← Фатава

Фатава · id 879

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (3 539 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فَهَذِهِ عِبَارَاتُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَن هَذَا الْمَعْنَى الصَّحِيحِ، بِلَا تَلْبِيسٍ وَلَا نِزَاعٍ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ الْمُتَّبِعِينَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ. ثُمَّ بَعْدَ هَذَا مَن كَانَ قَد تَبَيَّنَ لَهُ مَعْنًى مِن جِهَةِ الْعَقْلِ أَنَّهُ لَازِمٌ لِلْحَقِّ لَمْ يَدْفَعْهُ عَن عَقْلِهِ، فَلَازِمُ الْحَقِّ حَقٌّ. لَكِنَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى لَا بُدَّ أَنْ يَدُلَّ الشَّرْعُ عَلَيْهِ، فَيُبَيِّنُهُ بِالْأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ. وَإِن قُدِّرَ أَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ: لَمْ يَكُن مِمَّا يَجِبُ عَلَى النَّاسِ اعْتِقَادُهُ، وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَدْعُوَ النَّاسَ إلَيْهِ، وَإِن قَدَّرَ أَنَّهُ فِي نَفْسِهِ حَقٌّ. [١٧/ ٣١٩ - ٣٢٠] ١٠٤ - مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ الْمُتَحَيِّزَ هُوَ مَا بَايَنَ غَيْرَهُ فَانْحَازَ عَنْهُ، وَلَيْسَ مِن شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا مِن الْأَجْزَاءِ الْمُنْفَرِدَةِ، وَلَا أَنَّهُ يَقْبَلُ التَّفْرِيقَ وَالتَّقْسِيمَ، فَإِذَا قَالَ: إنَّ الرَّبَّ مُتَحَيّزٌ بِهَذَا الْمَعْنَى؛ أَيْ: أَنَّهُ بَائِنٌ عَن مَخْلُوقَاتِهِ: فَقَد أَرَادَ مَعْنًى صَحِيحًا، لَكِنَّ إطْلَاقَ هَذِهِ الْعِبَارَةِ بِدْعَةٌ، وَفِيهَا تَلْبِيسٌ، فَإِنَّ هَذَا الَّذِي أَرَادَهُ لَيْسَ مَعْنَى الْمُتَحَيِّزِ فِي اللُّغَةِ، وَهُوَ اصْطِلَاحٌ لَهُ وَلطَائِفَتِهِ، وَفِي الْمَعْنَى الْمُصْطَلَحِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْعُقَلَاءِ، فَصَارَ يَحْتَمِلُ مَعْنًى فَاسِدًا يَجِبُ تَنْزِيهُ الرَّبِّ عَنْهُ. ولَيْسَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُطْلِقَ لَفْظًا يَدُلُّ عِنْدَ غَيْرِهِ عَلَى مَعْنًى فَاسِدٍ، وَيَفْهَم ذَلِكَ الْغَيْرُ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْفَاسِدَ، مِن غَيْرِ بَيَان مُرَادِهِ (١). [١٧/ ٣٧٤] ١٠٥ - أَمَّا اسْتَوَى عَلَى كَذَا: فَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ وَلُغَةِ الْعَرَبِ الْمَعْرُوفَةِ إلَّا بِمَعْنى وَاحِدٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح: ٢٩]. وَهَذَا الْمَعْنَى يَتَضَمَّنُ شَيْئَيْنِ: أ- عُلُوَّهُ عَلَى مَا اسْتَوَى عَلَيْهِ.

стр. 72

ب- وَاعْتِدَالَهُ أَيْضًا. فَلَا يُسَمُّونَ الْمَائِلَ عَلَى الشَّيْءِ مُسْتَوِيًا عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: ثُمَّ اسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى الْعِرَاقِ … مِن غَيْرِ سَيْفٍ وَدَمٍ مهراق هُوَ مِن هَذَا الْبَابِ؛ فَإنَّ الْمُرَادَ بِهِ بِشْرُ بْنُ مَرْوَانَ، وَاسْتِوَاؤُهُ عَلَيْهَا؛ أَيْ: عَلَى كُرْسِيِّ مُلْكهَا، لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ مُجَرَّدَ الِاسْتِيلَاءِ؛ بَل اسْتِوَاءٌ مِنْهُ عَلَيْهَا. [١٧/ ٣٧٤ - ٣٧٥] ١٠٦ - صَنَّفَ الرَّازِي (١) كِتَابَهُ فِي عِبَادَةِ الْكَوَاكِبِ، وَأَقَامَ الْأَدِلَّةَ عَلَى حُسْنِ ذَلِكَ وَمَنْفعَتِهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، وَهَذِهِ رِدَّةٌ عَنِ الْإِسْلَامِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِن كَانَ قَد يَكُونُ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ. [١٨/ ٥٥] ١٠٧ - الْخَوْضُ فِي ذَلِكَ -أي: في الْقَدَرِ- بِغَيْرِ عِلْمٍ تَامٍّ: أَوْجَبَ ضَلَالَ عَامَّةِ الْأُمَمِ؛ وَلهَذَا نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ عَنِ التّنَازُعِ فِيهِ. [١٨/ ١٣٧] ١٠٨ - كَثِيرٌ مِن مُنَازَعَاتِ النَّاسِ فِي مَسَائِلِ الْإِيمَانِ، وَمَسَائلِ الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ، هِيَ مُنَازَعَاتٌ لَفْظِيَّة، فَإِذَا فُصِلَ الْخِطَابُ زَالَ الِارْتيَابُ. [١٨/ ٢٧٩] ١٠٩ - الْإَيمَانُ لَهُ حَلَاوَةٌ فِي الْقَلْبِ وَلَذَّةٌ لَا يَعْدِلُهَا شَيْءٌ أَلْبَتَّةَ. [١٨/ ٢٩٥] ١١٠ - إِنَّ الْإِنْسَانَ قَد يُؤتَى إيمَانًا مَعَ نَقْصِ عِلْمِهِ، فَمِثْلُ هَذَا الْإِيمَانِ قَد يُرْفَعُ مِن صَدْرِهِ (٢).

стр. 73

وَأَمَّا مَن أُوتيَ الْعِلْمَ مَعَ الْإِيمَانِ فَهَذَا لَا يُرْفَعُ مِن صَدْرِهِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَرْتَدُّ عَنِ الْإِسْلَامِ قَطُّ، بِخِلَافِ مُجَرَّدِ الْقُرْآنِ أَو مُجَرَّدِ الْإِيمَانِ فَإِنَّ هَذَا قَد يَرْتَفِعُ، فَهَذَا هُوَ الْوَاقِعُ. لَكِنْ أَكْثَرُ مَا نَجِدُ الرِّدَّةَ فِيمَن عِنْدَهُ قُرْآنٌ بِلَا عِلْمٍ وَإِيمَانٍ، أَو مَن عِنْدَهُ إيمَانٌ بِلَا عِلْمٍ وَقُرْآنٍ. فَأَمَّا مَن أُوتِيَ الْقُرْآنَ وَالْإِيمَانَ فَحَصَلَ فِيهِ الْعِلْمُ فَهَذَا لَا يُرْفَعُ مِن صَدْرِهِ. [١٨/ ٣٠٥] ١١١ - فِي السُّلُوكِ مَسَائِلُ تَنَازَعَ فِيهَا الشُّيُوخُ، لَكِنْ يُوجَدُ فِي الْكِتَابِ وَالسّنَّةِ مِنَ النُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى الصَّوَابِ فِي ذَلِكَ مَا يَفْهَمُهُ غَالِبُ السَّالِكِينَ. فَمَسَائِلُ السُّلُوكِ مِن جِنْسِ مَسَائِلِ الْعَقَائِدِ كُلُّهَا مَنْصُوصَةٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ أَهْلُ الْكَلَامِ لَمَّا أَعْرَضُوا عَنِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَلَمَّا دَخَلُوا فِي الْبِدَعِ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ. وَهَكَذَا الْفِقْهُ إنَّمَا وَقَعَ فِيهِ الِاخْتِلَافُ لِمَا خَفِيَ عَلَيْهِم بَيَانُ صَاحِبِ الشَّرْعِ، وَلَكِنَّ هَذَا إنَّمَا يَقَعُ النِّزَاعُ فِي الدَّقِيقِ مِنْهُ، وَأَمَّا الْجَلِيلُ فَلَا يَتَنَازَعُونَ فِيهِ. وَالصَّحَابَةُ أَنْفُسُهُم تَنَازَعُوا فِي بَعْضِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَتَنَازَعُوا فِي الْعَقَائِدِ، وَلَا فِي الطَّرِيقِ إلَى اللهِ الَّتِي يَصِيرُ بِهَا الرَّجُلُ مِن أَوْليَاءِ اللهِ الْأَبْرَارِ الْمُقَرَّبِينَ. [١٩/ ٢٧٤] * * *

стр. 74

(أنواع التوسل الممنوع) ١١٢ - مَن يَأْتِي إلَى قَبْرِ نَبِيِّ أَو صَالِحٍ أو مَن يَعْتَقِدُ فِيهِ أَنَّهُ قَبْرُ نَبِيِّ أَو رَجُلٍ صَالِحٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَيَسْأَلُهُ وَيَسْتَنْجِدُهُ فَهَذَا عَلَى ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ: إحْدَاهَا: أَنْ يَسْأَلَهُ حَاجَتَهُ، مِثْلُ أَنْ يَسْأَلَهُ أَنْ يُزِيلَ مَرَضَهُ أَو مَرَضَ دَوَابِّهِ، أَو يَقْضِيَ دَيْنَهُ .. وَنَحْو ذَلِكَ مِمَّا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا اللهُ عزَّوجلَّ: فَهَذَا شِرْكٌ صَرِيحٌ يَجِبُ أَنْ يُسْتَتَابَ صَاحِبُهُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ. وَإِن قَالَ: أَنَا أَسْألُهُ لِكَوْنِهِ أَقْرَبَ إلَى اللهِ مِنِّي لِيَشْفَعَ لِي فِي هَذ الْأمُورِ لِأنِّي أَتَوَسَّلُ إلَى اللهِ بِهِ كَمَا يُتَوَسَّلُ إلَى السُّلْطَانِ بِخَوَاصِّهِ وَأَعْوَانِهِ: فَهَذَا مِن أَفْعَالِ الْمُشْرِكِينَ وَالنَّصَارَى، فَإِنَّهُم يَزْعُمُونَ أَنَّهُم يَتَّخِذُونَ أَحْبَارَهُم وَرُهْبَانَهُم شُفَعَاءَ، يَسْتَشْفِعُونَ بِهِم فِي مَطَالِبِهِمْ، وَكَذَلِكَ أَخْبَرَ اللهُ عَن الْمُشْرِكِينَ أَنَّهُم قَالُوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ أَلَّا تَطْلُبَ مِنْهُ الْفِعْلَ وَلَا تَدْعُوَهُ، وَلَكِنْ تَطْلُبُ أَنْ يَدْعُوَ لَك، كَمَا تَقُولُ لِلْحَيِّ: اُدْعُ لِى، وَكَمَا كَانَ الصَّحَابَةُ -رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِم- يَطْلُبُونَ مِن النَّبِيِّ ﷺ الدُّعَاءَ، فَهَذَا مَشْرُوعٌ فِي الْحَيِّ، وَأَمَّا الْمَيِّتُ مِن الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَغَيْرِهِمْ فَلَمْ يُشْرَعْ لنَا أنْ نَقُولَ: اُدْعُ لَنَا، وَلَا اسْأَلْ لَنَا رَبَّك، وَلَمْ يَفْعَلْ هَذَا أَحَدٌ مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَلَا أَمَرَ بِهِ أحَدٌ مِن الْأَئِمَّةِ، وَلَا وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ؛ بَل الَّذِي ثَبَتَ فِي الصَّحِيح أَنَّهُم لَمَّا أَجْدَبُوا زَمَنَ عُمَرَ ﵁ اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ إنَّا كُنَّا إذَا أَجْدَبْنَا نتَوَسَّلُ إلَيْك بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِيَنَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا فَيُسْقَوْنَ. وَلَمْ يَجِيئُوا إلَى قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ قَائِلِينَ: يَا رَسُولَ اللهِ اُدْعُ اللهَ لَنَا وَاسْتَسْقِ لَنَا وَنَحْنُ نَشْكُو إلَيْك مِمَّا أَصَابَنَا وَنَحْو ذَلِكَ، لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ أَحَدٌ مِن الصَّحَابَةِ قَطُّ؛ بَل هُوَ بِدْعَةٌ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ (١).

стр. 75

وَذَلِكَ أَنَّ فِي الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ عَنْهُ قَالَ ﷺ : "اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ" (١). وَمِن أَعْظَمِ الشِّرْكِ: أَنْ يَسْتَغِيثَ الرَّجُلُ بِمَيِّتٍ أَو غَائِبٍ وَيَسْتَغِيثَ بِهِ عِنْدَ الْمَصَائِبِ، يَقُولُ: يَا سَيِّدِي فُلَانٌ؛ كَأَنَّهُ يَطْلُبُ مِنْهُ إزَالَةَ ضُرِّهِ أَو جَلْبَ نَفْعِهِ. وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ يَقُول: اللَّهُمَّ بِجَاهِ فُلَانٍ عِنْدَك أَو بِبَرَكَةِ فُلَانٍ أَو بِحُرْمَةِ فُلَانٍ عِنْدَك: افْعَلْ بِي كَذَا وَكَذَا، فَهَذَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِن النَّاسِ، لَكِنْ لَمْ يُنْقَلْ عَن أَحَدٍ مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَسَلَفِ الْأُمَّةِ أَنَّهُم كَانُوا يَدْعُونَ بِمِثْل هَذَا الدُّعَاءِ، وَلَمْ يَبْلُغْنِي عَن أَحَدٍ مِن الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مَا أحْكِيهِ، إلَّا مَا رَأَيْت فِي فَتَاوَى الْفَقِيهِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فَإِنَّهُ أَفْتَى: أَنَّهُ لَا يَجُوز لِأَحَد أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ إلَّا لِلنَّبِيِّ ﷺ إنْ صَحَّ الْحَدِيثُ فِي النَّبِيِّ ﷺ وَمَعْنَى الِاسْتِفْتَاءِ: قَد رَوَى النَّسَائِي وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ أَنْ يَدْعُوَ فَيَقُولَ: "اللَّهُمَّ: إنِّي أَسْأَلُك وَأتوَسَّلُ إلَيْك بِنَبِيِّك نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّدُ: يَا رَسُولَ اللهِ إنِّي أتوَسَّلُ بِك إلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي لِيَقْضِيَهَا لِي، اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ" (٢).

стр. 76

فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ قَد اسْتَدَلَّ بِهِ طَائِفَةٌ عَلَى جَوَازِ التَّوَسُّلِ بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَيْسَ فِي هَذَا جَوَازُ التَّوَسُّلِ بِهِ بَعْدَ مَمَاتِهِ وَفِي مَغِيبِهِ؛ بَل إنَّمَا فِيهِ التَّوَسُّلُ فِي حَيَاتِهِ بِحُضُورِهِ، كمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إنَّا كُنَّا إذَا أَجْدَبْنَا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِنَبِيِّنا فَتَسْقِيَنَا، وَإِنَّا نتَوَسَّلُ إلَيْك بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا فَيُسْقَوْنَ (١). وَقَد بَيَّنَ عُمَرُ بْن الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُم كَانُوا يَتَوَسَّلُونَ بِهِ فِي حَيَاتِهِ فَيُسْقَوْنَ، وَذَلِكَ التَّوَسُّلُ بِهِ أَنَّهُم كَانُوا يَسْأَلُونَهُ أَنْ يَدْعُوَ اللهَ لَهُم فَيَدْعُو لَهُم ويدْعُونَ مَعَهُ وَيَتَوَسَّلُونَ بِشَفَاعَتِهِ وَدُعَائِهِ (٢). وَأَمَّا الرَّجُلُ إذَا أَصَابَتْهُ نَائِبَةٌ أَو خَافَ شَيْئًا فَاسْتَغَاثَ بِشَيْخِهِ يَطْلُبُ تَثْبِيتَ قَلْبِهِ مِن ذَلِكَ الْوَاقِعِ: فَهَذَا مِن الشِّرْكِ، وَهُوَ مِن جِنْسِ دِين النَّصَارَى. فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: أَنَا أَدْعُو الشَّيْخَ لِيَكُونَ شَفِيعًا لِي: فَهُوَ مِن جِنْسِ دُعَاءِ النَّصَارَى لِمَرْيَمَ وَالْأَحْبَارِ وَالرّهْبَانِ، وَالْمُؤْمِنُ يَرْجُو رَبَّهُ ويخَافُهُ وَيَدْعُوهُ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، وَحَقُّ شَيْخِهِ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ ويتَرَحَّمَ عَلَيْهِ. فَإِنْ زَعَمَ أَحَدٌ أَنَّ حَاجَتَهُ قُضِيَتْ بِمِثْل ذَلِكَ، وَأَنَّهُ مُثِّلَ لَهُ شَيْخُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ: فَعُبَّادُ الْكَوَاكِبِ وَالْأَصْنَامِ وَنَحْوُهُم مِن أَهْلِ الشِّرْكِ يَجْرِي لَهُم مِثْلُ هَذَا كَمَا قَد تَوَاتَرَ ذَلِكَ عَمَّن مَضَى مِن الْمُشْرِكِينَ وَعَن الْمُشْرِكِينَ فِي هَذَا الزَّمَانِ، فَلَوْلَا ذَلِكَ مَا عُبِدَت الْأَصْنَامُ وَنَحْوُهَا، قَالَ الْخَلِيلُ ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ

стр. 77

الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [ابراهيم: ٣٥، ٣٦] (١). [٢٧/ ٧٢ - ٩٠] ١١٣ - وَأَمَّا التَّمَسُّحُ بِقَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَتَقْبِيلُهُ فَكُلُّهُم كَرِهَ ذَلِكَ وَنَهَى عَنْهُ؛ وَذَلِكَ لِأنَّهُم عَلِمُوا مَا قَصَدَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِن حَسْمِ مَادَّةِ الشّرْكِ وَتَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ وَإِخْلَاصِ الدّينِ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. [٢٧/ ٨٠] ١١٤ - قَوْلُ الْقَائِلِ: انْقَضَتْ حَاجَتِي بِبَرَكَةِ اللهِ وَبَرَكَتِك: مُنْكَرٌ مِن الْقَوْلِ؛ فَإِنَّهُ لَا ئقْرَنُ باللهِ فِي مِثْل هَذَا غَيْرُهُ، حَتَّى إنَ قَائِلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْت فَقَالَ: "أَجَعَلْتَنى للهِ نِدًّا؟ بَل مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ" (٢). وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: "لَا تَقُولُوا مَا شَاءَ اللهُ وَشَاءَ مُحَمَّد، وَلَكِنْ قُولُوا مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ شَاءَ مُحَمَّدٌ" (٣). [٢٧/ ٩٥] ١١٥ - لَمْ يَكُن فِي الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةِ وَالْمَشَايِخِ الْمُتَقَدِّمِينَ مَن يَقُولُ: إنَّ الدُّعَاءَ مُسْتَجَابٌ عِنْدَ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ لَا مُطْلَقًا وَلَا مُعَيَّنًا، وَلَا فِيهِمْ مَن قَالَ: إنَّ دُعَاءَ الْإِنْسَانِ عِنْدَ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ أَفْضَلُ مِن دُعَائِهِ فِي غَيْرِ تِلْكَ الْبُقْعَةِ، وَلَا إنَّ الصَّلَاةَ فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ أَفْضَل مِن الصَّلَاةِ فِي غَيْرِهَا، وَلَا فِيهِمْ مَن كَانَ يَتَحَرَّى الدُّعَاءَ وَلَا الصَّلَاةَ عِنْدَ هَذِهِ الْقُبُورِ؛ بَل أَفْضَلُ الْخَلْقِ وَسَيِّدُهُم هُوَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلَيْسَ فِي الْأَرْضِ قَبْرٌ اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى أَنَّهُ قَبْرُ نَبِيِّ غَيْرَ قَبْرِهِ، وَقَد اخْتَلَفُوا فِي قَبْرِ الْخَلِيلِ وَغَيْرِهِ (٤) - وَاتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُسَلَّمُ عَلَيْهِ عِنْدَ زَيارَتهِ وَعَلَى صَاحِبَيْهِ. [٢٧/ ١١٦]

стр. 78

١١٦ - قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى أَنْ يَقِفَ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ ويدْعُوَ، وَلَكِنْ يُسَلِّمُ وَيَمْضِي. وَقَالَ أَيْضًا فِي "الْمَبْسُوطِ": لَا بَأْسَ لِمَن قَدِمَ مَن سَفَرٍ أَو خَرَجَ إلَى سَفَرٍ أَنْ يَقِفَ عَلَى قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ وَيَدْعُو لَهُ وَلأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ. فَقِيلَ لَهُ: فَإنَّ نَاسًا مِن أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَا يَقْدَمُونَ مِن سَفَرٍ وَلَا يُرِيدُونَهُ، يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي الْيَوْمِ مَرَّةً أَو أَكْثَرَ، وَرُبَّمَا وَقَفُوا فِي الْجُمْعَة أَو فِي الْيَوْمِ الْمَرَّةَ وَالْمَرَّتَيْنِ أَو أَكْثَرَ عِنْدَ الْقَبْرِ فَيُسَلِّمُونَ ويدْعُونَ سَاعَة. فَقَالَ: لَمْ يَبْلُغْنِي هَذَا عَن أَحَدٍ مِن أَهْلِ الْفِقْهِ بِبَلْدَتِنَا، وَلَا يُصْلِحُ آخِرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ إلَّا مَا أَصْلَحَ أَوَّلَهَا، وَلَمْ يَبْلُغْنِي عَن أَوَّلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَصَدْرِهَا أَنَّهُم كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إلَّا مَن جَاءَ مَن سَفَرٍ أَو أَرَادَهُ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: رَأَيْت أَهْلَ الْمَدِينَةِ إذَا خَرَجُوا مِنْهَا أَو دَخَلُوهَا أَتَوْا الْقَبْرَ وَسَلَّمُوا، قَالَ: وَذَلِكَ دَأبِي (١). فَهَذَا مَالِكٌ وَهُوَ أَعْلَمُ أَهْلِ زَمَانِهِ-؛ أَيْ: زَمَنِ تَاجِ التَّابِعِينَ بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ الَّذِينَ كَانَ أَهْلُهَا فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ أَعْلَمَ النَّاسِ بِمَا يُشْرَعُ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ يَكْرَهُونَ الْوُقُوفَ لِلدُّعَاءِ بَعْدَ السَّلَامِ عَلَيْهِ. وَبَيَّنَ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ هُوَ الدُّعَاءُ لَهُ وَلصَاحِبَيْهِ، وَهُوَ الْمَشْرُوعُ مِنَ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ. وَأَنَّ ذَلِكَ أَيْضًا لَا يُسْتَحَبُّ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ كُلَّ وَقْتٍ؛ بَل عِنْدَ الْقُدُومِ مِن

стр. 79

سَفَرٍ أَو إرَادَتِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَحِيَّةٌ لَهُ، وَالْمُحَيَّا لَا يُقْصَدُ بَيْتُهُ كُلَّ وَقْتٍ لِتَحِيَّتِهِ، بِخِلَافِ الْقَادِمَيْنِ مِن السَّفَرِ. [٢٧/ ١١٧ - ١١٨] ١١٧ - من الْمَعْلُومِ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ الدُّعَاءَ عِنْدَ الْقُبُورِ لَو كَانَ أَفْضَلَ مِن الدُّعَاءِ عِنْدَ غَيْرِهَا وَهُوَ أَحَبُّ إلَى اللهِ وأجوب: لَكَانَ السَّلَفُ أَعْلَمَ بِذَلِكَ مِن الْخَلَفِ، وَكَانوا أَسْرَعَ إلَيْهِ، فَإِنَّهُم كَانُوا أَعْلَمَ بِمَا يُحِبُّهُ اللهُ ويرْضَاهُ، وَأَسْبَقَ إلَى طَاعَتِهِ وَرِضَاهُ، وَلَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُبَيِّنُ ذَلِكَ وُيرَغِّبُ فِيهِ. [٢٧/ ١٢٣] ١١٨ - الْإِسْلَامُ دِينُ الرُّسُلِ كُلِّهِمْ أَوَّلهِمْ وَآخِرِهِمْ، وَكُلُّهُم بُعِثُوا بِالْإِسْلَامِ كَمَا قَالَ نُوحٌ ﵇ ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٩١]. [٢٧/ ١٤٩] ١١٩ - مَن اتَّخَذَ عَمَلًا مِن الْأَعْمَالِ عِبَادَةً وَدِينًا وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي الشَّرِيعَةِ وَاجِبًا وَلَا مُسْتَحَبًّا فَهُوَ ضَالٌّ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. وقَصْدُ الْقُبُورِ لِأجْلِ الدُّعَاءِ عِنْدَهَا رَجَاءَ الْإِجَابَةِ: هُوَ مِن هَذَا الْبَابِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِن الشَّرِيعَةِ: لَا وَاجِبًا وَلَا مُسْتَحَبًّا، فَلَا يَكُونُ دِينًا وَلَا حَسَنًا وَلَا طَاعَةً للهِ وَلَا مِمَّا يُحِبُّهُ اللهُ ويرْضَاهُ، وَلَا يَكُونُ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا قُرْبَةً، وَمَن جَعَلَهُ مِن هَذَا الْبَابِ فَهُوَ ضَالٌّ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. [٢٧/ ١٥٢] ١٢٠ - نَصَّ عَلَى النَّهْيِ عَن بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِن عُلَمَاءِ الْمَذَاهِبِ مِن أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد، وَمِن فُقَهَاءَ الْكُوفَةِ أَيْضًا، وَصَرَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُم بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ، وَهَذَا لَا ريبَ فِيهِ بَعْدَ لَعْنِ النَّبِيِّ ﷺ وَمُبَالَغَتِهِ فِي النَّهْيِ عَن ذَلِكَ. وَاتِّخَاذُهَا مَسَاجِدُ يَتَنَاوَلُ شَيْئَيْنِ: أ- أَنْ يَبْنِيَ عَلَيْهَا مَسْجِدًا. ب- أَو يُصَلِّيَ عِنْدَهَا مِن غَيْرِ بِنَاءٍ، وَهُوَ الَّذِي خَافَهُ هُوَ وَخَافَتْهُ الصَّحَابَةُ إذَا دَفَنُوهُ بَارِزًا: خَافُوا أَنْ يُصَلَّى عِنْدَهُ فَيُتَّخَذَ قَبْرُهُ مَسْجِدًا. [٢٧/ ١٦٠]

стр. 80

١٢١ - تَجُوزُ زَيارَةُ قَبْرِ الْكَافِرِ لِأَجْلِ الِاعْتِبَارِ دُونَ الِاسْتِغْفَارِ لَهُ .. وَأَمَّا زِيارَةُ الْقُبُورِ لِأَجْلِ الدُّعَاءِ عِنْدَهَا أَو التَّوَسُّلِ بِهَا أَو الِاسْتِشْفَاعِ بِهَا: فَهَذَا لَمْ تَأْتِ بِهِ الشَّرِيعَةُ أَصْلًا. [٢٧/ ١٦٥] ١٢٢ - السُّنَّةُ عِنْد الصَّحَابَةِ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ إذَا سَلَّمَ الْعَبْدُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَصَاحِبَيْهِ: أَنْ يَدْعُوَ اللهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، وَلَا يَدْعُوَ مُسْتَقْبِلَ الْحُجْرَةِ. وَالْحِكَايَةُ الَّتِي تُرْوَى فِي خِلَافِ ذَلِكَ عَن مَالِكٍ مَعَ الْمَنْصُورِ بَاطِلَةٌ لَا أَصْلَ لَهَا. وَلَمْ أَعْلَم الْأَئِمَّةَ تَنَازَعُوا فِي أَنَّ السُّنَّةَ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَقْتَ الدُّعَاءِ لَا اسْتِقْبَالُ الْقَبْرِ النَّبَوِيِّ. وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا وَقْتَ السَّلَامِ عَلَيْهِ، فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: يُسَلِّمُ عَلَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقَبْرِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُسَلِّمُ عَلَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ مُسْتَدْبِرَ الْقَبْرِ. فَإِذَا كَانَ الدُّعَاء فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَمَرَ الْأَئِمَّةُ فِيهِ بِاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، كَمَا رُوِيَ عَن الصَّحَابَة، وَكَرِهُوا اسْتِقْبَالَ الْقَبْرِ، فَمَا الظَّنُّ بِقَبْرِ غَيْرِهِ؟ وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ لَك أَنَّ قَصْدَ الدُّعَاءِ عِنْدَ الْقُبُورِ: لَيْسَ مِن دِينِ الْمُسْلِمِينَ. وَمَن ذَكَرَ شَيْئًا يُخَالِفُ هَذَا مِن الْمُصَنِّفِينَ فِي الْمَنَاسِكِ أَو غَيْرِهَا فَلَا حُجَّةَ مَعَهُ بِذَلِكَ وَلَا مَعَهُ نَقْلٌ عَن إمَامٍ مَتْبُوعٍ. وَلَمْ يَكُن فِي الْعُصُورِ الْمُفَضَّلَةِ مَشَاهِدُ عَلَى الْقُبُورِ، وَإِنَّمَا ظَهَرَ ذَلِكَ وَكَثُرَ فِي دَوْلَةِ بَنِي بويه؛ لَمَّا ظَهَرَت الْقَرَامِطَةُ بِأَرْضِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ كَانَ بِهَا زَنَادِقَةٌ كُفَّارٌ مَقْصُودُهُم تَبْدِيلُ دِينِ الْإِسْلَامِ، وَكَانَ فِي بَنِي بويه مِن الْمُوَافِقَةِ لَهُم عَلَى بَعْضِ ذَلِكَ، وَمِن بِدَعِ الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالرَّافِضَةِ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ لِأَهْلِ الْعِلْمِ فَبَنَوْا الْمَشَاهِدَ الْمَكذُوبَةَ "كَمَشْهَدِ عَلِيٍّ" ﵁ وَأَمْثَالِهِ. وَصَنَّفَ أَهْلُ الْفِرْيَةِ الْأَحَادِيثَ فِي زِيَارَةِ الْمَشَاهِدِ وَالصَّلَاةِ عِنْدَهَا وَالدُّعَاءِ عِنْدَهَا وَمَا يُشْبِهُ ذَلِكَ، فَصَارَ هَؤُلَاءِ الزَّنَادِقَةُ وَأَهْلُ الْبِدَعِ الْمُتَّبِعُونَ لَهُم يُعَظِّمُونَ

стр. 81

الْمَشَاهِدَ ويُهِينُونَ الْمَسَاجِدَ، وَذَلِكَ: ضِدُّ دِينِ الْمُسْلِمِينَ، وَيسْتَتِرُونَ بِالتَّشَيُّعِ. [٢٧/ ١٦٦ - ١٦٨] ١٢٣ - عَامَّةُ الْقُبُورِ الَّتِي بُنِيَتْ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدُ إمَّا مَشْكُوكٌ فِيهَا وَإِمَّا مُتَيَقَّنٌ كَذِبُهَا. [٢٧/ ١٧٠] ١٢٤ - إذَا قُضِيَتْ حَاجَةُ مُسْلِمٍ وَكَانَ قَد دَعَا دَعْوَةً عِنْدَ قَبْرِهِ: فَمِن أَيْنَ لَهُ أَنَّ لِذَلِكَ الْقَبْرِ تَأْثِيرًا فِي تِلْكَ الْحَاجَةِ؟. ثُمَّ تِلْكَ الْحَاجَةُ: أ- إمَّا أَنْ تَكُونَ قَد قُضِيَتْ بِغَيْرِ دُعَائِهِ. ب- وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ قُضِيَتْ بِدُعَائِهِ. فَإِنْ كَانَ: الْأَوَلَ فَلَا كَلَامَ. وَإِن كَانَ الثَّانِيَ: فَيَكُونُ قَد اجْتَهَدَ فِي الدُّعَاءِ اجْتِهَادًا لَو اجتهده فِي غَيْرِ تِلْكَ الْبُقْعَةِ أَو عِنْدَ الصَّلِيبِ لَقُضِيَتْ حَاجَتُهُ؛ فَالسَّبَبُ هُوَ اجْتِهَادُهُ فِي الدُّعَاءِ لَا خُصُوصُ الْقَبْرِ. [٢٧/ ١٧٦ - ١٧٧] ١٢٥ - مَن ظَنَّ فِي عُبَّادِ الْأَصْنَامِ أَنَّهُم كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهَا تَخْلُقُ الْعَالَمَ، أَو أَنَّهَا تُنَزِّلُ الْمَطَرَ، أَو تُنْبِتُ الثَّبَاتَ، أَو تَخْلُقُ الْحَيَوَانَ أَو غَيْرَ ذَلِكَ: فَهُوَ جَاهِل بِهِم؛ بَل كَانَ قَصْدُ عُبَّادِ الْأَوْثَانِ لِأَوْثَانِهِمْ مِن جِنْسِ قَصْدِ الْمُشْرِكِينَ بِالْقُبُورِ لِلْقُبُورِ الْمُعَظَّمَةِ عِنْدَهُمْ، وَقَصْدِ النَّصَارَى لِقُبُورِ الْقِدّيسِينَ يَتَّخِذُونَهُم شُفَعَاءَ وَوَسَائِطَ وَوَسَائِلَ. [٢٧/ ١٧٨] ١٢٦ - الشِّرْكُ كَمَا قُرِنَ بِالْكَذِبِ قُرِنَ بِالسِّحْرِ فِي مِثْل قَوْله تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١] وَالْجِبْتُ: السِّحْرُ، وَالطَّاغُوتُ: الشَّيْطَانُ وَالْوَثَنُ. وَهَذِهِ حَالُ كَثِيرٍ مِن الْمُنْتَسِبينَ إلَى الْمِلَّةِ يُعَظِّمُونَ السِّحْرَ وَالشِّرْكَ، وُيرَجِّحُونَ الْكُفَّارَ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَمَسِّكِينَ بِالشَّرِيعَةِ. [٢٧/ ١٧٨ - ١٧٩]

стр. 82

١٢٧ - أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ السَّاحِرَ كَافِرٌ يَجِبُ قَتْلُهُ، وَقَد ثَبَتَ قَتْلُ السَّاحِرِ عَن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعُثْمَانَ بْنِ عفان، وَحَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، وَجُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا عَنْهُ عَن النَّبِيِّ ﷺ . [٢٩/ ٣٨٤]

стр. 83

مفصل الاعتقاد (موت الملائكة في الأرض) ١٢٨ - ما ذكر من نزول الملائكة إلى الأرض وأنهم يعبدون الله فيها ويموتون فيها لا أصل لذلك. [المستدرك ١/ ٨٧] ١٢٩ - الصواب الذي عليه المحققون أن الخضر ﵇ ميت لم يدرك الإسلام. [المستدرك ١/ ٨٧] * * * (الساعة الصغرى، والساعة الكبرى، وأدلتها، وعلاماتها، وأصناف الناس في الإقرار بها) ١٣٠ - فصل في الأحاديث التي سئل عنها رسول الله ﷺ عن الساعة فقال: "إن يعش هذا الغلام فلن يدركه الهرم حتى تقوم الساعة" (١) المراد بذلك "ساعة القرن" وهي موتهم؛ فإن في "الصحيحين" (٢) عن عائشة ﵂ قالت: كان الأعراب إذا قدموا على رسول الله ﷺ سألوه متى الساعة؟ فينظر إلى أحدث إنسان منهم فيقول: "إن يعش هذا الغلام لم يدركه الهرم حتى تقوم عليكم ساعتكم". قال هشام: يعني موتهم فهذا يبين تلك الأحاديث. وقد يراد بالقيامة الموت، وأن من مات فقد قامت قيامته.

стр. 84

وليس واحد من هذين النوعين منافيًا لما أخبر الله به من "القيامة الكبرى" التي يقوم فيها الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة بعد أن تعاد الأرواح إلى الأجساد. [المستدرك ١/ ٨٧ - ٨٨] ١٣١ - الذي عليه السلف أن الروح التي تقبض بالموت ليست هي البدن ولا جزء منه ولا صفة من صفاته؛ بل هي جوهر قائم بنفسه. [المستدرك ١/ ٩٢] ١٣٢ - الإنسان منذ تفارق روحه بدنه هو إما في نعيم وإما في عذاب، فلا يتأخر النعيم والعذاب عن النفوس إلى حين القيامة العامة، وإن كان كماله حينئذ، ولا تبقى النفوس المفارقة لأبدانها خارجة عن النعيم والعذاب ألوفًا من السنين إلى أن تقوم القيامة الكبرى. [المستدرك ١/ ٩٢ - ٩٣] * * *

стр. 85

الولاء والبراء ١٣٣ - مِن جِنْسِ مُوَالَاةِ الْكُفَّارِ الَّتِي ذَمَّ اللهُ بِهَا أَهْلَ الْكِتَابِ وَالْمُنَافِقِينَ: الْإِيمَانُ بِبَعْضِ مَا هُم عَلَيْهِ مِن الْكُفْرِ أَو التَّحَاكُم إلَيْهِم دُونَ كِتَاب اللهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١)﴾ [النساء: ٥١] وَقَد عُرِفَ أَنَّ سَبَبَ نُزُولهَا شَأْنُ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ -أَحَدِ رُؤَسَاءِ الْيَهُودِ- لَمَّا ذَهَبَ إلَى الْمُشْرِكِينَ وَرَجَّحَ دِينَهُم عَلَى دِينِ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ. وَالطَّاغُوتُ: فعلوت مِن الطُّغْيَانِ، كَمَا أَنَّ الْمَلَكُوتَ فعلوت مِن الْمُلْك، وَالرَّحَمُوتُ وَالرَّهَبُوتُ والرغبوت: فعلوت مِن الرَّحْمَةِ وَالرَّهْبَة وَالرَّغْبَة. وَالطُّغْيَانُ: مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ، وَهُوَ الظُّلْمُ وَالْبَغْيُ، فَالْمَعْبُودُ مِن دُونِ اللهِ إذَا لَمْ يَكُن كَارِهًا لِذَلِكَ: طَاغُوتٌ؛ ولهَذَا سَمَّى النَّبِيُّ ﷺ الْأَصْنَامَ طَوَاغِيتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ لَمَّا قَالَ: "وَيتَّبعُ مَن يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ: الطَّوَاغِيتَ" (١). وَالْمُطَاعُ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، وَالْمُطَاعُ فِي اتِّبَاعِ غَيْرِ الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ- سَوَاءٌ كَانَ مَقْبُولًا خَبَرُهُ الْمُخَالِفُ لِكِتَابِ اللهِ أَو مُطَاعًا أَمْرُهُ الْمُخَالِفُ لِأمْرِ اللهِ- هُوَ طَاغُوتٌ؛ وَلهَذَا سُمِّيَ مَن تحُوكِمَ إلَيْهِ مَن حَاكَمَ بِغَيْرِ كِتَابِ اللهِ: طَاغُوتٌ، وَسَمَّى اللهُ فِرْعَوْنَ وَعَادًا طُغَاةً، وَقَالَ فِي صَيْحَةِ ثَمُودَ: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥]. فَمَن كَانَ مِن هَذ الْأُمَّةِ مُوَالِيًا لِلْكُفَّارِ مِن الْمُشْرِكِينَ أَو أَهْلِ الْكِتَابِ بِبَعْضِ

стр. 86

أَنْوَاعِ الْمُوَالَاةِ وَنَحْوِهَا: مِثْل إتْيَانِهِ أَهْلَ الْبَاطِل وَاتِّبَاعِهِمْ فِي شَيءٍ مِن مَقَالِهِمْ وَفِعَالِهِم الْبَاطِلَ: كَانَ لَهُ مِن الذَّمّ وَالْعِقَابِ وَالنِّفَاقِ بِحَسَبِ ذَلِكَ. [٢٨/ ١٩٩ - ٢٠١] ١٣٤ - لْيَعْتَبِر الْمُعْتَبِرُ بِسِيرَةِ نُورِ الدِّينِ وَصَلَاحِ الدِّينِ ثُمَّ الْعَادِلِ كَيْفَ مَكَّنَهُم اللهُ وَأَيَّدَهُمْ، وَفَتَحَ لَهُم الْبِلَادَ وَأَذَلَّ لَهُم الْأَعْدَاءَ لَمَّا قَامُوا مِن ذَلِكَ بِمَا قَامُوا بِهِ (١). وَلْيَعْتَبِرْ بِسِيرَةِ مَن وَالَى النَّصَارَى كَيْفَ أَذَلَّهُ الله تَعَالَى وَكَبَتَهُ. [٢٨/ ٦٤٣] ١٣٥ - الْمُسْلِمُونَ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا قُلُوبُهُم وَاحِدَةٌ، مُوَالِيَةٌ للهِ وَلرَسُولِهِ وَلعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، مُعَادِيَةٌ لِأَعْدَاءِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَأَعْدَاءِ عِبَادِهِ الْمُؤمِنِينَ، وَقُلُوبُهُم الصَّادِقَةُ وَأَدْعِيَتُهُم الصَّالِحَةُ هِيَ الْعَسْكَرُ الَّذِي لَا يُغْلَبُ، وَالْجُنْدُ الَّذِي لَا يُخْذَلُ، فَإِنَّهُم هُم الطَّائِفَةُ الْمَنْصُورَةُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَمَا أَخْبَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . [٢٨/ ٦٤٤] ١٣٦ - أَصْلُ الْوِلَايَةِ: الْحُبُّ، وَأَصْلُ الْعَدَاوَةِ: الْبُغْضُ. [٦/ ٤٧٨] * * *

стр. 87

كتاب توحيد الألوهية ١٣٧ - "الإله": هو الذي تألهه القلوب: بكمال المحبة، والتعظيم، والإجلال، والرجا والخوف. [المستدرك ١/ ١٥] ١٣٨ - "الخليلان": هم أكمل خاصة الخاصة توحيدًا. وكمال هذا التوحيد هو أن لا يبقى في القلب شيء لغير الله أصلًا؛ بل يبقى العبد مواليا لربه في كل شيء: يحب من أحب وما أحب، ويبغض ما أبغض وما أبغض، ويوالي من يوالي، ويعادي من يعادي، ويأمر بما يأمر به، وينهى عما نهى عنه. [المستدرك ١/ ١٥] ١٣٩ - بِمُحَمَّدٍ ﷺ تَبَيَّنَ الْكَفْرُ مِن الْإِيمَانِ، وَالرِّبْحُ مِن الْخُسْرَانِ، وَالْهُدَى مِن الضَّلَالِ، وَالنَّجَاةُ مِن الْوَبَالِ، وَالْغَيُّ مِن الرَّشَادِ، وَالزَّيْغُ مِن السَّدَادِ، وَأَهْلُ الْجَنَّةِ مِن أَهْلِ النَّارِ، وَالْمُتَّقُونَ مِن الْفُجَّارِ. فَالنُّفُوسُ أَحْوَجُ إلَى مَعْرِفَةِ مَا جَاءَ بِهِ مِنْهَا إلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ؛ فَإِنَّ هَذَا إذَا فَاتَ حَصَلَ الْمَوْتُ فِي الدُّنْيَا، وَذَاكَ إذَا فَاتَ حَصَلَ الْعَذَابُ. فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ بَذْلُ جُهْدِهِ وَاسْتِطَاعَتِهِ فِي مَعْرِفَةِ مَا جَاءَ بِهِ وَطَاعَتِه؛ إذ هَذَا طَرِيقُ النَّجَاةِ مِن الْعَذَابِ الْأَلِيمِ، وَالسَّعَادَةِ فِي دَارِ النَّعِيمِ، وَالطَّرِيقُ إلَى ذَلِكَ الرِّوَايَةُ وَالنَّقْلُ، إذ لَا يَكْفِي مِن ذَلِكَ مُجَرَّدُ الْعَقْلِ؛ بَل كَمَا أَنَّ نُورَ الْعَيْنِ لَا يَرَى إلَّا مَعَ ظُهُورِ نُورٍ قُدَّامَهُ، فَكَذَلِكَ نُورُ الْعَقْلِ لَا يَهْتَدِي إلَّا إذَا طَلَعَتْ عَلَيْهِ شَمْسُ الرِّسَالَةِ، فَلِهَذَا كَانَ تَبْلِيغُ الدِّينِ مِن أَعْظَمِ فَرَائِضِ الْإِسْلَامِ، وَكَانَ مَعْرِفَةُ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ رَسُولَهُ وَاجِبًا عَلَى جَمِيعِ الْأَنَامِ. [١/ ٥ - ٦]

стр. 88

١٤٠ - لَمَّا كَانَ الْقُرْآنُ مُتَمَيِّزا بِنَفْسِهِ- لِمَا خَصَّهُ اللهُ بِهِ مِن الْإِعْجَازِ الَّذِي بَايَنَ بِهِ كَلَامَ النَّاسِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الاسراء: ٨٨]، وَكَانَ مَنْقُولًا بِالتَّوَاتُرِ-: لَمْ يَطْمَعْ أَحَدٌ فِي تَغْيِيرِ شَيْءٍ مِن أَلْفَاظِهِ وَحُرُوفِهِ (١)، وَلَكِنْ طَمِعَ الشَّيْطَانُ أَنْ يُدْخِلَ التَّحْرِيفَ وَالتَّبْدِيلَ فِي مَعَانِيهِ بِالتَّغْيِيرِ وَالتَّأوِيلِ، وَطَمِعَ أَنْ يُدْخِلَ فِي الْأَحَادِيثِ مِن النَّقْصِ وَالِازْدِيَادِ، مَا يُضِلُّ بِهِ بَعْضَ الْعِبَادِ، فَأَقَامَ اللهُ تَعَالَى الْجَهَابِذَةَ النُّقَّادَ أَهْلَ الْهُدَى وَالسَّدَادِ، فَدَحَرُوا حِزْبَ الشَّيْطَانِ، وَفَرَّقُوا بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبُهْتَانِ، وَانْتُدِبُوا لِحِفْظِ السُّنَّةِ وَمَعَانِي الْقُرْآنِ مِن الزِّيَادَةِ فِي ذَلِكَ وَالنُّقْصَانِ. [١/ ٧] ١٤١ - مَن كَانَ مُخْلِصًا فِي أَعْمَالِ الذينِ يَعْمَلُهَا للهِ: كَانَ مِن أَوْليَاءِ اللهِ الْمُتَّقِينَ أَهْلِ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ. [١/ ٨] ١٤٢ - قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤]، وَقَد فَسَّرَ النَّبِيّ ﷺ الْبُشْرَى فِي الدُّنْيَا بِنَوْعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: ثنَاءُ الْمُثْنِينَ عَلَيْهِ. الثَّانِي: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَو ترَى لَهُ. فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ الرَّجُلُ يَعْمَلُ الْعَمَلَ لِنَفْسِهِ فَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: "تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ" (٢). وَقَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ: سُئِلَ النَّبِي ﷺ عَن قَوْلِهِ: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٦٤]، فَقَالَ: "هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَو تُرَى لَهُ" (٣). [١/ ٨]

стр. 89

١٤٣ - الْقَائِمُونَ بِحِفْظِ الْعِلْم الْمَوْرُوثِ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ ، الرُّبَّانُ الْحَافِظُونَ لَهُ مِن الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ: هُم مِن أَعْظَمِ أَوْليَاءِ اللهِ الْمُتَّقِينَ، وَحِزْبِهِ الْمُفْلِحِينَ؛ بَل لَهُم مَزِيَّةٌ عَلَى غَيْرِهِمْ مِن أَهْلِ الْإِيمَانِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] (١). [١/ ٨ - ٩] ١٤٤ - قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]. وَأَهْلُ الْعِلْمِ الْمَأثُورِ عَن الرَّسُولِ ﷺ أَعْظَمُ النَّاسِ قِيَامًا بِهَذ الْأُصُولِ، لَا تَأْخُذُ أَحَدَهُم فِي اللهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، وَلَا يَصُدُّهُم عَن سَبِيلِ اللهِ الْعَظَائِمُ؛ بَل يَتَكلَّمُ أَحَدُهُم بِالْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ، وَيَتَكَلَّمُ فِي أَحَبّ النَّاسِ إلَيْهِ، عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥]. [١/ ١٠] ١٤٥ - نَجِدُ كَثِيرًا مِن الْمُتَفَقِّهَةِ وَالْمُتَعَبِّدَةِ إنَّمَا هِمَّتُهُ طَهَارَة الْبَدَنِ فَقَطْ، ويزِيدُ فِيهَا عَلَى الْمَشْرُوعِ اهْتِمَامًا وَعَمَلًا، ويتْرُكُ مِن طَهَارَةِ الْقَلْبِ مَا أُمِرَ بِهِ إيجَابًا أَو اسْتِحْبَابًا، وَلَا يَفْهَمُ مِن الطَّهَارَةِ إلَّا ذَلِكَ، وَنَجِدُ كَثِيرًا مِن الْمُتَصَوِّفَةِ وَالْمُتَفَقِّرَةِ إنَّمَا هِمَّتْهُ طِهَارَةُ الْقَلْبِ فَقَطْ، حَتَّى يَزِيدَ فِيهَا عَلَى الْمَشْرُوعِ اهْتِمَامًا وَعَمَلًا، وَيتْرُكُ مِن طَهَارَةِ الْبَدَنِ مَا أُمِرَ بِهِ إيجَابًا أَو اسْتِحْبَابًا. فَالْأوَّلُونَ: يَخْرُجُونَ إلَى الْوَسْوَسَةِ الْمَذْمُومَةِ فِي كَثْرَةِ صَبِّ الْمَاءِ، وَتَنْجِيسِ مَا لَيْسَ بِنَجِس، وَاجْتِنَابِ مَا لَا يُشْرَعُ اجْتِنَابُهُ، مَعَ اشْتِمَالِ قُلُوبِهِم عَلَى أَنْوَاعٍ مِن الْحَسَدِ وَالْكِبْرِ وَالْغِلِّ لِإِخْوَانِهِمْ، وَفِي ذَلِكَ مُشَابَهَةٌ بَيِّنَةٌ لِلْيَهُودِ. وَالْآحرُونَ: يَخْرُجُونَ إلَى الْغَفْلَةِ الْمَذْمُومَةِ، فَيُبَالِغُونَ فِي سَلَامَةِ الْبَاطِنِ،

стр. 90

حَتَّى يَجْعَلُونَ الْجَهْلَ بِمَا تَجِبُ مَعْرِفَتُهُ مِن الشَّرِّ -الَّذِي يَجِبُ اتِّقَاؤُهُ-: مِن سَلَامَةِ الْبَاطِنِ (١). ثُمَّ مَعَ هَذَا الْجَهْلِ وَالْغَفْلَةِ قَد لَا يَجْتَنِبُونَ النَّجَاسَاتِ، وَيُقِيمُونَ الطّهَارَةَ الْوَاجِبَةَ مُضَاهَاةً لِلنَّصَارَى. [١/ ١٥ - ١٦] ١٤٦ - نَتِيجَةُ الْجَمَاعَةِ: رَحْمَةُ اللهِ وَرِضْوَانُهُ وَصَلَوَاتُهُ، وَسَعَادَةُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَبَيَاضُ الْوُجُوهِ. وَنَتِيجَةُ الْفُرْقَةِ: عَذَابُ اللهِ وَلَعْنَتُهُ، وَسَوَادُ الْوُجُوهِ، وَبَرَاءَةُ الرَّسُولِ ﷺ مِنْهُمْ. [١/ ١٧] ١٤٧ - قَالَ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ فِي السُّنَنِ مِن رِوَايَةِ فَقِيهَي الصَّحَابَةِ: عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: "ثَلَاثٌ لَا يَغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إخْلَاصُ الْعَمَلِ للهِ، وَمُنَاصَحَةُ وُلَاةِ الْأَمْرِ، وَلُزومُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّ دَعْوَتَهُم تُحِيطُ مِن وَرَائِهِمْ" (٢)، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَحْفُوظِ: "إنَّ اللهَ يَرْضَا لَكُمْ ثَلَاثًا: أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَأَنْ تُنَاصِحُوا مَن وَلَّاهُ اللهُ أَمْرَكمْ" (٣). فَقَد جَمَعَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ بَيْنَ الْخِصَالِ الثلَاثِ: أ- إخْلَاصِ الْعَمَلِ للهِ. ب- وَمُنَاصَحَةِ أُولي الْأَمْرِ. ت- وَلُزومِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ.

стр. 91

وَهَذِهِ الثَّلَاثُ: أ- تَجْمَعُ أُصُولَ الدِّينِ وَقَوَاعِدَهُ. ب- وَتَجْمَعُ الْحُقُوقَ الَّتِي للهِ وَلعِبَادِهِ. ت- وَتَنْتَظِمُ مَصَالِحَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَبَيَانُ ذَلِكَ: أَنَّ الْحُقُوقَ قِسْمَانِ: أ- حَقٌّ للهِ. ب- وَحَقٌّ لِعِبَادِهِ. فَحَقُّ اللهِ: أَنْ نَعْبُدَهُ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، كَمَا جَاءَ لَفْظُهُ فِي أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ، وَهَذَا مَعْنَى إخْلَاصِ الْعَمَلِ للهِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ. وَحُقُوقُ الْعِبَادِ قِسْمَانِ: أ- خَاصٌّ. ب- وَعَامٌّ. أَمَّا الْخَاصُّ: فَمِثْلُ بِرِّ كُلِّ إنْسَانٍ وَالِدَيْهِ، وَحَقِّ زَوْجَتِهِ وَجَارِهِ، فَهَذِهِ مِن فُرُوعِ الدِّينِ: - لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ قَد يَخْلُو عَن وُجُوبِهَا عَلَيْهِ. - وَلِأَنَّ مَصْلَحَتَهَا خَاصَّةٌ فَرْدِيَّةٌ. وَأَمَّا الْحُقُوقُ الْعَامَّةُ فَالنَّاسُ نَوْعَانِ: أ- رُعَاةٌ. ب- وَرَعِيَّةٌ. فَحُقُوقُ الرُّعَاةِ: مُنَاصَحَتُهُمْ. وَحُقُوقُ الرَّعِيَّةِ: لُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ؛ فَإنَّ مَصْلَحَتَهُم لَا تَتِمُّ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ،

стр. 92

وَهُم لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى ضَلَالَةٍ؛ بَل مَصْلَحَةُ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُم فِي اجْتِمَاعِهِمْ وَاعْتِصَامِهِمْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا. فَهَذِهِ الْخِصَالُ تَجْمَعُ أصُولَ الدِّينِ. وَقَد جَاءَت مُفَسَّرَةً فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١) عَن تَمِيمٍ الداري قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الدِّينُ النَّصِيحَةُ الدِّينُ النَّصِيحَةُ الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قَالُوا: لِمَن يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: للهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ". فَالنَّصِيحَةُ للهِ وَلكِتَابِهِ وَلرَسُولِهِ: تَدْخُلُ فِي حَقِّ اللهِ وَعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. وَالنَّصِيحَةُ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ: هِيَ مُنَاصَحَةُ وُلَاةِ الْأَمْرِ وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ؛ فَإِنَّ لُزُومَ جَمَاعَتِهِمْ هِيَ نَصيحَتُهُم الْعَامَّةُ، وَأَمَّا النَّصِيحَةُ الْخَاصَّةُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُم بِعَيْنِهِ، فَهَذِهِ يُمْكِنُ بَعْضُهَا، ويتَعَذَّرُ اسْتِيعَابُهَا عَلَى سَبِيلِ التَّعْيِينِ. [١/ ١٨ - ١٩] ١٤٨ - لَا بُدَّ لِلنَّفْسِ مِن شَيْءٍ تَطْمَئِنُّ إلَيْهِ وَتَنْتَهِي إلَيْهِ مَحَبَّتُهَا وَهُوَ إلَهُهَا، وَلَا بُدَّ لَهَا مِن شَيْءٍ تَثِقُ بِهِ وَتَعْتَمِدُ عَلَيْهِ فِي نَيْلِ مَطْلُوبِهَا هُوَ مُسْتَعَانُهَا، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ هُوَ اللهُ أَو غَيْرُهُ. وَإِذًا فَقَد يَكُونُ عَامًّا وَهُوَ الْكفْرُ؛ كَمَن عَبَدَ غَيْرَ اللهِ مُطْلَقًا، وَسَأَلَ غَيْرَ اللهِ مُطْلَقًا. وَقَد يَكُونُ خَاصًّا فِي الْمُسْلِمِينَ؛ مِثْل مَن غَلَبَ عَلَيْهِ حُبُّ الْمَالِ أَو حُبُّ شَخْصٍ أَو حَبُّ الرِّيَاسَةِ حَتَّى صَارَ عَبْدَ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ مَن غَلَبَ عَلَيْهِ الثِّقَةُ بِجَاهِهِ وَمَالِهِ؛ بِحَيْثُ يَكُونُ عِنْدَهُ مَخْدُومُهُ مِن الرُّؤَسَاءِ وَنَحْوِهِمْ، أَو خَادِمُهُ مِن الْأَعْوَانِ وَالْأَجْنَادِ وَنَحْوِهِمْ، أَو أَصْدِقَاؤُه أَو

стр. 93

أَمْوَالِهِ: هِيَ الَّتِي تَجْلِبُ الْمَنْفَعَةَ الْفُلَانِيَّةَ، وَتَدْفَعُ الْمَضَرَّةَ الْفُلَانِيَّةَ، فَهُوَ مُعْتَمِدٌ عَلَيْهَا وَمُسْتَعِينٌ بِهَا، وَالْمُسْتَعَانُ هُوَ مَدْعُوٌّ وَمَسْؤُولٌ. فَإِذَا عُلِمَ أَنَّ الْعَبْدَ لَا بُدَّ لَهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَحَالٍ مِن مُنْتَهًى يَطْلُبُهُ هُوَ إلَهُهُ، وَمُنْتَهَى يُطْلَبُ مِنْهُ هُوَ مُسْتَعَاُنهُ -وَذَلِكَ هُوَ صَمَدُهُ الَّذِي يَصْمُدُ إلَيْهِ فِي اسْتِعَانَتِهِ وَعِبَادَتِهِ-: تَبَيَّنَ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥] كَلَامٌ جَامِعٌ مُحِيطٌ أَوَّلًا وَآخِرًا لَا يَخْرُجُ عَنْهُ شَيْءٌ، فَصَارَت الْأقْسَامُ أَرْبَعَةً: أ- إمَّا أَنْ يَعْبُدَ غَيْرَ اللهِ وَيسْتَعِينَهُ (١) -وَإِن كَانَ مُسْلِمًا- فَالشِّرْكُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ أَخْفَى مِن دَبِيبِ النَّمْلِ. ب- وَإِمَّا أَنْ يَعْبُدَهُ وَيسْتَعِينَ غَيْرَهُ؛ مِثْلُ كَثِيرٍ مِن أَهْلِ الدِّينِ، يَقْصِدُونَ طَاعَةَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَعِبَادَتَهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَتَخْضَعُ قُلُوبُهُم لِمَن يَسْتَشْعِرُونَ نَصْرَهُم وَرِزْقَهُم وَهِدَايَتَهُم مِن جِهَتِهِ مِن الْمُلُوكِ وَالْأغْنِيَاءِ وَالْمَشَايِخِ (٢). ج- وَإِمَّا أَنْ يَسْتَعِينَهُ -وَإِن عَبَدَ غَيْرَهُ-؛ مِثْلُ كَثِيرٍ مِن ذَوِي الْأَحْوَالِ وَذَوِي الْقُدْرَةِ وَذَوِي السُّلْطَانِ الْبَاطِنِ أَو الظَّاهِرِ، وَأَهْلِ الْكَشْفِ وَالتَّأْثِيرِ، الَّذِينَ يَسْتَعِينُونَهُ وَيَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ وَيسْأَلُونَهُ وَيَلْجَئُونَ إلَيْهِ، لَكِنَّ مَقْصُودَهُم غَيْرُ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ، وَغَيْرُ اتِّبَاعِ دِينِهِ وَشَرِيعَتِهِ الَّتِي بَعَثَ اللهُ بِهَا رَسُولَهُ. د- وَالْقِسْمُ الرَّابعُ: الَّذِينَ لَا يَعْبُدُونَ إلَّا إيَّاهُ؛ وَلَا يَسْتَعِينُونَ إلَّا بِهِ (٣). [١/ ٣٥ - ٣٦]

стр. 94

١٤٩ - أَعْظَمُ مَا يَكون الْعَبْدُ قَدْرًا وَحُرْمَةً عِنْدَ الْخَلْقِ: إذَا لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِم بِوَجْه مِن الْوُجُوهِ، فَإِنْ أَحْسَنْتَ إلَيْهِم مَعَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُم: كُنْتَ أَعْظَمَ مَا يَكُونُ عِنْدَهُم، وَمَتَى احْتَجْتَ إلَيْهِم -وَلَو فِي شَرْبَةِ مَاءٍ- نَقَصَ قَدْرُكَ عِنْدَهُم بِقَدْرِ حَاجَتِكَ إلَيْهِم، وَهَذَا مِن حِكْمَةِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ؛ لِيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ وَلَا يُشْرَكُ بِهِ شَيْءٌ. فَالرَّبُّ سُبْحَانَهُ أَكْرَمُ مَا تَكُونُ عَلَيْهِ: أَحْوَجُ مَا تَكُونُ إلَيْهِ، وَأَفْقَرُ مَا تَكُونُ إلَيْهِ. وَالْخَلْقُ أَهْوَنُ مَا يَكُونُ عَلَيْهِمْ: أَحْوَجُ مَا يَكُونُ إلَيْهِمْ. [١/ ٣٩ - ٤٠] ١٥٠ - أَقْرِبَاؤُكَ وَأَصْدِقَاؤُكَ وَغَيْرُهُم إذَا أَكْرَمُوكَ لِنَفْسِكَ: فَهُم إنَّمَا يُحِبُّونَكَ وَيُكْرِمُونَكَ لِمَا يَحْصُل لَهُم بِنَفْسِكَ مِن الْكَرَامَةِ، فَلَو قَد وَلَّيْتَ وَلُّوا عَنْكَ وَتَرَكُوكَ، فَهُم فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا يُحِبُّونَ أَنْفُسَهُم وَأَغْرَاضَهُمْ. [١/ ٤١] ١٥١ - قَوْله تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣]، ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ الْآيَةَ [الرعد: ١٥]، وَقَالَ: ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦]، لَيْسَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ مُجَرَّدَ كَوْنِهِمْ مَخْلُوقِينَ مُدَبَّرِينَ مَقْهُورِينَ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ وَالْقُدْرَةِ؛ فَإِنَّ هَذَا لَا يُقَالُ طَوْعًا وَكَرْهًا، فَإِنَّ الطَّوْعَ وَالْكَرْهَ إنَّمَا يَكُونُ لِمَا يَفْعَلُهُ الْفَاعِل طَوْعًا وَكَرْهًا، فَأَمَّا مَا لَا فِعْلَ لَهُ فِيهِ فَلَا يُقَالُ لَهُ سَاجِدٌ، أو قَانِتٌ؛ بَل وَلَا مُسْلِمٌ؛ بَل الْجَمِيعُ مُقِرُّونَ بِالصَّانِعِ بِفِطْرَتِهِمْ، وَهُم خَاضِعُونَ مُسْتَسْلِمُونَ قَانِتُونَ مُضْطَرُّونَ مِن وُجُوهٍ: أ- مِنْهَا: عِلْمُهُم بِحَاجَتِهِمْ وَضَرُورَتِهِمْ إلَيْهِ. ب- وَمِنْهَا: دعَاؤُهُم إيَّاهُ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ. ت- وَمِنْها: خُضُوعُهُم وَاسْتِسْلَامُهُم لِمَا يَجْرِي عَلَيْهِم مِن أَقْدَارِهِ وَمَشِيئَتِهِ.

стр. 95

وَالصَّوَابُ أَنَّ الْأَشْيَاءَ مُفْتَقِرَةٌ إلَى الْخَالِقِ لِذَوَاتِهَا، لَا لِأَمْر آخَرَ جَعَلَهَا مُفْتَقِرَةً إلَيْهِ؛ بَل فَقْرُهَا لَازِمٌ لَهَا، لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ غَيْرَ مُفْتَقِرَةٍ إلَيْهِ، كَمَا أَنَّ غِنَى الرَّبِّ وَصْفٌ لَازِمٌ لَهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ غَنِيِّ، فَهُوَ غَنِيٌّ بِنَفْسِهِ لَا بِوَصْف جَعَلَهُ غَنِيًّا. وَمَا أَثْبَتَهُ الْقُرْآنُ مِن اسْتِسْلَامِ الْمَخْلُوقَاتِ وَسُجُودِهَا وَتَسْبِيحِهَا وَقُنُوتِهَا أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى هَذَا عِنْدَ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ مِن السَّلَفِ وَجُمْهُورِ الْخَلَفِ. وَلَكِنَّ طَائِفَةً تَدَّعِي أَنَّ افْتِقَارَهَا وَخُضُوعَهَا وَخَلْقَهَا وَجَرَيَانَ الْمَشِيئَةِ عَلَيْهَا هُوَ تَسْبِيحُهَا وَقُنُوتُهَا، وَإِن كَانَ ذَلِكَ بِلِسَانِ الْحَالِ، وَلكَوْنِهَا دَلَالَةً شّاهِدَةً لِلْخَالِقِ ﷻ . وَهَذَا يَقُولُهُ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ .. وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّجَّاجُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ٨٣]، قَالَ: إسْلَامُ الْكُلِّ: خُضُوعُهُم لِنَفَاذِ أَمْرِهِ فِي جِبِلِّهِمْ، لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ يَمْتَنِعُ مِن جِبِلَّةٍ جَبَلَهُ اللهُ عَلَيْهَا، وَهَذَا الْمَعْنَى صَحِيحٌ، لَكِنَّ الصَّوَابَ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ عُلَمَاءِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ: أَنَّ الْقُنُوتَ وَالِاسْتِلَامَ وَالتَّسْبِيحَ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى ذَلِكَ. وَهَذَا كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: إنَّ سُجُودَ الْكَارِهِ: ذُلُّهُ (١) وَانْقِيَادُهُ لِمَا يُرِيدُهُ اللهُ مِنْهُ مِن عَافِيَةٍ وَمَرَضٍ وَغِنًى وَفَقْرٍ. وَكَمَا قَالَ بَعْضُهُم فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]، قَالَ: تَسْبِيحُهُ دَلَالَتُهُ عَلَى صَانِعِهِ، فَتُوجِبُ بِذَلِكَ تَسْبِيحًا مِن غَيْرِهِ. وَالصَّوَابُ أَنَّ لَهَا تَسْبِيحًا وَسُجُودًا بِحَسَبِهَا. [١/ ٤٤ - ٤٥] ١٥٢ - مَن طَلَبَ مِن الْعِبَادِ الْعِوَضَ: ثَنَاءً أَو دُعَاءً أَو غَيْرَ ذَلِكَ: لَمْ يَكُن مُحْسِنًا إلَيْهِم للهِ. [١/ ٥٤]

стр. 96

١٥٣ - تَوْحِيدُ اللهِ وَإِخْلَاصُ الدِّينِ لَهُ فِي عِبَادَتِهِ وَاسْتِعَانَتِهِ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ جِدًّا؛ بَل هُوَ قَلْبُ الْإِيمَانِ وَأَوَّلُ الْإِسْلَامِ وَآخِرُهُ .. وَهُوَ قَلْبُ الدِّينِ وَالْإِيمَانِ، وَسَائِرُ الْأَعْمَالِ كَالْجَوَارِحِ لَهُ. وَإِخْلَاصُ الدِّينِ للهِ وَعِبَادَة اللهِ وَحْدَهُ وَمُتَابَعَة الرَّسُولِ ﷺ فِيمَا جَاءَ بِهِ: هُوَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. وَلهَذَا أَنْكَرْنَا عَلَى الشَيْخِ يَحْيَى الصرصري (١) مَا يَقُولُهُ فِي قَصَائِدِهِ فِي مَدْحِ الرَّسُولِ ﷺ من الِاستِغَاثَةِ بِهِ؛ مِثْل قَوْلِهِ: بِك أَسْتَغِيثُ وَأَسْتَعِينُ وَأَسْتَنْجِدُ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. [١/ ٧٠] ١٥٤ - الْعِبَادَةُ وَالِاسْتِعَانَةُ وَمَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مِن الدُّعَاءِ وَالِاستِغَاثَةِ وَالْخَشْيَةِ وَالرَّجَاءِ وَالْإِنَابَةِ وَالتَّوَكُّلِ وَالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ (٢): كُلُّ هَذَا للهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ فَالْعِبَادَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِأُلُوهِيَّتِهِ (٣)، وَالِاسْتِعَانَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِرُبُوبِيَّتِهِ (٤). [١/ ٧٤] * * * (قَاعِدَةٌ جَلِيلَةٌ فِي تَوْحِيدِ اللهِ) ١٥٥ - هَذِهِ قَاعِدَةٌ جَلِيلَةٌ فِي تَوْحِيدِ اللهِ، وَإِخلَاصِ الْوَجْهِ وَالْعَمَلِ لَهُ، عِبَادَةً وَاسْتِعَانَةً .. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣].

стр. 97

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ الآيَةَ [البينة: ٥]، وَنَظَائِرُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِير، وَكَذَلِكَ فِي الْأَحَادِيثِ، وَكَذَلِكَ فِي إجْمَاعِ الْأمَّةِ لَا سِيَّمَا أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ مِنْهُم، فَإِنَّ هَذَا عِنْدَهُم قُطْبُ رَحَى الدِّينِ كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ. وَنبيِّنُ هَدَا بِوُجُوهٍ .. : أَحَدُهَا: أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَقْصُودَ الْمَدْعُوَّ الْمَطْلُوبَ، وَهُوَ الْمُعِينُ عَلَى الْمَطْلُوبِ، وَمَا سِوَاهُ هُوَ الْمَكْرُوهُ، وَهُوَ الْمُعِينُ عَلَى دَفْعِ الْمَكْرُوهِ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ الْجَامِعُ لِلْأُمُورِ الأَرْبَعَةِ دُونَ مَا سِوَاهُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾؛ فَإِنَّ الْعُبُودِيَّةَ تَتَضَمَّنُ الْمَقْصُودَ الْمَطْلُوبَ، لَكِنْ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ، وَالْمُسْتَعَانُ هُوَ الَّذِي يُسْتَعَانُ بِهِ عَلَى الْمَطْلُوبِ. فَالْأوَّلُ: مِن مَعْنَى الْألُوهِيَّةِ. وَالثانِي: مِن مَعْنَى الرُّبُوبِيَّةِ. إذ الْإِلَهُ: هُوَ الَّذِي يُؤَلَّهُ فَيُعْبَدُ مَحَبَّةً وَإِنَابَةً وَإِجْلَالًا، وَإِكْرَامًا، وَالرَّبُّ: هُوَ الَّذِي يُرَبِّي عَبْدَهُ فَيُعْطِيهِ خَلْقَهُ ثُمَّ يَهْدِيهِ إلَى جَمِيعِ أَحْوَالِهِ مِن الْعِبَادَةِ وَغَيْرِهَا. الْوَجْة الثَّانِي: أَنَّ اللهَ خَلَقَ الْخَلْقَ لِعِبَادَتِهِ الْجَامِعَةِ لِمَعْرِفَتِهِ، وَالْإِنَابَةِ إلَيْهِ، وَمَحَبَّتِهِ، وَالْإِخْلَاصِ لَهُ. فَبِذِكْرِهِ تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ، وَبِرُويَتِهِ فِي الْآخِرَةِ تَقَرُّ عُيُونُهمْ، وَلَا شَيءَ يُعْطِيهِمْ فِي الْآخِرَةِ أَحَبُّ إلَيْهِم مِن النَّظَرِ إلَيْهِ، وَلَا شَئءَ يُعْطِيهِمْ فِي الدُّنْيَا أَعْظَمُ مِن الْإِيمَانِ بِهِ. وَحَاجَتُهُم إلَيْهِ فِي عِبَادَتِهِمْ إيَّاهُ وَتَأَلُّهِهِمْ: كَحَاجَتِهِمْ وَأَعْظَمَ فِي خَلْقِهِ لَهُمْ، وَرُبُوبِيَّتِهِ إيَّاهُمْ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ الْغَايَةُ الْمَقْصُودَةُ لَهُمْ، وَبِذَلِكَ يَصِيرُونَ عَامِلِينَ مُتَحرِّكِينَ، وَلَا صَلَاحَ لَهُم وَلَا فَلَاحَ وَلَا نَعِيمَ وَلَا لَذَّةَ بِدُونِ ذَلِكَ بِحَالِ.

стр. 98

وَلهَذَا كَانَت لَا إلَهَ إلَّا اللهُ أَحْسَنَ الْحَسَنَاتِ، وَكَانَ التَّوْحِيدُ بِقَوْلِ: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ رَأْسَ الْأَمْرِ. فَأَمَّا تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ الْخَلْقُ، وَقَرَّرَهُ أَهْلُ الْكَلَامِ: فَلَا يَكْفِي وَحْدَهُ، بَل هُوَ مِن الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا حَقُّ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوة وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا. فَلَيْسَ فِي الْكَائِنَاتِ مَا يَسْكُنُ الْعَبْدُ إلَيْهِ ويطْمَئِنُّ بِهِ، ويتَنَعَّمُ بِالتَّوَجهِ إلَيْهِ إلَّا اللهُ سُبْحَانَهُ. وَمَن عَبَدَ غَيْرَ اللهِ وَإِن أَحَبَّهُ وَحَصَلَ لَهُ بِهِ مَوَدَّة فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَنَوْعٌ مِن اللَّذَّةِ: فَهُوَ مَفْسَدَة لِصَاحِبِهِ أَعْظَمُ مِن مَفْسَدَةِ الْتِذَاذِ أَكْلِ طَعَامِ الْمَسْمُومِ. وَاعْلَمْ أَنَّ فَقْرَ الْعَبْدِ (١) إلَى اللهِ أَنْ يَعْبُدَ اللهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئا: لَيْسَ لَهُ نَظِيرٌ فَيُقَاسُ بِهِ، لَكِنْ يُشْبِهُ مِن بَعْضِ الْوُجُوهِ حَاجَةَ الْجَسَدِ إلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَبَيْنَهُمَا فُرُوقٌ كَثِيرَة. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْوَجْهَ مَبْنِيٌّ عَلَى أصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: عَلَى أَنَ نَفْسَ الْإِيمَانِ باللهِ وَعِبَادَتَهُ وَمَحَبَّتَهُ وإِجْلَالَهُ هُوَ غِذَاءُ الْإِنْسَانِ وَقُوتُهُ وَصَلَاحُهُ وَقِوَامُهُ كَمَا عَلَيْهِ أَهْلُ الْإِيمَانِ، وَكَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقرْآنُ، لَا كَمَا يَقُولُ مَن يَعْتَقِدُ مِن أَهْلِ الْكَلَامِ وَنَحْوِهِمْ أَنَّ عِبَادَتَهُ تَكْلِيفٌ وَمَشَقَّةٌ، وَخِلَافُ مَقْصُودِ الْقَلْبِ لِمُجَرَّدِ الِامْتِحَانِ وَالِاخْتِبَارِ، أَو لِأَجْلِ التَّعْوِيضِ بِالْأجْرَةِ كَمَا يَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ وَغَيْرُهُم؛ فَإِنَّة وَإِن كَانَ فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مَا هُوَ عَلَى خِلَافِ هَوَى النَّفْسِ -وَاللهُ سُبْحَانَهُ يَأْجُرُ الْعَبْدَ عَلَى الْأَعْمَالِ الْمَأمُورِ بِهَا مَعَ الْمَشَقَّةِ- فَلَيْسَ ذَلِكَ هُوَ الْمَقْصُودَ الْأَوَّلَ بِالْأَمْرِ الشَّرْعِي، وَإِنَّمَا وَقَعَ ضِمْنًا وَتَبَعًا؛ وَلهَذَا لَمْ يَجِئْ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكَلَامِ السَّلَفِ إطْلَاقُ الْقَوْلِ عَلَى

стр. 99

الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ أَنَّهُ تَكْلِيفٌ (١)، كَمَا يُطْلِقُ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِن الْمُتَكَلِّمَةِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ، وَإِنَّمَا جَاءَ ذِكْرُ التَّكْلِيفِ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. أَيْ: وإِن وَقَعَ فِي الْأَمْرِ تَكْلِيفٌ فَلَا يُكَلّفُ إلَّا قَدْرَ الْوُسْعِ، لَا أَنَّهُ يُسَمَّى جَمِيعُ الشَّرِيعَةِ تَكْلِيفًا، مَعَ أَنَّ غَالِبَهَا قُرَّةُ الْعُيُونِ، وَسُرُورُ الْقُلُوبِ، وَلَذَّاتُ الْأَرْوَاحِ، وَكَمَالُ النَّعِيمِ، وَذَلِكَ لِإرَادَةِ وَجْهِ اللهِ وَالْإِنَابَةِ إلَيْهِ وَذِكْرِهِ وَتَوَجُّهِ الْوَجْهِ إلَيْهِ، فَهُوَ الْاِلَهُ الْحَقُّ الَّذِي تَطْمَئِن إلَيْهِ الْقُلُوبُ، وَلَا يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ أَبَدًا، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]. الْأَصْلُ الثانِي: النَّعِيمُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ أَيْضًا، مِثْلُ النَّظَرِ إلَيْهِ لَا كَمَا يَزْعُمُ طَائِفَة مِن أَهْلِ الْكَلَامِ وَنَحْوِهِمْ أَنَّهُ لَا نَعِيمَ وَلَا لَذَّةَ إلَّا بِالْمَخْلُوقِ مِن الْمَأكُولِ وَالْمَشْرُوبِ وَالْمَنْكُوحِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ بَل اللَّذَّةُ وَالنَّعِيمُ التَّامُّ فِي حَظِّهِمْ مِن الْخَالِقِ -سبحانة وتعالي-. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْمَخْلُوقَ لَيْسَ عِنْدَهُ لِلْعَبْدِ نَفْعٌ وَلَا ضَرَرٌ، وَلَا عَطَاءٌ وَلَا مَنْعٌ، وَلَا هُدًى وَلَا ضَلَالٌ، وَلَا نَصْرٌ وَلَا خِذْلَانٌ، وَلَا خَفْضٌ وَلَا رَفْعٌ، وَلَا عِزّ وَلَا ذُلٌّ؛ بَل رَبُّهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَهُ وَرَزَقَهُ، وَبَصَّرَة وَهَدَاهُ وَأسْبَغَ عَلَيْهِ نِعَمَهُ، فَإذَا مَسَّهُ اللهُ بِضرٍّ فَلَا يَكْشِفُهُ عَنْهُ غَيْرُهُ، وإِذَا أَصَابَهُ بِنِعْمَةٍ لَمْ يَرْفَعْهَا عَنْهُ سِوَاهُ، وَأَمَّا الْعَبْدُ فَلَا يَنْفَعُهُ وَلَا يَضرُّهُ إلَّا بِإِذْنِ اللهِ.

стр. 100

وَهَذَا الْوَجْهُ أَظْهَرُ لِلْعَامَّةِ مِن الْأَوَّلِ؛ وَلهَذَا خُوطِبُوا بِهِ فِي الْقُرْآنِ أَكْثَرَ مِن الْأَوَّلِ، لَكِنْ إذَا تَدَبَّرَ اللَّبِيبُ طَرِيقَةَ الْقُرْآنِ وَجَدَ أَنَّ اللّهَ يَدْعُو عِبَادَهُ بِهَذَا الْوَجْهِ إلَى الْأَوَلِ. فَهَذَا الْوَجْهُ يُحَقّقُ التَّوَكُّلَ عَلَى اللهِ وَالشُّكْرَ لَهُ وَمَحَبّتَهُ عَلَى إحْسَانِهِ. الْوَجْهُ الرَّابعُ: أنَّ تَعَلُّقَ الْعَبْدِ بِمَا سِوَى اللهِ مَضَرَّةٌ عَلَيْهِ إذَا أَخَذَ مِنْهُ الْقَدْرَ الزَّائِدَ عَلَى حَاجَتِهِ فِي عِبَادَةِ اللهِ؛ فَإِنَّهُ إنْ نَالَ مِن الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَوْقَ حَاجَتِهِ ضرَّهُ وَأَهْلَكَهُ، وَكَذَلِكَ مِن النّكَاحِ وَاللِّبَاسِ، وَإِن أَحَبَّ شَيْئًا حبًّا تَامًّا بِحَيْثُ يُخَالِلُة فَلَا بُدَّ أَنْ يَسْأَمَهُ أَو يُفَارِقَهُ. [١/ ٢٠ - ٢٨] * * * (ذمُّ الكبر) ١٥٦ - التكبر شر من الشرك فإن المتكبر يتكبر عن عبادة الله تعالى، والمشرك يعبد الله وغيره. [المستدرك ١/ ١٦] * * * (الشهادة لا تُكَفِّر الدَّين ومظالم العباد) ١٥٧ - تُكَفِّر الشهادة غير الدَّين .. وغير مظالم العباد؛ كقتلٍ، وظلمٍ، وزكاة، وحج أخرهما. [المستدرك ١/ ١٦] * * * (المستحب الاستخارة، ولم يُجعل الفألُ والطيرةُ أمرًا باعثًا على شيء من الفعل أو الترك) ١٥٨ - الذي ينبغي الاستخارة التي علمها النبي -صلي الله عليه وسلم- أمته، لم يجعل الفأل والطيرة أمرًا باعثا على شيء من الفعل أو الترك، وإنما يأتمر وينتهي بذلك أهل الجاهلية الذي يستقسمون بالأزلام، وقد حرم الله الاستقسام بها: كالضرب بالحصى، والشعير، واللوح، والخشب، والورق المكتوب عليه

стр. 101

حروف أبجد، وأبيات شعر، ونحو ذلك، منهي عنه؛ لأنها من أسباب الاستقسام بالأزلام. [المستدرك ١/ ٢٧] * * * (الْعِبَادُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَعْمَلُوا إلَّا لِحُظُوظِهِمْ .. ) ١٥٩ - إنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ غَنِى حَمِيدٌ كَرِيم وَاجِدٌ رَحِيمٌ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ مُحْسِنٌ إلَى عَبْدِهِ مَعَ غِنَاهُ عَنْهُ، يُرِيدُ بِهِ الْخَيْرَ ويكْشِفُ عَنْهُ الضُّرَّ، لَا لِجَلْبِ مَنْفَعَةٍ إلَيْهِ مِن الْعَبْدِ، وَلَا لِدَفْعِ مَضَرَّةٍ؛ بَل رَحْمَة وَإِحْسَانًا، وَالْعِبَادُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَعْمَلُوا إلَّا لِحُظُوظِهِمْ. إذَا تَبَيَّنَ هَذَا ظَهَرَ أَنَّ الْمَخْلُوقَ لَا يَقْصِدُ مَنْفَعَتَكَ بِالْقَصْدِ الْأوَّلِ؛ بَل إنَّمَا يَقْصِد مَنْفَعَتَهُ بِكَ، وإِن كَانَ ذَلِكَ قَد يَكُونُ عَلَيْكَ فِيهِ ضَرَرٌ إذَا لَمْ يُرَاعِ الْعَدْلَ، فَإِذَا دَعَوْتَهُ فَقَد دَعَوْتَ مَن ضَرُّهُ أَقْرَبُ مَن نَفْعِهِ، وَالرَّبُّ سُبْحَانَهُ يُرِيدُ لَكَ، وَلمَنْفَعَتِكَ بِكَ، لَا لِيَنْتَفِعَ بِك، وَذَلِكَ مَنْفَعَةٌ عَلَيْكَ بِلَا مَضَرَّةٍ، فَتَدَبَّرْ هَذَا، فَمُلَاحَظَةُ هَذَا الْوَجْهِ يَمْنَعُكَ أَنْ تَرْجُوَ الْمَخْلُوقَ أَو تَطْلُبَ مِنْهُ مَنْفَعَةً لَكَ، فَإِنَّهُ لَا يُرِيدُ ذَلِكَ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ، كَمَا أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ. وَلَا يَحْمِلَنَّكَ هَذَا عَلَى جَفْوَةِ النَّاسِ، وَتَرْكِ الْإِحْسَانِ إلَيْهِمْ، وَاحْتِمَالِ الْأَذَى مِنْهُمْ؛ بَل أَحْسِنْ إلَيْهِم للهِ لَا لِرَجَائِهِمْ، وَكَمَا لَا تَخَفْهُم فَلَا تَرْجُهُمْ، وَخَفِ اللهَ فِي النَّاسِ وَلَا تَخَفِ النَّاسَ فِي اللهِ، وَارْجُ اللهَ فِي النَّاسِ وَلَا تَرْجُ النَّاسَ فِي اللهِ، وَكُنْ مِمَن قَالَ اللهُ فِيهِ: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠)﴾ [الليل: ١٧ - ٢٠]. [١/ ٣٠ - ٣١] * * * (لَا تُعَلِّقْ رَجَاءَكَ بالخَلْقِ) ١٦٠ - إنَّ الْخَلْقَ لَو اجْتَهَدُوا أَنْ يَنْفَعُوكَ لَمْ يَنْفَعُوكَ إلَّا بِأَمْر قَد كَتَبَهُ اللّهُ لَكَ، وَلَو اجْتَهَدُوا أَنْ يَضُرُّوكَ لَمْ يَضُرُّوكَ إلَّا بِأَمْر قَد كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ، فَهُم لَا يَنْفَعُونَكَ

стр. 102

إلا بِإِذْنِ اللهِ، وَلَا يَضُرُّونَكَ إلَّا بِإِذْنِ اللهِ، فَلَا تُعَلِّقْ بِهِم رَجَاءَكَ (١). [١/ ٣١] * * * (الطريقة الصحيحة في إثبات الصانع) ١٦١ - لَمَّا كَانَ الْقِيَاسُ الْكُلِّيُّ فَائِدَتُهُ أَمْرٌ مُطْلَقٌ لَا مُعَيَّن: كَانَ إثْبَاتُ الصَّانِعِ بِطَرِيقِ الْآيَاتِ (٢) هُوَ الْوَاجِبَ، كَمَا نَزَلَ بِهِ الْقُرْآن، وَفَطَرَ اللهُ عَلَيْهِ عِبَادَهُ، وَإِن كَانَت الطَّرِيقَةُ الْقِيَاسِيَّةُ صَحِيحَة، لَكِنَّ فَائِدَتَهَا نَاقِصَةٌ. وَالْقُرْآنُ إذَا اسْتَعْمَلَ فِي الْآيَاتِ الْإِلَهِيَّاتِ: اسْتَعْمَلَ قِيَاسَ الْأَوْلَى لَا الْقِيَاسَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الْمُشْتَرَكِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْآيَةِ وَبَيْنَ الْقِيَاسِ: أَنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى عَيْنِ الْمَطْلُوبِ الَّذِي هِيَ آيَة وَعَلَامَة عَلَيْهِ، فَكلُّ مَخْلُوقٍ فَهوَ دَلِيلٌ وَآيَة عَلَى الْخَالِقِ نَفْسِهِ. ثُمَّ الْفِطَرُ تَعْرِفُ الْخَالِقَ بِدُونِ هَذ الْآيَاتِ، فَإِنَّهَا قَد فُطِرَتْ عَلَى ذَلِكَ. [١/ ٤٨ - ٤٩] * * * (كيف يسعد الإنسان فِي تعَامُلِهِ مع الناس ؟) ١٦٢ - السَّعَادَةُ فِي مُعَامَلَةِ الْخَلْقِ: أَنْ تُعَامِلَهُم للهِ، فَتَرْجُو اللهَ فِيهِمْ وَلَا تَرْجُوهُم فِي اللهِ، وَتَخَافُهُ فِيهِمْ وَلَا تَخَافُهُم فِي اللهِ، وَتُحْسِنُ إلَيْهِم رَجَاءَ ثَوَابِ اللهِ لَا لِمُكَافَأتِهِمْ، وَتَكُفّ عَن ظُلْمِهِمْ خَوْفًا مِن اللهِ لَا مِنْهُم. كَمَا جَاءَ فِي الأثَرِ: "اُرْجُ اللهَ فِي النَّاسِ وَلَا تَرْجُ النَّاسَ فِي اللهِ، وَخَف اللهَ فِي النَّاسِ وَلَا تَخَف النَّاسَ فِي اللهِ". أَيْ: لَا تَفْعَلْ شَيْئًا مِن أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ وَالْقُرَبِ لِأَجْلِهِمْ، لَا رَجَاءَ مَدْحِهِمْ

стр. 103

وَلَا خَوْفًا مِن ذَمِّهِمْ؛ بَل اُرْجُ اللهَ وَلَا تَخَفْهُم فِي اللهِ فِيمَا تَأْتِي وَمَا تَذَرُ؛ بَل افْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ وَإِن كَرِهُوهُ. وَفي الْحَدِيثِ: "إنَّ مِن ضَعْفِ الْيَقِينِ: أَنْ تُرْضِىَ النَّاسَ بِسَخَطِ اللهِ، أَو تَذُمَّهُم عَلَى مَا لَمْ يُؤْتك الله" (١) فَإِنَّ الْيَقِينَ يَتَضَمَّنُ: أ - الْيَقِينَ فِي الْقِيَامِ بِأَمْرِ اللهِ وَمَا وَعَدَ اللهُ أَهْلَ طَاعَتِهِ. ب- وَيتَضَمَّنُ الْيَقِينَ بِقَدَرِ اللهِ وَخَلْقِهِ وَتَدْبِيرِهِ. فَإِذَا أَرْضَيْتَهُم بِسَخَطِ اللهِ: لَمْ تَكنْ مُوقِنًا لَا بِوَعْدِهِ وَلَا بِرِزْقِهِ؛ فَإنَّهُ إنَّمَا يَحْمِلُ الْإِنْسَانَ عَلَى ذَلِكَ: أ - إمَّا مَيْل إلَى مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِن الدُّنْيَا، فَيَتْرُكُ الْقِيَامَ فِيهِمْ بِأَمْرِ اللهِ لِمَا يَرْجُوة مِنْهُمْ. ب- وَإِمَّا ضعْفُ تَصْدِيقٍ بِمَا وَعَدَ اللهُ أَهْلَ طَاعَتِهِ مِن النَّصْرِ وَالتَّأْيِيدِ وَالثَّوَابِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. فَإِنَّك إذَا أَرْضَيْتَ اللهَ نَصَرَكَ وَرَزَقَكَ وَكَفَاكَ مُؤْنَتَهُمْ، فَإِرْضَاؤُفم- بِسَخَطِهِ إنَّمَا يَكونُ خَوْفًا مِنْهُم وَرَجَاءً لَهُمْ؛ وَذَلِكَ مِن ضَعْفِ الْيَقِينِ. وَإِذَا لَمْ يُقَدَّرْ لَك مَا تَظُنُّ أَنَّهُم يَفْعَلُونَهُ مَعَك: فَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ إلَى اللهِ لَا لَهُمْ؛ فَإِنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، فَإِذَا ذَمَمْتَهُم عَلَى مَا لَمْ يُقَدَّرْ كَانَ ذَلِكَ مِن ضَعْفِ يَقِينِكِ، فَلَا تَخَفْهُم وَلَا تَرْجُهُم وَلَا تَذُمَّهم مِن جِهَةِ نَفْسِكَ وَهَوَاكَ، لَكِنْ مَن حَمِدَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ ﷺ فَهُوَ الْمَحْمُودُ، وَمَن ذَمَّهُ اللهُ وَرَسُولُه ﷺ فَهُوَ الْمَذْمُومُ. كَتَبَتْ عَائِشَةُ إلَى مُعَاوِيةَ وَرُوِيَ أَنَّهَا رَفَعَتْهُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ : "مَن أَرْضَى اللهَ

стр. 104

بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ (١)، وَمَن أَرْضَى النَّاسَ بِسَخَطِ اللهِ لَمْ يُغْنُوا عَنْهُ مِن اللهِ شَيْئًا" (٢): هَذَا لَفْظُ الْمَرْفُوعِ. وَلَفْظُ الْمَوْقُوفِ: "مَن أَرْضَى اللهَ بِسَخَطِ النَّاسِ ﵁ وَأَرْضَى عَنْهُ النَّاسَ، وَمَن أَرْضَى النَّاسَ بِسَخَطِ اللهِ عَادَ حَامِدُهُ مِن النَّاسِ لَهُ ذَامًّا" (٣)، هَذَا لَفْظُ الْمَأْثُورِ عَنْهَا، وَهَذَا مِن أَعْظَمِ الْفِقْهِ فِي الدِّينِ. وَالْمَرْفُوعُ أَحَقّ وَأَصْدَقُ؛ فَإِنَّ مَن أَرْضَى اللهَ بِسَخَطِهِمْ كَانَ قَد اتَّقَاهُ، وَكَانَ عَبْدَهُ الصَّالِحَ، وَاللهُ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ، وَهُوَ كَافٍ عَبْدَهُ ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣]. فَاللهُ يَكْفِيهِ مُؤْنَةَ النَّاسِ بِلَا ريبٍ. وَأمَّا كَوْنُ النَّاسِ كُلِّهِمْ يَرْضَوْنَ عَنْهُ: فَقَد لَا يَحْصُلُ ذَلِكَ. [١/ ٥١ - ٥٢] * * * (بِالتَّوْحِيدِ يَقْوَى الْعَبْدُ) ١٦٣ - بِالتَّوْحِيدِ يَقْوَى الْعَبْدُ ويسْتَغْنِي، وَمَن سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ أَقْوَى النَّاسِ فَلْيَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ، وبالاستغفار يَغْفِرُ لَهُ ويدْفَعُ عَنْهُ عَذَابَهُ .. فَلَا يَزُولُ فَقْرُ الْعَبْدِ وَفَاقَتُهُ إلَّا بِالتَّوْحِيدِ؛ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، وإِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ لَمْ يَزَلْ فَقِيرًا مُحْتَاجًا مُعَذبًا فِي طَلَبِ مَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ. [١/ ٥٥ - ٥٦] * * *

стр. 105

(وجوب الخوف من الله، وتحريم الخوف من غيره) ١٦٤ - قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران: ١٧٥] أَيْ: يُخَؤفُكُمْ بِأَوْليَائِهِ، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ؛ كَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ وَأَهْلِ اللُّغَةِ كَالْفَرَّاءِ وَغَيْرِهِ. قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَاَلَّذِي نَخْتَاره فِي الْآيَةِ: يُخَوِّفُكُمْ أَوْليَاءَهُ، تَقُولُ الْعَرَبُ: أَعْطَيْتُ الْأَمْوَالَ: أَيْ: أَعْطَيْتُ الْقَوْمَ الْأَمْوَالَ؛ فَيَحْذِفُونَ الْمَفْعُولَ الْأَوَلَ. قُلْتُ: وَهَذَا لِأَنَّ الشَّيْطَانَ يُخَوِّفُ النَاسَ أَوْليَاءَهُ تَخْوِيفًا مُطْلَقًا، لَيْسَ لَهُ فِي تَخْوِيفِ نَاسٍ بِنَاسِ ضَرُورَةٌ؛ فَحَذَفَ الْأَوَّلَ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَقْصُودًا. فَدَلَّت الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الشَّيْطَانَ يَجْعَلُ أَوْليَاءَهُ مَخُوِّفِينَ، ويجْعَلُ نَاسًا خَائِفِينَ مِنْهُمْ. وَدَلَّت الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَخَافَ أَوْليَاءَ الشَّيْطَانِ، وَلَا يَخَافَ النَّاسَ كَمَا قَالَ: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤]، فَخَوْفُ اللهِ أَمَرَ بهِ، وَخَوْفُ أَوْليَاءِ الشَّيْطَانِ نَهَى عَنْهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ [البقرة: ١٥٠]، فَنَهَى عَن خَشْيَةِ الظَّالِمِ وَأَمَرَ بِخَشْيَتِهِ. بَل عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَخَافَ اللهَ وَحْدَهُ وَلَا يَخَافَ أَحَدًا؛ فَإِنَّ مَن لَا يَخَافُ اللهَ أَذَلُّ مِن أَنْ ئخَافَ، فَإِنَّهُ ظَالِمٌ وَهُوَ مِن أَوْليَاءِ الشَيْطَانِ؛ فَالْخَوْفُ مِنْهُ قَد نَهَى اللهُ عَنْهُ. وَإِذَا قِيلَ: قَد يُؤْذِينِي؟ قِيلَ: إنَّمَا يُؤْذِيك بِتَسْلِيطِ اللهِ لَهُ، وإِذَا أَرَادَ اللهُ دَفْعَ شَرِّهِ عَنْك دَفَعَهُ، فَالْأَمْرُ للهِ، وَإِنَّمَا يُسَلَّطُ عَلَى الْعَبْدِ بِذُنُوبِهِ، وَأَنْتَ إذَا خِفْتَ اللهَ فَاتَّقَيْتَهُ وَتَوَكَّلْتَ

стр. 106

عَلَيْهِ كَفَاكَ شَرَّ كُل شَرِّ وَلَمْ يُسَلِّطْهُ عَلَيْكَ، فَإِنَّهُ قَالَ: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]، وَتَسْلِيطُهُ يَكُونُ بِسَبَبِ ذُنُوبِك وَخَوْفِك مِنْهُ، فَإِذَا خِفْتَ اللَّهَ وَتُبْتَ مِن ذُنُوبِك وَاسْتَغْفَرْتَهُ لَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْكَ كَمَا قَالَ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] (١). [١/ ٥٦ - ٥٧] ١٦٥ - قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمران: ١٧٥]، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ: كَابْنِ عَبَّاسِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعِكرِمَةَ والنَّخَعِي؛ وَأَهْلِ اللُّغَةِ كَالْفَرَّاءِ وَابْنِ قُتَيْبَةَ وَالزَّجَّاجِ وَابْنِ الْأنْبَارِيِّ، وَعِبَارَةُ الْفَرَّاءِ: يُخَوِّفُكُمْ بِأوْليَائِهِ كَمَا قَالَ: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ [الكهف: ٢] بِبَأْسِ شَدِيدٍ، وَقَوْلُهُ: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ [غافر: ١٥]. وَقَد قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: يُخَوِّفُ أَوْليَاءَهُ الْمُنَافِقِينَ. وَلَو أَنَّهُ أرِيدَ أَنَّهُ يُخَوِّفُ أوْليَاءَهُ: أَيْ: يَجْعَلُهُم خَائِفِينَ لَمْ يَكُن لِلضَّمِيرِ مَا يَعُود عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَا تَخَافُوهُم﴾ [آل عمران: ١٧٥]. وَأيْضًا فَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَعِدُ أَوْليَاءَهُ وَيُمَنِّيهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠)﴾ [النساء: ١٢٠]. وَلَكِنَّ الْكُفَّارَ يُلْقِي اللهُ فِي قُلُوبِهِم الرُّعْبَ مِن الْمُؤمِنِينَ، وَالشَّيْطَانُ لَا يَخْتَارُ ذَلِكَ. قَالَ تَعَالى: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾ [الحشر: ١٣].

стр. 107

وَدَلَّتْ الْآيَةُ عَلَى أَنَ الْمُؤمِنَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَخَافَ أَوْليَاءَ الشَّيْطَانِ وَلَا يَخَافُ النَّاسَ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤]؛ بَل يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَخَافَ اللهَ. [١٤/ ٢٠٣ - ٢٠٦] * * * (ينبغي للمؤمن أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا) ١٦٦ - ينبغي للمؤمن أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا؛ فأيهما غلب هلك صاحبه، ونص عليه الإمام أحمد؛ لأن من غلب خوفه وقع في نوع من اليأس، ومن غلب رجاؤه وقع في نوع من الأمن من مكر الله. [المستدرك ١/ ١٤٧] * * * (الخوف المحمود) ١٦٧ - الخوف المحمود ما حجزك عن محارم الله (١) [المستدرك ١/ ١٤٧] * * * (الْغُلُوّ فِي الْأُمَّةِ وَقَعَ فِي طَائِفَتَيْنِ) ١٦٨ - الْغُلُوُّ فِي الْأمَّةِ وَقَعَ فِي طَائِفَتَيْنِ: أ - طَائِفَةٍ مِن ضُلَّالِ الشِّيعَةِ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ فِي الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَئِمَّةِ مِن أَهْلِ الْبَيْتِ الْألُوهِيَّةَ. ب- وَطَائِفَةٍ مِن جُهَّالِ الْمُتَصَوِّفَةِ يَعْتَقِدُونَ نَحْو ذَلِكَ فِي الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ. [١/ ٦٦] * * *

стр. 108

(الشَّهَادَتَانِ أَوَّلُ وَاجِبَاتِ الدِّينِ) ١٦٩ - لَمَّا كَانَ أَصْلُ الدِّينِ الشَّهَادَتَيْنِ: كَانَت هَذِهِ الْأُمَّةُ الشُّهَدَاءَ، وَلَهَا وَصْفُ الشَّهَادَةِ، وَالْقِسِّيسُونَ لَهُم الْعِبَادَةُ بِلَا شَهَادَةٍ، وَلهَذَا قَالُوا: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)﴾ [آل عمران: ٥٣] وَلهَذَا كَانَ الْمُحَقّقُونَ عَلَى أَنَّ الشَّهَادَتَيْنِ أَوَّلُ وَاجِبَاتِ الدِّينِ. [١/ ٧٦] * * * (الْإِسْلَامُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلَيْنِ) ١٧٠ - الْعِبَادَاتُ مَبْنَاهَا عَلَى الشَّرْعِ وَالِاتِّبَاعِ، لَا عَلَى الْهَوَى وَالِابْتِدَاعِ؛ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ مَبْنِيّ عَلَى أَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ نَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. وَالثَّانِي: أَنْ نَعْبُدَهُ بِمَا شَرَعَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ ، لَا نَعْبُدَهُ بِالْأَهْوَاءِ وَالْبِدَع، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾ [الجاثية: ١٨]. [١/ ٨٠] * * * (الفرق بين الْأَحْوَال الرَّحْمَانِيَّة والْأَحْوَالِ الشَّيْطَانِيَّةِ) ١٧١ - الْأَحْوَالُ الرَّحْمَانِيَّةُ وَكَرَامَاتُ أَوْليَائِهِ الْمُتَّقِينَ: أ - يَكُونُ سَبَبُهُ الْإِيمَانَ؛ فَإِنَّ هَذِهِ حَالُ أَوْليَائِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ [يونس: ٦٢، ٦٣]. ب- وَتَكُونُ نِعْمَةً للهِ عَلَى عَبْدِهِ الْمُومِنِ فِي دِينهِ وَدنْيَاهُ، فَتَكُونُ الْحُجَّةَ فِي الدِّينِ وَالْحَاجَةَ فِي الدُّنْيَا لِلْمُؤمِنِينَ، مِثْلَمَا كَانَت مُعْجِزَاتُ نَبِيّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ ، كَانَت الْحُجَّةَ فِي الدِّينِ وَالْحَاجَةَ لِلْمُسْلِمِينَ؛ مِثْلُ الْبَرَكَةِ الَّتِي تَحْصُلُ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، كَنَبْعِ الْمَاءِ مِن بَيْنِ أَصَابِعِهِ، وَمِثْلُ نُزُولِ الْمَطَرِ بِالِاسْتِسْقَاءِ، وَمِثْلُ

стр. 109

قَهْرِ الْكُفَّارِ، وَشِفَاءِ الْمَرِيضِ بِالدُّعَاءِ، وَمِثْلُ الْأَخْبَارِ الصَّادِقَةِ وَالنَّافِعَةِ بِمَا غَابَ عَن الْحَاضِرِينَ، وَأَخْبَارُ الْأنْبِيَاءِ لَا تَكْذِبُ قَطُّ. وَأَمَّا أَصْحَابُ الْأَحْوَالِ الشَّيْطَانِيَّةِ: أ - فَهُم مِن جِنْسِ الْكُهَّانِ، يَكْذِبُونَ تَارَةً وَيَصْدُقُونَ أُخْرَى. ب- وَلَا بُدَّ فِي أَعْمَالِهِمْ مِن مُخَالَفَةٍ لِلْأَمْرِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢)﴾ [الشعراء: ٢٢١، ٢٢٢] الْآيَتَيْنِ. وَلهَذَا يُوجَدُ الْوَاحِدُ مِن هَؤُلَاءِ مُلَابِسًا الْخَبَائِثَ مِن النَّجَاسَاتِ وَالْأَقْذَارِ الَّتِي تُحِبُّهَا الشَّيَاطِينُ، وَمُرْتكِبًا لِلْفَوَاحِشِ، أَو ظَالِمًا لِلنَّاسِ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ. [١/ ٨٤ - ٨٥] * * * (الشِّرْكُ باللّهِ أَعْظَمُ ذَنْبِ عُصِيَ اللهُ بِهِ) ١٧٢ - اعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ أَنَّ الشِّرْكً باللهِ أَعْظَمُ ذَنْبٍ عُصِيَ الله بِهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. فَاللهَ -سُبْحَانَة- هُوَ الْمُسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ لِذَاتِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢] فَذَكَرَ الْحَمْدَ بالْأَلِفِ وَاللَّامِ الَّتِي تَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاقَ لِجَمِيعِ الْمَحَامِدِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحَمْدَ كُلَّهُ للهِ، ثُمَّ حَصَرَهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]، فَهَذَا تَفْصِيل لِقَوْلِهِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢]. فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا مَعْبُودَ إلَّا اللهُ، وَأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ أَحَدٌ سِوَاهُ. فَقَوْلُهُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ إشَارَةٌ إلَى عِبَادَتِهِ بِمَا اقْتَضَتْهُ إلَهِيَّتُهُ مِن الْمَحَبَّةِ وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ. ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ إشَارَةٌ إلَى مَا اقْتَضَتْهُ الرُّبُوبِيَّةُ مِن التَّوَكُّلِ وَالتَّفْوِيضِ

стр. 110

وَالتَّسْلِيمِ؛ لِأَنَّ الرَّبَّ -سبحانه وتعالي- هُوَ الْمَالِكُ وَفِيهِ أَيْضًا مَعْنَى الرُّبُوبِيَّةِ وَالْإِصْلَاحِ، وَالْمَالِكُ: الَّذِي يَتَصَرَّفُ فِي مُلْكهِ كَمَا يَشَاءُ. [١/ ٨٩] * * * (أنواع الشرك) ١٧٣ - الشِّرْكُ إنْ كَانَ شِرْكًا: يَكْفُرُ بِهِ صَاحِبُهُ، وَهُوَ نَوْعَانِ: أ- شِرْكٌ فِي الْإِلَهِيَّةِ. ب- وَشِرْكٌ فِي الرُّبُوبِيَّةِ. فَأَمَّا الشِّرْكُ فِي الْإِلَهِيَّةِ: فَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ للهِ نِدًّا؛ أَيْ: مِثْلًا فِي عِبَادَتِهِ أَو مَحَبَّتِهِ أَو خَوْفِهِ أَو رَجَائِهِ أَو إنَابَتِهِ، فَهَذَا هُوَ الشِّرْكُ الَّذِي لَا يَغْفِرُهُ اللهُ إلَّا بِالتَوْبَةِ مِنْهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، وَهَذَا هُوَ الَّذِي قَاتَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُشْرِكِي الْعَرَبِ لِأَنَّهُم أَشْرَكُوا فِي الْإِلَهِيَّةِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ الآيَة [البقرة: ١٦٥] ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. وَأَمَّا الرُّبوبِيَّةُ فَكَانُوا مُقِرّينَ بِهَا، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦١]. وَمَا اعْتَقَدَ أَحَدٌ مِنْهُم قَطُّ أَنَّ الْأَصْنَامَ هِيَ الَّتِي تُنْزِلُ الْغَيْثَ، وَتَرْزقُ الْعَالَمَ وَتُدَبّرُهُ (١). وَإِنَّمَا كَانَ شِرْكُهُم كَمَا ذَكَرْنَا: اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُم كَحُبِّ اللهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَن أَحَبَّ شَيْئًا مِن دُونِ اللهِ كَمَا يُحِبّ اللهَ
следующие страницы →