Полный текст (3 539 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.
стр. 2976
الْخُلْعِ مَا كَانَ خُلْعًا، وَفِي الظِّهَارِ مَا كَانَ ظِهَارًا، وَفِي الْإيلَاءِ مَا كَانَ إيلَاءً.
وَهَذَا هُوَ الثَّابِتُ عَن أَئِمُّةِ الصَّحَابَةِ وَفُقَهَائِهِمْ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإحْسَانِ.
وَمِن الْعُلَمَاء مَن اشْتَبَهَ عَلَيْهِ بَعْضُ ذَلِكَ بِبَعْض، فَيَجْعَلُ مَا هُوَ ظِهَار طَلَاقًا؛ فَيَكْثُر بِذَلِكَ وُقُوعُ الطَّلَاقِ الَّذِي يُبْغِضُهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَيَحْتَاجُونَ إمَّا إلَى دَوَامِ الْمَكْرُوه، وَإِمَّا إلَى زَوَالِهِ بِمَا هُوَ أكْرَهُ الَى اللهِ وَرَسولِهِ مِنْهُ وَهُوَ نِكَاحُ التَّحْلِيلِ.
وَأَمَّا الطَّلَاق الَّذِي شَرَعَهُ اللهُ وَرَسُولهُ فَهُوَ أنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ إذَا أَرَادَ طَلَاقَهَا طَلْقَةً وَاحِدَةً فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ، أَو كَانَت حَامِلًا قَد اسْتَبَانَ حَمْلُهَا، ثُمَّ يَدَعُهَا تَتَرَبَّصُ ثَلَاثَةَ قُرُوءِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ غَرَضٌ رَاجَعَهَا فِي الْعِدَّةِ، وَإِن لَمْ يَكُن لَهُ فِيهَا غَرَضٌ سَرُّحَهَا بِإحْسَانٍ، ثُمَّ إنْ بَدَا لَهُ بَعْدَ هَذَا إرْجَاعهَا: يَتَزَوَّجُهَا بِعَقْد جَدِيدٍ، ثُمَّ إذَا أَرَادَ ارْتجَاعَهَا أَو تَزَوُّجَهَا، وَإِن أرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا طَلَّقَهَا، فَهَذَا طَلَاقُ السُّنَّةِ الْمَشْرُوعِ.
وَمَن لَمْ يُطَلِّقْ إلُّا طَلَاقَ السُّنَّةِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ مِن نِكَاحِ التَّحْلِيلِ وَغَيْرِهِ. [٣٣/ ١٥٦ - ١٥٧]
٤٦٣١ - وَسُئِلَ شَيْخُ الإسْلَامِ رحمة الله: عَن رَجُلٍ قَالَ لِحَمَاتِهِ: إنْ لَمْ تَبِيعِينِي جَارِيَتَك وَإِلَّا ابْنَتُك طَالِق ثَلَاثًا، فَقَالُوا: مَا نَبِيعُك الْجَارِيةَ، فَقَالَ: ابْنَتُكُمْ طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَنيَّتُهُ: إنْ لَمْ تُعْطِينِي الْجَارَيةَ؟
فَأَجَابَ: إنْ كَانَ قَد نَوَى الشَّرْطَ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَقْصِد الطَّلَاقَ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا أنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ. [٣٣/ ١٦٨ - ١٦٩]
٤٦٣٢ - وَسُئِلَ: عَن رَجُل حَلَفَ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ أنَّهُ مَا يُزَوِّجُ ابْنَتَهُ لِرَجُل مُعَيَّنٍ، ثُمَّ إنَّهُ زَوَّجَهَا بِغَيْرِهِ، ثمَّ بَانَتْ مِن الثَّانِي بِالثَّلَاثِ، فَهَل لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا لِلرَّجُلِ الَّذِي كَانَ قَد حَلَفَ عَلَيْهِ؟
стр. 2977
فَأَجَابَ: إنْ كَانَ نِيَّةُ الْحَالِفِ أَو سَبَبُ الْيَمِينِ يَقْتَضِي الْحَلِفَ عَلَى ذَلِكَ التَّزْوِيجِ خَاصَّةً: جَازَ أَنْ يُزَوِّجَهَا الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ، مِثْل أَنْ يَكُونَ قَد امْتَنَعَ لِتَزْوِيجِهِ لِكَوْنِهِ طَلَبَ مِنْهُ جِهَازًا كَثِيرًا، ثمَّ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ قَنِعَ بِهَا بِلَا جِهَازٍ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ السَّبَبُ بَاقِيًا: حَنِثَ. [٣٣/ ٢٣٠]
٤٦٣٣ - إِذَا قَالَ [لامرأتِه]: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللّهُ، وَقَصَدَ حَقِيقَةَ التَّعْلِيقِ: لَمْ يَقَعْ إلَّا بِتَطْلِيقٍ بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إذَا قَصَدَ تَعْلِيقَهُ لِئَلَّا يَقَعَ الْآنَ.
وَأَمَّا إنْ قَصَدَ إيقَاعَهُ الْآنَ وَعَلَّقَهُ بِالْمَشِيئَةِ تَوكِيدًا وَتَحْقِيقًا: فَهَذَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ. [١٣/ ٤٤]
٤٦٣٤ - مَن قَالَ أَنَّ السَّرَاحَ وَالْفِرَاقَ صَرِيحٌ فِي الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ وَرَدَ بِذَلِكَ، وَجَعَلَ الصَّرِيحَ مَا اسْتَعْمَلَهُ الْقُرْآنُ فِيهِ كَمَا يَقُولُهُ الشَّافِعِيُّ وَالْقَاضِي وَغَيْرُهُمَا مِن الْأَصْحَابِ: فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ. [١٥/ ٤٤٩]
* * *
(صريح الطلاق وكنايته)
٤٦٣٥ - أنت طالق ومطلقة وما شاكل ذلك من الصيغ: هي إنشاء من حيث إنها أثْبتت الحكم وبها تمّ (١) ، وهي إخبار لدلالتها على المعنى الذي في النفس. [المستدرك ٥/ ١١]
٤٦٣٦ - لا يقع الطلاق بالكناية إلا بنية، إلا (٢) مع قرينةِ إرادةِ الطلاق.
فإذا قرنت الكنايات بلفظ يدل على أحكام الطلاق، مثل أن يقول: فسخت النكاح، وقطعت الزوجية، ورفعت العلاقة بيني وبين زوجتي. [المستدرك ٥/ ١٢] الحواشي
(١) في الأصل والفتاوى الكبرى (٥/ ٤٨٩): (هي إثبات للحكم وشهادتهم)، والتصويب من الاختيارات(٣٦٨) .(٢) في الأصل: (وإلا) بالعطف، والتصويب من الاختيارات(٣٦٩) .стр. 2978
٤٦٣٧ - لو ادعى الزوج أنه رجع قبل إيقاع الوكيل الطلاق: لم يقبل قوله إلا ببينة، نص عليه الإمام أحمد. [المستدرك ٥/ ١٣]
٤٦٣٨ - من حلف بالحرام ألا يخرج فلانة من بيته (١) فخرجت: فمذهب أحمد أنه لا طلاق عليه وإن نوى الطلاق؛ بل تجزئه كفارة يمين في قوله، وكفارة ظهار في آخر، وكفارة اليمين أظهر. [المستدرك ٥/ ١٣]
* * *
(الاستثناء في الطلاق)
٤٦٣٩ - الفصل بين المستثنى والمستثنى منه بكلام الغير والسكوت: لا يكون فصلًا مانعًا من صحة الاستثناء. [المستدرك ٥/ ١٤]
* * *
(باب الطلاق في الماضي والمستقبل)
٤٦٤٠ - سئلت عمن قال: الطلاق يلزمني ما دام فلان في هذا البلد.
فأجبت: أنه إذا قصد به الطلاق إلى حين خروجه فقد وقع ولغا التوقيت، وهذا هو الوضع اللغوي.
وإن قصد: أنت طالق إن دام فلان، فإن خرج قبل اليمين لم يحنث وإلا حنث، وهذا نظير أنت طالق إلى شهر. [المستدرك ٥/ ١٥ - ١٦]
٤٦٤١ - إن قال: عجلت ما علقته لم يتعجل، هذا المذهب؛ لأنه علقه فلم يملك تغييره.
وقيل: يتعجل إذا عجله، وهو ظاهر بحث الشيخ تقي الدين فإنه قال: فيما قاله الجمهور نظر. [المستدرك ٥/ ١٧] الحواشي
(١) بأن قال: عليّ أو يلزمني الحرام، أو تحرمين علي، أو أنت عليَّ حرام إن خرجت من البيت.
تنبيه: لعل الصواب: (تخرج)؛ لأنه الضمير عائد إلى مؤنث، وهو الزوجة.стр. 2979
٤٦٤٢ - إذا علَّق الطلاق على شرط: لزم وليس له إبطاله.
وقال الشيخ تقي الدين رحمة الله: لو قال: إن أعطيتني، أو: إذا أعطيتني، أو: متى أعطيتني ألفًا فأنت طالق: أن الشرط ليس بلازم من جهته. [المستدرك ٥/ ١٨]
* * *
(حكم من طلق زوجته قبل الدخول عليها)
٤٦٤٣ - إذَا طَلَّقَهَا (١) قَبْلَ الدُّخُولِ: فَلِلْأَبِ أَنْ يَعْفُوَ عَن نِصْفِ الصَّدَاقِ إذَا قِيلَ: هُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ، كَمَا هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ.
وَالْقُرْآنُ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ؛ وَلَيْسَ الصَّدَاقُ كَسَائِرِ مَالِهَا؛ فَإِنَّهُ وَجَبَ فِي الْأَصْلِ نِحْلَةً، وَبُضْعُهَا عَادَ إلَيْهَا مِن غَيْرِ نَقْصٍ، وَكَانَ إلْحَاقُ الطَّلَاقِ بالفسوخ، فَوَجَبَ أَلَّا يَتَنَصَّفَ (٢) ، لَكنَّ الشَّارعَ جَبَرَهَا بِتَنْصِيفِ الصَّدَاقِ؛ لِمَا حَصَلَ لَهَا مِن الاِنْكِسَارِ بِهِ، وَلهَذَا جُعِلَ ذَلِكَ عِوَضًا عَن الْمُتْعَةِ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْهُ، فَأَوْجَبُوا الْمُتْعَةَ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ، إلَّا لِمَن طُلّقَتْ بَعْدَ الْفَرْضِ وَقَبْلَ الدُّخُولِ وَالْمَسِيسِ فَحَسْبُهَا مَا فُرِضَ لَهَا.
لَكِنْ يُقَالُ عَلَى هَذَا: فَالْقَوْلُ الثَّالِث أَصَح، وَهُوَ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَن أَحْمَد: أَنَّ كُلَّ مُطَلَّقَةٍ لَهَا مُتْعَةٌ؛ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ وَعُمُومُهُ حَيْثُ قَالَ: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١].
وَأَيْضًا: فَإِذَا كَانَ سَبَبُ الْمُتْعَةِ هُوَ الطَّلَاقَ: فَسَبَبُ الْمَهْرِ هُوَ الْعَقْد.
فَالْمُفَوَّضَةُ الَّتِي لَمْ يُسَمّ لَهَا مَهْرًا يَجِبُ لَهَا مَهْرُ الْمِثْل بِالْعَقْدِ، وَيَسْتَقِرُّ الحواشي
(١) أي: إذا طلق الرجل امرأته.(٢) ويعود المهر كاملًا إلى الزوج، كما عاد بضع المرأة إليها دون أن يُمس.стр. 2980
بِالْمَوْتِ عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ بروع بِنْتِ وَاشِقٍ الَّتِي تَزَوَّجَتْ وَمَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ لَهَا مَهْرٌ، وَقَضَى لَهَا النَّبِيُّ ﷺ بِأَنَّ لَهَا مَهْرَ امْرَأَةٍ مِن نِسَائِهَا لَا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ.
لَكِنْ هَذِهِ لَو طلّقَتْ قَبْلَ الْمَسِيسِ: لَمْ يَجِبْ لَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ؛ لِكَوْنِهَا لَمْ تَشْتَرِطْ مَهْرًا مُسَمًّى، وَالْكَسْرُ الَّذِي حَصَلَ لَهَا بِالطَّلَاقِ انْجَبَرَ بِالْمُتْعَةِ. [٣٢/ ٢٦ - ٢٨]
٤٦٤٤ - إذَا طَلَّقَهَا [أي: المرأة] قَبْلَ الدُّخُولِ: فَهُوَ كَمَا لَو طَلَّقَهَا بَعْدَ الدُّخُولِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، وَيَدْخُلُ بِهَا، فَإِذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ (١) : لَمْ تَحِلَّ لِلْأَوَّلِ. [٣٢/ ٨٠، ٣٣/ ١١٦]
* * *
(الطلاق رحمة من اللّه على عبيده)
٤٦٤٥ - لَوْلَا أَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى الطَّلَاقِ: لَكَانَ الدَّلِيلُ يَقْتَضِي تَحْرِيمَهُ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآثَارُ وَالْأُصُولُ، وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى أَبَاحَهُ رَحْمَةً مِنْهُ بِعِبَادِهِ؛ لِحَاجَتِهِمْ إلَيْهِ أَحْيَانًا. [٣٢/ ٨٩]
* * *
(لا يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي النِّكَاحِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ إلا إذَا اعْتَقَدَ صِحَّتَهُ)
٤٦٤٦ - وَسُئِلَ: عَن رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ بِوِلَايَةِ أَجْنَبِيٍّ، وَوَليُّهَا فِي مَسَافَةٍ دُونَ الْقَصْرِ؛ مُعْتَقِدًا أَنَّ الْأَجْنَبِيَّ حَاكمٌ، وَدَخَلَ بِهَا وَاسْتَوْلَدَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ أَرَادَ رَدَّهَا قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، فَهَل لَهُ ذَلِكَ لِبُطْلَانِ النِّكَاحِ الْأوَّلِ؟
فَأَجَابَ: لَا يَجِبُ فِي هَذَا النِّكَاحِ حَدٌّ إذَا اعْتَقَدَ صِحَّتَهُ؛ بَل يَلْحَقُ بِهِ النَّسَبُ وَيَجِبُ فِيهِ الْمَهْرُ، وَلَا يَحْصُلُ الْإِحْصَانُ بِالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ (٢) . الحواشي
(١) أي: طلقها الثاني قبل الجماع.(٢) فلو زنت المرأة المتزوجة بعقد فاسد فلا تُرجم؛ لأنها غير محصنة.стр. 2981
وَيَقَعُ الطَّلَاقُ فِي النِّكَاحِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ إذَا اعْتَقَدَ صِحَّتَهُ (١) .
وإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُزَوِّجَ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةٌ بِحَال فَفَارَقَهَا الزَّوْجُ حِينَ عَلِمَ فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا: لَمْ يَقَعْ طَلَاقٌ وَالْحَالُ هَذِهِ (٢) ، وَلَه أَنْ يَتَزَوَّجَهَا مِن غَيْرِ أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ. [٣٢/ ٩٨ - ٩٩]
٤٦٤٧ - الطَّلَاقُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ [يقع] (٣) عِنْدَ مَالِكٍ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا مِن الْأَئِمَّةِ، وَالنِّكَاحُ بِوِلَايَةِ الْفَاسِقِ: يَصحُّ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْأَئِمَّةِ. [٣٢/ ١٠١]
* * *
(حكم الزواج بنية الطلاق ؟)
٤٦٤٨ - وَسُئِلَ ﵀: عَن رَجُلٍ رَكَّاضٍ، يَسِيرُ فِي الْبِلَادِ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ شَهْرًا أَو شَهْرَيْنِ، وَيَعْزِلُ عَنْهَا، وَيَخَافُ أَنْ يَقَعَ فِي الْمَعْصِيَةِ، فَهَل لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ فِي مُدَّةِ إقَامَتِهِ فِي تِلْكَ الْبَلْدَةِ، وَإِذَا سَافَرَ طَلَّقَهَا وَأَعْطَاهَا حَقَّهَا؟
فَأَجَابَ: لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ، لَكِنْ يَنْكِحُ نِكَاحًا مُطْلَقًا، لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ تَوْقِيتًا، بِحَيْثُ يَكُونُ إنْ شَاءَ مَسَكَهَا وَإِن شَاءَ طَلَّقَهَا.
وَإِن نَوَى طَلَاقَهَا حَتْمًا عِنْدَ انْقِضاءِ سَفَرِهِ كُرِهَ فِي مِثْل ذَلِكَ.
وَفِي صِحَّةِ النِّكَاح نِزَاعٌ.
وَلَو نَوَى أَنَّهُ إذَا سَافَرَ وَأَعْجَبَتْهُ أَمْسَكَهَا وَإِلَّا طَلَّقَهَا جَازَ ذَلِكَ.
فَأَمَّا أَنْ يَشْتَرِطَ التَّوْقِيتَ: فَهَذَا نِكَاحُ الْمُتْعَةِ الَّذِي اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَغَيْرُهُم عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَإِنْ كَانَ طَائِفَة يُرَخِّصُونَ فِيهِ: إمَّا مُطْلَقًا وَإِمَّا لِلْمُضْطَرّ كَمَا قَد كَانَ ذَلِكَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ، فَالصَّوَابُ: أَنَّ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ، كَمَا ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" (٤) أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ أَنْ رَخَّصَ لَهُم فِي الْمُتْعَةِ عَامَ الْفَتْحِ قَالَ: "إنَّ اللهَ قَد حَرَّمَ الْمُتْعَةَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ". الحواشي
(١) هذه قاعدة مهمة.(٢) لأنه لم يعتقد صحة النكاح.(٣) ما بين المعقوفتين ليس موجودًا في الأصل، ولا يستقيم المعنى إلا بها.(٤) رواه مسلم(١٤٠٦) .стр. 2982
وَإِذَا اشْتَرَطَ الْأَجَلَ قَبْلَ الْعَقْدِ: فَهُوَ كَالشَّرْطِ الْمُقَارِنِ فِي أَصَحِّ قَوْلَي الْعُلَمَاءِ، وَكَذَلِكَ فِي نِكَاحِ الْمُحَلِّلِ.
وَأَمَّا إذَا نَوَى الزَّوْجُ الْأجَلَ وَلَمْ يُظْهِرْهُ لِلْمَرْأَةِ: فَهَذَا فِيهِ نِزَاعٌ: يُرَخِّصُ فِيهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ، وَيَكْرَهُهُ مَالِكٌ وَأَحْمَد وَغَيْرُهُمَا، كَمَا أَنَّهُ لَو نَوَى التَّحْلِيلَ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا اتَّفَقَ الصَّحَابَةُ عَلَى النَّهْيِ عَنْهُ وَجَعَلُوهُ مِن نِكَاحِ الْمُحَلِّلِ؛ لَكِنَّ نِكَاحَ الْمُحَلِّلِ شَرٌّ مِن نِكَاحِ الْمُتْعَةِ؛ فَإِنَّ نِكَاحَ الْمُحَلِّلِ لَمْ يُبَحْ قَطُّ؛ إذْ لَيْسَ مَقْصُودُ الْمُحَلِّلَ أَنْ يَنْكِحَ، وَإِنَّمَا مَقْصُودُهُ أَنْ يُعِيدَهَا إلَى الْمُطَلِّقِ قَبْلَهُ، فَهُوَ يُثْبِتُ الْعَقْدَ ليُزِيلَهُ، وَهَذَا لَا يَكُونُ مَشْرُوعًا بِحَال، بِخِلَافِ الْمُسْتَمْتِعِ فَإِنَّ لَهُ غَرَضًا فِي الاِسْتِمْتَاعِ، لَكِنَّ التَّأجِيلَ (١) يُخِلُّ بِمَقْصُودِ النِّكَاحِ مِن الْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ وَالسَّكَنِ، وَيَجْعَلُ الزَّوْجَةَ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْجَرَةِ، فَلِهَذَا كَانَت النِّيَّةُ فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ أَخَفَّ مِن النِّيَّةِ فِي نِكَاحِ الْمُحَلِّلِ، وَهُوَ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ وَكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ.
وَأَمَّا الْعَزْلُ: فَقَد حَرَّمَهُ طَائِفَةٌ مِن الْعُلَمَاءِ، لَكِنَّ مَذْهَبَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ بِإِذْنِ الْمَرْأَةِ. [٣٢/ ١٠٦ - ١٠٨]
٤٦٤٩ - وَأَمَّا نِكَاحُ الْمُتْعَةِ: إذَا قَصَدَ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِهَا إلَى مُدَّةٍ ثُمَّ يُفَارِقُهَا؛ مِثْل الْمُسَافِرِ الَّذِي يُسَافِرُ إلَى بَلَدٍ يُقِيمُ بِهِ مُدَّةً فَيَتَزَوَّجُ، وَفِي نِيَّتِهِ إذَا عَادَ إلَى وَطَنِهِ أَنْ يُطَلّقَهَا، وَلَكِنَّ النِّكَاحَ عَقَدَهُ عَقْدًا مُطْلَقًا: فَهَذَا فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد:
قِيلَ: هُوَ نِكَاحٌ جَائِزٌ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي مُحَمَّدٍ المقدسي وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ.
وَقِيلَ: إنَّهُ نِكَاحُ تَحْلِيلٍ لَا يَجُوزُ، وَرُوِيَ عَن الأوزاعي.
وَقيلَ: هُوَ مَكْرُوهٌ، وَلَيْسَ بِمُحَرَّم. الحواشي
(١) بأن يقول للمرأة: تزوجتك مدة أسبوع أو شهر، وينتهي الزواج بانتهاء المدة، وهذا هو نكاح المتعة المحرم.стр. 2983
وَالصَّحِيحُ: أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِنِكَاحِ مُتْعَةٍ، وَلَا يَحْرُمُ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَاصِدٌ لِلنِّكَاحِ وَرَاغِبٌ فِيهِ، بِخِلَافِ الْمُحَلّلِ، لَكِنْ لَا يُرِيدُ دَوَامَ الْمَرْأَةِ مَعَهُ، وَهَذَا لَيْسَ بِشَرْط؛ فَإِنَّ دَوَامَ الْمَرْأَةِ مَعَهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ؛ بَل لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا، فَإِذَا قَصَدَ أَنْ يُطَلِّقَهَا بَعْدَ مُدَّة فَقَد قَصَدَ أَمْرًا جَائِزًا، بِخِلَافِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ فَإِنَّهُ مِثْلُ الْإِجَارَةِ، تَنْقَضِي فِيهِ بِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، وَلَا مِلْكَ لَهُ عَلَيْهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْأجَلِ.
وَأَمَّا هَذَا فَمِلْكُهُ ثَابِتٌ مُطْلَقٌ، وَقَد تَتَغَيَّرُ نِيِّتُهُ فَيُمْسِكُهَا دَائِمًا، وَذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ، كَمَا أَنَّهُ لَو تَزَوَّجَ بِنِيَّةِ إمْسَاكِهَا دَائِمًا ثُمَّ بَدَا لَهُ طَلَاقُهَا جَازَ ذَلِكَ.
وَلَو تَزَوَّجَهَا بِنِيَّةِ أَنَّهَا إذَا أَعْجَبَتْهُ امْسَكهَا وَإِلَّا فَارَقَهَا: جَازَ، وَلَكِنَّ هَذَا لَا يُشْتَرَطُ فِي الْعَقْدِ.
وَقَد كَانَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ كَثِيرَ الطَّلَاقِ، فَلَعَلَّ غَالِبَ مَن تَزَوَّجَهَا كَانَ فِي نِيَّتِهِ أنْ يُطَلِّقَهَا بَعْدَ مُدَّةٍ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّ ذَلِكَ مُتْعَةٌ.
وَهَذَا أَيْضًا لَا يَنْوِي طَلَاقَهَا عِنْدَ أَجَلٍ مُسَمًّى؛ بَل عِنْدَ انْقِضَاءِ غَرَضِهِ مِنْهَا وَمِن الْبَلَدِ الَّذِي أَقَامَ بِهِ، وَلَو قُدِّرَ أَنَّهُ نَوَاهُ فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ فَقَد تَتَغَيَّرُ نِيَّتُهُ، فَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يُوجِبُ تَأْجِيلَ النِّكَاحِ، وَجَعْلَهُ كَالْإِجَارَةِ الْمُسَمَّاةِ.
وَعَزْمُ الطَّلَاقِ لَو قُدِّرَ بَعْدَ عَقْدِ النِّكَاحِ: لَمْ تُبْطِلْهُ وَلَمْ يُكرَهْ مُقَامُهُ مَعَ الْمَرْأَةِ -وَإِن نَوَى طَلَاقَهَا- مِن غَيْرِ نِزَاعٍ نَعْلَمُهُ فِي ذَلِكَ.
وَالطَّلَاقُ بَعْدَ مُدَّةٍ أَمْرٌ جَائِرٌ، لَا يُنَاقِضُ مَقْصُودَ الْعَقْدِ إلَى حِينِ الطَّلَاقِ، بِخِلَافِ الْمُحَلِّلِ، فَإِنَّة لَا رَغْبَةَ لَهُ فِي نِكَاحِهَا أَلْبَتَّةَ، بَل فِي كَوْنِهَا زَوْجَةَ الْأَوَّلِ، وَلَو أَمْكَنَهُ ذَلِكَ بِغَيْرِ تَحْلِيل لَمْ يُحِلَّهَا هَذَا.
وَإِن كَانَ مَقْصُودُهُ الْعِوَضَ: فَلَو حَصَلَ لَهُ بِدُونِ نِكَاحِهَا لَمْ يَتَزَوَّجْ.
وَإِن كَانَ مَقْصُودُهُ هُنَا وَطْأهَا ذَلِكَ الْيَوْمَ: فَهَذَا مِن جِنْسِ الْبَغِيِّ الَّتِي يَقْصِدُ وَطْأهَا يَوْمًا أَو يَوْمَيْنِ، بِخِلَافِ الْمُتَزَوِّجِ الَّذِي يَقْصِدُ الْمُقَامَ، وَالْأَمْرُ بِيَدِهِ وَلَمْ يَشْرِطْ عَلَيْهِ أَحَدٌ أَنْ يُطَلِّقَهَا كَمَا شُرِطَ عَلَى الْمُحَلِّلِ.
стр. 2984
فَإِنْ قُدّرَ مَن تَزَوَّجَهَا نِكَاحًا مُطْلَقًا لَيْسَ فِيهِ شَرْطٌ وَلَا عِدَةٌ، وَلَكِنْ كَانَت نِيَّتُهُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِهَا أَيَّامًا ثُمَّ يُطَلِّقُهَا، لَيْسَ مَقْصُودُهُ أَنْ تَعُودَ إلَى الْأَوَّلِ: فَهَذَا هُوَ مَحَلُّ الْكَلَامِ، وَإِن حَصَلَ بِذَلِكَ تَحْلِيلُهَا لِلْأَوَّلِ فَهُوَ لَا يَكُونُ مُحلًّا إِلَّا إذَا قَصَدَهُ أَو شَرَطَ عَلَيْهِ شَرْطًا لَفْظِيًّا أَو عُرْفِيًّا، سَوَاءٌ كَانَ الشَّرْطُ قَبْلَ الْعَقْدِ أَو بَعْدَهُ.
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُن فِيهِ قَصْدُ تَحْلِيلٍ وَلَا شَرْطٌ أَصْلًا: فَهَذَا نِكَاحٌ مِن الْأَنْكِحَةِ. [٣٢/ ١٤٧ - ١٤٨]
* * *
(أقوال العلماء في طلاق البائن)
٤٦٥٠ - إِنَّ الْعُلَمَاءَ تَنَازَعُوا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ فِي الطَّلَاقِ الْبَائِنِ:
أ - فَقِيلَ: إنْ شَاءَ الزَّوْجُ طَلَّقَ طَلَاقًا بَائِنًا وَإِن شَاءَ طَلَّقَ طَلَاقًا رَجْعِيًّا؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الرَّجْعَةَ حَقٌّ لَهُ. وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَرِوَايَةً عَن أَحْمَد.
ب - وَقِيلَ: لَا يَمْلِكُ الطَّلَاقَ الْبَائِنَ ابْتِدَاءَ؛ بَل إذَا طَلَبَتْ مِنْهُ الإِبَانَةَ مَلَكَ ذَلِكَ، وَهَذَا مَعْرُوفٌ عَن مَالِكٍ وَرِوَايَةٌ عَن أَحْمَد اخْتَارَهَا الخرقي.
ج - وَقِيلَ: لَا يَمْلِكُ إبَانَتَهَا بِلَا عِوَضٍ؛ بَل سَوَاءٌ طَلَبَتْ ذَلِكَ أَو لَمْ تَطْلُبْهُ، وَلَا يَمْلِكُ إبَانَتَهَا إلَّا بِعِوَض، وَهَذَا مَذْهَبُ أَكْثَرِ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ قَوْلُ إسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَابْنِ خُزَيْمَة ودَاوُد وَغَيْرِهِمْ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ النُّقُولِ الثَّابِتَةِ عَن أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَدُلُّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ؛ فَإِنَّ اللّهَ لَمْ يَجْعَل الطَّلَاقَ إلَّا رَجْعِيًّا، وَلَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ طَلَاقٌ بَائِنٌ مِن الثَّلَاثِ إلَّا بِعِوَضٍ، لَا بِغَيْرِ عِوَضٍ؛ بَل كُلُّ فُرْقَةٍ يَكُونُ بَائِنَةً فَلَيْسَتْ مِن الثَّلَاثِ. [٣٢/ ٣٠٤]
* * *
стр. 2985
(وطء الْمَرْأَة الْمُطَلَّقَة فِي الدُّبُرِ لا يجعلها حلالًا لِزَوْجِهَا الأول)
٤٦٥١ - وَسُئِلَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: عَمَّن قَالَ: إنَّ الْمَرْأَةَ الْمُطَلَّقَةَ إذَا وَطِئَهَا الرَّجُلُ فِي الدُّبُرِ تَحِلُّ لِزَوْجِهَا، هَل هُوَ صَحِيحٌ أَمْ لَا؟
فَأجَابَ: هَذَا قَوْلٌ بَاطِلٌ مُخَالِفٌ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْمَشْهُورِينَ وَغَيْرِهِمْ مِن أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا: "لَا، حَتَّى تَذُوقي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَك" (١) ، وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِن الْعُسَيْلَةِ، وَهَذَا لَا يَكُونُ بِالدُّبُرِ، وَلَا يُعْرَفُ فِي هَذَا خِلَافٌ. [٣٢/ ١٠٩]
* * *
(حكم طلاق المرتد ونكاحه)
٤٦٥٢ - إذَا ارْتَدَّ وَلَمْ يَعُدْ إلَى الْإِسْلَامِ حَتى انْقَضَتْ عِدَّةُ امْرَأَتِهِ: فَإِنَّهَا تَبِينُ مِنْهُ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ.
وَإِذَا طَلَّقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ: فَقَد طَلَّقَ أَجْنَبِيَّةً فَلَا يَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ.
فَإِذَا عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا.
وَإِن طَلَّقَهَا فِي زَمَنِ الْعِدَّةِ قَبْلَ أَنْ يَعُودَ إلَى الْإِسْلَامِ: فَهَذَا فِيهِ قَوْلَانِ. [٣٢/ ١٩٠ - ١٩١]
* * *
بَابٌ طَلَاقِ السُّنَّةِ وَطلَاقِ الْبدْعَةِ
(ما يَحِلُّ مِن الطَّلَاقِ وَيَحْرُمُ وَهَل يَلْزَمُ الْمُحَرَّمُ ؟) (٢)
٤٦٥٣ - الطَّلَاقُ مِنْهُ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، وَمِنْهُ مَا لَيْسَ الحواشي
(١) رواه البخاري(٢٦٣٩) ، ومسلم(١٤٣٣) .(٢) هذه رسالة تُسمى: البغدادية فيما يحل من الطلاق ويحرم، وقد جزأت أهم ما جاء فيها في هذه الفقرات.
قال المرداوي في الإنصاف (٨/ ٤٤٨): قَوْلُهُ (أي: المصنف): "السُّنَّةُ أنْ يُطَلِّقَهَا وَاحِدَةً =стр. 2986
بِمُحَرَّمٍ؛ فَالطَّلَاقُ الْمُبَاحُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ هُوَ أَنْ يُطَلِّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ طَلْقَةً وَاحِدَةً إذَا طَهُرَتْ مِن حَيْضَتِهَا بَعْدَ أَنْ تَغْتَسِلَ وَقَبْلَ أَنْ يَطَأَهَا، ثُمَّ يَدَعَهَا فَلَا يُطَلِّقَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا.
وَهَذَا الطَّلَاقُ يُسَمَّى: طَلَاقَ السُّنَّةِ.
فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَرْتَجِعَهَا فِي الْعِدَّةِ: فَلَهُ ذَلِكَ بِدُونِ رِضَاهَا وَلَا رضى وَليِّهَا وَلَا مَهْرٍ جَدِيدٍ.
وَإِن تَرَكَهَا حَتَّى تَقْضِيَ الْعِدَّةَ: فَعَلَيْهِ أَنْ يُسَرِّحَهَا بِإِحْسَان فَقَد بَانَتْ مِنْهُ.
فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ جَازَ لَهُ ذَلِكَ، لَكِنْ يَكُونُ بِعَقْدٍ، كَمَا لَو تَزَوَّجَهَا ابْتِدَاءً، أَو تَزَوَّجَهَا غَيْرُهُ، ثُمَّ ارْتَجَعَهَا فِي الْعِدَّةِ، أَو تَزَوَّجَهَا بَعْدَ الْعِدَّةِ وَأَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا، فَإِنَّهُ يُطَلّقُهَا كَمَا تَقَدَّمَ.
ثُمَّ إذَا ارْتَجَعَهَا، أَو تَزَوَّجَهَا مَرَّةً ثَانِيَةً وَأَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَإِنَّهُ يُطَلِّقُهَا كَمَا تَقَدَّمَ.
فَإِذَا طَلَّقَهَا الطَّلْقَةَ الثَّالِثَةَ: حَرُمَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ كَمَا حَرَّمَ اللهُ ذَلِكَ وَرَسُولُهُ.
وَحِينَئِذٍ فَلَا تُبَاحُ لَهُ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا غَيْرُهُ النِّكَاحَ الْمَعْرُوفَ الَّذِي يَفْعَلُهُ النَّاسُ إذَا كَانَ الرَّجُلُ رَاغِبًا فِي نِكَاحِ الْمَرْأَةِ ثُمَّ يُفَارِقُهَا.
فَأَمَّا إنْ تَزَوَّجَهَا بِقَصْدِ أَنْ يَحِلَّهَا لِغَيْرِهِ: فَإِنَّهُ مُحَرَّمٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ كَمَا نُقِلَ عَن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان وَغَيْرِهِمْ، وَكَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ النُّصُوصُ النَّبَوِيَّةُ وَالْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّة.
الحواشي
(١) = في طُهْرِ لم يُصِبْهَا فيه ثُمَّ يَدَعَهَا حتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا" وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ.
وَلَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا في ثَلَاثَةِ أطْهَارٍ كان حُكمُ ذلك حُكمَ جَمْعِ الثَّلَاثِ في طُهْرِ وَاحِدٍ.
قال الْإِمَامُ أحْمَدُ ﵀: طَلَاقُ السُّنَّةِ وَاحِدَةٌ ثُمَّ يَتْرُكُهَا حتى تَحِيضَ ثَلَاثَ حِيَضٍ. ا هـ.стр. 2987
وَإِن كَانَت الْمَرْأَةُ مِمَّا لَا تَحِيضُ لِصِغَرِهَا أَو كِبَرِهَا: فَإِنَّهُ يُطَلِّقُهَا مَتَى شَاءَ، سَوَاءٌ كَانَ وَطِئَهَا أَو لَمْ يَكُن يَطَؤُهَا؛ فَإِنَّ هَذِهِ عِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ، فَفِي أيِّ وَقْتٍ طَلَّقَهَا لِعِدَّتِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْتَدُّ بِقُرُوء وَلَا بِحَمْل.
وَإِنْ طَلَّقَهَا فِي الْحَيْضِ أَو طَلَّقَهَا بَعْدَ أَنْ وَطِئَهَا وَقَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ حَمْلُهَا: فَهَذَا الطَّلَاقُ مُحَرَّمٌ، وَيُسَمَّى: طَلَاقَ الْبِدْعَةِ، وَهُوَ حَرَامٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ.
وَإِنْ كَانَ قَد تبَيَّنَ حَمْلُهَا وَأَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا: فَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا.
وَهَل يُسَمَّى هَذَا طَلَاقَ سُنَّةٍ؟ أَو لَا يُسَمَّى طَلَاقَ سُنَّةٍ وَلَا بِدْعَةٍ؛ فِيهِ نِزَاعٌ لَفْظِيٌّ.
وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ أَو كَلِمَاتٍ؛ مِثْل أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، أَو أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ، أَو أَنْتِ طَالِقٌ ثمَّ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ، أَو يَقُولُ: أَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنْتِ طَالِقٌ، أَو يَقُولُ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، أَو عَشْرَ طَلْقَاتٍ أَو مِائَةَ طَلْقَةٍ، أو ألْفَ طَلْقَةٍ، وَنَحْو ذَلِكَ مِن الْعِبَارَاتِ: فَهَذَا لِلْعُلَمَاءِ مِن السَّلَفِ وَالْخَلَفِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، سَوَاءٌ كَانَت مَدْخُولًا بِهَا أَو غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا. وَفِيهِ قَوْلٌ رَابِعٌ مُحْدَثٌ مُبْتَدعٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ طَلَاقٌ مُبَاحٌ لَازِمٌ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي الرِّوَايَةِ الْقَدِيمَةِ عَنْهُ اخْتَارَهَا الخرقي.
الثَّانِي: أَنَّهُ طَلَاقٌ مُحَرَّمٌ لَازِمٌ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي الرِّوَايَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ عَنْهُ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ مُحَرَّمٌ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ إلَّا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهَذَا الْقَوْلُ مَنْقُولٌ عَن طَائِفَةٍ مِن السَّلَفِ وَالْخَلَفِ مِن أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ ﷺ (١) . الحواشي
(١) ظاهرُ من كلام الشيخ ﵀ أنه لا يرى وقوع طلاق الثلاث، سواء تلفظ بها بكلمة واحدة كقوله: أنت طالق ثلاثًا، أو تلفظ بها بكلمات متفرقة، كقوله: أنت طالق أنت طالق أنت طالق، =стр. 2988
وَأَمَّا الْقَوْلُ الرَّابِعُ الَّذِي قَالَهُ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ وَالشِّيعَةِ: فَلَا يُعْرَفُ عَن أَحَدٍ مِن السَّلَفِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ هُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ؛ فَإِنَّ كُلَّ طَلَاقٍ شَرَعَهُ اللهُ فِي الْقُرْآنِ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا إنَّمَا هُوَ الطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ، لَمْ يُشَرِّعْ اللّهُ لِأَحَد أَنْ يُطَلِّقَ الثَّلَاثَ جَمِيعًا، وَلَمْ يُشَرِّع لَهُ أَنْ يُطَلِّقَ الْمَدْخُولَ بِهَا طَلَاقًا باينًا - وَلَكِنْ إذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا بَانَتْ مِنْهُ- فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا (١) بَانَتْ مِنْهُ. الحواشي
(١) أي: الْمَدْخُول بِهَا، التي طلقها زوجها.стр. 2989
فَالطَّلَاقُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ:
أ - الطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ، وَهُوَ الَّذِي يُمْكِنُهُ أَنْ يَرْتَجِعَهَا فِيهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهَا، وَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا فِي الْعِدَّةِ وَرِثَهُ الْآخَرُ.
ب - وَالطَّلَاقُ الْبَائِنُ، وَهُوَ مَا يَبْقَى بِهِ خَاطِبًا مِن الْخِطَابِ، لَا تُبَاحُ لَهُ إلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ.
ج - والطَّلَاقُ الْمُحَرِّمُ لَهَا، لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، وَهُوَ فِيمَا إذَا طَلَّقَهَا ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ كَمَا أَذِنَ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَهُوَ أن يُطَلِّقَهَا ثُمَّ يَرْتَجِعَهَا فِي الْعِدَّةِ (١) ، أَو يَتَزَوَّجَهَا (٢) ، ثُمَّ يُطَلِّقَهَا ثُمَّ يَرْتَجِعَهَا، أَو يَتَزَوَّجَهَا ثُمَّ يُطَلِّقَهَا الطَّلْقَةَ الثَّالِثَةَ، فَهَذَا الطَّلَاقُ الْمُحَرّمُ لَهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.
وَلَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ وَلَا سُنَّةِ رَسُولِهِ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا طَلَاقٌ بَائِنٌ يُحْسَبُ مِن الثَّلَاثِ.
وَلهَذَا كَانَ مَذْهَبُ فُقَهَاءِ الْحَدِيث: أَنَّ الْخُلْعَ فَسْخٌ لِلنِّكَاحِ وَفُرْقَة بَائِنَةٌ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ لَا يُحْسَبُ مِن الثَّلَاثِ، وَهَذَا هُوَ الثَّابِتُ عَن الصَّحَابَةِ كَابْنِ عَبَّاس.
وَكَذَلِكَ ثَبَتَ عَن عُثْمَانَ بْنِ عفان وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمَا: أنَّ الْمُخْتَلِعَةَ لَيْسَ عَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ، وَإِنَّمَا عَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ بِحَيْضَة.
والْخُلْعُ: أَنْ تَبْذُلَ الْمَرْأَةُ عِوَضًا لِزَوْجِهَا لِيُفَارِقَهَا. الحواشي
(١) بشرط أن يكون ذلك عن رغبة، وأما إذا راجعها غيرَ راغب بها، بل كارهٍ لها، وإنما أراد استعجال وقوع الطلاق المحرِّم فلا يصح ارتجاعه والله أعلم.
وهذا جار على أصل شيخ الإسلام، فالعبرة بالمقاصد والمعاني، لا بالألفاظ، وقد قال ﵀ كما سيأتي -: الصحيح أن خلع اليمين لا يصح، كالمحلل؛ لأنه ليس المقصود به الفرقة.
ومثال خلع اليمين: أن يقول: إن سافرت الى البلد الفلاني فأنت طالق، فأراد السفر، فخالع امرأته ليبر بيمينه.
وهكذا من قال: راجعت امرأتي، ولم يقصد حقيقة الارتجاع، بل قصد سرعة الخلاص منها: لم يكن هذا ارتجاعًا لا في اللغة ولا في العرف ولا في الشرع.(٢) إذا تركها حتى انتهت عدّتها.стр. 2990
قَالَ اللهُ قَالَ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ بَيَّنَ أَنَّ الطَّلَاقَ الَّذِي ذَكَرَهُ (١) هُوَ الطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ أَحَقَّ بِرَدِّها: هُوَ مَرَّتَانِ، مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، كَمَا إذَا قِيلَ لِلرَّجُلِ: سَبِّحْ مَرَّتَيْنِ، أَو سَبِّحْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ اللّهِ سُبْحَانَ اللهِ، حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْعَدَدَ.
فَلَو أَرَادَ أَنْ يُجْمِلَ ذَلِكَ فَيَقُولُ: سُبْحَانَ اللّهِ مَرَّتَيْنِ أَو مِائَةَ مَرَّةٍ لَمْ يَكُن قَد سَبَّحَ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَاللهُ تَعَالَى لَمْ يَقُلْ: الطَّلَاقُ طَلْقَتَانِ؛ بَل قَالَ: ﴿مَرَّتَانِ﴾، فَإِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ أَو ثَلَاثًا أَو عَشْرًا أَو أَلْفًا: لَمْ يَكُن قَد طَلَّقَهَا إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً.
وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِأُمِّ الْمُؤمِنِينَ جُوَيْرِيَّةَ: "لَقَد قُلْت بَعْدَك أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ لَو وُرنَتْ بِمَا قُلْته مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبْحَانَ اللهِ زِنَةَ عَرْشِهِ، سُبْحَانَ اللهِ رضى نَفْسِهِ، سُبْحَانَ اللهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ" (٢) .
فَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَسْتَحِقُّ التَّسْبِيحَ بِعَدَدِ ذَلِكَ؛ كَقَوْلِهِ ﷺ : "رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُمَا وَمِلْءَ مَا شِئْت مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ"، لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ سَبَّحَ تَسْبِيحًا بِقَدْرِ ذَلِكَ؛ فَالْمِقْدَارُ تَارَةً يَكُونُ وَصْفًا لِفِعْلِ الْعَبْدِ، وَفِعْلُهُ مَحْصُورٌ، وَتَارَةً يَكُونُ لِمَا يَسْتَحِقُّهُ الرَّبُّ فَذَاكَ الَّذِي يَعْظُمُ قَدْرُهُ، وَإِلَّا فَلَوْ قَالَ الْمُصَلِّي فِي صَلَاتِهِ: سُبْحَانَ اللهِ عَدَدَ خَلْقِهِ لَمْ يَكُنْ قَدْ سَبَّحَ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَلَمَا شَرَعَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُسَبَّحَ دُبُرَ كُلّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَيُحَمَّدَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَيُكَبَّرَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَلَوْ قَالَ: سُبْحَانَ اللّهِ وَالْحَمْدُ للهِ وَاللّهُ أَكْبَرُ عَدَدَ خَلْقَهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ سَبَّحَ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَة.
وَلَا نَعْرِفُ أَنَّ أَحَدًا طَلَّقَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَلْزَمَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالثَّلَاثِ، وَلَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَلَا حَسَنٌ، وَلَا الحواشي
(١) في الآيات التي قبلها.(٢٧٢٦) .стр. 2991
نَقَلَ أَهْلُ الْكُتُبِ الْمُعْتَدِّ عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ شَيْئًا؛ بَل رُوِيتْ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ كُلُّهَا ضَعِيفَة بِاتِّفَاقِ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ بَل مَوْضُوعَةٌ.
بَل الَّذِي فِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" وَغَيْرِهِ مِن "السُّنَنِ وَالْمَسَانِيدِ" عَن طَاوُوسٍ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَسَنَتَيْنِ مِن خِلَافَةِ عُمَرَ: طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً، فَقَالَ عُمَرُ: إنَّ النَّاسَ قَد اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ كَانَت لَهُم فِيهِ أَنَاةٌ، فَلَو أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ، فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ (١) .
وَقَد قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩) ﴾ [النساء: ٥٩] فَأمَرَ الْمُؤمِنِينَ عِنْدَ تَنَازُعِهِمْ بِرَدِّ مَا تَنَازَعُوا فِيهِ إلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ، فَمَا تَنَازَعَ فِيهِ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ وَجَبَ رَدُّهُ إلَى الْكِتَاب وَالسُّنَّةِ.
وَلَيْسَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَا يُوجِبُ الْإِلْزَامَ بِالثَّلَاثِ بِمَن أَوْقَعَهَا جُمْلَةً بِكَلِمَة أَو كَلِمَاتٍ بِدُونِ رَجْعَةٍ أَو عُقْدَةٍ (٢) ؛ بَل إنَّمَا فِي الْكتَابِ وَالسُّنَّةِ الإِلْزَامُ بِذَلِكَ مَن طَلَّقَ الطَّلَاقَ الَّذِي أَبَاحَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَعَلَى هَذَا يَدُلُّ الْقِيَاسُ وَالاِعْتِبَارُ بِسَائِرِ أُصُولِ الشَّرْعِ؛ فَإِنَّ كُلَّ عَقْدٍ يُبَاحُ تَارَةً وَيَحْرُمُ تَارَةً -كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ- إذَا فُعِلَ عَلَى الْوَجْهِ الْمُحَرَّمِ لَمْ يَكُن لَازِمًا نَافِذًا كَمَا يَلْزَمُ الْحَلَالُ الَّذِي أَبَاحَهُ اللّهُ وَرَسُولُهُ.
وَهَذَا بِخِلَافِ مَا كَانَ مُحَرَّم الْجِنْسِ؛ كَالظِّهَارِ وَالْقَذْفِ وَالْكَذِبِ وَشَهَادَةِ الزُّورِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذَا يَسْتَحِقُّ مَن فَعلَه الْعُقُوبَةَ بِمَا شَرَعَهُ اللّهُ مِن الْأحْكامِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَكونُ تَارَةً حَلَالًا وَتَارَةً حَرَامًا حَتَّى يَكُونَ تَارَةً صَحِيحًا الحواشي
(١) رواه مسلم(١٤٧٢) .(٢) لعل الصواب: (عَقْد)، وجاء هكذا في جامع المسائل (١/ ٣٩٢): وكذلك المطلِّق ثلاثًا بكلمة أو كلماتٍ بدون رجعةٍ أو عقدٍ قد أتَى بمنكرٍ من القول، فيجب أن لا يقع به. اهـ.стр. 2992
وَتَارَة فَاسِدًا (١) .
وَفِي "الصَّحِيحِ" وَ"السُّنَنِ" وَ"الْمَسَانِيدِ" عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَذَكَرَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ انْ شَاءَ بَعْدُ أَمْسَكَهَا، وَإِن شَاءَ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يُجَامِعَهَا، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ" (٢) وَفِي رِوَايَةٍ فِي "الصَّحِيحِ" (٣) : أَنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يُطَلّقَهَا طَاهِرًا أَو حَامِلًا".
وَفِي رِوَايَةٍ فِي "الصَّحِيحِ": قَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ : ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١].
وَعَن ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ مِن الصَّحَابَةِ: الطَّلَاقُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ:
وَجْهَانِ حَلَالٌ، وَوَجْهَانِ حَرَامٌ:
فَأَمَّا اللَّذَانِ هُمَا حَلَالٌ: الحواشي
(١) قال الشيخ في موضع آخر: وَالَّذِينَ لَا يَرَوْنَ الطَّلَاقَ الْمُحَرَّمَ لَازِمًا يَقُولُونَ: هَذَا هُوَ الْأصْلُ الَّذِي عَلَيْهِ أئِمَّةُ الْفُقَهَاءِ؛ كَمَالِك وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ: أنَّ إيقَاعَاتِ الْعُقُودِ الْمُحَرَّمَةِ لَا تَقَعُ لَازِمَةً؛ كَالْبَيْعِ الْمُحَرَّمِ وَالنِّكَاحِ الْمُحَرَّمِ وَالْكتَابَةِ الْمُحَرَّمَةِ؛ وَلهَذَا أبْطَلُوا نِكَاحَ الشَّغَارِ وَنِكَاحَ الْمُحَلِّلِ، وَأَبْطَلَ مَالِكٌ وَأحْمَد الْبَيْعَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عِنْدَ النِّدَاء.
وَهَذَا بِخِلَافِ الظِّهَارِ الْمُحَرَّمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَفْسَهُ مُحَرَّمٌ، كَمَا يَحْرُمُ الْقَذْفُ وَشَهَادَةُ الزُّورِ وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ وَسَائِرُ الْأَقْوَالِ الَّتِي هِيَ نَفْسُهَا مُحَرَّمَةٌ، فَهَذَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْقَسِمَ إلَى صَحِيحِ وَغَيْرِ صَحِيحٍ، بَل صَاحِبُهَا يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ بِكُلِّ حَالٍ، فَعُوقِبَ الْمُظَاهِرُ بِالْكَفَّارَةِ، وَلَمْ يَحْصُلْ مَا قَصَدَهُ بِهِ مِن الطَّلَاقِ؛ فَإِنَّهُم كَانُوا يَقْصِدُونَ بِهِ الطَّلَاقَ وَهُوَ مُوجِبُ لَفْظِهِ، فَأَبْطَلَ الشَّارعُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَوْلٌ مُحَرَّمٌ، وَأوْجَبَ فِيهِ الْكَفَّارَةَ.
أمَّا الطَّلَاق فَجِنْسُهُ مَشْرُوعٌ؛ كَالنِّكَاحِ وَالْبَيْعِ، فَهُوَ يَحِلُّ تَارَةً وَيَحْرُمُ تَارَةً، فَيَنْقَسِمُ إلَى صَحِيحٍ وَفَاسِدٍ، كَمَا يَنقَسِمُ الْبَيْعُ وَالنِّكَاحُ، وَالنَّهْيُ فِي هَذَا الْجِنْسِ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ.
وَلَمَّا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُطَلِّقُونَ بِالظِّهَارِ فَأَبْطَلَ الشَّارعُ ذَلِكَ لِأنَّهُ قَوْلٌ مُحَرَّمٌ: كَانَ مُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ قَوْلٍ مُحَرَّمٍ لَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ، وَإِلَّا فَهُم كَانُوا يَقْصِدُونَ الطَّلَاقَ بِلَفْظِ الظِّهَارِ كَلَفْظِ الْحَرَامِ، وَهَذَا قِيَاسُ أصْلِ الْأئِمَّةِ؛ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد. اهـ. (٣٣/ ٨٩ - ٩٠).(٢) رواه البخاري(٥٢٥١) .(٣) مسلم(١٤٧١) .стр. 2993
أ - فَأَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَة طَاهِرًا فِي غَيْرِ جِمَاعٍ.
ب - أَو يُطَلِّقَهَا حَامِلًا قَد اسْتَبَانَ حَمْلُهَا.
وَأَمَّا اللَّذَانِ هُمَا حَرَامٌ:
أ - فَأَنْ يُطَلِّقَهَا حَائِضًا.
ب - أَو يُطَلِّقَهَا بَعْدَ الْجِمَاعِ لَا يَدْرِي اشْتَمَلَ الرَّحِمُ عَلَى وَلَدٍ أَمْ لَا.
رَوَاهُ الدارقطني وَغَيْرُهُ.
وَقَد بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا إِلَّا إذَا طَهُرَتْ مِن الْحَيْضِ قَبْلَ أَنْ يُجَامِعَهَا، وَهَذَا هُوَ الطَّلَاقُ لِلْعِدَّةِ؛ أَيْ: لِاسْتِقْبَالِ الْعِدَّةِ فَإِنَّ ذَلِكَ الطُّهْرَ أَو الْعِدَّةَ.
فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْعِدَّةِ يَكُونُ قَد طَلَّقَهَا قَبْلَ الْوَقْتِ الَّذِي أَذِنَ اللّهُ فِيهِ، وَيَكُونُ قَد طَوَّلَ عَلَيْهَا التَّرَبُّصَ، وَطَلَّقَهَا مِن غَيْرِ حَاجَةٍ بِهِ إلَى طَلَاقِهَا.
فَإِذَا طَلَّقَهَا لَمْ تَزَلْ فِي الْعِدَّةِ مُتَرَبِّصَةً ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ، وَهُوَ مَالِكٌ لَهَا يَرِثُهَا وَتَرِثُهُ، وَلَيْسَ لَهُ فَائِدَةٌ فِي تَعْجِيلِ الطَّلَاقِ قَبْلَ وَقْتِهِ (١) .
وَلهَذَا جَوَّزَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ الْخُلْعَ فِي الْحَيْضِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى قَوْلِ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ لَيْسَ بِطَلَاق؛ بَل فُرْقَةٌ بَائِنَةٌ، وَهُوَ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِمْ تُسْتَبْرأُ بِحَيْضَة، لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا؛ وَلِأَنَّهَا تَمْلِكُ نَفْسَهَا بِالاِخْتِلَاعِ، فَلَهُمَا فَائِدَةٌ فِي تَعْجِيلِ الْإِبَانَةِ لِرَفْعِ الشَّرِّ الَّذِي بَيْنَهُمَا، بِخِلَافِ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ فَإِنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي تَعْجِيلِهِ قَبْلَ وَقْتِهِ؛ بَل ذَلِكَ شَرٌّ بِلَا خَيْرٍ.
وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِابْنِ عُمَرَ: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا" مِمَّا تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ فِي مُرَادِ النَّبِيِّ ﷺ : الحواشي
(١) فليس له في ذلك فائدة سوى شفاء كيظه، وقهر المرأة والتنغيص عليها في الغالب.стр. 2994
فَفَهِمَ مِنْهُ طَائِفَةٌ مِن الْعُلَمَاءِ: أَنَّ الطَّلَاقَ قَد لَزِمَهُ فَأمَرَ أَنْ يَرْتَجِعَهَا، ثمَّ يُطَلِّقَهَا فِي الطُّهْرِ إنْ شَاءَ.
وَفَهِمَ طَائِفَةٌ أُخْرَى: أَنَّ الطَّلَاقَ لَمْ يَقَعْ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا فَارَقَهَا بِبَدَنِهِ كَمَا جَرَت الْعَادَةُ مِن الرَّجُلِ إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ اعْتَزَلَهَا بِبَدَنِهِ وَاعْتَزَلَتْهُ ببَدَنِهَا، فَقَالَ لِعُمَرِ: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا"، وَلَمْ يَقُلْ: "فَلْيَرْتَجِعْهَا"، وَالْمُرَاجَعَةَ مُفَاعَلَةٌ مِن الْجَانِبَيْنِ؛ أَيْ: تَرْجِعُ إلَيْهِ بِبَدَنِهَا فَيَجْتَمِعَانِ كَمَا كَانَا؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَمْ يَلْزَمْهُ، فَإِذَا جَاءَ الْوَقْتُ الَّذِي أَبَاحَ اللّهُ فِيهِ الطَّلَاقَ طَلَّقَهَا حِينَئِذٍ إنْ شَاءَ.
قَالَ هَؤُلَاءِ: وَلَو كَانَ الطَّلَاقُ قَد لَزِمَ لَمْ يَكُن فِي الْأَمْرِ بِالرَّجْعَةِ لِيُطَلِّقَهَا طَلْقَةً ثَانِيَهً فَائِدَةٌ؛ بَل فِيهِ مَضَرَّة عَلَيْهِمَا؛ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا بَعْدَ الرَّجْعَةِ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ فِي الطَّلَاقِ مَعَ الْأَوَّلِ تَكْثِيرُ الطَّلَاقِ، وَتَطْوِيلُ الْعِدَّةِ، وَتَعْذِيبُ الزَّوْجَيْنِ جَمِيعًا.
وَقَوْلُ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ أَشْبَهُ بِالْأصُولِ وَالنُّصُوصِ؛ فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ مُتَنَاقِضٌ؛ إذ الْأصْلُ الَّذِي عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالْفُقَهَاءُ: أَنَّ الْعِبَادَاتِ وَالْعُقُودَ الْمُحَرَّمَةَ إذَا فُعِلَتْ عَلَى الْوَجْهِ الْمُحَرَّمِ لَمْ تَكُنْ لَازِمَةً صَحِيحَة، وَهَذَا وَإِن كَانَ نَازَعَ فِيهِ طَائِفَة مِن أَهْلِ الْكلَامِ، فَالصَّوَابُ مَعَ السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَانِ كَانُوا يَسْتَدِلُّونَ عَلَى فَسَادِ الْعِبَادَاتِ وَالْعُقُوبَةِ (١) بِتَحْرِيمِ الشَّارعِ لَهَا، وَهَذَا مُتَوَاتِرٌ عَنْهُمْ.
وَأَيْضًا: فَإِنْ لَمْ يَكن ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى فَسَادِهَا لَمْ يَكُن عَن الشَّارعِ مَا يُبَيِّنُ الصَّحِيحَ مِن الْفَاسِدِ، فَإِنَّ الَّذِينَ قَالُوا: النَّهْيُ لَا يَقْتَضِي الْفَسَادَ قَالُوا: نَعْلَمُ صِحَّةَ الْعِبَادَاتِ وَالْعُقُودِ وَفَسَادَهَا بِجَعْلِ الشَارعِ هَذَا شَرْطًا أَو مَانِعًا وَنَحْو ذَلِكَ. الحواشي
(١) هكذا في جميع المصادر، ولا معنى لها، ولعل الصواب: والعقودِ.стр. 2995
وَالسَّلَفُ أَئِمَّةُ الْفُقَهَاءِ وَالْجُمْهُورُ يُسَلِّمُونَ أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ، وَلَا يَذْكُرُونَ فِي الاِعْتِذَارِ عَن هَذِهِ الصُّورَةِ فَرْقًا صَحِيحًا؛ بَل هَذَا الْأَصْلُ أَصْل عَظِيمٌ عَلَيْهِ مَدَارُ كَثِيرٍ مِن الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، فَلَا يُمْكِنُ نَقْضُهُ بِقَوْلِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ لَيْسَ مَعَهُم نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ؛ بَل الْأصُولُ وَالنُّصُوصُ لَا تُوَافِقُ بَل تُنَاقِضُ قَوْلَهُمْ.
وَمَن تَدَبَّرَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ اللهَ لَمْ يُشَرِّعْ الطَّلَاقَ الْمُحَرِّمَ (١) جُمْلَةً قَطُّ، وَأَمَّا الطَّلَاقُ الْبَائِنُ فَإِنَّهُ شَرَّعَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ. [٣٣/ ٥ - ٣٠]
وَلَكِن الَّذِينَ خَالَفُوا قِيَاسَ أُصُولِهِمْ فِي الطَّلَاقِ خَالَفُوهُ لِمَا بَلَغَهُم مِن الْآثَارِ، فَلَمَّا ثَبَتَ عِنْدَهُم عَن ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ اعْتَدَّ بِتِلْكَ التَّطْلِيقَةِ الَّتِي طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ قَالُوا: هُم أَعْلَمُ بِقِصَّتِهِ فَاتَّبَعُوهُ فِي ذَلِكَ، وَمَن نَازَعَهُم يَقُولُ: مَا زَالَ ابْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُ يَرْوُونَ أَحَادِيثَ وَلَا تَأْخُذُ الْعُلَمَاءُ بِمَا فَهِمُوهُ مِنْهَا؛ فَإِنَّ الاِعْتِبَارَ بِمَا رَوَوْهُ لَا بِمَا رَأَوْهُ وَفَهِمُوة.
وَقَد تَرَكَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي فَسَّرَ بِهِ قَوْلَهُ: "فَاقْدُرُوا لَهُ".
وَتَرَكَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُمَا تَفْسِيرَهُ لِحَدِيثِ: "الْبَيِّعَيْنِ بِالْخِيَارِ"، مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ هُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ.
وَتَرَكَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ تَفْسِيرَهُ لِقَوْلِهِ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، وَقَوْلِهِ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي كَذَا (٢) . الحواشي
(١) أي: الْمُحَرّم على الزوج الرجوع إلى زوجته حتى تنكح زوجًا غيره.(٢) يُشير إلى ما رواه البخاري في صحيحه(٤٥٢٧) ، عَن ابْنِ عُمَرَ في قوله تعالىْ قَالَ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] يَأْتِيهَا فِي .. هكذا فعل البخاري، لم يُكمل الحديث، ربما تنزهًا، وربما هكذا وصلت إليه. وقد صح =стр. 2996
وَكَذَلِكَ إذَا خَالَفَ الرَّاوِي مَا رَوَاهُ، كَمَا تَرَكَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَغَيْرُهُم قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ بَيْعَ الْأَمَةِ طَلَاقُهَا، مَعَ أَنَّهُ رَوَى حَدِيثَ بَرِيرَةَ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَيَّرَهَا بَعْدَ أَنْ بِيعَتْ وَعَتَقَتْ، فَإِنَّ الاِعْتِبَارَ بِمَا رَوَوْهُ لَا مَا رَأَوْهُ وَفَهِمُوهُ. [٣٣/ ٩٠]
٤٦٥٤ - الطَّلَاقُ نَوْعَانِ:
أ - نَوْعٌ أَبَاحَهُ اللّهُ.
ب - وَنَوْعٌ حَرَّمَهُ.
فَالَّذِي أَبَاحَهُ: أَنْ يُطَلّقَهَا إذَا كَانَت مِمَن تَحِيضُ بَعْدَ أَنْ تَطْهُرَ مِن الْحَيْضِ قَبْلَ أَنْ يَطَأَهَا، وَيُسَمَّى طَلَاقَ السُّنَّةِ.
فَإِنْ كَانَت مِمَن لَا تَحِيضُ: طَلَّقَهَا أَيَّ وَقْتٍ شَاءَ، أَو يُطَلِّقُهَا حَامِلًا قَد تَبَيَّنَ حَمْلُهَا.
فَإِنْ طَلَّقَهَا بِالْحَيْضِ أَو فِي طُهْرٍ بَعْدَ أَنْ وَطِئَهَا: كَانَ هَذَا طَلَاقًا مُحَرَّمًا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي وُقُوعِهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ.
وَطَلَاقُ السُّنَّةِ الْمُبَاح:
أ - إمَّا أَنْ يُطَلّقَهَا طَلْقَةً وَاحِدَةً وَيَدَعَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ فَتَبِينُ.
ب - أَو يُرَاجِعُهَا فِي الْعِدَّةِ.
فَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، أَو طَلَّقَهَا الثَّانِيَةَ، أَو الثَّالِثَةَ فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ: فَهَذَا حَرَامٌ، وَفَاعِلُهُ مُبْتَدِعٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ.
الحواشي
(١) = التصريح بذلك عند الطبري وغيره عن نَافِع أنه نَقَلَ عَن ابْن عُمَرَ أَنَّهُ لَمَّا قَرَأ عَلَيْهِ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ قَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: إنَّهَا نَزَلَتْ فِي إتْيَانِ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَ.
والشيخ جزم هنا أنّ هذا هو رأي ابن عمر، وكان قد تردد في موضع آخر، حيث قال: وَمِن النَّاسِ مَن يَقُولُ: ابْنُ عُمَرَ هُوَ الَّذِي غَلِطَ فِي فَهْمِ الْآيَةِ. وَاللّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ. اهـ. (٣٢/ ٢٦٦).стр. 2997
وَكَذَلِكَ إذَا طَلَّقَهَا الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ قَبْلَ الرَّجْعَةِ أَو الْعَقْدِ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَحْمَد فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ وَغَيْرِهِمَا.
وَلَكنْ هَل يَلْزَمُهُ وَاحِدَةٌ أَو ثَلَاثٌ؟ فِيهِ قَوْلَانِ:
قِيلَ: يَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ؛ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَقيلَ: لَا يَلْزَمُهُ إلَّا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِن السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَظْهَرُ.
وَفِي "مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَد" (١) بِإِسْنَاد جَيِّدٍ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ركانة بْنَ عَبْدِ يَزِيدَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "هِيَ وَاحِدَةٌ". وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ عَن النَّبِيِّ ﷺ بِإِسْنَاد ثَابِتٍ أَنَّهُ أَلْزَمَ بِالثَّلَاثِ لِمَن طَلَّقَهَا جُمْلَةً وَاحِدَةً.
وَحَدِيثُ ركانة الَّذِي يَرْوِي فِيهِ أَنَّهُ طَلَّقَهَا أَلْبَتَّةَ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَألَهُ وَقَالَ: "مَا أَرَدْت إلَّا وَاحِدَةً": ضَعِيفٌ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، ضَعَّفَهُ أَحْمَد وَالْبُخَارِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ حَزْمٍ؛ بِأَنَّ رُوَاتَهُ لَيْسُوا مَوْصُوفِينَ بِالْعَدْلِ وَالضَّبْطِ.
وَبَيَّنَ أَحْمَد: أَنَّ الصَّحِيحَ فِي حَدِيثِ ركانة: أَنَّهُ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَجَعَلَهَا وَاحِدَةً. [٣٢/ ٦٦ - ٦٧، ٣٣/ ٧٢ - ٧٣]
* * *
(﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١) ﴾)
٤٦٥٥ - قَالَ تَعَالَى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١) ﴾ [الطلاق: ١] قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْعُلَمَاءِ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ هُوَ الطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ، فَإِنَّهُ لَو شَرَعَ إيقَاعَ الثَّلَاثِ عَلَيْهِ لَكَانَ
стр. 2998
الْمُطَلِّقُ يَنْدَمُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ وَلَا سَبِيلَ إلَى رَجْعَتِهَا، فَيَحْصُلُ لَهُ ضَرَرٌ بِذَلِكَ، وَاللهُ أَمَرَ الْعِبَادَ بِمَا يَنْفَعُهُم وَنَهَاهُم عَمَّا يَضُرُّهُمْ؛ وَلهَذَا قَالَ تَعَالَى أَيْضًا بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ فِي الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ لَا يَكُونُ فِي الثَّلَاثِ وَلَا فِي الْبَائِنِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢] فَأَمَرَ بِالْإِشْهَادِ عَلَى الرَّجْعَةِ، وَالْإِشْهَادُ عَلَيْهَا مَأْمُورٌ بِهِ بِاتِّفَاقِ الْأُمَّةِ.
وَإِنَّمَا أَمَرَ بِالْإِشْهَادِ حِينَ قَال: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ وَالْمُرَادُ هُنَا بِالْمُفَارَقَةِ: تَخْلِيَةُ سَبِيلِهَا إذَا قَضَت الْعِدَّةَ، وَهَذَا لَيْسَ بِطَلَاق وَلَا بِرَجْعَة وَلَا نِكَاحٍ.
وَالْإِشْهَادُ فِي هَذَا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، فَعُلِمَ أَنَّ الْإِشْهَادَ إنَّمَا هُوَ عَلَى الرَّجْعَةِ.
وَمِن حِكْمَةِ ذَلِكَ: أَنَّهُ قَد يُطَلّقُهَا وَيَرْتَجِعُهَا فَيُزَيِّنُ لَهُ الشَّيْطَان كِتْمَانَ ذَلِكَ حَتَّى يُطَلّقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ طَلَاقًا مُحَرِّمًا وَلَا يَدْرِي أَحَدٌ، فَتَكُونُ مَعَهُ حَرَامًا، فَأَمَرَ اللهُ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى الرَّجْعَةِ؛ لِيُظْهِرَ أَنَّهُ قَد وَقَعَتْ بِهِ طَلْقَةٌ، كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ مَن وَجَدَ اللُّقَطَةَ انْ يُشْهِدَ عَلَيْهَا؛ لِئَلَّا يُزَيِّنَ الشَّيْطَانُ كِتْمَانَ اللُّقَطَةِ.
وَهَذَا بِخِلَافِ الطَّلَاقِ، فَإِنَّهُ إذَا طَلَّقَهَا وَلَمْ يُرَاجِعْهَا؛ بَل خَلَّى سَبِيلَهَا فَإِنَّهُ يَظْهَرُ لِلنَّاسِ أنَّهَا لَيْسَت امْرَأَتَهُ؛ بَل هِيَ مُطَلَّقَةٌ، بِخِلَافِ مَا إذَا بَقِيَتْ زَوْجَةً عِنْدَهُ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي النَّاسُ أطَلَّقَهَا أَمْ لَمْ يُطَلِّقْهَا. [٣٣/ ٣٣ - ٣٤]
* * *
стр. 2999
(بَابُ الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ)
٤٦٥٦ - الْأَيْمَانُ الَّتِي يَحْلِفُ بِهَا النَّاسُ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَيْمَانُ الْمُسْلِمِينَ.
والثَّاني: أَيْمَانُ الْمُشْرِكِينَ.
فَالْقِسْمُ الثَّانِي الْحَلِفُ بِالْمَخْلُوقَاتِ؛ كَالْحَلِفِ بِالْكَعْبَةِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْمَشَايِخِ وَالْمُلُوكِ وَالْآبَاءِ وَالسيْفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْلِفُ بِهَا كَثِيرٌ مِن النَّاسِ، فَهَذِهِ الْأَيْمَانُ لَا حُرْمَةَ لَهَا؛ بَل هِيَ غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَى مَن حَنِثَ فِيهَا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ؛ بَل مَن حَلَفَ بِهَا فَيَنْبَغِي أَنْ يُوَحِّدَ اللّهَ تَعَالَى، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَن حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: وَاللَّاتِ وَالْعُزى فَلْيَقُلْ: لَا إلَهَ إلَّا اللّهُ" (١) .
وَالنَّذْرُ لِلْمَخْلُوقَاتِ أَعْظَمُ مِن الْحَلِفِ بِهَا، فَمَن نَذَرَ لِمَخْلُوق لَمْ يَنْعَقِدْ نَذْرُهُ، وَلَا وَفَاءَ عَلَيْهِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ؛ مِثْل مَن يُنْذِرُ لِمَيِّت مِن الْأنْبِيَاءِ وَالْمَشَايخِ وَغَيْرِهِمْ.
وَأَمَّا الْحَلِفُ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ أَيْضًا مَنْهِي عَنْهُ وَلَا تَنْعَقِدُ بِهِ الْيَمِينُ وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ، هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، وَعَنْهُ تَنْعَقِدُ بِهِ الْيَمِينُ.
النَّوْعُ الثَّانِي: أَيْمَانُ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ حَلَفَ بِاسْمِ اللّهِ فَهِيَ أَيْمَانٌ مُنْعَقِدَةٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، وَفِيهَا الْكَفَّارَةُ إذَا حَنِثَ.
وَإِذَا حَلَفَ بِمَا يَلْتَزِمُهُ للّهِ؛ كَالْحَلِفِ بِالنَّذْرِ وَالظّهَارِ وَالْحَرَامِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ؛ مِثْل أَنْ يَقُولَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ عَشْرُ حِجَجٍ، أَو فَمَالِي صَدَقَةٌ، الحواشي
(١) رواه البخاري(٤٨٦٠) ، ومسلم(١٦٤٧) .стр. 3000
أَو عَلَيَّ صِيَامُ شَهْرٍ، أَو فَنِسَائِي طَوَالِقُ، أَو عَبِيدِي أَحْرَارٌ، أَو يَقُولُ: الْحِلُّ عَلَيَّ حَرَامٌ لَا أَفْعَلُ كَذَا، أَو الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي لَا أَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا، أَو إلَّا فَعَلْت كَذَا، وَإِن فَعَلْت كَذَا فَنِسَائِي طَوَالِقُ، أَو عَبِيدِي أَحْرَارٌ وَنَحْو ذَلِكَ: فَهَذِهِ الْأَيْمَانُ أَيْمَانُ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ الصَّحَابَةِ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَهِيَ أَيْمَانٌ مُنْعَقِدَةٌ.
وَقَالَ طَائِفَةٌ: بَل هُوَ مِن جِنْسِ الْحَلِفِ بِالْمَخْلُوقَاتِ فَلَا تَنْعَقِدُ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَهُوَ قَوْلُ الصَّحَابَةِ.
فَقَوْلُ الْقَائِلِ: للّهِ عَلَيَّ أَنْ أَفْعَلَ كَذَا: إنْ قَصَدَ بِهِ الْيَمِينَ فَهُوَ يَمِينٌ، كَمَا لَو قَالَ: للّهِ عَلَيَّ كَذَا، أَو أنْ أَقْتُلَ فُلَانًا: فَعَلَيه كَفَّارَةٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَأَبِي حَنِيفَةَ.
وَالصَّحِيحُ: أَنَّ هَذِهِ الْأَيْمَانَ كُلّهَا فِيهَا كَفَّارَةٌ إذَا حَنِثَ، وَلَا يَلْزَمُهُ إذَا حَنِثَ لَا نَذْرٌ وَلَا طَلَاقٌ وَلَا عَتَاقٌ وَلَا حَرَامٌ.
فَلِلْعُلَمَاءِ فِي الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ أَكْثَرُ مِن أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ:
أ - قِيلَ: يَلْزَمُهُ مُطْلَقًا؛ كَقَوْلِ الْأَرْبَعَةِ.
ب - وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ مُطْلَقًا؛ كَقَوْلِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشَّافِعِيّ وَابْنِ حَزْمٍ وَغَيْرِهِمَا.
ج - وَقِيلَ: إنْ قَصَدَ بِهِ الْيَمِينَ لَمْ يَلْزَمْهُ، وَهُوَ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الصَّحَابَةِ: الْيَمِينُ.
فَفِي لُزُومِ الْكَفَّارَةِ قَوْلَانِ: أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ إذَا كَانَت الْيَمِينُ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ.
فَإِنْ كَانَت الْيَمِينُ عَلَى مَاضٍ أَو حَاضِرٍ قَصْدُهُ بِهِ الْخَبَرَ -لَا الْحَضَّ وَالْمَنْعَ-؛ كَقَوْلِهِ: وَاللّهِ لَقَد فَعَلْت كَذَا، أَو لَمْ أَفْعَلْة، وَقَوْلُهُ: الطَّلَاقُ
стр. 3001
يَلْزَمُنِي لَقَد فَعَلْت كَذَا، أَو لَمْ أَفْعَلْهُ، أَو الْحِلُّ عَلَيَّ حَرَامٌ لَقَد فَعَلْت كَذَا: فَهَذَا:
أ - إمَّا أَنْ يَكُونَ مُعْتَقِدًا صِدْقَ نَفْسِهِ.
ب - أَو يَعْلَمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ.
فَإِنْ كَانَ يَعْتَقِدُ صِدْقَ نَفْسِهِ: فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَيْمَانِ، وَهَذَا أَظْهَرُ قَوْلَي الشَّافِعِيّ، وَالرّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَن أَحْمَد.
فَمَن حَلَفَ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ أَو غَيْرِهِمَا عَلَى شَيءٍ يَعْتَقِدُهُ؛ كَمَا لَو حَلَفَ عَلَيْهِ فَتَبَيَّنَ بِخِلَافِهِ: فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَهَذَا أَصَحُّ الْأَقْوَالِ.
فَإِذَا كَانَت الْيَمِينُ غَمُوسًا -وَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ كَاذِبًا عَالِمًا بِكَذِبِ نَفْسِهِ- فَهَذِهِ الْيَمِينُ يَأْثَمُ بِهَا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَغْفِرَ اللهَ مِنْهَا، وَهِيَ كَبِيرَةٌ مِن الْكَبَائِرِ، لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ مَقْصُودُهُ أَنْ يَظْلِمَ غَيْرَهُ؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَن حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَاجِرةٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ" (١) .
ثُمَّ إنْ كَانَت مِمَّا يُكَفّرُ: فَفِيهَا كَفَّارَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي رِوَايَةٍ، وَأَمَّا الْأَكْثَرُونَ فَقَالُوا: هَذِهِ أَعْظَمُ مِن أَنْ تُكَفَّرَ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ.
قَالُوا: وَالْكَبَائِرُ لَا كَفَّارَةَ فِيهَا، كَمَا لَا كَفَّارَةَ فِي السَّرِقَةِ وَالزنى وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَكَذَلِكَ قَتْلُ الْعَمْدِ لَا كَفَارَةَ فِيهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. الحواشي
(١) رواه البخاري(٢٣٥٧) ، ومسلم(١٣٨) .стр. 3002
وَإِذَا حَلَفَ بِالْتِزَامِ يَمِينٍ غَمُوسٍ؛ مِثْل أَنْ يَقُولَ: الْحِلُّ عَلَيْهِ حَرَامٌ مَا فَعَلْت كَذَا، أَو الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي مَا فَعَلْت كَذَا، أَو إنْ فَعَلْت كَذَا فَمَالِي صَدَقَةٌ، أَو فَعَلَيَّ الْحَجُّ، أَو فَنِسَائِي طَوَالِقُ، أَو عَبِيدِي أَحْرَارٌ:
أ - فَقِيلَ: تَلْزَمُهُ هَذِهِ اللَّوَازِمُ.
ب - وَالْقَوْلُ الثانِي: أَنَّ هَذَا كَالْيَمِينِ الْغَمُوسِ بِاللّهِ هِيَ مِن الْكَبَائِرِ وَلَا يَلْزَمُهُ مَا الْتَزَمَهُ مِن النَّذْرِ وَالطَّلَاقِ وَالْحَرَامِ، وَهُوَ أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ.
وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ: فَكُلُّ مَن لَمْ يَقْصِدْهُ لَمْ يَلْزَمْهُ نَذْرٌ وَلَا طَلَاقٌ وَلَا عَتَاقٌ وَلَا حَرَامٌ، سَوَاءٌ كَانَت الْيَمِينُ مُنْعَقِدَةً، أَو كَانَت غَمُوسًا، أَو كَانَت لَغْوًا (١) .
وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ وَالنَّذْرُ لِمَن قَصَدَ ذَلِكَ.
فَإِنَ التَّعْلِيقَ نَوْعَانِ: نَوْعٌ يُقْصَدُ بِهِ وُقُوعُ الْجَزَاءِ إذَا وَقَعَ الشَّرْطُ: فَهَذَا تَعْلِيق لَازِمٌ، فَإِذَا عَلَّقَ النَّذْرَ أَو الطَّلَاقَ أَو الْعَتَاقَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَزِمَهُ.
فَإِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إذَا تَطَهَّرْت مِن الْحَيْضِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَو إذَا تَبَيَّنَ حَمْلُك فَأَنْتِ طَالِق: وَقَعَ بِهَا الطَّلَاقُ عِنْدَ الصِّفَةِ، وَكَذَلِكَ إذَا عَلَّقَهُ بِالْهِلَالِ، وَكَذَلِكَ لَو نَهَاهَا عَن أَمْرٍ وَقَالَ: إنْ فَعَلْته فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَهُوَ إذَا فَعَلَتْهُ يُرِيدُ أَنْ يُطَلِّقَهَا: فَإِنَّهُ يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ وَنَحْو هَذَا، [بِخِلَافِ] (٢) مِثْل أَنْ يَنْهَاهَا عَن فَاحِشَةٍ الحواشي
(١) وعامة أيمان الناس بالطلاق والحرام ونحوه لا يقصدون ما الْتزموا به، فلا يجب عليهم سوى كفارة اليمين عند الحنث، فمن قال: علي الطلاق أني ما فعلت كذا، وهو في الحقيقة قد فعله: فلا يجب عليه إِلَّا الكفارة؛ لأنه لم يقصد إيقاع الطلاق.
ومن قال: علي الحرام، أو زوجتي حرام علي، أو لله على أن أصوم أو أنحر جزورًا أن تأكل عندي، فلم يأكل الرجل عنده، أو قال: أني فعلت كذا وهو كاذب: فليس عليه إِلَّا كفارة اليمين.
أما لو قال: لله عليّ أن أصوم أو أنحر جزورًا إن شفى الله مريضي: فشُفي: فيجب الوفاء بالنذز؛ لأنه قصد ما الْتزمه.(٢) هكذا في الأصل والنسخ الأخرى، والذي يظهر أنها مقحمة، فلا يصح المعنى بها، وما ذكره بعدُ ليس مُخالفًا لما قبل.стр. 3003
أَو خِيَانَةٍ أَو ظُلْمٍ فَيَقُولُ: إنْ فعلتيه أَنْتِ طَالِقٌ، فَهُوَ وَإِنْ كَانَ يَكْرَهُ طَلَاقَهَا، لَكِنْ إذَا فَعَلَتْ ذَلِكَ الْمُنْكَرَ كَانَ طَلَاقُهَا أَحَبَّ إلَيْهِ مِن أَنْ يُقِيمَ مَعَهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، فَهَذَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ.
فَقَد ثَبَتَ عَن الصَّحَابَةِ: أَنَّهُم أَوْقَعُوا الطَّلَاقَ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ إذَا كَانَ قَصْدُهُ وُقُوعَهُ عِنْدَ الشَّرْطِ، كَمَا أَلْزَمُوهُ بِالنَّذْرِ.
بِخِلَافِ مَن كَانَ قَصْدُهُ الْيَمِينَ، وَالَّذِي قَصْدُهُ الْيَمِينُ هُوَ مِثْل الَّذِي يَكرَهُ الشَّرْطَ وَيَكْرَهُ الْجَزَاءَ وَإِن وَقْعَ الشَّرْطُ؛ مِثْل أَنْ يَقُولَ: إنْ سَافَرْت مَعَكمْ فَنِسَائِي طَوَالِقُ، وَعَبِيدِي أَحْرَارٌ، وَمَالِي صَدَقَة، وَعَلَيَّ عَشْرُ حِجَجٍ، وَأَنَا بَرِيءٌ مِن دِينِ الْإِسْلَامِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذَا مِمَّا يُعْرَفُ قَطْعًا أَنَهُ لَا يُرِيدُ أَنْ تَلْزَمَهُ هَذِهِ الْأمُورُ وَإِن وُجِدَ الشَّرْطُ، فَهَذَا هُوَ الْحَالِفُ. [٣٣/ ١٢٢ - ١٣٠]
وَهَكَذَا كُلُّ مَن حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَو غَيْرِهِ إنَّمَا يَقْصِدُ بِيَمِينِهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ لِفَرْطِ بُغْضِهِ لَهُ، وَبِهَذَا فَرَّقَ الْجُمْهُورُ بَيْنَ نَذْرِ التَّبَرُّرِ ونَذْرِ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ، قَالُوا: لِأنَّ الْأَوَّلَ قَصْدُهُ وُجُودُ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، بِخِلَافِ الثَّانِي.
فَإِذَا قَالَ: إنْ شَفَى اللهُ مَرِيضِي فَعَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ، أَو فَعَبْدِي حُرّ: لَزِمَهُ ذَلِكَ بِالِاتِّفَاقِ.
وَأَمَّا إذَا قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ، أَو فَعَبْدِي حُرٌّ، وَقَصْدُهُ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ: فَهَذَا مَوْضِعُ النِّزَاعِ. مَعَ أَنَّ الْمَنْصُوصَ عَن الْأَئِمَّةِ الْأرْبَعَةِ وُقُوعُ الْعِتْقِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ سَبْعَةَ مِن الصَّحَابَةِ: مِثْل ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَحَفْصَةَ، وَزينَبَ رَبِيبَةِ النَّبِيِّ ﷺ : أَجَلُّ مِن أَرْبَعَةٍ (١) مِن الحواشي
(١) يقصد الأئمة الأربعة: أبا حنيفة ومالكٌ والشافعيّ وأحمدَ ﵃.
وتأمل كلامه تجده في غاية الصواب والحق.стр. 3004
عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا قَالُوا هُم وَأَئِمَّةُ التَّابِعِينَ: إنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْعِتْقُ الْمَحْلُوفُ بِهِ بَل يُجْزِيه كَفَّارَةُ يَمِينٍ: كَانَ هَذَا الْقَوْلُ - مَعَ دَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ - إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ.
فَكَيْفَ يَسُوغُ لِمَن هُوَ مِن أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ أَنْ يُلْزِمَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالْقَوْلِ الْمَرْجُوحِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْأَقْيِسَةِ الصَّحِيحَةِ الشَّرْعِيَّةِ، مَعَ مَا لَهُم مِن مَصْلَحَةِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ؛ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ مِن صِيَانَةِ أَنْفُسِهِمْ وَحَرِيمِهِمْ وَأَمْوَالمْ وَأَعْرَاضِهِمْ وَصَلَاحِ ذَاتِ بَيْنِهِمْ وَصِلَةِ أَرْحَامِهِمْ وَاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى طَاعَةِ اللّهِ وَرَسُولِهِ؛ وَاسْتِغْنَائِهِمْ عَن مَعْصِيَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ: مَا يُوجِبُ تَرْجِيحَهُ لِمَن لَا يَكُونُ عَارِفًا بِدَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَكَيْفَ بِمَن كَانَ عَارِفًا بِدَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. [٣٣/ ١٣٧ - ١٣٩]
* * *
(الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ وَبَيْنَ الْحَلِفِ بِالنَّذْرِ)
٤٦٥٧ - الْفَرْقُ ظَاهِرٌ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَبَيْنَ الْحَلِفِ بِهِ، كَمَا يُعْرَفُ الْفَرْقُ بَيْنَ النَّذْرِ وَبَيْنَ الْحَلِفِ بِالنَّذْرِ:
- فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ يَطْلُبُ مِن اللهِ حَاجَةً فَقَالَ: إنْ شَفَى اللهُ مَرَضِي، أَو قَضَى دَيْنِي، أَو خَلَّصَنِي مِن هَذ الشِّدَّةِ، فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، أَو أَصُومَ شَهْرًا، أَو أَعْتِقَ رَقَبَةً، فَهَذَا تَعْلِيقُ نَذْرٍ، يَجِبُ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ.
- وَإِذَا علّقَ النَّذْرَ عَلَى وَجْهِ الْيَمِينِ فَقَالَ: إنْ سَافَرْت مَعَكُمْ، إنْ زَوَّجْت فُلَانًا، أَنْ أَضْرِبَ فُلَانًا.
إنْ لَمْ أُسَافِرْ مِن عِنْدِكمْ: فَعَلَيَّ الْحَجُّ، أَو: فَمَالِي صَدَقَةٌ، أَو: فَعَلَيَّ عِتْقٌ، فَهَذَا عِنْدَ الصَّحَابَةِ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ هُوَ حَالِفٌ بِالنَّذْرِ لَيْسَ بِنَاذِر، فَإِذَا لَمْ يَفِ بِمَا الْتَزَمَهُ أَجْزَأَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
стр. 3005
- وَكَذَلِكَ أَفْتَى الصَّحَابَةُ فِيمَن قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَكُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ؛ أَنَّهُ يَمِينٌ، يَجْزِيه فِيهَا كَفَّارَةُ الْيَمِينِ. [٣٣/ ٣٦ - ٣٧]
* * *
(المفاسد المترتبة على القول بوقوع الطلاق لمن حلف به وحنث، والطَّلَاق الْمُحَرَّم، وجَمْع الثَّلَاثِ، وطَلاق السَّكْرَانِ والْمُكْرَهِ)
٤٦٥٨ - لَمَّا حَدَثَ الْحَلِفُ بِالطَّلَاقِ وَاعْتَقَدَ كَثِيرٌ مِن الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْحَانِثَ يَلْزَمُهُ مَا أَلْزَمَهُ نَفْسَهُ، وَلَا تُجْزِيه كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَاعْتَقَدَ كَثِيرٌ مِنْهُم أَنَّ الطَّلَاقَ الْمُحَرَّمَ يَلْزَمُ، وَاعْتَقَدَ كَثِيرٌ مِنْهُم أَنَّ جَمْعَ الثَّلَاثِ لَيْسَ بِمُحَرَّمِ، وَاعْتَقَدَ كَثِيرٌ مِنْهُم أَنَّ طَلَاقَ السَّكْرَانِ يَقَعُ، وَاعْتَقَدَ كَثِيرٌ مِنْهُم أَنَّ طَلَاقَ الْمُكْرَهِ يَقَعُ، وَكَانَ بَعْضُ هَذ الْأَقْوَالِ مِمَّا تَنَازَعَ فِيهِ الصَّحَابَةُ، وَبَعْضُهَا مِمَّا قِيلَ بَعْدَهُمْ: كَثُرَ اعْتِقَادُ النَّاسِ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ مَعَ مَا يَقَعُ مِن الضَّرَرِ الْعَظِيمِ وَالْفَسَادِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا بِمُفَارَقَةِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ.
فَصَارَ الْمُلْزِمُونَ بِالطَّلَاقِ فِي هَذ الْمَوَاضِعِ الْمُتَنَازَعِ فِيهَا حِزْبَيْنِ:
أ - حِزْبًا اتَّبَعُوا مَا جَاءَ عَن النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحَابَةِ فِي تَحْرِيمِ التَّحْلِيلِ فَحَرَّمُوا هَذَا، مَعَ تَحْرِيمِهِمْ لِمَا لَمْ يُحَرِّمْهُ الرَّسُولُ ﷺ مِن تِلْكَ الصُّوَرِ، فَصَارَ فِي قَوْلِهِمْ مِن الْأَغْلَالِ وَالْآصَارِ وَالْحَرَجِ الْعَظِيمِ الْمُفْضي إلَى مَفَاسِدَ عَظِيمَةٍ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا أُمُورٌ مِنْهَا:
أ - رِدَّةُ بَعْضِ النَّاسِ عَن الْإِسْلَامِ لَمَّا أُفْتِيَ بِلُزُومِ مَا الْتَزَمَهُ.
ب - وَمِنْهَا سَفْكُ الدَّمِ الْمَعْصُومِ.
ج - وَمِنْهَا زَوَالُ الْعَقْلِ.
د - وَمِنْهَا الْعَدَاوَةُ بَيْنَ النَّاسِ.
هـ - وَمِنْهَا تَنْقِيصُ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ.
стр. 3006
إلَى كَثيرٍ مِن الْآثَامِ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِن الْأُمُورِ الْعِظَامِ.
ب - وَحِزْبًا رَأَوْا أَنْ يُزِيلُوا ذَلِكَ الْحَرَجَ الْعَظِيمَ بِأَنْوَاعٍ مِن الْحِيَلِ الَّتِي بِهَا تَعُودُ الْمَرْأةُ إلَى زَوْجِهَا (١) . [٣٣/ ٣٨]
٤٦٥٩ - قَوْلُ الْقَائِلِ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ الْحَجُّ هَذَا الْعَامَ: بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: وَاللّهِ إنْ فَعَلْت كَذَا لَأَحُجَّن هَذَا الْعَامَ.
وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ وَعَبْدِي حُرٌّ: هُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: وَاللهِ إنْ فَعَلْت كَذَا لَيَقَعَن بِي الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ، وَلَأُوقِعَنَّ الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ، وَهُوَ إذَا فَعَلَة لَمْ تَلْزَمْهُ الْكَفَّارَةُ إلَّا إذَا لَمْ يَقَعْ بِهِ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ، وَإِذَا لَمْ يُوقِعْهُ لَمْ يَقَعْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ شَرْطُ الْحِنْثِ؛ لِأَنَّ الْحِنْثَ مُعَلَّق بِشَرْطَيْنِ (٢) .
وَقَد تَقَدَّمَ أَنَّ الرَّجُلَ الْمُعَلِّقَ إنْ كَانَ قَصْدُهُ وُقُوعَ الْجَزَاءِ عِنْدَ الشَّرْطِ وَقَعَ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ قَصْدُة الْحَلِفَ وَهُوَ يَكْرَهُ وُقُوعَ الْجَزَاءِ عِنْدَ الشَّرْطِ فَهَذَا حَالِفٌ. [٣٣/ ٥٥ - ٥٦]
٤٦٦٠ - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: الطَّلَاقُ عَن وَطَرٍ، وَالْعِتْقُ مَا اُبْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللّهِ. ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ".
بَيَّنَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ الطَّلَاقَ إنَّمَا يَقَعُ بِمَن غَرَضُهُ أَنْ يُوقِعَهُ، لَا لِمَن يَكْرَهُ وُقُوعَهُ كَالْحَالِفِ بِهِ وَالْمُكرَهِ عَلَيْهِ. [٣٣/ ٦١]
* * * الحواشي
(١) إلى هنا انتهى ما انتقيتُه من الرسالة البغدادية.(٢) وهما: الأول: إذا فَعَلَت ما نهاها عنه.
الثاني: إذا أوقعَ الطَّلَاقَ أو الْعَتَاقَ.стр. 3007
(ما الحكم إذَا حَلَفَ باللِّه أَو الطَّلَاقِ أَو النَّذْرِ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا فَفَعَلَهُ نَاسِيًا لِيَمِينِهِ أَو جَاهِلًا بِأَنَّهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ)
٤٦٦١ - تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا إذَا حَلَفَ بِاللّهِ أَو الطَّلَاقِ أَو الظِّهَارِ أَو الْحَرَامِ أَو النَّذْرِ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا فَفَعَلَهُ نَاسِيًا لِيَمِينِهِ أَو جَاهِلًا بِأَنَّهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ: فَهَل يَحْنَثُ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَد وَأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لِلشَافِعِيِّ وَإِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَن أَحْمَد؟
أَوْ لَا يَحْنَثُ بِحَال؟ (١) .
أَو يُفَرَّقُ بَيْنَ الْيَمِينِ بِالطَّلَاقِ وَالْعِتَاقِ وَغَيْرِهِمَا كَالرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ عَن أَحْمَد؛ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَرْجِعُ فِي الْيَمِينِ إلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ إذَا احْتَمَلَهَا لَفْظُهُ، وَلَمْ يُخَالِف الظَّاهِرَ، أَو خَالَفَهُ وَكَانَ مَظْلُومًا.
وَتَنَازَعوا: هَل يَرْجِعُ إلَى سَبَبِ الْيَمِينِ وَسِيَاقِهَا وَمَا هَيَّجَهَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: فَمَذْهَبُ الْمَدَنِيِّينَ كَمَالِكٍ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى ذَلِكَ، وَالْمَعْرُوفُ فِي مَذْهَب أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ، لَكِنْ فِي مَسَائِلِهِمَا مَا يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ (٢) . [٣٢/ ٨٦ - ٨٧]
* * *
(أنواع الأيمان وصيغُه)
٤٦٦٢ - أما الْكَلَامُ الْمُتَعَلِّقُ بِالطَّلَاقِ فَهُوَ:
أ - إمَّا صِيغَةُ تَنْجِيزٍ.
ب - وَإِمَّا صِيغَة تَعْلِيقٍ.
ج - وَإِمَّا صِيغَةُ قَسَمٍ. الحواشي
(١) وهو الراجح والعلم عند الله.(٢) هذا يدل على اطلاع الشيخ على كتب العلماء وأصحاب المذاهب، وسبره لها.стр. 3008
أمَّا صِيغَةُ التَّنْجِيزِ: فَهُوَ إيقَاعُ الطَّلَاقِ مُطْلَقًا مُوْسَلًا مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِصِفَةٍ وَلَا يَمِينٍ؛ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ أَو مُطَلَّقَةٌ.
وَأَمَّا صِيغَةُ الْقَسَمِ: فَهُوَ أَنْ يَقُولَ: الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي لَأَفْعَلَنَّ كَذَا، أَو لَا أَفْعَلُ كَذَا، فَيَحْلِفُ بِهِ عَلَى حَضٍّ لِنَفْسِهِ أَو لِغَيْرِهِ، او مَنْع لِنَفْسِهِ أَو لِغَيْرِهِ، أَو عَلَى تَصْدِيقِ خَبَرٍ أَو تَكْذِيبِهِ، فَهَذَا يَدْخُلُ فِي مَسَائِلِ الطَّلَاقِ وَالْأَيْمَانِ؛ فَإِنَّ هَذَا يَمِين بِاتِّفَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ؛ فَإِنَّهَا صِيغَةُ قَسَمٍ، وَهُوَ يَمِينٌ أَيْضًا فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ لَمْ يَتَنَارعُوا فِي أَنَّهَا تُسَمَّى يَمِينًا.
وَلَكِنْ تَنَازَعُوا فِي حُكْمِهَا.
وَكَذَلِكَ تَنَازَعُوا فِيمَا إذَا حَلَفَ بِالنَّذْرِ فَقَالَ: إذَا فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ الْحَجُّ أَو صَوْمُ شَهْرٍ أَو مَالِي صَدَقَةٌ، لَكِنَّ هَذَا النَّوْعَ اُشْتُهِرَ الْكَلَامُ فِيهِ عَن السَّلَفِ مِن الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَقَالُوا: إِنَّهُ أَيْمَان تُجْزِي فِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ؛ لِكَثْرَةِ وُقُوعِ هَذَا فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ، بِخِلَافِ الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ، فَإِنَّ الْكَلَامَ فِيهِ إنَّمَا عُرِفَ عَن التَّابِعِينَ وَمَن بَعْدَهُمْ، وَتَنَازَعُوا فِيهِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ.
وَالثَّالِثُ: صِيغَةُ تَعْلِيق؛ كَقَوْلِهِ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَيُسَمَّى هَذَا طَلَاقًا بِصِفَة.
فَهَذَا:
أ - إمَّا أَنْ يَكُونَ قَصْدُ صَاحِبِهِ الْحَلِفَ، وَهُوَ يَكْرَهُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ إذَا وُجِدَت الصِّفَة.
ب - وَإِمَّا أنْ يَكُونَ قَصْدُهُ إيقَاعَ الطَّلَاقِ عِنْدَ تَحَقُّقِ الصِّفَةِ.
فَالْأوَّلُ: حُكْمُهُ حُكْمُ الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ.
وَلَو قَالَ: إنْ حَلَفْتُ يَمِينًا فَعَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ، وَحلفَ بِالطَّلَاقِ: حَنِثَ بِلَا نِزَاع نَعْلَمُهُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ الْمَشْهُورِينَ.
стр. 3009
وَالثانِي: وَهوَ أَنْ يَكُونَ قَصدَ إيقَاع الطَّلَاقِ عِنْدَ الصِّفَةِ، فَهَذَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ إذَا وُجِدَت الصِّفَةُ كَمَا يَقَعُ الْمُنجِّزُ عِنْدَ عَامَّةِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَكَذَلِكَ إذَا وَقَّتَ الطَّلَاقَ بِوَقْت؛ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِق عِنْدَ رَأْسِ الشَّهْرِ.
وَقَد ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى وُقُوعِ هَذَا الطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ وَلَمْ يَعْلَمْ فِيهِ خِلَافًا قَدِيمًا.
لَكِن ابْنُ حَزْمٍ زَعَمَ أَنَهُ لَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ، وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِيَّةِ، مَعَ أَنَّ ابْنَ حَزْمٍ ذَكَرَ فِي كِتَابِ "الْإِجْمَاعِ" إجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ وَذَكَرَ أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا أَخْرَجَهُ مَخْرَجَ الْيَمِينِ: هَل يَقَعُ الطَّلَاقُ أَو لَا يَقَعُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؟ أَو يَكونُ يَمِينًا مُكَفّرَةً؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، كَمَا أَنَّ نَظَائِرَ ذَلِكَ مِن الْأَيْمَانِ فِيهَا هَذِهِ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ.
وَهَذَا الضَّرْبُ وَهُوَ الطَّلَاقُ الْمُعَلَّقُ بِصِفَةٍ يَقْصِدُ إيقَاعَ الطَّلَاقِ عِنْدَهَا، وَلَيْسَ فِيهَا مَعْنَى الْحَضّ وَالْمَنْعِ؛ كَقَوْلِهِ: إنْ طَلَعَت الشَّمْسُ فَأَنْتِ طَالِقٌ: هَل هُوَ يَمِينٌ؟ فِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: هُوَ يَمِينٌ؛ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد.
الثَّافي: أَنَّهُ لَيْسَ بِيَمِينٍ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَالْقَوْلِ الْآخَرِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد.
وَهَذَا الْقَوْلُ أَصَحُّ شَرْعًا وَلُغَةً، وَأَمَّا الْعُرْفُ فَيَخْتَلِفُ.
فَصْلٌ
وَأَمَّا أَنْوَاعُ الْأَيْمَانِ الثَّلَاثَةِ:
أ - فَالْأوَّلُ: أَنْ يَعْقِدَ الْيَمِينَ بِاللهِ.
ب - والثَّانِي: أَنْ يَعْقِدَهَا للهِ.
ج - وَالثَّالِثُ: أَنْ يَعْقِدَهَا بِغَيْرِ اللهِ أَو لِغَيْرِ اللهِ.
стр. 3010
فَأمَّا الْأَوَّلُ: فَهُوَ الْحَلِفُ بِاللّهِ، فَهَذِهِ يَمِينٌ مُنْعَقِدَةٌ مُكَفِّرَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ.
وَأمَّا الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ يَعْقِدَهَا بِمَخْلُوق أَو لِمَخْلُوق؛ مِثْل: أَنْ يَحْلِفَ بِالطَّوَاغِيتِ أَو بِأَبِيهِ أَو الْكَعْبَةِ أَو غَيْرِ ذَلِكَ مِن الْمَخْلُوقَاتِ: فَهَذِهِ يَمِينٌ غَيْرُ مُحْتَرَمَةٍ لَا تَنْعَقِدُ، وَلَا كَفَّارَةَ بِالْحِنْثِ فِيهَا بِاتّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.
لَكِنَّ نَفْسَ الْحَلِفِ بِهَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ. وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْحَلِفُ بِالْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، إلَّا أَنَّ فِي الْحَلِفِ بِالنَّبِيِّ ﷺ قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد.
وَقَوْل الْجُمْهُورِ: أَنَّهَا يَمِينٌ غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ وَلَا كَفَّارَةَ فِيهَا.
وَأَمَّا عَقْدُهَا لِغَيْرِ اللهِ: فَمِثْل أَنْ ينْذرَ لِلْأَوْثَانِ وَالْكَنَائِسِ، أَو يَحْلِفَ بِذَلِكَ فَيَقُولُ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ لِلْكَنِيسَةِ كَذَا، أَو لِقَبْرِ فُلَانٍ كَذَا وَنَحْو ذَلِكَ، فَهَذَا إنْ كَانَ نَذْرًا فَهُوَ شِرْكٌ وَإِن كَانَ يَمِينًا فَهُوَ شِرْكٌ، إذَا كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ، كَمَا يَقُولُ الْمُسْلِمُ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ هَدْيٌ.
وَأَمَّا إذَا قَالَهُ عَلَى وَجْهِ الْبُغْضِ لِذَلِكَ، كَمَا يَقُولُ الْمُسْلِمُ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا يَهُودِيٌّ أَو نَصْرَانِيٌّ، فَهَذَا لَيْسَ مُشْرِكًا.
وَمَا كَانَ مِن نَذْرِ شِرْكٍ أَو يَمِينِ شِرْكٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَ إلَى اللّهِ مِن عَقْدِهَا، لَيْسَ فِيهَا وَفَاءٌ وَلَا كَفَّارَةٌ، إنَّمَا ذَلِكَ فِيمَا كَانَ للّهِ أَو بِاللّهِ.
وَأَمَّا الْمَعْقُودُ للّهِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُ التَّقَرُّبَ إلَى اللّهِ، لَا مُجَرَّد أَنْ يَحُضَّ أَو يَمْنَعَ، وَهَذَا هُوَ النَّذْرُ، فَإِنَّهُ قَد ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" (١) عَن النَّبِيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ". стр. 3011
وَثَبَتَ عَنْهُ أَنْ قَالَ: "مَن نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَن نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللهَ فَلَا يَعْصِهِ" (١) .
فَإِذَا كَانَ قَصْدُ الْإِنْسَانِ أَنْ يَنْذُرَ للّهِ طَاعَة فَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهِ.
وَإِنْ نَذَرَ مَا لَيْسَ بِطَاعَةٍ لَمْ يَكُن عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهِ.
وَمَا كَانَ مُحَرَّمًا لَا يَجُوزُ الْوَفَاءُ بِهِ.
لَكِنْ إذَا لَمْ يُوفِ بِالنَّذْرِ للّهِ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ عِنْدَ أَكْثَرِ السَّلَفِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَقْصُودُهُ الْحَضَّ أَو الْمَنْعَ أَو التَّصْدِيقَ أَو التَّكْذِيبَ (٢) ، فَهَذَا هُوَ الْحَلِفُ بِالنَّذْرِ وَالطَّلَاق وَالْعَتَاق وَالظِّهَار وَالْحَرَام؛ كَقَوْلِهِ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ الْحَجُّ، وَصَوْمُ سَنَةٍ، وَمَالِي صَدَقَةٌ، وَعَبِيدِي أَحْرَارٌ، وَنِسَائِي طَوَالِقُ.
فَهَذَا الصِّنْفُ يَدْخُلُ فِي مَسَائِلِ الْأَيْمَانِ، وَيَدْخُلُ فِي مَسَائِلِ الطَّلَاقِ وَالْعتَاقِ وَالنَذْرِ وَالظِّهَارِ.
وَللْعُلَمَاءِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا حَلَفَ بِهِ إذَا حَنِثَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: هَذِهِ يَمِين غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ فَلَا شَيْءَ فِيهَا إذَا حَنِثَ، لَا كَفَّارَةَ وَلَا وُقُوعَ؛ لِأنَّ هَذَا حَلِفٌ بِغَيْرِ اللّهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ هَذِهِ أَيْمَان مُكَفّرَةٌ إذَا حَنِثَ فِيهَا كَغَيْرِهَا مِن الْأَيْمَانِ.
والْقَوْلُ الثَّالِثُ: هُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَةُ وَالاِعْتِبَارُ، وَعَلَيْهِ تَدُلُّ أَقْوَالِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ ﷺ فِي الْجُمْلَةِ. الحواشي
(١) رواه البخاري(٦٦٩٦) .(٢) قال الشيخ في موضع آخر: إِنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ:
أ - إمَّا جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ، فَيَكُونُ مَقْصُودُ الْحَالِفِ التَّصْدِيقَ وَالتَّكذِيبَ.
ب - وَإِمَّا جُمْلَةٌ طَلَبِيَّةٌ، فَيَكُونُ مَقْصُودُ الْحَالِفِ الْحَض وَالْمَنْعَ. اهـ. (٣٣/ ٢٣١ - ٢٣٢)стр. 3012
وَذَلِكَ أَنَّ اللّهَ قَالَ فِي كِتَابِهِ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] وَهَذَا يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ أَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ.
وَالْحِلْف بِالْمَخْلُوقَاتِ شِرْكٌ لَيْسَ مِن أَيْمَانِهِمْ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَن حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ فَقَد أَشْرَكَ" رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ (١) . [٣٣/ ٤٤ - ٥١]
٤٦٦٣ - مَن حَلَفَ بِإِيمَانِ الشِّرْكِ؛ مِثْل أَنْ يَحْلِفَ بِتُرْبَةِ أَبِيهِ أَو الْكعْبَةِ أَو نِعْمَةِ السُّلْطَانِ أَو حَيَاةِ الشَّيْخِ أَو غَيْرِ ذَلِكَ مِن الْمَخْلُوقَاتِ: فَهَذِهِ الْيَمِينُ غيْرُ مُنْعَقِدَةٍ وَلَا كَفَّارَةَ فِيهَا إذَا حَنثَ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ. [٣٣/ ٥٩]
(الفرق بَيْنَ التَّعْلِيقِ الَّذِي يُقْصَدُ بهِ الْإِيقَاعُ وَالَّذِي يقْصَدُ بِهِ الْيَمِينُ)
٤٦٦٤ - فَصْلٌ: فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ التَّعْلِيقِ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الْإِيقَاعُ وَالَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الْيَمِينُ:
فَالْأوَّلُ: أَنْ يَكُونَ مُرِيدًا لِلْجَزَاءِ عِنْدَ الشَّرْطِ وَإِن كَانَ الشَّرْطُ مَكْرُوهًا لَهُ.
فَهَذَا مُوقِعٌ لِلطَّلَاقِ عِنْدَ الصِّفَةِ لَا حَالِف، وَوُقُوعُ الطَّلَاقِ فِي مِثْل هَذَا هُوَ الْمَأْثُورُ عَن الصَّحَابَةِ؛ كَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ، وَعَن التَّابِعِينَ وَسَائِرِ الْعُلَمَاءِ، وَمَا عَلِمْت أَحَدًا مِن السَّلَفِ قَالَ فِي مِثْل هَذَا: إنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ، وَلَكِنْ نَازَعَ فِي ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِن الشِّيعَةِ وَطَائِفَةٌ مِن الظَّاهِرِيَّةِ.
وَهَذَا لَيْسَ بِحَالِف، وَلَا يَدْخلُ فِي لَفْظِ الْيَمِينِ الْمُكَفّرَةِ الْوَارِدَةِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَلَكِنْ مِن النَّاسِ مَن سَمَّى هَذَا حَالِفًا، كَمَا أَنَ مِنْهُم مَن يُسَمِّي كُلَّ مُعَلّقٍ حَالِفًا، وَمِن النَّاسِ مَن يُسَمِّي كُلَّ مُنْجِّزٍ لِلطَّلَاقِ حَالِفًا.
وَهَذِهِ الاِصْطِلَاحَاتُ الثَّلَاثَةُ لَيْسَ لَهَا أَصْل فِي اللُّغَةِ، وَلَا فِي كَلَامِ الشَّارعِ وَلَا كَلَامِ الصَّحَابَةِ. الحواشي
(١) رواه أبو داود(٣٢٥١) ، وأحمد(٥٣٧٥) ، وصحَّحه الألباني في صحيح أبي داود.стр. 3013
وَإِنَّمَا سُمِّيَ ذَلِكَ يَمِينًا لِمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْيَمِينِ مِن الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ عِنْدَ الْمسَمَّى، وَهُوَ ظَنُّهُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ عِنْدَ الصِّفَةِ.
وَأَمَّا التَّعْلِيقُ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الْيَمِينُ. فَيَقُولُ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ، أَو عَبِيدِي أَحْرَارٌ، أَو عَلَيَّ الْحَجُّ وَنَحْو ذَلِكَ، أَو يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ: إنْ زَنَيْت أَو سَرَقْت أَو خُنْت فَأَنْتِ طَالِقٌ يَقْصِدُ زَجْرَهَا أَو تَخْوِيفَهَا بِالْيَمِينِ لَا إيقَاعَ الطَّلَاقِ إذَا فَعَلَتْ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مُرِيدًا لَهَا وَإِن فَعَلَتْ ذَلِكَ؛ لِكَوْنِ طَلَاقِهَا أَكْرَهَ إلَيْهِ مِن مُقَامِهَا عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَهُوَ عَلَّقَ بِذَلِكَ لِقَصْدِ الْحَظْرِ وَالْمَنْعِ، لَا لِقَصْدِ الْإِيقَاعِ، فَهَذَا حَالِفٌ لَيْسَ بِمُوقِع.
وَهَذَا هُوَ الْحَالِفُ فِي الْكتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَهُوَ الَّذِي تُجْزِئُهُ الْكَفَّارَةُ.
وَالنَّاسُ يَحْلِفُونَ بِصِيغَةِ الْقَسَمِ، وَقَد يَحْلِفُونَ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ الَّتِي فِي مَعْنَاهَا؛ فَإِن علمَ هَذَا وَهَذَا سَوَاءٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. [٣٣/ ٦٤ - ٦٦]
(الحلف بغير الله، والحلف بالأمانة)
٤٦٦٥ - ليس لأحد أن يحلف لا بملك ولا نبي ولا غير ذلك من المخلوقات، ولا يحلف إِلَّا باسم من أسماء اللّه، أو صفة من صفاته. وقد روي: "من حلف بالأمانة فليس منا" (١) فمن حلف بالأمانة لا يدري ما حلف به أو عنى به مخلوقًا فقد أساء، وإن أراد بها صفة من صفات الله نحو: وأمانة اللّه، أو عظمته؛ جاز ذلك.
وهل الحلف بغير اللّه محرم، أو مكروه؟ على قولين: الأول أصح.
وكان السلف يعزرون من يحلف بالطلاق. [المستدرك ١/ ٢٨]
* * * الحواشي
(١) رواه أبو داود(٣٢٥٣) ، وأحمد(٢٢٩٨٠) ، وصحَّحه الألباني في صحيح أبي داود.стр. 3014
(قد يستحب الحلف)
٤٦٦٦ - كثرة الحلف مكروه، ولكن قد يستحب إذا كان فيه مصلحة شرعية، كما أمر الله نبيه ﷺ : ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣]، ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [٤٦٦٧] [التغابن: ٧]، ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣]. [المستدرك ١/ ٢٨]
* * *
(الْألفَاظُ الَّتِي يَتَكَلَّمُ بِهَا النَّاسُ فِي الطَّلَاقِ ثَلَاثَة أَنْوَاعٍ)
٤٦٦٧ - الْأَلْفَاظُ الَّتِي يَتَكَلَّمُ بِهَا النَّاسُ فِي الطَّلَاقِ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ:
أ - صِيغَةُ التَّنْجِيزِ وَالْإِرْسَال؛ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، أَو مُطَلَّقَةٌ، فَهَذَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
الثَّانِي: صِيغَة قَسَمٍ؛ كَقَوْلِهِ: الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي لَأفْعَلَن كَذَا، أَو لَا أَفْعَلُ كَذَا، فَهَذَا يَمِين بِاتِّفَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَاتِّفَاقِ طَوَائِفِ الْفُقَهَاءِ وَاتِّفَاقِ الْعَامَّةِ وَاتِّفَاقِ أَهْلِ الْأَرْضِ.
الثَّالِثُ: صِيغَةُ تَعْلِيقٍ؛ كَقَوْلِهِ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ: فَهَذِهِ إنْ كَانَ قَصْدُهُ بِهِ الْيَمِينَ، وَهُوَ الَّذِي يَكْرَهُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ مُطْلَقًا كَمَا يَكْرَهُ الاِنْتِقَالَ عَن دِينِهِ إذَا قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا يَهُودِيٌّ، أَو يَقُولُ الْيَهُودِيُّ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا مُسْلِمٌ: فَهُوَ يَمِينٌ، حُكْمُهُ حُكْمُ الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ بِصِيغَةِ الْقَسَمِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ.
فَإِنَّ الْيَمِينَ هِيَ مَا تَضَمَّنَتْ حَضًّا أَو مَنْعًا أَو تَصْدِيقًا أَو تَكْذِيبًا بِالْتِزَامِ مَا يَكْرَهُ الْحَالِفُ وُقُوعَهُ عِنْدَ الْمُخَالَفَةِ.
فَالْحَالِفُ لَا يَكُون حَالِفًا إلَّا إذَا كَرِهَ وُقُوعَ الْجَزَاءِ عِنْدَ الشَّرْطِ.
وَإِن قَصَدَ إيقَاعَ الطَّلَاقِ عِنْدَ وُجُودِ الْجَزَاءِ كَقَوْلِهِ: إنْ أَعْطَيْتِنِي أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِق، وَإِذَا طَهُرْت فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَإِذَا زَنَيْت فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَقَصْدُة إيقَاعَ الطَّلَاقِ عِنْدَ الْفَاحِشَةِ، لَا مُجَرَّدُ الْحَلِفِ عَلَيْهَا: فَهَذَا لَيْسَ بِيَمِين، وَلَا كَفَارَّةَ فِي هَذَا عِنْدَ أَحَدٍ مِن الْفُقَهَاءِ فِيمَا عَلِمْنَاهُ؛ بَل يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ إذَا وُجدَ الشَّرْطُ عِنْدَ
стр. 3015
السَّلَفِ وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (١) .
فَالْيَمِينُ الَّتِي يَقْصِدُ بِهَا الْحَضَّ أَو الْمَنْعَ أَو التَّصْدِيقَ أَو التَّكْذِيبَ - بِالْتِزَامِهِ عِنْدَ الْمُخَالَفَةِ مَا يَكْرَهُ وُقُوعَهُ- سَوَاءٌ كَانت بِصِيغَةِ الْقَسَمِ، أَو بِصِيغَةِ الْجَزَاءِ: يَمِينٌ عِنْدَ جَمِيعِ الْخَلْقِ مِن الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ. [٣٣/ ١٤٠ - ١٤٢]
* * *
(حكم جَمْع الطَّلَقَاتِ الثَّلَاثِ)
٤٦٦٨ - وَأَمَّا جَمْعُ الطَّلَقَاتِ الثَّلَاثِ: فَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: مُحَرَّمٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَن بَعْدَهُمْ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، وَاخْتَارَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ، وَقَالَ أَحْمَد: تَدَبَّرْت الْقُرْآنَ فَإِذَا كُلُّ طَلَاقٍ فِيهِ فَهُوَ الطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ - يَعْنِي: طَلَاقَ الْمَدْخُولِ بِهَا- غَيْرَ قَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠].
وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ: فَهَل لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ قَبْلَ الرَّجْعَةِ، بِأَنْ يُفَرِّقَ الطَّلَاقَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَطْهَارٍ، فَيُطَلِّقَهَا فِي كُل طُهْرٍ طَلْقَةً؟ فِيهِ قَوْلَانِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَن أَحْمَد:
إحْدَاهُمَا: لَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلٌ طَائِفَةٍ مِن السَّلَفِ، وَمَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ.
وَالثَّانِيَةُ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ السَّلَفِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَأصَحُّ الرَّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمَد الَّتِي اخْتَارَهَا أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ.
وَالْقَوْلُ الثانِي: أَنَّ جَمْعَ الثَّلَاثِ لَيْسَ بِمُحَرَّم؛ بَل هُوَ تَرْكُ الْأَفْضَلِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَن أَحْمَد، اخْتَارَهَا الخرقي. الحواشي
(١) قال الشيخ: وَلَمْ يَكُن هَذَا فِي الْحَقِيقَةِ حَالِفًا، بَل هُوَ مُعَلِّقٌ لِلطَّلَاقِ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ بِصِيغَةِ الْقَسَم، وَمَعْنَى كَلَامِهِ مَعْنَى التَّعْلِيقِ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الْإِيقَاعُ، فَيَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ هُنَا عِنْدَ الْحِنْثِ فِي اللَّفْظِ الَّذِي هُوَ بِصِيغَةِ الْقَسَمِ، وَمَقْصُودُهُ مَقْصُودُ التَّعْلِيقِ. اهـ. (٣٣/ ١٥١)следующие страницы →