← Фатава

Фатава · id 879

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (3 539 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

وَثَبَتَ عَنْهُ أَنْ قَالَ: "مَن نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَن نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللهَ فَلَا يَعْصِهِ" (١). فَإِذَا كَانَ قَصْدُ الْإِنْسَانِ أَنْ يَنْذُرَ للّهِ طَاعَة فَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهِ. وَإِنْ نَذَرَ مَا لَيْسَ بِطَاعَةٍ لَمْ يَكُن عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهِ. وَمَا كَانَ مُحَرَّمًا لَا يَجُوزُ الْوَفَاءُ بِهِ. لَكِنْ إذَا لَمْ يُوفِ بِالنَّذْرِ للّهِ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ عِنْدَ أَكْثَرِ السَّلَفِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَقْصُودُهُ الْحَضَّ أَو الْمَنْعَ أَو التَّصْدِيقَ أَو التَّكْذِيبَ (٢)، فَهَذَا هُوَ الْحَلِفُ بِالنَّذْرِ وَالطَّلَاق وَالْعَتَاق وَالظِّهَار وَالْحَرَام؛ كَقَوْلِهِ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ الْحَجُّ، وَصَوْمُ سَنَةٍ، وَمَالِي صَدَقَةٌ، وَعَبِيدِي أَحْرَارٌ، وَنِسَائِي طَوَالِقُ. فَهَذَا الصِّنْفُ يَدْخُلُ فِي مَسَائِلِ الْأَيْمَانِ، وَيَدْخُلُ فِي مَسَائِلِ الطَّلَاقِ وَالْعتَاقِ وَالنَذْرِ وَالظِّهَارِ. وَللْعُلَمَاءِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا حَلَفَ بِهِ إذَا حَنِثَ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: هَذِهِ يَمِين غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ فَلَا شَيْءَ فِيهَا إذَا حَنِثَ، لَا كَفَّارَةَ وَلَا وُقُوعَ؛ لِأنَّ هَذَا حَلِفٌ بِغَيْرِ اللّهِ. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ هَذِهِ أَيْمَان مُكَفّرَةٌ إذَا حَنِثَ فِيهَا كَغَيْرِهَا مِن الْأَيْمَانِ. والْقَوْلُ الثَّالِثُ: هُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَةُ وَالاِعْتِبَارُ، وَعَلَيْهِ تَدُلُّ أَقْوَالِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ ﷺ فِي الْجُمْلَةِ.

стр. 3012

وَذَلِكَ أَنَّ اللّهَ قَالَ فِي كِتَابِهِ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] وَهَذَا يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ أَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ. وَالْحِلْف بِالْمَخْلُوقَاتِ شِرْكٌ لَيْسَ مِن أَيْمَانِهِمْ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَن حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ فَقَد أَشْرَكَ" رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ (١). [٣٣/ ٤٤ - ٥١] ٤٦٦٣ - مَن حَلَفَ بِإِيمَانِ الشِّرْكِ؛ مِثْل أَنْ يَحْلِفَ بِتُرْبَةِ أَبِيهِ أَو الْكعْبَةِ أَو نِعْمَةِ السُّلْطَانِ أَو حَيَاةِ الشَّيْخِ أَو غَيْرِ ذَلِكَ مِن الْمَخْلُوقَاتِ: فَهَذِهِ الْيَمِينُ غيْرُ مُنْعَقِدَةٍ وَلَا كَفَّارَةَ فِيهَا إذَا حَنثَ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ. [٣٣/ ٥٩] (الفرق بَيْنَ التَّعْلِيقِ الَّذِي يُقْصَدُ بهِ الْإِيقَاعُ وَالَّذِي يقْصَدُ بِهِ الْيَمِينُ) ٤٦٦٤ - فَصْلٌ: فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ التَّعْلِيقِ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الْإِيقَاعُ وَالَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الْيَمِينُ: فَالْأوَّلُ: أَنْ يَكُونَ مُرِيدًا لِلْجَزَاءِ عِنْدَ الشَّرْطِ وَإِن كَانَ الشَّرْطُ مَكْرُوهًا لَهُ. فَهَذَا مُوقِعٌ لِلطَّلَاقِ عِنْدَ الصِّفَةِ لَا حَالِف، وَوُقُوعُ الطَّلَاقِ فِي مِثْل هَذَا هُوَ الْمَأْثُورُ عَن الصَّحَابَةِ؛ كَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ، وَعَن التَّابِعِينَ وَسَائِرِ الْعُلَمَاءِ، وَمَا عَلِمْت أَحَدًا مِن السَّلَفِ قَالَ فِي مِثْل هَذَا: إنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ، وَلَكِنْ نَازَعَ فِي ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِن الشِّيعَةِ وَطَائِفَةٌ مِن الظَّاهِرِيَّةِ. وَهَذَا لَيْسَ بِحَالِف، وَلَا يَدْخلُ فِي لَفْظِ الْيَمِينِ الْمُكَفّرَةِ الْوَارِدَةِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَلَكِنْ مِن النَّاسِ مَن سَمَّى هَذَا حَالِفًا، كَمَا أَنَ مِنْهُم مَن يُسَمِّي كُلَّ مُعَلّقٍ حَالِفًا، وَمِن النَّاسِ مَن يُسَمِّي كُلَّ مُنْجِّزٍ لِلطَّلَاقِ حَالِفًا. وَهَذِهِ الاِصْطِلَاحَاتُ الثَّلَاثَةُ لَيْسَ لَهَا أَصْل فِي اللُّغَةِ، وَلَا فِي كَلَامِ الشَّارعِ وَلَا كَلَامِ الصَّحَابَةِ.

стр. 3013

وَإِنَّمَا سُمِّيَ ذَلِكَ يَمِينًا لِمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْيَمِينِ مِن الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ عِنْدَ الْمسَمَّى، وَهُوَ ظَنُّهُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ عِنْدَ الصِّفَةِ. وَأَمَّا التَّعْلِيقُ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الْيَمِينُ. فَيَقُولُ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ، أَو عَبِيدِي أَحْرَارٌ، أَو عَلَيَّ الْحَجُّ وَنَحْو ذَلِكَ، أَو يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ: إنْ زَنَيْت أَو سَرَقْت أَو خُنْت فَأَنْتِ طَالِقٌ يَقْصِدُ زَجْرَهَا أَو تَخْوِيفَهَا بِالْيَمِينِ لَا إيقَاعَ الطَّلَاقِ إذَا فَعَلَتْ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مُرِيدًا لَهَا وَإِن فَعَلَتْ ذَلِكَ؛ لِكَوْنِ طَلَاقِهَا أَكْرَهَ إلَيْهِ مِن مُقَامِهَا عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَهُوَ عَلَّقَ بِذَلِكَ لِقَصْدِ الْحَظْرِ وَالْمَنْعِ، لَا لِقَصْدِ الْإِيقَاعِ، فَهَذَا حَالِفٌ لَيْسَ بِمُوقِع. وَهَذَا هُوَ الْحَالِفُ فِي الْكتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَهُوَ الَّذِي تُجْزِئُهُ الْكَفَّارَةُ. وَالنَّاسُ يَحْلِفُونَ بِصِيغَةِ الْقَسَمِ، وَقَد يَحْلِفُونَ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ الَّتِي فِي مَعْنَاهَا؛ فَإِن علمَ هَذَا وَهَذَا سَوَاءٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. [٣٣/ ٦٤ - ٦٦] (الحلف بغير الله، والحلف بالأمانة) ٤٦٦٥ - ليس لأحد أن يحلف لا بملك ولا نبي ولا غير ذلك من المخلوقات، ولا يحلف إِلَّا باسم من أسماء اللّه، أو صفة من صفاته. وقد روي: "من حلف بالأمانة فليس منا" (١) فمن حلف بالأمانة لا يدري ما حلف به أو عنى به مخلوقًا فقد أساء، وإن أراد بها صفة من صفات الله نحو: وأمانة اللّه، أو عظمته؛ جاز ذلك. وهل الحلف بغير اللّه محرم، أو مكروه؟ على قولين: الأول أصح. وكان السلف يعزرون من يحلف بالطلاق. [المستدرك ١/ ٢٨] * * *

стр. 3014

(قد يستحب الحلف) ٤٦٦٦ - كثرة الحلف مكروه، ولكن قد يستحب إذا كان فيه مصلحة شرعية، كما أمر الله نبيه ﷺ : ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣]، ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [٤٦٦٧] [التغابن: ٧]، ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣]. [المستدرك ١/ ٢٨] * * * (الْألفَاظُ الَّتِي يَتَكَلَّمُ بِهَا النَّاسُ فِي الطَّلَاقِ ثَلَاثَة أَنْوَاعٍ) ٤٦٦٧ - الْأَلْفَاظُ الَّتِي يَتَكَلَّمُ بِهَا النَّاسُ فِي الطَّلَاقِ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: أ - صِيغَةُ التَّنْجِيزِ وَالْإِرْسَال؛ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، أَو مُطَلَّقَةٌ، فَهَذَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. الثَّانِي: صِيغَة قَسَمٍ؛ كَقَوْلِهِ: الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي لَأفْعَلَن كَذَا، أَو لَا أَفْعَلُ كَذَا، فَهَذَا يَمِين بِاتِّفَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَاتِّفَاقِ طَوَائِفِ الْفُقَهَاءِ وَاتِّفَاقِ الْعَامَّةِ وَاتِّفَاقِ أَهْلِ الْأَرْضِ. الثَّالِثُ: صِيغَةُ تَعْلِيقٍ؛ كَقَوْلِهِ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ: فَهَذِهِ إنْ كَانَ قَصْدُهُ بِهِ الْيَمِينَ، وَهُوَ الَّذِي يَكْرَهُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ مُطْلَقًا كَمَا يَكْرَهُ الاِنْتِقَالَ عَن دِينِهِ إذَا قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا يَهُودِيٌّ، أَو يَقُولُ الْيَهُودِيُّ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا مُسْلِمٌ: فَهُوَ يَمِينٌ، حُكْمُهُ حُكْمُ الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ بِصِيغَةِ الْقَسَمِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ. فَإِنَّ الْيَمِينَ هِيَ مَا تَضَمَّنَتْ حَضًّا أَو مَنْعًا أَو تَصْدِيقًا أَو تَكْذِيبًا بِالْتِزَامِ مَا يَكْرَهُ الْحَالِفُ وُقُوعَهُ عِنْدَ الْمُخَالَفَةِ. فَالْحَالِفُ لَا يَكُون حَالِفًا إلَّا إذَا كَرِهَ وُقُوعَ الْجَزَاءِ عِنْدَ الشَّرْطِ. وَإِن قَصَدَ إيقَاعَ الطَّلَاقِ عِنْدَ وُجُودِ الْجَزَاءِ كَقَوْلِهِ: إنْ أَعْطَيْتِنِي أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِق، وَإِذَا طَهُرْت فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَإِذَا زَنَيْت فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَقَصْدُة إيقَاعَ الطَّلَاقِ عِنْدَ الْفَاحِشَةِ، لَا مُجَرَّدُ الْحَلِفِ عَلَيْهَا: فَهَذَا لَيْسَ بِيَمِين، وَلَا كَفَارَّةَ فِي هَذَا عِنْدَ أَحَدٍ مِن الْفُقَهَاءِ فِيمَا عَلِمْنَاهُ؛ بَل يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ إذَا وُجدَ الشَّرْطُ عِنْدَ

стр. 3015

السَّلَفِ وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (١). فَالْيَمِينُ الَّتِي يَقْصِدُ بِهَا الْحَضَّ أَو الْمَنْعَ أَو التَّصْدِيقَ أَو التَّكْذِيبَ - بِالْتِزَامِهِ عِنْدَ الْمُخَالَفَةِ مَا يَكْرَهُ وُقُوعَهُ- سَوَاءٌ كَانت بِصِيغَةِ الْقَسَمِ، أَو بِصِيغَةِ الْجَزَاءِ: يَمِينٌ عِنْدَ جَمِيعِ الْخَلْقِ مِن الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ. [٣٣/ ١٤٠ - ١٤٢] * * * (حكم جَمْع الطَّلَقَاتِ الثَّلَاثِ) ٤٦٦٨ - وَأَمَّا جَمْعُ الطَّلَقَاتِ الثَّلَاثِ: فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: مُحَرَّمٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَن بَعْدَهُمْ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، وَاخْتَارَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ، وَقَالَ أَحْمَد: تَدَبَّرْت الْقُرْآنَ فَإِذَا كُلُّ طَلَاقٍ فِيهِ فَهُوَ الطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ - يَعْنِي: طَلَاقَ الْمَدْخُولِ بِهَا- غَيْرَ قَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ: فَهَل لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ قَبْلَ الرَّجْعَةِ، بِأَنْ يُفَرِّقَ الطَّلَاقَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَطْهَارٍ، فَيُطَلِّقَهَا فِي كُل طُهْرٍ طَلْقَةً؟ فِيهِ قَوْلَانِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَن أَحْمَد: إحْدَاهُمَا: لَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلٌ طَائِفَةٍ مِن السَّلَفِ، وَمَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ. وَالثَّانِيَةُ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ السَّلَفِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَأصَحُّ الرَّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمَد الَّتِي اخْتَارَهَا أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ. وَالْقَوْلُ الثانِي: أَنَّ جَمْعَ الثَّلَاثِ لَيْسَ بِمُحَرَّم؛ بَل هُوَ تَرْكُ الْأَفْضَلِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَن أَحْمَد، اخْتَارَهَا الخرقي.

стр. 3016

وَاحْتَجُّوا: أ - بِأَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا أَبُو حَفْصِ بْنُ الْمُغِيرَةِ ثَلَاثًا. ب - وَبِأَنَّ امْرَأَةَ رِفَاعَةَ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا ثَلَاثًا. ج - وَبِأَنَّ الْمُلَاعِنَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا. وَلَمْ يُنْكِر النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ. وَأَجَابَ الْأَكْثَرُونَ بِأَنَّ حَدِيثَ فَاطِمَةَ وَامْرَأَةِ رِفَاعَةَ إنَّمَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا مُتَفَرِّقَاتٍ، هَكَذَا ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" أَنَّ الثَّالِثَةَ آخِرُ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ، لَمْ يُطَلِّقْ ثَلَاثًا لَا هَذَا وَلَا هَذَا مُجْتَمَعَاتٍ. وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ: طَلَّقَ ثَلَاثًا يَتَنَاوَلُ مَا إذَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا مُتَفَرِّقَاتٍ، بِأَنْ يُطَلِّقَهَا ثُمَّ يُرَاجِعَهَا ثُمَّ يُطَلِّقَهَا ثُمَّ يُرَاجِعَهَا ثُمَّ يُطَلِّقَهَا، وَهَذَا طَلَاقٌ سُنِّيٌّ وَاقِعٌ بِاتَّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي مَعْنَى الطَّلَاقِ ثَلَاثًا. وَأَمَّا جَمْعُ الثَّلَاثِ بِكَلِمَة فَهَذَا كَانَ مُنْكرًا عِنْدَهُمْ، إنَّمَا يَقَعُ قَلِيلًا، فَلَا يَجُوزُ حَمْلُ اللَّفْظِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْقَلِيلِ الْمُنْكَرِ دونَ الْكَثِيرِ الْحَقِّ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: يُطَلِّق مُجْتَمِعَاتٍ لَا هَذَا وَلَا هَذَا؛ بَل هَذَا قَوْلٌ بِلَا دَلِيلٍ؛ بَل هُوَ بِخِلَافِ الدَّلِيلِ. وَأَمَّا الْمُلَاعنُ فَإِنَّ طَلَاقَهُ وَقَعَ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ، أَو بَعْدَ وُجُوبِ الْإِبَانَةِ الَّتِي تَحْرُمُ بِهَا الْمَرْأَةُ أَعْظَمُ مِمَّا يَحْرُمُ بِالطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَانَ مُؤَكِّدًا لِمُوجَبِ اللِّعَانِ. [٣٣/ ٧٦ - ٧٨] وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ هُوَ مِمَّا كَانُوا يُعَاقِبُونَ بِهِ أَحْيَانًا: إمَّا مَعَ بَقَاءِ النِّكَاحِ وَإِمَّا بِدُويهِ، فَالنَّبِيُّ ﷺ فَرَّقَ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا وَبَيْنَ نِسَائِهِمْ حَتَّى تَابَ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ طَلَاقٍ، وَالْمُطَلِّقُ ثَلَاثًا حَرُمَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُة حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ عُقُوبَةً لَهُ لِيَمْتَنِعَ عَن الطَّلَاقِ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَمَنْ وَافَقَهُ كَمَالِك وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ حَرَّمُوا الْمَنْكُوحَةَ فِي الْعِدَّةِ عَلَى النَّاكِحِ أَبَدًا؛ لِأَنَّهُ

стр. 3017

اسْتَعْجَلَ مَا أَحَلَّهُ اللهُ، فَعُوقِبَ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ، وَالْحُكْمَانِ لَهُمَا عِنْدَ أَكْثَرِ السَّلَفِ أَنْ يُفَرِّقَا بَيْنَهُمَا بِلَا عِوَضٍ إذَا رَأَيَا الزَّوْجَ ظَالِمًا مُعْتَدِيًا؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مَنْعِهِ مِن الظُّلْمِ وَدَفْعِ الضَّرَرِ عَن الزَّوْجَةِ، وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالآثَارُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعيِّ وَأَحْمَد .. [وعامةُ الآثار] (١) الْمَنْقُولَة عَن الصَّحَابَةِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ أَلْزَمُوا بِالثَّلَاثِ لِمَنْ عَصَى اللّهَ بِإِيقَاعِهَا جُمْلَةً، فَأَمَّا مَنْ كَانَ يَتَّقِي اللّهَ فَإِنُّ اللّهَ يَقُولُ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣]، فَمَنْ لَا يَعْلَمُ التَّحْرِيمَ حَتَّى أَوْقَعَهَا ثُمَّ لَمَّا عَلِمَ التَّحْرِيمَ تَابَ وَالْتَزَمَ أَنْ لَا يَعُودَ إلَى الْمُحَرَّمِ: فَهَذَا لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعَاقَبَ. وَلَيْسَ فِي الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ: الْكِتَابِ وَالِسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ مَا يُوجِبُ لُزُومَ الثَّلَاثِ لَهُ، وَنِكَاحُهُ ثَابِتٌ بِيَقِين، وَامْرَأتُهُ مُحَرَّمَةٌ عَلَى الْغَيْرِ بِيَقِين، وَفِي إلْزَامِهِ بِالثَّلَاثِ إبَاحَتُهَا لِلْغَيْرِ مَعَ تَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ، وَذَرِيعَةٌ إلَى نِكَاحِ التَّحْلِيلِ الَّذِي حَرَّمَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ. ونِكَاحُ التَّحْلِيلِ لَمْ يَكُن ظَاهِرًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَخُلَفَائِهِ، وَلَمْ يُنْقَلْ قَطُّ أَنَّ امْرَأَةً أُعِيدَتْ بَعْدَ الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ عَلَى عَهْدِهِمْ إلَى زَوْجِهَا بِنِكَاحِ تَحْلِيلٍ؛ بَل لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ، ولَعَنَ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَكَاتِبَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ فِي التَّحْلِيلِ الشُّهُودَ وَلَا الزَّوْجَةَ وَلَا الْوَلِيَّ؛ لِأَنَّ التَّحْلِيلَ الَّذِي كَانَ يُفْعَلُ كَانَ مَكْتُومًا بِقَصْدِ الْمُحَلِّلِ، أَو يَتَوَاطَأُ عَلَيْهِ هُوَ وَالْمُطَلِّقُ الْمُحَلَّلُ لَهُ، وَالْمَرْأَةُ وَوَليُّهَا لَا يَعْلَمُونَ قَصْدَهُ، وَلَو عَلِمُوا لَمْ يَرْضَوْا أَنْ يُزَوِّجُوهُ؛ فَإِنَّهُ مِن أَعْظَمِ الْمُسْتَقْبَحَاتِ وَالْمُنْكَرَاتِ عِنْدَ النَّاسِ، وَلِأَنَّ عَادَاتِهِمْ لَمْ تَكنْ بِكِتَابَةِ الصَّدَاقِ فِي كِتَاب وَلَا إشْهَادٍ عَلَيْهِ؛ بَل كَانُوا يَتَزَوَّجُونَ وَيُعْلِنُونَ النِّكَاحَ، وَلَا يَلْتَزِمُونَ أَنْ يُشْهِدُوا عَلَيْهِ شَاهِدَيْنِ وَقْتَ الْعَقْدِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ.

стр. 3018

وَلَيْسَ عَن النَّبِيِّ ﷺ فِي الْإِشْهَادِ عَلَى النّكَاحِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، هَكَذَا قَالَ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ. فَلَمَّا لَمْ يَكُن عَلَى عَهْدِ عُمَرَ ﵁ تَحْلِيل ظَاهِرٌ، وَرَأى فِي إنْفَاذِ الثَّلَاثِ زَجْرًا لَهُم عَن الْمحَرَّمِ: فَعَلَ ذَلِكَ بِاجْتِهَادِهِ. أَمَّا إذَا كَانَ الْفَاعِلُ لَا يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ، وَإِنْفَاذُ الثَّلَاثِ يُفْضِي إلَى وُقُوعِ التَّحْلِيلِ الْمُحَرَّمِ بِالنَّصّ وَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ والاعتبار (١) وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن الْمَفَاسِدِ: لم يَجُزْ أن تزالَ (٢) مفَسدة حقيقيّة بمفاسدَ أغلظَ منها؛ بل جَعْلُ الثلاثِ واحدةً في مثل هذه الحال -كما كان على عهد النَّبِيّ ﷺ وأبي بكر أولى. وبالجملة: فما شرَعَه النَّبِيّ ﷺ شرعًا لازمًا دائمًا: لا يمكن تغييره؛ لأنه لا يُمكن نسخ بعد رسولِ اللّه ﷺ ، ولا يجوز أن يُظَنَّ بأحدٍ من علماء المسلمين أنه (٣) يَقصِد هذا، لا سيما الصحابة، لا سيما الخلفاء الراشدين. وَلَو قُدّرَ أَنَّ أَحَدًا فَعَلَ ذَلِكَ: لَمْ يُقِرّهُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ؛ فَإِنَّ هَذَا إقْرَارٌ عَلَى أَعْظَمِ الْمُنْكَرَاتِ، وَالْأُمَّة مَعْصُومَة أَنْ تَجْتَمِعَ عَلَى مِثْل ذَلِكَ، وَقَد نُقِلَ عَن طَائِفَةٍ كَعِيسَى بْنِ أَبَانَ وَغَيْرِهِ مِن أهْلِ الْكَلَامِ وَالرَّأْيِ مِن الْمُعْتَزِلَةِ وَأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ أَنَّ الْإِجْمَاعَ يُنْسَخُ بِهِ نُصوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ! وَكُنَّا نَتَأَوَّلُ كَلَامَ هَؤُلَاءِ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُم أَنَّ الْإِجْمَاعَ يَدُلُّ عَلَى نَصٍّ نَاسِخٍ، فَوَجَدْنَا مَن ذُكِرَ عَنْهُم أَنَّهُم يَجْعَلُونَ الْإِجْمَاعَ نَفْسَهُ نَاسِخًا، فَإِنْ كَانُوا أَرَادُوا ذَلِكَ فَهَذَا قَوْلٌ يُجَوِّزُ تَبْدِيلَ الْمُسْلِمِينَ دِينَهُم بَعْدَ نَبِيِّهِمْ، كَمَا تَقُولُ النَّصَارَى مِن أَنَّ الْمَسِيحَ سَوَّغَ لِعُلَمَائِهِمْ أَنْ يُحَرِّمُوا مَا رَأَوْا تَحْرِيمَهُ مَصْلَحَةً، وَيُحِلُّوا مَا رَأَوْا تَحْلِيلَةُ مَصْلَحَةً، وَلَيْسَ هَذَا دِينُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا كَانَ الصَّحَابَةُ يُسَوِّغُونَ ذَلِكَ لِأَنْفُسِهِمْ.

стр. 3019

وَمَا شَرَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ شَرْعًا مُعَلَّقًا بِسَبَب: إنَّمَا يَكونُ مَشْرُوعًا عِنْدَ وُجُودِ السَّبَبِ؛ كَإِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ؛ فَإِنَّهُ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَبَعْضُ النَّاسِ ظَنَّ أَنَّ هَذَا نُسِخَ؛ لِمَا رُوِيَ عَن عُمَرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَ اللّهَ أَغْنَى عَن التَّأَلُّفِ، فَمَن شَاءَ فَلْيُومِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ، وَهَذَا الظَّنُّ غَلَطٌ، وَلَكِنْ عُمَرُ اسْتَغْنَى فِي زَمَنِهِ عَن إعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُم فَتَرَكَ ذَلِكَ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، لَا لِنَسْخِهِ، كَمَا لَو فُرِضَ أَنَّهُ عُدِمَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ ابْنُ السَّبِيلِ وَالْغَارِمُ وَنَحْوُ ذَلِكَ. ومُتْعَة الْحَجِّ: قَد رُوِيَ عَن عُمَرَ: أَنَّهُ نَهَى عَنْهَا، وَكَانَ ابْنُهُ عَبْدُ اللّهِ بْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُ يَقُولُونَ: لَمْ يُحَرِّمْهَا، وَإِنَّمَا قَصَدَ أَنْ يَأْمُرَ النَّاسَ بِالْأَفْضَلِ، وَهُوَ أَنْ يَعْتَمِرَ أَحَدُهُم مِن دويرة أَهْلِهِ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْعُمْرَةَ أَفْضَلُ مِن عُمْوَةِ الْمُتَمَتِّعِ وَالْقَارِنِ بِاتِّفَاقِ الْأئِمَّةِ، حَتَّى إنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد مَنْصُوصٌ عَنْهُ: أَنَّهُ إذَا اعْتَمَرَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجّ وَأَفْرَدَ الْحَجَّ فِي أَشْهُرِهِ: فَهَذَا أَفْضَلُ مِن مُجَرَّدِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ، مَعَ قَوْلِهِمَا بِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِن الْإِفْرَادِ الْمُجَرَّدِ. وَالَّذِي يُحْمَلُ عَلَيْهِ أَقْوَالُ الصَّحَابَةِ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: أ - إِمَّا أَنَّهُم رَأَوْا ذَلِكَ مِن بَابِ التَّعْزِيرِ الَّذِي يَجُوزُ فِعْلُهُ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ؛ كَالزِّيَادَةِ عَلَى أَرْبَعِينَ فِي الْخَمْرِ. ب - وَإِمَّا لِاخْتِلَافِ اجْتِهَادِهِمْ، فَرَأَوْهُ لَازِمًا، وَتَارَةً غَيْرَ لَازِمٍ. وَأَمَّا الْقَوْلُ بِكَوْنِ لُزُومِ الثَّلَاثِ شَرْعًا لَازِمًا كَسَائِرِ الشَّرَائِعِ: فَهَذَا لَا يَقُومُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ الرَّاجِحِ لِهَذَا الْمُوْقِعِ أَنْ يَلْتَزِمَ طَلْقَةً وَاحِدَةً وَيُرَاجِعَ امْرَأَتَهُ، وَلَا يَلْزَمُه شَيءٌ لِكَوْنِهَا كَانَت حَائِضًا إذَا كَانَ مِمَن اتَّقَى اللهَ وَتَابَ مِن الْبِدْعَةِ. [٣٣/ ٨٨ - ٩٨] * * *

стр. 3020

(بَاب طَلَاقِ السَّكْرَانِ وَنَحْوه) ٤٦٦٩ - لَا تَنْعَقِدُ يَمِينُ السَّكْرَانِ، وَلَا يَقَعُ بِهِ طَلَان إذَا طَلَّقَ، وَهَذَا ثَابِت عَن أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنِ عفان، وَلَمْ يَثْبُتْ عَن الصَّحَابَةِ خِلَافُهُ فِيمَا أَعْلَمُ، وَهُوَ قَوْلُ كثِيرٍ مِن السَّلَفِ وَالْخَلَفِ. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّوَابُ؛ فَإِنَّهُ قَد ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" عَن مَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ لَمَّا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَقَرَّ أَنَّهُ زَنَى أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يستنكهوه؛ لِيَعْلَمُوا هَل هُوَ سَكْرَانُ أَمْ لَا؟ فَإِنْ كَانَ سَكْرَانَ لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ عُلِمَ أَنَّ أَقْوَالَهُ بَاطِلَةٌ كَأَقْوَالِ الْمَجْنُونِ. وَلِأَنَّ السَّكْرَانَ وَإِن كَانَ عَاصِيًا فِي الشُّرْبِ فَهُوَ لَا يَعْلَمُ مَا يَقُولُ، وَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ مَا يَقُولُ لَمْ يَكُن لَهُ قَصْدٌ صَحِيحٌ (١)، وَإِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَصَارَ هَذَا كَمَا لَو تَنَاوَلَ شَيْئًا مُحَرَّمًا جَعَلَهُ مَجْنُونًا؛ فَإِنَّ جُنُونَهُ وَإِنْ حَصَلَ بِمَعْصِيَة فَلَا يَصِحُّ طَلَاقهُ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ مِن أَقْوَالِهِ. [٣٣/ ١٠٢ - ١٠٣] * * * (حكم طلاق المكره) ٤٦٧٠ - إذَا أُكْرِهَ بِغَيْرِ حَقٍّ عَلَى الطَّلَاقِ لَمْ يَقَعْ بِهِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ؛ كَمَالِك وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ الْمَأْثُورُ عَن أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ ﷺ كَعُمَر بْنِ الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ (٢). وَإِذَا كَانَ حِينَ الطَّلَاقِ قَد أَحَاطَ بِهِ أَقْوَامٌ يُعْرَفُونَ بِأَنَّهُم يُعَادُونَهُ أَو

стр. 3021

يَضْرِبُونَهُ، وَلَا يُمْكِنُهُ إذ ذَاكَ أَنْ يَدْفَعَهُم عَن نَفْسِهِ وَادَّعَى أَنَّهُم أَكْرَهُوهُ عَلَى الطَّلَاقِ: قُبِلَ قَوْلُهُ. [٣٣/ ١١٠] * * * (هل من البر طاعة الوالدين في الطلاق ؟) ٤٦٧١ - وَسُئِلَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: عَن رَجُلٍ مُتَزَوِّجٍ وَلَهُ أَوْلَادٌ، وَوَالِدَتُهُ تَكْرَهُ الزَّوْجَةَ وَتُشِيرُ عَلَيْهِ بِطَلَاقِهَا، هَل يَجُوزُ لَهُ طَلَاقُهَا؟ فَأَجَابَ: لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا لِقَوْلِ أُمِّهِ؛ بَل عَلَيْهِ أَنْ يَبَرَّ أُمَّهُ، وَلَيْسَ تَطْلِيقُ امْرأتِهِ مِن بَرِّهَا. [٣٣/ ١١٢] ٤٦٧٢ - إذَا تَزَوَّجَتْ [أي: المرأة] لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا أَنْ تُطِيعَ أَبَاهَا وَلَا أُمَّهَا فِي فِرَاقِ زَوْجِهَا وَلَا فِي زِيَارَتهِمْ (١)، وَلَا يَجُوزُ فِي نَحْوِ ذَلِكَ؛ بَل طَاعَةُ زَوْجِهَا عَلَيْهَا إذَا لَمْ يَأْمُرْهَا بِمَعْصِيَةِ اللّهِ أَحَقُّ مِن طَاعَةِ أَبَوَيْهَا، "وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا رَاضٍ دَخَلَتْ الْجَنَّةَ" (٢). وَإِذَا كَانَت الْأُمُّ تُرِيدُ التَّفْرِيقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا فَهِيَ مِن جِنْسِ هَارُوتَ وَمَارُوتَ، لَا طَاعَةَ لَهَا فِي ذَلِكَ وَلَو دَعَتْ عَلَيْهَا. اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَا مُجْتَمِعَيْنِ عَلَى مَعْصِيَةٍ، أَو يَكُونَ أَمْرُهُ لِلْبِنْتِ بِمَعْصِيَةِ اللهِ وَالْأُمُّ تَأْمُرُهَا بِطَاعَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ الْوَاجِبَةِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ. [٣٣/ ١١٢ - ١١٣] * * * (حكم من نوى طلاق زوجته ؟) ٤٦٧٣ - وَسُئِلَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: عَن رَجُلٍ نَوَى أَنْ يُطَلِّقَ زَوْجَتَهُ إذَا حَاضَتْ وَلَمْ يَتَلَفَّظْ بِطَلَاق؟

стр. 3022

فَأَجَابَ: أَمَّا إذَا نَوَى أَنَّهُ سَيُطَلِّقُهَا إذَا حَاضَتْ: فَهَذَا لَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ؛ بَل لَا بُدَّ أَنْ يُطَلِّقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ. فَإِذَا لَمْ يُطَلِّقْهَا بَعْدَ ذَلِكَ: لَمْ يَقَعْ طَلَاقٌ. وَإِذَا اعْتَقَدَ أَنَّ تِلْكَ النِّيَّةَ طَلَاقٌ فَأَقَرَّ أَنَّهُ طَلَّقَهَا بِتِلْكَ النِّيَّةِ: لَمْ يَقَعْ بِهَذَا الْإِقْرَارِ فِي الْبَاطِنِ، وَلَكِنْ يُؤْخَذُ بِهِ فِي الْحُكْمِ. وَإِذَا لَمْ يَقَعْ بِهِ شَيْءٌ: فَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى زَوْجِيَّتِهِ فِي الْبَاطِنِ. [٣٣/ ١١٣] * * * (حكم تطليق من لا يصح أن يقع الطلاق عليه) ٤٦٧٤ - وَسُئِلَ -رَحِمَهُ اللّهُ تَعَالَى-: عَن رَجُل لَهُ زَوْجَةٌ، وَأُمُّهُ مَا تُرِيدُ الزَّوْجَةَ، فَطَلَّقَ الزَّوْجَةَ ثُمَّ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا مِن هَذِهِ الْمَدِينَةِ الَّتِي دَاخِلِ السُّورِ: لَا امْرَأَتُهُ وَلَا غَيْرْهَا (١). فَإِنْ رَاجَعَ امْرَأَتَهُ أَو تَزَوَّجَ غَيْرَهَا مِن الْمَدِينَةِ يَكُونُ الْعَقْدُ صَحِيحًا؟ فَأَجَابَ: بَل يَتَزَوَّجُ إنْ شَاءَ مِن الْمَدِينَةِ وَإِن شَاءَ مِن غَيْرِهَا، وَيَكُونُ الْعَقْدُ صَحِيحًا (٢). [٣٣/ ١١٤] * * * (حكم من طلَّق بِالثَّلَاثِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ) ٤٦٧٥ - إذَا سَبَقَ لِسَانُهُ بِالثَّلَاثِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ، وَإِنَّمَا قَصَدَ وَاحِدَةً: لَمْ يَقَعْ بِهِ إلَّا وَاحِدَة؛ بَل لَو أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: طَاهِرٌ، فَسَبَقَ لِسَانُهُ بِطَالِق: لَمْ يَقَعْ بِهِ الطَّلَاقُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ. [٣٣/ ١١٤] * * *

стр. 3023

(هل تحريم الزوجة يُعتبر طلاقًا ؟) ٤٦٧٦ - وَسُئِلَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: عَن رَجُلٍ قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ أَمْلِكُهُ عَلَيَّ حَرَامٌ، فَهَل تَحْرُمُ امْرَأَتُهُ وَأَمَتُهُ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: أَمَّا غَيْرُ الزَّوْجَةِ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَأمَّا الزَّوْجَةُ فَلِلْعُلَمَاءِ فِيهَا نِزَاعٌ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ. [٣٣/ ١١٧] * * * (الوكالة في الطلاق) ٤٦٧٧ - وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵀: عَن رَجُلٍ لَهُ زَوْجَةٌ وَلَهَا أَوْلَادٌ وَبَنَاتٌ مِنْهُ، وَتَزَوَّجَ غَيْرَهَا، ثُمَّ إنَّهُ كَتَبَ وَكَالَةً لِزَوْجَتِهِ الْجَدِيدَةِ وَقَالَ: مَتَى رَدَدْت أُمَّ أَوْلَادِي كَانَ طَلَاقُهَا بِيَدِك، وَوَكَّلَهَا فِي طَلَاقِهَا مُدَّةَ عَشَرَةِ سِنِينَ، وَقَد طَلَّقَ الَّتِي بِيَدِهَا الْوَكَالَة، فَهَل تَصِحُّ هَذِهِ الْوَكَالَةُ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَد يَظُنُّ مَن يَظُنُّ أَنَّ الْوَكَالَةَ بِحَالِهَا؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ إذَا وَكَّلَ امْرَأَتَهُ فِي بَيْعِ وَنَحْوه ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا لَمْ تَبْطُل الْوَكَالَةُ بِالتَّطْلِيقِ كَمَا ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ، لَكنْ هَذِهِ لَيْسَتْ تِلْكَ. وَالصَّوَابُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْمَسْؤُولِ عَنْهَا أَنَّهَا تَبْطُل بِالتَّطْلِيقِ؛ لِأنَّهُ هُنَا لَمْ يُرِدْ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَقَد اسْتَنَابَ غَيْرَهُ فِي ذَلِكَ كَمَا يُرِيدُ أَنْ يَبِيعَ مَتَاعَهُ فَيُوكِلُ شَخْصًا، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ تَمْكينُهَا هِيَ مِن الطَّلَاقِ لِيَكُونَ أَمْرُهَا بِيَدِ هَذِهِ الزَّوْجَةِ، فَإِنْ شَاءَتْ طَلَّقَتْ وَإِنْ شَاءَتْ لَمْ تُطَلِّقْهَا. فَالْمَقْصُودُ: أَنِّي لَا أَتَزَوَّجُهَا إلَّا بِرِضَاك، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنِّي لَا أَجْمَعَ بَيْنَك وَبَيْنَهَا؛ لِمَا تَكْرَهُ الْمَرْأَةُ مِن الضَّرَّةِ. [٣٣/ ١١٨] * * *

стр. 3024

(اللَّفْظَ الَّذِي يَحْتَمِل الطَّلَاقَ وَغَيْرَهُ إِذَا قُصِدَ بِهِ الطَّلَاقُ فَهُوَ طَلَاقٌ، وَإن قُصِدَ بِهِ غَيْرُ الطَّلَاقِ لَمْ يَكن طَلَاقًا) ٤٦٧٨ - السَّلَفُ مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بإِحْسَان، وَجَمَاهِيرُ الْخَلَفِ مِن أَتْبَاع الْأئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ: مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ اللَّفظَ الَّذِي يَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ وَغَيْرَهُ إذَا قصِدَ بِهِ الطَّلَاقُ فَهُوَ طَلَاقٌ، وَإِنْ قُصِدَ بِهِ غَيْرُ الطَّلَاقِ لَمْ يَكُن طَلَاقًا. وَلَيْسَ لِلطَّلَاقِ عِنْدَهُم لَفْظ مُعَيَّن؛ فَلِهَذَا يَقُولُونَ: إِنَّهُ يَقَعُ بِالصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ. وَلَفْظُ الصَّرِيحِ عِنْدَهُم كَلَفْظِ الطَّلَاقِ، لَو وَصَلَهُ بِمَا يُخْرِجُهُ عَن طَلَاقِ الْمَرْأَةِ لَمْ يَقَعْ بِهِ الطَّلَاقُ، كَمَا لَو قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ مِن وَثَاقِ الْحَبْسِ، أَو مِن الزَّوْجِ الَّذِي كَانَ قَبْلِي وَنَحْو ذَلِكَ. [٣٣/ ١٥٢] * * * (ماذا يترتب على من حَلَفَ بِالْحَرَامِ ؟) ٤٦٧٩ - إذَا حَلَفَ بِالْحَرَامِ فَقَالَ: الْحَرَامُ يَلْزَمُنِي لَا أَفْعَلُ كَذَا، أَو الْحِلُّ عَلَيَّ حَرَامٌ لَا أَفْعَلُ كَذَا، أَو مَا أَحَلَّ اللّهُ عَلَيَّ حَرَامٌ إنْ فَعَلْت كَذَا، أَو مَا يَحِلُّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ يَحْرُمُ عَلَيَّ إنْ فَعَلْت كَذَا، أَو نَحْو ذَلِكَ وَلَهُ زَوْجَة، فَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نِزَاعٌ مَشْهُورٌ بَيْنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، لَكِنَّ الْقَوْلَ الرَّاجِحَ أَنَّ هَذِهِ يَمِينٌ لَا يَلْزَمُهُ بِهَا طَلَاقٌ، وَلَو قَصَدَ بِذَلِكَ الْحَلِفَ بِالطَّلَاقِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَد الْمَشْهُورُ عَنْهُ. حَتَّى لَو قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ وَنَوَى بِهِ الطَّلَاقَ لَمْ يَقَعْ بِهِ الطَّلَاقُ عِنْدَهُ. وَلَو قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي وَقَصَدَ بِهِ الطَّلَاقَ: فَإِنَّ هَذَا لَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَفِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللهُ الْقُرْآنَ، فَإِنَّهُم كَانُوا يَعُدُّونَ الظِّهَارَ طَلَاقًا وَالْإِيلَاءَ طَلَاقًا، فَرَفَعَ اللّهُ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَجَعَلَ فِي الظِّهَارِ الْكَفَّارَةَ الْكُبْرَى، وَجَعَلَ الْإِيلَاءَ يَمِينًا يَتَرَبَّصُ فِيهَا الرَّجُلُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَإِمَّا أَنْ يُمْسِكَ بِمَعْرُوفٍ أَو يُسَرِّحَ بِإِحْسَانٍ. وَكَذَلِكَ قَالَ كَثِيرٌ مِن السَّلَفِ وَالْخَلَفِ: إنَّهُ إذَا كَانَ مُزَوّجًا فَحَرَّمَ امْرَأَتَهُ، أَو حَرَّمَ الْحَلَالَ مُطْلَقًا: كَانَ مُظَاهِرًا وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَد.

стр. 3025

وَإِذَا حَلَفَ بِالظِّهَارِ أَو الْحَرَامِ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا وَحَنِثَ فِي يَمِينِهِ: أَجْزَأَتْهُ الْكَفَّارَةُ فِي مَذْهَبِهِ. لَكِنْ قِيلَ: إنَّ الْوَاجِبَ كَفَّارَةُ ظِهَارٍ، سَوَاءٌ حَلَفَ أَو أَوْقَعَ، وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَن أَحْمَد، وَقِيلَ: بَل إنْ حَلَفَ بِهِ أَجْزَأَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وإِن أَوْقَعَهُ لَزِمَهُ كَفَّارَةُ ظِهَارٍ، وَهَذَا أَقْوَى وَأَقْيَسُ عَلَى أَصْلِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ. فَالْحَالِفُ بِالْحَرَامِ تُجْزِئُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، كَمَا تُجْزِئُ الْحَالِفَ بِالنَّذْرِ إذَا قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ الْحَجُّ أَو فَمَالِي صَدَقَةٌ. [٣٣/ ١٦٠ - ١٦١] ٤٦٨٠ - أَمَّا قَوْلُهُ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ: فَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا فَفَعَلَهُ: فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. وَإِن لَمْ يَحْلِفْ بَل حَرَّمَهَا تَحْرِيمًا: فَهَذَا عَلَيْهِ كَفَّارَة ظِهَارٍ، وَلَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِن أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ ﷺ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ: يَقُولُونَ: إنَّ الْحَرَامَ لَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ إذَا لَمْ يَنْوِهِ (١). [٣٣/ ١٦٧] * * * (الفتيا الدمشقية) ٤٦٨١ - وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ، الشُّجَاعُ الْمِقْدَامُ، لَيْثُ الْحُرُوبِ وَأَسَدُ السُّنَّةِ، الصَّابِرُ فِي ذَاتِ اللّهِ عَلَى الْمِحْنَةِ، الْعَلَمُ الْحُجَّةُ، أَحْمَد بْنُ عَبْدِ الْحَلِيمِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّة ﵀ رَبُّ الْبَرِيَّةِ: عَن رَجُلٍ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ أَنَّ الْقُرْآنَ صَوْتٌ وَحَرْفٌ، وَأَنَّ الرَّحْمَنَ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى، عَلَى مَا يُفِيدُهُ الظَّاهِرُ، وَيَفْهَمُهُ النَّاسُ مِن ظَاهِرِهِ، هَل يَحْنَثُ فِي هَذَا؟ فَأَجَابَ -رَحِمَهُ اللّهُ تَعَالَى-: إنْ كَانَ مَقْصودُ هَذَا الْحَالِفِ أَنَّ أَصْوَاتَ الْعِبَادِ بِالْقُرْآنِ وَالْمِدَادِ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ حُرُوفَ الْقُرْآنِ قَدِيمَةٌ أَزَليَّةٌ: فَقَد حَنِثَ فِي يَمِينِهِ، وَمَا

стр. 3026

عَلِمْت أَحَدًا مِن النَّاسِ يَقُولُ ذَلِكَ، وَإِن كَانَ قَد يُكْرَهُ تَجْرِيدُ الْكَلَامِ فِي الْمِدَادِ الَّذِي فِي الْمُصْحَفِ، وَفِي صَوْتِ الْعَبْدِ؛ لِئَلَّا يُتَذَرَّع بِذَلِكَ إلَى الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ. وَمِن النَّاسِ مَن تَكَلَّمَ فِي صَوْتِ الْعَبْدِ، وَإِن كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي نَقْرَؤُهُ هُوَ كَلَامُ اللّهُ حَقِيقَةً لَا كَلَامُ غَيْرِهِ، وَأَنَّ الَّذِي بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ هُوَ كَلَامُ اللّهِ حَقِيقَةً. وَلَكِن الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم زَيْغٌ مِن أَهْلِ الْأَهْوَاءِ لَا يَفْهَمُونَ مِن كَلَامِ اللّهِ وَكَلَامِ رَسُولِهِ وَكَلَامِ السَّابِقِينَ الْأَوَّلينَ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَانٍ فِي بَابِ صِفَاتِ اللّهِ إلَّا الْمَعَانِيَ الَّتِي تَلِيقُ بِالْخَلْقِ لَا بِالْخَالِقِ. وَإِنْ كَانَ مقصُودُ الْحَالِفِ أَنَّ الْقُرْآنَ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ هُوَ هَذِهِ الْمِائَةُ وَالْأَرْبَعَ عَشْرَةَ سُورَةً، حُرُوفُهَا وَمَعَانِيهَا، وَأَنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ هُوَ الْحُرُوفُ دُونَ الْمَعَانِي، وَلَا الْمَعَانِي دُونَ الْحُرُوفِ؛ بَل هُوَ مَجْمُوعُ الْحُرُوفِ وَالْمَعَانِي، وَأَنَّ تِلَاوَتَنَا لِلْحُرُوفِ وَتَصَوُّرَنَا لِلْمَعَانِي لَا يُخْرِجُ الْمَعَانِيَ وَالْحُرُوفَ عَن أَنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً قَبْلَ وُجُودِنَا: فَهَذَا مَذْهَبُ الْمُسْلِمِينَ وَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مَقْصُودُهُ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الَّذِي يقرؤه الْمُسْلِمُونَ وَيَكتُبُونَهُ فِي مَصَاحِفِهِمْ هُوَ كَلَامُ اللّهِ سُبْحَانَهُ حَقِيقَةً لَا مَجَازًا. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مُرَادُ الْحَالِفِ بِذِكْرِ الصَّوْتِ: التَّصْدِيقَ بِالْآثَارِ عَن النَّبِيِّ ﷺ وصَحَابَتِهِ وَتَابِعِيهِمْ الَّتِي وَافَقَت الْقُرْآنَ وَتَلَقَّاهَا السَّلَفُ بِالْقَبُولِ؛ مِثْل مَا خَرَّجَا فِي "الصحِيحَيْنِ" عَن النَّبِيِّ ﷺ مِن أَنَّ اللّهَ يُنَادِي آدَمَ بِصَوْت. وَلَا يُنْقَلُ عَن أَحَدٍ مِن عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ الْمِائَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ أَنْكَرَ ذَلِكَ وَلَا قَالَ خِلَافَهُ؛ بَل كَانَت الْآثَارُ مَشْهُورَة بَيْنَهُم مُتَدَاوَلَةً فِي كُلِّ عَصْرٍ وَمِصْرٍ؛ بَل أَنْكَرَ ذَلِكَ شَخْصٌ فِي وَقْتِ الْإِمَامِ أَحْمَد - وَهُوَ أَوَّلُ الْأَزْمِنَةِ الَّتِي نَبَغَتْ فِيهَا الْبِدَع بِإِنْكَارِ ذَلِكَ عَلَى النُّصُوصِ -. فَإِنْ أَرَادَ الْحَالِفُ مَا هُوَ مَنْقُولٌ عَن السَّلَفِ نَقْلًا صَحِيحًا فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ. وَأَمَّا حَلِفُهُ أَنَّ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى عَلَى مَا يُفِيدُهُ الظَّاهِرُ وَيَفْهَمُهُ

стр. 3027

النَّاسُ مِن ظَاهِرِهِ: فَلَفْظَة "الظَّاهِرِ" قَد صَارَتْ مُشْتَرَكَةً؛ فَإِنَّ الظَّاهِرَ فِي الْفِطَرِ السَّلِيمَةِ وَاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ وَالدِّينِ الْقَيِّمِ وَلسَانِ السَّلَفِ غَيْرُ الظَّاهِرِ فِي عُرْفِ كَثِيرٍ مِن الْمُتَأَخّرِينَ. فَإِنْ أَرَادَ الْحَالِفُ بِالظَّاهِرِ شَيْئًا مِن الْمَعَانِي الَّتِي هِيَ مِن خَصَائِصِ الْمُحْدثِينَ، أَو مَا يَقْتَضِي نَوْعَ نَقْصٍ، بِأَنْ يَتَوَهَّمَ أَنَّ الاِسْتِوَاءَ مِثْل اسْتِوَاءِ الْأَجْسَامِ عَلَى الْأَجْسَامِ، أو كَاسْتِوَاءِ الْأَرْوَاحِ إنْ كَانَتْ لَا تَدْخُلُ عِنْدَهُ فِي اسْمِ الْأَجْسَامِ: فَقَد حَنِثَ فِي ذَلِكَ وَكَذَبَ، وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا يَقُولُ ذَلِكَ. وَإِن أَرَادَ الْحَالِفُ بِالظَّاهِرِ مَا هُوَ الظَّاهِرُ فِي فِطَرِ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ ظُهُورِ الْأَهْوَاءِ وَتَشَتُّتِ الْآرَاءِ، وَهُوَ الظَاهِرُ الَّذِي يَلِيقُ بِجَلَالِهِ . كَمَا أَنَّ هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ فِي سَائِرِ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ مِن أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ كَالْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْكَلَامِ وَالْإِرَادَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْغَضَبِ وَالرِّضَا. فَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ مِمَّن فِي عُرْفِ خِطَابِهِ أَنَّ ظَاهِرَ هَذِهِ الْآيَةِ مَا هُوَ مُمَاثِلٌ لِصِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ: فَقَد حَنِثَ. وَإِن كَانَ فِي غرْفِ خِطَابِهِ أَنَّ ظَاهِرَهَا هُوَ مَا يَلِيقُ بِاللهِ تَعَالَى: لَمْ يَحْنَثْ. وَإِن لَمْ يَعْلَمْ عُرْفَ أَهْلِ نَاحِيَتِهِ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ، وَلَمْ يَكُن سَبَبٌ يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى مُرَادِهِ وَتَعَذَّرَ الْعِلْمُ بِنِيَّتِهِ: فَقَد جَازَ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ مَعْنًى صَحِيحًا، وَجَازَ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ مَعْنًى بَاطِلًا فَلَا يَحْنَثُ بِالشَّكِّ. وَهَذَا كُلُّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ مَن حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ يَعْتَقِدُهُ كَمَا حَلَفَ عَلَيْهِ فَتَبَيَّنَ بِخِلَافِهِ حَنِثَ. وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَن لَمْ يُحَنِّثْهُ فَالْحُكْمُ فِي يَمِينِهِ ظَاهِرٌ (١). [٣٣/ ١٦٩ - ١٨٢] * * *

стр. 3028

٤٦٨٢ - الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ الْمُنَجِّزَانِ لَا يَدْخلَانِ فِي مُسَمَّى الْيَمِينِ وَالْحَلِفِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، بِخِلَافِ الْحَلِفِ عَلَى الْحَضِّ وَالْمَنْعِ وَالتَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ فَإِنَّهُ يَمِينٌ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ. [٣٣/ ١٩٧] ٤٦٨٣ - نَذْرُ التَّبَرُّرِ: مِثْل أَنْ يَكُونَ مَقْصُودُ النَّاذِرِ حُصُولَ الشَّرْطِ وَيَلْتَزِمُ فِعْلَ الْجَزَاءِ شُكْرًا للّهِ تَعَالَى؛ كَقَوْلِهِ: إنْ شَفَى اللّهُ مَرِيضِي فَعَلَيَّ أَنْ أَصُومَ كَذَا، أَو أَتَصَدَّقَ بِكَذَا، أَو نَحْو ذَلِكَ: فَهَذَا النَّذْرُ عَلَيْهِ أَنْ يُوفِيَ بِهِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَن نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَن نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللّهَ فَلَا يَعْصِهِ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١). وَأَمَّا نَذْرُ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ: فَقَصْدُ النَّاذِرِ أَنْ لَا يَكُونَ الشَّرْطُ وَلَا الْجَزَاءُ؛ مِثْل أَنْ يُقَالَ لَهُ: سَافِرْ مَعَ فُلَانٍ، فَيَقُولُ: إنْ سَافَرْت فَعَلَيَّ صَوْمُ كَذَا وَكَذَا، أَو عَلَيَّ الْحَجُّ؛ فَمَقْصُودُهُ أَنْ لَا يَفْعَلَ الشَّرْطَ وَلَا الْجَزَاءَ. [٣٣/ ١٩٩] * * * (قَوَاعِد في مَسَائِلِ الْأَيْمَانِ بالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْيَمِينِ باللِّه تَعَالَى وَالنَّذْرِ وَالحَرَامِ وَنَحْوِ ذَلِكَ) ٤٦٨٤ - غَالِبُ مَسَائِلِ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْيَمِينِ بِاللّهِ تَعَالَى وَالنَّذْرِ وَالْحَرَامِ وَنَحْوِ ذَلِكَ يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى قَوَاعِدَ: الْقَاعِدَةُ الْأُولَى: إذَا حَلَفَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا فَفَعَلَهُ نَاسِيًا لِيَمِينِهِ أَو جَاهِلًا بِأَنَّهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ: فَلِلْعُلَمَاءِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: لَا يَحْنَثُ بِحَال فِي جَمِيعِ الْأَيْمَانِ. [والْقَوْلْ الثَّاني]: الْفَرْقُ بَيْنَ الْيَمِينِ الْمُكَفَّرَةِ؛ كَالْيَمِينِ بِاللهِ تَعَالَى وَالظِّهَارِ وَالْحَرَامِ، وَالْيَمِينِ الَّتِي لَا تُكَفَّرُ، وَهِيَ الْيَمِينُ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ. والْقَوْلُ الثَّالِث: أَنَّهُ يَحْنَثُ فِي جَمِيعِ الْأَيْمَانِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَد فِي الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ عَنْهُ.

стр. 3029

وَالْقَوْلُ الْأوّلُ أَصَحُّ. وَقَد اسْتَقَرَّ بِدَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَنَّ مَن فَعَلَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ نَاسِيًا أَو مُخْطِئًا فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ وَلَا يَكُونُ عَاصِيًا مُخَالِفًا، فَكَذَلِكَ مَن فَعَلَ الْمَحْلُوفَ نَاسِيًا أَو مُخْطِئًا فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ حَانِثًا مُخَالِفًا لِيَمِينِهِ. وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَن فَعَلَهُ مُتَأَوِّلًا، أَو مُقَلِّدًا لِمَن أَفْتَاهُ، أَو مُقَلِّدًا لِعَالِمٍ مَيِّتٍ، أَو مُجْتَهِدًا مُصِيبًا أَو مُخْطِئًا. فَحَيْثُ لَمْ يَتَعَمَّد الْمُخَالَفَةَ، وَلَكِن اعْتَقَدَ أَنَّ هَذَا الَّذِي فَعَلَهُ لَيْسَ فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِلْيَمِينِ: فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ حَانِثًا. وَيَدْخُلُ فِي هَذَا: إذَا خَالَعَ وَفَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ مُعْتَقِدًا أَنَّ الْفِعْلَ بَعْدَ الْخُلْعِ لَمْ تَتَنَاوَلْهُ يَمِينُهُ، فَهَذِهِ الصُّورَةُ تَدْخُلُ فِي يَمِينِ الْجَاهِلِ الْمُتَأَوِّلِ عِنْدَ مَن يَقُولُ: إنَّ هَذَا الْخُلْعَ خُلْعُ الْأَيْمَانِ بَاطِلٌ، وَهُوَ أَصَحُّ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ. الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ: إذَا حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ يَعْتَقِدُهُ كَمَا حَلَفَ عَلَيْهِ فَتَبَيَّنَ بِخِلَافِهِ: فَهَذَا أَوْلَى بِعَدَمِ التَّحْنِيثِ مِن مَسْأَلَةِ فِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ نَاسِيًا أَو جَاهِلًا. وَعَلَى هَذَا: فَالْحَالِفُ بِالطَّلَاقِ عَلَى أَمْرٍ يَعْتَقِدُهُ كَمَا حَلَفَ عَلَيْهِ فَتَبَيَّنَ بِخِلَافِهِ: لَا يَحْنَثُ إذَا لَمْ يَحْنَث النَّاسِي وَالْجَاهِلُ فِي الْمُسْتَقْبَل. وَهَكَذَا ذَكَرَ الْمُحَقِّقُونَ مِن الْفُقَهَاءِ. [٣٣/ ٢٠٨ - ٢١٤] * * * (حكم من حَلَفَ عَلَى من يعتقد أنه يُطِيعُهُ وَيَبرُّ يَمِينَهُ فَتَبَيَّنَ لَهُ الْأَمْرُ بِخِلَافِ ذَلِكَ ؟) ٤٦٨٥ - وَسُئِلَ: عَمَّن حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ صِهْرَ أَخِيهِ، وَحَلَفَ بِالثلَاثِ مَا يَدْخلُ مَنْزِلَهُ، ثُمَّ دَخَلَ بِغَيْرِ رِضَاهُ؟ فَأَجَابَ: إذَا كَانَ الْحَالِفُ قَد اعْتَقَدَ أَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ يُطِيعُهُ وَيَبَرُّ يَمِينَهُ وَلَا يَدْخُلُ إذَا حَلَفَ عَلَيْهِ، فَتَبَيَّنَ لَهُ الْأَمْرُ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَلَو عَلِمَ أَنَّهُ كَذَلِكَ لَمْ

стр. 3030

يَحْلِفْ: فَفِي حِنْثِهِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَالْأقْوَى أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ. [٣٣/ ٢٢٥] * * * (حكم من حلف أَنَّ الْأَمْرَ عَلَى صِفَةٍ فَتَبَيَّنَ الْأَمْرُ بِخِلَافِهِ) ٤٦٨٦ - إِنْ اعْتَقَدَ الْحَالِفُ أَنَّ الْأَمْرَ عَلَى صِفَةٍ فَتَبَيَّنَ الْأمْرُ بِخِلَافِهِ: فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِن الْعُلَمَاءِ (١). وَكَذَلِكَ لَو اعْتَقَدَ أَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ قَادِرٌ عَلَى الْفِعْلِ الْمَطْلُوبِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ عَاجِزٌ: فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِن أَهْلِ الْعِلْمِ، وَهُوَ أَحْسَنُ الْقَوْلَيْنِ وَأَقْوَاهُمَا فِي الشَّرْعِ. وَكَذَلِكَ لَو اعْتَقَدَ أَنَّهُ خَانَ أَو سَرَقَ مَالًا، فَحَلَفَ عَلَى إعَادَتِهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَخُنْ وَلَمْ يَسْرِقْ: فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ فِي أَصَحِّ قَوْلَي الْعُلَمَاءِ. [٣٣/ ٢٢٨] * * * (حكم من حلف على مُعَيَّنٍ لسبب، ثم زال ذلك السبب) ٤٦٨٧ - إِنَ مَن حَلَفَ عَلَى مُعَيَّنٍ لِسَبَب؛ كَأنْ يَحْلِفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ الْبَلَدَ لِظُلْم رَآهُ فِيهِ ثُمَّ يَزُولُ الظُّلْمُ، أَو لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا ثُمَّ يَزُولُ الْفِسْقُ وَنَحْوُ ذَلِكَ: فَفِي حِنْثِهِ حِينَئِذٍ قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ، أَظْهَرُهُمَا أَنَّهُ لَا حِنْثَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَضَّ وَالْمَنْعَ فِي الْيَمِينِ كَالْأَمْرِ وَالنَّهْي؛ فَالْحَلِفُ على نَفْسِهِ أَو غَيْرِهِ بِمَنْزِلَةِ النَّاهِي عَن الْفِعْلِ.

стр. 3031

وَمَن نَهَى عَن دُخُولِ بَلَدٍ أَو كَلَامٍ شُخِّصَ لِمَعْنَى ثُمَّ زَالَ ذَلِكَ الْمَعْنَى: زَالَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ، كَمَا إذَا امْتَنَعَ أَنْ يَبْدَأَ رَجُلًا بِالسَّلَامِ؛ لِكَوْنِهِ كَافِرًا فَأَسْلَمَ. وَأَنْ لَا يَدْخُلَ بَلَدًا لِكَوْنِهِ دَارَ حَرْبٍ فَصَارَ دَارَ إسْلَامٍ، وَنَحْو ذَلِكَ. فَإِنَّ الْحُكْمَ إذَا ثَبَثَ بِعِلَّةٍ زَالَ بِزَوَالِهَا. فَالرَّجُلُ إذَا حَلَفَ لَا يُوَاقِعُ امْرَأَتَهُ: إذَا كَانَ قَصْدُهُ عُقُوبَتَهَا لِكَوْنِهَا تُمَاطِلُهُ وَتَنْشُزُ عَلَيْهِ إذَا طَلَبَ ذَلِكَ، فَإِذَا تَابَتْ مِن ذَلِكَ وَصَارَتْ مُطِيعَةً مُوَافِقَةً زَالَ سَبَبُ الْهَجْرِ الَّذِي عَلَّقَهَا بِهِ، كَمَا لَو هَجَرَهَا لِنُشُوزٍ ثُمَّ زَالَ. [٣٣/ ٢٣٤ - ٢٣٥] * * * بَابُ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِالشُّرُوطِ ٤٦٨٨ - سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵀: عَن رَجُلٍ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ ثُمَّ اسْتَثْنَى بَعْدَ هُنَيْهَةٍ بِقَدْرِ مَا يُمْكِنُ فِيهِ الْكَلَامُ؟ فَأجَابَ: لَا يَقَعُ فِيهِ الطَّلَاقُ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَالْحَالُ هَذِهِ، وَلَو قِيلَ لَهُ: قُلْ: إنْ شَاءَ اللّهُ: يَنْفَعُهُ ذَلِكَ أَيْضًا، وَلَو لَمْ يَخْطُرْ لَهُ الاِسْتِثْنَاءُ إلَّا لِمَا قِيلَ لَهُ. [٣٣/ ٢٣٨] ٤٦٨٩ - وَسُئِلَ ﵀: عَن رَجُلٍ حَنقَ مِن زَوْجَتِهِ فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، قَالَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ: قُل السَّاعَةَ، قَالَ: السَّاعَةَ، وَنَوَى الاِسْتِثْنَاءَ؟ فَأَجَابَ: إنْ كَانَ اعْتِقَادُهُ أَنَّهُ إذَا قَالَ: الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي إنْ شَاءَ اللهُ: أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ، وَمَقْصُودُهُ تَخْوِيفُهَا بِهَذَا الْكَلَامِ، لَا إيقَاعُ الطَّلَاقِ: لَمْ يَقَع الطَّلَاقُ. فَإِنْ كَانَ قَد قَالَ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ: إنْ شَاءَ اللّهُ: فَإِنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيّ أَنَّ الطَّلَاقَ الْمُعَلَّقَ بِالْمَشِيئَةِ لَا يَقَعُ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَد يَقَعُ، كَمَا رُوِيَ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ. لَكِنَّ هَذَا لَمَّا كَانَ مَقْصُودُهُ وَاعْتِقَادهُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ صَارَ الْكَلَامُ عِنْدَهُ كَلَامًا لَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ فَلَمْ يَقْصِدِ التَّكَلُّمَ بِالطَّلَاقِ.

стр. 3032

وَإِذَا قَصَدَ الْمُتَكَلِّمُ بِكَلَام لَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ؛ مِثْل مَا لَو تَكَلَّمَ الْعَجَمِيُّ بِلَفْظ وَهُوَ لَا يَفْهَمُ مَعْنَاة: لَمْ يَقَعْ. وَطَلَاقُ الْهَازِلِ: وَقَعَ لأنَّ قَصْدَ الْمُتَكَلِّمِ الطَّلَاقُ (١) وَإِن لَمْ يَقْصِدْ إيقَاعَهُ. وَهَذَا لَمْ يَقْصِدْ لَا هَذَا وَلَا هَذَا، وَهُوَ يُشْبِهُ مَا لَو رَأَى امْرَأَةً فَقَالَ: أَنْتِ طَالِق يَظُنُّهَا أَجْنَبِيَّةً، فَبَانَت امْرَأَتُهُ، فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ عَلَى الصَّحِيحِ. [٣٣/ ٢٣٩] * * * (الْمَسْأَلَةُ السريجية) ٤٦٩٠ - الْمَسْأَلَةُ السريجية بَاطِلَةٌ فِي الْإِسْلَامِ، مُحْدَثَة لَمْ يُفْتِ بِهَا أَحَدٌ مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَلَا تَابِعِيهِمْ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا طَائِفَةٌ مِن الْفُقَهَاءِ بَعْدَ الْمِائَةِ الثَّالِثَةِ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِم جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ الصَّوَابُ؛ فَإِنَّ مَا قَالَهُ أُولَئِكَ يَظْهَرُ فَسَادُهُ مِن وُجُوهٍ: مِنْهَا أَنَّهُ قَد عُلِمَ بِالاِضْطِرَارِ مِن دِينِ الْإِسْلَامِ أَنَّ اللهَ أَبَاحَ الطَّلَاقَ كَمَا أَبَاحَ النِّكَاحَ، وَأَنَّ دِينَ الْمُسْلِمِينَ مُخَالِفٌ لِدِينِ النَّصَارَى الَّذِينَ لَا يُبِيحُونَ الطَّلَاقَ، فَلَو كَانَ فِي دِينِ الْمُسْلِمِينَ مَا يَمْتَنِعُ مَعَهُ الطَّلَاقُ لَصَارَ دِينُ الْمُسْلِمِينَ مِثْل دِينِ النَّصَارَى. وَشُبْهَةُ هَؤُلَاءِ أَنَّهُم قَالُوا: إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إذَا وَقَعَ عَلَيْك طَلَاقِي فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ طَلَّقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ طَلَاقًا مُنَجَّزًا: لَزِمَ أَنْ يَقَعَ الْمُعَلَّقُ، وَلَو وَقَعَ الْمُعَلَّقُ يَقَعُ الْمُنَجَّزُ، فَكَانَ وُقُوعُهُ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ وُقُوعِهِ فَلَا يَقَعُ، وَهَذَا خَطَأٌ، فَإنَّ قَوْلَهُم: لَو وَقَعَ الْمُنَجَّزُ لَوَقَعَ الْمُعَلَّقُ إِنَّمَا يَصِحُّ لَو كَانَ التَّعْلِيقُ صَحِيحًا، فَأَمَّا إذَا كَانَ التَّعْلِيقُ بَاطِلًا لَا يَلْزَمُ وُقُوعُ التَّعْلِيقِ، وَالتَّعْلِيقُ بَاطِلٌ. لَكِنْ إذَا اعْتَقَدَ الْحَالِفُ صِحَّةَ هَذَا الْيَمِينِ بِاجْتِهَاد أَو تَقْلِيدٍ وَطَلَّقَ بَعْدَ ذَلِكَ

стр. 3033

مُعْتَقِدًا أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ: لَمْ يَقَعْ بِهِ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِد التَّكَلُّمَ بِمَا يَعْتَقِدُهُ طَلَاقًا. وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ لَو قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ: إنْ طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِق قَبْلَهُ ثَلَاثًا فَطَلَّقَهَا وَقَعَ الْمُنَجَّزُ عَلَى الرَّاجِحِ وَلَا يَقَعُ مَعَهُ الْمُعَلَّقُ. [٣٣/ ٢٤٠ - ٢٤٣] * * * (الطَّلَاق الْمُحَرَّمُ) ٤٦٩١ - الطَّلَاقُ الْمُحَرَّمُ: كَالطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ وَفِي طُهْرٍ قَد أَصَابَهَا فِيهِ: حَرَامٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، وَكَالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ تَعَدٍّ لِحُدُودِ اللّهِ، وَفَاعِلُهُ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ كَمَا ذَكَرَ اللّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١]. وَالظَّالِمُ لِنَفْسِهِ إذَا تَابَ تَابَ اللّهُ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠] [النساء: ١١٠]، فَهُوَ إذَا اسْتَغْفَرَهُ غَفَرَ لَهُ وَرَحِمَهُ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ مِن الْمتَّقِينَ، فَيَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣]. وَالَّذِينَ أَلْزَمَهُم عُمَرُ وَمَن وَافَقَهُ بِالطَّلَاقِ الْمُحَرَّمِ (١): كَانُوا عَالِمِينَ بِالتَّحْرِيمِ، وَقَد نُهُوا عَنْهُ فَلَمْ يَنْتَهُوا فَلَمْ يَكُونُوا مِن الْمُتَّقِينَ، فَهُم ظَالِمُونَ لِتَعَدِّيهِم الْحُدُودَ مُسْتَحِقُّونَ لِلْعُقُوبَةِ. وَلذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِبَعْضِ الْمُسْتَفْتِينَ: إنَّ عَمَّك لَمْ يَتَّقِ اللّهَ فَلَمْ يَجعَلْ لَهُ فَرَجًا وَلَا مَخْرَجًا، وَلَو اتَّقَى اللهَ لَجَعَلَ لَهُ فَرَجًا وَمُخْرَجًا.

стр. 3034

وَهَذَا إنَّمَا يُقَالُ لِمَن عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ وَفَعَلَهُ، فَأَمَّا مَن لَا يَعْلَمُ بِالتَّحْرِيمِ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ وَلَا يَكُونُ مُتَعَدِّيًا، فَإِنَّهُ إذَا عَرَفَ أَنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ تَابَ مِن عَوْدِهِ إلَيْهِ وَالْتَزَمَ أَلَّا يَفْعَلَهُ. وَالَّذِينَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْعَلُ ثَلَاثَتَهُم وَاحِدَةً فِي حَيَاتِهِ: كَانُوا يَتُوبُونَ، وَكَذَلِكَ مَن طَلَّقَ فِي الْحَيْضِ كَمَا طَلَّقَ ابْنُ عُمَرَ، فَكَانُوا يَتُوبُونَ فَيَصِيرُونَ مُتَّقِينَ، وَمَن لَمْ يَتُبْ فَهُوَ الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ كَمَا قَالَ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾ [الحجرات: ١١]، فَحَصَرَ الظُّلْمَ فِيمَن لَمْ يَتُبْ، فَمَن تَابَ فَلَيْسَ بِظَالِمٍ فَلَا يُجْعَلُ مُتَعَدِّيًا لِحُدُودِ اللهِ؛ بَل وُجُودُ قَوْلِهِ كَعَدَمِهِ، وَمَن لَمْ يَتُبْ فَهُوَ مَحَلُّ اجْتِهَادٍ (١). فَعُمَرُ عَاقَبَهُم بِالْإِلْزَامِ وَلَمْ يَكُن هُنَاكَ تَحْلِيلٌ، فَكَانُوا لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ النِّسَاءَ يَحْرُمْنَ عَلَيْهِم لَا يَقَعُونَ فِي الطَّلَاقِ الْمُحَرَّمِ، فَانْكَفُّوا بِذَلِكَ عَن تَعَدِّي حُدُودِ اللّهِ، فَإِذَا صَارُوا يُوقِعُونَ الطَّلَاقَ الْمُحَرَّمَ ثُمَّ يَرُدُّونَ النِّسَاءَ بِالتَّحْلِيلِ الْمُحَرَّمِ: صَارُوا يَفْعَلُونَ الْمُحَرَّمَ مَرَّتَيْنِ وَيَتَعَدَّوْنَ حُدُودَ اللّهِ مَرَّتَيْنِ؛ بَل ثَلَاثًا؛ بَل أَرْبَعًا. فَلَمْ يَحْصُلْ بِالاِلْتِزَامِ فِي هَذِهِ الْحَالِ انْكِفَافٌ عَن تَعَدِّي حُدُودِ اللّهِ؛ بَل زَادَ التَّعَدِّي لِحُدُودِ اللهِ فَتَرْكُ الْتِزَامِهِمْ بِذَلِكَ -وَإِن كَانُوا ظَالِمِينَ غَيْرَ تَائِبِينَ- خَيْرٌ مِن إلْزَامِهِمْ بِهِ. أمَّا إذَا كَانُوا يَتقُونَ اللّهَ وَيَتُوبُونَ: فَلَا رَيْبَ أَنَّ تَرْكَ الْإِلْزَامِ -كَمَا كَانَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ- خَيْرٌ.

стр. 3035

وَإِنْ كَانُوا لَا يَنْتَهُونَ إلَّا بِإِلْزَامٍ فَيَنْتَهُونَ حِينَئِذٍ وَلَا يُوقِعُونَ الْمُحَرَّمَ وَلَا يَحْتَاجُونَ إلَى تَحْلِيلِ: فَهَذَا هُوَ الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي فَعَلَهَا فِيهِمْ عُمَرُ. وَالثَّالِثَةُ: أَنْ يَحْتَاجُوا إلَى التَّحْلِيلِ الْمُحَرَّمِ: فَهُنَا تَرْكُ الْإِلْزَامِ خَيْرٌ. وَالرَّابِعَةُ: أَنَّهُم لَا يَنْتَهُونَ؛ بَل يُوقِعُونَ الْمُحَرَّمَ وَيُلْزَمُونَ بِهِ بِلَا تَحْلِيلٍ: فَهُنَا لَيْسَ فِي إلْزَامِهِمْ بِهِ فَائِدَةٌ إلَّا آصَارٌ وَأَغْلَالٌ لَمْ تُوجِبْ لَهُم تَقْوَى اللّهِ وَحِفْظَ حُدُودِهِ؛ بَل حَرُمَتْ عَلَيْهِ (١) نِسَاؤُهُم وَخَرِبَتْ دِيَارُهُم فَقَطْ. وَالشَّارعُ لَم يُشَرِّعْ مَا يُوجِبُ حُرْمَةَ النِّسَاءِ وَتَخْرِيبَ الدِّيَارِ؛ بَل تَرْك إلْزَامَهُم بِذَلِكَ أَقَلُّ فَسَادًا، وَإِنْ كَانُوا أَذْنَبُوا فَهُم مُذْنِبُونَ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، لَكِنَّ تَخْرِيبَ الدِّيَارِ أَكْثَرُ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ. وَأَمَّا تَرْكُ الْإِلْزَامِ فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا أَنَّهُ أَذْنَبَ ذَنْبًا بِقَوْلِهِ وَلَمْ يَتبْ مِنْهُ، وَهَذَا أَقَلُّ فَسَادًا مِن الْفَسَادِ الَّذِي قَصَدَ الشَّارعُ دَفْعَهُ وَمَنْعَهُ بِكُلِّ طَرِيقٍ. [٢٩/ ٤٢١ - ٤٢٤] * * * (صيغ الطلاق) ٤٦٩٢ - ثَبَتَ عَن الصَّحَابَةِ وَأكَابِرِ التَّابِعِينَ فِي الْحَلِفِ بِالْعِتْقِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ؛ بَل تُجْزِئُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ؛ فَالْحَلِفُ بِالطَّلَاقِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَهَذَا بِخِلَافِ إيقَاعِ الطَّلَاقِ، فَإِنَّهُ إذَا وَقَعَ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ وَقَعَ بِاتِّفَاقِ الْأُمَّةِ، وَلَمْ تَكُنْ فِيهِ كَفَّارَة بِاتِّفَاقِ الْأُمَّةِ؛ بَل لَا كَفَّارَةَ فِي الْإِيقَاعِ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا الْكَفَّارَةُ خَاصَّةً فِي الْحَلِفِ. فَإِذَا تَنَازَعَ الْمُسْلِمُونَ فِي مَسْأَلَةٍ وَجَبَ رَدُّ مَا تَنَازَعُوا فِيهِ إلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ، فَأَيُّ الْقَوْلَيْنِ دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَجَبَ اتِّبَاعُهُ؛ كَقَوْلِ مَن فَرَّقَ

стр. 3036

بَيْنَ النَّذْرِ وَالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ وَبَيْنَ الْيَمِينِ بِذَلِكَ (١)؛ فَإِنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَأَقْوَالُ الصَّحَابَةِ وَالْقِيَاسُ. وَالصِّيَغُ (٢) ثَلَاثَةٌ: أ - صِيغَةُ إيقَاعٍ؛ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِق، فَهَذِهِ لَيْسَتْ يَمِينًا بِاتِّفَاقِ النَّاسِ. ب - وَصِيغَةُ قَسَمٍ؛ كَقَوْلِهِ: الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي لأفْعَلَن كَذَا، فَهَذِهِ صِيغَةُ يَمِينٍ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ. ج - وَصِيغَةُ تَعْلِيقٍ كَقَوْلِهِ: إنْ زَنَيْت فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَهَذَا إنْ قَصَدَ بِهِ الْإِيقَاعَ عِنْدَ وُجُودِ الصِّفَةِ بِأَنْ يَكُونَ يُرِيدُ إذَا زَنَتْ إيقَاعَ الطَّلَاقِ وَلَا يُقِيمُ مَعَ زَانِيَةٍ فَهَذَا إيقَاعٌ وَلَيْسَ بِيَمِينِ، وَإِن قَصَدَ مَنْعَهَا وَزَجْرَهَا وَلَا يُرِيدُ طَلَاقَهَا إذَا زَنَتْ فَهَذَا يَمِينٌ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ. [٢٠/ ١٢ - ١٣] * * * (الحلف بالطلاق) ٤٦٩٣ - قال ابن القيم ﵀: قال شيخ الإسلام: والقول بأنه يمين مكفرة هو مقتضى المنقول عن الصحابة في الحلف بالعتق بل بطريق الأولى؛ فإنهم إذا أفتوا من قال: إن لم أفعل كذا فكل مملوك لي حر بأنه يمين تكفر فالحالف بالطلاق أولى. قال: وقد علَّق القول به أبو ثور، فقال: إن لم تجمع الأمة على لزومه فهو يمين تكفر. وقد بيَّن أن الأمة لم تجمع على لزومه، وحكاه شيخ الإسلام عن جماعة من العلماء الذين سمت هممهم وشرفت نفوسهم فارتفعت عن حضيض التقليد

стр. 3037

المحض إلى أوج النظر والاستدلال، ولم يكن مع خصومه ما يردون به عليه أقوى من الشكاية إلى السلطان. [المستدرك ٥/ ١٨] * * * (تعليقه بالحلف) ٤٦٩٤ - قال جماعة: اليمين المطلقة إنما تنصرف إلى الحلف باللّه. قال شيخنا: إن قصد اليمين حنث بلا نزاع أعلمه، قال: وكذا ما علق لقصد اليمين. [المستدرك ٥/ ٢٢] * * * (تعليقه بالكلام) ٤٦٩٥ - إن حلف على غيره ليكلمن فلانًا: ينبغي أن لا يبر إِلَّا بالكلام الطيب؛ كالكلام بالمعروف ونحوه، دون السبّ ونحوه، فإن اليمين في جانب النفي أعم من اللفظ اللغوي، وفي جانب الإثبات أخص، كما قلنا فيمن حلف ليتزوجن ونظائره فإنه لا يبر إِلَّا بكمال المسمى. ولو علق الطلاق على كلام زيد: فهل كتابته أو رسالته الحاضرة؛ كالإشارة فيجيء فيها الوجهان، أو يحنث بكل حال؟ تردد فيه أبو العباس. [المستدرك ٥/ ٢٢] ٤٦٩٦ - إذا قال: إن عصيت أمري فأنت طالق ثم أمرها بشيء أمرًا مطلقًا فخالفت: حنث، وإن تركته ناسية أو جاهلة أو عاجزة ينبغي ألا يحنث؛ لأن الترك ليس عصيانًا. [المستدرك ٥/ ٢٣] * * * (تعليقه بالإذن) ٤٦٩٧ - لو قال: إن خرجت بغير إذني فأنت طالق، فهو على كل مرة؛ لأن خرجت فعل والفعل نكرة وهي في سياق الشرط تعم نحو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٨].

стр. 3038

وإن علَّق الطلاق على خروجها بغير إذن ثم أذن لها مرة فخرجت مرة أخرى بغير إذن: طلقت، وهو مذهب أحمد؛ لأن خرجت فعل، والفعل نكرة، وهي في سياق الشرط تقتضي العموم. وإن أذن لها فقالت: لا أخرج، ثم خرجت الخروج المأذون لها فيه، قال أبو العباس: سئلت عن هذه المسألة؛ ويتوجه فيه ألا يحنث؛ لأن امتناعها من الخروج لا يُخرج الإذن عن أن يكون إذنًا؛ لكن هو إذا قالت: لا أخرج، فلما اطمأن إلى أنها لا تخرج ولم تشعره بالخروج فقد خرجت بلا علم، والإذن علم وإباحة. [المستدرك ٥/ ٢٣ - ٢٥] ٤٦٩٨ - ظاهر كلام أبي العباس: إذا حلف ليقضينه حقه في وقت عينه فأبرأه قبله لا يحنث، وهو قول أبي حنيفة ومحمد، وقول في مذهب أحمد وغيره. [المستدرك ٥/ ٢٥] * * * (تعليقه بالمشيئة) ٤٦٩٩ - للعلماء في الاستثناء النافع قولان: أحدهما: لا ينفعه حتى ينويه قبل فراغه من المستثنى منه، وهو قول الشافعي. والثاني: ينفعه وإن لم يُرِدْه إِلَّا بعد الفراغ، حتى لو قال له بعض الحاضرين: قل إن شاء اللّه، فقال: إن شاء الله، نفعه، وهذا هو مذهب أحمد الذي يدل عليه كلامه، وعليه متقدمو أصحابه، واختيار أبي محمد وغيره، وهو مذهب مالك، وهو الصواب. ولا يعتبر (١) قصد الاستثناء، فلو سبق على لسانه عادة أو أتى به تبركًا: رفع حكم اليمين.

стр. 3039

وكذلك قوله: إذا أراد اللّه، وقصد بالإرادة مشيئة اللّه، لا محبته وأمره. ومن شك في الاستثناء وكان من عادته الاستثناء: فهو كما لو علم أنه استثنى؛ كالمستحاضة تعمل بالعادة والتمييؤ ولا تجلس أقل الحيض، والأصل وجوب العبادة في ذمتها. ومن حلف بالطلاق فقيل له: استثن فقال: إن شاء اللّه فلا حنث عليه، بخلاف الذي أوقع الطلاق، وقال: إن شاء الله، فإن ذلك لا يرفعه، سواء كان نوى الاستثناء قبل فراغه من اليمين أو بعده، هذا هو الصحيح الذي دل عليه كلام الإمام أحمد وكثير من السلف وسُنَّة رسول اللّه ﷺ . وقوله للعباس: (إِلَّا الإذخر)، واستثناء سهيل بن بيضاء وغيره تدل على أن اليمين تنحل بالاستثناء المقارن لليمين. [المستدرك ٥/ ٢٧ - ٢٨] ٤٧٠٠ - قال ابن القيم ﵀: إذا استُحلف على شيء فأحب أن يحلف ولا يحنث: فالحيلة أن يحرك لسانه بقول: إن شاء اللّه، وهل يشترط أن يسمعها نفسه؛ فقيل: لا بد أن يسمع نفسه. وقال شيخنا: هذا لا دليل عليه؛ بل متى حرك لسانه بذلك كان متكلمًا وإن لم يسمع نفسه، وهكذا حكم الأقوال الواجبة. [المستدرك ٥/ ٢٨] ٤٧٠١ - تأملت نصوص كلام الإمام أحمد فوجدته يأمر باعتزال الرجل زوجته في كل يمين حلف الرجل عليها بالطلاق وهو لا يدري أبارٌّ فيها أم حانث حتى يستيقن أنه بار، فإن لم يعلم أنه بارٌّ [عتزلها أبدًا، وإن علم أنه بارٌّ] (١) في وقت وشك في وقت: اعتزالها وقت الشك، نص على فروع هذا الأصل في مواضع: إذا قال لامرأته: إن كنت حاملًا فأنت طالق، فإنه نص على أنه يعتزلها حتى يتبين أنها ليست بحامل. [المستدرك ٥/ ٣٠]

стр. 3040

٤٧٠٢ - اختار شيخنا العمل بعرف المتكلم وقصده في مسمى اليمين، وأنه موجب أصول أحمد ونصوصه. [المستدرك ٥/ ٣٢ - ٣٣] * * * (باب التأويل في الحلف) ٤٧٠٣ - إن حلف بالطلاق كاذبًا يعلم كذب نفسه (١): لا تطلق زوجته، ولا يلزمه كفارة يمين. [المستدرك ٥/ ٣٣] ٤٧٠٤ - لو قيل: زنت امرأتك، أو خرجت من الدار فغضب، وقال: فهي طالق، لم تطلق. [المستدرك ٥/ ٣٣] ٤٧٠٥ - اختار الشيخ تقي الدين ﵀: فيمن حلف على غيره ليفعلنه فخالفه: لم يحنث إن قصد إكرامه لا إلزامه؛ لأنه كالأمر، ولا يجب؛ لأمره ﷺ لأبي بكر بوقوفه في الصف ولم يقف، ولأن أبا بكر أقسم ليخبرنه بالصواب والخطأ لما فسر الرؤيا فقال: لا تقسم؛ لأنه علم أنه لم يقصد الإقسام عليه مع المصلحة المقتضية للكتم. [المستدرك ٥/ ٣٤] ٤٧٠٦ - إن لم يعلم المحلوف عليه بيمينه فكالناسي. [المستدرك ٥/ ٣٤] ٤٧٠٧ - إذا حلف بالطلاق ليعطينه كذا فعجز عنه: فلا حنث عليه إذا كانت نيته أن يعطيه مع القدرة. [المستدرك ٥/ ٣٤] ٤٧٠٨ - من رأى معجنة طين فقال: علي الطلاق ما تكفي، فكفت، فلا يعود الى مثل هذا اليمين فإن فيها خلافًا، لكن الأظهر أنه لا يحنث. [المستدرك ٥/ ٣٤] ٤٧٠٩ - إن حلف على زوجته لا تفعل شيئًا ولم تعلم أنه حلف، أو علمت فنسيت ففعلته: فلا حنث عليه، وله أن يصدقها إن كانت صادقة عنده. [المستدرك ٥/ ٣٥]

стр. 3041

٤٧١٠ - من حلف على زوجته بالطلاق الثلاث لا تفعل كذا ففعلت، وزعمت أنها حين فعلته اعتقدت أنه غير المحلوف عليه: فالصحيح في مثل ذلك أنه لا يقع طلاقه؛ بناء على أنه إذا فعل المحلوف عليه ناسيًا ليمينه أو جاهلًا لم يقع به طلاق في أحد قولي الشافعي وأحمد. [المستدرك ٥/ ٣٥] ٤٧١١ - إذا فعلت الزوجة المحلوف عليها، عالمة بالمخالفة: فهذا فيه نزاع آخر غير النزاع المعروف، فأصل الحلف بالطلاق هل يقع به الطلاق، أو لا يقع؛ فإنَّ النزاع في ذلك بين السلف والخلف. ثم إذا وقع به الطلاق بفعلها، أو حصلت فرقة بفعلها بعد الدخول فهل يرجع عليها بالمهر؛ فهو مبني على أن إخراج البضع من ملك الزوج هل هو متقوم؛ فلو شهد شهود بالطلاق ثم رجعوا، هل يضمنون الصداق؛ فيه قولان مشهوران هما روايتان عن أحمد، والصحيح أنه متقوم. ثم مالك يقول: هو مضمون بالمسمى وهو منصوص عن أحمد، والشافعي يقول: هو مضمون بمهر المثل وهو وجه لأحمد. وكذلك: لو أفسد رجل نكاح امرأة قبل الدخول بها وبعده: فللمرأة قبل الدخول نصف الصداق، ولها جميعه بعده، ويرجع الزوج به على المفسد في الصورتين عند من يقول خروج البضع متقوم، وهو المنصوص عن أحمد، وهو مقدار ما يرجع به على القولين، ومن يقول: لا يتقوم يقول: لا يرجع، وهذا القول الآخر في مذهب أحمد. والدليل على أنه متقوم: جواز الخلع عليه، وأيضا ما ذكره الله في الممتحنة حيث قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الممتحنة: ١٠] نزلت باتفاق المسلمين في قضية الصلح الذي كان بين النَّبِيّ ﷺ -

стр. 3042

وبين أهل مكة صلح الحديبية لما شرط عليهم أن يرد المسلمون من جاءهم مسلمًا، وأن لا يرد أهل مكة من ذهب إليهم مرتدًّا، فهاجر نسوة كأم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، فنسخ الله تعالى الرد في النساء، وأمر برد المهر عوضًا عن رد المرأة، فذلك قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ فأمر أن يؤتي الأزواجُ الكفار ما أنفقوا على المرأة الممتحنة التي لا ترد، والذي أنفقوا هو المسمى ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ﴾ فشرع للمؤمنين أن يسألوا الكفار ما أنفقوا على النسوة اللاتي ارتددن إليهم، وأن يسأل الكفار ما أنفقوا على النساء المهاجرات، فلما حكم اللّه سبحان وتعالى بذلك دل على أن خروج البضع متقوم، وأنه بالمهر المسمى، ودلت الآية على أن المرأة إذا أفسدت نكاحها رجع عليها زوجها بالمهر. فإذا حلف عليها فخالفته وفعلت المحلوف عليه: كانت عاصية ظالمة متلفة للبضع عليه، فيجب عليها ضمانه: إما بالمسمى على أصح قولي العلماء، وإما بمهر المثل. يوضح ذلك: ما كان من امرأة قيس بن شماس حين أبغضته وقالت: إني أكره الكفر بعد الإيمان فأمرها رسول الله ﷺ ترد عليه حديقته؛ لأن الفرقة جاءت من جهتها. فتبين أنه يجوز أن يأخذ صداقها إذا كان سبب الفرقة من جهتها. وهذا كله يقرر أنه يجوز أن يَرجع إليه الصداق، إذا فعل ما يوجب الضمان مثل: ما إذا أفسدته عليه بالهجرة، أو الردة. [المستدرك ٥/ ٣٧ - ٣٩] ٤٧١٢ - إذا حلف بالطلاق الثلاث: أن أحدًا من أرحام المرأة لا يطلع إلى بيته، فطلع في غيبته: فإن كان يعتقد أنه إذا حلف عليهم امتنعوا من الصعود فحلف ظنًّا أنهم ممن يطيعونه فتبين الأمر بخلاف ذلك، ففي حنثه نزاع بين العلماء، الأظهر أنه لا يحنث، كمن رأى امرأة يظنها أجنبية فقال: أنت طالق،

стр. 3043

ثم تبين أنها امرأته ونحو ذلك من المسائل التي يتعارض فيها تعيين الظاهر والقصد؛ فإن الصحيح اعتبار القصد. [المستدرك ٥/ ٣٩] ٤٧١٣ - إذا حلف على زوجته بالطلاق أنها لا تخرج إِلَّا إلى الحمام فخرجت إلى بيت أهل الزوج وقالت: لم أظن أنك أردت منعي من أهلك، فعرف صدقها في ذلك لم يقع به طلاق، وإن عرف كذبها لم يقبل قولها، وإن شك في صدقها وكذبها لم يحكم بوقوع الطلاق؛ فإن النكاح ثابت بيقين فلا يزول بالشك. [المستدرك ٥/ ٣٩ - ٤٠] ٤٧١٤ - إذا حلف على أخت زوجته لا تدخل بيته إِلَّا بإذنه، فدخلت بغير إذنه، ولم تكن علمت باليمين، ثم علمت فاعتقدت أن اليمين انحلت بالحنث، وأنه لم يبق عليها يمين، فاستمرت على الدخول: فلا حنث على الحالف؛ لأن الدخول الأول لم تكن عالمة باليمين، وبعد ذلك اعتقدت أنها انحلت وأنه لم يبق عليه يمين. [المستدرك ٥/ ٤٠] ٤٧١٥ - إذا علل الطلاق بعلة ثم تبيَّن انتفاؤها: فمذهب أحمد أنه لا يقع بها الطلاق، وعند شيخنا لا يشترط ذكر التعليل بلفظه، ولا فرق عنده بين أن يطلقها لعلةٍ مذكورةٍ في اللفظ أو غير مذكورة، فإذا تبين انتفاؤها لم يقع الطلاق، وهذا هو الذي لا يليق بالمذهب غيره، ولا تقتضي قواعد الأئمة غيره. [المستدرك ٥/ ٤٠] ٤٧١٦ - إذا حلف: لا يسكن بيت أبيه فزارهم وجلس عندهم أيامًا: لم يحنث؛ لأن الزيارة ليست سكنًا باتفاق الأئمة. [المستدرك ٥/ ٤٠] ٤٧١٧ - من حلف على ابن أخت زوجته أن لا يعمل عند إنسان لكونه يظلمه، ثم بلغ وخرج عن أمره واستقل بنفسه وأجر نفسه لذلك الرجل: لم يحنث ذلك الحالف. [المستدرك ٥/ ٤٠]

стр. 3044

٤٧١٨ - إذا حلف لا يفعل شيئًا لسبب فزال السبب أو أكره على فعل المحلوف عليه: لم يحنث. وإن كان السبب باقيًا وأراد فعل المحلوف، فخالع زوجته خلعًا صحيحًا ثم فعله بعد أن بانت بالخلع: لم يحنث، وإن كان الخلع لأجل اليمين ففيه نزاع مشهور. والصحيح أن خلع اليمين (١) لا يصح؛ كالمحلل؛ لأنه ليس المقصود به الفرقة. وهل يقع بخلع اليمين طلقة رجعية أم لا يقع به شيء؟ فيه نزاع مشهور، والصحيح أنه لا يقع به شيء بحال. لكن إذا أفتاه مفت به وفعله معتقدًا أن النكاح قد زال وأنه لا حنث عليه لأنه لم يقصد مخالفة يمينه: فلا حنث عليه، وأكثر العلماء يقولون إن يمينه باقية، منهم: مالك وأبو حنيفة وأحمد في المشهور والشافعي في أحد قوليه. وفي القول الآخر: أن اليمين تنحل إذا حصل بينه وبين زوجته بينونة. ويجوز للمستفتي أن يستفتي في مثل هذه المسائل (٢) من يفتيه بأن لا حنث عليه. ولا يجب على أحد أن يطيع أحدًا (٣) في كل ما يأمر به وينهى عنه إِلَّا رسول اللّه ﷺ . وإذا أفتاه من يجوز استفتاؤه: جاز أن يعمل بفتواه ولو كان ذلك القول لا يوافق المذهب الذي ينتسب هو إليه، وليس بلازم أن يلتزم قول إمام بعينه في جميع أيمانه. [المستدرك ٥/ ٤٠ - ٤١]

стр. 3045

٤٧١٩ - الاحتياط أحسن ما لم يفض بصاحبه إِلَّا مخالفة السنَّة، فإذا أفضى إلى ذلك فالاحتياط ترك هذا الاحتياط. [المستدرك ٥/ ٤١] * * * (باب الرجعة) ٤٧٢٠ - قال شيخنا: لا يُمَكَّن من الرجعة إِلَّا من أراد إصلاحًا وأمسك بمعروف (١)، فلو طلق إذًا (٢): ففي تحريمه الروايات. وقال: القرآن يدل على أنه لا يملكه (٣)، وأنه لو أوقعه لم يقع كما لو طلَّق البائن، ومن قال: إن الشارع ملَّك الإنسان ما حرَّمه عليه فقد تناقض. [المستدرك ٥/ ٤٢] ٤٧٢١ - ألزم شيخنا بإعلان الرجعة والتسريح أو الإشهاد؛ كالنكاح والخلع عنده، لا على ابتداء الفرقة؛ لقوله: ﴿أَشْهِدُوا﴾ [الطلاق: ٢] ولئلا يكتم طلاقها. ٤٧٢٢ - أبو حنيفة يجعل الوطء رجعة. والشافعي لا يجعله رجعة. ومالك يجعله رجعة مع النية .. فيبيح وطء الرجعية إذا قصد به الرجعة، وهذا أعدل الأقوال وأشبهها بالأصول. [المستدرك ٥/ ٤٣] ٤٧٢٣ - لا تصلح الرجعة مع الكتمان بحال، وذكره أبو بكر في الشافي، وروي عن أبي طالب قال: سألت أحمد عن رجل طلق امرأته وراجعها واستكتم الشهود حتى انقضت العدة؟ قال: يفرق بينهما ولا رجعة له عليها. [المستدرك ٥/ ٤٣]

стр. 3046

٤٧٢٤ - قال أصحابنا: ومن غابت مطلقتُه المحرمة ثم ذكرت أنها تزوجت من أصابها وانقضت عدتها منه، وأمكن ذلك: فله نكاحها إذا غلب على ظنه صدقها وإلا فلا. وقد تضمنت هذه المسألة: أن المرأة إذا ذكرت أنه كان لها زوج فطلقها وانقضت عدتها فإنه يجوز تزوجها وتزويجها، وإن لم يثبت أنه طلقها. ولا يقال: إن ثبوت إقرارها بالنكاح يوجب تعلق حق الزوج بها فلا يجوز نكاحها حتى يثبت زواله. [المستدرك ٥/ ٤٣] ٤٧٢٥ - قال أحمد في رواية ابن منصور: فإن طلقها ثلاثًا ثم جحد تفتدي نفسها منه بما تقدر عليه، فإن أجبرت على ذلك فلا تتزين له ولا تقربه وتهرب إن قدرت. وقال في رواية أبي طالب: تهرب ولا تتزوج حتى يظهر طلاقها ويعلم ذلك. فإن لم يقر بطلاقها ومات لا ترث؛ لأنها تأخذ ما ليس لها، وتفر منه، ولا تخرج من البلد ولكن تختفي في بلدها. [المستدرك ٥/ ٤٤] ٤٧٢٦ - قطع جمهور أصحابنا بحل المطلقة ثلاثًا بوطء المراهق، والذمي إن كانت ذمية. قال أبو العباس: النكاح الذي يبيحها له [الذميُّ ينبغي أن يكون] (١): هو النكاح الذي ينبغي أن يُقَرَّان عليه بعد الإسلام، أو (٢) المجيء به إلينا للحكم (٣).

стр. 3047

فعلى هذا: يحلها النكاح بلا ولي ولا شهود، وكذلك لو تزوجها على أخت ثم ماتت الأخت قبل مفارقتها. فأما لو تزوجها في عدة، أو على أخت ثم طلقها مع قيام المفسد: فهنا موضع نظر، فإن هذا النكاح لا يثبت به التوارث، ولا نحكم نحن فيه بشيء من أحكام النكاح، فينبغي أن لا تحل له. [المستدرك ٥/ ٤٥] ٤٧٢٧ - يلزمها (١) ترك حناء وزينة نهاها عنه الزوج. [المستدرك ٥/ ٤٥] * * *

стр. 3048

كتَابُ الظِّهَارِ إِلَى قِتَالِ أَهْلِ الْبَغي بَابُ الظِّهَارِ ٤٧٢٨ - إن قال لأجنبية: أنت علي كظهر أمي: لم يطأها حتى يكفر. وقيل: لا يصح كالطلاق، وذكره الشيخ تقي الدين ﵀ رواية. [المستدرك ٥/ ٤٧] ٤٧٢٩ - لو عزم على الوطء: فأصح القولين لا تستقر الكفارة إِلَّا بالوطء. [المستدرك ٥/ ٤٧] ٤٧٣٠ - ما يخرج في الكفارة المطلقة: غير مقيد بالشرع؛ بل بالعرف قدرًا أو نوعًا من غير تقدير ولا تمليك، وهو قياس المذهب في الزوجة والأقارب والمملوك والضيف، والأجير المستأجر بطعامه. والإدام يجب إن كان يطعم أهله بإدام، وإلا فلا. [المستدرك ٥/ ٤٨] ٤٧٣١ - عادة الناس تختلف في ذلك في الرخص والغلاء، واليسار والإعسار وتختلف بالشتاء والصيف. [المستدرك ٥/ ٤٨] ٤٧٣٢ - سُئِلَ -رَحِمَهُ اللّهُ تَعَالَى-: عَن رَجُلٍ حَنِقَ مِن زَوْجَتِهِ فَقَالَ: إنْ بَقِيت أَنْكِحُك أَنْكِحُ أُمِّي تَحْتَ سُتُورِ الْكَعْبَةِ، هَل يَجُوزُ أَنْ يُصَالِحَهَا؟ فَأَجَابَ: إذَا نَكَحَهَا فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ: عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وَلَا يَمَسُّهَا حَتَّى يُكَفِّرَ. [٣٤/ ٦] ٤٧٣٣ - إنْ أَرَادَ [أي: الزوج] بِقَوْلِهِ: إنَّهَا [أي: زوجته] مِثْلُ أُمِّي أَنَّهَا

стр. 3049

تَسْتُرُ عَلَيَّ وَلَا تَهْتِكُنِي وَلَا تَلُومُنِي كَمَا تَفْعَلُ الْأُمُّ مَعَ وَلَدِهَا: فَإِنَّهُ يُؤَدَّبُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَلَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ. وَإِنْ أَرَادَ بِهَا عِنْدِي مِثْلُ أُمِّي؛ أَيْ: فِي الاِمْتِنَاعِ عَن وَطْئِهَا وَالاِسْتِمْتَاعِ بِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْرُمُ مِن الْأُمِّ، فَهِيَ مِثْلُ أُمِّي الَّتِي لَيْسَتْ مَحَلًّا لِلِاسْتِمْتَاعِ بِهَا: فَهَذَا مُظَاهِرٌ، يَجِبٌ عَلَيْهِ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُظَاهِرِ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا حَتَّى يُكَفّرَ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ، فَيَعْتِقَ رَقَبَة، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامٌ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا. وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ حَل لَهُ ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيَّ كَأُمِّيِّ: فَهَذَا يَكُونُ مُظَاهِرًا فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد، وَحُكِيَ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ نِزَاعٌ فِي ذَلِكَ: هَل يَقَعُ بِهِ الثَّلَاثُ أَمْ لَا؟ وَالصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ الْوَطْءُ حَتَّى يُكَفِّرَ بِاتِّفَاقِهِمْ، وَلَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ بِذَلِكَ. [٣٤/ ٧] ٤٧٣٤ - وَسُئِلَ ﵀: عَن رَجُل قَالَتْ لَهُ زَوْجَتهُ: أَنْتَ عَلَيَّ حَرَامٌ مِثْل أَبِي وَأُمِّي، وَقَالَ لَهَا: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ مِثْل أُمِّي وَأُخْتِي، فَهَل يَجِبُ عَلَيْهِ طَلَاقٌ؟ فَأَجَابَ: لَا طَلَاقَ بِذَلِكَ (١)، وَلَكِنْ إن اسْتَمَرَّ عَلَى النِّكَاحِ فَعَلَى كُل مِنْهُمَا كَفَّارَةُ ظِهَارٍ قَبْلَ أَنْ يَجْتَمِعَا وَهِيَ عِتْقُ رَقَبَةٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؛ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتّينَ مِسْكِينًا. [٣٤/ ٩] ٤٧٣٥ - الواجبات المقدَّرة (٢) في الشرع على ثلاثة أنواع: تارة: تقدر الصدقة الواجبة ولا يقدر من يعطاها كالزكاة.

стр. 3050

وتارة: يقدر المُعطى، ولا يقدر المال كالكفارات. وتارة: يقدر هذا وهذا كفدية الأذى. وذلك لأن سبب وجوب الزكاة هو المال فقدر فيها المال الواجب. وأما الكفارات فسببها فعل بدنه؛ كالجماع واليمين والظهار فقدر فيها المُعطَى كما قدر العتق والصيام. وما يتعلق بالحج ففيه بدن، ومال، فعبادته بدنية ومالية فلهذا قدر فيه هذا وهذا. [المستدرك ٥/ ٤٨] ٤٧٣٦ - إن أخرج القيمة أو غدى المساكين أو عشاهم لم يجزئه، وعنه: يجزئه إذا كان قدر الواجب. واختار الشيخ تقي الدين الإجزاء ولم يعتبر القدر الواجب، وهو ظاهر نقل أبي داود وغيره، فإنه قال: أشبعهم قال: ما أطعمهم؟ قال: خبزًا ولحمًا إن قدرت، أو من أوسط طعامكم. [المستدرك ٥/ ٤٨ - ٤٩] * * * (اللعان) ٤٧٣٧ - لو لم يقل الزوج في أيمانه: فيما رميتها به، فقياس المذهب صحته، كما إذا اقتصر الزوج في النكاح على قوله: قبلت. [المستدرك ٥/ ٤٩] ٤٧٣٨ - إذا جوزنا إبدال لفظ الشهادة، والسخط، و"اللعن" فلأن نجوِّزه بغير العربية أولى. [المستدرك ٥/ ٤٩] * * * (بَابُ مَا يَلْحَقُ مِن النَّسَبِ) ٤٧٣٩ - إذَا وَلَدَتْ لِأَكْثَر مِن سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِن حِينِ دَخَلَ بِهَا وَلَو بِلَحْظَة: لَحِقَهُ [أي: الزوج] الْوَلَدُ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ.
следующие страницы →