Полный текст (3 539 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.
стр. 2136
فَأَيُّ حَرَج عَلَى مَن سُئِلَ عَن مَسْأَلَةٍ فَذَكَرَ فِيهَا خِلَافَ الْفُقَهَاءِ، وَمَالَ فِيهَا إلَى بَعْضِ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ؟ فَإِنَّ الْأَمْرَ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ عَلَى مَرِّ الْعُصُورِ وَتَعَاقُبِ الدُّهُورِ.
جَوَابٌ آخَرُ لِبَعْضِ عُلَمَاءِ أَهْلِ الشَّامِ الْمَالِكِيَّةِ: اللَّهمَّ إنَّ بَابَك لَمْ يَزَلْ مَفْتُوحًا لِلسَّائِلِينَ، وَرِفْدَك مَا بَرِحَ مَبْذُولًا لِلْوَافِدِينَ، مَن عَؤَدْته مَسْأَلَتَك وَحْدَك، لَمْ يَسْأَلْ أَحَدًا سِوَاك، وَمَن مَنَحْته منائح رِفْدِك، لَمْ يَفِدْ عَلَى غَيْرِك، وَلَمْ يَحْتَمِ إلَّا بِحِمَاك، أَنْتَ الرَّبُّ الْعَظِيمُ الْكَرِيمُ الْأَكْرَمُ، قَصْدُ بَابِ غَيْرِك عَلَى عِبَادِك مُحَرَّمٌ، أَنْتَ الَّذِي لَا إلَهَ غَيْرُك، وَلَا مَعْئودَ سِوَاك، عَزَّ جَارُك، وَجَلَّ ثَنَاؤُك، وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُك، وَعَظُمَ بَلَاؤُك، وَلَا إلَهَ غَيْرُك، وَلَمْ تَزَلْ سُنَّتُك فِي خَلْقِك جَارِيةً بِامْتِحَانِ أَوْليَائِك وَأَحْبَابِك، تَفَضُّلًا مِنْك عَلَيْهِمْ، وَإِحْسَانًا مِن لَدُنْك إلَيْهِمْ؛ لِيَزْدَادُوا لَك فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ ذِكْرًا، وَلِإِنْعَامِك فِي جَمِيعِ التَّقَلُّبَاتِ شُكْرًا، وَلَكِنَ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ، ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣) ﴾ [العنكبوت: ٤٣].
اللَّهُمَّ .. قَد عَلِمْتَ يَا عَالِمَ السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ أَنَّ قُلُوبَنَا لَمْ تَزَلْ تَرْفَعُ إخْلَاصَ الدُّعَاءِ صَادِقَةً، وَأَلْسِنَتَنَا فِي حَالَتَي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ نَاطِقَةٌ، أَنْ تُسْعِفَنَا بِإِمْدَادِ هَذِهِ الدَّوْلَةِ الْمُبَارَكَةِ الْمَيْمُونَةِ السُّلْطَانِيَّةِ النَّاصِرِيَّةِ، بِمَزِيدِ الْعُلَا وَالرِّفْعَةِ وَالتَّمْكِينِ.
وَاَلَّذِي حَمَلَ عَلَى رَفْعِ هَذ الْأَدْعِيَةِ الصَّرِيحَةِ إلَى الْحَضْرَةِ الشَّرِيفَةِ -وَإِن كَانَت لَمْ تَزَلْ مَرْفُوعَةً إلَى اللهِ سُبْحَانَهُ بِالنِّيَّةِ الصَّحِيحَةِ- قَوْلُهُ ﷺ : "الدِّينُ النَّصِيحَةُ"، قِيلَ: لِمَن يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "للهِ وَلرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ" (١) ، وَقَوْلُهُ ﷺ : "إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" (٢) ، فَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ مَشْهُورَانِ بِالصِّحَّةِ وَمُسْتَفِيضَانِ فِي الْأُمَّةِ. الحواشي
(١) أخرجه مسلم(٥٥) .(٢) أخرجه البخاري(١) ، ومسلم(١٩٠٧) .стр. 2137
ثُمَّ إنَّ هَذَا الشَّيْخَ الْمُعَظَّمَ الْجَلِيلَ، وَالْإِمَامَ الْمُكَرَّمَ النَّبِيلَ، أَوْحَدُ الدَّهْرِ، وَفَرِيدُ الْعَصْرِ، طِرَازُ الْمَمْلَكَةِ الْمَلَكِيَّةِ، وَعَلَمُ الدَّوْلَةِ السُّلْطَانِيَّةِ، لَو أَقْسَمَ مُقْسِمٌ بِاللهِ الْعَظِيمِ الْقَدِيرِ، أَنَّ هَذَا الْإِمَامَ الْكَبِيرَ، لَيْسَ لَهُ فِي عَصْرِهِ مُمَاثِلَ وَلَا نَظِيرٌ، لَكَانَت يَمِينُهُ بَرَّةً غَنِيَّةً عَن التَّكْفِيرِ، وَقَد خَلَتْ مِن وُجُودِ مِثْلِهِ السَّبْعُ الْأَقَالِيمُ إلَّا هَذَا الْإِقْلِيمَ، يُوَافِقُ عَلَى ذَلِكَ كُلُّ مُنْصِفٍ خبِلَ عَلَى الطَّبْعِ السَّلِيمِ، وَلَسْتُ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ أُطْرِيهِ، بَل لَو أَطْنَبَ مُطْنِبٌ فِي مَدْحِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، لَمَا أَتَى عَلَى بَعْضِ الْفَضَائِلِ الَّتِي هِيَ فِيهِ: أَحْمَد ابْن تَيْمِيَّة، دُرَّةٌ يَتِيمَةٌ، يُتَنَافَسُ فِيهَا، تُشْتَرَى وَلَا تُبَاعُ، لَيْسَ فِي خَزَائِنِ الْمُلُوكِ دُرَّةٌ تُمَاثِلُهَا وَتُؤَاخِيهَا، انْقَطَعَتْ عَن وُجُودِ مِثْلِهِ الْأَطْمَاعُ، وَلَقَد أَصَمَّ الْأَسْمَاعَ، وَأَوْهَى قُوَى الْمَتْبُوعِينَ وَالْأَتْبَاعِ، سَماعُ رَفْعِ أَبِي الْعَبَّاسِ -أَحْمَد ابْنِ تَيْمِيَّة- إلَى الْقِلَاعِ.
وَلَيْسَ يَقَعُ مِن مِثْلِهِ أَمْرٌ يُنْقَمُ مِنْهُ عَلَيْهِ، إلَّا أَنَّهُ يَكُونُ أَمْرًا قَد لُبِّسَ عَلَيْهِ، وَنُسِبَ إلَى مَا يُنْسَبُ مِثْلُهُ إلَيْهِ.
وَالظَّاهِرُ بَيْنَ الْأَنَامِ، أَنَّ إكْرَامَ هَذَا الْإِمَام، وَمُعَامَلَتَهُ بِالتَّبْجِيلِ وَالِاحْتِرَامِ، فِيهِ قِوَامُ الْمُلْكِ، وَنِظَامُ الدَّوْلَةِ، وَإِعْزَازُ الْمِلَّةِ، وَاسْتِجْلَابُ الدُّعَاءِ، وَكَبْتُ الْأَعْدَاءِ، وَإِذْلَالُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ، وَإِحْيَاءُ الْأُمَّةِ، وَكَشْفُ الْغُمَّةِ، وَوُفُورُ الْأَجْرِ، وَعُلُوُّ الذِّكْرِ، وَرَفْعُ الْبَأْسِ، وَنَفْعُ النَّاسِ (١) ، وَلسَانُ حَالِ الْمُسْلِمِينَ تَالٍ قَوْلَ الْكَبِيرِ المتعال: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨) ﴾ [يوسف: ٨٨].
وَالْبِضَاعَةُ الْمُزْجَاةُ: هِيَ هَذِهِ الْأَوْرَاقُ الْمَرْقُومَةُ بِالْأَقْلَامِ.
وَالْمِيرَةُ الْمَطْلُوبَةُ: هِيَ الْإِفْرَاجُ عَن شَيْخِ الْإِسْلَامِ. الحواشي
(١) وهكذا الشأن في إكرام جميع العلماء في كل عصر ومِصر، فإن إكرامهم سببٌ في رفعة الحاكم، ودوام سلطانه، وعزته ونصرِه.стр. 2138
قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَوَقَفْت عَلَى "كِتَاب آخَرَ" مِن بَغْدَادَ أَيْضًا صورَتُهُ: لَمَّا قَرَعَ أَسْمَاعَ أَهْلِ الْبِلَادِ الْمَشْرِقِيَّةِ، وَالنَّوَاحِي الْعِرَاقِيَّةِ، التَّضْيِيقُ عَلَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ تَقِيِّ الدِّينِ أبِي الْعَبَّاسِ "أَحْمَد ابْنِ تَيْمِيَّة" سَلَّمَهُ اللهُ، عَظُمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَشَقَّ عَلَى ذَوِي الدِّينِ، وَارْتَفَعَتْ رُؤُوسُ الْمُلْحِدِينَ، وَطَابَتْ نُفُوسُ أَهْلِ الْأهْوَاءِ وَالْمُبْتَدِعِينَ، وَلَمَّا رَأَى عُلَمَاءُ أهْلِ هَذِهِ النَّاحِيَةِ عِظَمَ هَذِهِ النَّازِلَةِ، مِن شَمَاتَةِ أَهْلِ الْبِاَع وَأَهْلِ الْأهْوَاءِ، بِأَكَابِرِ الْأَفَاضِلِ وَأَئِمَّةِ الْعُلَمَاءِ، أَنْهَوْا حَالَ هَذَا الْأمْرِ الْفَظِيعِ، وَالْأَمْرِ الشَّنِيعِ، إلَى الْحَضرَةِ الشَّرِيفَةِ السُّلْطَانِيَّةِ، زَادَهَا اللهُ شَرَفًا، وَكَتَبُوا أَجْوِبَتَهُم فِي تَصْوِيبِ مَا أَجَابَ بِهِ الشَّيْخُ سَلَّمَهُ اللهُ فِي فَتَاوَاهُ، وَذَكَرُوا مِن عِلْمِهِ وَفَضَائِلِهِ بَعْضَ مَا هُوَ فِيهِ، وَحَمَلُوا ذَلِكَ إلَى بَيْنَ يَدَيْ مَوْلَانَا مَلِكِ الْأمَرَاءِ أَعَز اللهُ أَنْصَارَهُ، وَضَاعَفَ اقْتِدَاءَهُ؛ غَيْرَةً مِنْهُم عَلَى هَذَا الدِّينِ، وَنَصِيحَةً لِلْإِسْلَامِ وَأُمَرَاءِ الْمُؤْمِنِينَ (١) . [٢٧/ ١٨٢ - ٢١٣]
صُورَةُ خُطُوطِ الْقُضَاةِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى ظَهْرِ فُتْيَا الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ أَبِي الْعَبَّاسِ ابْنِ تَيْمِيَّة فِي "السَّفَرِ لِمُجَرَّدِ زِيَارَةِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ":
هَذَا الْمَنْقُولُ بَاطِنُهَا جَوَابًا عَن السُّؤَالِ أَنَّ زِيارَةَ الْأَنْبِيَاءِ بِدْعَةٌ، أَو مَا ذَكَرَهُ مِن نَحْوِ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَا يَتَرَخَّصُ فِي السَّفَرِ إلَى زِيارَةِ الْأَنْبِيَاءِ: هَذَا كَلَامُ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ، وَقَد نَقَلَ جَمَاعَةٌ مِن الْعُلَمَاءِ وَالْأَئِمَّةِ الْكِبَارِ أَنَّ زِيَارَةَ النَّبِيِّ ﷺ الحواشي
(١) تأمل ثناء هؤلاء العلماء على شيخ الإسلام، وهم من مختلف المذاهب الفقهية، والبلدان الإسلاميّة، فأثنوا عليه بما هو أهله، وأجمعوا على علو شأنه، ورفعة قدره، وجلالة علمه، وكثرة فضائله.
لقد أثنوا في هذه الرسائل على السلطان، وطلبوا منه بأدب أن يُخرج شيخ الإسلام من الحبس، وأيّدوا فتواه.
فرحم الله العلماء الربانيين، الذين يتكاتفون فيما بينهم، ويُناصر بعضهم بعضًا.стр. 2139
فَضِيلَةٌ وَسُنَّةٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا، وَهَذَا الْمُفْتِي الْمَذْكُورُ (١) يَنْبَغِي أَنْ يُزْجَرَ عَن مِثْل هَذِهِ الْفَتَاوَى الْبَاطِلَةِ عِنْد الْعُلَمَاء وَالْأئِمَّةِ الْكِبَارِ، وَيُمْنَعَ مِن الْفَتَاوَى الْغَرِيبَةِ الْمَرْدُودَةِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَيُحْبَسَ إذَا لَمْ يَمْتَنِعْ مِن ذَلِكَ، وَيُشْهَرَ أَمْرُهُ لِيَتَحَفَّظَ النَّاسُ مِن الِاقْتِدَاءِ بِهِ، كَتَبَهُ الْعَبْدُ الْفَقِرُ إلَى اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ بْنِ جَمَاعَةَ.
وَتَحْتَهُ: يَقُولُ أَحْمَد بْنُ عُمَرَ المقدسي الْحَنْبَلِيُّ.
وَتَحْتَهُ: كَذَلِكَ يَقُولُ محَمَّد بْنُ الجريري الْحَنَفِيِّ، لَكِنْ يُحْبَسُ الْآنَ جَزْمًا مُطْلَقًا.
وَتَحْتَهُ: كَذَلِكَ يَقُولُ الْعَبْدُ الْفَقِيرُ إلَى اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمَالِكِيُّ إنْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَيُبَالَغُ فِي زَجْرِهِ بِحَسَبِ مَا تَنْدَفِعُ بِهِ هَذِهِ الْمَفْسَدَةُ وَغَيْرُهَا مِن الْمَفَاسِدِ.
فَهَذِهِ صُورَةُ خُطُوطِهِمْ بِمِصْرِ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَسْكَنَة اللهُ الْجَنَّةَ آمِينَ: (٢)
فَصْلٌ
فِي الْجَوَابِ عَمَّا كتِبَ عَلَى نُسْخَةِ جَوَابِ الْفُتْيَا، وَبَيَانِ بُطْلَانِ ذَلِكَ، وَأَنَّ الْحُكْمَ بِهِ بَاطِل بِإجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ: الحواشي
(١) يعنون ابن تيمية ﵀، وهذا أسلوب تحقير وتصغير.
وانظر إلى كيدهم وكذبهم، وتحريضهم السلطان على سجنه ومنعه من الفتيا، لِيَتَحَفَّظَ النَّاسُ مِن الِاقْتِدَاءِ بِهِ.
ويا سبحان الله! ها نحن بعد مئات السنين نرى كتب ورسائل وفتاوى وآراءَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تُزيّن الأرض جمالًا، وتُضيء الصدور نورًا، وتُشعّ في الكون شُموسًا، والناس منشغلون به وبسيرته وعلومه وآرائه، وأقام الله آلاف العلماء وعشرات الْحُكام وبعض الدول لنصر مذهبِه، والانتصار لمنهجِه.
وأين هؤلاء الْمُوقّعون اليوم؟ وأين الحكام الذين سجنوه؟ وأين القضاةُ الذين آذوه؟
لقد ذهبوا واضّمحلّوا وتلاشوا، وبقي صاحب الحقّ.(٢) في الرد على هؤلاء القضاة، وسأنتقي أهم ما جاء في كلامِه، وكثيرٌ مما جاء فيه قد ذكره في مواضع أخرى.стр. 2140
الْأَوّلُ: أَنَّهُ نَقَلَ عَن الْجَوَابِ مَا لَيْسَ فِيهِ، وَرَتَّبَ الْحُكْمَ عَلَى ذَلِكَ النَّقْلِ الْبَاطِلِ، وَمِثْلُ هَذَا بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ؛ فَإِنَّهُ نَقَلَ أَنَّ الْمُجِيبَ قَالَ: إنَّ زِيارَةَ الْأَنْبِيَاءِ بِدْعَةٌ، أَو أَنَّهُ ذَكَرَ نَحْو ذَلِكَ، وَالْمُجِيبُ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ وَلَا نَقَلَ ذَلِكَ عَن أَحَدٍ مِن الْعُلَمَاءِ؛ وَإنَّمَا فِي الْجَوَابِ ذِكْرُ قَوْلِ الْعُلَمَاءِ فِيمَن سَافَرَ لِمُجَرَّدِ زِيارَةِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ: هَل يَحْرُمُ هَذَا السَّفَرُ أَو يَجُوزُ، وَأَنَّ الطَّائِفَتَيْنِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحَبِّ، وَالطَّائِفَتَانِ لَمْ يَقُولَا ذَلِكَ فِي الزِّيَارَةِ الْمُطْلَقَةِ؛ بَل جُمْهُورُهُم يَقُولُونَ: إنَّ زِيارَةَ الْقُبُورِ مُسْتَحَبَّةٌ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ.
وَلَكِنْ لَا يَقولُونَ: إنَّهُ يُسْتَحَبُّ السَّفَرُ إلَيْهَا.
وَالْمُجِيبُ لَمْ يَذْكُرْ لِنَفْسِهِ فِي الْجَوَابِ قَوْلًا؛ بَل حَكَى أَقْوَالَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَدِلَّتَهُمْ، وَهَؤُلَاءِ نَقَلُوا عَنْهُ مَا لَمْ يَقُلْهُ، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا لَا يُنَازَعُ فِيهِ، وَأَخْطَؤُوا فِيمَا نَقَلُوهُ.
الثَّالِثَ عَشَرَ: أَنَّ الْأَحْكَامَ الْكُلِّيَّةَ الَّتِي يَشْتَرِكُ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ -سَوَاءٌ كَانَت مُجْمَعًا عَلَيْهَا أَو مُتَنَازَعًا فِيهَا- لَيْسَ لِلْقُضَاةِ الْحُكْمُ فِيهَا؛ بَل الْحَاكِمُ الْعَالِمُ كَآحَادِ الْعُلَمَاءِ، يَذْكُرُ مَا عِنْدَهُ مِن الْعِلْمِ، وَإِنَّمَا يَحْكُمُ الْقَاضِي فِي أُمُورٍ مُعَيَّنَةٍ.
وَأَمَّا كَوْنُ هَذَا الْعَمَلِ وَاجِبًا أَو مُسْتَحَبًّا أَو مُحَرَّمًا فَهَذَا مِن الْأَحْكَامِ الْكُلِّيَّةِ الَّتِي لَيْسَ لِأَحَد فِيهَا حُكْمٌ إلَّا للهِ وَرَسُولِهِ.
وَهَؤُلَاءِ حَكَمُوا فِي الْأَحْكَامِ الْكُلِّيَّةِ وَحُكْمُهُم فِي ذَلِكَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ.
الرَّابعَ عَشَرَ: أَنَّ الْكَلَامَ فِي هَذ الْمَسَائِلِ الْكُلِّيَّةِ إنَّمَا يَجُوزُ لِمَن كَانَ عَالِمًا بِأَقْوَالِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِيهَا، وَمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ وَمَا تَنَازَعُوا فِيهِ، عَالِمًا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَوَجْهِ الِاسْتِدْلَالِ بِهِمَا.
وَكَلَامُ هَؤُلَاءِ يَتَضَمَّنُ أَنَّهُم لَا يَعْرِفُونَ مَا قَالَهُ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ
стр. 2141
الْمَسَائِلِ، وَلَا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ وَتَنَازَعوا فِيهِ، وَلَا يَعْرِفُونَ سُنَّةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ، وَلَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ مَا رَغَّبَ فِيهِ وَمَا نَهَى عَنْة وَلَمْ يَسُنَّهُ، وَلَا يَعْرِفُونَ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ وَالضَّعِيفَةَ فِي هَذَا الْبَابِ؛ بَل وَلَا يَعْرِفُونَ مَذْهَبَهُم فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ، وَلَا عِنْدَهُم نَقْلٌ عَن الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَلَا الْعُلَمَاءِ الْمَشْهُورِينَ مِن أَتْبَاعِهِمْ فِيمَا قَالُوهُ وَحَكَمُوا بِهِ؛ بَل هُم فِيهِ بِمَنْزِلَةِ آحَادِ الْمُتَفَقِّهَةِ الطَّلَبَةِ الَّذِينَ يَنْبَغِي لَهُم طَلَبُ عِلْمِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ؛ بَل لَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمْ أَنْ يُفْتِيَ فِيهَا وَلَا يُنَاظِرَ وَلَا يُصَنِّفَ، فَضْلًا عَن أَنْ يَحْكُمَ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَن كَانَ كَذَلِكَ وَحَكَمَ فِيمَا لَيْسَ لَهُ الْحُكْمُ فِيهِ: كَانَ حُكمُهُ مُحَرَّمًا بِالْإِجْمَاعِ، فَكَيْفَ إذَا حَكَمَ فِيمَا لَيْسَ لَهُ فِيهِ الْحُكْمُ، وَحَكَمَ بِخِلَافِ الْإِجْمَاعِ؛ فَإِنَّ الْحَاكِمَ إذَا حَكَمَ بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ وَلَا تَقْلِيدٍ كَانَ حُكْمُهُ مُحَرَّمًا بِالْإِجْمَاعِ.
السَّادِسَ عَشَرَ: لَو كَانَ لَهُم فِيهَا الْحُكْمُ، وَقَد حَكَمُوا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ: لَمْ يَكُن لَهُم الْحُكْمُ حَتَّى يَسْمَعُوا كَلَامَ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ وَحجَّتَهُ وَيعْذُرُوا إلَيْهِ، وَهَل لَهُ جَوَابٌ أَمْ لَا؟
فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ تَنَازَعُوا فِي الْحُقُوقِ كَالْأَمْوَالِ: هَل يُحْكَمُ فِيهَا عَلَى غَائِبٍ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَمَن جَوَّزَ الْحُكْمَ عَلَيْهِ قَالَ: هُوَ بَاقٍ عَلَى حُجَّتِهِ تُسْمَعُ إذَا حَضَرَ.
فَأَمَّا الْعُقُوبَاتُ وَالْحُدُودُ فَلَا يُحْكَمُ فِيهَا عَلَى غَائِبٍ، وَهَؤُلَاءِ حَكَمُوا عَلَى غَائِبٍ فِي ذَلِكَ، وَلَمْ يُمَكِّنُوهُ مِن سَمَاعِ كَلَامِهِ وَالْإِدْلَاءِ بِحُجَّتِهِ.
السَّابعَ عَشَرَ: أَنَّهُ لَو كَانَ الْحَاكِمُ خَصْمًا لِشَخْصٍ فِي حَقٍّ مِن الْحُقُوقِ: لَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْكُمَ الْحَاكِمُ عَلَى خَصْمِهِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَذَلِكَ الْمَسَائِلُ الْعِلْمِيَّةُ إذَا تَنَازَعَ حَاكِمٌ وَغَيْرُهُ مِن الْعُلَمَاءِ فِي تَفْسِيرِ آيَةٍ أَو حَدِيثٍ أَو بَعْضِ مَسَائِلِ الْعِلْمِ لَمْ يَكُن لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ فَإِنَّهُمَا خَصْمَانِ فِيمَا تَنَازَعَا فِيهِ، وَالْحَاكِمُ لَا يَحْكُمُ عَلَى خَصْمِهِ بِالْإِجْمَاعِ.
стр. 2142
الْوَجْهُ الْعِشْرُونَ: أَنَّهُ لَو قُدِّرَ أَن الْعَالِمَ الْكَثِيرَ الْفَتَاوَى أَخْطَأَ فِي مِائَةِ مَسْأَلَةٍ لَمْ يَكُن ذَلِكَ عَيْبًا، وَكُلُّ مَن سِوَى الرَّسُولِ ﷺ يُصِيبُ ويُخْطِئُ، وَمَن مَنَعَ عَالِمًا مِنَ الْإِفْتَاءِ مُطْلَقًا وَحَكَمَ بِحَبْسِهِ لِكَوْنِهِ أَخْطَأَ فِي مَسَائِلَ: كَانَ ذَلِكَ بَاطِلًا بِالْإِجْمَاعِ؛ فَالْحُكْمُ بِالْمَنْعِ وَالْحَبْسِ حُكْمٌ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ، فَكَيْفَ إذَا كَانَ الْمُفْتِي قَد أَجَابَ بِمَا هُوَ سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَوْلُ عُلَمَاءِ أُمَّتِهِ؟
الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّهُم قَالُوا: يُمْنَعُ مِنَ الْفَتَاوَى الْغَرِيبَةِ الْمَرْدُودَةِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ مِن أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْحُكْمُ بِهِ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ؛ فَإِنَّ الْأَئِمَّةَ الْأرْبَعَةَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَهُ إنَّمَا يُنْقَضُ حُكْمُ الْحَاكِمِ إذَا خَالَفَ كِتَابًا أَو سُنَّةً أَو إجْمَاعًا أَو مَعْنَى ذَلِكَ، فَأَمَّا مَا وَافَقَ قَوْلَ بَعْضِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ فَإِنَّهُ لَا يُنْقَضُ لِأَجْلِ مُخَالَفَتِهِ قَوْلَ الْأَرْبَعَةِ، وَمَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ الْحَاكِمُ يَجُوزُ أَنْ يُفْتِيَ بِهِ الْمُفْتِي بِالْإِجْمَاعِ؛ بَل الْفُتْيَا أَيْسَرُ؛ فَإِنَّ الْحَاكِمَ يُلْزِمُ وَالْمُفْتِيَ لَا يُلْزِمُ.
الْوَجْة التَّاسِعُ وَالثلَاُثونَ: أَّنَّهُ لَو قُدِّرَ أَنَّ الْعَالِمَ الْكَثِيرَ الْفَتَاوَى أَفْتَى فِي عِدَّةِ مَسَائِلَ بِخِلَافِ سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الثَّابِتَةِ عَنْهُ، وَخِلَافِ مَا عَلَيْهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ: لَمْ يَجُزْ مَنْعُهُ مِن الْفُتْيَا مُطْلَقًا؛ بَل يُبَيَّنُ لَهُ خَطَؤُهُ فِيمَا خَالَفَ فِيهِ، فَمَا زَالَ فِي كُلِّ عَصْرٍ مِن أَعْصَارِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَن بَعْدَهُم مِن عُلَمَاءِ الْفسْلِمِينَ مَن هُوَ كَذَلِكَ.
الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ (١) : أَنَّ مَا قَالُوهُ لَو قَالَهُ مُفْتٍ لَوَجَبَ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ وَمَنْعُهُ وَحَبْسُهُ إنْ لَمْ يَنْتَهِ عَن الْإِفْتَاءِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاع فَكَيْفَ إذَا قَالَهُ حَاكِمٌ يُلْزِمُ النَّاسَ بِهِ وَهُوَ أَوْلَى بِالْمَنْعِ وَالْعُقُوبَةِ عَلَى ذَلِكَ كَأَهْلِ الْبِدَع: مِن الْخَوَارِجِ وَالرَّافِضَةِ وَغَيْرِهِمْ وَاَلَّذِينَ يَبْتَدِعُونَ بِدْعَةً يُلْزِمُونَ بِهَا النَّاسَ وَيُعَادُونَ مَن خَالَفَهُم فِيهَا وَيَسْتَحِلُّونَ عُقُوبَتَهُ وَالْبِدَعُ الْمُتَضَمِّنَةُ لِلشِّرْكِ وَاتِّخَاذِ الْقُبُورِ أَوْثَانًا الحواشي
(١) هذا آخر الأوجه، وقارن بين فتوى هؤلاء القضاة وفتواه من ناحية الطول وذكر الأدلة.стр. 2143
وَالْحَجِّ إلَيْهَا وَدُعَاءِ غَيْرِ اللهِ وَعِبَادَتِهِ: مِن بِدَعِ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ (١) . [٢٧/ ٢٨٨ - ٣١٣]
* * *
(هل السلام على النبي عند قبره سُنَّة ؟)
٢٩٦٢ - ذَكَرَ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَأْتِي فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللهِ، السَّلَامُ عَلَيْك يَا أَبَا بَكْرٍ، السَّلَامُ عَلَيْك يَا أَبَت، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، وَفِي رِوَايَةٍ: "كَانَ إذَا قَدِمَ مِن سَفَرٍ"، رَوَاهُ مَعْمَرٌ عَن نَافِعٍ عَنْهُ.
وَعَلَى هَذَا اعْتَمَدَ مَالِكٌ ﵀ فِيمَا يُفْعَلُ عِنْدَ الْحُجْرَةِ؛ إذ لَمْ يَكُن عِنْدَهُ إلَّا أَثَرُ ابْنِ عُمَرَ ﵄.
وَأَمَّا مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِثْلُ الْوُقُوفِ لِلدُّعَاءِ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَعَ كَثْرَةِ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ فَقَد كَرِهَهُ مَالِكٌ وَقَالَ: هُوَ بِدْعَةٌ لَمْ يَفْعَلْهَا السَّلَفُ، وَلَنْ يُصْلِحُ آخِرَ هَذِهِ الْأمَّةِ إلَّا مَا أَصْلَحَ أَوَّلَهَا (٢) . [٢٧/ ٣٨٤] الحواشي
(١) من الملاحظ أن هؤلاء القضاة لجؤوا في تقوية رأيهم ودَعْمِ حجتهم وطلبهم إلى السلطان الحسي، وهو الحاكم، وذلك بأنْ يحبسه ويضيق عليه، فلذلك لا تجدهم ذكروا أدلة لِما زعموا، بل لم يتجاوز كلامهم صفحة واحدة، وأما شيخ الإسلام فإنما لجأ إلى السلطان المعنوي، وهو الحجة والبرهان، كما سماه الله تعالى بذلك في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ [غافر: ٥٦]، وهذا السلطان أقوى أثرًا، وأطولُ بقاءً.
وهكذا أهل الباطل في كل زمان ومكان يلجؤون إلى السلطان الحسي للاستقواء به على من خالفهم، بل ويُحرضون الناس عليهم، ويسبون ويقدحون، وأما العلماء الربانيون فإنما يلجؤون إلى السلطان المعنوي، من الحجج الواضحة، والبراهين الساطعة، دون اللجوء إلى حاكم ليُنصفهم، أو إلى جرح ذوات المخالفين -فيما يسوغ فيه الاجتهاد- لشفاءِ غيظهم. والله المستعان.(٢) قال الشيخ في موضع آخر: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ، لَا يَقِفُ لَا لِدُعَاءِ لَهُ وَلَا لِنَفْسِهِ، وَلهَذَا كَرِهَ مَالِكٌ مَا زَادَ عَلَى فِعْلِ ابْنِ عُمَرَ مِن وُقُوفٍ لَهُ أو لِنَفْسِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَمْ يُنْقَلْ عَن أَحَدٍ مِن الصَّحَابَةِ فَكَانَ بِدْعَةً مَحْضَةً ..
مَعَ أنَّ فِعْلَ ابْنِ عُمَرَ إذَا لَمْ يَفْعَلْ مِثْلَهُ سَائِرُ الصَّحَابَةِ إنَّمَا يَصْلُحُ لِلتَّسْوِيغِ، كَأَمْثَالِ ذَلِكَ فِيمَا فَعَلَهُ بَعْضُ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ. (٢٧/ ٣٩٦)стр. 2144
وَلَمْ يَكُن الصَّحَابَةُ يَدْخُلُونَ إلَى عِنْدِ الْقَبْرِ، وَلَا يَقِفُونَ عِنْدَهُ خَارِجًا، مَعَ أَنَّهُم يَدْخُلُونَ إلَى مَسْجِدِهِ لَيْلًا وَنَهَارًا.
وَكَانُوا يَقْدمُونَ مِن الْأَسْفَارِ لِلِاجْتِمَاعِ بِالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَيُصَلُّونَ فِي مَسْجِدِهِ، وَيُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ وَعِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَالْخُرُوجِ مِنْهُ وَلَا يَأْتُونَ الْقَبْرَ؛ إذ كَانَ هَذَا عِنْدَهُم مِمَّا لَمْ يَأْمُرْهُم بِهِ وَلَمْ يَسُنَّهُ لَهُمْ، وَإِنَّمَا أَمَرَهُم وَسَنَّ لَهُم الصَّلَاةَ وَالسَّلَامَ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ وَعِنْدَ دُخُولِهِمْ الْمَسَاجِدَ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَلَكِنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَأْتِيهِ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَعَلَى صَاحِبَيْهِ عِنْدَ قُدُومِهِ مِن السَّفَرِ، وَقَد يَكون فَعَلَهُ غَيْرُ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا.
فَلِهَذَا رَأَى مَن رَأَى مِن الْعُلَمَاءِ هَذَا جَائِزًا اقْتِدَاءً بِالصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِم، وَابْنُ عُمَرَ كَانَ يُسَلِّمُ ثُمَّ يَنْصَرِفُ وَلَا يَقِفُ، يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللهِ السَّلَامُ عَلَيْك يَا أَبَا بَكْرٍ السَّلَامُ عَلَيْك يَا أَبَتْ ثُمَّ يَنْصَرِفُ.
وَلَمْ يَكُن جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ يَفْعَلُونَ كَمَا فَعَلَ ابْنُ عُمَرَ؛ بَل كَانَ الْخُلَفَاءُ وَغَيْرُهُم يُسَافِرُونَ لِلْحَجِّ وَغَيْرِهِ وَيرْجِعُونَ وَلَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ؛ إذ لَمْ يَكُن هَذَا عِنْدَهُم سُنَّة سَنَّهَا لَهُمْ (١) . الحواشي
(١) أي: على الخصوص، وإلا فزيارة القبور قد سنها بقوله وفعله، وزيارة قبره داخلة في زيارة القبور، لكن المبالغة في ذلك خلاف هدي الصحابة والتابعين كما قرره الشيخ وغيرُه.
والشيخ هنا لا يرى أن تخصيص زيارة القبر لمن صلى في المسجد سُنَّة، بل غايته أنه جائز، وهذا يشمل أهل المدينة عند عودهم من السفر، وبشمل من كان من غير أهل المدينة، لاستشهاده بأمداد أهل اليمن.
مع أن الشيخ -كما سبق- قد أطلق القول بأن السلام عليه من أفضل الأعمال لمن سافر إلى مسجده حيث قال ﵀: وَإِن كَانَ الْمُسَافِرُ إلَى مَسْجِدِهِ يَزُورُ قَبْرَهُ ﷺ ، بَل هَذَا مِن أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَلَا فِي شَيْءٍ مِن كَلَامِي وَكَلَامِ غَيْرِي نَهْيٌ عَن ذَلِكَ، وَلَا نَهْيٌ عَن الْمَشْرُوعِ فِي زَيارةِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَلَا عَن الْمَشْرُوعِ فِي زِيارَةِ سَائِرِ القُبُورِ، بَل قَد ذَكَرْت فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ اسْتِحْبَابَ زَيارَةِ الْقُبُورِ ..
وَإِذَا كَانَت زِيَارَةُ قُبُورِ عُمُومِ الْمُؤْمِنِينَ مَشْرُوعَةً فَزِيَارَةُ قُبُورِ الْأنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ أَوْلَى. اهـ. (٢٧/ ٣٣٠ - ٣٣١)стр. 2145
وَكَذَلِكَ أَزْوَاجُهُ كُنَّ عَلَى عَهْدِ الْخُلَفَاءِ وَبَعْدَهُم يُسَافِرُونَ إلَى الْحَجِّ، ثُمَّ تَرْجِعُ كُلُّ وَاحِدَةٍ إلَى بَيْتِهَا كَمَا وَصَّاهُنَّ بِذَلِكَ.
وَكَانَت أَمْدَادُ الْيَمَنِ الَّذِينَ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ يَأْتُونَ أَفْوَاجًا مِن الْيَمَن لِلْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، ويُصَلُّونَ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فِي مَسْجِدِهِ، وَلَا يَدْخُلُ أَحَدٌ مِنْهُم إلَى دَاخِلِ الْحُجْرَةِ وَلَا يَقِفُ فِي الْمَسْجِدِ خَارِجًا لَا لِدُعَاءٍ وَلَا لِصَلَاةٍ وَلَا سَلَامٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ، وَكَانُوا عَالِمِينَ بِسُنَّتِهِ كَمَا عَلَّمَتْهُم الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ، وَأَنَّ حُقُوقَهُ لَازِمَةٌ لِحُقُوقِ اللهِ عزَّوجلَّ، وَأَنَّ جَمِيعَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ وَأَحَبَّهُ مِن حُقُوقِهِ وَحُقُوقِ رَسُولِهِ، فَإِنَّ صَاحِبَهَا يُؤْمَرُ بِهَا فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ وَالْبِقَاعِ.
فَلَيْسَتِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عِنْدَ قَبْرِهِ الْمُكَرَّمِ بِأَوْكَدَ مِن ذَلِكَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَكَانِ؛ بَل صَاحِبُهَا مَأْمُورٌ بِهَا حَيْثُ كَانَ: إمَّا مُطْلَقًا وَإِمَّا عِنْدَ الْأَسْبَابِ الْمُؤَكِّدَةِ لَهَا كَالصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ وَالْأَذَانِ. [٢٧/ ٤٠٠ - ٤٠١]
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ مِن عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْكَرَاهَةِ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ قَصْدَهُم الْقَبْرَ إذَا دَخَلُوا أَو خَرَجُوا مِنْهُ وَنَحْو ذَلِكَ وَإِن كَانَ قَصْدُهُم مُجَرَّدَ السَّلَامِ عَلَيْهِ وَالصَّلَاةِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَأْتِي قُبَاء رَاكِبًا وَمَاشَيًا كُلَّ سَبْتٍ، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" (١) مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْتِي قُبَاء كُلَّ سَبْتٍ رَاكِبًا وَمَاشِيًا"، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ، زَادَ نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "فَيُصَلِّي فِيهِ رَكعَتَيْن".
وَهَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي مَسْجِدِهِ يَوْمَ الْجُمْعَةِ، وَيَذْهَبُ إلَى مَسْجِدِ قُبَاء فَيُصَلِّي فِيهِ يَوْمَ السَّبْتِ، وَكِلَاهُمَا أُسِّس عَلَى التَّقْوَى.
وَلَمْ يَكُن ابْنُ عُمَرَ وَلَا غَيْرُهُ إذَا كَانُوا مُقِيمِينَ بِالْمَدِينَةِ يَأْتُونَ قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ لَا فِي الْأُسْبُوعِ وَلَا فِي غَيْرِ الْأُسْبُوعِ، وَإِنَّمَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَأْتِي الْقَبْرَ إذَا قَدِمَ الحواشي
(١) رواه البخاري(١١٣٤) ، ومسلم(١٣٩٩) .стр. 2146
مِن سَفَرٍ، وَكَثِيرٌ مِن الصَّحَابَةِ أَو أَكْثَرُهُم كَانُوا يَقْدمُونَ مِن الْأسْفَارِ وَلَا يَأْتُونَ الْقَبْرَ لَا لِسَلَام وَلَا لِدُعَاء وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ، فَلَمْ يَكُونُوا يَقِفُونَ عِنْدَهُ خَارجَ الْحُجْرَةِ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ، وَلَمْ يَكُن أَحَدٌ مِنْهُم يَدْخُلُ الْحُجْرَةَ لِذَلِكَ؛ بَل وَلَا يَدْخُلُونَهَا إلَّا لِأَجْلِ عَائِشَةَ ﵂ لَمَّا كَانَت مُقِيمَةً فِيهَا.
وَحِينَئِذٍ فَكَانَ مَن يَدْخُلُ إلَيْهَا يُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ كَمَا كَانُوا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ إذَا حَضَرُوا عِنْدَهُ.
وَأَمَّا السَّلَامُ الَّذِي لَا يَسْمَعُهُ (١) : فَذَلِكَ سَلَامُ اللهِ عَلَيْهِم بِهِ عَشْرًا كَالسَّلَامِ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ، وَعِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ، وَالْخُرُوجِ مِنْهُ، وَهَذَا السَّلَامُ مَأْمُورٌ بِهِ فِي كُلِّ مَكانٍ وَزَمَانٍ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِن السَّلَامِ الْمُخْتَصِّ بِقَبْرِهِ (٢) ، فَإِنَّ هَذَا الْمُخْتَصَّ بِقَبْرِهِ مِن جِنْسِ تَحِيَّةِ سَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا.
وَأَمَّا السَّلَامُ الْمُطْلَقُ الْعَامُّ: فَالْأَمْرُ بِهِ مِن خَصَائِصِهِ، كَمَا أَنَّ الْأَمْرَ بِالصَّلَاةِ مِن خَصَائِصِهِ. [٢٧/ ٤٠٥ - ٤٠٨]
وَقَد تَبَيَّنَ أَنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ وَجُمْهُورَ الصَّحَابَةِ كَانُوا يَدْخُلُونَ الْمَسْجِدَ وَيُصَلُّونَ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (٣) ، وَلَا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ (٤) عِنْدَ الْخُرُوجِ مِن الْمَدِينَةِ وَعِنْدَ الْقُدُومِ مِن السَّفَرِ؛ بَل يَدْخُلُونَ الْمَسْجِدَ فَيُصَلُّونَ فِيهِ، وَيُسَلِّمُونَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلَا يَأْتُونَ الْقَبْرَ، وَمَقْصُودُ بَعْضِهِم التَّحِيَّةُ.
وَأَيْضًا: فَقَد اُسْتُحِبَّ لِكُلِّ مَن دَخَلَ الْمَسْجِدَ أنْ يُسَلِّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَيَقُولَ: بِسْمِ اللهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِك، وَكَذَلِكَ إذَا خَرَجَ يَقُولُ: بِسْمِ اللهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ الحواشي
(١) وهو السلام عليه من بعيد، كان يكون المسلِّمُ عليه في البيت أو في الصلاة.(٢) وهذا ما يجهله الكثير من الناس؛ لأن النصوص الكثيرة جاءت بها، في حين لم يأت شيء بخصوص السلام عند القبر. فانظر فقه الشيخ الدقيق ﵀.(٣) عند دخول المسجد النبوي، وحاله كحال أيّ مسجد.(٤) عند قبره.стр. 2147
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِى أَبْوَابَ فَضْلِك، فَهَذَا السَّلَامُ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ كُلَّمَا يَدْخُلُ يُغْنِي عَن السَّلَامِ عَلَيْهِ عِنْدَ الْقَبْرِ، وَهُوَ مِن خَصَائِصِهِ وَلَا مَفْسَدَةَ فِيهِ.
وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ أَفْضَلُ مِن السَّلَامِ عَلَيْهِ عِنْدَ الْقَبْرِ، وَهُوَ مِن خَصائِصِهِ وَهُوَ مَأمُورٌ بِهِ، وَاللهُ يُسَلِّمُ عَلَى صَاحِبِهِ كَمَا يُصَلِّي عَلَى مَن صَلَّى عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ مَن صَلَّى عَلَيْهِ وَاحِدَةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، وَمَن سَلَّمَ عَلَيْهِ وَاحِدَةً سَلَّمَ اللهُ عَلَيْهِ عَشْرًا، وَقَد حَصَلَ مَقْصُودُهُم وَمَقْصُودُهُ مِن السَّلَامِ عَلَيْهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ فِي مَسْجِدِهِ وَغَيْرِ مَسْجِدِهِ، فَلَمْ يَبْقَ فِي إتْيَانِ الْقَبْرِ فَائِدَةٌ لَهُم وَلَا لَهُ (١) .
بِخِلَافِ إتْيَانِ مَسْجِدِ قُبَاء، فَإِنَّهُم كَانُوا يَأْتُونَهُ كُلَّ سَبْتٍ فَيُصَلُّونَ فِيهِ اتِّبَاعًا لَهُ ﷺ ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ كَعُمْرَةٍ، وَيجْمَعُونَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِهِ يَوْمَ الْجُمْعَةِ؛ إذ كَانَ أَحَدُ هَذَيْنَ لَا يُغْنِي عَن الْآخَرِ؛ بَل يَحْصُل بِهَذَا أَجْرٌ زَائِدٌ.
وَكَذَلِكَ إذَا خَرَجَ الرَّجُلُ إلَى الْبَقِيعِ وَأَهْلِ أُحُدٍ، كَمَا كَانَ يَخْرُجُ إلَيْهِم النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو لَهُمْ: كَانَ حَسَنًا؛ لِأَنَّ هَذَا مَصْلَحَةٌ لَا مَفْسَدَةَ فِيهَا، وَهُم لَا يَدْعُونَ لَهُم فِي كُلّ صَلَاةٍ حَتَّى يُقَالَ: هَذَا يُغْنِي عَن هَذَا (٢) . [٢٧/ ٤١٤ - ٤١٦]
فَلَيْسَ فِعْلُ شَيْءٍ مِن حُقُوقِهِ ﷺ كَالْإِيمَانِ بِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَمُوَالَاتِهِ وَتَبْلِيغِ الْعِلْمِ عَنْهُ وَالْجِهَادِ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ وَمُوَالَاةِ أَوْليَائِهِ وَمُعَادَاةِ أَعْدَائِهِ وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ وَكُلِّ مَا يُحِبُّهُ اللهُ ويُتَقَرَّبُ إلَيْهِ لَيْسَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ عِنْدَ خجْرَتِهِ أَفْضَلَ مِنْهُ الحواشي
(١) فمن ذهب إلى المدينة وصلى في المسجد النبوي، وصلى على النبي عند دخول المسجد وفي الصلاة وغيرها أغنى عن السلام عليه عند قبره، وعلى هذا: فلا حرج على الإنسان إذا رأى الزحام عند قبره ألا يصف معهم للسلام، بل يصلي ويسلم عليه في أيّ مكان -صلى الله تعالى وسلم عليه صلاةً وسلامًا دائمين ما دام الليل والنهار-.(٢) وكذلك الذي يسلم على أبي بكر وعمر ﵄ ويدعو لهما فهو حسن، فقصدُ السلام عليهما حسن مطلوب، ولا يُمكن للإنسان إذا سلم عليها أن يبدأ بهما قبل الرسول ﷺ .стр. 2148
فِيمَا بَعُدَ عَنِ الْحُجْرَةِ، لَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ علَيْهِ (١) ، وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ مِن حُقُوقِهِ؛ بَل قَد نَهَى هُوَ ﷺ أَنْ يُجْعَلَ بَيْتُهُ عِيدًا، فَنَهَى أَنْ يُقْصَدَ بَيْتُهُ بِتَخْصِيصِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ.
فَمَن قَصَدَ أَو اعْتَقَدَ أَنَّ فِعْلَ ذَلِكَ عِنْدَ الْحُجْرَةِ أَفْضَلُ: فَهُوَ مُخَالِفٌ لَهُ ﷺ . [٢٧/ ٤٢٧ - ٤٢٨]
٢٩٦٣ - قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥]، قَالَ عَامَّةُ الْمُفَسِّرِينَ؛ كَابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَالْفَرَّاءِ: الْوَسِيلَةُ الْقُرْبَةُ. [٢٧/ ٤٣٤]
* * *
(هل سكنى المدينة ومكة أفضل مطلقًا ؟)
٢٩٦٤ - سُكْنَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ هُوَ أَفْضَلُ فِي حَقِّ مَن تَتَكَرَّرُ طَاعَتُهُ للهِ وَرَسُولِهِ فِيهَا أَكْثرُ، كَمَا كَانَ الْأَمْرُ لَمَّا كَانَ النَّاس مَأْمُورِينَ بِالْهِجْرَةِ إلَيْهَا، فَكَانَت الْهِجْرَةُ إلَيْهَا وَالْمُقَامُ بِهَا أَفْضَلَ مِن جَمِيعِ الْبِقَاعِ مَكَّةَ وَغَيْرِهَا؛ بَل كَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا مِن أَعْظَمِ الْوَاجِبَاتِ، فَلَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ" (٢) ، وَكَانَ مَن أَتَى مِن أَهْلِ مَكَّةَ وَغَيْرِهِمْ لِيُهَاجِرَ وَيسْكُنَ الْمَدِينَةَ يَأْمُرُهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى مَدِينَتِهِ وَلَا يَأْمُرُهُ بِسُكْنَاهَا، كَمَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﷺ يَأْمُرُ النَّاسَ عَقِبَ الْحَجّ أَنْ يَذْهَبُوا إلَى بِلَادِهِمْ لِئَلَّا يُضَيِّقُوا عَلَى أَهْلِ مَكًّةَ، وَكَانَ يَأْمُرُ كَثِيرًا مِن أَصْحَابِهِ وَقْتَ الْهِجْرَةِ أَنْ يَخْرُجُوا إلَى أَمَاكِنَ أُخَرَ لِوِلَايَةِ مَكَانٍ وَغَيْرِهِ، وَكَانَت طَاعَةُ الرَّسُولِ بِالسَّفَرِ إلَى غَيْرِ الْمَدِينَةِ أَفْضَلَ مِنَ الْمُقَامِ عِنْدَهُ بِالْمَدِينَةِ حِينَ كَانَت دَارَ الْهِجْرَةِ، فَكَيْفَ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ؟
إذ كَانَ الَّذِي يَنْفَعُ النَّاسَ: طَاعَةُ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَأَمَّا مَا سوَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُهُم لَا قَرَابَة وَلَا مُجَاوَرَةٌ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ. الحواشي
(١) تأمل! فالصلاة والسلام عليه عند حجرته ليس بأفضل مما بعُد عن حجرتِه.(٢) أخرجه البخاري(٢٧٨٣) ، ومسلم(١٨٦٤) .стр. 2149
فَالْمَسَاجِدُ وَالْمَشَاعِرُ إنَّمَا يَنْفَعُ فَضْلُهَا لِمَن عَمِلَ فِيهَا بِطَاعَةِ اللهِ ، وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ الْبِقَاعِ لَا يَحْصُلُ بِهَا ثَوَابٌ وَلَا عِقَابٌ، وَإِنَّمَا الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ عَلَى الْأَعْمَالِ الْمَأْمُورِ بِهَا وَالْمَنْهِيِّ عَنْهَا، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَد آخَى بَيْنَ سَلْمَانَ الْفَارِسِيّ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَكَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ بِدِمَشْقَ وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ بِالْعِرَاقِ، فَكَتَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ إلَى سَلْمَانَ: هَلُمَّ إلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، فَكَتَبَ إلَيْهِ سَلْمَانُ: إنَّ الْأَرْضَ لَا تُقَدِّسُ أَحَدًا وَإِنَّمَا يُقَدِّسُ الرَّجُلَ عَمَلُهُ.
وَالْمُقَامُ بِالثُّغُورِ لِلْجِهَادِ أَفْضَلُ مِن سُكْنَى الْحَرَمَينِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.
وَلهَذَا كَانَ سُكْنَى الصَّحَابَةِ بِالْمَدِينَةِ أَفْضَلَ لِلْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ. [٢٧/ ٤٣٤ - ٤٣٥]
٢٩٦٥ - الْإِقَامَةُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ تَكُونُ الْأسْبَابُ فِيهِ أَطْوَعَ للهِ وَرَسُولِهِ وَأَفْعَلَ لِلْحَسَنَاتِ وَالْخَيْرِ، بِحَيْثُ يَكُونُ أَعْلَمَ بِذَلِكَ وَأَقْدَرَ عَلَيْهِ وَأَنْشَطَ لَهُ: أَفْضَلُ مِنَ الْإِقَامَةِ فِي مَوْضِعٍ يَكُونُ حَالُهُ فِيهِ فِي طَاعَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ دُونَ ذَلِكَ، هَذَا هُوَ الْأَصْلُ الْجَامِعُ.
وَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ الْأَصْلَ: فَهَذَا يَتَنَوَّعُ بِتَنَوُّعِ حَالِ الْإِنْسَانِ، فَقَد يَكُونُ مُقَامُ الرَّجُلِ فِي أرْضِ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ مِن أَنْوَاعِ الْبِدَع وَالْفُجُورِ أَفْضَلَ: إذَا كَانَ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللهِ بِيَدِهِ أَو لِسَانِهِ آمِرًا بِالْمَعْرُوفِ نَاهِيًا عَنِ الْمُنْكَرِ، بِحَيْثُ لَو انْتَقَلَ عَنْهَا إلَى أَرْضِ الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ لَقَلَّتْ حَسَنَاتُهُ، وَلَمْ يَكُن فِيهَا مُجَاهِدًا وَإِن كَانَ أَرْوَحَ قَلْبًا، وَكَذَلِكَ إذَا عَدِمَ الْخَيْرَ الَّذِي كَانَ يَفْعَلُهُ فِي أَمَاكِنِ الْفُجُورِ وَالْبِدَعِ.
وَلهَذَا كَانَ الْمُقَامُ فِي الثُّغُورِ بِنِيَّةِ الْمُرَابَطَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى أَفْضَلَ مِن الْمُجَاوَرَةِ بِالْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ؛ فَإِنَّ جِنْسَ الْجِهَادِ أَفْضَلُ مِن جِنْسِ الْحَجِّ.
وَهَكَذَا لَو كَانَ عَاجِزًا عَن الْهِجْرَةِ وَالِانْتِقَالِ إلَى الْمَكَانِ الْأَفْضَلِ الَّتِي لَو
стр. 2150
انْتَقَلَ إلَيْهَا لَكَانَت الطَّاعَةُ عَلَيْهِ أَهْوَنَ وَطَاعَةُ اللهِ وَرَسُولِهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاحِدَةٌ، لَكِنَّهَا هُنَاكَ أَشَقُّ عَلَيْهِ: فَإِنَّهُ إذَا اسْتَوَت الطَّاعَتَانِ فَأَشَقُّهُمَا أَفْضَلُهُمَا؛ وَبِهَذَا نَاظَرَ مُهَاجِرَةُ الْحَبَشَةِ الْمُقِيمُونَ بَيْنَ الْكُفَّارِ لِمَن زَعَمَ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُم فَقَالُوا: كُنَّا عِنْدَ الْبُغَضَاءِ الْبُعَدَاء، وَأَنْتُمْ عِنْدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، يُعلِّمُ جَاهِلَكمْ، ويُطْعِمُ جَائِعَكُمْ، وَذَلِكَ فِي ذَاتِ اللهِ.
وَأمَّا إذَا كَانَ دِينُهُ هُنَاكَ أَنْقَصَ: فَالِانْتِقَالُ أَفْضَلُ لَهُ، وَهَذَا حَالُ غَالِبِ الْخَلْقِ؛ فَإِنَّ أَكْثَرَهُم لَا ئدَافِعُونَ؛ بَل يَكُونُونَ عَلَى دِينِ الْجُمْهُورِ. [٢٧/ ٣٩ - ٤١]
* * *
стр. 2151
كتاب الزكاة
٢٩٦٦ - أَصْلُ "الزَّكَاةِ" الزِّيَادَةِ فِي الْخَيْرِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: زَكَا الزَّرْعُ وَزَكَا الْمَالُ إذَا نَمَا.
وَلَنْ يَنْمُوَ الْخَيْرُ إلَّا بِتَرْكِ الشَّرِّ، وَالزَّرْعُ لَا يَزْكُو حَتَّى يُزَالَ عَنْهُ الدَّغَلُ، فَكَذَلِكَ النَّفْسُ وَالأعْمَالُ لَا تَزْكُوَا حَتَّى يُزَالَ عَنْهَا مَا يُنَاقِضُهَا، وَلَا يَكُونُ الرَّجُلُ مُتَزَكِّيًا إلَّا مَعَ تَرْكِ الشَّرِّ، فَإِنَّهُ يُدَنِّسُ النَّفْسَ وَيُدَسِّيهَا.
وَلهَذَا كَانَ التَّوْحِيدُ وَالْإِيمَانُ أَعْظَمَ مَا تَزْكُو بِهِ النَّفْسُ، وَكَانَ الشِّرْكُ أَعْظَمَ مَا يُدَسِّيهَا وَتتزَكَّى بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَالصَّدَقَةِ، هَذَا كُلُّهُ مِمَّا ذَكَرَهُ السَّلَفُ.
قَالُوا فِي ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) ﴾ [الأعلى: ١٤] تَطَهَّرَ مِن الشِّرْكِ وَمِن الْمَعْصِيَةِ بِالتَّوْبَةِ.
وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [فصلت: ٦، ٧] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا يَشْهَدُونَ أَنْ لَا إلَهَ إلا اللهُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يُزَكُّونَ أَعْمَالَهُم؛ أَيْ: لَيْسَتْ زَاكِيَةً.
وَعَن الْحَسَنِ: لَا يُؤْمِنُونَ بِالزَّكَاةِ وَلَا يُقِرُّونَ بِهَا.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْآيَةَ تَتَنَاوَلُ كُلَّ مَا يَتَزَكَّى بِهِ الْإِنْسَانُ مِن التَّوْحِيدِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) ﴾ [النازعات: ١٨]، وَقَوْلُهُ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) ﴾ [الأعلى: ١٤]، وَالصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ لَمْ يمُنْ فُرِضَتْ عِنْدَ نُزولهَا.
فَإِنْ قِيلَ: يُؤْتَى فِعْلٌ مُتَعَدٍّ.
قِيلَ: هَذَا كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا﴾ [الأحزاب: ١٤]، وَتَقَدَّمَ قَبْلَهَا
стр. 2152
أَنَّ الرَّسُولَ دَعَاهُمْ، وَهُوَ طَلَبٌ مِنْهُ، فَكَانَ هَذَا اللَّفْظُ مُتَضَمِّنًا قِيَامَ الْحُجَّةِ عَلَيْهِم بِالرُّسُلِ، وَالرُّسُلُ إنَّمَا يَدْعُونَهُم لِمَا تَزْكُو بِهِ أَنْفُسُهُمْ. [١٠/ ٦٢٨ - ٦٣٤]
٢٩٦٧ - تجب الزكاة في جميع أجناس الأجرة المقبوضة، ولا يعتبر لها مضي حول، وهو رواية عن أحمد، ومنقول عن ابن عباس.
وعنه لا حول لأجرة اختاره شيخنا. [المستدرك ٣/ ١٥١]
٢٩٦٨ - تُفَسَّرُ الزَّكَاةُ تَارَةً بِالنَّمَاءِ وَالزِّيَادَةِ، وَتَارَةً بِالنَّظَافَةِ وَالْإِمَاطَةِ، وَالتَحْقِيقُ أَنَّ الزَّكَاةَ تَجْمَعُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ: إزَالَةِ الشَّرِّ وَزِيَادَةِ الْخَيْرِ. [١٦/ ١٩٨]
٢٩٦٩ - جَعَلَ -تعالى- دِينَهُ ثَلَاثَ دَرَجَاتٍ: إسْلَامٌ ثُمَّ إيمَانٌ ثُمَّ إحْسَانٌ، وَجَعَلَ الْإِسْلَامَ مَبْنِيًّا عَلَى أَرْكَانٍ خَمْسَةٍ، وَمِن آكَدِهَا الصَّلَاةُ، وَهِيَ خَمْسَةُ فُرُوضٍ، وَقَرَنَ مَعَهَا الزَّكَاةَ، فَمِن آكَدِ الْعِبَادَاتِ الصَّلَاةُ، وَتَلِيهَا الزَّكَاةُ، فَفِي الصَّلَاةِ عِبَادَتُهُ، وَفِي الزَّكَاةِ الْإِحْسَانُ إلَى خَلْقِهِ.
فَكَرَّرَ فَرْضَ الصَّلَاةِ فِي الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ آيَةٍ، وَلَمْ يَذْكُرْهَا إلَّا قَرَنَ مَعَهَا الزَّكَاةَ، مِن ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [المزمل: ٢٠]. [٢٥/ ٦]
٢٩٧٠ - أَفْهَمَ الشَّرْعُ أَنَّهَا [أي: الزكاة] شُرِعَتْ لِلْمُوَاسَاةِ، وَلَا تَكُونُ الْمُوَاسَاةُ إلَّا فِيمَا لَهُ مَالٌ مِنَ الْأَمْوَالِ، فَحَدَّ لَهُ أَنْصِبَةً وَوَضَعَهَا فِي الْأَمْوَالِ النَّامِيَةِ:
أ- فَمِن ذَلِكَ مَا يَنْمُو بِنَفْسِهِ؛ كَالْمَاشِيَةِ وَالْحَرْثِ.
ب- وَمَا يَنْمُو بِتَغَيُّر عَيْنِهِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ؛ كَالْعَيْنِ.
وَجَعَلَ الْمَالَ الْمَأْخُوذَ عَلَى حِسابِ التَّعَبِ:
- فَمَا وُجِدَ مِن أَمْوَالِ الْجَاهِلِيَّةِ هُوَ أَقَلُّهُ تَعَبًا فَفِيهِ الْخُمُسُ.
- ثُمَّ مَا فِيهِ التَّعَبُ مِن طَرَفٍ وَاحِدٍ فِيهِ نِصْفُ الْخُمُسِ وَهُوَ الْعُشْرُ فِيمَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ.
стр. 2153
- وَمَا فِيهِ التَّعَبُ مِن طَرَفَيْنِ فِيهِ رُبُعُ الْخُمُسِ وَهُوَ نِصْفُ الْعُشْرِ فِيمَا سُقِيَ بِالنَّضحِ.
- وَمَا فِيهِ التَّعَبُ فِي طُولِ السَّنَةِ كَالْعَيْنِ فَفِيهِ ثُمُنُ ذَلِكَ وَهُوَ رُبُعُ الْعُشْرِ. [٢٥/ ٨]
٢٩٧١ - الْحَوْلُ شَرْطٌ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْعَيْنِ وَالْمَاشِيَةِ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَبْعَثُ عُمَّالَة عَلَى الصَّدَقَةِ كُلَّ عَامٍ، وَعَمِلَ بِذَلِكَ الْخُلَفَاءُ فِي الْمَاشِيَةِ وَالْعَيْنِ.
فَمَن مَلَكَ نِصَابًا مِن الذَّهَبِ أَو الْوَرِقِ وَأَقَامَ فِي مِلْكِهِ حَوْلًا: وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ.
وَإِن مَلَكَ دُونَ النِّصَابِ ثُمَّ مَلَكَ مَا يُتِمُّ النِّصَابَ: بَنَى الْأَوَّلَ عَلَى حَوْلِ الثَّانِي؛ فَالِاعْتِبَارُ مِن يَوْمِ كَمُلَ النِّصَابُ (١) .
وَإِن مَلَكَ نِصَابًا ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ مَلَكَ نِصَابًا: بَنَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الحواشي
(١) مثال ذلك: إذا كان شخص عنده من الدراهم أقل من النصاب، وفي أثناء الحول مات له قريب، فورث منه خمسين ألفًا فيبتدئ الحول من وقت صلك الخمسين ألفًا؛ في الخمسين، وفي الدراهم السابقة، ولا يبتدئ الحول في الدراهم السابقة من حين ملكها، وفي الخمسين من حين ملكها؛ لأن الدراهم الأولى أقل من النصاب فليس فيها زكاة، لكن لما تم النصاب بإرث الخمسين ضممنا الأولى إلى الثانية، وصار الحول واحدًا من حين تمام النصاب بملك الخمسين.
مثال آخر: ملك في شهر محرم نصابًا، ثم ملك بالإرث في شهر جمادى الثانية أقل من النصاب مائة درهم ففيها زكاة -وإن كان أقل من النصاب- لأن عنده مالًا يبلغ النصاب، لكن حول المائة درهم يكون في جمادى الثانية، وليس في محرم؛ لأنها تضم إلى ما عنده في النصاب، لا في الحول. يُنظر: الشرح الممتع (٦/ ٢١ - ٢٢).
فائدة: قال ابن عثيمين ﵀: المستفاد بغير الربح كالرجل يرث مالًا، أو يوهب له، أو المرأة تملك الصداق، وما أشبه ذلك، فهذا لا يضم إلى ما عنده من المال في الحول؛ لأنه مستقل وليس فرعًا له، ولكنه يضم في تكميل النصاب.
مثاله: رجل عنده (١٠٠،٠٠٠) ريال، وفي أثناء الحول ورث من قريب له (٥٠،٠٠٠) ريال فنزكي الخمسين إذا تم حولها، ولا تضم إلى (١٠٠.٠٠٠) في الحول. الشرح الممتع (٦/ ٢١).стр. 2154
حَوْلِهِ، وَرِبْحُ الْمَالِ مَضْمُومٌ إلَى أَصْلِهِ يُزَكِّي الرِّبْحَ لِحَوْلِ الْأَصْلِ، وَإِذَا كَانَ الْأصْلُ نِصَابًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
وَإِن كَانَ الْأصْلُ دُونَ النِّصَاب فَتَمَّ عِنْدَ الْحَوْلِ نِصَابًا بِرِبْحِهِ: فَفِيهِ الزَّكَاةُ عِنْدَ مَالِكٌ ﵀.
وَإِن كَانَ مَعَهُ عَرَضٌ لِلتِّجَارَةِ ثُمَّ مَلَكَ مَا يُكْمِلُ النِّصَابَ: فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ. [٢٥/ ١٤ - ١٥]
٢٩٧٢ - لَا بُدَّ فِي الزَّكَاةِ مِنَ الْمِلْكِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْيَدِ، فَلَهُم فِي زَكَاةِ مَا لَيْسَ فِي الْيَدِ كَالدَّيْنِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهَا تَجِبُ فِي كُلِّ دَيْنٍ وَكُلِّ عَيْنٍ وَإِن لَمْ تَكُنْ تَحْتَ يَدِ صَاحِبِهَا كَالْمَغْصُوبِ وَالضَّالِّ، وَالدَّيْنِ الْمَجْحُودِ وَعَلَى مُعْسِرٍ أَو مُمَاطِلٍ، وَأَنَّهُ يَجِبُ تَعْجِيلُ الْإِخْرَاجِ مِمَّا يُمْكِنُ قَبْضُهُ كَالدَّيْنِ عَلَى الْمُوسِرِ، وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ أَقْوَاهُمَا (١) . [٢٥/ ٤٥ - ٤٦]
٢٩٧٣ - لِلنَّاسِ فِي إخْرَاجِ الْقِيَمِ فِي الزَّكَاةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يُجْزِئُ بِكُلِّ حَالٍ، كَمَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَالثَّانِي: لَا يُجْزِئُ بِحَالٍ، كَمَا قَالَة الشَّافِعِيِّ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ إلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ مِثْلُ مَن تَجِبُ عَلَيْهِ شَاةٌ فِي الْإِبِلِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَمِثْلُ مَن يَبِيعُ عِنبهُ وَرُطَبَهُ قَبْلَ الْيُبْسِ .. وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَن أَحْمَد صَرِيحًا.
وَهَذَا الْقَوْلُ أَعْدَلُ الْأقْوَالِ كَمَا ذَكَرْنَا مِثْلَهُ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّ الْأَدِلَّةَ الْمُوجِبَةَ لِلَعِينِ نَصًّا وَقِيَاسًا: كَسَائِرِ أَدِلَّةِ الْوُجُوبِ. الحواشي
(١) وسيأتي ما جاء في الاختيارات(٩٨) ، والفروع (٢/ ٢٥١): أن الشيخ لا يرى وجوب الزكاة في دينٍ مؤجَّل، أو على معسر، أو مماطل.
وعلى هذا؛ فقد يكون له في المسألة قولان.стр. 2155
وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَصْلَحَةَ وُجُوبِ الْعَيْنِ قَد يُعَارِضُهَا أَحْيَانًا فِي الْقِيمَةِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ، وَفِي الْعَيْنِ مِنَ الْمَشَقَّةِ الْمَنْفِيَّةِ شَرْعًا. [٢٥/ ٤٦]
٢٩٧٤ - لا يصح أن يشترط ربُّ المال زكاة رأس المال أو بعضه من الربح؛ لأنه قد يحيط بالربح، فهو كشرط فضل دراهم، ساله المروذي: يشترط المضارب على رب المال أن الزكاة من الربح؟ قال: لا، الزكاة على رب المال، وصححه شيخنا، كما يختص بنفعه في المساقاة إذا لم يثمر الشجر (١) ، وركوب الفرس في الجهاد إذا لم يغنموا (٢) .
ويصح أن يشترط رب المال زكاة رأس المال أو بعضه من الربح، ولا يقال بعدم الصحة ونقله المروذي عن أحمد لأن الزكاة قد تحيط بالربح فيختص رب المال بعمله؛ لأنا نقول: لا يمتنع ذلك، كما يختص بنفعه في المساقاة إذا لم يثمر الشجر وبركوب الفرس في الجهاد إذا لم يغنموا (٣) . [المستدرك ٣/ ١٥١]
٢٩٧٥ - لا تجب (٤) في دينٍ مؤجَّل (٥) ، أو على معسر، أو مماطل، أو الحواشي
(١) وفي نسخة: إذا لم يثمر عن ربح الشجر. (الجامع).(٢) الفروع (٢/ ٣٣٨).(٣) الاختيارات(٩٨) .
قال الجامع: هذا خلاف ما في الفروع، ولعل ما فيه أصح.(٤) يعني: الزكاة.(٥) كما لو اقترض رجل مالًا يحل بعد سنتين، فإنه لا زكاة على الدائن حتى يقبضه.
وهذا ظاهر في أن الشيخ لا يرى وجوب الزكاة في الدين المؤجل مطلقًا، وهو ما ذهب إليه ابن حزم رحمه الله تعالى حيث قال: وَمَن كَانَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ دَيْنٌ فَسَوَاءٌ: كَانَ حَالًا أو مُؤَجَّلًا عِنْدَ مَلِيءٍ مُقِرٍّ يُمْكِنُهُ قَبْضُهُ أو مُنْكِرٍ، أو عِنْدَ عَدِيمٍ مُقِرٍّ أَو مُنْكرٍ كُلُّ ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَلَا زَكَاةَ فِيهِ عَلَى صَاحِبهِ، وَلَو أقَامَ عَنْهُ سِنِينَ حَتَّى يَقْبِضَهُ فَإِذَا قبَضَهُ اسْتَأْنَفَ حَوْلًا كسَائِرِ الفَوَائِدِ.
إلى أن قالَ: إنَّمَا لِصَاحِبِ الدَّيْن عِنْدَ غَرِيمِهِ عَدَدٌ فِي الذِّمَّةِ وَصِفَةٌ فَقَطْ، وَلَيْسَ لَهُ عِنْدَهُ عَيْنُ مَالٍ أصْلًا، وَلَعَلَّ الْفِضَّةَ أو الذَّهَبَ اللَّذَيْنِ لَهُ عِنْدَهُ فِي الْمَعْدِنِ بَعْدُ، وَالْفِضَّةُ تُرَابٌ بَعْدُ، وَلَعَلَّ الْمَوَاشِيَ الَّتِي لَهُ عَلَيْهِ لَمْ تخْلَقْ بَعْدُ، فَكَيْفَ تَلْزَمُهُ زَكَاةُ مَا هَذِهِ صِفَتُهُ فَصَحَّ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ. اهـ. المحلى (٦/ ١٠٣ - ١٠٥).
واختاره مِن المعاصرين: الشيخ الدكتور خالد المصلح حفظه الله، وهو الذي يترجح لي؛ بناء على البراءة الأصلية. والله تعالى أعلم.стр. 2156
جاحد، ومغصوب، ومسروق، وضال، وما دفنه ونسيه، أو جهل عند من هو، ولو حصل في يده، وهو رواية عن أحمد، واختارها وصححها طائفة من أصحابه، وهو قول أبي حنيفة (١) . [المستدرك ٣/ ١٥٢]
٢٩٧٦ - دين الابن الذي له على أبيه، قال أبو العباس: الأشبه عندي أن يكون بمنزلة المال الضال، فيُخَرَّج على الروايتين، ووجهه ظاهر؛ فإن الابن غير مُمَكَّنٍ مِن المطالبةِ به فقد حيل بينه وبينه، ولو قيل: لا تلزمه زكاته بمنزلة دين الكتابة لكان متوجهًا. [المستدرك ٣/ ١٥٢]
٢٩٧٧ - إذا فرط الإنسان ولم يخرج الزكاة حتى مات: فعلى الورثة الإخراج عند أحمد والشافعي، وكذلك كل حق لله.
وعند غيرهما: لا يجب على الورثة، مع أنه يعذب بِتَرْكِه الزكاة. [المستدرك ٣/ ١٥٢]
٢٩٧٨ - إذا مات الميت وله غرماء مَدْيُونون لم يَستوف مما عليهم شيئًا: فهل مطالبتهم للميت أو للورثة؟ (٢) اضطرب فيها الناس.
والصواب:
أ- إن كان الحق مظالم لم يتمكن هو ولا ورثته من استيفائها من قول أو قذف أو غصب: فهو المطالِب.
ب- وإن كان دينًا ثبت باختياره وتمكن من استيفائه فلم يستوفه حتى مات: فورثته تطالِب به إلى يوم القيامة.
ج- وإن كان دينًا عجز عن استيفائه هو وورثته: فالأشبه أنه هو (٣) الذي يطالِب به؛ فإنَّ العجز إذا كان ثابتًا فيه وفي الوارث ولم يتمكن أحدهما من الحواشي
(١) الاختيارات(٩٨) ، الفروع (٢/ ٢٥١).(٢) يوم القيامة.(٣) أي: الميت.стр. 2157
الانتفاع بذلك في الدنيا لم يدخل في الميراث، فيكون المستحق أحق بحقه في الآخرة، كما في المظالم، والإرث مشروط بالتمكن من الاستيفاء كما أنه مشروط بالعلم بالوارث.
فلو مات وله عصبة بعيدة لا يعرف نسبهم لم يرثوه في الدنيا ولا في الآخرة، وهذا عام في جميع الحقوق التي لله ولعباده هي مشروطة بالتمكن من العلم والقدرة، والمجهول والمعجوز عنه كالمعدوم.
ولهذا قال العلماء: إن ما يجهل مالكه من الأموال التي قبضت بغير حق؛ كالمكوس أو قبضت بحق كالوديعة والعارية وجهل صاحبها بحيث تعذر ردها عليه فإنها تصرف في مصالح المسلمين، وتكون حلالًا لمن أخذها بحق؛ كأهل الحاجة والاستعانة بها على مصالح المسلمين، دون من أخذها بباطل، كمن يأخذ فوق حقه.
ثم المظلوم إذا طالب بها يوم القيامة وعليه زكاة فلا تقوم هذه بالزكاة بل عقوبة الزكاة أعظم من حسنة المظالم، والوعيد بترك الزكاة عظيم، ولكن الذي ورد أن الفرائض تجبر بالنوافل، فهذا إذا تصدق باختياره صدقة تطوع، ولا يكون شيئًا خرج بغير اختياره فإنه يرجى له أن يحاسب بما تركه من الزكاة إذا كان من أهلها العازمين على فعلها.
و"أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة فإن أكملها وإلا قيل: انظروا إن كان لعبدي تطوع فيكمل بها فريضته ثم الزكاة كذلك، ثم تؤخذ الأعمال على حساب ذلك" (١) ، روى ذلك أحمد في"المسند".
هذا لأن التطوع من جنس الفريضة فأمكن الجبران به عند التعذر، كما قال الصديق ﵁: إن الله لا يقبل نافلة حتى تؤدى فريضة.
فيكون من رحمة الله به أن يجعل النفل مثل الفرض، بمنزلة من أحرم الحواشي
(١) رواه ابن ماجه(١٤٢٥) ، وأحمد(٩٤٩٤) ، وصحَّحه الألباني في صحيح ابن ماجه.стр. 2158
بالحج تطوعًا وعليه فرضه فإنه يقع عن فرضه عند طائفة؛ كالشافعي وأحمد في المشهور.
وكذلك في رمضان عند أبي حنيفة وهو قول في مذهب أحمد (١) .
وكذلك من شك: هل وجب عليه غسل أو وضوء بحدث أم لا؟ فإنه لا يجب عليه غسل.
وكذلك الوضوء عند جمهور العلماء، لكن يستحب له التطهر احتياطًا.
وإذا فعل ذلك وكان واجبًا عليه في نفس الأمر أجزأ عنه ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. [المستدرك ٣/ ١٥٢ - ١٥٤]
* * *
(باب زكاة بهيمة الأنعام)
٢٩٧٩ - من أنكر زكاة السائمة وجبت استتابته. [المستدرك ٣/ ١٥٥]
٢٩٨٠ - قال ابن عقيل: لا يجوز إخصاء البهائم ولا كيِّها بالنار للوسم.
وقال في موضع آخر: إن ذلك وخزمها في الأنف لقصد المثلة إثم، وإن كان ذلك لغرض صحيح جاز، وأما فعل ذلك بالآدميين فيحصل به الفسق.
وذكر الشيخ تقي الدين كلام ابن عقيل الأول، وقال: فعلى قوله: لا يجوز وسمها، قال: وهو ضعيف. [المستدرك ٣/ ١٥٥]
٢٩٨١ - الْخُلَطَاءُ فِي الْمَاشِيَةِ: وَهوَ إذَا كَانَ مَالُ كُلٍّ مِنْهُمَا مُتَمَيِّزًا عَنِ الآْخَرِ، فَإِنْ لَمْ يَتَمَيَّزْ فَهُمَا شَرِيكَانِ، وَإِذَا كَانَا خَلِيطَيْنِ زَكَّيَا زَكَاةَ الْمَالِ الْوَاحِدِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَرْبَعُونَ فَعَلَيْهِمَا فِي الْخلْطَةِ شَاةٌ وَاحِدَةٌ وَيتَرَادَّانِ قِيمَتَهَا. [٢٥/ ٣٨]
* * * الحواشي
(١) وهو الذي رجحه الله كما في (٢٥/ ١٠٢).стр. 2159
(باب زكاة الحبوب والثمار)
٢٩٨٢ - الْعِنَبُ الَّذِي لَا يَصِيرُ زَبِيبًا: إِذَا أَخْرَجَ عَنْهُ زَبِيبًا بِقَدْرِ عُشْرِهِ لَو كَانَ يَصِيرُ زَبِيبًا جَازَ وَهُوَ أَفْضَلُ، وَأَجْزَأَهُ ذَلِكَ بِلَا ريبٍ.
وَلَا يَتَعَيَّن عَلَى صَاحِبِ الْمَالِ الْإِخْرَاجُ مِن عَيْنِ الْمَالِ لَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَلَا غَيْرِهَا؛ بَل مَن كَانَ مَعَهُ ذَهَبٌ أَو فِضَّةٌ أَو عَرَضُ تِجَارَةٍ أَو لَهُ حَبٌّ أَو ثَمَرٌ يَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ أَو مَاشِيَةٌ تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ وَأَخْرَجَ مِقْدَارَ الْوَاجِبِ الْمَنْصُوصِ مِن غَيْرِ ذَلِكَ الْمَالِ: أَجْزَأَهُ، فَكَيْفَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ.
وَإِن أَخْرَجَ الْعُشْرَ عِنَبًا؟ فَفِيهِ قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُجْزئُهُ.
وَالثَّانِي: يُجْزِئُهُ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ أَظْهَرُ.
وَأَمَّا الْعِنَبُ الَّذِي يَصِيرُ زَبِيبًا لَكِنَّهُ قَطَعَهُ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ زَبِيبًا: فَهُنَا يُخْرِجُ زَبِيبًا بِلَا رَيْبٍ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَبْعَثُ سُعَاتِهِ فَيَخْرُصُونَ النَّخْلَ وَالْكَرْمَ ويُطَالِبُ أَهْلَهُ بِمِقْدَارِ الزَّكَاةِ يَابِسًا، وَإِن كَانَ أَهْلُ الثِّمَارِ يَأْكُلُونَ كَثِيرًا مِنْهَا رُطَبًا.
وَيَأْمُرُ النَّبِيُّ ﷺ الْخَارِصِينَ أَنْ يَدَعُوا لِأَهْلِ الْأَمْوَالِ الثُّلُثَ أَو الرُّبُعَ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ عُشْرٌ وَيَقُولُ: "إذَا خَرَصْتُمْ فَدَعُوا الثُّلُثَ فَإِنْ لَمْ تَدَعُوا الثُّلُثَ فَدَعُوا الرُبُعَ" (١) . الحواشي
(١) رواه الإمام أحمد(١٥٧١٣) ، وأبو داود(١٦٠٥) ، والترمذي(٦٤٣) ، والنسائي(٢٤٩١) ، من حديث سَهْل بْن أبِي حَثْمَةَ، وصحَّحه محققو المسند، وضعَّفه الألباني.
قال الترمذي: وَالعَمَلُ عَلَى حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أبِي حَثْمَةَ عِنْدَ أكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ فِي الخَرْصِ، وَبحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، يَقُولُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.
وَالخَرْصُ إِذَا أَدْرَكَتِ الثِّمَارُ مِنَ الرُّطَبِ وَالعِنَبِ مِمَّا فِيهِ الزَّكَاةُ بَعَثَ السُّلْطَانُ خَارِصًا يَخْرُصُ عَلَيْهِمْ، وَالخَرْصُ: أَنْ يَنْظُرَ مَن يُبْصِرُ ذَلِكَ فَيَقُولُ: يَخْرُجُ مِن هَذَا الزَّبِيبِ كَذَا، وَكَذَا،=стр. 2160
وَفِي رِوَايَةٍ: "فَإِنَّ فِي الْمَالِ الْعَرِيَّةَ والوطية وَالسَّابِلَةَ"؛ يَعْنِي: أَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ يَتَبَرَّعُ بِمَا يُعَرِّيهِ مِنَ النَّخْلِ لِمَن يَأُكلُهُ وَعَلَيْهِ ضَيْفٌ يَطَئُونَ حَدِيقَتَهُ يُطْعِمُهُم وَيُطْعِمُ السَّابِلَةَ وَهُم أَبْنَاءُ السَّبِيلِ، وَهَذَا الْإِسْقَاطُ مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ مِن فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ (١) .
نَعَمْ، لَو بَاعَ عِنَبَهُ أَو رُطَبَهُ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ فَقَد نَصَّ أَحْمَد فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عَلَى أَّنَّهُ يُجْزِئُهُ إخْرَاجُ عُشْرِ الثَّمَنِ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إخْرَاج عِنَبٍ أَو زَبِيبٍ، فَإِنَّ فِي إخْرَاجِ الْقِيمَةِ نِزَاعًا فِي مَذْهَبِهِ، وَنُصُوصُهُ الْكَثِيرَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْحَاجَةِ، وَلَا يَجُوزُ بِدُونِ الْحَاجَةِ. [٢٥/ ٥٦ - ٥٧]
٢٩٨٣ - الزَّكَاةُ فِي الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ: مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ وَهُوَ أَنَّ الْمُزَارَعَةَ وَالْمُسَاقَاةَ: هَل هِيَ جَائِزَةٌ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: قَوْلُ مَن قَالَ: إنَّهَا لَا تَجُوزُ وَاعْتَقَدُوا أَنَّهَا نَوْعٌ مِنَ الْإِجَارَةِ بِعِوَضٍ مَجْهُولٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: قَولُ مَن يُجَوِّزُ الْمُسَاقَاةَ وَالْمُزَارَعَةَ وَيَقُولُ: إنَّ هَذِهِ مُشَارَكَةٌ، وَهِيَ جِنْسٌ غَيْرُ جِنْسِ الْإِجَارَةِ الَّتِي يُشْتَرَطُ فِيهَا قَدْرُ النَّفْعِ وَالْأُجْرَةِ، فَإنَّ الْعَمَلَ فِي هَذِهِ الْعُقُودِ لَيْسَ بِمَقْصُود بَلِ الْمَقْصُودُ هُوَ الثَّمَرُ الَّذِي يَشْتَرِكَانِ فِيهِ، وَلَكِنَّ هَذَا شَارَكَ بِنَفْعِ مَالِهِ وَهَذَا بِنَفْعِ بَدَنِهِ وَهَكَذَا الْمُضَارَبَةُ.
فَعَلَى هَذَا: فَإِذَا افْتَرَقَ أَصْحَابُ هَذِهِ الْعُقُودِ وَجَبَ لِلْعَامِلِ قِسْطُ مِثْلِهِ مِنَ الحواشي
(١) قال العلَّامة ابن عثيمين ﵀: هل المراد منه إسقاط الزكاة في هذا القدر من الثمر، أو المراد أن يجعل الثلث من الزكاة للمالك يتصرف فيه؟
الصحيح: أن هذا ليس من باب الإسقاط، بل جُعل التصرف فيه للمالك؛ لأنه قد يكون للمالك أقارب وأصحاب، وما أشبه ذلك يعطيهم من الزكاة، ويدل على أن هذا هو القول الراجح، عموم قول النبي ﷺ : "فيما سقت السماء العشر". الشرح الممتع (٦/ ٩٠ - ٩١).стр. 2161
الرِّبْحِ: إمَّا ثُلُثُ الرّبْحِ وَإمَّا نِصْفُهُ، وَلَمْ تَجِبْ أُجْرَةُ الْمِثْل لِلْعَامِلِ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ وَعَلَيْهِ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ.
وَالْقَوْلُ بِجَوَازِ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ: قَوْلُ جُمْهُورِ السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ.
وَالصَّوَابُ أَنَّ الْمُزَارَعَةَ أَحَلُّ مِنَ الْإِجَارَةِ بِثَمَنٍ مُسَمَّى؛ لأنَّهَا أَقْرَبُ إلَى الْعَدْلِ وَأَبْعَدُ عَنِ الْخَطَرِ .. فَإِنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي الْمَغْنَمِ وَفِي الْحِرْمَانِ كَمَا فِي الْمُضَارَبَةِ، فَإِنْ حَصَلَ شَيْءٌ اشْتَرَكَا فِيهِ وَإِن لَمْ يَحْصُلْ شَيْءٌ اشْتَرَكَا فِي الْحِرْمَانِ، وَكَانَ ذَهَابُ نَفْعِ مَالِ هَذَا فِي مُقَابَلَةِ ذَهَابِ نَفْعِ بَدَنِ هَذَا.
وَلهَذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُشْتَرَطَ لِأَحَدِهِمَا شَيْءٌ مُقَدَّرٌ مِنَ النَّمَاءِ لَا فِي الْمُضَارَبَةِ وَلَا فِي الْمُسَاقَاةِ وَلَا فِي الْمُزَارَعَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلْعَدْلِ، إذ قَد يَحْصُلُ لِأَحَدِهِمَا شَيْءٌ وَالْآخَرُ لَا يَحْصُلُ لَهُ شَيْءٌ.
وَهَذَا هُوَ الَّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي رُوِيَ فِيهَا "أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْمُخَابَرَةِ" أَو "عَن كِرَاءِ الْأَرْضِ" أَو "عَنِ الْمُزَارَعَةِ"؛ كَحَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَغَيْرِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ قَد جَاءَ مُفَسَّرًا بِأَنَّهُم كَانُوا يَعْمَلُونَ عَلَيْهَا بِزَرْعِ بُقْعَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ الْأَرْضِ لِلْمَالِك.
فَأَمَّا الْمُزَارَعَةُ فَجَائِزَةٌ بِلَا ريبٍ سَوَاءٌ كَانَ الْبَذْرُ مِنَ الْمَالِكِ أَو الْعَامِلِ أَو مِنْهُمَا، وَسَوَاءٌ كَانَ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ أَو الْمُزَارَعَةِ أَو غَيْرِ ذَلِكَ، هَذَا أَصَحُّ الْأَقْوَالِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا كَانَ مِن هَذَا الْجِنْسِ مِثْلُ أَنْ يَدْفَعَ دَابَّتَهُ أَو سَفِينَتَهُ إلَى مَن يَكْتَسِبُ عَلَيْهَا وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا، أَو مَن يَدْفَعُ مَاشِيَتَهُ أَو نَخْلَهُ لِمَن يَقُومُ عَلَيْهَا وَالصُّوفُ وَاللَّبَنُ وَالْوَلَدُ وَالْعَسَلُ بَيْنَهُمَا.
فَإِذَا عُرِفَ هَذَانِ الْقَوْلَانِ فِي الْمُزَارَعَةِ فَمَن قَالَ مِنَ الْعُلَمَاءِ: إنَّ الْمُزَارَعَةَ بَاطِلَةٌ قَالَ: الزَّرْعُ كُلُّهُ لِرَبِّ الْأَرْضِ إذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْهُ، أَو لِلْعَامِلِ إذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْهُ.
стр. 2162
وَمَن قَالَ: لَهُ الزَّرْعُ كَانَ عَلَيْهِ الْعُشْرُ.
وَأَمَّا مَن قَالَ: إنَّ رَبَّ الْأرْضِ يَسْتَحِقُّ جُزْءًا مُشَاعًا مِنَ الزّرْعِ فَإِنَ عَلَيْهِ عُشْرَهُ بِاتِّفَاقِ الْأئِمَّةِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: إنَّ رَبَّ الْأَرْضِ يُقَاسِمُ الْعَامِلَ وَيكُونُ الْعُشْرُ كُلُّهُ عَلَى الْعَامِلِ، فَمَن قَالَ هَذَا فَقَد خَالَفَ إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ. [٢٥/ ٥٩ - ٦٣]
٢٩٨٤ - يُضَمُّ الْقَمْحُ وَالشَّعِيرُ وَالسَّلْتُ فِي الزَّكَاةِ (١) ، وَتُضَمُّ القطافي بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ، ويُضَمُّ زَرْعُ الْعَامِ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ، وَلَو كَانَ بَعْضُهُ صَيْفِيًّا وَبَعْضُهُ شَتْوِيًّا (٢) ، وَكَذَلِكَ الثَّمَرَةُ وَلَو كَانَ فِي بُلْدَانٍ شَتَّى إذَا كَانَ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ.
وَأمَّا الشرَكَاءُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي حِصَّهِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُم نِصَابٌ. [٢٥/ ٢٣]
٢٩٨٥ - مَن بَاعَ ثَمَرَةً أَو وَهَبَهَا أو مَاتَ عَنْهَا بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا فَالزَّكَاةُ عَلَيْهِ، وَإِن كَانَ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا فَالزَّكَاةُ عَلَى الْمُشْتَرِي وَالْمَوْهُوبِ لَهُ وَالْوَارِثِ، إنْ كَانَ فِي حِصَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ نِصَابٌ.
وُيخْرَصُ النَّخْلُ وَالْكَرْمُ عَلَى أَرْبَابِهِ، وَيُخَلَّى بَيْنَهُم وَبَيْنَهُ، فَإِنْ شَاؤُوا أَكلُوا وَإِن شَاؤُوا بَاعُوا. [٢٥/ ٢٤]
٢٩٨٦ - نص أبو العباس على وجوب الزكاة في التين للادخار، وإنما اعتبر الكيل والوزن في الروايات لأجل التماثل المعتبر فيها وهو غير موجود ههنا. [المستدرك ٣/ ١٥٥] الحواشي
(١) الذي يظهر أن الأنواع تضم بعضها إلى بعض، كالسكري يضم إلى البرحي، وهكذا.
ولا يضم جنسٌ إلى آخر، قال ابن عثيمين ﵀: والدليل على أنه يضم الأنواع بعضها إلى بعض دون الجنس، أن النبي ﷺ أوجب الزكاة في الثمر مطلقًا، ومعلوم أن التمر يشمل أنواعًا؛ ولم يأمر بتمييز كل نوع عن الآخر، فلو كان عنده مزرعة نصفها شعير، ونصفها بر، وكل واحد نصف النصاب، فإنه لا يضم بعضه إلى بعض؛ لاختلاف الجنس، كما لا تضم البقر إلى الإبل أو الغنم؛ لأن الجنس مختلف. الشرح الممتع (٦/ ٧٤).(٢) أي: لو كان عند إنسان بستان بعضه يُجنى مبكرًا، والبعض الآخر يتأخر، فإننا نضم بعضه إلى بعض إلى أن يكتمل النصاب، فإذا كان الأول نصف نصاب، والثاني نصف نصاب، وجبت الزكاة. الشرح الممتع (٦/ ٧٢ - ٧٣).стр. 2163
٢٩٨٧ - ما يديره الماء من النواعير (١) ونحوها مما يُصنع من العام إلى العام أو أثناء العام ولا يحتاج إلى دولاب تديره الدواب يجب فيه العشر؛ لأن مؤنته خفيفة فهي كحرث الأرض وإصلاح [طُرُقِ] الماء (٢) . [المستدرك ٣/ ١٥٦]
٢٩٨٨ - تسقط الزكاة فيما خرج من مؤنة الزرع والثمر منه، وهو قول عطاء بن أبي رباح؛ لأن الشارع أسقط في الخرص زكاة الثلث أو الربع لأجل ما يخرج من الثمرة بالإعراء والضيافة وإطعام ابن السبيل، وهو تبرع فيما يخرج عنه لمصلحته التي لا تحصل إلا بها أولى بإسقاط الزكاة عنه. [المستدرك ٣/ ١٥٦]
٢٩٨٩ - مذهب سائر الأئمة أنه لا بد في الأرض من عشر أو خراج وهل يجتمعان؟ قال أبو حنيفة: لا. [المستدرك ٣/ ١٥١]
٢٩٩٠ - كلام أبي العباس في اقتضاء الصراط المستقيم، يعطي أن أهل الذمة منعوا من شراء الأرض العشرية، ولا يصح البيع، وجزم الأصحاب بالصحة. [المستدرك ٣/ ١٥٦ - ١٥٧]
٢٩٩١ - وَأَمَّا "الْعُشْرُ": فَهُوَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ؛ كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمْ عَلَى مَن نَبَتَ الزَّرْعُ عَلَى مِلْكِهِ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
فَالْأَوَّلُ: يَتَضَمَّنُ زَكَاةَ التِّجَارَةِ.
وَالثَّانِي: يَتَضَمَّنُ زَكَاةَ مَا أَخْرَجَ اللهُ لنَا مِنَ الْأَرْضِ.
فَمَن أَخْرَجَ اللهُ لَهُ الْحَبَّ فَعَلَيْهِ الْعُشْرُ، فَإِذَا اسْتَأْجَرَ أَرضًا لِيَزْرَعَهَا فَالْعُشْرُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ عِنْدَ هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءِ كُلِّهِمْ. الحواشي
(١) مفردها: ناعورة، وهي دولاب ذو دِلاء أو نحوِها يدور بدفع الماء أو جرّ الماشية، فيخرج الماءُ من البئر أو النَّهر إلى الحقل. يُنظر: معجم اللغة العربية المعاصرة: رقم(٥١٦٣) مادة: (ن ع ر)، ومختار الصحاح مادة: (ن ع ر).(٢) اختيارات(١٠١) ، وما بين المعقوفتين من الإنصاف (٣/ ١٠٠).стр. 2164
وَأَصْلُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ: أَنَّ الْعُشْرَ حَقُّ الزَّرْع، وَلهَذَا كَانَ عِنْدَهُم يَجْتَمِعُ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ؛ لِأنَّ الْعُشْرَ حَقُّ الزَّرْعِ وَمُسْتَحِقُّهُ أَهْلُ الزَّكَاةِ، وَالْخَرَاجُ حَقُّ الْأَرْضِ وَمُسْتَحِقُّهُ أَهْلُ الْفَيءِ فَهُمَا حَقَّانِ لِمُسْتَحِقَّيْنِ بسَبَبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَاجْتَمَعَا، كَمَا لَو قَتَلَ مُسْلِمًا خَطَأً فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ لِأَهْلِهِ وَالْكَفَّارَة حَقّ للهِ. [٢٥/ ٥٤ - ٥٥]
٢٩٩٢ - على كل من أنبت الله له زرعًا العشر، سواء كان بأرض مصر أو كيرها، من مالك، ومستأجر، ومقطع، ومستعير.
وكذلك التمر والزبيب ونحوه مما تجب فيه الزكاة، فلا تخلى الأرض من عشر، أو خراج باتفاق المسلمين.
ولكن اختلفوا هل يجتمع العشر والخراج الذي هو خراج الإسلام؟
فقال أبو حنيفة: لا، وقال الباقون: نعم. [المستدرك ٣/ ٢٢٨]
* * *
(باب زكاة النقدين)
٢٩٩٣ - ما سماه الناس درهمًا وتعاملوا به تكون أحكامه أحكام الدرهم من وجوب الزكاة فيما بلغ مائتين منه، والقطع بسرقة ثلاثة دراهم منه، إلى غير ذلك من الأحكام قل ما فيه من الفضة أو كثر، وكذلك ما سمي دينارًا (١) .
أما الفلوس فلا يجوز إخراجها عن النقدين على الصحيح؛ لأنها ولو كانت نافقة فليست في المعاملة كالدراهم، في العادة؛ لأنها قد تكسد وتحرم الحواشي
(١) وقال ﵀ في كتابه الرد على المنطقيين (ص ٢٧): وقد تنازع علماء المسلمين في مسمى الدرهم والدينار هل هو مقدر بالشرع أو المرجع فيه إلى العرف؟ على قولين أصحهما الثاني، وعلى ذلك يُبْنَى النصاب الشرعي: هل هو مائتا درهم بوزن معين، أو مائتا درهم مما يتعامل بها الناس، واعتبار تقررها؟ ا. هـ.
قال العلَّامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى في تعليقه على الاختيارات (ص ١٥٢): فعلى هذا: إذا لم يكن عند الواحد في البلاد السعودية مائتا ريال سعودي: فلا زكاة عليه على رأي الشيخ تقيّ الدين رحمه الله تعالى.стр. 2165
المعاملة بها ولأنها أنقص سعرًا، ولهذا يكون البيع بالفلوس، دون البيع بقيمتها من الدراهم، وغايتها أن تكون بمنزلة المكسرة مع الصحاح والبهرجة مع الخالصة فإن تلك إلى النحاس أقرب. [المستدرك ٣/ ١٥٧ - ١٥٨]
وعلى هذا: إذا أخرج الفلوس وأخرج التفاوت جاز على المنصوص في جواز إخراج التفاوت فيما بين الصحيح والمكسر؛ بناء على أن جبران الصفات كجبران المقدار.
٢٩٩٤ - الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ لَا تُقْصَدُ لِنَفْسِهَا؛ بَل هِيَ وَسِيلَةٌ إلَى التعامل بِهَا، وَلهَذَا كَانَت أثْمَانًا، بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَمْوَالِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ الِانْتِفَاعُ بِهَا نَفْسِهَا؛ فَلِهَذَا كَانَت مُقَدَّرَةً بِالْأُمُورِ الطَّبْعِيَّةِ أَو الشَّرْعِيَّةِ.
وَالْوَسِيلَةُ الْمَحْضَةُ الَّتِي لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا غَرَضٌ لَا بِمَادَّتِهَا وَلَا بِصُورَتِهَا يَحْصُلُ بِهَا الْمَقْصُودُ كَيْفَمَا كَانَتْ. [١٩/ ٢٥١ - ٢٥٢]
٢٩٩٥ - نِصَابُ الْوَرِقِ الَّتِي تَجِبُ زَكَاتُهُ: مِائَتَا دِرْهَمٍ عَلَى مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُهُ: "خَمْسُ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ" (١) ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا "نِصَابُ الذَّهَبِ" فَقَد قَالَ مَالِكٌ فِي "الْمُوَطَّأِ": السُّنَّةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا عِنْدَنَا: أَنَّ الزكَاةَ تَجِبُ فِي عِشْرِينَ دِينَارًا كَمَا تَجِبُ فِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ.
فَقَد حَكَى مَالِكٌ إجْمَاعَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
وَمَا دُونَ الْعِشْرِينَ: فَإِنْ لَمْ تَكُنْ قِيمَتُهُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ بِالْإِجْمَاعِ.
وَإِن كَانَ أَقَلَّ مِن عِشْرِينَ وَقِيمَتُهُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ: فَفِيهِ الزَّكَاةُ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ. الحواشي
(١) رواه البخاري(١٤٥٩) ، ومسلم(٩٨٠) .стр. 2166
وَدَلَّ الْقُرْآنُ وَالْحَدِيثُ عَلَى إيجَابِ الزكَاةِ فِي الذَّهَبِ كَمَا وَجَبَتْ فِي الْفِضَّةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ [التوبة: ٣٤].
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا مِن صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا زَكاتَهَا" (١) الْحَدِيثَ. [٢٥/ ١٢ - ١٣]
٢٩٩٦ - أما كتابة "لا إله إلا الله" على الدراهم فمحدث من خلافة عبد الملك بن مروان -وإلى الآن- وكانوا يكتبون عليها نحوًا من ذلك.
ويجوز للمحدث مسكها، وإذا كانت معه في منديل أو خريطة وشق عليه مسكها جاز أن يدخل بها الخلاء. [المستدرك ٣/ ١٥٨]
٢٩٩٧ - لم يضرب الرسول ﷺ ولا أصحابه دراهم، وإنما حدث ضربها في خلافة عبد الملك. [المستدرك ٣/ ١٥٨]
٢٩٩٨ - حديث معاوية في إباحة الذهب مقطعًا (٢) هو في التابع غير المنفرد؛ كالزر والعلم ونحوه، وحديث الخريصة (٣) هو في الفرد كالخاتم وغيره فلا تعارض بينهما. [المستدرك ٣/ ١٥٨]
٢٩٩٩ - نقل-أبو العباس- عن غير واحد من الصحابة أنه قال: زكاة الحلي عاريته، ولهذا تنازع أهل هذا القول: هل يلزمها أن تعيره لمن يستعيره إذا لم يكن في ذلك ضرر عليها؟ على وجهين في مذهب أحمد وغيره.
والذي ينبغي إذا لم تخرج الزكاة عنه أن تعيره، وأما إذا كانت تكريه ففيه الزكاة عند جمهور العلماء.
قال الزركشي نقلًا عن الشيخ: وكذلك المكروه. [المستدرك ٣/ ١٥٨ - ١٥٩] الحواشي
(١) رواه مسلم(٩٨٧) .(٢) وهو نَهْيُه ﷺ عَن لُبْس الذَّهَب إِلَّا مُقَطَّعًا.(٣) رواه الإمام أحمد بلفظ: "مَن تَحَلَّى أَو حُلِّيَ بِخَرْبَصِيصَةٍ مِن ذَهَبٍ، كُوِيَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ".стр. 2167
٣٠٠٠ - وَأَمَّا "الْحُلِيِّ" فَإِنْ كَانَ لِلنِّسَاءِ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ عِنْدَ مَالِك وَاللَّيْثِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَأَبِي عُبَيْدٍ.
وَأَمَّا حِلْيَةُ الرِّجَالِ: فَمَا أُبِيحُ مِنْهُ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ كَحِلْيَةِ السَّيْفِ وَالْخَاتَمِ الْفِضَّةِ، وَأَمَّا مَا يَحْرُمُ اتِّخَاذُهُ كَالْأَوَاني فَفِيهِ الزَّكَاةُ. [٢٥/ ١٦]
٣٠٠١ - تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي مَالِ الْيَتَامَى عِنْدَ مَالِك وَاللَّيْثِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد. [٢٥/ ١٧]
٣٠٠٢ - الْمَالُ الْمَغْصُوبُ وَالضَّائِعُ وَنَحْوُ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ فِيهِ زَكَاةٌ حَتَّى يَقْبِضَهُ فَيُزَكِّيَهُ لِعَامٍ وَاحِدٍ، كَذَلِكَ الدَّيْنُ عِنْدَهُ لَا يُزَكِّيهِ حَتَّى يَقْبِضَهُ زَكَاةً وَاحِدَةً. [٢٥/ ١٨]
٣٠٠٣ - الدَّيْنُ يُسْقِطُ زَكَاةَ الْعَيْنِ عِنْدَ مَالِك وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد وَأَحَدِ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَالْحَسَن وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ (١) وَمَيْمُون بْن مهران والنَّخَعِي وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِي وَاللَّيْثِ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ.
وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْت عُثْمَانَ ﵁ يَقُولُ: هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ، فَمَن كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيُؤَدِّهِ حَتَّى تَخْلُصَ أمْوَالُكُمْ تُؤَدُّونَ مِنْهَا الزَّكَاةَ (٢) . [٢٥/ ١٩]
٣٠٠٤ - وَسُئِلَ ﵀: عَن صَدَاقِ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا تَمُرُّ عَلَيْهِ السُّنُونَ الْمُتَوَالِيَةُ لَا يُمْكِنُهَا مُطَالَبَتُهُ بِهِ .. فَهَل تَجِبُ زَكَاةُ السِّنِينَ الْمَاضِيَةِ؟
فأجاب: الْحَمْدُ للهِ، هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا لِلْعُلَمَاءِ أَقْوَالٌ:
قِيلَ: يَجِبُ تَزْكِيَةُ السِّنِينَ الْمَاضِيَةِ سَوَاءٌ كَانَ الزَّوْجُ مُوسِرًا أَو مُعْسِرًا. الحواشي
(١) حيث سُئل عن رجل له مال وعليه دين مثله أعليه زكاة؟ فقال له: لا.(٢) قال في حاشية الروض -بعد أن ساق كلام عثمان ﵁: وقد قاله بمحضر من الصحابة فدل على اتفاقهم عليه، ولأن الزكاة وجبت مواساة للفقراء، وحاجة المدين كحاجة الفقير أو أشد. اهـ.стр. 2168
وَقِيلَ: يَجِبُ مَعَ يَسَارِهِ وَتَمَكُّنِهَا مِن قَبْضِه (١) دُونَ مَا إذَا لَمْ يُمْكِنْ تَمْكِينُهُ مِنَ الْقَبْضِ.
وَقِيلَ: تَجِبُ لِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ؛ كَقَوْلِ مَالِكٌ.
وَقِيلَ: لَا تَجِبُ بِحَالٍ؛ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَأَضْعَفُ الْأَقْوَالِ: مَن يُوجِبُهَا لِلسِّنِينَ الْمَاضِيَةِ حَتَّى مَعَ الْعَجْزِ عَن قَبْضِهِ فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ بَاطِلٌ.
وَأَقْرَبُ الْأقْوَالِ قَوْلُ مَن لَا يُوجِبُ فِيهِ شَيْئًا بِحَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ، أَو يُوجِبُ فِيهِ زَكَاةً وَاحِدَةً عِنْدَ الْقَبْضِ، فَهَذَا الْقَوْلُ لَهُ وَجْهٌ وَهَذَا وَجْهٌ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٌ، وَكِلَاهُمَا قِيل بِهِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد. [٢٥/ ٤٧ - ٤٨]
* * *
(باب زكاة العروض)
٣٠٠٥ - يجوز إخراج زكاة العروض عرضًا، ويقوى على قول من يقول: تجب الزكاة في عين المال. [المستدرك ٣/ ١٥٩]
٣٠٠٦ - وَأَمَّا الْعُرُوضُ الَّتِي لِلتِّجَارَةِ فَفِيهَا الزَّكَاةُ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ أنَّ فِي الْعُرُوضِ الَّتِي يُرَادُ بِهَا التِّجَارَةُ الزكَاةَ إذَا حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ.
وَأَمَّا مَالِكٌ: فَمَذْهَبُهُ أَنَّ التُّجَّارَ عَلَى قِسْمَيْنِ:
أ- مُتَرَبِّصٍ.
ب- وَمُدِيرٍ.
فَالْمُتَرَبِّصُ: وَهُوَ الَّذِي يَشْتَرِي السِّلَعَ وَيَنْتَظِرُ بِهَا الْأسْوَاقَ، فَرُبَّمَا أَقَامَت الحواشي
(١) في الأصل: (قَبْضِها)، ولعل الصواب المثبت؛ لأن الضمير عائد إلى الصداق، وهو مذكر.
وفي الفتاوى المصرية (١/ ٢٨١): بالتذكير.стр. 2169
السِّلَعُ عِنْدَهُ سِنِينَ، فَهَذَا عِنْدَهُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَبِيعَ السِّلْعَةَ فَيُزَكّيَهَا لِعَامٍ وَاحِدٍ، وَحُجَّتُهُ أَنَّ الزَّكَاةَ شُرِعَتْ فِي الْأَمْوَالِ النَّامِيَةِ، فَإِذَا زَكَّى السِّلْعَةَ كُلَّ عَامٍ - وَقَد تَكُونُ كَاسِدَةً- نَقَصَتْ عَن شِرَائِهَا فَيَتَضَرَّرُ.
فَإِذَا زُكِّيَتْ عِنْدَ الْبَيْعِ: فَإِنْ كَانَت رَبِحَتْ فَالرِّبْحُ كَانَ كَامِنًا فِيهَا، فَيُخْرِجُ زَكَاتَهُ، وَلَا يُزَكِّي حَتَى يَبِيعَ بِنِصَابٍ، ثُمَّ يُزَكِّي بَعْدَ ذَلِكَ مَا يَبِيعُهُ مِن كَثِيرٍ وَقَلِيلٍ.
وَأَمَّا الْمُدِيرُ: وَهُوَ الَّذِي يَبِيعُ السّلَعَ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ فَلَا يَسْتَقِرُّ بِيَدِهِ سِلْعَةٌ، فَهَذَا يُزَكِّي فِي السَّنَةِ الْجَمِيعَ، يَجْعَلُ لِنَفْسِهِ شَهْرًا مَعْلُومًا يَحْسِبُ مَا بِيَدِهِ مِنَ السِّلَع وَالْعَيْنِ وَالدَّيْنِ الَّذِي عَلَى الْمَلِيءِ الثِّقَةِ وُيزَكِّي الْجَمِيعَ، هَذَا إذَا كَانَ يَنِضُّ (١) فِي يَدِهِ فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ وَلَو دِرْهَمٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُن يَبِيعُ بِعَيْن أَصْلًا فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ عِنْدَهُ. [٢٥/ ١٥ - ١٦]
٣٠٠٧ - الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَسَائِرُ الْأُمَّةِ -إلَّا مَن شَذَّ- مُتَّفِقُونَ عَلَى وُجُوبِهَا [أي: الزكاة] فِي عَرْضِ التّجَارَةِ، سَوَاءٌ كَانَ التَّاجِرُ مُقِيمًا أَو مُسَافِرًا، وَسَوَاءٌ كَانَ مُتَرِبِّصًا -وَهُوَ الَّذِي يَشْتَرِي التِّجَارَةَ وَقْتَ رُخْصِهَا وَيَدَّخِرُهَا إلَى وَقْتِ ارْتفَاعِ السِّعْرِ- أَو مُدِيرًا كَالتُّجَّارِ الَّذِينَ فِي الْحَوَانِيتِ.
فَالتِّجَارَاتُ هِيَ أَغْلَبُ أَمْوَالِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ الْبَاطِنَةِ، كَمَا أَنَّ الْحَيَوَانَاتِ الْمَاشِيَةَ هِيَ أَغْلَبُ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ. [٢٥/ ٤٥]
* * *
(بَابٌ صَدَقَة الْفِطْرِ)
٣٠٠٨ - لا يعتبر في زكاة الفطر ملك نصاب؛ بل تجب على كل من ملك صاعًا فاضلًا عن قوته يوم العيد وهو مذهب أحمد، ومن عجز عن صدقة الفطر وقت وجوبها عليه ثم أيسر فأداها فقد أحسن. [المستدرك ٣/ ١٥٩] الحواشي
(١) نَضَّ المالُ يَنِضُّ: إذا تَحَوّل نَقْدًا بعد أنْ كان متاعًا. النهاية، لابن الأثير، مادة: (نضض).стр. 2170
٣٠٠٩ - صدقة الفطر قدرها: صاعٌ من الشعير أو التمر، ونصفُه من البر عند أبي حنيفة واختيار الشيخ، وخرجه على قواعد أحمد.
وقياس قول أحمد في الكفارات. [المستدرك ٣/ ١٥٩]
٣٠١٠ - النَّبِيُّ ﷺ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِن تَمْرٍ أَو صَاعًا مِن شَعِيرٍ؛ لِأَنَّ هَذَا كَانَ قُوتَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَلَو كَانَ هَذَا لَيْسَ قُوتَهُم بَل يَقْتَاتُونَ غَيْرَهُ لَمْ يُكَلِّفْهُم أَنْ يُخْرِجُوا مِمَّا لَا يَقْتَاتُونَهُ، كَمَا لَمْ يَأْمُرِ اللهُ بِذَلِكَ فِي الْكَفَّارَاتِ، وَصَدَقَةُ الْفِطْرِ مِن جِنْسِ الْكَفَّارَاتِ، هَذِهِ مُعَلَّقَةٌ بِالْبَدَنِ وَهَذِهِ مُعَلَّقَةٌ بِالْبَدَنِ، بِخِلَافِ صَدَقَةِ الْمَالِ فَإِنَّهَا تَجِبُ بِسَبَبِ الْمَالِ مِن جِنْسِ مَا أَعْطَاهُ اللهُ.
والْقَرِيبُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهَا إذَا كَانَت حَاجَتُهُ مِثْل حَاجَةِ الْأَجْنَبِيِّ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مِنْهُ فإِنَّ صَدَقَتَك عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ وَعَلَى ذِي الرَّحِمِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ. [٢٥/ ٦٨ - ٦٩]
٣٠١١ - وَسُئِلَ: ﵀: عَمَّن عَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ وَيعْلَمُ أَنَّهَا صَاعٌ وَيزِيدُ عَلَيْهِ وَيَقُولُ: هُوَ نَافِلَةٌ هَل يُكْرَهُ؟
فَأجَابَ: الْحَمْدُ للهِ، نَعَمْ يَجُوزُ بِلَا كَرَاهِيَةٍ عِنْدَ أكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا. [٢٥/ ٧٠]
٣٠١٢ - وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَنْ صَدَقَةِ الْفِطْرِ: هَلْ يَجِبُ اسْتِيعَابُ الْأصْنَافِ الثَّمَانيَةِ فِي صَرْفِهَا، أَمْ يُجْزِئُ صَرْفُهَا إلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ؟
فَأَجَابَ: الْكَلَامُ فِي هَذَا الْبَابِ فِي أصْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: فِي زَكَاةِ الْمَالِ كَزَكَاةِ الْمَاشِيَةِ وَالنَّقْدِ وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ وَالْمُعَشَّرَاتِ: فَهَذِهِ فِيهَا قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ:
أَحَدُهُمَا: أنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُزَكِّ أَنْ يَسْتَوْعِبَ بِزَكَاتِهِ جَمِيعَ الْأصْنَافِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهَا، وَأَنْ يُعْطِيَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ ثَلَاثَةَ، وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَد.
стр. 2171
الثَّانِي: بَل الْوَاجِبُ أَنْ لَا يَخْرُجَ بِهَا عَن الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ، وَلَا يُعْطِيَ أَحَدًا فَوْقَ كِفَايَتِهِ، وَلَا يُحَابِيَ أحَدًا بِحَيْثُ يُعْطِي وَاحِدًا وَيدَعُ مَنْ هُوَ أَحَقُّ مِنْهُ أَوْ مِثْلُهُ مَعَ إمْكَانِ الْعَدْلِ.
وَعِنْدَ هَؤُلَاءِ: إذَا دَفَعَ زَكَاةَ مَالِهِ جَمِيعَهَا لِوَاحِدِ مِنْ صِنْفٍ، وَهُوَ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ غَارِمًا عَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ لَا يَجِدُ لَهَا وَفَاءً فَيُعْطِيهِ زَكَاتَهُ كُلَّهَا، وَهِيَ أَلْفُ دِرْهَمٍ اَجْزَأَهُ، وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَهُوَ الْمَأْثُورُ عَنِ الصَّحَابَةِ .. وَقَدْ ثَبَتَ فِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" أن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لقبيصة بْنِ مخارق الْهِلَالِيِّ: "أَقِمْ يَا قَبِيصَةُ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ فَنَأْمُرَ لَك بِهَا". وَفِي "سُنَنِ أبِي دَاوُد" وَغَيْرِهَا أَنَّهُ قَالَ لسلمة بْنِ صَخْرٍ البياضي: اذْهَبْ إلَى عَامِلِ بَنِي زُريقٍ فَلْيَدْفَعْ صَدَقَتَهُمْ إلَيْك.
فَفِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَّنَّهُ دَفَعَ صَدَقَةَ قَوْمٍ لِشَخْصِ وَاحِدٍ لَكِنَّ الْآمِرَ هُوَ الْإِمَامُ وَفِي مِثْلِ هَذَا تَنَازُعٌ، وَمي الْمَسْألَةِ بَحْثٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ لَا تَحْتَمِلُهُ هَذِهِ الْفَتْوَى، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْأَصْلُ الثَّانِي: وَهُوَ "صَدَقَةُ الْفِطْرِ"، فَإِنَّ هَذِهِ الصَّدَقَةَ هَلْ تَجْرِي مَجْرَى صَدَقَةِ الْأَمْوَالِ أَوْ صَدَقَةِ الْأَبْدَانِ كَالْكفَّارَاتِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ.
فَمَن قَالَ بِالْأَوَّلِ وَكَانَ مِن قَوْلِهِ وُجُوبُ الِاسْتِيعَابِ (١) أَوْجَبَ الِاسْتِيعَابَ فِيهَا.
وَمَن كَانَ مِن مَذْهَبِهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الِاسْتِيعَابُ كَقَوْلِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّهُم يُجَوِّزُونَ دَفْعَ صَدَقَةِ الْفِطْرِ إلَى وَاحِدٍ كَمَا عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا.
وَمَن قَالَ بِالثَّانِي إنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ تَجْرِي مَجْرَى كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَالظِّهَارِ وَالْقَتْلِ وَالْجِمَاعِ فِي رَمَضَانَ وَمَجْرَى كَفَّارَةِ الْحَجِّ، فَإِنَّ سَبَبَهَا هُوَ الْبَدَنُ لَيْسَ هُوَ الْمَالَ. الحواشي
(١) أي: استيعاب الأصناف الثمانية بدفع الزكاة لهم.стр. 2172
وَلهَذَا أَوْجَبَهَا اللهُ طَعَامًا كَمَا أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ طَعَامًا.
وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ: فَلَا يُجْزِئُ إطْعَامُهَا إلَّا لِمَن يَسْتَحِقّ الْكَفَّارَةَ، وَهُم الْآخِذُونَ لِحَاجَةِ أَنْفُسِهِمْ، فَلَا يُعْطى مِنْهَا فِي الْمُؤَلَّفَةِ وَلَا الرِّقَاب وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَقْوَى فِي الدَّلِيلِ.
وَأَضعَفُ الْأَقْوَالِ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ إنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَدْفَعَ صَدَقَةَ فِطْرِهِ إلَى اثْنَيْ عَشَرَ، أَوْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ .. وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ هَذَا خِلَافُ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وخُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ وَصَحَابَتِهِ أَجْمَعِينَ.
فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدَّرَ الْمَأْمُورَ بِهِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، وَمِنْ الْبُرِّ إمَّا نِصْفَ صَاعٍ وَإمَّا صَاعًا عَلَى قَدْرِ الْكِفَايَةِ التَّامَّةِ لِلْوَاحِدِ مِن الْمَسَاكِينِ، وَجَعَلَهَا طُعْمَةً لَهُمْ يَوْمَ الْعِيدِ يَسْتَغْنُونَ بِهَا، فَإِذَا أَخَذَ الْمِسْكِينُ حَفْنَةً: لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا وَلَمْ تَقَعْ مَوْقِعًا.
وَكَذَلِكَ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَهُوَ ابْنُ سَبِيلٍ إذَا أَخَذَ حَفْنَةً مِنْ حِنْطَةٍ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا مِنْ مَقْصُودِهَا مَا يُعَدُّ مَقْصُودًا لِلْعُقَلَاءِ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَقْصُودًا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، كَمَا لَوْ فُرِضَ عَدَدٌ مُضْطَرُّونَ، وَإِنْ قَسَمَ بَيْنَهُم الصَّاعَ عَاشُوا، وَإِنَّ خَصَّ بِهِ بَعْضَهُمْ مَاتَ الْبَاقُونَ، فَهُنَا يَنْبَغِي تَفْرِيقُهُ بَيْنَ جَمَاعَةٍ، لَكِنَّ هَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ التَّفْرِيقُ هُوَ الْمَصْلَحَةَ، وَالشَّرِيعَةُ مُنَزَّهَةٌ عَنْ هَذِهِ الْأَفْعَالِ الْمُنْكَرَةِ الَّتِي لَا يَرْضَاهَا الْعُقَلَاءُ، وَلَمْ يَفْعَلْهَا أَحَدٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا.
ثُمَّ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ :"طُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ" (١) نَصٌّ فِي أَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لِلْمَسَاكِينِ، وقَوْله تَعَالَى فِي آيَةِ الظِّهَارِ: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]، فَإِذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ تُصْرَفَ تِلْكَ (٢) لِلْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ فَكَذَلِكَ هَذِهِ (٣) ، وَلهَذَا يُعْتَبَرُ فِي الْمُخْرَجِ مِنَ الْمَالِ أَنْ يَكُونَ مِن جِنْسِ النِّصَابِ، وَالْوَاجِبُ مَا يَبْقَى الحواشي
(١) رواه أبو داود(١٦٠٩) ، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع(٣٥٧٠) .(٢) أي: زكاة الفطر وكفارة الظهار.(٣) أي: زكاة المال.стр. 2173
ويُسْتَنْمَى؛ وَلهَذَا كَانَ الْوَاجِبَ فِيهَا (١) الْإِنَاثُ دُونَ الذُّكُورِ إلَّا فِي التَّبِيعِ وَابْنِ لَبُونٍ؛ لِأنَّ الْمَقْصُودَ الدَّرُّ وَالنَّسْلُ وَإِنَّمَا هُوَ لِلْإِنَاثِ (٢) .
وَفِي الضَّحَايَا وَالْهَدَايَا لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ الْأَكْلَ: كَانَ الذَّكَرُ أَفْضَلَ منَ الْأُنْثَى، وَكَانَتِ الْهَدَايَاْ وَالضَّحَايَا إذَا تصُدّقَ بِهَا أَو بِبَعْضِهَا فَإِنَّمَا هُوَ لِلْمَسَاكِينِ أَهْلِ الْحَاجَةِ دُونَ اسْتِيعَابِ الْمَصَارِفِ الثمَانِيَةِ، وَصَدَقَةُ الْفِطْرِ وَجَبَتْ طَعَامًا لِلْأَكْلِ لَا للاسْتِنْمَاء، فَعُلِمَ أَنَّهَا مِن جِنْسِ الْكَفَّارَاتِ. [٢٥/ ٧١ - ٧٥]
* * *
(بَابُ إخْرَاجُ الزَّكَاةِ)
٣٠١٣ - إذَا أَعْطَاهُ الْقِيمَةَ (٣) فَفِيهِ نِزَاعٌ: هَل يَجُوزُ مُطْلَقًا، أَو لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا، أَو يَجُوزُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ لِلْحَاجَةِ أَو الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ؟
عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ.
فَإِنْ كَانَ آخِذُ الزَّكَاةِ يُرِيدُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا كُسْوَةً فَاشْتَرَى رَبُّ الْمَالِ لَهُ بِهَا كُسْوَةً وَأَعْطَاهُ فَقَد أَحْسَنَ إلَيْهِ.
وَأَمَّا إذَا قَوَّمَ هُوَ (٤) الثِّيَابَ الَّتِي عِنْدَهُ وَأَعْطَاهَا فَقَد يُقَوِّمُهَا بِأَكْثَرَ مِنَ السِّعْرِ، وَقَد يَأْخُذُ الثِّيَابَ مَن لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا بَل يَبِيعُهَا فَيَغْرَمُ أُجْرَةَ الْمُنَادِي، وَرُبَّمَا خَسِرَتْ فَيَكون فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ. الحواشي
(١) أي: في زكاة المال.(٢) قال أهل العلم: لا يجوز إخراج الذكر في زكاة بهيمة الأنعام إلا في ثلاث مسائل:
١ - أن يكون النصاب كله ذكورًا.
٢ - في زكاة البقر خاصة يجوز إخراج التبيع أو التبيعة.
٣ - ابن اللبون والحِقّ والجذع يجزئ عن بنت مخاض عند عدمها.
وهذا قول الجمهور خلافًا للحنفية، حيث لا يرون بأسًا في إخراج الذكر مطلقًا.(٣) صورة المسألة: إذا أخرج من وجبت عليه الزكاة القيمة بدل العين الواجبة في الزكاة هل يُجزئ؟(٤) أي: الْمزكي.стр. 2174
وَالْأَصْنَافُ الَّتِي يُتَّجَرُ فِيهَا: يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ عَنْهَا جَمِيعًا دَرَاهِمَ بِالْقِيمَةِ، فَاِنْ لَمْ يَكُن عِنْدَهُ دَرَاهِمُ فَأعْطَى ثَمَنَهَا بِالْقِيمَةِ فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ وَاسَى الْفُقَرَاءَ فَأَعْطَاهُم مِن جِنْسِ مَالِهِ. [٢٥/ ٧٩ - ٨٠]
٣٠١٤ - أَمَّا الدَّيْنُ الَّذِي عَلَى الْمَيِّتِ: فَيَجُوزُ أنْ يُوَفَّى مِنَ الزَّكَاةِ فِي أَحَدِ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمَد؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَالْغَارِمِينَ:﴾ [التوبة ٦٠] وَلَمْ يَقُلْ وَللْغَارِمِينَ؛ فَالْغَارِمُ لَا يُشْتَرَطُ تَمْلِيكُهُ.
وَعَلَى هَذَا يَجُوزُ الْوَفَاءُ عَنْهُ وَأَنْ يُمَلَّكَ لِوَارِثهِ وَلغَيْرِهِ (١) .
وَلَكِنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ لَا يُعْطَى ليَسْتَوْفِيَ دَيْنَهُ (٢) . [٢٥/ ٨٠]
٣٠١٥ - مَا يَأْخُذُهُ وُلَاةُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْعُشْرِ وَزَكَاةِ الْمَاشِيَةِ وَالتِّجَارَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ ذَلِكَ مِن صَاحِبِهِ إذَا كَانَ الْإِمَامُ عَادِلًا يَصْرِفُه فِي مَصَارِفِهِ الشَّرْعِيَّةِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.
فَإِنْ كَانَ ظَالِمًا لَا يَصْرِفُهُ فِي مَصَارِفِهِ الشَرْعِيَّةِ: فَيَنْبَغِي لِصَاحِبِهِ أنْ لَا يَدْفَعَ الزكَاةَ إلَيْهِ بَل يَصْرِفُهَا هُوَ إلَى مُسْتَحِقِّيهَا، فَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى دَفْعِهَا إلَى الظَّالِمِ بِحَيْثُ لَو لَمْ يَدْفَعْهَا إلَيْهِ لَحَصَلَ لَهُ ضَرَرٌ: فَإِنَّهَا تُجْزِئُهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَهُم فِي هَذه الْحَالِ ظَلَمُوا مُسْتَحِقِّيهَا كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ وَنَاظِرِ الْوَقْفِ إذَا قَبَضُوا مَالَهُ وَصَرَفُوهُ فِي غَيْرِ مَصَارِفِهِ. [٢٥/ ٨١]
٣٠١٦ - وَأَمَّا إخْرَاجُ الْقِيمَةِ فِي الزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَالْمَعْرُوفُ مِن مَذْهَبِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيِّ أَنَهُ لَا يَجُوزُ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَجُوزُ. الحواشي
(١) الشيخ ﵀ يرى جواز قضاء دين الميت من الزكاة، وهو قول المالكية، وبه أفتت اللجنةُ الدائمة في السعودية برئاسة الشيخ ابن باز، وصدر به قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي.
وخالف في ذلك العلَّامة ابن عثيمين ﵀، فلا يرى أنه يقضى دين الميت منها. الشرح الممتع (٦/ ٢٣٥).(٢) أي: لا يجوز أن أعطي المدين زكاتي لأستوفي ديني منه.стр. 2175
وَالْأَظْهَرُ فِي هَذَا: أَنَّ إخْرَاجَ الْقِيمَةِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَلَا مَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ مَمْنُوعٌ مِنْهُ، وَلهَذَا قَدَّرَ النَّبِيُّ ﷺ الْجُبْرَانَ بِشَاتَيْنِ أَو عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَلَمْ يَعْدِلْ إلَى الْقِيمَةِ.
وَأَمَّا إخْرَاجُ الْقِيمَةِ لِلْحَاجَةِ أَو الْمَصْلَحَةِ أَو الْعَدْلِ فَلَا بَأْسَ بِهِ؛ مِثْلُ أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ بُسْتَانِهِ أو زَرْعِهِ بِدَرَاهِمَ، فَهُنَا إخْرَاجُ عُشْرِ الدَّرَاهِمِ يُجْزِئُهُ وَلَا يُكَلَّفُ أَنْ يَشْتَرِيَ ثَمَرًا أَو حِنْطَةً، إذ كَانَ قَد سَاوَى الْفُقَرَاءَ بِنَفْسِهِ، وَقَد نَصَّ أَحْمَد عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ.
وَمِثْلُ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ شَاةٌ فِي خَمْسٍ مِنَ الْإِبِل وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَن يَبِيعُهُ شَاةً فَإِخْرَاجُ الْقِيمَةِ هُنَا كَافٍ وَلَا يُكَلَّفُ السَّفَرَ إلَى مَدِينَةٍ أُخْرَى لِيَشْتَرِيَ شَاةً.
وَمِثْلُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَحِقُّونَ لِلزَّكَاةِ طَلَبُوا مِنْهُ إعْطَاءَ الْقِيمَةِ لِكَوْنِهَا أَنْفَعَ فَيُعْطِيهِمْ إيَّاهَا، أَو يَرَى السَّاعِي أَنَ أَخْذَهَا أَنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ، كَمَا نُقِلَ عَن مُعَاذ بْن جَبَلٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِأَهْلِ الْيَمَنِ: "ائْتُونِي بخَمِيص أَو لَبِيسٍ أَسْهَلُ عَلَيْكُمْ وَخَيْرٌ لِمَن فِي الْمَدِينَةِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأنْصَارِ" (١) . [٢٥/ ٨٢ - ٨٣]
٣٠١٧ - إسْقَاطُ الدَّيْنِ عَنِ الْمُعْسِرِ: لَا يُجْزِئُ عَن زَكَاةِ الْعَيْنِ بِلَا نِزَاعٍ (٢) .
لَكِنْ إذَا كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى مَن يَسْتَحِقُّ الزَّكَاةَ: فَهَل يَجُوزُ أَنْ يُسْقِطَ عَنْهُ قَدْرَ زَكَاةِ ذَلِكَ الذَيْنِ وَيَكُونُ ذَلِكَ زَكَاةَ ذَلِكَ الدَّيْنِ؟ (٣)
فَهَذَا فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ، أَظْهَرُهُمَا الْجَوَازُ؛ لأنَّ الزَّكَاةَ مَبْنَاهَا عَلَى الْمُوَاسَاةِ، وَهُنَا قَد أَخْرَجَ مِن جِنْسِ مَا يَمْلِكُ، بِخِلَافِ مَا إذَا الحواشي
(١) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم.(٢) صورتها: رجل له مدين فقير يطلبه ألف ريال، وكان على هذا الطالب ألف ريال زكاة، فلا يجوز أن يسقط الدائن عن المدين الألف ريال الذي عليه بنية الزكاة.(٣) صورتها: رجلٌ له مدين فقير يطلبه ثلاثة آلاف ريال، وحال عليها الحول، فيجوز أن يسقط الدائن عن المدين قدر زكاة ذلك الدين. وهذا على القول بوجوب زكاة الدين إذا كان عند معسر.следующие страницы →