه كرامة لك، قال: قلت: لا، ولكن طاعة لله ورسوله، قالت: فأنا أخرج منه، قال: فقعد المصروع يلتفت يمينًا وشمالًا، وقال ما جاء بي إلى حضرة الشيخ؟ قالوا له: وهذا الضرب كله، فقال: وعلى أي شيء يضربني الشيخ ولم أذنب، ولم يشعر بأنه وقع به ضرب ألبتة. وكان يعالج بآية الكرسي، وكان يامر بكثرة قراءة المصروع ومن يعالجه بها وبقراءة المعوذتين. [المستدرك ٣/ ١٤٠ - ١٤١] ٢٩٠٣ - إذا كان اليهودي أو النصراني خبيرًا بالطب ثقة عند الإنسان جاز له أن يستطبه، كما يجوز له أن يودعه المال وأن يعامله كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ

стр. 2108

أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥]. وفي "الصحيح" (١): "أن النبي ﷺ استأجر رجلًا مشركًا هاديًا خِرِّيتًا" والخريت: الماهر بالهداية، و"أْتَمَنَهُ على نفسه وماله"، "وكانت خزاعة عَيْبةَ [نُصْح] لرسل الله ﷺ مسلمهم وكافرهم" (٢)، وقد روي أن النبي ﷺ : "أمر أن يستطبّ الحارث بن كلدة وكان كافرًا". وإذا أمكنه أن يستطب مسلمًا فهو كما لو أمكنه أن يودعه أو يعامله فلا ينبغي أن يعدل عن ذلك، وأما إذا احتاج إلى ائتمان الكتابي أو استطبابه فله ذلك، ولم يكن من ولاية اليهود والنصارى المنهي عنها، وإذا خاطبه بالتي هي أحسن كان حسنًا، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦]. [المستدرك ٣/ ١٤١] * * * (يستحب البكاء على الميت رحمة) ٢٩٠٤ - يستحب البكاء على الميت رحمة له، وهو أكمل من الفرح لقوله ﷺ : "هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده" متفق عليه (٣). [المستدرك ١/ ١٤٧] * * *

стр. 2109

(غسل الميت وتكفينه) ٢٩٠٥ - من ظن أن غيره لا يقوم بأمر الميت تعين عليه. [المستدرك ٣/ ١٤٢] ٢٩٠٦ - تركُ النبي ﷺ غسل الشهيد والصلاة عليه يدل على عدم الوجوب، أما استحباب (١) الترك فلا يدل على التحريم. [المستدرك ٣/ ١٤٢] * * * (الصلاة عليه) ٢٩٠٧ - قال شيخنا: كان يشكل عليَّ أحيانًا حال من أصلي عليه الجنائز: هل هو مؤمن، أو منافق؟ فرأيت رسول الله ﷺ في المنام فسألته عن مسائل عديدة منها هذه المسألة، فقال: "يا أحمد: الشرط، الشرط، أو قال: علق الدعاء بالشرط". [المستدرك ٣/ ١٤٣] ٢٩٠٨ - يُصلّى على الجنازة مرة بعد أخرى، لأنه دعاء، وهو وجه في المذهب، واختاره ابن عقيل في الفنون. وقال أبو العباس في موضع آخر: ومن صلى على الجنازة فلا يعيدها إلا لسبب؛ مثل أن يعيد غيره الصلاة فيعيدها معه، أو يكون هو أحق بالإمامة من الطائفة التي صلت أولًا فيصلي بهم. [المستدرك ٣/ ١٤٣] ٢٩٠٩ - يُصلّى على القبر ولو إلى شهر، وهو مذهب أحمد. [المستدرك ٣/ ١٤٣] ٢٩١٠ - الصواب أن الغائب إذا مات ببلد لم يصل عليه فيه صلي عليه صلاة الغائب، كما صلى النبي ﷺ على النجاشي؛ لأنه مات بين الكفار ولم يصل عليه، وإن صلي عليه حيث مات لم يصل عليه صلاة الغائب؛ لأن

стр. 2110

الفرض قد سقط بصلاة المسلمين عليه، والنبي ﷺ صلى صلى على الغائب، وتركُه وفعلُه سُنَّة، وهذا له موضع وهذا له موضع. [المستدرك ٣/ ١٤٣] ٢٩١١ - من مات وكان لا يزكي ولا يصلي إلا في رمضان: ينبغي لأهل العلم والدين أنْ يَدَعُو الصلاة عليه عقوبة ونكالًا لأمثاله؛ لتركه ﷺ الصلاة على القاتل وعلى الغال، والمدين الذي لا وفاء له، ولا بد أن يصلي عليه بعض الناس (١). [المستدرك ٣/ ١٤٣ - ١٤٣] ٢٩١٢ - يستحب القيام للجنازة إذا مرت به، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، واختيار ابن عقيل. [المستدرك ٣/ ١٤٥] ٢٩١٣ - يتبع الجنازة ولو لأجل أهله فقط؛ إحسانًا إليهم لتألفهم، أو مُكافأةً (٢) أو غير ذلك. [المستدرك ٣/ ١٤٥] ٢٩١٤ - الجنازة التي فيها منكر؛ مثل أن يحمل قدامها أو وراءها الخبز والغنم أو غير ذلك من البدع الفعلية أو القولية: فهل له أن يمتنع من تشييعها؟ على قولين هما روايتان عن أحمد. والصحيح أنه يشيعها؛ لأنه حق للميت فلا يسقط بفعل غيره، وينكر المنكر بحسبه، وإن كان ممن إذا امتنع تركوا المنكر امتنع، بخلاف الوليمة فإن صاحب الحق هو فاعل المنكر فسقط حقُّهُ لمعصيته؛ كالمتلبس بمعصيةٍ لا يُسَلَّمُ عليه حال تلَبُّسِهِ بها. [المستدرك ٣/ ١٤٥] ٢٩١٥ - عمل العرس للميت من أعظم البدع المنكرات، وكذلك الضرب بالدف عند الجنازة، لكن يضرب به عند العرس، وكرهه بعضهم مطلقًا، والصحيح الفرق، وكان دفهم ليس له صلاصل. [المستدرك ٣/ ١٤٥] * * *

стр. 2111

(حمل الميت ودفنه) ٢٩١٦ - كان الميِّتُ على عهد رسول الله ﷺ يخرج به الرجال يحملونه إلى المقبرة، لا يسرعون ولا يبطئون؛ بل عليهم السكينة، لا نساء معهم، ولا يرفعون أصواتهم، لا بقراءةٍ ولا غيرها، وهذه هي السُّنَّة باتفاق المسلمين. [المستدرك ٣/ ١٤٦] ٢٩١٧ - لا يستحب للرجل أن يحفر قبره قبل أن يموت؛ فإن النبي ﷺ لم يفعل ذلك لا هو ولا أصحابه، والعبد لا يدري أين يموت، وإذا كان مقصود الرجل الاستعداد للموت فهذا يكون بالعمل الصالح (١). [المستدرك ٣/ ١٤٦] ٢٩١٨ - في لَحْدِ الرجلِ للمرأة نزاعٌ: الصحيحُ أنه إنْ كان مِن أهل الخير يلحدها. [المستدرك ٣/ ١٤٦] ٢٩١٩ - حديثُ عقبةَ بن عامر: "ثلاث ساعات نهانا رسول الله ﷺ أن نصلي فيهن وأن نقبر فيهن موتانا" (٢) فسر بعضهم القبر بأنه الصلاة على الجنازة، وهذا ضعيف؛ لأن صلاة الجنازة لا تُكره في هذا الوقت بالإجماع، وإنما معناه: تعمُّدُ تأخيرِ الدفن إلى هذه الأوقات، كما يُكره تعمُّدُ تأخيرِ صلاةِ العصر إلى اصفرار الشمس بلا عذر، فأما إذا وقع الدفن في هذه الأوقات بلا تعمُّدٍ فلا يكره. [المستدرك ٣/ ١٤٦] ٢٩٢٠ - يكره دفن اثنين فأكثر في قبر واحد (٣). [المستدرك ٣/ ١٤٧] ٢٩٢١ - لا بد أن تكون مقابر أهل الذمة متميزة عن مقابر المسلمين تمييزًا ظاهرًا بحيث لا يختلطون بهم، ولا تشتبه على المسلمين بقبورهم، وهذا آكد من التمييز بينهم حال الحياة بلبس الغيار ونحوه، فإن مقابر المسلمين فيها الرحمة ومقابر الكفار فيها العذاب؛ بل ينبغي مباعدة مقابرهم عن مقابر المسلمين، وكلما بعدت كان أصلح. [المستدرك ٣/ ١٤٧]

стр. 2112

٢٩٢٢ - تدقين الميت (١) بعد دفنه، قيل: مباح، وقيل: مستحب، وقيل: مكروه. وفعله واثلة بن الأسقع وأبو أمامة، والأظهر أنه مكروه (٢)؛ لأنه لم يفعله الرسول ﷺ ؛ بل المستحب الدعاء له، كما في "سنن أبي داود" أنه كان إذا مات رجل من أصحاب رسول الله ﷺ يقوم النبي ﷺ على قبره فيقول: "اسألوا له التثبيت فإنه الآن يُسأل" (٣). [المستدرك ٣/ ١٤٧] ٢٩٢٣ - من بنى في مقبرة المسلمين ما يختص به فهو عاص، وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم. [المستدرك ٣/ ١٤٧] ٢٩٢٤ - يحرم الإسراج على القبور، واتخاذ المساجد عليها وبينها، ويتعين إزالتها. قال أبو العباس: لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء المعروفين. [المستدرك ٣/ ١٤٧] ٢٩٢٥ - إذا لم يمكنه المشي إلى المسجد إلا على الجبَّانة (٤) فله ذلك ولا يترك المسجد. [المستدرك ٣/ ١٤٧] ٢٩٢٦ - حديث أُبي الذي فيه: أجعل صلاتي كلها عليك، قال: "إذا

стр. 2113

يكفيك الله همك ويغفر ذنبك" (١) المراد أنه يجعل له ربع دعائه أو نصفه أو ثلثه، إلى أن قال: كلها أي كل دعائي، فإن الصلاة في اللغة الدعاء، ولهذا قال له: "إذًا يكفيك الله همّك ويغفر ذنبك" فإنه إذا صلى عليه واحدة صلى الله عليه بها عشرًا. ومن دعا لأخيه وكل الله بها ملكًا يقول: "ولك بمثله" (٢) فإذا صلى عليه بَدَل دُعائِه كَفَاه الله همه وحصل له مقصود ذلك الدعاء من كفاية همه وكفران ذنبه، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، فكيف بمن يدعو للنبي ﷺ بدل نفسه؟ إنه لحقيق أن يحصل له أكثر مما يطلبه لنفسه. [المستدرك ٣/ ١٤٨] ٢٩٢٧ - لا يُستحب إهداء القُرَبِ للنبيِّ ﷺ ؛ بل هو بدعة، هذا هو الصواب المقطوع به. [المستدرك ٣/ ١٤٩] ٢٩٢٨ - استفاضت الآثار بمعرفة الميت أهله وبأحوال أهله وأصحابه في الدنيا، وأن ذلك يعرض عليه، وجاءت الآثار بأنه يَرَى أيضًا، وبأنه يدري بما يُفعل عنده، فيُسرُّ بما كان حسنًا، ويتالم بما كان قبيحًا، وتجتمع أرواح الموتى فينزل الأعلى إلى الأدنى لا العكس. [المستدرك ٣/ ١٤٩] ٢٩٢٩ - لا يمنع الكافر من زيارة قبر أبيه المسلم. [المستدرك ٣/ ١٤٩] ٢٩٣٠ - قال ابن القيم ﵀ -بعد أن ذكر أقوال الفرق في جواز البكاء على الميت وعدمه إذا كان معه نياحة أو ندب-: فإذا بكى على الميت البكاءَ المحرم، وهو البكاء الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه، والبكاء على الميت عندهم اسم لذلك، وهو معروف في نثرهم ونظمهم: تألَّم الميت بذلك في قبره، فهذا التألم هو عذابه بالبكاء عليه، وهذه طريقة شيخنا في هذه الأحاديث. [المستدرك ٣/ ١٤٩]

стр. 2114

٢٩٣١ - الميت يتأذى بنوح أهله عليه مطلقًا قاله طائفة من العلماء، وما يُهَيِّجُ المصيبةَ مِن إنشاد الشعر والوعظ فمن النياحة. [المستدرك ٣/ ١٤٩] * * * (حكم الاستئجار على التلاوة) ٢٩٣٢ - إِنَّ الِاسْتِئْجَارَ عَلَى التِّلَاوَةِ لَمْ يُرَخِّصْ فِيهِ أَحَد مِن الْعُلَمَاءِ. [٢٣/ ٣٦٤] * * * (بَابُ زِيَارَةِ الْقُبُورِ) ٢٩٣٣ - زَيارَةُ الْقُبُورِ عَلَى وَجْهَيْنِ: شَرْعِيَّةٌ وَبِدْعِيَّةٌ. فَالشَّرْعِيَّةُ: مِثْلُ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ، وَالْمَقْصُودُ بِهَا الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ، كَمَا يُقْصَدُ بِذَلِكَ الصَّلَاةُ عَلَى جِنَازَيهِ. وَأَمَّا الزِّيَارَةُ الْبِدْعِيَّةُ: وَهِيَ زِيَارَةُ أَهْلِ الشِّرْكِ مِن جِنْسِ زِيَارَةِ النَّصَارَى الَّذِينَ يَقْصِدُونَ دُعَاءَ الْمَيِّتِ وَالِاسْتِعَانَةَ بِهِ وَطَلَبَ الْحَوَائِجِ عِنْدَهُ، فَيُصَلُّونَ عِنْدَ قَبْرِهِ وَيَدْعُونَ بِهِ، فَهَذَا وَنَحْوُهُ لَمْ يَفْعَلْهُ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَلَا اسْتَحَبَّهُ أَحَدٌ مِن سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا. وَلَمْ يَكُنِ الصَّحَابَةُ ﵃ وَالتَّابِعُونَ يَقْصِدُونَ الدُّعَاءَ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا غَيْرِهِ؛ بَل كَرِهَ الْأَئِمَّةُ وُقُوفَ الْإِنْسَانِ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ لِلدُّعَاءِ، وَقَالُوا: هَذِهِ بِدْعَةٌ لَمْ يَفْعَلْهَا الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ؛ بَل كَانُوا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَعَلَى صَاحِبَيْهِ ثُمَّ يَذْهَبُونَ. [٢٤/ ٣٢٦ - ٣٢٨، ٢٦/ ١٤٨ - ١٤٩] ٢٩٣٤ - الِاخْتِلَافُ إلَى الْقَبْرِ بَعْدَ الدَّفْنِ: لَيْسَ بِمُسْتَحَبٍّ، وَإِنَّمَا الْمُسْتَحَبُّ عِنْدَ الدَّفْنِ أَنْ يُقَامَ عَلَى قَبْرِهِ وَيُدْعَى لَهُ بِالتَّثْبِيتِ، كَمَا رَوَى أَبُو دَاوُد فِي "سُنَنِهِ" عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَّهُ كَانَ إذَا دَفَنَ الرَّجُلَ مِن أَصْحَابِهِ يَقُومُ عَلَى قَبْرِهِ وَيَقُولُ:

стр. 2115

سَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ" (١). وَهَذَا مِن مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤]، فَإِنَّهُ لَمَّا نَهَى نَبِيَّهُ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ وَعَنِ الْقِيَامِ عَلَى قُبُورِهِمْ كَانَ دَلِيلُ الْخِطَابِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يُصَلَّى عَلَيْهِ قَبْلَ الدَّفْنِ وَيُقَامُ عَلَى قَبْرِهِ بَعْدَ الدَّفْنِ. [٢٤/ ٣٣٠] ٢٩٣٥ - وَأَمَّا مَا أَخْبَرَ اللهُ بِهِ مِن حَيَاةِ الشَّهِيدِ وَرِزْقِهِ وَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مِن دُخولِ أَرْوَاحِهِمْ الْجَنَّةَ: فَذَهَبَ طَوَائِف إلَى أَنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِهِم دُونَ الصِّدِّيقِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ وَجَمَاهِيرُ أَهْلِ السُّنَّةِ: أَنَّ الْحَيَاةَ وَالرِّزْقَ وَدُخُولَ الْأَرْوَاحِ الْجَنَّةَ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالشَّهِيدِ، كَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ النُّصُوصُ الثَّابتَةُ، وَيَخْتَصُّ الشَّهِيدُ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِ الظَّانّ يَظُنُّ أَنَّهُ يَمُوتُ فَيَنْكُلُ عَنِ الْجِهَادَ، فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ لِيَزُولَ الْمَانِغ مِنَ الْإِقْدَامِ عَلَى الْجِهَادِ وَالشَّهَادَةِ. كَمَا نَهَى عَن قَتْلِ الْأَوْلَادِ خَشْيَةَ الْإِمْلَاقِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْوَاقِعُ، وَإِن كَانَ قَتْلُهُم لَا يَجُوزُ مَعَ عَدَمِ خَشْيَةِ الْإِمْلَاقِ. [٢٤/ ٣٣٢] ٢٩٣٦ - الزِّيَارَةُ الْبِدْعِيَّةُ: هِيَ مِن أَسْبَابِ الشِّرْكِ بِاللهِ تَعَالَى، وَدُعَاء خَلْقِهِ، وَإِحْدَاث دِينٍ لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ. وَالزِّيَارَةُ الشَّرْعِيَّةُ: هِيَ مِن جِنْسِ الْإِحْسَانِ إلَى الْمَيِّتِ بِالدُّعَاءِ لَهُ؛ كَالْإِحْسَانِ إلَيْهِ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَهِيَ مِنَ الْعِبَادَاتِ للهِ تَعَالَى الَّتِي يَنْفَعُ اللهُ بِهَا الدَّاعِيَ وَالْمَدْعُوَّ لَهُ؛ كَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَطَلَبِ الْوَسِيلَةِ وَالدُّعَاءِ لِسَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ أَحْيَائِهِمْ وَأَمْوَاتِهِمْ. [٢٤/ ٣٤٣] ٢٩٣٧ - مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ النِّسَاءَ مَأْذُونٌ لَهُنَّ فِي الزِّيَارَةِ وَأَنَّهُ أَذِنَ

стр. 2116

لَهُنَّ كَمَا أَذِنَ لِلرِّجَالِ، وَاعْتَقَدَ أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ : "فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُدَكِّرُكُمْ الْآخِرَةَ" (١): خِطَابٌ عَامٌّ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَالصَّحِيح أَنَّ النِّسَاءَ لَمْ يَدْخُلْنَ فِي الْإَذْنَ فِي زِيارَةَ الْقُبُورِ لِعِدَّةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ : "فَزُورُوهَا" صِيغَةُ تَذْكِيرٍ، وَصِيغَةُ التَّذْكِيرِ إنَّمَا تَتَنَاوَلُ الرِّجَالَ بِالْوَضْعِ. الْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يُقَالَ: لَو كَانَ النِّسَاءُ دَاخِلَاتٍ فِي الْخِطَابِ لَاسْتَحَبَّ لَهُنَّ زِيارَةَ الْقُبُورِ كَمَا اسْتَحَبَّ لِلرِّجَالِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَمَا عَلِمْنَا أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْأَئِمَّةِ اسْتَحَبَّ لَهُنَّ زِيارَةَ الْقُبُورِ، وَلَا كَانَ النِّسَاءُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَخُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ يَخْرُجْنَ إلَى زِيارَةِ الْقُبُورِ كَمَا يَخْرُجُ الرِّجَالُ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْجَنَائِزِ أَوْكَدُ مِن زَيارَةِ الْقُبُورِ، وَمَعَ هَذَا فَقَد ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى النِّسَاءَ عَن اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَفِي ذَلِكَ تَفْوِيتُ صَلَاتِهِنَّ عَلَى الْمَيِّتِ، فَإِذَا لَمْ يَسْتَحِبَّ لَهُنَّ اتِّبَاعَهَا لِمَا فِيهَا مِنَ الصَّلَاةِ وَالثَّوَابِ فَكَيْفَ بِالزِّيَارَةِ؟! بِخِلَافِ مَا إذَا أَمْكَنَ النِّسَاءَ أَنْ يُصَلِّينَ عَلَى الْمَيِّتِ بِلَا اتِّبَاعٍ كَمَا يُصَلِّينَ عَلَيْهِ فِي الْبَيْتِ (٢) فَإِنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الدُّعَاءِ لَهُ وَالِاسْتِغْفَارِ فِي الْبَيْتِ. وَقَوْلُ الْقَائِلِ: مَفْسَدَةُ التَّشْيِيعِ أَعْظَمُ: مَمْنُوعٌ؛ بَل إذَا رُخِّصَ لِلْمَرْأَةِ فِي الزِّيَارَةِ كَانَ ذَلِكَ مَظِنَّةَ تَكْرِيرِ ذَلِكَ، فَتَعْظُمُ فِيهِ الْمَفْسَدَةُ، وَيَتَجَدَّدُ الْجَزَعُ وَالْأَذَى لِلْمَيِّتِ، فَكَانَ ذَلِكَ مَظِنَّةَ قَصْدِ الرِّجَالِ لَهُنَّ وَالِافْتِتَانِ بِهِنَّ كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْصَارِ، فَإِنَّهُ يَقَعُ بِسَبَب زِيارَةِ النِّسَاءِ الْقُبُورَ مِنَ الْفِتْنَةِ وَالْفَوَاحِشِ وَالْفَسَادِ مَا لَا يَقَعُ شَيْءٌ مِنْهُ عِنْدَ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ.

стр. 2117

وَهَذَا كُلُّهُ يُبَيِّنُ أَنَّ جِنْسَ زِيارَةِ النِّسَاءِ أَعْظَمُ مِن جِنْسِ اتِّبَاعِهِنَّ، وَأَنَّ نَهْيَ الِاتِّبَاعِ إذَا كَانَ نَهْيَ تَنْزِيهٍ لَمْ يَمْنَعْ أَنْ يَكُونَ نَهْيُ الزِّيَارَةِ نَهْيَ تَحْرِيمٍ. وَمِن أُصُولِ الشَّرِيعَةِ: أَنَّ الْحِكْمَةَ إذَا كَانَت خَفِيَّةً أَو [غَيْرَ] (١) مُنْتَشِرَةٌ عَلَّقَ الْحُكْمَ بِمَظِنَّتِهَا، فَيُحَرَّمُ هَذَا الْبَابُ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ، كمَا حَرَّمَ النَّظَرَ إلَى الزِّينَةِ الْبَاطِنَةِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْفِتْنَةِ، وَكَمَا حَرَّمَ الْخَلْوَةَ بِالْأَجْنَبِيَّةِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ النَّظَرِ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَصْلَحَةِ مَا يُعَارِضُ هَذِهِ الْمَفْسَدَةَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ إلَّا دُعَاؤُهَا لِلْمَيِّتِ، وَذَلِكَ فمْكِن فِي بَيْتِهَا؛ وَلهذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ: إذَا عَلِمَت الْمَرْأَةُ مِن نَفْسِهَا أَنَّهَا إذَا زَارَت الْمَقْبَرَةَ بَدَا مِنْهَا مَا لَا يَجُوزُ مِن قَوْلٍ أَو عَمَلِ: لَمْ تَجُزْ لَهَا الزِّيَارَةُ بِلَا نِزَاعٍ. [٢٤/ ٣٤٣ - ٣٥٦] ٢٩٣٨ - لَيْسَ فِي زِيارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَلَا صَحِيحٌ. وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ مَالِكًا ﵀ كَرِهَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: زُرْت قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَمَالِكٌ قَد أَدْرَكَ النَّاسَ مِنَ التَّابِعِينَ وَهُم أَعْلَمُ النَّاسِ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ تَكُنْ تُعْرَفُ عِنْدَهُم أَلْفَاظُ زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلهَذَا كَرِهَ مَن كَرِهَ مِنَ الْأَئِمَّةِ أَنْ يَقِفَ مُسْتَقْبِلَ الْقَبْرِ يَدْعُو. بَل وَكَرِهَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ أَنْ يَقُومَ لِلدُّعَاءِ لِنَفْسِهِ هُنَاكَ، وَذَكَرَ أَنَّ هَذَا لَمْ يَكُن مِن عَمَلِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَأَنَّهُ لَا يُصْلِحُ آخِرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ إلَّا مَا أَصْلَحَ أَوَّلَهَا. وَقَد ذَكَرُوا فِي أَسْبَابِ كَرَاهَتِهِ أَنْ يَقُولَ: زُرْت قَبْرَ النَّبِيِّ؛ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ قَد صَارَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يُرِيدُ بِهِ الزِّيَارَةَ الْبِدْعِيَّةَ، وَهِيَ قَصْدُ الْمَيِّتِ لِسُؤَالِهِ وَدُعَائِهِ وَالرَّغْبَةِ إلَيْهِ فِي قَضَاءِ الْحَوَائِجِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَهُم يَعْنُونَ بِلَفْظِ الزِّيَارَةِ مِثْل هَذَا، وَهَذَا لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، فَكَرِهَ

стр. 2118

مَالِكٌ أَنْ يُتَكَلَّمَ بِلَفْظٍ مُجْمَلٍ يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى فَاسِدٍ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالسَّلَامِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا أَمَرَ اللهُ بِهِ. فَلَا يُمْكِنُ أَحَدًا أَنْ يَرْوِيَ بِإِسْنَادٍ ثَابِتٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا عَن أصْحَابِهِ شَيْئًا فِي زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ بَل الثَّابِتُ عَنْهُ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" يُنَاقِضُ الْمَعْنَى الْفَاسِدَ الَّذِي تَرْوِيهِ الْجُهَّالُ بِهَذَا اللَّفْظِ؛ كَقَوْلِهِ ﷺ : "لَا تتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا" (١). وَقَوْلِهِ ﷺ : "لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَدُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ" (٢) يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوا .. وَأَشْبَاهُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِي "الصَّحَاحِ" وَ"السُّنَنِ" وَالْكُتُب الْمُعْتَمَدَةِ. فَكَيْفَ يَعْدِلُ مَن لَهُ عِلْمٌ وَإِيمَانٌ عَن مُوجِبِ هَذِهِ النُّصُوصِ الثَّابِتَةِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْحَدِيثِ إلَى مَا يُنَاقِضُ مَعْنَاهَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي لَمْ يُثْبِتْ مِنْهَا شَيْئًا أَحَدٌ مِن أَهْلِ الْعِلْمِ. [٢٤/ ٣٥٦ - ٣٥٩] ٢٩٣٩ - صَحَّ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "لَعَنَ اللهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ" (٣) رَوَاهُ أَحْمَد وَابْنُ مَاجَه وَالتِّرْمِذِي وَصَحَّحَه. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: "لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زوَّارَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجِ" (٤) رَوَاهُ أَهْلُ "السُّنَنِ" الْأَرْبَعَةِ: أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِي وَالتِّرْمِذِي وَابْنُ مَاجَه. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَعَلَى هَذَا الْعَمَلُ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ نَهَى زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ عَن ذَلِكَ (٥). [٢٤/ ٣٦٠]

стр. 2119

٢٩٤٠ - ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" (١) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "يَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ حِينَ يُوَلُّونَ عَنْهُ". وَثَبَتَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" (٢) عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَفَ عَلَى قَلِيبِ بَدْرٍ فَقَالَ: "هَل وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ "، وَقَالَ: "إنَّهُم يَسْمَعُونَ الْآنَ مَا أَقُولُ". فَهَذِهِ النُّصُوصُ وَأَمْثَالُهَا تُبَيِّنُ أَنَّ الْمَيِّتَ يَسْمَعُ فِي الْجُمْلَةِ كَلَامَ الْحَيِّ، وَلَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ السَّمْعُ لَهُ دَائِمًا؛ بَل قَد يَسْمَعُ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ، كَمَا قَد يَعْرِضُ لِلْحَيِّ فَإِنَّهُ قَد يَسْمَعُ أَحْيَانًا خِطَابَ مَن يُخَاطِبُهُ وَقَد لَا يَسْمَعُ لِعَارِضٍ يَعْرِضُ لَهُ، وَهَذَا السَّمْعُ سَمْعُ إدْرَاكٍ لَيْسَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ جَزَاءٌ، وَلَا هُوَ السَّمْعُ الْمَنْفِيُّ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠]، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ سَمْعُ الْقَبُولِ وَالِامْتِثَالِ، فَإِنَّ اللهَ جَعَلَ الْكَافِرَ كَالْمَيِّتِ الَّذِي لَا يَسْتَجِيبُ لِمَن دَعَاهُ، وَكَالْبَهَائِمِ الَّتِي تَسْمَعُ الصَّوْتَ وَلَا تَفْقَهُ الْمَعْنَى؛ فَالْمَيِّتُ وَإِن سَمِعَ الْكَلَامَ وَفَقِهَ الْمَعْنَى فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ إجَابَةُ الدَّاعِي وَلَا امْتِثَالُ مَا أَمَرَ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ فَلَا يَنْتَفِعُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَكَذَلِكَ الْكَافِرُ لَا يَنْتَفِعُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَإِن سَمِعَ الْخِطَابَ وَفَهِمَ الْمَعْنَى. [٢٤/ ٣٦٤] ٢٩٤١ - وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: هَل تُعَادُ رُوحُهُ إلَى بَدَنِهِ ذَلِكَ الْوَقْتَ (٣) أَمْ تَكُونُ

стр. 2120

تُرَفْرِفُ عَلَى قَبْرِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَغَيْرِهِ؟ فَإِنَّ رُوحَهُ تُعَادُ إلَى الْبَدَنِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ، وَتُعَادُ أَيْضًا فِي غَيْرِ ذَلِكَ، وَأَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْجَنَّةِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ النَّسَائي وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِي وَغَيْرُهُم: "أَنَّ نَسَمَةَ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُرْجِعَهُ اللهُ إلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ" (١). وَمَعَ ذَلِكَ فَتَتَّصِلُ بِالْبَدَنِ مَتَى شَاءَ اللهُ، وَذَلِكَ فِي اللَّحْظَةِ بِمَنْزِلَةِ نُزُولِ الْمَلَكِ وَظُهُورِ الشُّعَاعِ فِي الْأَرْضِ وَانْتِبَاهِ النَّائِمِ. وهذا جاء في عدة آثار (٢)، أن الأرواح تكون في أفنية القبور. [٢٤/ ٣٦٥] ٢٩٤٢ - لَا نِزَاعَ بَيْنَ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي وُصُولِ ثَوَابِ الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ كَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ (٣)، كَمَا يَصِلُ إلَيْهِ أَيْضًا الدُّعَاءُ وَالِاسْتِغْفَارُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ وَالدُّعَاءُ عِنْدَ قَبْرِهِ. وَتَنَازَعُوا فِي وُصُولِ الْأَعْمَالِ الْبَدَنِيَّةِ، كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَالْقِرَاءَةِ، وَالصَّوَابُ أَنَّ الْجَمِيعَ يَصِلُ إلَيْهِ. [٢٤/ ٣٦٦] ٢٩٤٣ - قَوْلُ السَّائِلِ: هَل يُؤْذِيهِ الْبُكَاءُ عَلَيْهِ؟ الصَّوَابُ أَنَّهُ يَتَأَذَّى بِالْبُكَاءِ عَلَيْهِ كَمَا نَطَقَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: "إنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ" (٤). فَهُوَ لَمْ يَقُلْ: إنَّ الْمَيِّتَ يُعَاقَبُ بِبُكَاءِ اهْلِهِ عَلَيْهِ؛ بَل قَالَ: "يُعَذَّبُ"، وَالْعَذَابُ أَعَمُّ مِنَ الْعِقَابِ، فَإِنَّ الْعَذَابَ هُوَ الْأَلَمُ، وَلَيْسَ كُلُّ مَن تَأَلَّمَ بِسَبَبٍ كَانَ ذَلِكَ عِقَابًا لَهُ عَلَى ذَلِكَ السَّبَبِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ

стр. 2121

الْعَذَابِ يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ" (١)، فَسَمَّى السَّفَرَ عَذَابًا وَلَيْسَ هُوَ عِقَابًا عَلَى ذَنْبٍ. وَالْإِنْسَانُ فِي قَبْرِهِ يُعَذَّبُ بِكَلَامِ بَعْضِ النَّاسِ وَيَتَألَّمُ بِرُؤَيةِ بَعْضِهِمْ وَبِسَمَاعِ كَلَامِهِ. وَلهَذَا أَفْتَى الْقَاضِي أَئو يَعْلَى: بِأَنَّ الْمَوْتَى إذَا عُمِلَ عِنْدَهُم الْمَعَاصِي فَإِنَّهُم يَتَأَلَّمُونَ بِهَا كَمَا جَاءَت بِذَلِكَ الْآثَارُ. وَقَد يَنْدَفِعُ حُكْمُ السَّبَبِ بِمَا يُعَارِضُهُ، فَقَد يَكُونُ فِي الْمَيِّتِ مِن قُوَّةِ الْكَرَامَةِ مَا يَدْفَعُ عَنْهُ مِنَ الْعَذَابِ، كَمَا يَكُونُ فِي بَعْضِ النَّاسِ مِنَ الْقُوَّةِ مَا يَدْفَعُ ضَرَرَ الْأَصْوَاتِ الْهَائِلَةِ وَالْأَرْوَاحِ وَالصُّوَرِ الْقَبِيحَةِ. وَمَا يَحْصُلُ لِلْمُؤْمِنِ فِي الدُّنْيَا وَالْبَرْزَخِ وَالْقِيَامَةِ مِنَ الْأَلَمِ (٢) الَّتِي هِيَ عَذَابٌ فَإِنَّ ذَلِكَ يُكَفِّرُ اللهُ بِهِ خَطَايَاهُ. وَمَا ذَكَرْنَا فِي أَنَّ الْمَوْتَى يَسْمَعُونَ الْخِطَابَ وَيَصِلُ إلَيْهِم الثَّوَابُ وَيُعَذَّبُونَ بِالنِّيَاحَةِ؛ بَل وَمَا لَمْ يَسْأَلْ عَنْهُ السَّائِلُ مِن عِقَابِهِم فِي قُبُورِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ: فَقَد يُكْشَفُ لِكَثِيرٍ مِن أَبْنَاءِ زَمَانِنَا يَقَظَةً وَمَنَامًا، وَيَعْلَمُونَ ذَلِكَ وَيَتَحَقَّقُونَهُ، وَعِنْدَنَا مِن ذَلِكَ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ، لَكِنَّ الْجَوَابَ فِي الْمَسَائِلِ الْعِلْمِيَّةِ يُعْتَمَدُ فِيهِ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْخَلْقِ التَّصْدِيقُ بِهِ، وَمَا كُشِفَ لِلْإِنْسَانِ مِن ذَلِكَ أَو أَخْبَرَهُ بِهِ مَن هُوَ صَادِقٌ عِنْدَهُ فَهَذَا يَنْتَفِعُ بِهِ مَن عَلِمَهُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مِمَّا يَزِيدُهُ إيمَانًا وَتَصْدِيقًا بِمَا جَاءَت بِهِ النُّصُوصُ، وَلَكِنْ لَا يَجِبُ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ الْإِيمَانُ بِغَيْرِ مَا جَاءَت بِهِ الْأَنْبِيَاءُ، فَإِنَّ اللهَ أَوْجَبَ التَّصْدِيقَ بِمَا جَاءَت بِهِ الْأَنْبِيَاءُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦]. [٢٤/ ٣٦٩ - ٣٧٧] ٢٩٤٤ - أَطْفَالُ الْكُفَّارِ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ فِيهِمْ: أَنْ يُقَالَ فِيهِمْ: اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانوا عَامِلِينَ، كَمَا قَد أَجَابَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ. [٢٤/ ٣٧٢]

стр. 2122

٢٩٤٥ - ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ فِي "الصَّحِيحِ": "أَنَّ الْمَيِّتَ يُسْأَلُ فِي قَبْرِهِ: فَيُقَالُ لَهُ: مَن رَبُّك؟ وَمَا دِينُك؟ وَمَن نَبِيُّك؟ فَيُثبِّتُ اللهُ الْمُؤْمِنَ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فَيَقُولُ: اللهُ رَبِّي وَالْإِسْلَامُ دِينِي وَمُحَمَّدٌ نَبِيِّى، وَيُقَالُ لَهُ: مَا تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هُوَ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى فَآمَنَّا بِهِ وَاتَّبَعْنَاهُ" (١)، وَهَذَا تَأْوِيلُ قَوْله تَعَالَى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. وَقَد صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ. [٢٤/ ٣٧٩] ٢٩٤٦ - التَّعْزِيَةُ مُسْتَحَبَّةٌ فَفِي التِّرْمِذِيِّ (٢) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَن عَزَّى مُصَابًا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ". [٢٤/ ٣٨٠] ٢٩٤٧ - قَوْلُ الْقَائِلِ: مَا نَقَصَ مِن عُمُرِهِ زَادَ فِي عُمُرِك: غَيْرُ مُسْتَحَّبٍّ؛ بَل الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ بِمَا يَنْفَعُ مِثْل أَنْ يَقُولَ: أَعْظَمَ اللهُ أَجْرَك وَأَحْسَنَ عَزَاك وَغَفَرَ لِمَيِّتِك (٣). [٢٤/ ٣٨١]

стр. 2123

٢٩٤٨ - النِّيُاحَةُ مُحَرَّمَةٌ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْمَعْرُوفِينَ. [٢٤/ ٣٨٢] ٢٩٤٩ - الَّذِي يَفْعَلُهُ مَن سَافَرَ إلَى قَبْرِ غَيْرِهِ ﷺ فَإِنَّمَا هُوَ مِن نَوْعِ الشِّرْكِ؛ كَدُعَائِهِمْ، وَطَلَبِ الْحَوَائِجِ مِنْهُمْ، وَاتِّخَاذِ قبُورِهِمْ مَسَاجِدَ وَأَعْيَادًا وَأَوْثَانًا، وَهَذَا مُحَرَّمٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ. فَإِنْ قُلْت: فَقَد يَفْعَلُ بَعْضُ النَّاسِ عِنْدَ قَبْرِهِ مِثْل هَذَا؟ قُلْت لَك: أَمَّا عِنْدُ الْقَبْرِ فَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى ذَلِكَ؛ فَإِنَّ اللهَ أَجَابَ دَعْوَتَهُ حَيْثُ قَالَ: "اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ" (١). وَأَمَّا فِي مَسْجِدِهِ: فَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ بَعْضُ النَّاسِ الْجُهَّالِ، وَأَمَّا مَن يَعْلَمُ شَرْعَ الْإِسْلَامِ فَإِنَّمَا يَفْعَلُ مَا شُرعَ، وَهَؤُلَاءِ يَنْهَوْنَ أُولَئِكَ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، فَلَا يَجْتَمِعُ الزُّوَّارُ عَلَى الضَّلَالِ. وَامَّا قَبْرُ غَيْرِهِ فَالْمُسَافِرُونَ إلَيْهِ كُلُّهُم جُهَّالٌ ضَالُّونَ مُشْرِكُونَ، وَيَصِيرُونَ عِنْدَ نَفْسِ الْقَبْرِ، وَلَا أَحَدَ هُنَاكَ يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ. [٢٧/ ٢٦٨ - ٢٦٩] ٢٩٥٠ - اتَّفَقَ السَّلَفُ وَأَئِمَّةُ الدِّينِ عَلَى أَنَّ أَهْلَ مَدِينَتِهِ ﷺ لَا يَزُورُونَ قَبْرَهُ؛ بَل وَلَا يَقِفُونَ عِنْدَهُ لِلسَّلَامِ إذَا دَخَلُوا الْمَسْجِدَ وَخَرَجُوا، وَإِن لَمْ يُسَمَّ هَذَا زِيارَةً؛ بَل يُكْرَهُ لَهُم ذَلِكَ عِنْدَ غَيْرِ السَّفَرِ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ مَالِكٌ، وَبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ مِن الْبِدَعِ الَّتِي لَمْ يَكُن صَدْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَفْعَلُونَهُ. [٢٧/ ٢٤٣] ٢٩٥١ - مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى حَفِظَ عَامَّةَ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ بِبَرَكَةِ رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَلَمْ يَتَمَكَّن النَّاسُ مَعَ ظُهُورِ دِينِهِ أَنْ يَتَّخِذُوا قُبُورَ الْأَنْبِيَاءِ مَسَاجِدَ، كَمَا أَظْهَرَ مِن الْإِيمَانِ بِنُبُوَّةِ الْأَنْبِيَاءِ وَمَا جَاؤُوا بِهِ مِن إعْلَانِ ذِكْرِهِمْ وَمَحَبَّتِهِمْ وَمُوَالَاتِهِمْ وَالتَّصْدِيقِ لِأَقْوَالِهِمْ وَالِاتبُاعِ لِأَعْمَالِهِمْ: مَا لَمْ يَكُن هَذَا لِأُمَّةٍ أُخْرَى.

стр. 2124

وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ مِن جِهَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَهُوَ تَصْدِيقُهُم فِيمَا أَخْبَرُوا، وَطَاعَتُهُم فِيمَا أَمَرُوا، وَالِاقْتِدَاءُ بِهِم فِيمَا فَعَلُوا، وَحُبُّ مَا كَانُوا يُحِبُّونَهُ، وَبُغْضُ مَا كَانُوا يُبْغِضُونَهُ، وَمُوَالَاةُ مَن يُوَالُونَهُ، وَمُعَادَاةُ مَن يُعَادُونَهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَحْصُلُ إلَّا بِمَعْرِفَةِ أَخْبَارِهِمْ. وَالْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ مَمْلُوءَانِ مِن ذِكْرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَهَذَا أَمْرٌ ثَابِتٌ فِي الْقُلُوبِ مَذْكُورٌ بِالْأَلْسِنَةِ. وَأَمَّا نَفْسُ الْقَبْرِ فَلَيْسَ فِي رُؤَيتِهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ؛ بَل أَهْلُ الضَّلَالِ يَتَّخِذُونَهَا أَوْثَانًا كَمَا كَانَت الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى يَتَّخِذُونَ قُبُورَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ مَسَاجِدَ، فَبِبَرَكَةِ رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَظْهَرَ اللهُ مِن ذِكْرِهِمْ وَمَعْرِفَةِ أَحْوَالِهِمْ مَا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ وَتَنْتَفِعُ بِهِ الْعِبَادُ، وَأَبْطَلَ مَا يَضُرُّ الْخَلْقَ مِن الشِّرْكِ بِهِم وَإتِّخَاذِ قُبُورِهِمْ مَسَاجِدَ كَمَا كَانُوا يَتَّخِذُونَهَا فِي زَمَنِ مَن قَبْلَنَا. وَلَمْ يَكُن عَلَى عَهْدِ الصَّحَابَةِ قَبْرُ نَبِيٍّ ظَاهِرٌ يُزَارُ، لَا بِسَفَر وَلَا بِغَيْرِ سَفَرٍ، لَا قَبْرُ الْخَلِيلِ وَلَا غَيْرُهُ. وَلَمْ تَدَع الصَّحَابَةُ فِي الْإِسْلَامِ قَبْرًا ظَاهِرًا مِن قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ يَفْتَتِنُ بِهِ النَّاسُ، وَلَا يُسَافِرُونَ إلَيْهِ، وَلَا يَدْعُونَهُ، وَلَا يَتَّخِذُونَهُ مَسْجِدًا. [٢٧/ ٢٦٩ - ٢٧١] ٢٩٥٢ - قَالَ سُفْيَانُ التَّمَّارُ: إنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ مُسَنَّمًا. وَلَكِنْ كَانَ الدَّاخِلُ يُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ لِقَوْلِهِ: "مَا مِن أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إلَّا رَدَّ اللهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ ﵇" (١) (٢)، وَهَذَا السَّلَامُ مَشْرُوعٌ لِمَن كَانَ

стр. 2125

يَدْخُلُ الْحُجْرَةَ، وَهَذَا السَّلَامُ هُوَ الْقَرِيبُ الَّذِي يَرُدُّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى صَاحِبِهِ. وَأَمَّا السَّلَامُ الْمُطْلَقُ الَّذِي يُفْعَلُ خَارِجَ الْحُجْرَةِ وَفِي كُلِّ مَكَانٍ فَهُوَ مِثْلُ السَّلَامِ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ وَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ. وَاللهُ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَى مَن يُصَلِّي عَلَيْهِ مَرَّةَ عَشْرًا، وَيُسَلِّمُ عَلَى مَن يُسَلِّمُ عَلَيْهِ مَرَّةً عَشْرًا، فَهَذَا هُوَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ خُصُوصًا لِلنَّبِيِّ ﷺ ، بِخِلَافِ السَّلَامِ عَلَيْهِ عِنْدَ قَبْرِهِ، فَإِنَّ هَذَا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَبْرِهِ كَمَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ فِي الْحَيَاةِ عِنْدَ اللِّقَاءِ. وَأَمَّا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَالصَّلَاةُ عَلَى التَّعْيِينِ: فَهَذَا إنَّمَا أَمَرَ بِهِ فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ ، فَهُوَ الَّذِي أَمَرَ الْعِبَادَ أَنْ يُصَلُّوا عَلَيْهِ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا. [٢٧/ ٣٢٤ - ٣٢٥] ٢٩٥٣ - ذَكَرَ أَصْحَابُ أَحْمَد فِي السَّفَرِ إلَى زَيارَةِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ هَل تُقْصَرُ فِيهَا الصَّلَاةُ؟ أَرْبَعَة أَقْوَالٍ: قِيلَ: لَا يَقْصُرُ مُطْلَقًا. وَقِيلَ: يَقْصُرُ مُطْلَقًا. وَقِيلَ: لَا يَقْصُرُ إلَّا إلَى قَبْرِ نَبِيِّنَا ﷺ . وَقِيلَ: لَا يَقْصُرُ إلَّا إلَى قَبْرِهِ الْمُكَرَّمِ وَقُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ دُونَ قُبُورِ الصَّالِحِينَ. وَاَلَّذِينَ اسْتَثْنَوْا قَبْرَ نَبِيِّنَا ﷺ لِقَوْلِهِمْ وَجْهَانِ (١): أَحَدُهُمَا: -وَهُوَ الصَّحِيحُ- أَنَّ السَّفَرَ الْمَشْرُوعَ إلَيْهِ هُوَ السَّفَرُ إلَى مَسْجِدِهِ، وَهَذَا السَّفَرُ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةَ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. وَهَؤُلَاءِ رَأَوْا مُطْلَقَ السَّفَرِ وَلَمْ يُفَصِّلُوا بَيْنَ قَصْدٍ وَقَصْدٍ؛ إذ كَانَ عَامَّةُ الْمُسْلِمِينَ لَا بُدَّ أَنْ يُصَلُّوا فِي مَسْجِدِهِ، فَكُلُّ مَن سَافَرَ إلَى قَبْرِهِ الْمُكَرَّمِ فَقَد

стр. 2126

سَافَرَ إلَى مَسْجِدِهِ الْمُفَضَّلِ، وَكَذَلِكَ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: فَمَن نَذَرَ زِيارَةَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ يُوفِي بِنَذْرِهِ، وَإِن نَذَرَ قَبْرَ غَيْرِهِ فَوَجْهَانِ. وَكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِن الْعُلَمَاءِ يُطْلِقُ السَّفَرَ إلَى قَبْرِهِ الْمُكَرَّمِ، وَعِنْدَهُم أَنَّ هَذَا يَتَضَمَّنُ السَّفَرَ إلَى مَسْجِدِهِ؛ إذ كَانَ كُلُّ مُسْلِمٍ لَا بُدَّ إذَا أَتَى الْحُجْرَةَ الْمُكَرَّمَةَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِهِ؛ فَهُمَا عِنْدَهُم مُتَلَازِمَانِ. وَحَقِيقَةُ الْأَمْرِ: أَنَّ فِعْلَ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِهِ مِن لَوَازِمِ هَذَا السَّفَرِ، فَكُلُّ مَن سَافَرَ إلَى قَبْرِهِ الْمُكَرَّمِ لَا بُدَّ أَنْ تَحْصُلَ لَهُ طَاعَةٌ وَقُرْبَةٌ يُثَابُ عَلَيْهَا بِالصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِهِ. وَأَمَّا نَفْسُ الْقَصْدِ فَأَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ يَقْصِدُونَ السَّفَرَ إلَى مَسْجِدِهِ. وَظَنَّ بَعْضُهُم أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لِكَوْنه نَبِيًّا، فَعَدَّى ذَلِكَ فَقَالُوا: يُسَافِرُ إلَى سَائِرِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ كَذَلِكَ. وَلهَذَا تَنَازَعَ النَّاسُ: هَل يُحْلَفُ بِالنَّبِيِّ ﷺ ؟ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ بِأَنَّهُ لَا يُحْلَفُ بِشَيْء مِن الْمَخْلُوقَاتِ الْمُعَظَمَةِ؛ كَالْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ وَالْكَعْبَةِ وَالْمَلَائِكَةِ: فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ؛ كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ إلَى أَنَّهُ لَا يُحْلَفُ بِالنَّبِيِّ، وَلَا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ، كَمَا لَا يُحْلَفُ بِشَيْءٍ مِن الْمَخْلُوقَاتِ وَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى مَن حَلَفَ بِشَيْء مِن ذَلِكَ وَحَنِثَ، فَإِنَّهُ ﷺ قَد ثَبَتَ عَنْهُ فِي "الصَّحِيحِ" أَنَّهُ قَالَ: "لَا تَحْلِفُوا إلَّا بِاللهِ" (١). وَعَن أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ رِوَايَةٌ أَنَّهُ يُحْلَفُ بِالنَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ خُصُوصًا، وَيَجِبُ ذِكْرُهُ فِي الشَّهَادَتَيْنِ وَالْأَذَانِ، فَلِلْإِيمَانِ بِهِ اخْتِصَاصٌ لَا يُشْرِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ. وَقَالَ ابْن عَقِيلٍ: بَل هَذَا لِكَوْنِهِ نَبِيًّا، وَطَرَدَ ذَلِكَ فِي سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ.

стр. 2127

مَعَ أَنَّ الصَّوَابَ الَّذِي عَلَيْهِ عَامَّةُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ سَلَفُهُم وَخَلَفُهُم أَنَّهُ لَا يُحْلَفُ بِمَخْلُوقِ، لَا نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِ نَبِيٍ، وَلَا مَلَكٍ مِن الْمَلَائِكَةِ وَلَا مَلِكٍ مِن الْمُلُوكِ وَلَا شَيْخٍ مِن الشُّيُوخِ. وَالنَّهْيُ عَن ذَلِكَ نَهْيُ تَحْرِيمٍ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ. [٢٧/ ٣٤٦ - ٣٤٩] ٢٩٥٤ - زِيَارَةُ الْقُبُورِ لِمُجَرَّدِ الْحُزْنِ عَلَى الْمَيِّتِ لِقَرَابَتِهِ أَو صَدَاقَتِهِ: مُبَاحَةٌ، كَمَا يُبَاحُ الْبُكَاءُ عَلَى الْمَيِّتِ بِلَا نَدْبٍ وَلَا نِيَاحَةٍ، كَمَا زَارَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى وَأَبْكَى مَن حَوْلَهُ وَقَالَ: "زُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكَرُكُم الْآخِرَةَ" (١). فَهَذِهِ الزِّيَارَةُ كَانَ نَهَى عَنْهَا لِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ مِن الْمُنْكَرِ، فَلَمَّا عَرَفُوا الْإِسْلَامَ أَذِنَ فِيهَا؛ لِأَنَّ فِيهَا مَصْلَحَةٌ وَهُوَ تَذَكُّرُ الْمَوْتِ. [٢٧/ ٣٧٨] ٢٩٥٥ - حَدَّثَنِي جِيرَانُ الْقَبْرِ الَّذِي بِجَبَلِ لُبْنَانَ بِالْبِقَاعِ الَّذِي يُقَالُ إنَّهُ قَبْرُ نُوحٍ، وَكَانَ قَد ظَهَرَ قَرِيبًا فِي أَثْنَاءِ الْمِائَةِ السَّابِعَةِ، وَأَصْلُهُ: أَنَّهُم شَمُّوا مِن قَبْرٍ رَائِحَةً طَيِّبَةً وَوَجَدُوا عِظَامًا كَبِيرَةً فَقَالُوا: هَذِهِ تَدُلُّ عَلَى كَبِيرِ خَلْقِ الْبِنْيَةِ فَقَالُوا - بِطَرِيقِ الظَّنِّ- هَذَا قَبْرُ نوحٍ، وَكَانَ بِالْبُقْعَةِ مَوْتَى كَثِيرُونَ مِن جِنْسِ هَؤُلَاءِ. وَكَذَلِكَ بِدِمَشْقَ بِالْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ مَشْهَدٌ يُقَالُ: إنَّهُ قَبْرُ أبي بْنِ كَعْبٍ، وَقَد اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ أُبيًّا لَمْ يَقْدَمْ دِمَشْقَ، وَإِنَّمَا مَاتَ بِالْمَدِينَةِ، فَكَانَ بَعْضُ النَّاسِ يَفولُ: إنَّهُ قَبْرُ نَصْرَانِيٍّ، وَهَذَا غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ، فَإِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى هُم السَّابِقُونَ فِي تَعْظِيمِ الْقُبُورِ وَالْمَشَاهِدِ (٢). وَالنَّصَارَى أَشَدُّ غلُوًّا فِي ذَلِكَ مِن الْيَهُودِ. وَاَلَّذِينَ يُعَظِّمُونَ الْقُبُورَ وَالْمَشَاهِدَ: لَهُم شَبَهٌ شَدِيدٌ بِالنَّصَارَى. وَكَانَ بَعْضُ النَّصَارَى يَقُولُ لِبَعْضِ الْمُسْلِمِينَ: لنَا سَيِّدٌ وَسَيِّدَةٌ، وَلَكُمْ سَيِّدٌ وَسَيِّدَةٌ، لنَا السَّيِّدُ الْمَسِيحُ وَالسَّيِّدَةُ مَرْيَمُ، وَلَكُمْ السَّيِّدُ الْحُسَيْنُ وَالسَّيِّدَةُ نَفِيسَةُ.

стр. 2128

فَالنَّصَارَى يَفْرَحُونَ بِمَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْبِدَعِ وَالْجَهْلِ مِن الْمُسْلِمِينَ مِمَّا يُوَافِقُ دِينَهُم وَيُشَابِهُونَهُم فِيهِ، وَيُحِبُّونَ أَنْ يَقْوَى ذَلِكَ وَيَكْثُرَ (١). [٢٧/ ٤٥٩ - ٤٦٠] ٢٩٥٦ - وَأَمَّا "بِنْتُ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ" فَهَذِهِ تُوُفيَتْ بِالشَّامِ فَهَذِهِ قَبْرُهَا مُحْتَمَلٌ، وَأَمَّا "قَبْرُ بِلَالٍ" فَمُمْكِنٌ؛ فَإِنَّهُ دُفِنَ بِبَابِ الصَّغِيرِ بِدِمَشْقَ فَيُعْلَمُ أَنَّهُ دُفِنَ هُنَاكَ، وَأَمَّا الْقَطْعُ بِتَعْيِينِ قَبْرِهِ فَفِيهِ نَظَرٌ؛ فَإِنَّهُ يُقَالُ: إنَّ تِلْكَ الْقُبُورَ حُرِثَتْ. وَمِنْهَا: الْقَبْرُ الْمُضَافُ إلَى "أُوَيْسٍ القرني" غَرْبِيِّ دِمَشْقَ؛ فَإِنَّ أُوَيْسًا لَمْ يَجِئْ إلَى الشَّامِ وَإِنَّمَا ذَهَبَ إلَى الْعِرَاقِ. وَمِنْهَا: الْقَبْرُ الْمُضَافُ إلَى "هُودٍ ﵇" بِجَامِعِ دِمَشْقَ كَذِبٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ فَإِنَّ هُودًا لَمْ يَجِئْ إلَى الشَّامِ؛ بَل بُعِثَ بِالْيَمَنِ وَهَاجَرَ إلَى مَكَّةَ. وَأَمَّا الَّذِي خَارِجَ بَابِ الصَّغِيرِ الَّذِي يُقَالُ: إنَّهُ قَبْرُ مُعَاوِيَةَ، فَإِنَّمَا هُوَ مُعَاوِيَةُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ الَّذِي تَوَلَّى الْخِلَافَةَ مُدَّةً قَصِيرَةَ ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يَعْهَدْ إلَى أحَدٍ، وَكَانَ فِيهِ دِينٌ وَصَلَاحٌ. وَمِنْهَا: "قَبْرُ خَالِدٍ" بحمص يُقَالُ: إنَّهُ قَبْرٌ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوَيةَ أَخُو مُعَاوِيَةَ هَذَا، وَلَكِنْ لَمَّا اشْتُهِرَ أَنَّهُ خَالِدٌ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْعَامَّةِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ: ظَنُّوا أَنَّهُ خَالِدُ بْنُ الْوَليدِ. وَذَكَرَ أَبُو عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ فِي "الِاسْتِيعَاب" أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ تُوُفِّيَ بحمص، وَقِيلَ: بِالْمَدِينَةِ - سَنَةَ إحْدَى وَعِشْرِينَ أَو اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَأوْصَى إلَى عُمَرَ وَاللهُ أَعْلَمُ.

стр. 2129

وَمِنْهَا: "قَبْرُ أَبِي مُسْلِمٍ الخولاني" الَّذِي بداريا اُخْتُلِفَ فِيهِ. وَمِنْهَا: "قَبْرُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ" الَّذِي بِمِصْرِ فَإِنَّهُ كَذِبٌ قَطْعًا؛ فَإِنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ بِإِجْمَاعِ النَّاسِ وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ. وَمِنْهَا: "مَشْهَدُ الرَّأْسِ" الَّذِي بِالْقَاهِرَةِ فَإِنَّ الْمُصَنِّفِينَ فِي قَتْلِ الْحُسَيْنِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الرَّأْسَ لَيْسَ بِمِصْر وَيَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا كَذِبٌ. وَأَمَّا "بَدَنُ الْحُسَيْنِ" فَبِكَرْبَلَاءَ بِالِاتِّفَاقِ. وَمِنْهَا: "قَبْرُ عَلِيٍّ ﵁" الَّذِي بِبَاطِنِ النَّجَفِ؛ فَإِنَّ الْمَعْرُوفَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ عَلِيًّا دُفِنَ بِقَصْرِ الْإِمَارَةِ بِالْكُوفَةِ، كَمَا دُفِنَ مُعَاوِيةُ بِقَصْرِ الْإِمَارَةِ مِن الشَّامِ، وَدُفِنَ عَمْرٌو بِقَصْرِ الْإِمَارَةِ؛ خَوْفًا عَلَيْهِم مِن الْخَوَارجِ أَنْ يَنْبُشُوا قُبُورَهُمْ. وَمِنْهَا: "قَبْرُ جَابِرٍ" الَّذِي بِظَاهِرِ حَرَّانَ، وَالنَّاسُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ جَابِرًا تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ النَّبَويَّةِ، وَهُوَ آخِرُ مَن مَاتَ مِن الصَّحَابَةِ بِهَا. وَمِنْهَا: قَبْرٌ يُنْسَبُ إلَى "أُمِّ كُلْثُومٍ" و"رُقَيَّةَ" بِالشَّامِ، وَقَد اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى أَنَّهُمَا مَاتَتَا فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ تَحْتَ عُثْمَانَ، وَهَذَا إنَّمَا هُوَ سَبَبُ اشْتِرَاكِ الْأَسْمَاءِ؛ لَعَلَّ شَخْصًا يُسَمَّى بَاسِمِ مَن ذُكِرَ تُوُفيَ وَدُفِنَ فِي مَوْضِع مِن الْمَوَاضِعِ الْمَذْكُورَةِ فَظَنَّ بَعْضُ الْجُهَّالِ أَنَّهُ أَحَدٌ مِن الصَّحَابَةِ. [٢٧/ ٤٩١ - ٤٩٤] * * * (النذر لقبور النصارى وتعظيم كنائسهم وقسيسيهم) ٢٩٥٧ - من نذر لقبر من قبور النصارى فإنه يستتاب؛ بل كل من عظم شيئًا من شعائر الكفار مثل الكنائس، أو قبور القسيسين، أو عظم الأحياء منهم يرجو بركتهم فإنه كافر يستتاب. [المستدرك ١/ ٢٤] * * *

стр. 2130

(كسوة القبور، ونذر الزيت والحصر) ٢٩٥٨ - أما تغشية قبور الأنبياء والصالحين وغيرهم بالأغشية من الثياب الحريرية وغيرها فليس مشروعًا في الدين، ولا قربة لرب العالمين، فلا يجب الوفاء به إذا نذر بلا نزاع بين العلماء والأئمة؛ بل ينهى عن ذلك. [المستدرك ١/ ٢٤] * * * (السفر للمشاهد وإذا سمي حجًّا، والطواف بالصخرة أو الحجرة النبوية) ٢٩٥٩ - الذي عليه أئمة المسلمين وجمهور العلماء أن السفر للمشاهد التي على القبور غير مشروع؛ بل معصية من أشنع المعاصي، حتى لا يجوز قصر الصلاة فيه عند من لا يجوز قصرها في سفر المعصية، لقوله ﷺ : "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والأقصى ومسجدي هذا" (١). لكن إذا سمي: "حَجًّا" مقيَّدًا بقيدٍ يُخرجه عن شبهة المشروع؛ مثل أن يقال: حج النصارى، وحج أهل الباع، وحج الضالين، كما يقال: صوم النصارى، وصوم اليهود، وصلاة النصارى، وصلاة اليهود، وصلاة الرافضة، وعيد الرافضة، ونحو ذلك فهو جائز ليميز بين الحق المأمور به والباطل المنهي عنه. [المستدرك ١/ ٢٦ - ٢٧] ٢٩٦٠ - السَّفَرُ إلَى الْبِقَاعِ الْمُعَظَّمَةِ هُوَ مِن جِنْسِ الْحَجِّ، وَلِكُلِّ أُمَّةٍ حَجٌّ؛ فَالْمُشْرِكُونَ مِن الْعَرَبِ كَانُوا يَحُجُّونَ إلَى اللَّاتِ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَوْثَانِ. وَالنَّبِيُّ ﷺ نَهَى أَنْ يَحُجَّ أَحَدٌ أَو يُسَافِرَ إلَى غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ، وَالْحَجُّ

стр. 2131

الْوَاجِبُ الَّذِي يُسَمَّى عِنْدَ الْإِطْلَاقِ حَجًّا إنَّمَا هُوَ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ خَاصَّةً، وَالسَّفَرُ إلَى بُقْعَةٍ لِلْعِبَادَةِ فِيهَا هُوَ إلَى الْمَسْجِدَيْنِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِن الْأَسْفَارِ إلَى مَكَانٍ مُعَظَّمٍ هُوَ مِن جِنْسِ الْحَجِّ إلَيْهِ، وَذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. [٢٧/ ٣٥٣] * * * (فتوى الشيخ في المنع من شد الرحال إلى زيارة القبور، والفتنة التي لحقته، ووقوفُ العلماء معه) ٢٩٦١ - وَقَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْهَادِي (١): هَذِهِ فُتْيَا أَفْتَى بِهَا الشَّيخُ الْإِمَامُ تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَد ابْنُ تَيْمِيَّة ﵃، ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ نَحْو سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً أَنْكَرَهَا بَعْضُ النَّاسِ وَشَنَّعَ بِهَا جَمَاعَةٌ عِنْدَ بَعْضِ وُلَاةِ الْأُمُورِ، وَذُكِرَتْ بِعِبَارَاتٍ شَنِيعَةٍ، فَفَهِمَ مِنْهَا جَمَاعَةٌ غَيْرَ مَا هِيَ عَلَيْهِ، وَانْضَمَّ إلَى الْإِنْكَارِ وَالشَّنَاعَةِ وَتَغَيُّرِ الْأَلْفَاظِ أُمُورٌ أَوْجَبَ ذَلِكَ كُلّهُ مُكَاتبَةَ السُّلْطَانِ -سُلْطَانِ الْإِسْلَامِ بِمِصْر- أَيَّدَهُ اللهُ تَعَالَى، فَجَمَعَ قُضَاةَ بَلَدِهِ ثُمَّ اقْتَضَى الرَّأْيُ حَبْسَهُ فَحُبِسَ بِقَلْعَةِ دِمَشْقَ الْمَحْرُوسَةِ بِكِتَاب وَرَدَ سَابِعَ شَعْبَانَ الْمُبَارَكِ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ (٢). وَنَبْدَأُ بِذِكْرِ السُّؤَالِ الَّذِي كَتَبَ عَلَيْهِ أَهْلُ بَغْدَادَ وَبِذِكْرِ الْفُتْيَا وَجَوَابِ الشَّيْخِ الْمَذْكُورِ عَلَيْهَا وَجَوَابِ الْفُقَهَاءِ بَعْدَهُ.

стр. 2132

وَهَذِهِ صُورَةُ السُّؤَالِ وَالْأَجْوِبَةِ: مَا يَقُولُ السَّادَةُ الْعُلَمَاءُ أَئِمَّةُ الدِّينِ نَفَعَ اللهُ بِهِم الْمُسْلِمِينَ: فِي رَجُلٍ نَوَى السَّفَرَ إلَى "زِيارَةِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ" مِثْل نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَغَيْرِهِ، فَهَل يَجُوزُ لَهُ فِي سَفَرِهِ أَنْ يَقْصُرَ الصَّلَاةَ؟ وَهَل هَذِهِ الزِّيَارَةُ شَرْعِيَّةٌ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَمَّا مَن سَافَرَ لِمُجَرَّدِ زِيَارَةِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ فَهَل يَجُوزُ لَهُ قَصْرُ الصَّلَاةِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَعْرُوفَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ مُتَقَدِّمِي الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ لَا يُجَوِّزُونَ الْقَصْرَ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ؛ كَأَبِي عَبْدِ اللهِ بْنِ بَطَّةَ، وَأَبِي الْوَفَاءِ بْنِ عَقِيلٍ، وَطَوَائِفَ كَثِيرَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقَصْرُ فِي مِثْل هَذَا السَّفَرِ؛ لِأَنَّهُ سَفَرٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد: أَنَّ السَّفَرَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ فِي الشَّرِيعَةِ لَا يُقْصرُ فِيهِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُقْصَرُ، وَهَذَا يَقُولُهُ مَن يُجَوِّزُ الْقَصْرَ فِي السَّفَرِ الْمُحَرَّمِ كَأَبِي حَنِيفَةَ، وَيَقُولُهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِن أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد، مِمَن يُجَوِّزُ السَّفَرَ لِزِيَارَةِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ؛ كَأَبِي حَامِدٍ الْغَزَالِيِّ، وَأَبِي الْحَسَنِ بْنِ عبدوس الْحَرَّانِي، وَأَبِي مُحَمَّدِ بْنِ قدامة المقدسي. وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إنَّ هَذَا السَّفَرَ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ : "زُورُوا الْقُبُورَ" (١). وَأَمَّا الْأَوَّلُونَ: فَاِنَّهُم يَحْتَجُّونَ بِمَا فِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاَثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى" (٢)، وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى صِحَّتِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ،

стр. 2133

فَلَو نَذَرَ الرَّجُلُ أَنْ يَشُدَّ الرَّحْلَ لِيُصَلِّيَ بِمَسْجِدٍ أَو مَشْهَدٍ أَو يَعْتَكِفَ فِيهِ أَو يُسَافِرَ إلَيْهِ غَيْرَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ: لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ. قَالُوا: وَلأَنَّ السَّفَرَ إلَى زَيارَةِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ بِدْعَةٌ لَمْ يَفْعَلْهَا أَحَدٌ مِن الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ، وَلَا أَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَلَا اسْتَحَبَّ ذَلِكَ أَحَدٌ مِن أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَمَن اعْتَقَدَ ذَلِكَ عِبَادَةً وَفَعَلَهُ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ وَلِإِجْمَاعِ الْأَئِمَّةِ. وَهَذَا مِمَّا ذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ بَطَّةَ فِي "الْإِبَانَةِ الصُّغْرَى" مِن الْبِدَعِ الْمُخَالِفَةِ لِلسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ. هَذَا آخِرُ مَا أَجَابَ بِهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَمَّا ظَفَرُوا فِي دِمَشْقَ بِهَذَا الْجَوَابِ كَتَبُوهُ وَبَعَثُوا بِهِ إلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَكَتَبَ عَلَيْهِ قَاضِي الشَّافِعِيَّةِ: قَابَلْت الْجَوَابَ عَن هَذَا السُّؤَالِ الْمَكْتُوبِ عَلَى خَطِّ ابْنِ تَيْمِيَّة فَصَحَّ -إلَى أَنْ قَالَ-: وَإِنَّمَا الْمُحَوَّفُ جَعْلُهُ: زَيارَةَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَقُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ رِضْوَانُ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ مَعْصِيَةً بِالْإِجْمَاعِ مَقْطُوعٌ بِهَا هَذَا كَلَامُهُ. فَانْظُرْ إلَى هَذَا التَّحْرِيفِ عَلَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ، وَالْجَوَابُ لَيْسَ فِيهِ الْمَنْعُ مِن زِيارَةِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ فِيهِ قَوْلَيْنِ فِي شَدِّ الرَّحْلِ، وَالسَّفَرِ إلَى مُجَرَّدِ زيارَةِ الْقُبُورِ. وَزِيارَةُ الْقُبُورِ مِن غَيْرِ شَدِّ رَحْلٍ إلَيْهَا مَسْأَلَة، وَشَدُّ الرَّحْلِ لِمُجَرَّدِ الزِّيَارَةِ مَسْأَلَةٌ أُخْرَى. وَالشَّيْخُ لَا يَمْنَعُ الزِّيَارَةَ الْخَالِيَةَ عَن شَدِّ رَحْلٍ؛ بَل يَسْتَحِبُّهَا وَيَنْدُبُ إلَيْهَا (١)، وَكُتُبُهُ وَمَنَاسِكُهُ تَشْهَدُ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الشَّيْخُ إلَى هَذِهِ الزِّيَارَةِ فِي

стр. 2134

الْفتْيَا وَلَا قَالَ: إنَّهَا مَعْصِيَةٌ، وَلَا حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهَا. وَلَمَّا وَصَلَ خَطُّ الْقَاضِي الْمَذْكُورُ إلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ كَثُرَ الْكَلَامُ وَعَظُمَت الْفِتْنَةُ، وَطَلَبَ الْقُضَاةُ بِهَا، فَاجْتَمَعُوا وَتَكَلَّفوا وَأَشَارَ بَعْضُهُم بِحَبْسِ الشَّيْخِ، فَرَسَمَ السُّلْطَانُ بِهِ. وَقَد وَصَلَ مَا أَجَابَ بِهِ الشَّيْخُ فِي هَذِهِ الْمَسْأْلَةِ إلَى عُلَمَاءِ بَغْدَادَ فَقَامُوا فِي الِانْتِصَارِ لَهُ وَكَتَبُوا بِمُوَافَقَتِهِ وَرَأَيْت خُطُوطَهُم بِذَلِكَ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يَقُولُ الْعَبْدُ الْفَقِيرُ إلَى اللهِ تَعَالَى: -بَعْدَ حَمْدِ اللهِ السَّابِغَةِ نِعَمُهُ السَّابِقَةِ مِنَنُهُ. وَالصَّلَاةُ عَلَى أَشْرَفِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ-. الْمَرْجُوُّ مِن أَلْطَافِ الْحَضْرَةِ الْمُقَدَّسَةِ -زَادَهَا اللهُ تَعَالَى عُلُوًّا وَشَرَفًا- أَنْ يَكُونَ لِلْعُلَمَاءِ الَّذِينَ هُم وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَصَفْوَةُ الْأصْفِيَاءِ وَعِمَادُ الدِّينِ وَمَدَارُ أَهْلِ الْيَقِينِ: حَظٌّ مِن الْعِنَايَةِ السُّلْطَانِيَّةِ وَافِرٌ، وَنَصِيبٌ مِن الرَّحْمَةِ وَالشَّفَقَةِ، فَإِنَّهَا مَنْقَبَةٌ لَا يُعَادِلُهَا فَضِيلَةٌ، وَحَسَنَةٌ لَا يُحِيطُهَا سَيِّئَةٌ؛ لِأنَّهَا حَقِيقَةُ التَّعْظِيمِ لِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى، وَخُلَاصَةُ الشَّفَقَةِ عَلَى خَلْقِ اللهِ تَعَالَى. وَلَا ريبَ أَنَّ الْمَمْلُوكَ وَقَفَ عَلَى مَا سُئِلَ عَنْهُ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ، وَحِيدُ دَهْرِهِ، وَفَرِيدُ عَصْرِهِ، تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَد ابْنُ تَيْمِيَّة وَمَا أَجَابَ

стр. 2135

بِهِ، فَوَجَدْته خُلَاصَةَ مَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْبَابِ حَسْبَ مَا اقْتَضَاهُ الْحَالُ مِن نَقْلِهِ الصَّحِيحِ، وَمَا أَدَّى إلَيْهِ الْبَحْثُ مِنَ الْإِلْزَامِ وَالِالْتِزَامِ، لَا يُدَاخِلُهُ تَحَامُل وَلَا يَعْتَرِيهِ تَجَاهُلٌ. فمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ الْمَوقُوفِ عَلَيْهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ عَلَيْهِ عِقَابًا وَلَا يُوجِبْ عِتَابًا، وَالْمَرَاحِمُ السُّلْطَانِيَّةُ أَحْرَى بِالتَّوْسِعَةِ وَالنَّظَرِ بِعَيْنِ الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ إلَيْهِ وَللْآرَاءِ الْمَلَكِيَّةِ علُوُّ الْمَزِيدِ. حَرَّرَهُ ابْنُ الْكُتُبِيِّ الشَّافِعِيُّ. جَوَابٌ آخَرُ: مَا أَجَابَ بِهِ الشَّيْخُ الْأَجَلُّ الْأَوْحَدُ بَقِيَّةُ السَّلَفِ وَقُدْوَةُ الْخَلَفِ رَئيسُ الْمُحَقِّقِينَ وَخُلَاصَةُ الْمُدَقِّقِينَ، تَقِيُّ الْمِلَّةِ وَالْحَقِّ وَالدِّينِ: مِن الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأْلَةِ صَحِيحٌ مَنْقُولٌ فِي غَيْرِ مَا كِتَابٍ مِن كُتُبِ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ؛ إذ لَيْسَ فِي ذَلِكَ ثَلْبٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَلَا غَضٌّ مِن قَدْرِهِ ﷺ . كَتَبَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَغْدَادِيُّ الْخَادِمُ لِلطَّائِفَةِ الْمَالِكِيَّةِ بِالْمَدْرَسَةِ الشَّرِيفَةِ المستنصرية. وَأَجَابَ غَيْرُهُ فَقَالَ: مَا ذَكَرَة مَوْلَانَا الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْعَامِلُ، جَامِعُ الْفَضَائِلِ وَالْفَوَائِدِ، بَحْرُ الْعُلُومِ، وَمَنْشَأُ الْفَضْلِ، جَمَالُ الدِّينِ .. أَتَى فِيهِ بِالْحَقِّ الْجَلِيِّ الْوَاضِحِ، وَأَعْرَضَ فِيهِ عَن إغْضَاءِ الْمَشَايِخِ، إذِ السُّؤَالُ وَالْجَوَابُ اللَّذَانِ تَقَدَّمَاهُ لَا يَخْفَى عَلَى ذِي فِطْنَة وَعَقْلٍ أَنَّهُ أَتَى فِي الْجَوَابِ الْمُطَابِقِ لِلسُّؤَالِ بِحِكَايَةِ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ تَقَدَّمُوهُ. وَأَجَابَ غَيْرُهُ فَقَالَ: مَا حَكَاهُ الشَّيْخُ الْإِمَامُ، الْبَارعُ الْهُمَامُ، افْتِخَارُ الْأَنَامِ، جَمَالُ الْإِسْلَامِ، رُكْنُ الشَّرِيعَةِ، نَاصِرُ السُّنَّةِ، قَامِعُ الْبِدْعَةِ، جَامِعُ أَشْتَاتِ الْفَضَائِلِ، قُدْوَةُ الْعُلَمَاءِ الْأَمَاثِلِ، فِي هَذَا الْجَوَابِ مِن أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ وَالْأَئِمَّةِ النُّبَلَاءِ -رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ- بَيِّنٌ لَا يُدْفَعُ، وَمَكْشُوفٌ لَا يَتَقَنَّعُ؛ بَل أَوْضَحُ مِن النَّيِّرَيْنِ، وَأَظْهَرُ مِن فَرَقِ الصُّبْحِ لِذِي عَيْنَيْنِ.

стр. 2136

فَأَيُّ حَرَج عَلَى مَن سُئِلَ عَن مَسْأَلَةٍ فَذَكَرَ فِيهَا خِلَافَ الْفُقَهَاءِ، وَمَالَ فِيهَا إلَى بَعْضِ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ؟ فَإِنَّ الْأَمْرَ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ عَلَى مَرِّ الْعُصُورِ وَتَعَاقُبِ الدُّهُورِ. جَوَابٌ آخَرُ لِبَعْضِ عُلَمَاءِ أَهْلِ الشَّامِ الْمَالِكِيَّةِ: اللَّهمَّ إنَّ بَابَك لَمْ يَزَلْ مَفْتُوحًا لِلسَّائِلِينَ، وَرِفْدَك مَا بَرِحَ مَبْذُولًا لِلْوَافِدِينَ، مَن عَؤَدْته مَسْأَلَتَك وَحْدَك، لَمْ يَسْأَلْ أَحَدًا سِوَاك، وَمَن مَنَحْته منائح رِفْدِك، لَمْ يَفِدْ عَلَى غَيْرِك، وَلَمْ يَحْتَمِ إلَّا بِحِمَاك، أَنْتَ الرَّبُّ الْعَظِيمُ الْكَرِيمُ الْأَكْرَمُ، قَصْدُ بَابِ غَيْرِك عَلَى عِبَادِك مُحَرَّمٌ، أَنْتَ الَّذِي لَا إلَهَ غَيْرُك، وَلَا مَعْئودَ سِوَاك، عَزَّ جَارُك، وَجَلَّ ثَنَاؤُك، وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُك، وَعَظُمَ بَلَاؤُك، وَلَا إلَهَ غَيْرُك، وَلَمْ تَزَلْ سُنَّتُك فِي خَلْقِك جَارِيةً بِامْتِحَانِ أَوْليَائِك وَأَحْبَابِك، تَفَضُّلًا مِنْك عَلَيْهِمْ، وَإِحْسَانًا مِن لَدُنْك إلَيْهِمْ؛ لِيَزْدَادُوا لَك فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ ذِكْرًا، وَلِإِنْعَامِك فِي جَمِيعِ التَّقَلُّبَاتِ شُكْرًا، وَلَكِنَ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ، ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ [العنكبوت: ٤٣]. اللَّهُمَّ .. قَد عَلِمْتَ يَا عَالِمَ السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ أَنَّ قُلُوبَنَا لَمْ تَزَلْ تَرْفَعُ إخْلَاصَ الدُّعَاءِ صَادِقَةً، وَأَلْسِنَتَنَا فِي حَالَتَي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ نَاطِقَةٌ، أَنْ تُسْعِفَنَا بِإِمْدَادِ هَذِهِ الدَّوْلَةِ الْمُبَارَكَةِ الْمَيْمُونَةِ السُّلْطَانِيَّةِ النَّاصِرِيَّةِ، بِمَزِيدِ الْعُلَا وَالرِّفْعَةِ وَالتَّمْكِينِ. وَاَلَّذِي حَمَلَ عَلَى رَفْعِ هَذ الْأَدْعِيَةِ الصَّرِيحَةِ إلَى الْحَضْرَةِ الشَّرِيفَةِ -وَإِن كَانَت لَمْ تَزَلْ مَرْفُوعَةً إلَى اللهِ سُبْحَانَهُ بِالنِّيَّةِ الصَّحِيحَةِ- قَوْلُهُ ﷺ : "الدِّينُ النَّصِيحَةُ"، قِيلَ: لِمَن يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "للهِ وَلرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ" (١)، وَقَوْلُهُ ﷺ : "إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" (٢)، فَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ مَشْهُورَانِ بِالصِّحَّةِ وَمُسْتَفِيضَانِ فِي الْأُمَّةِ.

стр. 2137

ثُمَّ إنَّ هَذَا الشَّيْخَ الْمُعَظَّمَ الْجَلِيلَ، وَالْإِمَامَ الْمُكَرَّمَ النَّبِيلَ، أَوْحَدُ الدَّهْرِ، وَفَرِيدُ الْعَصْرِ، طِرَازُ الْمَمْلَكَةِ الْمَلَكِيَّةِ، وَعَلَمُ الدَّوْلَةِ السُّلْطَانِيَّةِ، لَو أَقْسَمَ مُقْسِمٌ بِاللهِ الْعَظِيمِ الْقَدِيرِ، أَنَّ هَذَا الْإِمَامَ الْكَبِيرَ، لَيْسَ لَهُ فِي عَصْرِهِ مُمَاثِلَ وَلَا نَظِيرٌ، لَكَانَت يَمِينُهُ بَرَّةً غَنِيَّةً عَن التَّكْفِيرِ، وَقَد خَلَتْ مِن وُجُودِ مِثْلِهِ السَّبْعُ الْأَقَالِيمُ إلَّا هَذَا الْإِقْلِيمَ، يُوَافِقُ عَلَى ذَلِكَ كُلُّ مُنْصِفٍ خبِلَ عَلَى الطَّبْعِ السَّلِيمِ، وَلَسْتُ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ أُطْرِيهِ، بَل لَو أَطْنَبَ مُطْنِبٌ فِي مَدْحِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، لَمَا أَتَى عَلَى بَعْضِ الْفَضَائِلِ الَّتِي هِيَ فِيهِ: أَحْمَد ابْن تَيْمِيَّة، دُرَّةٌ يَتِيمَةٌ، يُتَنَافَسُ فِيهَا، تُشْتَرَى وَلَا تُبَاعُ، لَيْسَ فِي خَزَائِنِ الْمُلُوكِ دُرَّةٌ تُمَاثِلُهَا وَتُؤَاخِيهَا، انْقَطَعَتْ عَن وُجُودِ مِثْلِهِ الْأَطْمَاعُ، وَلَقَد أَصَمَّ الْأَسْمَاعَ، وَأَوْهَى قُوَى الْمَتْبُوعِينَ وَالْأَتْبَاعِ، سَماعُ رَفْعِ أَبِي الْعَبَّاسِ -أَحْمَد ابْنِ تَيْمِيَّة- إلَى الْقِلَاعِ. وَلَيْسَ يَقَعُ مِن مِثْلِهِ أَمْرٌ يُنْقَمُ مِنْهُ عَلَيْهِ، إلَّا أَنَّهُ يَكُونُ أَمْرًا قَد لُبِّسَ عَلَيْهِ، وَنُسِبَ إلَى مَا يُنْسَبُ مِثْلُهُ إلَيْهِ. وَالظَّاهِرُ بَيْنَ الْأَنَامِ، أَنَّ إكْرَامَ هَذَا الْإِمَام، وَمُعَامَلَتَهُ بِالتَّبْجِيلِ وَالِاحْتِرَامِ، فِيهِ قِوَامُ الْمُلْكِ، وَنِظَامُ الدَّوْلَةِ، وَإِعْزَازُ الْمِلَّةِ، وَاسْتِجْلَابُ الدُّعَاءِ، وَكَبْتُ الْأَعْدَاءِ، وَإِذْلَالُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ، وَإِحْيَاءُ الْأُمَّةِ، وَكَشْفُ الْغُمَّةِ، وَوُفُورُ الْأَجْرِ، وَعُلُوُّ الذِّكْرِ، وَرَفْعُ الْبَأْسِ، وَنَفْعُ النَّاسِ (١)، وَلسَانُ حَالِ الْمُسْلِمِينَ تَالٍ قَوْلَ الْكَبِيرِ المتعال: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨)﴾ [يوسف: ٨٨]. وَالْبِضَاعَةُ الْمُزْجَاةُ: هِيَ هَذِهِ الْأَوْرَاقُ الْمَرْقُومَةُ بِالْأَقْلَامِ. وَالْمِيرَةُ الْمَطْلُوبَةُ: هِيَ الْإِفْرَاجُ عَن شَيْخِ الْإِسْلَامِ.

стр. 2138

قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَوَقَفْت عَلَى "كِتَاب آخَرَ" مِن بَغْدَادَ أَيْضًا صورَتُهُ: لَمَّا قَرَعَ أَسْمَاعَ أَهْلِ الْبِلَادِ الْمَشْرِقِيَّةِ، وَالنَّوَاحِي الْعِرَاقِيَّةِ، التَّضْيِيقُ عَلَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ تَقِيِّ الدِّينِ أبِي الْعَبَّاسِ "أَحْمَد ابْنِ تَيْمِيَّة" سَلَّمَهُ اللهُ، عَظُمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَشَقَّ عَلَى ذَوِي الدِّينِ، وَارْتَفَعَتْ رُؤُوسُ الْمُلْحِدِينَ، وَطَابَتْ نُفُوسُ أَهْلِ الْأهْوَاءِ وَالْمُبْتَدِعِينَ، وَلَمَّا رَأَى عُلَمَاءُ أهْلِ هَذِهِ النَّاحِيَةِ عِظَمَ هَذِهِ النَّازِلَةِ، مِن شَمَاتَةِ أَهْلِ الْبِاَع وَأَهْلِ الْأهْوَاءِ، بِأَكَابِرِ الْأَفَاضِلِ وَأَئِمَّةِ الْعُلَمَاءِ، أَنْهَوْا حَالَ هَذَا الْأمْرِ الْفَظِيعِ، وَالْأَمْرِ الشَّنِيعِ، إلَى الْحَضرَةِ الشَّرِيفَةِ السُّلْطَانِيَّةِ، زَادَهَا اللهُ شَرَفًا، وَكَتَبُوا أَجْوِبَتَهُم فِي تَصْوِيبِ مَا أَجَابَ بِهِ الشَّيْخُ سَلَّمَهُ اللهُ فِي فَتَاوَاهُ، وَذَكَرُوا مِن عِلْمِهِ وَفَضَائِلِهِ بَعْضَ مَا هُوَ فِيهِ، وَحَمَلُوا ذَلِكَ إلَى بَيْنَ يَدَيْ مَوْلَانَا مَلِكِ الْأمَرَاءِ أَعَز اللهُ أَنْصَارَهُ، وَضَاعَفَ اقْتِدَاءَهُ؛ غَيْرَةً مِنْهُم عَلَى هَذَا الدِّينِ، وَنَصِيحَةً لِلْإِسْلَامِ وَأُمَرَاءِ الْمُؤْمِنِينَ (١). [٢٧/ ١٨٢ - ٢١٣] صُورَةُ خُطُوطِ الْقُضَاةِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى ظَهْرِ فُتْيَا الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ أَبِي الْعَبَّاسِ ابْنِ تَيْمِيَّة فِي "السَّفَرِ لِمُجَرَّدِ زِيَارَةِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ": هَذَا الْمَنْقُولُ بَاطِنُهَا جَوَابًا عَن السُّؤَالِ أَنَّ زِيارَةَ الْأَنْبِيَاءِ بِدْعَةٌ، أَو مَا ذَكَرَهُ مِن نَحْوِ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَا يَتَرَخَّصُ فِي السَّفَرِ إلَى زِيارَةِ الْأَنْبِيَاءِ: هَذَا كَلَامُ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ، وَقَد نَقَلَ جَمَاعَةٌ مِن الْعُلَمَاءِ وَالْأَئِمَّةِ الْكِبَارِ أَنَّ زِيَارَةَ النَّبِيِّ ﷺ

стр. 2139

فَضِيلَةٌ وَسُنَّةٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا، وَهَذَا الْمُفْتِي الْمَذْكُورُ (١) يَنْبَغِي أَنْ يُزْجَرَ عَن مِثْل هَذِهِ الْفَتَاوَى الْبَاطِلَةِ عِنْد الْعُلَمَاء وَالْأئِمَّةِ الْكِبَارِ، وَيُمْنَعَ مِن الْفَتَاوَى الْغَرِيبَةِ الْمَرْدُودَةِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَيُحْبَسَ إذَا لَمْ يَمْتَنِعْ مِن ذَلِكَ، وَيُشْهَرَ أَمْرُهُ لِيَتَحَفَّظَ النَّاسُ مِن الِاقْتِدَاءِ بِهِ، كَتَبَهُ الْعَبْدُ الْفَقِرُ إلَى اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ بْنِ جَمَاعَةَ. وَتَحْتَهُ: يَقُولُ أَحْمَد بْنُ عُمَرَ المقدسي الْحَنْبَلِيُّ. وَتَحْتَهُ: كَذَلِكَ يَقُولُ محَمَّد بْنُ الجريري الْحَنَفِيِّ، لَكِنْ يُحْبَسُ الْآنَ جَزْمًا مُطْلَقًا. وَتَحْتَهُ: كَذَلِكَ يَقُولُ الْعَبْدُ الْفَقِيرُ إلَى اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمَالِكِيُّ إنْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَيُبَالَغُ فِي زَجْرِهِ بِحَسَبِ مَا تَنْدَفِعُ بِهِ هَذِهِ الْمَفْسَدَةُ وَغَيْرُهَا مِن الْمَفَاسِدِ. فَهَذِهِ صُورَةُ خُطُوطِهِمْ بِمِصْرِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَسْكَنَة اللهُ الْجَنَّةَ آمِينَ: (٢) فَصْلٌ فِي الْجَوَابِ عَمَّا كتِبَ عَلَى نُسْخَةِ جَوَابِ الْفُتْيَا، وَبَيَانِ بُطْلَانِ ذَلِكَ، وَأَنَّ الْحُكْمَ بِهِ بَاطِل بِإجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ:

стр. 2140

الْأَوّلُ: أَنَّهُ نَقَلَ عَن الْجَوَابِ مَا لَيْسَ فِيهِ، وَرَتَّبَ الْحُكْمَ عَلَى ذَلِكَ النَّقْلِ الْبَاطِلِ، وَمِثْلُ هَذَا بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ؛ فَإِنَّهُ نَقَلَ أَنَّ الْمُجِيبَ قَالَ: إنَّ زِيارَةَ الْأَنْبِيَاءِ بِدْعَةٌ، أَو أَنَّهُ ذَكَرَ نَحْو ذَلِكَ، وَالْمُجِيبُ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ وَلَا نَقَلَ ذَلِكَ عَن أَحَدٍ مِن الْعُلَمَاءِ؛ وَإنَّمَا فِي الْجَوَابِ ذِكْرُ قَوْلِ الْعُلَمَاءِ فِيمَن سَافَرَ لِمُجَرَّدِ زِيارَةِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ: هَل يَحْرُمُ هَذَا السَّفَرُ أَو يَجُوزُ، وَأَنَّ الطَّائِفَتَيْنِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحَبِّ، وَالطَّائِفَتَانِ لَمْ يَقُولَا ذَلِكَ فِي الزِّيَارَةِ الْمُطْلَقَةِ؛ بَل جُمْهُورُهُم يَقُولُونَ: إنَّ زِيارَةَ الْقُبُورِ مُسْتَحَبَّةٌ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ. وَلَكِنْ لَا يَقولُونَ: إنَّهُ يُسْتَحَبُّ السَّفَرُ إلَيْهَا. وَالْمُجِيبُ لَمْ يَذْكُرْ لِنَفْسِهِ فِي الْجَوَابِ قَوْلًا؛ بَل حَكَى أَقْوَالَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَدِلَّتَهُمْ، وَهَؤُلَاءِ نَقَلُوا عَنْهُ مَا لَمْ يَقُلْهُ، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا لَا يُنَازَعُ فِيهِ، وَأَخْطَؤُوا فِيمَا نَقَلُوهُ. الثَّالِثَ عَشَرَ: أَنَّ الْأَحْكَامَ الْكُلِّيَّةَ الَّتِي يَشْتَرِكُ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ -سَوَاءٌ كَانَت مُجْمَعًا عَلَيْهَا أَو مُتَنَازَعًا فِيهَا- لَيْسَ لِلْقُضَاةِ الْحُكْمُ فِيهَا؛ بَل الْحَاكِمُ الْعَالِمُ كَآحَادِ الْعُلَمَاءِ، يَذْكُرُ مَا عِنْدَهُ مِن الْعِلْمِ، وَإِنَّمَا يَحْكُمُ الْقَاضِي فِي أُمُورٍ مُعَيَّنَةٍ. وَأَمَّا كَوْنُ هَذَا الْعَمَلِ وَاجِبًا أَو مُسْتَحَبًّا أَو مُحَرَّمًا فَهَذَا مِن الْأَحْكَامِ الْكُلِّيَّةِ الَّتِي لَيْسَ لِأَحَد فِيهَا حُكْمٌ إلَّا للهِ وَرَسُولِهِ. وَهَؤُلَاءِ حَكَمُوا فِي الْأَحْكَامِ الْكُلِّيَّةِ وَحُكْمُهُم فِي ذَلِكَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ. الرَّابعَ عَشَرَ: أَنَّ الْكَلَامَ فِي هَذ الْمَسَائِلِ الْكُلِّيَّةِ إنَّمَا يَجُوزُ لِمَن كَانَ عَالِمًا بِأَقْوَالِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِيهَا، وَمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ وَمَا تَنَازَعُوا فِيهِ، عَالِمًا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَوَجْهِ الِاسْتِدْلَالِ بِهِمَا. وَكَلَامُ هَؤُلَاءِ يَتَضَمَّنُ أَنَّهُم لَا يَعْرِفُونَ مَا قَالَهُ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ
следующие страницы →