← Фатава

Фатава · id 879

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (3 539 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

[النمل: ٤٠] وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ﴾ [التغابن: ١] فَإِنَّ كَثِيرًا مِمَن يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ وَالْغِنَى لَا يَكُونُ مَحْمُودًا بَل مَذْمُومًا، إذِ الْحَمْدُ يَتَضَمَّنُ الْإِخْبَارَ عَن الْمَحْمُودِ بِمَحَاسِنِهِ الْمَحْبُوبَةِ، فَيَتَضَمَّنُ إخْبَارًا بِمَحَاسِنِ الْمَحْبُوبِ مَحَبَّةً لَهُ. وَكَثِيرٌ مِمَن لَهُ نَصِيبٌ مِن الْحَمْدِ وَالْمَحَبَّةِ يَكُونُ فِيهِ عَجْزٌ وَضَعْفٌ وَذُلٌّ يُنَافِي الْعَظَمَةَ وَالْغِنَى وَالْمُلْكَ. فَالْأَوَّلُ يُهَابُ ويُخَافُ وَلَا يُحَبُّ. وَهَذَا يُحَبُّ وَيُحْمَدُ وَلَا يُهَابُ وَلَا يُخَافُ. وَالْكَمَالُ اجْتِمَاعُ الْوَصْفَيْن. [١٠/ ٢٥٢] ٥٤ - النَّاسُ وَإِن كَانُوا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ: لَا إلَهَ إلَّا الله، فَقَوْلُ الْعَبْدِ لَهَا مُخْلِصًا مِن قَلْبِهِ لَهُ حَقِيقَةٌ أُخْرَى، وَبِحَسَبِ تَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ تَكْمُلُ طَاعَةُ اللهِ. وَكُلَّمَا حَقَّقَ الْعَبْدُ الْإِخْلَاصَ فِي قَوْلِ: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ خَرَجَ مِن قَلْبِهِ تَأَلُّهُ مَا يَهْوَاهُ، وَتُصْرَفُ عَنْهُ الْمَعَاصِي وَالذُّنُوبُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤] (١). فَعَلَّلَ صَرْفَ السُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ عَنْهُ بِأَنَّهُ مِن عِبَادِ اللهِ الْمُخْلِصِينَ، وَهَؤُلَاءِ هُم الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] وَقَالَ الشَّيْطَانُ: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢، ٨٣]. وَقَد ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَن قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ مُخْلِصًا مِن قَلْبِهِ حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ" فَإِنَّ الْإِخْلَاصَ يَنْفِي أَسْبَابَ دُخُولِ النَّارِ، فَمَن دَخَلَ النَّارَ مِن الْقَائِلِينَ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ لَمْ يُحَقِّقْ إخْلَاصَهَا الْمُحَرِّمَ لَهُ عَلَى

стр. 37

النَّارِ؛ بَل كَانَ فِي قَلْبِهِ نَوْعٌ مِن الشِّرْكِ الَّذِي أَوْقَعَهُ فِيمَا أَدْخَلَهُ النَّارَ، وَالشِّرْكُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ أَخْفَى مِن دَبِيبِ النَّمْلِ؛ وَلهَذَا كَانَ الْعَبْدُ مَأمُورًا فِي كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ يَقُولَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]. [١٠/ ٢٦٠ - ٢٦١] ٥٥ - قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]. فَلَمْ يَقُلْ: "وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأَطِيعُوا أُولي الْأمْرِ مِنْكُمْ"؛ بَل جَعَلَ طَاعَةَ أُولِي الْأَمْرِ دَاخِلَةً فِي طَاعَةِ الرَّسُولِ، وَطَاعَةُ الرَّسُولِ طَاعَةٌ للهِ، وَأَعَادَ الْفِعْلَ فِي طَاعَةِ الرَّسُولِ دُونَ طَاعَةِ أُولي الْأَمْرِ؛ فَإنَّهُ مَن يُطِع الرَّسُولَ فَقَد أطَاعَ اللهَ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ إذَا أَمَرَهُ الرَّسُولُ بِأَمْرٍ أَنْ يَنْظُرَ هَل أَمَرَ اللهُ بِهِ أَمْ لَا، بِخِلَافِ أُولي الْأَمْرِ، فَإِنَّهُم قَد يَأْمُرُونَ بِمَعْصِيَةِ اللهِ، فَلَيْسَ كُلُّ مَن أَطَاعَهُم مُطِيعًا للهِ؛ بَل لَا بُدَّ فِيمَا يَأْمُرُونَ بِهِ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ لَيْسَ مَعْصِيَةً للهِ، ويُنْظَرَ هَل أَمَرَ اللهُ بِهِ أَمْ لَا؟ سَوَاءٌ كَانَ "أُولي الْأَمْرِ" مِن الْعُلَمَاءِ أَو الْأمَرَاءِ، وَيَدْخُلُ فِي هَذَا تَقْلِيدُ الْعُلَمَاءِ وَطَاعَةُ أُمَرَاءِ السَّرَايَا وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَبِهَذَا يَكُونُ الدِّينُ كلُّهُ للهِ. ٥٦ - إِذَا أُفْرِدَ لَفْظُ التَّوْحِيدِ فَهُوَ يَتَضَمَّنُ قَوْلَ الْقَلْبِ وَعَمَلَهُ، وَالتَّوَكُّلُ مِن تَمَامِ التَّوْحِيدِ. وَهَذَا كَلَفْظِ "الْإِيمَانِ" فَإِنَّهُ إذَا أُفْرِدَ دَخَلَتْ فِيهِ الْأَعْمَالُ الْبَاطِنَةُ وَالظَّاهِرَةُ، وَقِيلَ: الْإِيمَان قَوْلٌ وَعَمَلٌ؛ أَيْ: قَوْلُ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ، وَعَمَلُ الْقَلْبِ وَالْجَوَارحِ. [١٠/ ٢٦٦ - ٢٦٧] وَالْإِيمَانُ الْمُطْلَقُ يَدْخُلُ فِيهِ الْإِسْلَامُ. وَكَذَلِكَ لَفْظُ "الْعَمَلِ" فَإِنَّ الْإسْلَامَ الْمَذْكُورَ هُوَ مِن الْعَمَلِ، وَالْعَمَلُ الظَّاهِرُ هُوَ مُوجَبُ إيمَانِ الْقَلْبِ وَمُقْتَضَاهُ، فَإِذَا حَصَلَ إيمَانُ الْقَلْبِ حَصَلَ إيمَانُ الْجَوَارحِ ضَرُورَةً، وَإيمَانُ الْقَلْبِ لَا بُدَّ فِيهِ مِن تَصْدِيقِ الْقَلْبِ وَانْقِيَادِهِ، وَإِلَّا فَلَو

стр. 38

صَدَّقَ قَلْبُهُ بِأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ وَهُوَ يُبْغِضهُ وَيحْسُدُهُ ويسْتَكْبِرُ عَن مُتَابَعَتِهِ لَمْ يَكُن قَد آمنَ قَلْبُهُ. [١٠/ ٢٦٨ - ٢٦٩] ٥٧ - الْإِيمَانُ وَإِن تَضَمَّنَ التَّصْدِيقَ فَلَيْسَ هُوَ مُرَادِفًا لَهُ، فَلَا يُقَالُ لِكُلِّ مُصَدِّقٍ بِشَيءِ: إنَّهُ مُؤْمِنٌ بِهِ. فَلَو قَالَ: أَنَا أُصَدِّقُ بِأَنَّ الْوَاحِدَ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ وَأَنَّ السَّمَاءَ فَوْقَنَا وَالْأَرْضَ تَحْتَنَا وَنَحْو ذَلِكَ مِمَّا يُشَاهِدُهُ النَّاسُ ويعْلَمُونَهُ لَمْ يُقَلْ لِهَذَا: إنَّهُ مُؤْمِنٌ بِذَلِكَ؛ بَل لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِيمَن أَخْبَرَ بِشَيءٍ مِن الْأُمُورِ الْغَائِبَةِ؛ كَقَوْلِ إخْوَةِ يُوسُفَ: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف:١١٧] فَإِنَّهُم أَخْبَرُوهُ بِمَا غَابَ عَنْهُ، وَهُم يُفَرِّقُونَ بَيْنَ مَن آمَنَ لَهُ وَآمَنَ بِهِ؛ فَالْأَوَّلُ يُقَالُ لِلْمُخْبِرِ، وَالثَّانِي يُقَالُ لِلْمُخْبَرِ بِهِ. [١٠/ ٢٦٩ - ٢٧٠] ٥٨ - لَنْ يَسْتَغْنِيَ الْقَلْبُ عَن جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ إلَّا بِأَنْ يَكُونَ اللهُ هُوَ مَوْلَاهُ الَّذِي لَا يَعْبُدُ إلَّا إيَّاهُ، وَلَا يَسْتَعِينُ إلَّا بِهِ، وَلَا يَتَوَكَّلُ إلَّا عَلَيْهِ، وَلَا يَفْرَحُ إلَّا بِمَا يُحِبُّهُ ويرْضاهُ، وَلَا يَكْرَهُ إلَّا مَا يُبْغِضُهُ الرَّبُّ وَيَكْرَهُهُ، وَلَا يُوَالِي إلَّا مَن وَالَاهُ اللهُ، وَلَا يُعَادِي إلَّا مَن عَادَاهُ الله، وَلَا يُحِبُّ إلَّا للهِ، وَلَا يُبْغِضُ شَيْئًا إلَّا للهِ، وَلَا يُعْطِي إلَّا للهِ، وَلَا يَمْنَعُ إلَّا للهِ. فَكُلَّمَا قَوِيَ إخْلَاصُ دِينِهِ للهِ كَمُلَتْ عُبُودِيَّتُهُ وَاسْتِغْنَاؤُهُ عَن الْمَخْلُوقَاتِ، وَبِكَمَالِ عُبُودِيَّتِهِ للهِ يُبَرِّئُهُ مِن الْكِبْرِ وَالشِّرْكِ. [١٠/ ١٩٨] ٥٩ - إِنَّ الْإِنْسَانَ قَد يَقْصِدُ سُؤَالَ اللهَ وَحْدَهُ وَالتَّوَكُّلَ عَلَيْهِ، لَكِنْ فِي أُمُورٍ لَا يُحِبُّهَا اللهُ؛ بَل يَكْرَهُهَا وَيَنْهَى عَنْهَا، فَهَذَا وَإِن كَانَ مُخْلِصًا لَهُ فِي سُؤَالِهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، لَكنْ لَيْسَ هُوَ مُخْلِصًا فِي عِبَادَتِهِ وَطَاعَتِهِ. وَطَائِفَةٌ أُخْرَى قَد يَقْصِدُونَ طَاعَةَ اللهَ وَرَسُولِهِ لَكِنْ لَا يُحَقِّقُونَ التَّوَكُّلَ عَلَيْهِ وَالِاسْتِعَانَةَ بِهِ، فَهَؤلَاءِ يُثَابُونَ عَلَى حُسْنِ نِيَّتِهِمْ وَعَلَى طَاعَتِهِمْ، لَكِنَّهُم مَخْذُولُونَ فِيمَا يَقْصِدُونَهْ إذ لَمْ يُحَقِّقُوا الِاسْتِعَانَةَ باللهِ وَالتَّوَكُّلَ عَلَيْهِ، وَلهَذَا يُبْتَلَى الْوَاحِدُ مِن هَؤُلَاءِ بِالضَّعْفِ وَالْجَزَعِ تَارَةً، وَبِالْإِعْجَابِ أُخْرَى، فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ مُرَادُهُ مِن

стр. 39

الْخَيْرِ كَانَ لِضَعْفِهِ، وَرُبَّمَا حَصَلَ لَهُ جَزَعٌ، فَإِنْ حَصَلَ فرَادُهُ نَظَرَ إلَى نَفْسِهِ وَقُوَّتِهِ فَحَصَلَ لَهُ إعْجَابٌ، وقد يُعْجَبُ بِحَالِهِ فَيَظُنُّ حُصُولَ مُرَادِهِ فَيُخْذَلُ (١). قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] إلَى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧)﴾ [التوبة: ٢٧]. وَكَثِيرًا مَا يَقْرِنُ النَّاسُ بَيْنَ الرِّيَاءِ وَالْعُجْبِ، فَالرِّيَاءُ مِن بَابِ الْإِشْرَاكِ بِالْخَلْقِ، وَالْعُجْبُ مِن بَابِ الْإِشْرَاكِ بِالنَّفْسِ، وَهَذَا حَالُ الْمُسْتَكْبِرِ، فَالْمُرَائي لَا يُحَقِّقُ قَوْلَهُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وَالْمُعْجَبُ لَا يُحَقِّقُ قَوْلَهُ: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، فَمَن حَقَّقَ قَوْلَهُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ خَرَجَ عَن الرِّيَاءِ، وَمَن حَقَّقَ قَوْلَهُ: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ خَرَجَ عَن الْإِعْجَابِ. [١٠/ ٢٧٦ - ٢٧٧] ٦٠ - لم يؤمر بالحزن المنافي للرضى قط، مع أنه لا فائدة فيه، فقد يكون فيه مضرة لكنه يعفى عنه إذا لم يقترن به ما يكرهه الله. لكن البكاء على الميت على وجه الرحمة حسن مستحب، وذلك لا ينافي الرضا، بخلاف البكاء عليه لفوات حظه منه، وبهذا يعرف معنى قول النبي ﷺ لما بكى على الميت وقال: "إِنَّ هَذَهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا الله فِي قُلُوبِ محِبَادِه، وَإِنَّمَا يَرْحَم اللهُ مِنْ عِبَاده الرُّحَمَاء" (٢)، فإن هذا ليس كبكاء من يبكي لحظه لا لرحمة الميت، فإن الفضيل بن عياض لما مات ابنه علي ضحك (٣) وقال: رأيت أن الله قد قضى فأحببت أن أرضى بما قضى الله به، حاله حال حسن بالنسبة إلى أهل الجزع.

стр. 40

وأما رحمة الميت مع الرضى بالقضاء وحمد الله تعالى تعالى النبي ﷺ فهذا أكمل. كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد: ١٧]، فذكر سبحانه التواصي بالصبر والمرحمة. [١٠/ ٤٦ - ٤٧] ٦١ - يُحَقِّقُ قَوْلَهُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ تَوْحِيد الْإِلَهِيَّةِ وَتَوْحِيد الرُّبُوبِيَّةِ، وَإِن كَانَت الْإِلَهِيَّةُ تَتَضَمَّنُ الرُّبُوبِيَّةَ، وَالرُّبُوبِيَّةُ تَسْتَلْزِمُ الْإِلَهِيَّةَ، فَإِنَّ أَحَدَهُمَا إذَا تَضَمَّنَ الْآخَرَ عِنْدَ الِانْفِرَادِ لَمْ يَمْنَعْ أَنْ يَخْتَصَّ بِمَعْنَاهُ عِنْدَ الِاقْتِرَانِ. وَلهَذَا كَانَت الْعِبَادَةُ مُتَعَلِّقَةً بِاسْمِهِ اللهِ وَالسُّؤَالُ مُتَعَلِّقًا بِاسْمِهِ الرَّبِّ .. وَلَمَّا كَانَت الْعِبَادَةُ مُتَعَلِّقَةً بِاسْمِ اللهِ تَعَالَى جَاءَت الْأَذْكَارُ الْمَشْرُوعَةُ بِهَذَا الِاسْمِ، مِثْلُ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ. وَمِثْلُ الشَّهَادَتَيْنِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ. وَأَمَّا السُّؤَالُ فَكَثِيرًا مَا يَجِيءُ بِاسْمِ الرَّبِّ؛ كَقَوْلِ آدمَ وَحَوَّاءَ: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣]. [١٠/ ٢٨٣ - ٢٨٥] ٦٢ - تَنَازَعَ النَّاسُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] فَعَلَى قَوْلِ الْخَوَارجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ لَا تُقْبَلُ حَسَنَةٌ إلَّا مِمَّن اتَّقَاهُ مُطْلَقًا فَلَمْ يَأْتِ كَبِيرَةً. وَعِنْدَ الْمُرْجِئَةِ إنَّمَا يَتَقَبَّلُ مِمَّن اتَّقَى الشِّرْكَ فَجَعَلُوا أَهْلَ الْكبَائِرِ دَاخِلِينَ فِي اسْمِ "الْمُتَّقِينَ". وَعِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ يُتَقَبَّلُ الْعَمَلُ مِمَّن اتَّقَى اللهَ فِيهِ، فَعَمِلَهُ خَالِصًا للهِ مُوَافِقًا لِأَمْرِ اللهِ، فَمَن اتَّقَاهُ فِي عَمَلٍ تَقَبَّلَهُ مِنْهُ وَإِن كَانَ عَاصِيًا فِي غَيْرِهِ، وَمَن لَمْ يَتَّقِهِ فِيهِ لَمْ يَتَقَبَّلْهُ مِنْهُ وَإِن كَانَ مُطِيعًا فِي غَيْرِهِ. [١٠/ ٣٢٢] ٦٣ - الدِّينُ الْقَائِمُ بِالْقَلْبِ مِن الْإِيمَانِ عِلْمًا وَحَالًا، هُوَ الْأَصْلُ، وَالْأَعْمَالُ الظَّاهِرَةُ هِيَ الْفُرُوعُ، وَهِيَ كَمَالُ الْإِيمَانِ. فَالدِّينُ أَوَّلُ مَا يُبْنَى مِن أُصُولِهِ وَيَكْمُلُ بِفُرُوعِهِ، كَمَا أَنْزَلَ اللهُ بِمَكَّةَ أُصُولَهُ

стр. 41

مِن التَّوْحِيدِ وَالْأَمْثَالِ الَّتِىِ هِيَ الْمَقَايِيسُ الْعَقْلِيَّةُ وَالْقِصَصُ وَالْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ، ثُمَّ أَنْزَلَ بِالْمَدِينَةِ -لَمَّا صَارَ لَة قُوَّةٌ- فُرُوعَهُ الظَّاهِرَةَ مِن الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ وَالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالْجِهَادِ وَالصّيَامِ وَتَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَالزنى وَالْمَيْسِرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن وَاجِبَاتِهِ وَمُحَرَّمَاتِهِ. [١٠/ ٣٥٥] ٦٤ - الْبَرَاءَةُ ضِدُّ الْوِلَايَةِ، وَأَصِلُ الْبَرَاءَةِ الْبُغْضُ، وَأَصْلُ الْوِلَايَةِ الْحُبُّ. [١٠/ ٤٦٥] ٦٥ - لِلنَّاسِ فِي هَذِهِ الْأَسْمَاءِ: ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] وَ ﴿عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٧] وَ ﴿عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٥] مَقَالَاتٌ مَعْرُوفَةٌ. مِنْهَا: أَنْ يُقَالَ: ﴿عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ مَا عَلِمَهُ بِالسَّمَاعِ وَالْخَبَرِ وَالْقِيَاسِ وَالنَّظَرِ. وَ ﴿عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ مَا شَاهَدَهُ وَعَايَنَهُ بِالْبَصَرِ. وَ ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾ مَا بَاشَرَهُ وَوَجَدَهُ وَذَاقَهُ وَعَرَفَهُ بِالِاعْتِبَارِ. فَالْأُولَى: مِثْلُ مَن أَخْبَرَ أَنَّ هُنَاكَ عَسَلًا وَصَدَّقَ الْمُخْبِرَ، أَو رَأَى آثَارَ الْعَسَلِ فَاسْتَدَلَّ عَلَى وُجُودِهِ. وَالثَّاني: مِثْلُ مَن رَأَى الْعَسَلَ وَشَاهَدَهُ وَعَايَنَهُ. وَالثَّالِثُ: مِثْلُ مَن ذَاقَ الْعَسَلَ وَوَجَدَ طَعْمَهُ وَحَلَاوَتَهُ وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا أَعْلَى مِمَّا قَبْلَهُ. وَالنَّاسُ فِيمَا أُخْبِرُوا بِهِ مِن أَمْرِ الْآخِرَةِ عَلَى ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ: إحْدَاهَا: الْعِلْمُ بِذَلِكَ؛ لِمَا أَخْبَرَتْهُم الرُّسُلُ وَمَا قَامَ مِن الْأَدِلَّةِ عَلَى وُجُودِ ذَلِكَ. الثانِيَةُ: إذَا عَايَنُوا مَا وُعِدُوا بِهِ مِن الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ. وَالثَّالِثَةُ: إذَا بَاشَروا ذَلِكَ؛ فَدَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ؛ وَذَاقُوا مَا كَانُوا يُوعَدُونَ، وَدَخَلَ أَهْلُ النَّارِ النَّارَ وَذَاقُوا مَا كَانُوا يُوعَدُونَ.

стр. 42

وَمِن ذَلِكَ مَا يَجِدُونَهُ مِن ثَمَرَةِ التَّوْحِيدِ وَالْإِخْلَاصِ وَالتَّوَكلُ وَالدُّعَاءُ للهِ وَحْدَهُ، فَإِنَّ النَّاسَ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ: "مِنْهُم" مَن عَلِمَ ذَلِكَ سَمَاعًا وَاسْتِدْلَالًا. "وَمِنْهُم" مَن شَاهَدَ وَعَايَنَ مَا يَحْصُلُ لَهُمْ. وَ"مِنْهُم" مَن وَجَدَ حَقِيقَةَ الْإِخْلَاصِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ والِالْتِجَاءِ إلَيْهِ وَالِاسْتِعَانَة بِهِ، وَقَطَعَ التَعَلُّقَ بِمَا سِوَاهُ. [١٠/ ٦٤٥ - ٦٥٠] ٦٦ - أَرْجَحُ الْمَكَاسِبِ: التَّوَكُّل عَلَى اللهِ وَالثِّقَةُ بِكِفَايَتِهِ وَحُسْنُ الظَّنِّ بِهِ. [١٠/ ٦٦٢] ٦٧ - شَكَا أَصْحَاب رَسُولِ اللهِ ﷺ إلَيْهِ فَقَالُوا: إِنَّا نَجِدُ فِى أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ. قَالَ "وَقَد وَجَدْتُمُوهُ؟ ". قَالُوا نَعَمْ. قَالَ "ذَاكَ صَرِيحُ الإيمَانِ" (١). فَهُنَا لَمَّا اقْتَرَنَ بِالْوَسْوَاسِ هَذَا الْبُغْضُ وَهَذِهِ الْكَرَاهَةُ كَانَ هُوَ صَرِيحَ الْإِيمَانِ وَهُوَ خَالِصُهُ وَمَحْضُهُ؛ لِأَنَّ الْمُنَافِقَ وَالْكَافِرَ لَا يَجِدُ هَذَا الْبُغْضَ وَهَذِهِ الْكَرَاهَةَ مَعَ الْوَسْوَسَةِ بِذَلِكَ. بَل إنْ كَانَ فِي الْكُفْرِ الْبَسِيطِ (٢) وَهُوَ الْإِعْرَاضُ عَمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَتَرَكَ

стр. 43

الْإِيمَانَ بِهِ -وَإِن لَمْ يَعْتَقِدْ تَكْذِيبَهُ- فَهَذَا قَد لَا يُوَسْوِسُ لَهُ الشَّيْطَانُ بِذَلِكَ، إذ الْوَسْوَسَةُ بِالْمُعَارِضِ الْمُنَافِي لِلْإِيمَانِ إنّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهَا عِنْدَ وُجُودِ مُقْتَضِيهِ، فَإِذَا لَمْ يَكُن مَعَهُ مَا يَقْتَضِي الْإِيمَانَ لَمْ يَحْتَجْ إلَى مُعَارِضٍ يَدْفَعُهُ. فَكُلُّ مَا وَقَعَ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ مِن خَوَاطِرِ الْكُفْرِ وَالنفَاقِ فَكَرِهَهُ وَأَلْقَاهُ ازْدَادَ إيمَانًا ويقِينًا، كَمَا أنَّ كُلَّ مَن حَدَّثَتْهُ نَفْسُهُ بِذَنْبٍ فَكَرِهَهُ وَنَفَاهُ عَن نَفْسِهِ وَتَرَكَهُ للهِ ازْدَادَ صَلَاحًا وَبِرًّا وَتَقْوَى. [١٠/ ٧٦٦ - ٧٦٧] ٦٨ - أَمَّا تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ وَهُوَ الْإِقْرَارُ بِأنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ فَهَذَا قَد أَقَرَّ بِهِ الْمُشْرِكونَ الَّذِينَ قَالَ اللهُ فِيهِمْ: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف: ١٠٦] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَسْألُهُم مَن خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ؟ فَيَقُولُونَ: اللهُ وَهُم يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦١]. فَالْكُفَّارُ الْمُشْرِكُونَ مُقِرُّونَ أَنَّ اللهَ خَالِقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَيْسَ فِي جَمِيعِ الْكُفَّارِ مَن جَعَلَ للهِ شَرِيكًا مُسَاوِيًا لَهُ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ هَذَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ قَطُّ. فَإنَّ جَمِيعَ هَؤُلَاءِ -وَإِن كَانُوا كُفَّارًا مُشْرِكِينَ مُتَنَوِّعِينَ فِي الشِّرْكِ- فَهُم مُقِرُّونَ بِالرَّبِّ الْحَقِّ الَّذِي لَيْسَ لَهُ مِثْلٌ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَجَمِيعِ أَفْعَالِهِ؛ وَلَكِنَّهُم مَعَ هَذَا مُشْرِكُونَ بِهِ فِي أُلُوهِيَّتِهِ، بِأَنْ يَعْبُدُوا مَعَهُ آلِهَةً أُخْرَى يَتَّخِذُونَهَا شُفَعَاءَ أَو شُرَكَاءَ؛ أَو فِي رُبُوبِيَّتِهِ بِأَنْ يَجْعَلُوا غَيْرَهُ رَبَّ بَعْضِ الْكَائِنَاتِ دُونَهُ مَعَ اعْتِرَافِهِمْ بِأَنَّهُ رَبُّ ذَلِكَ الرَّبِّ وَخَالِقُ ذَلِكَ الْخَلْقِ. وَقَد أَرْسَلَ اللهُ جَمِيعَ الرُّسُلِ وَأَنْزَلَ جَمِيعَ الْكُتُبِ بِالتَّوْحِيدِ الَّذِي هُوَ

стр. 44

عِبَادَةُ الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥]. [١١/ ٥١ - ٥٢] ٦٩ - قَوْلُ الْقَائِلِ: نَحْنُ فِي بَرَكَةِ فُلَانٍ، أَو مِن وَقْتِ حُلُولِهِ عِنْدَنَا حَلَّتْ الْبَرَكَة: فَهَذَا الْكَلَامُ صَحِيح بِاعْتِبَار بَاطِلٌ بِاعْتِبَار (١). فَأَمَّا الصَّحِيحُ: فَأَنْ يُرَادَ بِهِ أَنَّهُ هَدَانَا وَعَلَّمَنَا وَأَمَرَنَا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَانَا عَن الْمُنْكَرِ فَبِبَرَكَةِ اتِّبَاعِهِ وَطَاعَتِهِ حَصَلَ لَنَا مِن الْخَيْرِ مَا حَصَلَ، فَهَذَا كَلَامٌ صَحِيحٌ. وَأَمَّا الْمَعْنَى الْبَاطِلُ: فَمِثْلُ أَنْ يُرِيدَ الْإِشْرَاكَ بِالْخَلْقِ: مِثْلُ أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ مَقْبُورٌ بِمَكَان فَيَظُنُّ أَنَّ اللهَ يَتَوَلَّاهُم لِأَجْلِهِ، وَإِن لَمْ يَقُومُوا بِطَاعَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ، فَهَذَا جَهْلٌ. [١١/ ١١٣ - ١١٤] ٧٠ - مَن اعْتَقَدَ أَنَّ لِأَحَد مِن الْأَوْليَاءِ طَرِيقًا إلَى اللّهِ مِن غَيْرِ مُتَابَعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَهُوَ كَافِرٌ مِن أَوْليَاءِ الشَّيْطَانِ. [١١/ ١٧٠] ٧١ - مَن ظَنَّ أَنَّ "الْقَدَرَ" حُجَّةٌ لِأَهْلِ الذُّنُوب فَهُوَ مِن جِنْسِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَالَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨]. [١١/ ٢٥٧] ٧٢ - إِنَّ اللهَ غَنِيٌّ وَاجِبٌ بِنَفْسِهِ، وَقَد عُرِفَ أَنَّ قِيَامَ الصِّفَاتِ بِهِ لَا يَلْزَمُ حُدُوثَهُ وَلَا إمْكَانَهُ وَلَا حَاجَتَهُ. فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَن الْعَالَمِينَ وَعَن خَلْقِهِ وَهُوَ غَنِيٌّ بِنَفْسِهِ. وأمَّا إطْلَاقُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ غَنِيٌّ عَن نَفْسِهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، فَإِنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى نَفْسِهِ، وَفِي إطْلَاقِ كُل مِنْهُمَا إيهَامُ مَعْنًى فَاسِدٍ. [١١/ ٣٥٩] ٧٣ - مَن جَحَدَ وُجُوبَ بَعْضِ الْوَاجِبَاتِ الظَّاهِرَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ: كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَصِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَحَجِّ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ أَو جَحْدِ تَحْرِيمِ بَعْضِ

стр. 45

الْمُحَرَّمَاتِ الظَّاهِرَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ: كَالْفَوَاحِشِ وَالظُّلْمِ وَالْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَالزنى وَغَيْرِ ذَلِكَ. أَو جَحْدِ حِلَّ بَعْضِ الْمُبَاحَاتِ الظَّاهِرَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ: كَالْخُبْزِ وَاللَّحْمِ وَالنَّكَاحِ: فَهُوَ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ، وَإِن أَضْمَرَ ذَلِكَ كَانَ زِنْدِيقًا مُنَافِقًا لَا يُسْتَتَابُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ بَل يُقْتَلُ بِلَا اسْتِتَابَةٍ إذَا ظَهَرَ ذَلِكَ مِنْهُ. لَكِنْ مِنَ النَّاسِ مَن يَكُونُ جَاهِلًا بِبَعْضِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ جَهْلًا يُعْذَرُ بِهِ، فَلَا يُحْكَمُ بكُفْرِ أَحَدٍ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ مِن جِهَةِ بَلَاغٍ الرِّسَالَةِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. وَلهَذَا لَو أَسْلَمَ رَجُلٌ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الصَّلَاةَ وَاجِبَة عَلَيْهِ، أَو لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْخَمْرَ يَحْرُمُ: لَمْ يَكْفُرْ بِعَدَمِ اعْتِقَادِ إيجَابِ هَذَا وَتَحْرِيمِ هَذَا؛ بَل وَلَمْ يُعَاقَبْ حَتَّى تَبْلُغَهُ الْحُجَّةُ النَبوِيَّةُ. بَل قَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَن أَسْلَمَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ الصَّلَاةَ وَاجِبَة ثُمَّ عَلِمَ، هَل يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا تَرَكَهُ فِي حَالِ الْجَهْلِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَالثانِي: يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. بَل النِّزَاعُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي كُلِّ مَن تَرَكَ وَاجِبًا قَبْلَ بُلُوغِ الْحِجَّةِ: مِثْلُ تَرْكِ الصَّلَاةِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ يَحْسَبُ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَصِحُّ بِتَيَمُّم، أَو مَن أَكلَ حَتَّى تَبَيَّنَ لَهُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِن الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ويحْسَبُ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُرَادُ بِالْآيَةِ، كَمَا جَرَى ذَلِكَ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ، أو مَسَّ ذَكَرَهُ أَو أَكَلَ لَحْمَ الْإِبِلِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ وُجُوبُ ذَلِكَ، وَأَمْثَالُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ هَل يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ.

стр. 46

وَأَصْلُ ذَلِكَ: هَل يَثْبُتُ حُكْمُ الْخِطَابِ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِن سَمَاعِهِ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ. الصَّحِيحُ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ: أَنَّ الْخِطَابَ لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّ أَحَدٍ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِن سَمَاعِهِ؛ فَإِنَّ الْقَضَاءَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ وَنَظَائِرِهَا، مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى انْتِفَاءِ الْإِثْمِ؛ لِأَنَّ اللهَ عَفَا لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَن الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي التَّأثِيمِ فَكَيْفَ فِي التَّكْفِيرِ؟ وَكَثِيرٌ مِن النَّاسِ قَد يَنْشَأُ فِي الْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ الَّذِي يَنْدَرِسُ فِيهَا كَثِيرٌ مِن عُلُومِ النُّبُوَّاتِ حَتَّى لَا يَبْقَى مَن يُبَلِّغ مَا بَعَثَ اللهُ بِهِ رَسُولَهُ مِن الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ، فَلَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا يَبْعَثُ اللهُ بِهِ رَسُولَهُ، وَلَا يَكُونُ هُنَاكَ مَن يُبَلِّغُهُ ذَلِكَ وَمِثْلُ هَذَا لَا يَكْفُرُ، وَلهَذَا اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّ مَن نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَن أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ وَكَانَ حَدِيثَ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ فَأَنْكَرَ شَيْئًا مِن هَذِهِ الْأَحْكَامِ الظَّاهِرَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ فَإِنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ حَتَّى يَعْرِفَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ. وَقَد دَلَّ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ مَا أَخْرَجَاهُ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ: فَإِذَا مَاتَ فَحَرِّقُوهُ وَاذْرُوا نِصْفَهُ فِي البَرِّ، وَبصْفَهُ فِي البَحْرِ؛ فَوَاللهِ لَئِنْ قَدَرَ اللهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ العَالَمِينَ؛ فَأَمَرَ الله البَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، وَأَمَرَ البَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: لِمَ فَعَلْتَ؟ قَالَ: مِن خَشْيَتِكَ وَأَنْتَ أَعْلَمُ، فَغَفَرَ لَهُ" (١). فَهَذَا الرَّجُلُ ظَنَّ أَنَّ اللهَ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إذَا تَفَرَّقَ هَذَا التَّفَرُّقَ، فَظَنَّ أَنَّهُ لَا

стр. 47

يُعِيدُهُ إذَا صَارَ كَذَلِكَ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِن إنْكَارِ قُدْرَةِ الثهِ تَعَالَى وَإِنْكَارِ مَعَادِ الْأَبْدَانِ وإِن تَفَرَّقَتْ كُفْرٌ. لَكِنَّهُ كَانَ مَعَ إيمَانِهِ باللهِ وَإيمَانِهِ بِأَمْرِهِ وَخَشْيَتِهِ مِنْهُ جَاهِلًا بِذَلِكَ ضَالًّا فِي هَذَا الظَّنّ مُخْطِئًا، فَغَفَرَ اللهُ لَهُ ذَلِكَ. وَالْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الرَّجُلَ طَمِعَ أَنْ لَا يُعِيدَهُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ، وَأَدْنَى هَذَا أَنْ يَكُونَ شَاكًّا فِي الْمَعَادِ، وَذَلِكَ كُفْرٌ -إذَا قَامَتْ حُجَّةُ النُّبُوَّةِ عَلَى مُنْكِرِهِ حُكِمَ بِكُفْرِهِ- هُوَ بَيِّنٌ فِي عَدَمِ إيمَانِهِ باللهِ تَعَالَى. [١١/ ٤٠٥ - ٤١٠] ٧٤ - مَن ظَنَّ أَنَّ التَّضْحِيَةَ عِنْدَ الْقُبُورِ مُسْتَحَبَّةٌ وَأَنَّهَا أَفْضَلُ: فَهُوَ جَاهِلٌ ضَالٌّ مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. وَالنَّبِيُّ ﷺ نَهَى أَنْ تُتَّخَذَ الْقبُورُ مَسَاجِدَ، فَلَعَنَ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ تَحْذِيرًا لِأُمَّتِهِ أَنْ تَتَشَبَّهَ بِالْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يُعَظِّمُونَ الْقُبُورَ حَتَّى عَبَدُوهُمْ، فَكَيْفَ يَتَّخِذُ الْقَبْرَ مَنْسَكًا يَقْصِدُ النُّسُكَ فِيهِ؟ فَإِنَّ هَذَا أَيْضًا مِن التَّشَبُّهِ بِالْمُشْرِكِينَ (١). وَقَد قَالَ الْخَلِيلُ -صَلَاةُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ-: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢] فَيَجِبُ الْإِخْلَاصُ وَالصَّلَاةُ وَالنُّسُكُ للهِ، وَإِن لَمْ يَقْصِدِ الْعَبْدُ الذَّبْحَ عِنْدَ الْقَبْرِ، لَكِنَ الشَّرِيعَةَ سَدَّتِ الذَّرِيعَةَ، كَمَا نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عن الصَّلَاةِ وَقْتَ طُلُوعِ الشَمْسِ وَوَقْتَ غُرُوبِهَا؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكفَّارُ وَإِن كَانَ الْمُصَلِّي للهِ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ اتِّخَاذُ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ قَد نَهَى عَنْهُ وَإِن كَانَ الْمُصَلِّي لَا يُصَلِّي إلَّا للهِ. وَقَالَ: "لَيْسَ مِنَّا مَن تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا" (٢)، وَقَالَ: "مَن تَشَبَّهَ بِقَوْمِ فَهُوَ مِنْهُمْ" (٣). [٢٧/ ٤٩٥ - ٤٩٦]

стр. 48

٧٥ - مَن لَمْ يُقِرَّ بِأَنَّ بَعْدَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَنْ يَكُونَ مُسْلِمٌ إلَّا مَن آمَنَ بِهِ وَاتَّبعَهُ بَاطِنًا وَظَاهِرًا فَلَيْسَ بِمُسْلِم. وَمَن لَمْ يُحَرِّم التَّدَيُّنَ -بَعْدَ مَبْعَثِهِ ﷺ بِدِينِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، بَل مَن لَمْ يُكَفِّرْهُم وَيُبْغِضْهُمْ: فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. [٢٧/ ٤٦٤] * * * (قصتُه مع الصوفية البطائحية، وإنكاره عليهم) ٧٦ - كَتَبْتُ مَا حَضَرَنِي ذِكْرُهُ فِي الْمَشْهَدِ الْكَبِيرِ بِقَصْرِ الْإِمَارَةِ وَالْمَيْدَانِ بِحَضْرَةِ الْخَلْقِ مِن الْأُمَرَاءِ وَالْكُتَّابِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْفُقَرَاءِ الْعَامَّةِ وَغَيْرِهِمْ فِي أَمْرِ "البطائحية" (١) يَوْمَ السَّبْتِ تَاسِعَ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ خَمْسٍ (٢)، لِتَشَوُّفِ الْهِمَمِ إلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ. وَهُوَ أَنَّهُم وَإن كَانُوا مُنْتَسِبِينَ إلَى الْإِسْلَامِ وَطَرِيقَةِ الْفَقْرِ وَالسُّلُوكِ ويُوجَدُ فِي بَعْضِهِم التَّعَبُّدُ وَالتَّأَلُّهُ وَالْوَجْدُ وَالْمَحَبَّةُ وَالزُّهْدُ وَالْفَقْرُ وَالتَّوَاضُعُ وَلينُ الْجَانِبِ وَالْمُلَاطَفَة فِي الْمُخَاطَبَةِ وَالْمُعَاشَرَةِ وَالْكَشْفِ وَالتَّصَرُّفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مَا يُوجَدُ، فَيُوجَدُ أَيْضًا فِي بَعْضِهِمْ مِن الشِّرْكِ وَغَيْرِهِ مِن أَنْوَاعِ الْكُفْرِ وَمِن الْغُلُوِّ وَالْبِدَعِ فِي الْإِسْلَامِ وَالْإِعْرَاضِ عَن كَثِيرٍ مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَالِاسْتِخْفَافُ بِشَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ وَالْكَذِبِ وَالتَّلْبِيسِ وَإِظْهَارِ المخارق الْبَاطِلَةِ وَأَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَالصَّدِّ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَا يُوجَدُ (٣). وَقَد تَقَدَّمَتْ لِي مَعَهُم وَقَائِعُ مُتَعَدِّدَةٌ بَيَّنْت فِيهَا لِمَن خَاطَبْتُه مِنْهُم وَمِن

стр. 49

غَيْرِهِمْ بَعْضَ مَا فِيهِمْ مِن حَقِّ وَبَاطِلٍ، وَأَحْوَالِهِم الَّتِي يُسَمُّونَهَا الْإِشَارَاتِ، وَتَابَ مِنْهُم جَمَاعَة، وَأُدِّبَ مِنْهُم جَمَاعَةٌ مِن شُيُوخِهِمْ، وَبَيَّنْت صُورَةَ مَا يُظْهِرُونَهُ مِن المخاريق: مِثْل مُلَابَسَةِ النَّارِ وَالْحَيَّاتِ وَإِظْهَارِ الدَّمِ وَاللَّاذَنِ وَالزعْفَرَانِ وَمَاءِ الْوَرْدِ وَالْعَسَلِ وَالسُّكَّرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَإِنَّ عَامَّةَ ذَلِكَ عَن حِيَلٍ مَعْرُوفَةٍ وَأَسْبَاب مَصْنُوعَةٍ، وَأَرَادَ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنْهُم قَوْمٌ إظْهَار ذَلِكَ، فَلَمَّا رَأَوْا مُعَارَضَتِي لَهُم رَجَعُوا وَدَخَلُوا عَلَى أَنْ أَسْتُرَهُم فَأَجَبْتهمْ إلَى ذَلِكَ بِشَرْطِ التَّوْبَةِ، حَتَّى قَالَ لِي شَيْخٌ مِنْهُم فِي مَجْلِسٍ عَامٍّ فِيهِ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ بِبَعْضِ الْبَسَاتِينِ لَمَّا عَارَضْتهمْ بِأَنِّي أَدْخُلُ مَعَكُم النَّارَ بَعْدَ أَنْ نَغْتَسِلَ بِمَا يُذْهِبُ الْحِيلَةَ، وَمَن احْتَرَقَ كَانَ مَغْلُوبًا، فَلَمَّا رَأَوْا الصِّدْقَ أَمْسَكُوا عَن ذَلِكَ. وَحَكَى ذَلِكَ الشَّيْخُ أَنَّهُ كَانَ مَرَّةً عِنْدَ بَعْضِ أُمَرَاءِ التتر بِالْمَشْرِقِ، وَكَانَ لَهُ صَنَمٌ يَعْبُدُهُ، قَالَ: فَقَالَ لِي: هَذَا الصَّنَمُ يَأْكُلُ مِن هَذَا الطَّعَامِ كُلَّ يَوْمٍ وَيبْقَى أَثَرُ الْأَكْلِ فِي الطَّعَامِ بَيِّنًا يُرَى فِيهِ، فَأَنْكَرْت ذَلِكَ، فَقَالَ لِي: إنْ كَانَ يَأْكُلُ أَنْتَ تَمُوتُ؟ فَقُلْت: نَعَمْ، قَالَ: فَأَقَمْت عِنْدَهُ إلَى نِصْفِ النَّهَارِ وَلَمْ يَظْهَرْ فِي الطَّعَامِ أَثَرٌ، فَاسْتَعْظَمَ ذَلِكَ التتري وَأَقْسَمَ بِأَيْمَان مُغَلَّظَةٍ أَنَّهُ كُلَّ يَوْمٍ يُرَى فِيهِ أَثَرُ الْأَكْلِ، لَكِنَّ الْيَوْمَ بِحُضُورِك لَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ. فَقُلْت لِهَذَا الشَّيْخِ: أَنَا أُبَيِّنُ لَك سَبَبَ ذَلِكَ، ذَلِكَ التتري كَافِرٌ مُشْرِكٌ، وَلصَنَمِهِ شَيْطَانٌ يُغْوِيه بِمَا يُظْهِرُهُ مِن الْأَثَرِ فِي الطَّعَامِ، وَأَنْتَ كَانَ مَعَك مِن نُورِ الْإِسْلَامِ وَتَأْيِيدِ اللهِ تَعَالَى مَا أَوْجَبَ انْصِرَافَ الشَّيْطَانِ عَن أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بِحُضُورِك، وَأَنْتَ وَأَمْثَالُك بِالنِّسْبَةِ إلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ الْخَالِصِ كالتتري بِالنِّسْبَةِ إلَى أَمْثَالِك، فالتتري وَأَمْثَالُهُ سُودٌ، وَأَهْلُ الْإِسْلَامِ الْمَحْضِ بِيضٌ، وَأَنْتُمْ بُلْقٌ فِيكُمْ سَوَادٌ وَبَيَاضٌ، فَأَعْجَبَ هَذَا الْمَثَلُ مَن كَانَ حَاضِرًا. ثُمَّ ذُكِرَ لِي أَنَّهُ جَاءَهُم بَعْضُ أَكَابِرِ غِلْمَانِ الْمُطَاعِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِن

стр. 50

حُضُورِهِمْ لِمَوْعِدِ الِاجْتِمَاعِ، فَاسْتَخَرْت اللهَ تَعَالَى تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَاسْتَعَنْته وَاسْتَنْصَرْته وَاسْتَهْدَيْته وَسَلَكْت سَبِيلَ عِبَادِ اللهِ فِي مِثْل هَذِهِ الْمَسَالِكِ، حَتَى أُلْقِيَ فِي قَلْبِي أَنْ أَدْخُلَ النَّارَ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ، وَأَنَّهَا تَكُونُ بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى مَن اتَّبَعَ مِلَّةَ الْخَلِيلِ (١)، وَأَنَّهَا تُحْرِقُ أَشْبَاهَ الصَّابِئَةِ أَهْلِ الْخُرُوج عَن هَذِهِ السَّبِيلِ. وَكَانُوا لِفَرْطِ انْتِشَارِهِمْ فِي الْبِلَادِ وَاسْتِحْوَاذِهِمْ عَلَى الْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ وَالْأَجْنَادِ لِخَفَاءِ نُورِ الْإِسْلَامِ وَاسْتِبْدَالِ أَكْثَرِ النَّاسِ بِالنُّورِ الظَّلَامَ، وَطُمُوسِ آثَارِ الرَّسُولِ فِي أَكْثَرِ الْأَمْصَارِ وَدُرُوسِ حَقِيقَةِ الْإِسْلَامِ فِي دَوْلَةِ التَّتَارِ لَهُم فِي الْقُلُوبِ مَوْقِعٌ هَائِلٌ وَلَهُم فِيهِمْ مِن الِاعْتِقَادِ مَا لَا يَزُولُ بِقَوْلِ قَائِلٍ. قَالَ الْمُخْبِرُ: فَغَدَا أُولَئِكَ الْأُمَرَاءُ الْأَكَابِرُ وَخَاطَبُوا فِيهِمْ نَائِبَ السُّلْطَانِ بِتَعْظِيمِ أَمْرِهِمْ. قُلْت لِلْأَمِيرِ: وَأَنَا قَد اسْتَخَرْت اللهَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُم إنْ دَخَلُوا النَّارَ أدْخُلُ أَنَا وَهُمْ، وَمَن احْتَرَقَ مِنَّا وَمِنْهُم فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَكَانَ مَغْلُوبًا، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ نَغْسِلَ جُسُومَنَا بِالْخَلِّ وَالْمَاءِ الْحَارِّ. فَقَالَ الْأَمِيرُ وَلمَ ذَاكَ؟ قُلْت: لِأنَّهُم يَطْلُونَ جُسُومَهُم بِأَدْوِيَة يَصْنَعُونَهَا مِن دُهْنِ الضَّفَادِع وَبَاطِنِ قِشْرِ النَّارِنْجِ وَحَجَرِ الطَّلْقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن الْحِيَلِ الْمَعْرُوفَةِ لَهُمْ، وَأَنَا لَا أَطْلِي جِلْدِي بِشَيْءٍ فَإِذَا اغْتَسَلْت أَنَا وَهُم بِالْخَلِّ وَالْمَاءِ الْحَارِّ بَطَلَت الْحِيلَة وَظَهَرَ الْحَقُّ؛ فَاسْتَعْظَمَ الْأَمِيرُ هُجُومِي عَلَى النَّارِ، وَقَالَ: أَتَفْعَلُ ذَلِكَ؟ فَقُلْت لَهُ: نَعَمْ (٢)، قَد اسْتَخَرْت اللهَ فِي ذَلِكَ، وَأَلْقَى فِي قَلْبِي أنْ أَفْعَلَهُ، وَنَحْنُ لَا نَرَى هَذَا وَأَمْثَالَهُ ابْتِدَاءً؛ فَإِنَّ خَوَارِقَ الْعَادَاتِ إنَّمَا تَكُونُ لِأُمَّةِ محَمَّدٍ ﷺ الْمُتَّبِعِينَ لَهُ

стр. 51

بَاطِنًا وَظَاهِرًا لِحجَّةٍ أَو حَاجَةٍ، فَالْحُجَّةُ لِإِقَامَةِ دِينِ اللهِ، وَالْحَاجَةُ لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِن النَّصْرِ وَالرِّزْقِ الَّذِي بِهِ يَقُومُ دِينُ اللهِ، وَهَؤُلَاءِ إذَا أَظْهَرُوا مَا يُسَمُّونَهُ إشَارَاتِهِمْ وَبَرَاهِينَهُم الَّتِي يَزْعُمُونَ أَنَّهَا تُبْطِلُ دِينَ اللهِ وَشَرْعَهُ وَجَبَ عَلَيْنَا أَنْ نَنْصُرَ اللّهَ وَرَسُولَهُ ﷺ ، وَنَقُومَ فِي نَصْرِ دِينِ اللّهِ وَشَرِيعَتِهِ بِمَا نَقْدِرُ عَلَيْهِ مِن أَرْوَاحِنَا وَجُسُومِنَا وَأَمْوَالِنَا، فَلَنَا حِينَئِذٍ أَنْ نُعَارِضَ مَا يُظْهِرُونَهُ مِن هَذِهِ المخاريق بِمَا يُؤَيِّدُنَا اللهُ بِهِ مِن الْآيَاتِ. وَليُعْلَمَ أَنَّ هَذَا مِثْلُ مُعَارَضَةِ مُوسَى لِلسَّحَرَةِ لَمَّا أَظْهَرُوا سِحْرَهُم أَيَّدَ اللهُ مُوسَى بِالْعَصَا الَّتِي ابْتَلَعَتْ سِحْرَهُمْ. فَجَعَلَ الْأَمِيرُ يُخَاطِبُ مَن حَضَرَهُ مِن الْأُمَرَاءِ عَلَى السِّمَاطِ بِذَلِكَ، وَفَرِحَ بِذَلِكَ وَكَأَنَّهُم كَانُوا قَد أَوْهَمُوهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ لَهُم حَالٌ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى رَدِّهِ. وَحَضَرَ شُيُوخُهُم الْأَكَابِرُ فَجَعَلُوا يَطْلُبُونَ مِن الْأَمِيرِ الْإِصْلَاحَ وَإِطْفَاءَ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ ويتَرَفَّقُونَ، فَقَالَ الْأَمِيرُ: إنَّمَا يَكُونُ الصُّلْحُ بَعْدَ ظُهُورِ الْحَقِّ. فَلَمَّا جَلَسْنَا وَقَد حَضَرَ خَلْقٌ عَظِيمٌ مِن الْأُمَرَاءِ وَالْكُتَابِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْفُقَرَاءِ وَالْعَامَّةِ وَغَيْرِهِمْ، وَحَضَرَ شَيْخُهُم الْأَوَّلُ الْمُشْتَكِي وَشَيْخ آخَرُ يُسَمِّي نَفْسَهُ خَلِيفَةَ سَيِّدِهِ أَحْمَد وَهُم يُسَمُّونَهُ: عَبْدَ اللهِ الْكَذَّابَ، وَلَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ ذَلِكَ. وَكَانَ مِن مُدَّةٍ قَد قَدِمَ عَلَيَّ مِنْهُم شَيْخٌ بِصُورَة لَطِيفَةٍ، وَأَظْهَرَ مَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُم مِن الْمَسْأَلَةِ فَأَعْطَيْته طُلْبَتَهُ وَلَمْ أَتَفَطَّنْ لِكَذِبِهِ حَتَّى فَارَقَنِي، فَبَقِيَ فِي نَفْسِي أَنَّ هَذَا خَفِيَ عَلَيَّ تَلْبيسُهُ إلَى أَنْ غَابَ، وَمَا يَكَادُ يَخْفَى عَلَيَّ تَلْبِيسُ أَحَدٍ؛ بَل أُدْرِكُهُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ (١)، فَبَقِيَ ذَلِكَ فِي نَفْسِي وَلَمْ أَرَهُ قَطُّ إلَى حِينِ نَاظَرْته ذَكَرَ لِي أَنَّهُ ذَاكَ الَّذِي كَانَ اجْتَمَعَ بِي قَدِيمًا، فَتَعَجَّبْت مِن حُسْنِ صُنْعِ اللهِ أَنَّهُ هَتَكَهُ فِي

стр. 52

أَعْظَمِ مَشْهَدٍ يَكُونُ حَيْثُ كَتَمَ تَلْبِيسَهُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ (١). فَلَمَّا حَضَرُوا تَكَلَّمَ مِنْهُم شَيْخٌ يُقَالُ لَهُ حَاتِمٌ بِكَلَام مَضْمُونهُ طَلَبُ الصُّلْحِ وَالْعَفْوِ عَن الْمَاضِي وَالتَّوْبَةُ، وَإِنَّا مُجِيبُونَ إلَى مَا طَلَبَ مِن تَرْكِ هَذِهِ الْأَغْلَالِ وَغَيْرِهَا مِن الْبِدَعِ وَمُتَّبِعُونَ لِلشَّرِيعَةِ. فَقُلْت: أَمَّا التَّوْبَة فَمَقْبُولَةٌ. فَانْتَدَبَ ذَلِكَ الشَّيْخُ "عَبْدَ اللهِ" وَرَفَعَ صَوْتَهُ وقال: نَحْنُ لَنَا الْأَحْوَالُ وَكَذَا وَكَذَا. وَادَّعَى الْأَحْوَالَ الْخَارِقَةَ كَالنَّارِ وَغَيْرِهَا وَاخْتِصَاصَهُم بِهَا وَأَنَّهُم يَسْتَحِقُّونَ تَسْلِيمَ الْحَالِ إلَيْهِم لِأَجْلِهَا. فَقُلْت -وَرَفَعْت صَوْتِي وَغَضِبْت-: أَنَا أُخَاطِبُ كُلَّ أَحْمَدِيِّ مِن مَشْرِقِ الْأَرْضِ إلَى مَغْرِبِهَا، أَيُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي النَّارِ فَأَنَا أَصْنَعُ مِثْل مَا تَصْنَعُونَ، وَمَن احْتَرَقَ فَهُوَ مَغْلُوبٌ، وَرُبَّمَا قُلْت: فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ؛ وَلَكِنْ بَعْدَ أَنْ نَغْسِلَ جُسُومَنَا بِالْخَلِّ وَالْمَاءِ الْحَارِّ. فَضَجَّ النَّاسُ بِذَلِكَ فَأَخَذَ يُظْهِرُ الْقُدْرَةَ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ: أَنَا وَأَنْتَ نُلَفُّ فِي بَارِّيَةٍ (٢) بَعْدَ أَنْ تُطْلَى جُسُومُنَا بِالْكِبْرِيتِ. فَقُلْت: فَقُمْ، وَأَخَذْت أُكَرِّرُ عَلَيْهِ فِي الْقِيَامِ إلَى ذَلِكَ فَمَدَّ يَدَهُ يُظْهِرُ خَلْعَ الْقَمِيصِ، فَقُلْت: لَا حَتَّى تَغْتَسِلَ فِي الْمَاءِ الْحَارِّ وَالْخَلِّ، فَأظْهَرَ الْوَهْمَ عَلَى عَادَتِهِمْ، فَقَالَ مَن كَانَ يُحِبُّ الْأَمِيرَ: فَلْيُحْضِرْ خَشَبًا أو قَالَ حُزْمَةَ حَطَب. فَقُلْت: هَذَا تَطْوِيلٌ وَتَفْرِيقٌ لِلْجَمْعِ؛ وَلَا يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودٌ؛ بَل قِنْدِيلٌ يُوقَدُ وَأُدْخِلُ إصْبَعِي وَإِصْبَعَك فِيهِ بَعْدَ الْغَسْلِ؛ وَمَن احْتَرَقَتْ إصْبَعُهُ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ؛ أَو قُلْت: فَهُوَ مَغْلُوبٌ.

стр. 53

فَلَمَّا قُلْت ذَلِكَ تَغَيَّرَ وَذَلَّ. وَذُكِرَ لِي أَنَّ وَجْهَهُ اصْفَرَّ. وَمَشَايِخُهُم الْكبَارُ يَتَضَرَّعُونَ عِنْدَ الْأَمِيرِ فِي طَلَبِ الصُّلْحِ، وَجَعَلْت أُلِحُّ عَلَيْهِ فِي إظْهَارِ مَا أَدْعُوهُ مِن النَّارِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَهُم لَا يُجِيبُونَ، وَقَد اجْتَمَعَ عَامَّةُ مَشَايِخِهِمُ الَّذِينَ فِي الْبَلَدِ وَالْفُقَرَاءُ الْمُوَلَّهُونَ مِنْهُمْ، وَهُم عَدَدٌ كَثِيرٌ، وَالنَّاسُ يَضِجُّونَ فِي الْمَيْدَانِ ويتَكَلَّمُونَ بِأَشْيَاءَ لَا أَضْبِطُهَا. فَذَكَرَ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ أَنَّ النَّاسَ قَالُوا مَا مَضْمُونُهُ: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١١٨] ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (١١٩)﴾ [الأعراف: ١١٩]. فَلَمَّا ظَهَرَ لِلْحَاضِرِينَ عَجْزُهُم وَكَذِبُهُم وَتَلْبِيسُهُم وَتبَيَّنَ لِلْأُمَرَاءِ الَّذِينَ كَانُوا يَشُدُّونَ مِنْهُم أَنَّهُم مُبْطِلُونَ، رَجَعُوا وَتَخَاطَبَ الْحَاجُّ بِهَادِر وَنَائِبُ السُّلْطَانِ وَغَيْرُهُمَا بِصُورَةِ الْحَالِ وَعَرَفُوا حَقِيقَةَ الْمُحَالِ، وَقُمْنَا إلَى دَاخِل وَدَخَلْنَا، وَقَد طَلَبُوا التَّوْبَةَ عَمَّا مَضَى وَسَأَلَنِي الْأمِيرُ عَمَّا تَطْلُبُ مِنْهُمْ؟ فَقُلْت: مُتَابَعَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. فَلَمَّا أظْهَرُوا الْتِزَامَ الْكِتَاب وَالسُّنَّةِ، وَجُمُوعُهُم بِالْمَيْدَانِ بِأَصْوَاتِهِمْ وَحَرَكَاتِهِمُ الشَّيْطَانِيَّةِ يُظْهِرُونَ أًحْوَالَهُمْ، قُلْت لَهُ: أَهَذَا مُوَافِقٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؟ فَقَالَ: هَذَا مِن اللهِ حَالٌ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ، فَقُلْت: هَذَا مِن الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، لَمْ يَأْمُرِ اللهُ بِهِ وَلَا رَسُولُهُ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ: فَبِأَيِّ شَيْءٍ تَبْطُلُ هَذِهِ الْأَحْوَالُ. فَقُلْت: بِهَذِهِ السِّيَاطِ الشَّرْعِيَّةِ. فَأُعْجِبَ الْأمِيرُ وَضَحِكَ وَقَالَ: أَيْ وَاللهِ بِالسِّيَاطِ الشَّرْعِيَّةِ تَبْطُلُ هَذ الْأَحْوَالُ الشَّيْطَانِيَّة، كَمَا قَد جَرَى مِثْلُ ذَلِكَ لِغَيْرِ وَاحِدٍ، وَمَن لَمْ يُجِبْ إلَى الدِّينِ بِالسِّيَاطِ الشَّرْعِيَّةِ فَبِالسُّيُوفِ الْمُحَمَّدِيَّةِ.

стр. 54

وَأَمْسَكْت سَيْفَ الْأَمِيرِ وَقُلْت: هَذَا نَائِبُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَغُلَامُهُ، وَهَذَا السَّيْفُ سَيْفُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَمَن خَرَجَ عَن كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ضَرَبْنَاهُ بِسَيْفِ اللهِ، وَأَعَادَ الْأَمِيرُ هَذَا الْكلَامَ. وَأَخَذَ بَعْضُهُم يَقُولُ: فَالْيَهُود وَالنَّصَارَى يُقَرُّونَ وَلَا نُقَرُّ نَحْنُ؟ فَقُلْت: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى يُقِرُّونَ بِالْجِزْيَةِ عَلَى دِينِهِمُ الْمَكْتُومِ فِي دُورِهِمْ، وَالْمُبْتَدِعُ لَا يُقَرُّ عَلَى بِدْعَتِهِ. فَأُفْحِمُوا لِذَلِكَ. وَحَقِيقَةُ الْأمْرِ أَنَّ مَن أَظْهَرَ مُنْكَرًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَمْ يقَرَّ عَلَى ذَلِكَ، فَمَن دَعَا إلَى بِدْعَةٍ وَأَظْهَرَهَا لَمْ يُقَرَّ، وَلَا يُقَرُّ مَن أَظْهَرَ الْفُجُورَ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ الذِّمَّةِ لَا يُقَرُّونَ عَلَى إظْهَارِ مُنْكَرَاتِ دِينِهِمْ، وَمَن سِوَاهُم فَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا أَخَذَ بِوَاجِبَاتِ الْإِسْلَامِ وَتَرَكَ مُحَرَّمَاتِهِ، وَإِن لَمْ يَكن مُسْلِمًا وَلَا ذِمِّيًّا فَهُوَ إمَّا مُرْتَدٌّ وَإِمَّا مُشْرِكٌ وَإِمَّا زِنْدِيقٌ ظَاهِرُ الزَّنْدَقَةِ. وَكَانَ قَد قَالَ بَعْضُهُمْ: نَحْنُ نُتَوِّبُ النَّاسَ. فَقُلْت: مماذا تُتَوِّبُونَهُم؟ (١) قَالَ: مِن قَطْعِ الطَّرِيقِ وَالسَّرِقَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَقُلْت: حَالُهُم قَبْلَ تَتْويبِكم خَيْرٌ مِن حَالِهِمْ بَعْدَ تَتْويبِكم؛ فَإِنَّهُم كَانُوا فُسَّاقًا يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَ مَا هُم عَلَيْهِ ويرْجُونَ رَحْمَةَ اللهِ وَيَتُوبُونَ إلَيْهِ أَو يَنْوُونَ التَّوْبَةَ، فَجَعَلْتُمُوهُم بتَتْويبِكم ضَالِّينَ مُشْرِكِينَ خَارِجِينَ عَن شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ، يُحِبُّونَ مَا يُبْغِضُهُ اللهُ وَيُبْغِضُونَ مَا يُحِبُّهُ اللهُ، وَبَيَّنْت أَنَّ هَذِهِ الْبِدَعَ الَّتِي هُم وَغَيْرُهُم عَلَيْهَا شَرُّ مِن الْمَعَاصِي. قُلْت مُخَاطِبًا لِلْأَمِيرِ وَالْحَاضِرِينَ: أَمَّا الْمَعَاصِي فَمِثْلُ مَا رَوَى الْبُخَارِيُّ

стр. 55

فِي "صَحِيحِهِ" عَن عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللهِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَد جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ؛ فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: اللَّهُمَّ العَنْهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تَلْعَنُوهُ، فَوَاللهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ". قُلْت: فَهَذَا رَجُلٌ كَثِيرُ الشُّرْبِ لِلْخَمْرِ، وَمَعَ هَذَا فَلَمَّا كَانَ صَحِيحَ الِاعْتِقَادِ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ شَهِدَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ وَنَهَى عَن لَعْنِهِ. وَأَمَّا الْمُبْتَدِعُ فَمِثْلُ مَا أَخْرَجَا فِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَن أَبِي سَعِيدٍ الخدري وَغَيْرِهِمَا -دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ- أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُقَسِّمُ فَجَاءَهُ رَجُلٌ نَاتِئُ الْجَبِينِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، مَحْلُوقُ الرَّأسِ، بَيْنَ عَيْنَيْهِ أثَرُ السُّجُودِ، وَقَالَ مَا قَالَ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَخْرُجُ مِن ضئضئ هَذَا قَوْمٌ يَحْقِرُ أَحَدَكُمْ صَلَاَتهُ مَعَ صَلَاِتهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَقرَاءَتَهُ مَعَ قِرَاءَتِهِمْ يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِن الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِن الرَّمِيَّةِ، لَئِنْ أَدْرَكْتهمْ لَأَقْتُلَنهُم قَتْلَ عَادٍ". وَفي رِوَايَةٍ: لَو يَعْلَمُ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَهُم مَاذَا لَهُم عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ لَنَكَلُوا عَن الْعَمَلِ. وَفِي رِوَايَةٍ: شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ خَيْرُ قَتْلَى مَن قَتَلُوهُ. قُلْت: فَهَؤُلَاءِ مَعَ كَثْرَةِ صَلَاتِهِمْ وَصِيَامِهِمْ وَقِرَاءَتِهِمْ وَمَا هُم عَلَيْهِ مِن الْعِبَادَةِ وَالزَّهَادَةِ أَمَرَ النَّبِي صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَفَمَ بِقَتْلِهِمْ، وَقَتَلَهُم عَلِي بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَمَن مَعَهُ مِن أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ وَذَلِكَ لِخُرُوجِهِمْ عَن سُنَّةِ النَّبِيِّ وَشَرِيعَتِهِ.

стр. 56

فَلَمَّا ظَهَرَ قُبْحُ الْبِدَعِ فِي الْإِسْلَامِ وَأَنَّهَا أَظْلَمُ مِن الزنى وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَأَنَّهُم مُبْتَدِعُونَ بِدَعًا مُنْكَرَةً فَيَكُونُ حَالُهُم أَسْوَأَ مِن حَالِ الزَّانِي وَالسَّارِقِ وَشَارِبِ الْخَمْرِ أَخَذَ شَيْخَهُم عَبْدُ اللهِ يَقُولُ: يَا مَوْلَانَا يُحْرِقُك الْفُقَرَاءُ بِقُلُوبِهِمْ! فَقُلْت: مِثْل مَا أَحْرَقَنِي الرَّافِضَةُ لَمَّا قَصَدْت الصُّعُودَ إلَيْهِم وَصَارَ جَمِيعُ النَّاسِ يُخَوِّفُونِي مِنْهُم وَمِن شَرِّهِمْ، ويقُولُ أَصْحَابُهُمْ: إنَّ لَهُم سِرًّا مَعَ اللهِ فَنَصَرَ اللهَ وَأَعَانَ عَلَيْهِمْ. وَكَانَ الْأُمَرَاءُ الْحَاضِرُونَ قَد عَرَفُوا بَرَكَةَ مَا يَسَّرَهُ الله فِي أَمْرِ غَزْوِ الرَّافِضَةِ بِالْجَبَلِ. وَقُلْت لَهُمْ: أَنَا كَافِرٌ بِكُمْ وَبِأَحْوَالِكُمْ ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٥]. وَلَمَّا رَدَدْت عَلَيْهِم الْأَحَادِيثَ الْمَكْذُوبَةَ أَخَذُوا يَطْلُبُونَ مِنِّي كُتُبًا صَحِيحَةً لِيَهْتَدُوا بِهَا فَبَذَلْت لَهُم ذَلِكَ. وَأُعِيدُ الْكَلَامُ أَنَّهُ مَن خَرَجَ عَن الْكِتَابِ وَالسنَّةِ ضَرَبْت عُنُقَهُ، وَأَعَادَ الْأَمِيرُ هَذَا الْكَلَامَ وَاسْتَقَرَّ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ. وَالْحَمْدُ للهِ الَّذِي صَدَقَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأحْزَابَ وَحْدَهُ. [١١/ ٤٤٥ - ٤٧٥] ٧٧ - أَمَّا الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللهِ مِن الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْمَشَايِخِ وَالْمُلُوكِ وَغَيْرِهِمْ فَإِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، وَلَمْ يُنَازِعُوا إلَّا فِي الْحَلِفِ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ خَاصَّةً، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ لَا بِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ. [١١/ ٥٠٦] ٧٨ - الْعَجَبُ مِن ذِي عَقْلٍ سَلِيمٍ يَسْتَوْصِي مَن هُوَ مَيّتٌ يَسْتَغِيثُ بِهِ، وَلَا يَسْتَغِيثُ بِالْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَيقْوَى الْوَهْمُ عِنْدَهُ أَنَّهُ لَوْلَا اسْتِغَاثَتُهُ بِالشَّيْخِ الْمَيِّتِ لَمَا قُضِيَتْ حَاجَتُهُ! فَهَذَا حَرَامٌ فِعْلُهُ. [١١/ ٥٢٧]

стр. 57

٧٩ - كُلَّمَا كَانَ الرَّجُلُ أَعْظَمَ إخْلَاصًا: كَانَت شَفَاعَةُ الرَّسُولِ أَقْرَبَ إلَيْهِ. قَالَ لَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَن أَسْعَدُ النَاسِ بِشَفَاعَتِك يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: مَن قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ (١). [١١/ ٥٢٨] ٨٠ - لِلنَّاسِ فِي الشِّرْكِ وَالظُّلْمِ وَالْكَذِبِ وَالْفَوَاحِشِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: قِيلَ: إنَّ قُبْحَهُمَا مَعْلُومٌ بِالْعَقْلِ، وَأَنَّهُم يَسْتَحِقُّونَ الْعَذَابَ عَلَى ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ، وَإِن لَمْ يَأْتِهِم الرَّسُولُ كَمَا يَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ وَكَثِيرٌ مِن أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَحَكَوْهُ عَن أَبِي حَنِيفَةَ نَفْسِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ. وَقِيلَ: لَا قُبْحَ وَلَا حُسْنَ وَلَا شَرَّ فِيهِمَا قَبْلَ الْخِطَابِ، وَإِنَّمَا الْقَبِيحُ مَا قِيلَ فِيهِ: لَا تَفْعَلْ، وَالْحَسَنُ مَا قِيلَ فِيهِ: افْعَلْ، أَو مَا أُذِنَ فِي فِعْلِهِ، كَمَا تَقُولُهُ الْأَشْعَرِيَّةُ وَمَن وَافَقَهُم مِن الطَّوَائِفِ الثَّلَاثَةِ. وَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ سَيِّءٌ وَشَرٌّ وَقَبِيحٌ قَبْلَ مَجِيءِ الرَّسُولِ، لَكِنَّ الْعُقُوبَةَ إنَّمَا تُسْتَحَقّ بِمَجِيءِ الرَّسُولِ، وَعَلَى هَذَا عَامَّةُ السَّلَفِ وَأَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِ يَدُلُّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، فَإِنَّ فِيهِمَا بَيَانُ أَنَّ مَا عَلَيْهِ الْكُفَّارُ هُوَ شَرٌّ وَقَبِيحٌ وَسَيِّءٌ قَبْلَ الرُّسُلِ وَإِن كَانُوا لَا يَسْتَحِقُّونَ الْعُقُوبَةَ إلَّا بِالرَّسُولِ. [١١/ ٦٧٧] ٨١ - الصِّفَاتُ لَهَا ثَلَاثُ اعْتِبَارَاتٍ: تَارَةً تُعْتَبَرُ مُضَافَةً إلَى الرَّبِّ، وَتَارَةً تُعْتبرُ مُضَافَةً إلَى الْعَبْدِ، وَتَارَةً تُعْتترُ مُطْلَقَةً لَا تَخْتَصُّ بِالرَّبِّ وَلَا بِالْعَبْدِ. فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: حَيَاةُ اللهِ وَعِلْمُ اللهِ وَقُدْرَةُ اللهِ وَكَلَامُ اللهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَهَذَا كُلُّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَلَا يُمَاثِلُ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ. وَإِذَا قَالَ: عِلْمُ الْعَبْدِ وَقُدْرَةُ الْعَبْدِ وَكَلَامُ الْعَبْدِ فَهَذَا كُلُّهُ مَخْلُوقٌ وَلَا يُمَاثِلُ صِفَاتِ الرَّبِّ. وَإِذَا قَالَ: الْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ وَالْكَلَامُ فَهَذَا مُجْمَلٌ مُطْلَقٌ، لَا يُقَالُ عَلَيْهِ كُلِّهِ

стр. 58

إنَّهُ مَخْلُوقٌ وَلَا إنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوق؛ بَل مَا اتَّصَفَ بِهِ الرَّبُّ مِن ذَلِكَ فَهُوَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَمَا اتَّصَفَ بِهِ الْعَبْدُ مِن ذَلِكَ فَهُوَ مَخْلُوقٌ. فَالصِّفَةُ تَتْبَعُ الْمَوْصُوفَ، فَإِنْ كَانَ الْمَوْصُوفُ هُوَ الْخَالِقَ فَصِفَاتُهُ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ، وَإِن كَانَ الْمَوْصُوفُ هُوَ الْعَبْدَ الْمَخْلُوقَ فَصِفَاتُهُ مَخْلُوقَةٌ. وَلَو قَالَ الْقَائِلُ: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾ [مريم: ١٢] وَمَقْصُودُة الْقُرْآنُ كَانَ قَد تَكَلَّمَ بِكَلَامِ اللهِ وَلَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ بِاتَّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَإِن قَصَدَ مَعَ ذَلِكَ تَنْبِيهَ غَيْرِهِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. وَلَو قَالَ لِرَجُل اسْمُهُ يَحْيَى وَبِحَضْرَتِهِ كِتَابٌ: يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ لَكانَ هَذَا مَخْلُوقًا؛ لِأَنَّ لَفْظَ يَحْيَى هنا مُرَادٌ بِهِ ذَلِكَ الشَّخْصُ وَبِالْكِتَابِ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَيْسَ مُرَادًا بِهِ مَا أَرَادَهُ اللهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾ وَالْكَلَامُ كَلَامُ الْمَخْلُوقِ بِلَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ. [١٢/ ٦٦ - ٦٧] ٨٢ - قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٥١] (١)، فَرَّقَ بَيْنَ التَّكْلِيمِ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ -كَمَا كَلَّمَ مُوسَى-، وَبَيْنَ التَّكْلِيمِ بِوَاسِطَةِ الرَّسُولِ -كَمَا كَلَّمَ الْأَنْبِيَاءَ بِإِرْسَالِ رَسُولٍ إلَيْهِم-. [١٢/ ١٣٧]

стр. 59

٨٣ - اعْلَمْ أَنَّ عَامَّةَ السُّوَرِ الْمَكّيَّةِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللهُ بِمَكَّةَ هِيَ فِي هَذَا الْإِيمَانِ الْعَامِّ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ جَمِيعِهِمْ وَالْمُؤْمِنِينَ جَمِيعِهِمْ، وَهَذَا الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ هُوَ فِي بَعْضِ الْمِلَلِ أَعْظَمُ قَدْرًا وَوَصْفًا. وَمِنْهُ مَا تَخْتَلِفُ فِيهِ الشَّرَائِعُ وَالْمَنَاهِجُ كَالْقِبْلَةِ وَالْمَنْسَكِ وَمَقَادِيرِ الْعِبَادَاتِ وَأَوْقَاتِهَا وَصِفَاتِهَا وَالسُّنَنِ وَالْأَحْكَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَمُسَمَّى الْإِيمَانِ وَالدِّينِ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ لَيْسَ هُوَ مُسَمَّاهُ فِي آخِرِ زَمَانِ النُّبُوَّةِ؛ بَل مُسَمَّاهُ فِي الْآخِرِ أَكْمَلُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]. وَلهَذَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ مِن الْأَوَّلينَ والآخرين مِن الَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مُشْتَرِكِينَ فِي الْإِيمَانِ باللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، مَعَ أَنَّ الْيَهُودَ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِم الْإِقْرَارُ بِمَا لَا يَجِبُ عَلَيْنَا الْإِقْرَارُ بِهِ؛ مِثْلُ إقْرَارِهِمْ بِوَاجِبَاتِ التَّوْرَاةِ وبمحرماتها مِثْل السَّبْتِ وَشَحْمِ الثَّرْبِ (١) وَالْكُلْيَتَيْنِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِم التَّصْدِيقُ الْمُفَصَّلُ بِمَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِم مِن أَسْمَاءِ اللهِ وَصِفَاتِهِ وَصِفَاتِ الْيَوْمِ الْآخِرِ، وَنَحْنُ يَجِبُ عَلَيْنَا مِن الْإِيمَانِ بِذَلِكَ مَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ، وَيَجِبُ عَلَيْنَا مِن الْإِقْرَارِ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ وَحَجِّ الْبَيْتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ دَاخِل فِي إيمَانِنَا وَلَيْسَ دَاخِلًا فِي إيمَانِهِمْ؛ فَإِنَّ الْإِقْرَارَ بِهَذ الْأَشْيَاءِ دَاخِل فِي الْإِيمَانِ بِاتِّفَاقِ الْأُمَّةِ. [١٢/ ٤٧٥ - ٤٧٦] ٨٤ - قَوْله ﷺ : "لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِن وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِن" (٢)

стр. 60

فَنَفى عَنْهُ الْإِيمَانَ الْوَاجِبَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ الْجَنَّةَ، وَلَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ نَفْيَ أَصْلِ الْإِيمَانِ وَسَائِر أَجْزَائِهِ وَشُعَبِهِ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ: نَفْيُ كَمَالِ الْإِيمَانِ لَا حَقِيقَتُهُ؛ أَيْ: الْكَمَالُ الْوَاجِبُ، لَيْسَ فوَ الْكَمَالُ الْمُسْتَحَبُّ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِ الْفُقَهَاءِ: الْغُسْلُ كَامِلٌ وَمُجْزِئٌ. وَمِن هَذَا الْبَابِ: قَوْلُهُ ﷺ "مَن غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا" (١) لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ كَافِرٌ، كَمَا تَأوَّلَتْهُ الْخَوَارجُ، وَلَا أَنَّهُ لَيْسَ مِن خِيَارِنَا كَمَا تَأَوَّلَتْهُ الْمُرْجِئَةُ، وَلَكِنْ الْمُضْمَرُ يُطَابِقُ الْمَظْهَرَ، وَالْمَظْهَرُ هُوَ الْمُؤمِنُونَ الْمُسْتَحِقُّونَ لِلثَّوَابِ، السَّالِمُونَ مِن الْعَذَابِ، وَالْغَاشُّ لَيْسَ مِنَّا؛ لِأَنَّهُ مُتَعَرِّضٌ لِسُخْطِ اللهِ وَعَذَابِهِ (٢). وَإِذَا تَبَيَّنَ هَذَا فَمَن تَرَكَ بَعْضَ الْإِيمَانِ الْوَاجِبِ لِعَجْزِهِ عَنْهُ إمَّا لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِن الْعِلْمِ، مِثْلُ أَنْ لَا تَبْلُغَهُ الرِّسَالَةُ، أَو لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِن الْعَمَلِ: لَمْ

стр. 61

يَكُن مَأْمُورًا بِمَا يَعْجِزُ عَنْهُ، وَلَمْ يَكُن ذَلِكَ مِن الْإِيمَانِ وَالدِّينِ الْوَاجِبِ فِي حَقِّهِ، وَإن كَانَ مِن الدِّينِ وَالْإِيمَانِ الْوَاجِبِ فِي الْأصْلِ، بِمَنْزِلَةِ صَلَاةِ الْمَرِيضِ، وَالْخَائِفِ وَالْمُسْتَحَاضَةِ، وَسَائِر أَهْلِ الْأَعْذَارِ الَّذِينَ يَعْجِزُونَ عَن إتْمَامِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ صَلَاتَهُم صَحِيحَةٌ بِحَسَبِ مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ وَبِهِ أُمِرُوا إذ ذَاكَ، وَإِن كَانَت صلَاةُ الْقَادِرِ عَلَى الْإِتْمَامِ أَكْمَلُ وَأَفْضَلُ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلَى اللهِ مِن الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١) عَن أَبِي هُرَيْرَةَ فِي حَدِيثٍ حَسَنِ السِّيَاقِ، وَقَوْلُهُ: "صَلَاةُ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِن صَلَاةِ الْقَائِمِ، وَصَلَاةُ النَّائِمِ عَلَى النِّصْفِ مِن صَلَاةِ الْقَاعِدِ" (٢)، وَلَو أَمْكَنَهُ الْعِلْمُ بِهِ دُونَ الْعَمَلِ لَوَجَبَ الْإِيمَانُ بِهِ عِلْمًا وَاعْتِقَادًا دُونَ الْعَمَلِ. [١٢/ ٤٧٨] ٨٥ - النَّاسُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ (٣) عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: قَوْلٌ أَنَّهُ يَجِبُ الِاسْتِثْنَاءُ، وَمَن لَمْ يَسْتَثْنِ كَانَ مُبْتَدِعًا. وَقَوْلٌ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مَحْظُورٌ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الشَّكَّ فِي الْإِيمَانِ. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ أَوْسَطُهَا وَأَعْدَلُهَا أَنَّهُ يَجُوزُ الِاسْتِثْنَاءُ بِاعْتِبَارِ، وَتَرْكُهُ بِاعْتِبَارِ؛ فَإِذَا كَانَ مَقْصُودُهُ أَنِّي لَا أَعْلَمُ أَنِّي قَائِمٌ بِكُلِّ مَا أَوْجَبَ اللهُ عَلَيَّ، وَأَنَّهُ يَقْبَلُ أَعْمَالِي، لَيْسَ مَقْصُودُهُ الشَّكَّ فِيمَا فِي قَلْبِهِ، فَهَذَا اسْتِثْنَاؤُهُ حَسَنٌ، وَقَصْدُهُ أَنْ لَا يُزَكِّيَ نَفْسَهُ، وَأَنْ لَا يَقْطَعَ بِأَنَّهُ عَمِلَ عَمَلًا كَمَا أُمِرَ فَقُبِلَ مِنْهُ، وَالذُّنُوبُ كَثِيرَةٌ، وَالنِّفَاقُ مَخُوفٌ عَلَى عَامَّةِ النَّاسِ. [١٣/ ٤٠ - ٤١] ٨٦ - الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يُسْتَثْنَى فِي الْإِسْلَامِ (٤)، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَن أَحْمَد ﵁. [١٣/ ٤٣]

стр. 62

٨٧ - مَن لَمْ يَكُن لَهُ عِلْمٌ بِمَا يُصْلِحُ بَاطِنَهُ ويُفْسِدُهُ وَلَمْ يَقْصِدْ صَلَاحَ قَلْبِهِ بِالْإِيمَانِ وَدَفْعِ النِّفَاقِ: كَانَ مُنَافِقًا إنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ؛ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ يُظْهِرُهُ الْمُؤمِنُ وَالْمُنَافِقُ وَهُوَ عَلَانِيَةٌ، وَالْإِيمَانُ فِي الْقَلْبِ. وَكَلَامُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ فِي هَذَا أَكْثَرُ مِنْهَا فِي الْإِجَارَةِ وَالشُّفْعَةِ وَالحَيْضِ وَالطَّهَارَةِ بِكَثِيرِ كَثِيرٍ؛ وَلَكِنَّ هَذَا الْعِلْمَ (١) ظَاهِرٌ مَوْجُودٌ مَقُولٌ بِاللِّسَانِ، مَكْتُوبٌ فِي الْكُتُبِ؛ وَلَكِنْ مَن كَانَ بِأُمُورِ الْقَلْبِ أَعْلَمَ كَانَ أَعْلَمَ بِهِ، وَأَعْلَمَ بِمَعَانِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ. لَكِنَّ النَّاسَ فِي حَقَائِقِ الْإِيمَانِ مُتَفَاضِلُونَ تَفَاضُلًا عَظِيمًا؛ فَأَهْلُ الطَّبَقَةِ الْعُلْيَا يَعْلَمُونَ حَالَ أَهْلِ السُّفْلَى مِن غَيْرِ عَكْسٍ، كَمَا أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ يَنْزِلُ الْأَعْلَى إلَى الْأَسْفَلِ، وَلَا يَصْعَدُ الْأَسْفَلُ إلَى الْأَعْلَى. وَالْعَالِمُ يَعْرِفُ الْجَاهِلَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ جَاهِلًا، وَالْجَاهِلُ لَا يَعْرِفُ الْعَالِمَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكن عَالِمًا (٢). [١٣/ ٢٣٤ - ٢٣٥]

стр. 63

٨٨ - قَد يَحْتَجُّ بَعْضُهُم بِقِصَّةِ مُوسَى وَالْخَضِرِ، وَيظُنُّونَ أَنَّ الْخَضِرَ خَرَجَ عَن الشَّرِيعَةِ؛ فَيَجُوزُ لِغَيْرِهِ مِن الْأوْليَاءِ مَا يَجُوزُ لَهُ مِن الْخُرُوجِ عَن الشَّرِيعَةِ، وَهُم فِي هَذَا ضَالُّونَ مِن وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْخَضِرَ لَمْ يَخْرُجْ عَن الشَّرِيعَةِ؛ بَل الَّذِي فَعَلَهُ كَانَ جَائِزًا فِي شَرِيعَةِ مُوسَى؛ وَلهَذَا لَمَّا بَيَّنَ لَهُ الْأَسْبَابَ أَقَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَو لَمْ يَكُن جَائِزًا لَمَا أَقَرَّهُ، وَلَكِنْ لَمْ يَكُن مُوسَى يَعْلَمُ الْأَسْبَابَ الَّتِي بِهَا أُبِيحَتْ تِلْكَ، فَظَنَّ أَنَّ الْخَضِرَ كَالْمَلِكِ الظَّالِمِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ الْخَضِرُ. والثَّاني: أَنَّ الْخَضِرَ لَمْ يَكُن مِن أُمَّةِ مُوسَى، وَلَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ مُتَابَعَتُهُ؛ بَل قَالَ لَهُ: إنِّي عَلَى عِلْمٍ مِن عِلْمِ اللهِ عَلَّمَنِيهِ اللهُ لَا تَعْلَمُهُ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ مِن عِلْمِ اللهِ عَلَّمَكَهُ اللهُ لَا أَعْلَمُهُ؛ وَذَلِكَ أَنَّ دَعْوَةَ مُوسَى لَمْ تَكُنْ عَامَّةً، فَإِنَّ النَّبِيَّ كَانَ يُبْعَث إلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَمُحَمَّدٌ ﷺ بُعِثَ إلَى النَّاسِ كَافَّةً (١). [١٣/ ٢٦٦] ٨٩ - الصَّوَابُ مَا عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الْهُدَى، وَهُوَ أَنْ يُوصَفَ اللهُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ أَو وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ، لَا يُتَجَاوَزُ الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ، وَيتَّبعُ فِي ذَلِكَ سَبِيلَ السَّلَفِ الْمَاضِينَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ، وَالْمَعَانِي الْمَفْهُومَةُ مِن الْكِتَابِ وَالسّنَّةِ لَا تُرَدُّ بِالشُّبُهَاتِ، فَتَكُونُ مِن بَابِ تَحْرِيفِ الْكَلِمِ عَن مَوَاضِعِهِ، وَلَا يُعْرِضُ عَنْهَا

стр. 64

فَيَكونُ مِن بَاب الَّذِينَ إذَا ذُكِّرُوا بآيَاتِ رَبِهِم يَخِرُّونَ عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا، وَلَا يَتْرُكُ تَدَبُّرَ الْقُرْآَنِ فَيَكُونُ مِن بَابِ اَلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إلَّا أَمَانِيَّ. [١٣/ ٣٠٥] ٩٠ - كُلُّ اسْمٍ مِن أَسْمَائِهِ يَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ الْمُسَمَّاةِ وَعَلَى الصِّفَةِ الَّتِي تَضَمُّنَهَا الِاسْمُ؛ كَالْعَلِيمِ يَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ وَالْعِلْمِ، وَالْقَدِيرِ يَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ وَالْقُدْرَةِ، وَالرَّحِيمِ يَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ وَالرَّحْمَةِ، وَمَن أَنْكَرَ دَلَالَةَ أَسْمَائِهِ عَلَى صِفَاتِهِ مِمَن يَدَّعِي الظَّاهِرَ (١): فَقَوْلُهُ مِن جِنْسِ قَوْلِ غُلَاةِ الْبَاطِنِيَّةِ الْقَرَامِطَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لَا يُقَالُ هُوَ حَيٌّ وَلَا لَيْسَ بِحَيّ. [١٣/ ٢٣٤] ٩١ - كَثِيرٌ مِن الْمُتَكلِّمِينَ إنَّمَا يُقَرِّرُونَ الْوَحْدَانِيَّةَ مِن جِهَةِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَأَمَّا الرُّسُلُ فَهُم دَعَوْا إلَيْهَا مِن جِهَةِ الْأُلُوهِيَّةِ، وَكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِن الْمُتَصَوِّفَةِ الْمُتَعَبِّدَةِ

стр. 65

وَأَرْبَابِ الْأَحْوَالِ إنَّمَا تَوَجُّهُهُم إلَى اللهِ مِن جِهَةِ رُبُوبِيَّتِهِ (١). [١٤/ ١٥] ٩٢ - مَا كَانَ كُفْرًا مِن الْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ؛ كَالسُّجُودِ لِلْأَوْثَانِ، وَسَبِّ الرَّسُولِ وَنحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مُسْتَلْزِمًا لِكُفْرِ الْبَاطِنِ، وَإلَّا فَلَو قُدِّرَ أنَّهُ سَجَدَ قُدَّامَ وَثَنٍ وَلَمْ يَقْصِدْ بِقَلْبِهِ السُّجُودَ لَهُ؛ بَل قَصَدَ السُّجُودَ للهِ بِقَلْبِهِ: لَمْ يَكُن ذَلِكَ كُفْرًا (٢)، وَقَد يُبَاحُ ذَلِكَ إذَا كَانَ بَيْنَ مُشْرِكِينَ يَخَافُهُم عَلَى نَفْسِهِ فَيُوَافِقُهُم فِي الْفِعْلِ الظَّاهِرِ وَيقْصِدُ بِقَلْبِهِ السُّجُودَ للهِ. [١٤/ ١٢٠] ٩٣ - هَذَا التَّوْحِيدُ [تَوْحِيدُ الْإِلَهِيَّةِ]: هُوَ الْفَارِقُ بَيْنَ الْمُوَحِّدِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَعَلَيْهِ يَقَعُ الْجَزَاءُ وَالثَّوَابُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ، فَمَن لَمْ يَأْتِ بِهِ كَانَ مِن الْمُشْرِكِينَ الْخَالِدِينَ، فَإِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ. أَمَّا تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ: فَقَد أَقَرَّ بِهِ الْمُشْرِكُونَ، وَكَانُوا يَعْبُدُونَ مَعَ اللهِ غَيْرَهُ، ويُحِبُّونَهُم كَمَا يُحِبُّونَهُ فَكَانَ ذَلِكَ التَّوْحِيدُ -الَّذِي هُوَ تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ- حُجَّةً عَلَيْهِمْ، فَإذَا كَانَ اللهُ هُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكُهُ، وَلَا خَالِقَ وَلَا رَازِقَ إلَّا هُوَ، فَلِمَاذَا يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ مَعَهُ، وَلَيْسَ لَهُ عَلَيْهِم خَلْقٌ وَلَا رِزْقٌ، وَلَا بِيَدِهِ لَهم مَنْعٌ وَلَا عَطَاءٌ؛ بَل هُوَ عَبْدٌ مِثْلُهُم لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا، وَلَا مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا؟ فَإِنْ قَالُوا لِيَشْفَعَ! فَقَد قَالَ اللهُ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فَلَا يَشْفَعُ مَن لَهُ شَفَاعَةٌ -مِن الْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ- إلَّا بِإِذْنِهِ. [١٤/ ٣٨٠]

стр. 66

٩٤ - الْإِذْنُ نَوْعَانِ: أ- إذْنٌ بِمَعْنَى الْمَشِيئَةِ وَالْخَلْقِ. ب- وَإِذْنٌ بِمَعْنَى الْإِبَاحَةِ وَالْإِجَازَةِ. فَمِن الْأوَّلِ: قَوْلُهُ فِي السِّحْرِ: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، فَإِنَّ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللهِ وَقُدْرَتهِ، وَإِلَّا فَهُوَ لَمْ يُبح السِّحْرَ. وَالنَّوْعُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ [الأحزاب: ٤٥، ٤٦]، وَقَوْلُهُ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٥]؛ فَإِنَّ هَذَا يَتَضَمَّنُ إبَاحَتَهُ لِذَلِكَ وإجَازَتَهُ لَهُ، وَرَفْعَ الْجُنَاحِ وَالْحَرَجِ عَن فَاعِلِهِ، مَعَ كَوْنِهِ بِمَشِيئَتِهِ وَقَضَائِهِ. فَقَوْلُهُ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] هُوَ هَذَا الْإِذْنُ الْكَائِنُ بِقَدَرِهِ وَشَرْعِهِ، وَلَم ئرِدْ بِمُجَرَّدِ الْمَشِيئَةِ وَالْقَدَرِ، فَإِنَّ السِّحْرَ وَانْتِصَارَ الْكُفَّارِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كَانَ بِذلِكَ الْإِذْن. فَإِنْ قِيلَ: فَمِنَ الشُّفَعَاءِ مَن يَشْفَعُ بِدُونِ إذْنِ اللهِ الشَّرْعِيِّ، وَإِن كَانَ خَالِقًا لِفِعْلِهِ- كَشَفَاعَةِ نوحٍ لِابْنِهِ، وَشَفَاعَةِ إبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ، وَشَفَاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أبي بْنِ سلول حِينَ صَلَّى عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ. وَهَؤُلَاءِ قَد شَفَعُوا بِغَيْرِ إذْنٍ شَرْعِيِّ؟ قِيلَ: الْمَنْفِيُّ مِن الشَّفَاعَةِ بِلَا إذْنٍ: هِيَ الشَّفَاعَةُ التَّامَّةُ، وَهِيَ الْمَقْبُولَةُ. فَالشَّفَاعَةُ: مَقْصُودُهَا قَبُولُ الْمَشْفُوعِ إلَيْهِ -وَهِيَ الشَّفَاعَةُ التَامَّةُ-. فَهَذِهِ هِيَ الَّتِي لَا تَكُونُ إلَّا بِإِذْنِهِ. وَأَمَّا إذَا شَفَعَ شَفِيعٌ فَلَمْ تُقْبَل شَفَاعَتُهُ: كَانَت كَعَدَمِهَا وَكَانَ عَلَى صَاحِبِهَا التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ مِنْهَا، كَمَا قَالَ نوحٌ: ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧].

стр. 67

وَهُوَ سُبْحَانَهُ إذَا أذِنَ لِلْمَشْفُوعِ لَهُ فَقَد أَذِنَ لِلشَّافِعِ، فَهَذَا الْإِذْنُ هُوَ الْإِذْنُ الْمُطْلَقُ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَذِنَ لِلشَّافِعِ فَقَطْ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ قَد أَذِنَ لِلْمَشْفُوعِ لَهُ، إذ قَد يَأْذَنُ لَهُ إذْنًا خَاصًّا. وَهَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِن الْمُفَسِّرِينَ، قَالُوا: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشَّفَاعَةَ لَا تَنْفَعُ إلَّا الْمُؤْمِنِينَ. [١٤/ ٣٨٣ - ٣٨٩] ٩٥ - نَصَّ الْأئِمَّةُ -كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ- عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الِاسْتِعَاذَةُ بِمَخْلُوقٍ. [١٥/ ٢٢٧] ٩٦ - مَا وَصَفَ اللهُ تَعَالَى بِهِ نَفْسَهُ مِن الصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةِ (١) لَا بُدَّ أَنْ يَتَضَمَّنَ مَعْنًى ثُبُوتِيًّا، فَالْكَمَالُ هُوَ فِي الْوُجُودِ وَالثُّبُوتِ، وَالنَّفْيُ مَقْصُودُهُ نَفْيُ مَا يُنَاقِضُ ذَلِكَ، فَإذَا نُفِيَ النَّقِيضُ الَّذِي هُوَ الْعَدَمُ وَالسَّلْبُ لَزِمَ ثُبُوتُ النَّقِيضِ الْآخَرِ الَّذِي هُوَ الْوُجُودُ وَالثُّبُوتُ؛ كَقَوْلِهِ تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فَإنَّهُ يَتَضَمَّنُ كَمَالَ الْحَيَاةِ والقيومية، وَقَوْله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ يَتَضَمَّنُ كَمَالَ الْمُلْكِ، وَقَوْله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] يَقْتَضِي اخْتِصَاصَهُ بِالتَّعْلِيمِ دُونَ مَا سِوَاهُ. [١٦/ ٩٩] ٩٧ - السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ وَسَائِرُ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ إذَا قَالُوا: "إنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ وَإنَّهُ فِي السَّمَاءِ فَوْقَ كُلِّ شَيءٍ" لَا يَقُولُونَ إنَّ هُنَاكَ شَيْئًا يَحْوِيهِ أَو يَحْصُرُهُ، أَو يَكُونُ مَحَلًّا لَهُ أَو ظَرْفًا وَوِعَاءً، عَن ذَلِكَ؛ بَل هُوَ فَوْقَ كُل شَيءٍ، وَهُوَ مُسْتَغْنٍ عَن كُلِّ شَيءٍ، وَكُلُّ شَيْءٍ مُفْتَقِرٌ إلَيْهِ، وَهُوَ عَالٍ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ الْحَامِلُ لِلْعَرْشِ وَلحَمَلَةِ الْعَرْشِ بِقُوَّتِهِ وَقُدْرَتهِ، وَكُلُّ مَخْلُوقٍ مُفْتَقِرٌ إلَيْهِ، وَهُوَ غَنِيٌّ عَن الْعَرْشِ وَعَن كُلِّ مَخْلُوقٍ.

стр. 68

وَمَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] وَنَحْوِ ذَلِكَ قَد يَفْهَمُ مِنْهُ بَعْضُهُم أَنَّ "السَّمَاءِ" هِيَ نَفْسُ الْمَخْلُوقِ الْعَالِي -الْعَرْشُ فَمَا دُونَهُ-، فَيَقُولُونَ: قَوْلُهُ: ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] بِمَعْنَى "عَلَى السَّمَاءِ" كَمَا قَالَ: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]؛ أَيْ: "عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ"، وَكَمَا قَالَ: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٣٧]؛ أَيْ: "عَلَى الْأَرْضِ"، وَلَا حَاجَةَ إلَى هَذَا (١)؛ بَل "السَّمَاء" اسْمُ جِنْسٍ لِلْعَالِي لَا يَخُصُّ شَيْئًا، فَقَوْلُهُ: ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]؛ أَيْ: "فِي الْعُلُوِّ دُونَ السُّفْلِ"، وَهُوَ الْعَلِيُّ الْأَعْلَى، فَلَهُ أَعْلَى الْعُلُوِّ، وَهُوَ مَا فَوْقَ الْعَرْشِ، وَلَيْسَ هُنَاكَ غَيْرُهُ الْعَلِيُّ الْأَعْلَى . [١٦/ ١٠٠ - ١٠١] ٩٨ - الْبُخَارِيُّ إنَّمَا يُثْبِتُ خَلْقَ أَفْعَالِ الْعِبَادِ حَرَكَاتِهِمْ وَأَصْوَاتِهِمْ. وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ هِيَ فِعْلُ الْعَبْدِ يُؤمَرُ بِهِ وَيُنْهَى عَنْهُ، وَأَمَّا الْكَلَامُ نَفْسُهُ فَهُوَ كَلَامُ اللهِ. وَلَمْ يَقُل الْبُخَارِيُّ: إنَّ لَفْظَ الْعَبْدِ مَخْلُوقٌ وَلَا غَيْرَ مَخْلُوقٍ، كَمَا نَهَى أَحْمَد عَن هَذَا وَهَذَا. وَاَلَّذِي قَالَ الْبُخَارِيُّ إنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَصِفَاتِهِمْ: لَمْ يَقُلْ أَحْمَد وَلَا غَيْرُهُ مِن السَّلَفِ إنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَإن سَكَتُوا عَنْهُ لِظُهُورِ أَمْرِهِ، وَلكَوْنِهِمْ كَانُوا يَقْصدُونَ الرَّدَّ عَلَى الْجَهْمِيَّة. وَاَلَّذِي قَالَ أَحْمَد إنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ هُوَ كَلَامُ اللهِ لَا صِفَةُ الْعِبَادِ، لَمْ يَقُل الْبُخَارِيُّ إنَّهُ مَخْلُوقٌ. وَلَكِنَّ أَحْمَد كَانَ مَقْصُودُهُ الرَّدَّ عَلَى مَن يَجْعَلُ كَلَامَ اللهِ مَخْلُوقًا إذَا بُلِّغَ عَنِ اللهِ، وَالْبُخَارِيَّ كَانَ مَقْصُودُهُ الرَّدَّ عَلَى مَن يَقُولُ: أَفْعَالُ الْعِبَادِ وَأَصْوَاتُهُم غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ.

стр. 69

وَكِلَا الْقَصْدَينَ صَحِيحٌ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا. وَقَد بَيَّنَ ذَلِكَ ابْن قُتَيْبَةَ فِي مَسْألَةِ اللَّفْظِ، وَلَكِنِ الْمُنْحَرِفُونَ إلَى أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ يُنْكِرُونَ عَلَى الْآخَرِ (١)، وَاللهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. [١٦/ ٣٩٢ - ٣٩٣] ٩٩ - تَفْسِيرُ النُّزُولِ بِفِعْلِ يَقُومُ بِذَاتِهِ هُوَ قَوْلُ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْهُمْ. [١٦/ ٣٩٨] ١٠٠ - قَالَ أَبُو الْفَرَجِ: وَاعْلَمْ أَنَّ ذِكْرَ الْعَرْشِ مَشْهُورٌ عِنْدَ الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ. قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ: مَجِّدُوا اللَّهَ فَهُوَ لِلْمَجْدِ أَهْلٌ … رَبُّنَا فِي السَّمَاءِ أمْسَى كَبِيرًا بِالْبِنَاءِ الْأَعْلَى الَّذِي سَبَقَ النَّا .... س وَسَوَّى فَوْقَ السَّمَاءِ سَرِيرًا قُلْت: يُرِيدُ أَنَّهُ ذَكَرَهُ مِنَ الْعَرَبِ مَن لَمْ يَكُن مُسْلِمًا أخَذَهُ عَن أَهْلِ الْكِتَابِ، فَإِنَّ أُمِّيَّةَ وَنَحْوَهُ إنَّمَا أَخَذَ هَذَا عَن أَهْلِ الْكِتَابِ وَإِلَّا فَالْمُشْرِكُونَ لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ هَذَا. [١٦/ ٤٠٢ - ٤٠٣] ١٠١ - فَرْقٌ بَيْنَ أَنْ يُقَالَ: "الرَّبُّ هُوَ الَّذِي يَأْتِي إتْيَانًا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ"، أَو يُقَالُ "مَا نَدْرِي هَل هُوَ الَّذِي يَأْتِي أَو أَمْرُهُ". فَكَثِيرٌ مَن لَا يَجْزِمُ بِأَحَدِهِمَا بَل يَقُولُ: اُسْكُتْ فَالسُّكُوتُ أَسْلَمُ. وَلَا ريْبَ أَنَّهُ مَن لَمْ يَعْلَمْ فَالسُّكُوتُ لَهُ أَسْلَمُ، كَمَا قَالَ النَبِيُّ ﷺ : "مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللهِ وَالْيَوْمِ الْاَخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَو لِيَصْمُتْ" (٢). لَكِنْ هُوَ يَقُولُ: إنَّ الرَّسُولَ وَجَمِيعَ الْأُمَّةِ كَانُوا كَذَلِكَ لَا يَدْرُونَ هَلِ الْمُرَادُ بِهِ هَذَا أَو هَذَا وَلَا الرَّسُولُ كَانَ يَعْرِفُ ذَلِكَ! فَقَائِلُ هَذَا مُبْطِلٌ مُتَكَلِّمٌ بِمَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وَكَانَ يَسَعُهُ أَنْ يَسْكُتَ عَن

стр. 70

هَذَا، لَا يَجْزِم بِأَنَّ الرَّسُولَ وَالْأَئِمَّةَ كُلَّهُم جُهَّالٌ يَجِبُ عَلَيْهِم السُّكُوتُ كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّ هَذَا خِلَافُ الْوَاقِعِ. [١٦/ ٤١٢] ١٠٢ - قَوْلُ مَن قَالَ: صِفَاتُ اللهِ لَا تَتَفَاضَلُ وَنَحْو ذَلِكَ: قَوْلٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَمَنِ الَّذِي جَعَلَ صِفَتَهُ الَّتِي هِيَ الرَّحْمَةُ لَا تَفْضُلُ عَلَى صِفَتِهِ الَّتِي هِيَ الْغَضَبُ؟ وَقَد ثَبَتَ عَن النَّبِيِّ ﷺ : "إنَّ اللهَ كتَبَ فِي كتَابٍ مَوْضوعٍ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ: إنَّ رَحْمَتي تَغْلِبُ غَضَبِي (١) -وَفِي رِوَايَةٍ- تَسْبِقُ غَضَبِي". [١٧/ ٢١١] ١٠٣ - لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَبْتَدِعَ اسْمًا مُجْمَلًا يَحْتَمِلُ مَعَانِيَ مُخْتَلِفَةً لَمْ يَنْطِقْ بِهِ الشَّرْعُ، وَيُعَلِّقْ بِهِ دِينَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَو كَانَ قَد نَطَقَ باللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ (٢)، فَكَيْفَ إذَا أَحْدَثَ لِلَّفْظِ مَعْنًى آخَرَ؟ (٣) وَالْمَعْنَى الَّذِي يَقْصِدُهُ إذَا كَانَ حَقًّا: عَبّرَ عَنْهُ بِالْعِبَارَةِ الَّتِي لَا لَبْسَ فِيهَا. فَإِذَا كَانَ مُعْتَقَدُهُ أَنَّ الْأَجْسَامَ مُتَمَاثِلَةٌ، وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَا سَمِيَّ لَهُ وَلَا كُفُوَ لَهُ وَلَا نِدَّ لَهُ: فَهَذِهِ عِبَارَاتُ الْقُرْآنِ تُؤَدِّي هَذَا الْمَعْنَى بِلَا تَلْبِيسٍ وَلَا نِزَاعٍ. وَإِن كَانَ مُعْتَقَدُهُ أَنَّ الْأَجْسَامَ غَيْرُ مُتَمَاثِلَةٍ، وَأَنَّ كُلَّ مَا يُرَى وَتَقُومُ بِهِ الصِّفَاتُ فَهُوَ جِسْمٌ: فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُثْبِتَ مَا أَثْبَتَه اللهُ وَرَسُولُهُ مِن عِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَسَائِرِ صِفَاتِهِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. ويقُولُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِيَانًا كَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا تضامون فِيم رُؤْيَتِهِ" (٤) فَشَبَّهَ الرُّؤْيةَ بِالرُّؤْيةِ وَإن لَمْ يَكُن الْمَرْئيُّ كَالْمَرْئِيِّ.

стр. 71

فَهَذِهِ عِبَارَاتُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَن هَذَا الْمَعْنَى الصَّحِيحِ، بِلَا تَلْبِيسٍ وَلَا نِزَاعٍ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ الْمُتَّبِعِينَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ. ثُمَّ بَعْدَ هَذَا مَن كَانَ قَد تَبَيَّنَ لَهُ مَعْنًى مِن جِهَةِ الْعَقْلِ أَنَّهُ لَازِمٌ لِلْحَقِّ لَمْ يَدْفَعْهُ عَن عَقْلِهِ، فَلَازِمُ الْحَقِّ حَقٌّ. لَكِنَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى لَا بُدَّ أَنْ يَدُلَّ الشَّرْعُ عَلَيْهِ، فَيُبَيِّنُهُ بِالْأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ. وَإِن قُدِّرَ أَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ: لَمْ يَكُن مِمَّا يَجِبُ عَلَى النَّاسِ اعْتِقَادُهُ، وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَدْعُوَ النَّاسَ إلَيْهِ، وَإِن قَدَّرَ أَنَّهُ فِي نَفْسِهِ حَقٌّ. [١٧/ ٣١٩ - ٣٢٠] ١٠٤ - مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ الْمُتَحَيِّزَ هُوَ مَا بَايَنَ غَيْرَهُ فَانْحَازَ عَنْهُ، وَلَيْسَ مِن شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا مِن الْأَجْزَاءِ الْمُنْفَرِدَةِ، وَلَا أَنَّهُ يَقْبَلُ التَّفْرِيقَ وَالتَّقْسِيمَ، فَإِذَا قَالَ: إنَّ الرَّبَّ مُتَحَيّزٌ بِهَذَا الْمَعْنَى؛ أَيْ: أَنَّهُ بَائِنٌ عَن مَخْلُوقَاتِهِ: فَقَد أَرَادَ مَعْنًى صَحِيحًا، لَكِنَّ إطْلَاقَ هَذِهِ الْعِبَارَةِ بِدْعَةٌ، وَفِيهَا تَلْبِيسٌ، فَإِنَّ هَذَا الَّذِي أَرَادَهُ لَيْسَ مَعْنَى الْمُتَحَيِّزِ فِي اللُّغَةِ، وَهُوَ اصْطِلَاحٌ لَهُ وَلطَائِفَتِهِ، وَفِي الْمَعْنَى الْمُصْطَلَحِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْعُقَلَاءِ، فَصَارَ يَحْتَمِلُ مَعْنًى فَاسِدًا يَجِبُ تَنْزِيهُ الرَّبِّ عَنْهُ. ولَيْسَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُطْلِقَ لَفْظًا يَدُلُّ عِنْدَ غَيْرِهِ عَلَى مَعْنًى فَاسِدٍ، وَيَفْهَم ذَلِكَ الْغَيْرُ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْفَاسِدَ، مِن غَيْرِ بَيَان مُرَادِهِ (١). [١٧/ ٣٧٤] ١٠٥ - أَمَّا اسْتَوَى عَلَى كَذَا: فَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ وَلُغَةِ الْعَرَبِ الْمَعْرُوفَةِ إلَّا بِمَعْنى وَاحِدٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح: ٢٩]. وَهَذَا الْمَعْنَى يَتَضَمَّنُ شَيْئَيْنِ: أ- عُلُوَّهُ عَلَى مَا اسْتَوَى عَلَيْهِ.

стр. 72

ب- وَاعْتِدَالَهُ أَيْضًا. فَلَا يُسَمُّونَ الْمَائِلَ عَلَى الشَّيْءِ مُسْتَوِيًا عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: ثُمَّ اسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى الْعِرَاقِ … مِن غَيْرِ سَيْفٍ وَدَمٍ مهراق هُوَ مِن هَذَا الْبَابِ؛ فَإنَّ الْمُرَادَ بِهِ بِشْرُ بْنُ مَرْوَانَ، وَاسْتِوَاؤُهُ عَلَيْهَا؛ أَيْ: عَلَى كُرْسِيِّ مُلْكهَا، لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ مُجَرَّدَ الِاسْتِيلَاءِ؛ بَل اسْتِوَاءٌ مِنْهُ عَلَيْهَا. [١٧/ ٣٧٤ - ٣٧٥] ١٠٦ - صَنَّفَ الرَّازِي (١) كِتَابَهُ فِي عِبَادَةِ الْكَوَاكِبِ، وَأَقَامَ الْأَدِلَّةَ عَلَى حُسْنِ ذَلِكَ وَمَنْفعَتِهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، وَهَذِهِ رِدَّةٌ عَنِ الْإِسْلَامِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِن كَانَ قَد يَكُونُ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ. [١٨/ ٥٥] ١٠٧ - الْخَوْضُ فِي ذَلِكَ -أي: في الْقَدَرِ- بِغَيْرِ عِلْمٍ تَامٍّ: أَوْجَبَ ضَلَالَ عَامَّةِ الْأُمَمِ؛ وَلهَذَا نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ عَنِ التّنَازُعِ فِيهِ. [١٨/ ١٣٧] ١٠٨ - كَثِيرٌ مِن مُنَازَعَاتِ النَّاسِ فِي مَسَائِلِ الْإِيمَانِ، وَمَسَائلِ الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ، هِيَ مُنَازَعَاتٌ لَفْظِيَّة، فَإِذَا فُصِلَ الْخِطَابُ زَالَ الِارْتيَابُ. [١٨/ ٢٧٩] ١٠٩ - الْإَيمَانُ لَهُ حَلَاوَةٌ فِي الْقَلْبِ وَلَذَّةٌ لَا يَعْدِلُهَا شَيْءٌ أَلْبَتَّةَ. [١٨/ ٢٩٥] ١١٠ - إِنَّ الْإِنْسَانَ قَد يُؤتَى إيمَانًا مَعَ نَقْصِ عِلْمِهِ، فَمِثْلُ هَذَا الْإِيمَانِ قَد يُرْفَعُ مِن صَدْرِهِ (٢).

стр. 73

وَأَمَّا مَن أُوتيَ الْعِلْمَ مَعَ الْإِيمَانِ فَهَذَا لَا يُرْفَعُ مِن صَدْرِهِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَرْتَدُّ عَنِ الْإِسْلَامِ قَطُّ، بِخِلَافِ مُجَرَّدِ الْقُرْآنِ أَو مُجَرَّدِ الْإِيمَانِ فَإِنَّ هَذَا قَد يَرْتَفِعُ، فَهَذَا هُوَ الْوَاقِعُ. لَكِنْ أَكْثَرُ مَا نَجِدُ الرِّدَّةَ فِيمَن عِنْدَهُ قُرْآنٌ بِلَا عِلْمٍ وَإِيمَانٍ، أَو مَن عِنْدَهُ إيمَانٌ بِلَا عِلْمٍ وَقُرْآنٍ. فَأَمَّا مَن أُوتِيَ الْقُرْآنَ وَالْإِيمَانَ فَحَصَلَ فِيهِ الْعِلْمُ فَهَذَا لَا يُرْفَعُ مِن صَدْرِهِ. [١٨/ ٣٠٥] ١١١ - فِي السُّلُوكِ مَسَائِلُ تَنَازَعَ فِيهَا الشُّيُوخُ، لَكِنْ يُوجَدُ فِي الْكِتَابِ وَالسّنَّةِ مِنَ النُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى الصَّوَابِ فِي ذَلِكَ مَا يَفْهَمُهُ غَالِبُ السَّالِكِينَ. فَمَسَائِلُ السُّلُوكِ مِن جِنْسِ مَسَائِلِ الْعَقَائِدِ كُلُّهَا مَنْصُوصَةٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ أَهْلُ الْكَلَامِ لَمَّا أَعْرَضُوا عَنِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَلَمَّا دَخَلُوا فِي الْبِدَعِ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ. وَهَكَذَا الْفِقْهُ إنَّمَا وَقَعَ فِيهِ الِاخْتِلَافُ لِمَا خَفِيَ عَلَيْهِم بَيَانُ صَاحِبِ الشَّرْعِ، وَلَكِنَّ هَذَا إنَّمَا يَقَعُ النِّزَاعُ فِي الدَّقِيقِ مِنْهُ، وَأَمَّا الْجَلِيلُ فَلَا يَتَنَازَعُونَ فِيهِ. وَالصَّحَابَةُ أَنْفُسُهُم تَنَازَعُوا فِي بَعْضِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَتَنَازَعُوا فِي الْعَقَائِدِ، وَلَا فِي الطَّرِيقِ إلَى اللهِ الَّتِي يَصِيرُ بِهَا الرَّجُلُ مِن أَوْليَاءِ اللهِ الْأَبْرَارِ الْمُقَرَّبِينَ. [١٩/ ٢٧٤] * * *

стр. 74

(أنواع التوسل الممنوع) ١١٢ - مَن يَأْتِي إلَى قَبْرِ نَبِيِّ أَو صَالِحٍ أو مَن يَعْتَقِدُ فِيهِ أَنَّهُ قَبْرُ نَبِيِّ أَو رَجُلٍ صَالِحٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَيَسْأَلُهُ وَيَسْتَنْجِدُهُ فَهَذَا عَلَى ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ: إحْدَاهَا: أَنْ يَسْأَلَهُ حَاجَتَهُ، مِثْلُ أَنْ يَسْأَلَهُ أَنْ يُزِيلَ مَرَضَهُ أَو مَرَضَ دَوَابِّهِ، أَو يَقْضِيَ دَيْنَهُ .. وَنَحْو ذَلِكَ مِمَّا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا اللهُ عزَّوجلَّ: فَهَذَا شِرْكٌ صَرِيحٌ يَجِبُ أَنْ يُسْتَتَابَ صَاحِبُهُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ. وَإِن قَالَ: أَنَا أَسْألُهُ لِكَوْنِهِ أَقْرَبَ إلَى اللهِ مِنِّي لِيَشْفَعَ لِي فِي هَذ الْأمُورِ لِأنِّي أَتَوَسَّلُ إلَى اللهِ بِهِ كَمَا يُتَوَسَّلُ إلَى السُّلْطَانِ بِخَوَاصِّهِ وَأَعْوَانِهِ: فَهَذَا مِن أَفْعَالِ الْمُشْرِكِينَ وَالنَّصَارَى، فَإِنَّهُم يَزْعُمُونَ أَنَّهُم يَتَّخِذُونَ أَحْبَارَهُم وَرُهْبَانَهُم شُفَعَاءَ، يَسْتَشْفِعُونَ بِهِم فِي مَطَالِبِهِمْ، وَكَذَلِكَ أَخْبَرَ اللهُ عَن الْمُشْرِكِينَ أَنَّهُم قَالُوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ أَلَّا تَطْلُبَ مِنْهُ الْفِعْلَ وَلَا تَدْعُوَهُ، وَلَكِنْ تَطْلُبُ أَنْ يَدْعُوَ لَك، كَمَا تَقُولُ لِلْحَيِّ: اُدْعُ لِى، وَكَمَا كَانَ الصَّحَابَةُ -رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِم- يَطْلُبُونَ مِن النَّبِيِّ ﷺ الدُّعَاءَ، فَهَذَا مَشْرُوعٌ فِي الْحَيِّ، وَأَمَّا الْمَيِّتُ مِن الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَغَيْرِهِمْ فَلَمْ يُشْرَعْ لنَا أنْ نَقُولَ: اُدْعُ لَنَا، وَلَا اسْأَلْ لَنَا رَبَّك، وَلَمْ يَفْعَلْ هَذَا أَحَدٌ مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَلَا أَمَرَ بِهِ أحَدٌ مِن الْأَئِمَّةِ، وَلَا وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ؛ بَل الَّذِي ثَبَتَ فِي الصَّحِيح أَنَّهُم لَمَّا أَجْدَبُوا زَمَنَ عُمَرَ ﵁ اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ إنَّا كُنَّا إذَا أَجْدَبْنَا نتَوَسَّلُ إلَيْك بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِيَنَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا فَيُسْقَوْنَ. وَلَمْ يَجِيئُوا إلَى قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ قَائِلِينَ: يَا رَسُولَ اللهِ اُدْعُ اللهَ لَنَا وَاسْتَسْقِ لَنَا وَنَحْنُ نَشْكُو إلَيْك مِمَّا أَصَابَنَا وَنَحْو ذَلِكَ، لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ أَحَدٌ مِن الصَّحَابَةِ قَطُّ؛ بَل هُوَ بِدْعَةٌ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ (١).

стр. 75

وَذَلِكَ أَنَّ فِي الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ عَنْهُ قَالَ ﷺ : "اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ" (١). وَمِن أَعْظَمِ الشِّرْكِ: أَنْ يَسْتَغِيثَ الرَّجُلُ بِمَيِّتٍ أَو غَائِبٍ وَيَسْتَغِيثَ بِهِ عِنْدَ الْمَصَائِبِ، يَقُولُ: يَا سَيِّدِي فُلَانٌ؛ كَأَنَّهُ يَطْلُبُ مِنْهُ إزَالَةَ ضُرِّهِ أَو جَلْبَ نَفْعِهِ. وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ يَقُول: اللَّهُمَّ بِجَاهِ فُلَانٍ عِنْدَك أَو بِبَرَكَةِ فُلَانٍ أَو بِحُرْمَةِ فُلَانٍ عِنْدَك: افْعَلْ بِي كَذَا وَكَذَا، فَهَذَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِن النَّاسِ، لَكِنْ لَمْ يُنْقَلْ عَن أَحَدٍ مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَسَلَفِ الْأُمَّةِ أَنَّهُم كَانُوا يَدْعُونَ بِمِثْل هَذَا الدُّعَاءِ، وَلَمْ يَبْلُغْنِي عَن أَحَدٍ مِن الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مَا أحْكِيهِ، إلَّا مَا رَأَيْت فِي فَتَاوَى الْفَقِيهِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فَإِنَّهُ أَفْتَى: أَنَّهُ لَا يَجُوز لِأَحَد أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ إلَّا لِلنَّبِيِّ ﷺ إنْ صَحَّ الْحَدِيثُ فِي النَّبِيِّ ﷺ وَمَعْنَى الِاسْتِفْتَاءِ: قَد رَوَى النَّسَائِي وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ أَنْ يَدْعُوَ فَيَقُولَ: "اللَّهُمَّ: إنِّي أَسْأَلُك وَأتوَسَّلُ إلَيْك بِنَبِيِّك نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّدُ: يَا رَسُولَ اللهِ إنِّي أتوَسَّلُ بِك إلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي لِيَقْضِيَهَا لِي، اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ" (٢).
следующие страницы →