← Фатава

Фатава · id 879

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (3 539 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الْإِنْسَانِ مُمَاثِلًا لِلْجِسْمِ الَّذِي هُوَ بَدَنُهُ: فَكيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ الرَّبُّ ﵎ وَصِفَاتُه وَأَفْعَالُهُ مِثْل الْجِسْمِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ؟!. [٥/ ٣٥٤] ٤٥٤ - سُئِلَ بَعْضُ أئِمَّةِ نفاة الْعُلُوِّ عَن النُّزُولِ فَقَالَ: يَنْزِلُ أَمْرُهُ. فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ: فَمِمَّن يَنْزِلُ؟ مَا عِنْدَك فَوْقَ الْعَالَمِ شَيءٌ، فَمِمَّن يَنْزِلُ الْأمْرُ؟ مِن الْعَدَمِ الْمَحْضِ؟ فَبُهِتَ. [٥/ ٣٦٩] * * * (حوار إسحاق بن راهويه للأمير عبد الله بن طاهر حول مسألة النزول) ٤٥٥ - الْأحَادِيثُ الْمُتَوَاتِرَةُ عَن النَّبِيِّ ﷺ فِي إتْيَانِ الرَّبِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَثِيرَةٌ، وَكَذَلِكَ إتْيَانُهُ لِأهْلِ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهَذَا مِمَّا احْتَجَّ بِهِ السَّلَفُ عَلَى مَن يُنْكِرُ الْحَدِيثَ (١)، فَبَيَّنُوا لَهُ أَنَّ الْقُرْآنَ يُصَدِّقُ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ، كَمَا احْتَجَّ بِهِ إسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْه عَلَى بَعْض الْجَهْمِيَّة بِحَضْرَةِ الْأمِيرِ عَبْدِ اللهِ بْنِ طَاهِرٍ أَمِيرِ خُرَاسَانَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ الرباطي: حَضَرْت مَجْلِسَ الْأمِيرِ عَبْدِ اللهِ بْنِ طَاهِرٍ ذَاتَ يَوْمٍ، وَحَضَرَ إسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْه، فَسُئِلَ عَن حَدِيثِ النُّزُولِ أَصَحِيحٌ هُوَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ لَهُ بَعْضُ قُوَّادِ عَبْدِ اللهِ: يَا أبَا يَعْقُوبَ أتَزْعُمُ أَنَّ اللهَ يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: كَيْفَ يَنْزِلُ؟ قَالَ: أَثْبِتْهُ فَوْقُ حَتى أَصِفَ لَك النُّزُولَ؟ (٢) فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَثْبَتُّهُ فَوْقُ.

стр. 422

فَقَالَ لَهُ إسْحَاقُ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢]. فَقَالَ الْأَمِيرُ عَبْدُ اللهِ بْن طَاهِرٍ: يَا أَبَا يَعْقُوبَ هَذَا يَوْمُ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ إسْحَاقُ: أَعَزَّ اللهُ الْأَمِيرَ، وَمَن يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَن يَمْنَعهُ الْيَوْمَ؟ ثُمَّ بَعْدَ هَذَا إذَا نَزَلَ: هَل يَخْلُو مِنْهُ الْعَرْشُ أَو لَا يَخْلُو؟ هَذِهِ مَسْألَة أُخْرَى تَكَلَّمَ فِيهَا أَهْلُ الْإِثْبَاتِ: فَمِنْهُم مَن قَالَ: لَا يَخْلو مِنْهُ الْعَرْشُ، وَنُقِلَ ذَلِكَ عَن الْإِمَامِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ فِي رِسَالَتِهِ إلَى مُسَدَّدٍ، وَعَن إسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْه، وَحَمَّادِ بْنِ زيدٍ، وَغثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ الدارمي وَغَيْرِهِمْ. وَمِنْهُم مَن أَنْكَرَ ذَلِكَ وَطَعَنَ فِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ، وَقَالَ: رَاوِيهَا عَن أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ مَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ. وَالْقَوْلُ الْأوَّلُ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ؛ كَحَمَّادِ بْنِ زيْدٍ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْه، وَغَيْرِهِمَا. قَالَ ابْنُ بَطَّةَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّجَّادُ، ثَنَا أَحْمَد بْنُ عَلِيٍّ الْأَبَّارُ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ قَالَ: قَالَ إسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْه: دَخَلْت عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ طَاهِرٍ فَقَالَ: مَا هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي تَرْوُونَهَا؟ قُلْت: أَيُّ شَيءٍ أَصْلَحَ اللهُ الْأَمِيرَ؟ قَالَ: تَرْوُونَ أَنَّ اللهَ يَنْزِلُ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا؟ قُلْت: نَعَمْ، رَوَاهَا الثِّقَاتُ الَّذِينَ يَرْوُونَ الْأَحْكَامَ، قَالَ: أَيَنْزِلُ وَيَدَعُ عَرْشَه؟ قَالَ: فَقُلْت: يَقْدِرُ أَنْ يَنْزِلَ مِن غَيْرِ أَنْ يَخْلُوَ الْعَرْشُ مِنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْت: وَلمَ تتَكَلَّمُ فِي هَذَا. وَقَد رَوَاهَا اللكائي أَيْضًا بِإِسْنَادٍ مُنْقَطِعٍ، وَاللَّفْظُ مُخَالِف لِهَذَا. وَهَذَا الْإِسْنَادُ أَصَحُّ. وعَبْدُ اللهِ بْنُ طَاهِر -وَهُوَ مِن خِيَارِ مَن وَليَ الْأَمْرَ بِخُرَاسَانَ-: كَانَ يَعْرِفُ أَنَّ اللهَ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَأَشْكَلَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَنْزِلُ؛ لِتَوَهُّمِهِ أَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَخْلُوَ

стр. 423

مِنْهُ الْعَرْشُ، فَأَقَرَّهُ الْإِمَامُ إسْحَاقُ عَلَى أَنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ وَقَالَ لَهُ: يَقْدِرُ أَنْ يَنْزِلَ مِن غَيْرِ أَنْ يَخْلوَ مِنْهُ الْعَرْشُ؟ فَقَالَ لَهُ الْأَمِيرُ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهُ إسْحَاقُ: لِمَ تَتَكَلَّمُ فِي هَذَا؟ يَقُولُ: فَإِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ: لَمْ يَلْزَمْ مِن نُزُولهِ خُلُوُّ الْعَرْشِ مِنْهُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَرَضَ عَلَى النُّزُولِ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ خُلُوُّ الْعَرْشِ. [٥/ ٣٧٤ - ٣٧٧] وَفي الْجُمْلَةِ: فَالْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ يَخْلُو مِنْهُ الْعَرْشُ طَائِفَة قَلِيلَةٌ مِن أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَجُمْهُورُهُم عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْهُ الْعَرْشُ، وَهُوَ الْمَأثُورُ عَن الْأَئِمَّةِ الْمَعْرُوفينَ بِالسُّنَّةِ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَن أَحَدٍ مِنْهُم بِإِسْنَاد صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ أَنَ الْعَرْشَ يَخْلُو مِنْهُ (١). [٥/ ٣٩٦] * * * (الردّ على مَا حَكَاهُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ عَن بَعْضِ الْحَنْبَلِيَّةِ: أَنَّ أَحْمَد لَمْ يَتَأَوَّلْ إلَّا ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ، وهل اخْتَلَفَ اجْتِهَادُ الإمام أحمد فِي تَأْوِيلِ الْمَجِيءِ وَالْإِتْيَانِ وَالنُّزُول؟ ومعنى الأثرين: "الْحَجَر الْأَسْوَدُ يَمِينُ اللهِ في الْأَرْضِ"، "إنِّي لَأَجِدُ نَفَسَ الرَّحْمَنِ مِن جِهَةِ الْيَمَنِ ") ٤٥٦ - أَمَّا مَا حَكَاهُ أبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ عَن بَعْضِ الْحَنْبَلِيَّةِ: أَنَّ أَحْمَد لَمْ يَتَأوَّلْ إلَّا ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ: "الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ يَمِينُ اللهِ فِي الْأَرْضِ" (٢)، وَ"قُلُوبُ الْعِبَادِ

стр. 424

بَيْنَ أصْبُعَيْنِ مِن أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ" (١)، و"إِنِّي أَجِدُ نَفَسَ الرَّحْمَنِ مِن قِبَلِ الْيَمَنِ" (٢): فَهَذِهِ الْحِكَايَةُ كَذِبٌ عَلَى أَحْمَد، لَمْ يَنْقُلْهَا أَحَدٌ عَنْة بِإِسْنَاد، وَلَا يَعْرِفُ أَحَدٌ مِن أَصْحَابِهِ نَقْلَ ذَلِكَ عَنْهُ، وَهَذَا الْحَنْبَلِيُّ الَّذِي ذَكَرَ عَنْهُ أَبُو حَامِدٍ مَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ، لَا عِلْمُهُ بِمَا قَالَ، وَلَا صِدْقُهُ فِيمَا قَالَ. وَأَيْضًا: وَقَعَ النِّزَاعُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ: هَل اخْتَلَفَ اجْتِهَادُهُ فِي تَأْوِيلِ الْمَجِيءِ وَالْأِتْيَانِ وَالنُّزولِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؟ لِأَنَّ حَنْبَلًا نَقَلَ عَنْهُ فِي "الْمِحْنَةِ" أَنَّهُم لَمَّا احْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "تَجِيءُ الْبَقَرَةُ وَآلُ عِمْرَانَ كَأنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَو غَيَايَتَانِ أَو فِرْقَانِ مِن طَيْرٍ صَوَافَّ" (٣) وَنَحْوِ ذَلِكَ مِن الْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ إتْيَانُ الْقُرْآنِ وَمَجِيئُهُ. وَقَالُوا لَهُ: لَا يُوصَفُ بِالْإِتْيَانِ وَالْمَجِيءِ إلَّا مَخْلُوقٌ. فَعَارَضَهُم أَحْمَد بِقَوْلِهِ - (٤) وَأَحْمَد وَغَيْرُهُ مِن أَئِمَّةِ السُّنَّةِ فَسَّرُوا هَذَا الْحَدِيثَ بأنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَجِيءُ ثَوَابِ الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ، كَمَا ذَكَرَ مِثْل ذَلِكَ مِن مَجِيءِ الْأَعْمَالِ فِي الْقَبْرِ وَفِي الْقِيَامَةِ، وَالْفرَادُ مِنْهُ ثَوَابُ الْأَعْمَالِ. وَالنَبِيُّ ﷺ قَالَ: "اقْرَؤُوا الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا يَجِيئَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، فَلَمَّا أَمَرَ بِقِرَاءَتِهِمَا وَذَكَرَ مَجِيئَهُمَا يُحَاجَّانِ عَن الْقَارِئِ: عُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ قِرَاءَةَ الْقَارِئِ لَهُمَا، وَهُوَ عَمَلُهُ، وَأَخْبَرَ بِمَجِيءِ عَمَلِهِ الَّذِي هُوَ التِّلَاوَةُ لَهُمَا فِي الصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا، كَمَا أَخْبَرَ بِمَجِيءِ غَيْرِ ذَلِكَ مِن الْأَعْمَالِ.

стр. 425

وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا أَخْبَرَ بِمَجِيءِ الْقُرْآنِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَرَادَ بِهِ الْإِخْبَارَ عَن قِرَاءَةِ الْقَارِئِ، الَّتِي هِيَ عَمَلُهُ، وَذَلِكَ هُوَ ثَوَابُ قَارِئِ الْقُرْآنِ، لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّ نَفْسَ كَلَامِهِ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ، وَهُوَ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، يَتَصَوَّرُ صُورَةَ غَمَامَتَيْنِ. فَلَمْ يَكُن فِي هَذَا حُجَّةٌ للجهمية عَلَى مَا ادَّعَوْه - (١). ثُمَّ إنَّ الْإِمَامَ أَحْمَد فِي الْمِحْنَةِ عَارَضَهُم بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]، قَالَ: قِيلَ: إنَّمَا يَأْتِي أَمْرُهُ. هَكَذَا نَقَلَ حَنْبَلٌ، وَلَمْ يَنْقُلْ هَذَا غَيْرُهُ مِمَن نَقَلَ مُنَاظَرَتَهُ فِي "الْمِحْنَةِ"؛ كَعَبْدِ اللهِ بْنِ أَحْمَد، وَصَالِحِ بْنِ أَحْمَد، والمروذي وَغَيْرِهِ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ أَحْمَد فِي ذَلِكَ: - فَمِنْهُم مَن قَالَ: غَلِطَ حَنْبَلٌ، لَمْ يَقُلْ أَحْمَد هَذَا، وَقَالُوا: حَنْبَلٌ لَهُ غَلَطَاتٌ مَعْرُوفَة، وَهَذَا مِنْهَا، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ أَبِي إسْحَاقَ بْنِ شاقلا. - وَمِنْهُم مَن قَالَ: بَل أَحْمَد قَالَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْإِلْزَامِ لَهُمْ. يَقُولُ: إذَا كَانَ أَخْبَرَ عَن نَفْسِهِ بِالْمَجِيءِ وَالْإِتْيَانِ، وَلَمْ يَكن ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ مَخْلُوقٌ؛ بَل تَأَوَّلْتُمْ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ جَاءَ أَمْرُهُ، فَكَذَلِكَ قُولُوا: جَاءَ ثَوَابُ الْقُرْآنِ، لَا أَنَّهُ نَفْسُهُ هُوَ الْجَائِي؛ فَإِنَّ التَّأوِيلَ هُنَا أَلْزَمُ؛ فَإِنَّ الْمُرَادَ هُنَا الْإِخْبَارُ بِثَوَابِ قَارِئِ الْقُرْآنِ، وَثَوَابُهُ عَمَلٌ لَهُ، لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْإِخْبَارَ عَن نَفْسِ الْقُرْآنِ. فَإِذَا كَانَ الرَّبُّ قَد أَخْبَرَ بِمَجِيءِ نَفْسِهِ ثُمَّ تَأَوَّلْتُمْ ذَلِكَ بِاَمْرِهِ، فَإِذَا أَخْبَرَ بِمَجِيءِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فَلَأَنْ تتَأَوَّلُوا ذَلِكَ بِمَجِيءِ ثَوَابِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى. وإِذَا قَالَهُ لَهُم عَلَى سَبِيلِ الْإِلْزَامِ: لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَكونَ مُوَافِقًا لَهُم عَلَيْهِ، وَهُوَ لَا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَلْتَزِمَ هَذَا؛ فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَهُ نَظَائِرُ كَثِيرَة فِي مَجِيءِ

стр. 426

أَعْمَالِ الْعِبَادِ، وَالْمُرَادُ مَجِيءُ قِرَاءَةِ الْقَارِئِ الَّتِي هِيَ عَمَلُهُ، وَأَعْمَالُ الْعِبَادِ مَخْلُوقَة، وَثَوَابُهَا مَخْلُوقٌ. وَلهَذَا قَالَ أَحْمَد وَغَيْرُهُ مِن السَّلَفِ: أنَّهُ يَجِيءُ ثَوَابُ الْفرْآنِ، وَالثَّوَابُ إنَّمَا يَقَعُ عَلَى أَعْمَالِ الْعِبَادِ، لَا عَلَى صِفَاتِ الرَّبِّ وَأَفْعَالِهِ. وَذَهَبَ طَائِفَةٌ ثَالِثَةٌ مِن أَصْحَابِ أَحْمَد إلَى أَنَّ احْمَد قَالَ هَذَا ذَلِكَ الْوَقْتُ، وَجَعَلُوا هَذَا رِوَايَةً عَنْهُ، ثُثَم مَن يَذْهَبُ مِنْهُم إلَى التَّأوِيلِ - كَابْنِ عَقِيل وَابْنِ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرِهِمَا- يَجْعَلُونَ هَذِهِ عُمْدَتَهُمْ، حَتَّى يَذْكُرَهَا أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَلَا يَذْكُرُ مِن كَلَامِ أَحْمَد وَالسَّلَفِ مَا يُنَاقِضُهَا. وَلَا ريبَ أَنَّ الْمَنْقُولَ الْمُتَوَاتِرَ عَن أحْمَد يُنَاقِضُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ، وَيُبَيِّنُ أنَّهُ لَا يَقُولُ: إنَّ الرَّبَّ يَجِيءُ وَيَأْتِي وَيَنْزِلُ أَمْرُهُ؛ بَل هُوَ يُنْكِرُ عَلَى مَن يَقُولُ ذَلِكَ. * * * ٤٥٧ - وسُئِلَ الشَّيْخُ تَقِي الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَد ابْنُ تَيْمِيَّة - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -: عَن قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ يَمِينُ اللهِ فِي الْأَرْضِ" (١)، وَقَوْلِهِ: "إني لَأَجِدُ نَفَسَ الرَّحْمَنِ مِن جِهَةِ الْيَمَنِ" (٢). فَأَجَابَ ﵀: أَمَّا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: فَقَد رُوِيَ عَن النَّبِيِّ ﷺ بِإِسْنَاد لَا يَثْبُتُ، وَالْمَشْهُورُ إنَّمَا هُوَ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ يَمِينُ اللهِ فِي الْأَرْضِ، فَمَن صَافَحَهُ وَقَبَّلَهُ فَكَأنَّمَا صَافَحَ اللهَ وَقَبَّلَ يَمِينَةُ". وَمَن تَدَبَّرَ اللَّفْظَ الْمَنْقُولَ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ لَا إشْكَالَ فِيهِ إلَّا عَلَى مَن لَمْ يَتَدَبَّرْهُ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: "يَمِينُ اللهِ فِي الْأَرْضِ" فَقَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ: "فِي الْأَرْضِ"، وَلَمْ يُطْلِقْ فَيَقُولَ

стр. 427

يَمِينُ اللهِ، وَحُكْمُ اللَّفْظِ الْمُقَيَّدِ يُخَالِفُ حُكْمَ اللَّفْظِ الْمُطْلَقِ (١). ثُمَّ قَالَ: "فَمَن صَافَحَهُ وَقَبَّلَهُ فَكأنَّمَا صَافَحَ اللهَ وَقَبَّلَ يَمِينَهُ" وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُشَبَّهَ غَيْرُ الْمُشَبَّهِ بِهِ، وَهَذَا صَرِيخ فِي أَنَّ الْمُصَافِحَ لَمْ يُصَافِحْ يَمِينَ اللهِ أَصْلًا، وَلَكِنْ شُبِّهَ بِمَن يُصَافِحُ اللهَ، فَأَوَّلُ الْحَدِيثِ وَآخِرُهُ يُبَيِّنُ أَنَّ الْحَجَرَ لَيْسَ مِن صِفَاتِ اللهِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَ كُلِّ عَاقِلٍ، وَلَكِنْ يُبَيِّنُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى كَمَا جَعَلَ لِلنَّاسِ بَيْتًا يَطُوفُونَ بِهِ: جَعَلَ لَهُم مَا يَسْتَلِمُونَهُ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ تَقْبِيلِ يَدِ الْعُظَمَاءِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ تَقْرِيبٌ لِلْمُقَبِّلِ وَتَكْرِيمٌ لَهُ، كَمَا جَرَت الْعَادَةُ. وَأمَّا الْحَدِيثُ الثَّانِي: فَقَوْلُهُ: "مِن الْيَمَنِ" يُبَيِّن مَقْصُودَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلْيَمَنِ اخْتِصَاصٌ بصِفَاتِ اللهِ تَعَالَى حَتَى يُظَنَّ ذَلِكَ، وَلَكنْ مِنْهَا جَاءَ الَّذِينَ يُحِبُّهُم وُيحِبُّونَهُ، الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]. وَهَؤُلَاءِ هُم الَّذِينَ قَاتَلُوا أَهْلَ الرِّدَّةِ، وَفَتَحُوا الْأمْصَارَ، فَبِهِم نَفَّسَ الرَّحْمَنُ عَن الْمُؤمِنينَ الْكُرُبَاتِ، وَمَن خَصَّصَ ذَلِكَ بِأوَيْسِ فَقَد أَبْعَدَ. [٦/ ٣٩٧ - ٣٩٨] * * * (خطأ تَأْوِيل الْمَجِيءِ وَالْإِتْيَانِ وَالنُّزُولِ وَنَحْوِ ذَلِكَ بِمَعْنَى الْقَصْدِ وَالْإِرَادَةِ) ٤٥٨ - تَأوِيلُ الْمَجِيءِ وَالْإِتْيَانِ وَالنزُولِ وَنَحْوِ ذَلِكَ بِمَعْنَى الْقَصْدِ وَالْإِرَادَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ: فوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ، وَتَأوَّلُوا ذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [فصلت: ١١]، وَجَعَلَ ابْنُ الزَّاغُونِي وَغَيْرُهُ ذَلِكَ هُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمَد.

стр. 428

وَالصَّوَابُ: أَنَّ جَمِيعَ هَذِهِ التَّأوِيلَاتِ مُبْتَدَعَةٌ، لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِن الصَّحَابَةِ شَيْئا مِنْهَا، وَلَا أَحَدٌ مِن التَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَانٍ، وَهِيَ خِلَافُ الْمَعْرُوفِ الْمُتَوَاتِرُ عَن أَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ: أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِ مِن أَئِمَّةِ السُّنَّةِ. [٥/ ٤٠٩] * * * (كراهة السَّلَف أَنْ تُرَدَّ الْبِدْعَةُ بِالْبِدْعَةِ) ٤٥٩ - كَرِهَ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ -كَالْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ- أَنْ تُرَدَّ الْبِدْعَةُ بِالْبِدْعَةِ، فَكَانَ أَحْمَد فِي مُنَاظَرَتِهِ للجهمية لَمَّا نَاظَرُوهُ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ، وَأَلْزَمَهُ أَبُو عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بُرْغُوثٌ أَنَّهُ إذَا كَانَ غَيْرَ مَخْلُوقٍ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ اللهُ جِسْمًا، وَهَذَا مُنْتَفٍ، فَلَمْ يُوَافِقْهُ أَحْمَد لَا عَلَى نَفْيِ ذَلِكَ وَلَا عَلَى إثْبَاتِهِ؛ بَل قَالَ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]. وَنَبَّهَ أَحْمَد عَلَى أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَا يَدْري مَا يُرِيدُونَ بِهِ، وَإِذَا لَمْ يَعْرفْ مُرَاد الْمُتَكَلِّمِ بِهِ لَمْ يُوَافِقْة، لَا عَلَى إثْبَاتِهِ وَلَا عَلَى نَفْيِهِ. فَإِنْ ذَكَرَ مَعْنًى أَثْبَتَهُ اللهُ وَرَسولُهُ أَثْبَتْنَاهُ، وَإِن ذَكَرَ مَعْنًى نَفَاهُ اللهُ وَرَسُولُهُ نَفَيْنَاهُ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ الْمُبِينِ، وَلَمْ نَحْتَجْ إلَى أَلْفَاظٍ مُبْتَدَعَةٍ فِي الشَّرْعِ، مُحَرَّفَةٍ فِي اللُّغَةِ، وَمَعَانِيهَا مُتَنَاقِضَةٌ فِي الْعَقْلِ؛ فَيَفْسُدُ الشَّرْعُ وَاللُّغَةُ وَالْعَقْلُ. وَكَذَلِكَ أَيْضًا لَفْظُ "الْجَبْرِ" كَرِهَ السَّلَفُ أَنْ يُقَالَ جَبَرَ، وَأَنْ يُقَالَ مَا جَبَرَ. [٥/ ٤٢٩ - ٤٣٠] * * * (الأدلة عَلَى عَوْدِ الرُّوحِ إلَى الْبَدَنِ بعد الموت) ٤٦٠ - عَن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إنَّ الْمَيِّتَ تَحْضُرُهُ الْمَلَائِكَةُ، فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَيَقُولُونَ: اُخْرُجِي أيَّتُهَا النَّفْسُ الطَيِّبَةُ .. وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ السَّوْءُ قَالَ: أُخْرُجِي أيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ .. ثُمَّ يُعْرَجُ بِهَا إلَى السَّمَاءِ

стр. 429

فَيُسْتَفْتَحُ لَهَا فَيُقَالُ: مَن هَذَا؟ فَيُقَالُ: فُلَانٌ فَيَقُولُونَ: لَا مَرْحَبًا بِالنفْسِ الْخَبِيثَةِ، كَانَت فِي الْجَسَدِ الْخَبِيثِ، ارْجِعِي ذَمِيمَةً، فَإنَّهَا لَنْ تُفْتَحَ لَك أَبْوَابُ السَّمَاءِ، فَتُرْسَلُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَتَصِيرُ إلَى قَبْرِهِ .. " (١) وَالْمَقْصُودُ أَنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَوْلَهُ: "فَيَصِيرُ إلَى قَبْرِهِ" كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رُوِيَ مِن طُرُقٍ تُصَدِّقُ حَدِيثَ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ .. مَعَ أَنَّ سَائِرَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ تَدُلُّ عَلَى عَوْدِ الرُّوحِ إلَى الْبَدَنِ؛ إذ الْمَسْأَلَةُ لِلْبَدَنِ بِلَا رُوحٍ قَوْلٌ قَالَهُ طَائِفَةٌ مِن النَّاسِ، وَأَنْكَرَهُ الْجُمْهُورُ. وَكَذَلِكَ السُّؤَالُ لِلرُّوحِ بِلَا بَدَنٍ: قَالَهُ ابْنُ مَيْسَرَةَ وَابْنُ حَزْمٍ. وَلَو كَانَ كَذَلِكَ: لَمْ يَكُن لِلْقَبْرِ بِالرُّوحِ اخْتِصَاصٌ. وَزَعَمَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ لا الْعَوْدَ" لَمْ يَرْوِهِ إلَّا زاذان عَن الْبَرَاءِ وَضَعَّفَهُ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَهُ؛ بَل رَوَاهُ غَيْرُ زاذان عَن الْبَرَاءِ .. مَعَ أَنَّ زاذان مِن الثِّقَاتِ، رَوَى عَن أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ كَعُمَر وَغَيْرِهِ، وَرَوَى لَهُ مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ" وَغَيْرُهُ. وَحَدِيثُ زاذان مِمَّا اتَّفَقَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ عَلَى رِوَايَتهِ وَتَلَقِّيه بِالْقَبُولِ. وَأَرْوَاحُ الْمُومِنِينَ فِي الْجَنَّةِ وَإِن كَانَت مَعَ ذَلِكَ قَد تُعَادُ إلَى الْبَدَنِ؛ كَمَا أَنَّهَا تَكُونُ فِي الْبَدَنِ ويُعْرَجُ بِهَا إلَى السَّمَاءِ كَمَا فِي حَالِ النَّوْمِ: أَمَّا كَوْنُهَا فِي الْجَنَّةِ فَفِيهِ أَحَادِيثُ عَامَّة، وَقَد نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَحْمَد وَغَيْرُهُ مِن الْعُلَمَاءِ، وَاحْتَجُّوا بِالْأَحَادِيثِ الْمَأثُورَةِ الْعَامَّةِ، وَأَحَادِيثَ خَاصَّةٍ فِي النَّوْمِ وَغَيْرِهِ. فَالْأوَّلُ: مِثْلُ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ الْمَشْهُورِ .. أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يعلقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُرْجِعَهُ اللهُ إلَى جَسَدِهِ"، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يعلقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى جَسَدِهِ، رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَد وَالنَّسَائِي وَابْنُ

стр. 430

مَاجَه وَالتّرْمِذِي، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَن صَحِيحٌ (١). وَهَذ الْإِعَادَةُ هِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)﴾ [طه: ٥٥] لَيْسَتْ هِيَ النَّشْاَةَ الثَّانِيَةَ. [٤٤٥ - ٤٤٩] * * * (معنى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾) ٤٦١ - عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي تَفْسِيرِ هَذ الْآيَةِ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، قَالَ: تَلْتَقِي أَرْوَاحُ الْأَحْيَاءِ فِي الْمَنَامِ بِأَرْوَاحِ الْمَوْتَى، وَيتَسَاءَلُونَ بَيْنَهُمْ، فَيُمْسِكُ اللهُ أَرْوَاحَ الْمَوْتَى، ويُرْسِل أَرْوَاحَ الْأَحْيَاءِ إلَى أَجْسَادِهَا. وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدِ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ .. عَن السدي ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾، قَالَ: يَتَوَفَّاهَا فِي مَنَامِهَا، قَالَ: فتلْتَقِي رُوحُ الْحَيِّ وَرُوحُ الْمَيِّتِ فَيَتَذَاكَرَانِ وَيَتَعَارَفَانِ، فَتَرْجِعُ رُوحُ الْحَيِّ إلَى جَسَدِهِ فِي الدُّنْيَا إلَى بَقِيَّةِ أَجَلِهِ فِي الدُّنْيَا، وَتُرِيدُ رُوحُ الْمَيِّتِ أَنْ تَرْجِعَ إلَى جَسَدِهِ فَتُحْبَس. وَهَذَا أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ، وَهوَ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ [الزمر: ٤٢] أُرِيدَ بِهَا أَنَ مَن مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ لَقِيَ رُوحَ الْحَيِّ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي -وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ-: أَنَّ كُلًّا مِن النَّفْسَيْنِ الْمُمْسَكَةِ وَالْمُرْسَلَةِ تُوُفِّيَتَا وَفَاةَ النَّوْمِ، وَأَمَّا الَّتِي تُوُفِّيَتْ وَفَاةَ الْمَوْتِ فَتِلْكَ قِسْمٌ ثَالِثٌ، وَهِيَ الَّتِي قَدَّمَهَا بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾، وَعَلَى هَذَا يَدُلُّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ؛ فَإِنَّ اللهَ قَالَ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر:

стр. 431

٤٢] فَذَكَرَ إمْسَاكَ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتُ مِن هَذِهِ الْأَنْفُسِ الَّتِي تَوَفَّاهَا بِالنَّوْمِ، وَأَمَّا الَّتِي تَوَفَّاهَا حِينَ مَوْتِهَا فَتِلْكَ لَمْ يَصِفْهَا بِإِمْسَاك وَلَا إرْسَالٍ، وَلَا ذَكَرَ فِي الْآيَةِ الْتِقَاءَ الْمَوْتَى بِالنِّيَامِ. وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ الْآيَةَ تتنَاوَلُ النَّوْعَيْنِ؛ فَإِنَّ اللهَ ذَكَرَ تَوْفِيَتَيْنِ: أ - تَوَفِّي الْمَوْتِ. ب - وَتَوَفِّي النَّوْمِ. وَذَكَرَ إمْسَاكَ الْمُتَوَفَّاةِ، وَإِرْسَالَ الْأخْرَى. وَمَعْلُومٌ أَنَهُ يُمْسِكُ كُلَّ مَيتَةٍ، سَوَاءٌ مَاتَتْ فِي النَّوْمِ أَو قَبْلَ ذَلِكَ، ويُرْسِلُ مَن لَمْ تَمُتْ. وَقَوْلُهُ: ﴿يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ يَتَنَاوَلُ مَا مَاتَتْ فِي الْيَقَظَةِ وَمَا مَاتَتْ فِي النَّوْمِ، فَلَمَّا ذَكَرَ التَّوْفِيَتَيْنِ ذَكَرَ أَنَّهُ يُمْسِكهَا فِي أَحَدِ التَّوْفِيَتَيْنِ ويُرْسِلُهَا فِي الْأُخْرَى، وَهَذَا ظَاهِرُ اللَّفْظِ وَمَدْلُولُهُ بِلَا تَكَلُّفٍ. وَمَا ذُكرَ مِن الْتِقَاءِ أَرْوَاحِ النِّيَامِ وَالْمَوْتَى لَا يُنَافِي مَا فِي الْآيَةِ، وَلَيْسَ فِي لَفْظِهَا دَلَالَة عَلَيْهِ، لَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ يَقْتَضِي أَنَّهُ يُمْسِكُهَا لَا يُرْسِلُهَا كَمَا يُرْسِلُ النَّائِمَةَ، سَوَاءٌ تَوَفَّاهَا فِي الْيَقَظَةِ أَو فِي النَّوْمِ؛ وَلذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اللَّهُمَّ أَنْتَ خَلَقْت نَفْسِي وَأَنْتَ تَتَوَفَّاهَا، لَك مَمَاتُهَا وَمَحْيَاهَا، فَإِنْ أَمْسَكْتهَا فَارْحَمْهَا، وَإِن أَرْسَلْتهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَك الصَّالِحِينَ" (١). فَوَصَفَهَا بِأَنَّهَا فِي حَالِ تَوَفِّي النَّوْمِ: إمَّا مُمْسَكَة وَإِمَّا مُرْسَلَة. وَإِذَا كَانَت الرُّوحُ تَعْرُجُ إلَى السَّمَاءِ مَعَ أَنَّهَا فِي الْبَدَنِ: عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ عُرُوجُهَا مِن جِنْسِ عُرُوجِ الْبَدَنِ الَّذِي يَمْتَنِعُ هَذَا فِيهِ.

стр. 432

وَعُرُوجُ الْمَلَائِكَةِ وَنُزُولُهَا مِن جِنْسِ عُرُوجِ الرُّوحِ وَنُزُولهَا، لَا مِن جِنْسِ عُرُوجِ الْبَدَنِ وَنُزُولهِ. وَضعُودُ الرَّبِّ فَوْقَ هَذَا كُلِّهِ وَأَجَلُّ مِن هَذَا كُلِّهِ؛ فَإِنَّهُ تَعَالَى أَبْعَدُ عَن مُمَاثَلَةِ كُلِّ مَخْلُوقٍ مِن مُمَاثَلَةِ مَخْلُوقٍ لِمَخْلُوق. وإذَا عُرِفَ هَذَا: فَإِنَّ لِلْمَلَائِكَةِ مِن ذَلِكَ مَا يَلِيقُ بِهِمْ، وَإِنَّ مَا يُوصَفُ بِهِ الرَّبُّ ﵎ هُوَ أَكْمَلُ وَأَعْلَى وَأَتَمُّ مِن هَذَا كُلِّهِ. وَحِينَئِذٍ فَإِذَا قَالَ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ؛ كَحَمَّادِ بْنِ زيدٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْه وَغَيْرِهِمَا مِن أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَةِ أَنَّهُ يَنْزِلُ وَلَا يَخْلُو مِنْهُ الْعَرْشُ: لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَالَ: إنَّ ذَلِكَ مُمْتَنِعُ؛ بَل إذَا كَانَ الْمَخْلُوقُ يُوصَفُ مِن ذَلِكَ بِمَا يَسْتَحِيلُ مِن مَخْلُوقٍ آخَرَ؛ فَالرُّوحُ تُوصَفُ مِن ذَلِكَ بِمَا يَسْتَحِيلُ اتِّصَافُ الْبَدَنِ بِهِ، كَانَ جَوَازُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الرَّب ﵎ أَوْلَى مِن جَوَازِهِ مِن الْمَخْلُوقِ كَأرْوَاحِ الْآدَمِيِّينَ وَالْمَلَائِكَةِ. [٥/ ٤٥٢ - ٤٥٩] * * * (ما المقصود بلَفْظِ الليل والنَّهَار فِي كَلَامِ الشَّارِعِ ؟) ٤٦٢ - النُّزُولُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ -عَلَى قَائِلِهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ- الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (١)، وَاتَّفَقَ عُلَمَاءُ الْحَدِيثِ عَلَى صِحَّتِهِ: هُوَ: "يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يَقُولُ: مَن يَدْعُوني فَاَسْتَجِيبَ لَهُ، مَن يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَن يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ". وَأَمَّا رِوَايَةُ النِّصْفِ وَالثُّلُثَيْنِ فَانْفَرَدَ بِهَا مُسْلِمٌ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ (٢)، وَقَد قَالَ التِّرْمِذِيُّ: إنَّ أَصَحَّ الرّوَايَاتِ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ: "إذَا بَقِيَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرِ".

стр. 433

وَقَد رُوِيَ عَن النَّبِيِّ ﷺ مِن رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ مِن الصَّحَابَةِ كَمَا ذَكَرْنَا قَبْلَ هَذَا، فَهوَ حَدِيث مُتَوَاتِرٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ. وَاَلَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ: "إذَا بَقِيَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرِ". فَإِنْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَد ذَكَرَ النُّزولَ أَيْضًا: "إذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأوَّلِ لا "وَإِذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ": فَقَوْلُهُ حَقٌّ، وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ (١)، وَيَكُونُ النُّزُولُ أَنْوَاعًا ثَلَاثَةً: الْأَوَّلُ إذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ إذَا انْتَصَفَ وَهُوَ أَبْلَغ، ثُمَّ إذَا بَقِيَ ثُلُثُ اللَّيْلِ وَهُوَ أَبْلَغُ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ. وَلَفْظُ "اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ" فِي كَلَامِ الشَّارعِ إذَا أُطْلِقَ: فَالنَّهَارُ مِن طُلُوعِ الْفَجْرِ كَمَا فِي قَولِهِ -سبحانه وتعالي-: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤]، وَكَمَا فِي قَوْلِهِ ﷺ : "صُمْ يَوْمًا وَأفطِرْ يَوْمًا" (٢) وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا أَرَادَ صَوْمَ النَّهَارِ مِن طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَكَذَلِكَ وَقْتُ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَأَوَّلُ وَقْتِ الصِّيَامِ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ الْمَعْلُومِ لِلْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ وَالْإِجْمَاعِ الَّذِي لَا ريبَ فِيهِ بَيْنَ الْأُمَّةِ. وَأَمَّا إذَا قَالَ الشَّارعُ ﷺ : "نِصْفُ النَّهَارِ": فَإِنَّمَا يَعْنِي بِهِ: النَّهَارَ الْمُبْتَدِئَ مِن طُلُوعِ الشَّمْسِ، لَا يُرِيدُ قَطُّ -لَا فِي كَلَامِهِ وَلَا فِي كَلَامِ أَحَدٍ مِن عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِنِصْفِ النَّهَارِ- النَّهَارَ الَّذِي أَوَّلُهُ مِن طُلُوعِ الْفَجْرِ؛ فَإِنَّ نِصْفَ هَذَا يَكُونُ قَبْلَ الزَّوَالِ. وَالنَّبِيَّ ﷺ لَمَّا أَخْبَرَ بِالنُّزُولِ إذَا بَقِيَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، فَهَذَا اللَّيْلُ الْمُضَافُ إلَيْهِ الثُّلُث يَظْهَرُ أَنَّهُ مِن جِنْسِ النَّهَارِ الْمُضَافِ إلَيْهِ النِّصْفُ، وَهُوَ الَّذِي يَنْتَهِي إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ.

стр. 434

وَكَذَلِكَ لمَّا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَقْتُ الْعِشَاءِ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ أَو إلَى الثُّلُثِ": فَهُوَ هَذَا اللَّيْلُ. وَكَذَلِكَ الْفُقَهَاءُ إذَا أَطْلَقُوا ثُلُثَ اللَّيْلِ وَيصْفَهُ: فَهُوَ كَإِطْلَاقِهِمْ نِصْفَ النَّهَارِ. وَهَكَذَا أَهْلُ الْحِسَابِ لَا يَعْرِفُونَ غَيْرَ هَذَا. وَقَد يُقَالُ: بَل هُوَ اللَّيْلُ الْمُنْتَهِي بِطُلُوعِ الْفَجْرِ (١)، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "أَفْضَلُ الْقِيَامِ قِيَامُ دَاوُد، كانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، ويقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ" (٢)، وَالْيَوْمُ الْمُعْتَادُ الْمَشْرُوعُ وإلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ بَل إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ. [٥/ ٤٧٠ - ٤٧٢] * * * (بيان قدرة الله على الحساب وسماع الداعي والنزول، دون أن يشغله شأن عن شأن) ٤٦٣ - ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" أَنَّهُ -سبحانه- يَنْزِلُ، وَفِي لَفْظٍ: "يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرِ" (٣)، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: "أقرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِن عَبْدِهِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الْآخِرِ" (٤).

стр. 435

أَمَّا النُّزُولُ الَّذِي لَا يَكُونُ مِن جِنْسِ نُزُولِ أَجْسَامِ الْعِبَادِ: فَهَذَا لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ لِخَلْق كَثِيرٍ، وَيَكُونُ قَدْرُهُ لِبَعْضِ النَّاسِ أَكْثَرَ؛ بَل لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَقْرُبَ إلَى خَلْقٍ مِن عِبَادِهِ دُونَ بَعْضٍ، فَيَقْرُبُ إلَى هَذَا الَّذِي دَعَاهُ دُونَ هَذَا الَّذِي لَمْ يَدْعُهُ. وَجَمِيعُ مَا وَصَفَ بِهِ الرَّبُّ نَفْسَهُ مِن الْقُرْبِ: فَلَيْسَ فِيهِ مَا هُوَ عَامٌّ لِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ كَمَا فِي الْمَعِيَّةِ؛ فَإِنَّ الْمَعِيَّةَ وَصَفَ نَفْسَهُ فِيهَا بِعُمُومٍ وَخُصُوصٍ. وَأَمَّا قُرْبُهُ مِمَّا يَقْرُبُ مِنْهُ: فَهُوَ خَاصٌّ لِمَن يَقْرُبُ مِنْهُ؛ كَالدَّاعِي، وَالْعَابِدِ، وَكَقُرْبِهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، وَدُنُوِّهِ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا لِأَجْلِ الْحُجَّاجِ، وَإِن كَانَت تِلْكَ الْعَشِيَّةُ بِعَرَفَةَ قَد تَكُونُ وَسَطَ النَّهَارِ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ، وَتَكُونُ لَيْلًا فِي بَعْضِ الْبِلَادِ؛ فَإِنَّ تِلْكَ الْبِلَادَ لَمْ يَدْنُ إلَيْهَا وَلَا إلَى سَمَائِهَا الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا دَنَا إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا الَّتِي عَلَى الْحُجَّاجِ، وَكَذَلِكَ نُزُولُهُ بِاللَّيْلِ. وَهَذَا كَمَا أَنَّ حِسَابَهُ لِعِبَادِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُحَاسِبُهُم كُلَّهُم فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَكل مِنْهُم يَخْلُو بِهِ كَمَا يَخْلُو الرَّجُلُ بِالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ، وَذَلِكَ الْمُحَاسَبُ لَا يَرَى أَنَّهُ يُحَاسَبُ غَيْرُهُ. قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: كَيْفَ يُحَاسِبُ اللهُ الْعِبَادَ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ؟ قَالَ: كَمَا يَرْزُقُهُم فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ. وَكَذَلِكَ مَا ثَبَتَ فِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" (١) عَن أَبِي هُرَيْرَةَ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَبعَبْدِي مَا سَأَل، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢]، قَالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾، قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾، قَالَ: مَجَّدَنِي

стр. 436

عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ قَالَ: هَدَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، ولعَبْدِي مَا سَأَل، فَإذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلعَبْدِي مَا سَأَلَ". فَهَذَا يَقُولُهُ -سبحانه وتعالي- لِكُلِّ مُصَلٍّ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ، فَلَو صَلَّى الرَّجُلُ مَا صَلَّى مِن الرَّكَعَاتِ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ، وَفِي تِلْكَ السَّاعَةِ يُصَلِّي مَن يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ مَن لَا يُحْصِي عَدَدَة إلَّا اللهُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُم يَقُولُ اللهُ لَهُ كَمَا يَقُولُ لِهَذَا، كَمَا يُحَاسِبُهُم كَذَلِكَ، فَيَقُولُ لِكلِّ وَاحِدٍ مَا يَقُولُ لَهُ مِن الْقَوْلِ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَكَذَلِكَ سَمْعُهُ لِكَلَامِهِمْ، يَسْمَع كَلَامَهُم كُلَّهُ مَعَ اخْتِلَافِ لُغَاتِهِمْ، وَتَفَنُّنِ حَاجَاتِهِمْ، يَسْمَعُ دعَاءَهُم سَمْعَ إجَابَةٍ، ويسْمَعُ كُلَّ مَا يَقولُونَهُ سَمْعَ عِلْمٍ وَإِحَاطَةٍ، لَا يَشْغَلُهُ سَمْعٌ عَن سَمْعٍ، وَلَا تُغَلِّطُهُ الْمَسَائِلُ، وَلَا يَتَبَرَّمُ بِإِلْحَاحِ الْمُلِحِّينَ؛ فَاِنَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَ هَذَا كُلَّهُ، وَهُوَ الَّذِي يَرْزُقُ هَذَا كُلَّهُ، وَهُوَ الَّذِي يُوَصِّلُ الْغِذَاءَ إلَى كُلِّ جُزْءٍ مِن الْبَدَنِ عَلَى مِقْدَارِهِ وَصِفَتِهِ الْمُنَاسِبَةِ لَهُ، وَكَذَلِكَ مِن الزَّرْعِ. وَكرْسِيُّهُ قَد وَسِعَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا، فَإِذَا كَانَ لَا يَؤُودُهُ خَلْقُهُ وَرِزْقُهُ عَلَى هَذِهِ التَّفَاصِيلِ: فَكيْفَ يَؤُودُهُ الْعِلْمُ بِذَلِكَ؟ أَو سَمْعُ كَلَامِهِمْ؟ أَو رُؤَيةُ أَفْعَالِهِمْ؟ أَو إجَابَةُ دُعَائِهِمْ؟ -سبحانه وتعالي- عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧]. [٥/ ٤٧٨ - ٤٨٠] * * * (الْمَلَكُ والشَّيْطَان يعلمان مَا فِي قَلْبِ بْنِ آدَمَ) ٤٦٤ - الْمَلَكُ يَعْلَمُ مَا يَهُمُّ بِهِ الْعَبْدُ مِن حَسَنَةٍ وَسَيِّئَةٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِن عِلْمِهِمْ بِالْغَيْبِ الَّذِي اُخْتُصَّ اللهُ بِهِ .. بَل مَا فِي قَلْبِ ابْنِ آدمَ يَعْلَمُونَهُ؛ بَل وَيُبْصِرُونَهُ ويسْمَعُونَ وَسْوَسَةَ نَفْسِهِ؛ بَل الشَّيْطَانُ يَلْتَقِمُ قَلْبَهُ:

стр. 437

- فَإِذَا ذُكِرَ اللهُ: خَنَسَ. - وَإِذَا غَفَلَ قَلْبُهُ عَن ذِكْرِهِ: وَسْوَسَ. وَيَعْلَمُ: هَل ذَكَرَ اللهَ أَمْ غَفَلَ عَن ذِكْرِهِ؟ وَيَعْلَمُ مَا تَهْوَاهُ نَفْسُهُ مِن شَهَوَاتِ الْغَيِّ فَيُزيِّنُهَا لَهُ. [٥/ ٥٠٨] ٤٦٥ - وسُئِلَ ﵀ عَن قَوْلِهِ ﷺ : "إذَا هَمَّ الْعَبْدُ بِالْحَسَنَةِ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً" الْحَدِيثَ (١). فَإذَا كَانَ الْهَمُّ سِرًّا بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ رَبِّهِ فَكَيْفَ تَطَّلِعُ الْمَلَائِكَةُ عَلَيْهِ؟ فَأجَابَ: رُوِيَ عَن سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَة فِي جَوَابِ هَذِهِ الْمَسْألَةِ قَالَ: "إنَّهُ إذَا هَمَّ بِحَسَنَةٍ شَمَّ الْمَلَكُ رَائِحَةَ طَيِّبَةً، وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئةٍ شَمَّ رَائِحَة خَبِيثَةً". وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ اللهَ قَادِرٌ أَنْ يُعْلِمَ الْمَلَائِكَةَ بِمَا فِي نَفْسِ الْعَبْدِ كَيْفَ شَاءَ، كَمَا هُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُطْلِعَ بَعْضَ الْبَشَرِ عَلَى مَا فِي الْإِنْسَانِ. فَإِذَا كَانَ بَعْضُ الْبَشَرِ قَد يَجْعَلُ اللهُ لَهُ مِن الْكَشْفِ مَا يَعْلَمُ بِهِ أحْيَانًا مَا فِي قَلْبِ الْإِنْسَانِ: فَالْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِالْعَبْدِ أَوْلَى بِأَنْ يُعَرِّفَهُ اللهُ ذَلِكَ. [٤/ ٢٥٣ - ٢٥٤] * * * (المراد بالْبَاطِلِ) ٤٦٦ - لفْظُ الْبَاطِلِ: يُرَادُ بِهِ الْمَعْدُومُ، ويُرَادُ بِهِ مَا لَا يَنْفَعُ؛ كَقَوْلِ النَّبِيَّ ﷺ : "كُلُّ لَهْوٍ يَلْهُو بِهِ الرَّجُلُ فَهُوَ بَاطِلٌ؛ إلا رَمْيَهُ بِقَوْسِهِ، وَتَأدِيبَهُ فَرَسَهُ، وَمُلَاعَبَتَهُ لِزَوْجَتِهِ؛ فَإِنَّهُنَّ مِن الْحَقِّ" (٢). فَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا شَاعِرٌ كَلِمَةُ لَبِيَدٍ: أَلَا كُلُّ شَيءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ

стр. 438

هَذَا مَعْنَاهُ، أَنَّ كُل مَعْبُودٍ مِن دُونِ اللهِ بَاطِلٌ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج: ٦٢]. [٥/ ٥١٦ - ٥١٧] * * * (معنى الاستواء في قوله تعالي: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الفرقان: ٥٩]) ٤٦٧ - قَالَ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ: حدثَنَا عِصَامُ بْنُ الرواد، حدثَنَا آدمَ، حدثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ عَن الرَّبِيعِ عَن أَبِي الْعَالِيَةِ ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [فصلت: ١١]، يَقُولُ: ارْتَفَعَ. قَالَ: وَرُوِيَ عَن الْحَسَنِ - يَعْني: الْبَصْرِيَّ - وَالرَّبِيعَ بْنَ أَنَسٍ مِثْلُهُ كَذَلِكَ. وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ" فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ قَالَ: قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ ارْتَفَعَ فَسَوَّى خَلْقَهُنَّ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ عَلَا عَلَى الْعَرْشِ. وَقَالَ أَبُو عَمْرو الطلمنكي (١): قَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]، الِاسْتِوَاءُ مِن اللهِ عَلَى عَرْشِهِ الْمَجِيدِ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا عَلَى الْمَجَازِ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِ اللهِ: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨] .. إلَّا أَنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ مِن أَهْلِ الْإِثْبَاتِ فِي هَذَا عَلَى أَقْوَالِ: فَقَالَ مَالِكٌ ﵀: إنَّ الِاسْتِوَاءَ مَعْقُولٌ، وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ، وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَة. وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَمَن تَابَعَهُ مِن أَهْلِ الْعِلْمِ وَهُم كَثِيرٌ: إنَّ مَعْنَى اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ: اسْتَقَرَّ. وَقَالَ غَيْرُ هَؤُلَاءِ: اسْتَوَى؛ أَيْ: ظَهَرَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى: اسْتَوَى بِمَعْنَى عَلَا، وَتَقُولُ الْعَرَبُ:

стр. 439

اسْتَوَيْت عَلَى ظَهْرِ الْفَرَسِ، بِمَعْنَى عَلَوْت عَلَيْهِ، وَاسْتَوَيْت عَلَى سَقْفِ الْبَيْتِ بِمَعْنَى عَلَوْت عَلَيْهِ .. وَقَالَ: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ بِمَعْنَى: عَلَا عَلَى الْعَرْشِ. وَقَوْلُ الْحَسَنِ وَقَوْلُ مَالِكٍ: مِن أَنْبَلِ جَوَابٍ وَقَعَ فِي هَذِهِ الْمَسْألَةِ، وَأَشَدِّهِ اسْتِيعَابًا؛ لِأَنَّ فِيهِ نَبْذَ التَّكْيِيفِ، وَإِثْبَاتَ الِاسْتِوَاءِ الْمَعْقُولِ، وَقَد ائْتَمَّ أَهْلُ الْعِلْمِ بِقَوْلِهِ، واستجودوه وَاسْتَحْسَنُوهُ. ثُمَّ تَكَلَّمَ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ مَن تَأَوَّلَ اسْتَوَى بِمَعْنَى اسْتَوْلَى. وَقَالَ الثَّعْلَبِيُّ وَقَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ (٥٩)﴾ [الفرقان: ٥٩]؛ يَعْنِي: اسْتَقَرَّ. قَالَ: وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: صَعِدَ. وَقِيلَ اسْتَوْلَى. وَقِيلَ: مَلَكَ. وَاخْتَارَ هُوَ مَا حَكَاهُ عَن الْفَرَّاءِ وَجَمَاعَةٍ أَنَّ مَعْنَاهُ: أَقْبَلَ عَلَى خَلْقِ الْعَرْشِ وَعَمَدَ إلَى خَلْقِهِ، قَالَ: ويدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١]؛ أَيْ: عَمَدَ إلَى خَلْقِ السَّمَاءِ. وَهَذَا الْوَجْهُ مِن أَضْعَفِ الْوُجُوهِ؛ فَإِنَّهُ قَد أَخْبَرَ أَنَّ الْعَرْشَ كَانَ عَلَى الْمَاءِ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَكَذَلِكَ ثَبَتَ فِي "صَحِيح الْبُخَارِيِّ" (١) عَن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "كَانَ اللهُ وَلَمْ يَكُن شَيْءٌ قَبْلَهُ، وَكَانَ عَرْشُة عَلَى الْمَاءِ، وَكتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شيْء، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْض". فَإِذَا كَانَ الْعَرْشُ مَخْلُوقًا قَبْلَ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ: فَكَيْفَ يَكُون اسْتِوَاؤُهُ عَمْدَهُ إلَى خَلْقِهِ لَهُ؟ لَو كَانَ هَذَا يُعْرَفُ فِي اللُّغَةِ: أَنَّ اسْتَوَى عَلَى كَذَا

стр. 440

بِمَعْنَى أَنَّهُ عَمَدَ إلَى فِعْلِهِ، وَهَذَا لَا يُعْرَفُ قَطُّ فِي اللُّغَةِ لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا، لَا فِي نَظْمٍ وَلَا فِي نَثْرٍ. وَمَن قَالَ: اسْتَوَى بِمَعْنَى عَمَدَ: ذَكَرَهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١]؛ لِأَنَّهُ عُدِّيَ بِحَرْفِ الْغَايَةِ، كَمَا يُقَالُ: عَمَدْت إلَى كَذَا وَقَصَدْت إلَى كَذَا، وَلَا يُقَالُ: عَمَدْت عَلَى كَذَا، وَلَا قَصَدْت عَلَيْهِ، مَعَ أَنَّ مَا ذُكِرَ فِي تِلْكَ الْآيَةِ لَا يُعْرَفُ فِي اللُّغَةِ أَيْضًا، وَلَا هُوَ قَوْلُ أَحَدٍ مِن مُفَسِّرِي السَّلَفِ؛ بَل الْمُفَسِّرُونَ مِن السَّلَفِ قَوْلُهُم بِخِلَافِ ذَلِكَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَن بَعْضِهِمْ. وَإِنَّمَا هَذَا الْقَوْلُ وَأَمْثَالُهُ اُبْتُدِعَ فِي الْإِسْلَامِ لَمَّا ظَهَرَ إنْكَارُ أَفْعَالِ الرَّبِّ الَّتِي تَقُومُ بِهِ، ويفْعَلُهَا بِقُدْرَتهِ وَمَشِيئَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ، فَحِينَئِذٍ صَارَ يُفَسِّرُ الْقُرْآنَ مَن يُفَسِّرُهُ بِمَا يُنَافِي ذَلِكَ، كَمَا يُفَسِّرُ سَائِرُ أَهْلِ الْبِدَعِ الْقُرْآنَ عَلَى مَا يُوَافِق أَقَاوِيلَهُمْ. وَأَمَّا أَنْ ينْقَلَ هَذَا التَّفْسِير عَن أَحَدٍ مِن السَّلَفِ فَلَا؛ بَل أَقْوَالُ السَّلَفِ الثَّابِتَةُ عَنْهُم مُتَفِقَةٌ فِي هَذَا الْبَابِ، لَا يُعْرَفُ لَهُم فِيهِ قَوْلَانِ، كَمَا قَد يَخْتَلِفُونَ أَحْيَانًا فِي بَعْضِ الآَيَاتِ. وَإِن اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُهُمْ: فَمَقْصودُهُم وَاحِدٌ، وَهُوَ إثْبَاتُ عُلُوِّ اللهِ عَلَى الْعَرْشِ. فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَ اللهُ لَا يَزَالُ عَالِيًا عَلَى الْمَخْلُوقَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَكَيْفَ يُقَالُ: ثُمَّ ارْتَفَعَ إلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ؟ أَو يُقَالُ: ثُمَّ عَلَا عَلَى الْعَرْشِ؟ قِيلَ: هَذَا كَمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ يَنْزِلُ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَصْعَدُ، وَرُوِيَ: "ثُمَّ يَعْرُجُ"، هُوَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَزَلْ فَوْقَ الْعَرْشِ؛ فَإِنَّ صُعُودَهُ مِن جِنْسِ نُزُولهِ. وَإِذَا كَانَ فِي نُزُوله لَمْ يَصِرْ شَيْءٌ مِن الْمَخْلُوقَاتِ فَوْقَهُ: فَهُوَ سُبْحَانَهُ يَصْعَدُ وَإِن لَمْ يَكُن مِنْهَا شَيْءٌ فَوْقَهُ.

стр. 441

وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ إنَّمَا فَسَّرُوهُ بِأَنَّهُ ارْتَفَعَ (١): لِأَنَّهُ قَالَ قَبْلَ هَذَا؛ ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت:٩ - ١٢]. فَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّ اسْتِوَاءَهُ إلَى السَّمَاءِ كَانَ بَعْدَ أَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَخَلَقَ مَا فِيهَا: تَضَمَّنَ مَعْنَى الصُّعُودِ؛ لِأَنَّ السَّمَاءَ فَوْقَ الْأَرْضِ؛ فَالِاسْتِوَاءُ إلَيْهَا ارْتفَاعٌ إلَيْهَا. فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَ إنَّمَا اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ بَعْدَ أَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، فَقَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُن عَلَى الْعَرْشِ؟ قِيلَ: الِاسْتِوَاءُ عُلُوٌّ خَاصٌّ، فَكل مُسْتَوٍ عَلَى شيْء عَالٍ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ كُلُّ عَالٍ عَلَى شيْء مُسْتَوٍ عَلَيْهِ. وَلهَذَا لَا يُقَالُ لِكُلّ مَا كَانَ عَالِيَا عَلَى غَيْرِهِ: إنَّهُ مُسْتَوٍ عَلَيْهِ، وَاسْتَوَى عَلَيْهِ. وَلَكِنْ كُلُّ مَا قِيلَ فِيهِ إنَّهُ اسْتَوَى عَلَى غَيْرِهِ: فَإِنَّهُ عَالٍ عَلَيْهِ. وَاَلَّذِي أَخْبَرَ اللهُ أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ: الِاسْتِوَاءُ، لَا مُطْلَقُ الْعُلُوِّ، مَعَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنَّهُ كَانَ مُسْتَوِيًا عَلَيْهِ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، لَمَّا كَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ لَمَّا خَلَقَ هَذَا الْعَالَمَ كَانَ عَالِيًا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُن مُسْتَوِيًا عَلَيْهِ، فَلَمَّا خَلَقَ هَذَا الْعَالَمَ اسْتَوَى عَلَيْهِ؛ فَالْأَصْلُ أَنَّ عُلُوَّهُ عَلَى الْمَخْلُوقَاتِ وَصْفٌ لَازِمٌ لَهُ، كَمَا أنَّ عَظَمَتَهُ وَكِبْرِيَاءَهُ وَقُدْرَتَهُ كَذَلِكَ، وَأَمَّا الِاسْتِوَاءُ فَهُوَ فِعْل يَفْعَلُهُ -سبحانه وتعالي- بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتهِ. [٥/ ٥١٨ - ٥٢٣] * * *

стр. 442

(أقوال العلماء في إقْعَادِ الْمَيِّتِ في قبره: هل يُقعد بدنُه أو روحُه ؟) ٤٦٨ - ثَبَتَ فِي "الصَحِيحَيْنِ" (١) مِن حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إذَا أقعِدَ الْمَيِّتُ فِي قَبْرِهِ أُتِيَ ثُمَّ شَهِدَ أَنْ لَا إلهَ إلا اللهُ، فَدَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] ". وَالنَّاسُ فِي مِثْل هَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: أ - مِنْهُم مَن يُنْكِرُ إقْعَادَ الْمَيِّتِ (٢) مُطْلَقًا؛ لِأنَّهُ قَد أَحَاطَ بِبَدَنِهِ مِن الْحِجَارَةِ وَالتُّرَابِ مَا لَا يُمْكِنُ قُعُودُهُ مَعَهُ وَقَد يَكُونُ فِي صَخْرٍ يُطْبِقُ عَلَيْهِ، وَقَد يُوضَعُ عَلَى بَدَنِهِ مَا يَكْشِفُ فَيُوجَدُ بِحَالِهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَلهَذَا صَارَ بَعْضُ النَّاسِ إلَى أَنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ إنَمَا هُوَ عَلَى الرُّوحِ فَقَطْ، كَمَا يَقُولُهُ ابْنُ مَيْسَرَةَ وَابْنُ حَزْمٍ، وَهَذَا قَوْلٌ مُنْكَرٌ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ. ب - وَصَارَ آخَرونَ إلَى أَنَّ نَفْسَ الْبَدَنِ يَقْعُدُ عَلَى مَا فَهِمُوهُ مِن النُّصُوصِ. ج - وَصَارَ آخَرُونَ يَحْتَجُّونَ بِالْقُدْرَةِ، وَبِخَبَرِ الصَّادِقِ، وَلَا يَنْظُرُونَ إلَى مَا يُعْلَمُ بِالْحِسِّ وَالْمُشَاهَدَةِ، وَقُدْرَةُ اللهِ حَق، وَخَبَرُ الصَّادِقِ حَقٌّ، لَكِنَ الشَّأنَ فِي فَهْمِهِمْ. وَإِذَا عُرِفَ أَنَّ النَّائِمَ يَكُونُ نَائِمًا، وَتَقْعُدُ رُوحُهُ، وَتَقُومُ وَتَمْشِي، وَتَذْهَبُ وَتَتَكلَّمُ، وَتَفْعَلُ أَفْعَالًا وَأمُورًا بِبَاطِنِ بَدَنِهِ مَعَ رُوحِهِ، وَيَحْصُلُ لِبَدَنِهِ وَرُوحِهِ بِهَا نَعِيمٌ وَعَذَابٌ، مَعَ أَنَّ جَسَدَهُ مُضْطَجَعٌ، وَعَيْنَيْهِ مُغْمَضَةٌ، وَفَمَهُ مُطْبَقٌ، وَأَعْضَاءَهُ سَاكِنَةٌ، وَقَد يَتَحَرَّكٌ بَدَنُهُ لِقُوَّةِ الْحَرَكَةِ الدَّاخِلَةِ، وَقَد يَقُومُ ويمْشِي وَيَتَكَلَّمُ وَيَصِيحُ

стр. 443

لِقُوَّةِ الْأَمْرِ فِي بَاطِنِهِ: كَانَ هَذَا مِمَّا يُعْتَبَرُ بِهِ أَمْرُ الْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ؛ فَإِنَّ رُوحَهُ تَقْعُدُ وَتَجْلِسُ، وَتُسْأَلُ وَتُنَعَّمُ وَتُعَذَّبُ وَتَصِيحُ، وَذَلِكَ مُتَّصِلٌ بِبَدَنِهِ، مَعَ كَوْنِهِ مُضْطَجِعًا فِي قَبْرِهِ. وَقَد يَقْوَى الْأمْرُ حَتَّى يَظْهَرَ ذَلِكَ فِي بَدَنِهِ، وَقَد يُرَى خَارِجًا مِن قَبْرِهِ وَالْعَذَابُ عَلَيْهِ، وَمَلَائِكةُ الْعَذَابِ مُوَكَّلَةٌ بِهِ، فَيَتَحَرَّكُ بَدَنُهُ ويمْشِي وَيَخْرُجُ مِن قَبْرِهِ، وَقَد سَمِعَ غَيْرُ وَاحِدٍ أصْوَاتَ الْمُعَذَّبِينَ فِي قُبُورِهِمْ، وَقَد شُوهِدَ مَن يَخْرُجُ مِن قَبْرِهِ وَهُوَ مُعَذَّبٌ، وَمَن يَقْعدُ بَدَنُهُ أَيْضًا إذَا قَوِيَ الْأَمْرُ (١). لَكِنَّ هَذَا لَيْسَ لَازِمًا فِي حَقِّ كُلِّ مَيِّتٍ؛ كَمَا أنَّ قُعُودَ بَدَنِ النَّائِمِ لِمَا يَرَاهُ لَيْسَ لَازِمًا لِكُلِّ نَائِمٍ؛ بَل هُوَ بِحَسَبِ قُوَّةِ الْأمْرِ. وَقَد عُرِفَ أَنَّ أَبْدَانًا كَثِيرَةً لَا يَأكلُهَا التُّرَابُ؛ كَأبْدَانِ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ مِن الصِّدِّيقِينَ وَشُهَدَاءِ أحُدٍ وَغَيْرِ شُهَدَاءِ أُحُدٍ، وَالْأخْبَارُ بِذَلِكَ مُتَوَاتِرَةٌ. لَكِنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِن إقْعَادِ الْمَيِّتِ مُطْلَقًا هُوَ مُتَنَاوِلٌ لِقُعُودِهِمْ بِبَوَاطِنِهِمْ، وَإِن كَانَ ظَاهِرُ الْبَدَنِ مُضْطَجِعًا. وَمِمَّا يُشْبِهُ هَذَا: إخْبَارُهُ ﷺ بِمَا رَآه لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ مِن الْأَنْبِيَاءِ فِي السَّمَوَاتِ، وَأَنَّهُ رَأَى آدَمَ وَعِيسَى وَيَحْيَى ويُوسُفَ وَإِدْرِيسَ وَهَارُونَ وَمُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ، وَأَخْبَرَ أَيْضًا أَنَّهُ رَأَى مُوسَى قَائِمًا يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ، وَقَد رَآهُ أيْضًا فِي السَّمَوَاتِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَبْدَانَ الْأنْبِيَاءِ فِي الْقُبُورِ إلَّا عِيسَى وَإِدْرِيسَ. وَإِذَا كَانَ مُوسَى قَائِمًا يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ ثُمَ رَآهُ فِي السَّمَاءِ السَّادِسةِ مَعَ قُرْبِ الزَّمَانِ: فَهَذَا أَمْرٌ لَا يَحْصُلُ لِلْجَسَدِ.

стр. 444

وَمِن هَذَا الْبَابِ أَيْضًا: نُزُولُ الْمَلَائِكَةِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِم وَسَلَامُهُ: جِبْرِيلَ وَغَيْرِهِ. فَإِذَا عُرِفَ أَنَّ مَا وُصِفَتْ بِهِ الْمَلَائِكَةُ وَأرْوَاحُ الْآدَمِيِّينَ مِن جِنْسِ الْحَرَكَةِ وَالصُّعُودِ وَالنُّزولِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لَا يُمَاثِلُ حَرَكَةَ أَجْسَامِ الْآدَمِيِّينَ وَغَيْرِهَا مِمَّا نَشْهَدُهُ بِالْأَبْصَارِ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَّهُ يُمْكِنُ فِيهَا مَا لَا يُمْكِنُ فِي أَجْسَامِ الْآدَمِيِّينَ: كَانَ مَا يُوصَفُ بِهِ الرَّبُّ مِن ذَلِكَ أَوْلَى بِالْإِمْكَانِ، وَأَبْعَد عَن مُمَاثَلَةِ نُزُولِ الْأَجْسَامِ؛ بَل نُزُولُهُ لَا يُمَاثِلُ نزُولَ الْمَلَائِكَةِ وَأَرْوَاحَ بَنِي آدَمَ، وَإِن كَانَ ذَلِكَ أَقْرَبَ مِن نُزُولِ أَجْسَامِهِمْ. وَإِذَا كَانَ قُعُودُ الْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ لَيْسَ هُوَ مِثْل قُعُودِ الْبَدَنِ: فَمَا جَاءَت بِهِ الْآثَارُ عَن النَبِيِّ ﷺ مِن لَفْظِ الْقُعُودِ وَالْجُلُوسِ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى؛ كَحَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، وَحَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَغَيْرِهِمَا: أَوْلَى أَنْ لَا يُمَاثِلَ صِفَاتِ أَجْسَامِ الْعِبَادِ. [٥/ ٥٤٢ - ٥٢٧] * * * (نِزَاعُ النَّاسِ في الْأَفْعَالِ اللَّازِمَةِ الْمُضَافَةِ إلَى الرَّبِّ سُبْحَانَهُ: نَاشِئٌ عَن نِزَاعِهِمْ فِي أَصْلَيْنِ) ٤٦٩ - نِزَاعُ النَّاسِ فِي مَعْنَى حَدِيثِ النَّزُولِ وَمَا أَشْبَهَهُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِن الأفْعَالِ اللَّازِمَةِ الْمُضَافَةِ إلَى الرَّبِّ - سبحانه وتعالي -؛ مِثْل الْمَجِيءِ وَالْإِتْيَانِ وَالِاسْتِوَاءِ إلَى السَّمَاءِ وَعَلَى الْعَرْشِ؛ بَل وَفِي الْأَفْعَالِ الْمُتَعَدِّيَةِ مِثْل الْخَلْقِ وَالْإِحْسَانِ وَالْعَدْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ: هوَ نَاشِئٌ عَن نِزَاعِهِمْ فِي أَصْلَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنَّ الرَّبَّ تَعَالَى هَل يَقُومُ بِهِ فِعْلٌ مِن الْأَفْعَالِ؛ فَيَكُونُ خَلْقُهُ لِلسَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ فِعْلًا فَعَلَهُ غَيْرُ الْمَخْلُوقِ، أَو أَنَّ فِعْلَهُ هُوَ الْمَفْعُولُ، وَالْخَلْقَ هُوَ الْمَخْلُوقُ؟

стр. 445

عَلَى قَوْلَيْنِ مَعْرُوفَيْنِ: والْأوَّلُ: هُوَ الْمَأثُورُ عَن السَّلَفِ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ عَن الْعُلَمَاءِ مُطْلَقًا وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ نِزَاعًا. وَذَهَبَ آخَرُونَ مِن أَهْلِ الْكَلَامِ: الْجَهْمِيَّة وَأَكْثَرِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ إلَى أَنَّ الْخَلْقَ هُوَ نَفْسُ الْمَخْلُوقِ، وَلَيْسَ للهِ عِنْدَ هَؤُلَاءِ صُنْعٌ، وَلَا فِعْلٌ، وَلَا خَلْقٌ، وَلَا إبْدَاعٌ، إلَّا الْمَخْلُوقَاتِ أَنْفُسَهَا، وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِن الْفَلَاسِفَةِ الْمُتَأَخِّرِينَ. الْأَصْلُ الثانِي الَّذِي تُبْنَى عَلَيْهِ أَفْعَالُ الرَّبِّ تَعَالَى اللَّازِمَةُ وَالْمُتَعَدِّيَةُ: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ هَل تَقُومُ بِهِ الْأُمُورُ الِاخْتِيَارِيَّةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِقُدْرَيهِ وَمَشِيئَتِهِ أَمْ لَا؟ فَمَذْهَبُ السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَكَثِيرٍ مِن طَوَائِفِ الْكَلَامِ وَالْفَلَاسِفَةِ جَوَازُ ذَلِكَ. وَذَهَبَ نفاة الصِّفَاتِ مِن الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ والْكُلَّابِيَة مِن مُثْبِتَةِ الصِّفَاتِ إلَى امْتِنَاعِ قِيَامِ ذَلِكَ بِهِ. وَمِن تَمَامِ الْأَصْلِ الثانِي: لَفْظُ "الْحَرَكَةِ" .. الَّتِي تَتَنَاوَلُ مَا يَقُومُ بِذَاتِ الْمَوْصُوفِ مِن الْأُمُورِ الِاخْتِيَارِيَّةِ؛ كَالْغَضَبِ وَالرضى وَالْفَرَحِ وَكَالدُّنُوِّ وَالْقُرْبِ وَالِاسْتِوَاءِ وَالنُّزُولِ؛ بَل وَالْأَفْعَالُ الْمُتَعَدِّيَةُ؛ كَالْخَلْقِ وَالْإِحْسَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، هَل يُوصَفُ اللهُ بِهَا أَمْ يَجِبُ نَفْيُهُ عَنْهُ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: قَوْلُ مَن يَنْفِي ذَلِكَ مُطْلَقًا وَبِكُل مَعْنًى، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُومَ بِالرَّبِّ شَيْءٌ مِن الْأمُورِ الِاخْتِيَاريَّةِ، فَلَا يَرْضَا عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكن رَاضِيًا عَنْهُ، وَلَا يَغْضَبُ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُن غَضْبَانَ، وَلَا يَفْرَحُ بِالتَّوْبَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ، وَلَا يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتهِ إذَا قِيلَ إنَّ ذَلِكَ قَائِمٌ بِذَاتِهِ. وَهَذَا الْقَوْلُ أَوَّلُ مَن عُرِفَ بِهِ هُم الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةُ، وَانْتَقَلَ عَنْهُم إلَى الْكُلَّابِيَة وَالْأَشْعَرِيَّةِ والسالمية، وَمَن وَافَقَهُم مِن أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إثْبَاتُ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ الهشامية والكَرَّامِيَة وَغَيْرِهِمْ مِن طَوَائِفِ أَهْلِ الْكَلَامِ الَّذِينَ صَرَّحُوا بِلَفْظِ الْحَرَكَةِ.

стр. 446

وَالْقَوْلُ الْمَشْهُورُ عَن السَّلَفِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَةِ وَالْحَدِيثِ: هُوَ الْإِقْرَارُ بِمَا وَرَدَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِن أَنَّهُ يَأْتِي وَيَنْزِلُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِن الْأفْعَالِ اللَّازِمَةِ. [٥/ ٥٣٨ - ٥٧٧] * * * (مَن قَالَ إنَّ الْقُرْآن مُحْدَثٌ فَقَد قَالَ إنَّهُ مَخْلُوقٌ) [٥/ ٥٣٢] ٤٧٠ - مَن كَانَ مِن عَادَتِهِ أَنَّهُ لَا يُطْلِقُ لَفْظَ "الْمُحْدَثِ" إلَّا عَلَى الْمَخْلُوقِ الْمُنْفَصِلِ - كَمَا كَانَ هَذَا الِاصْطِلَاحُ هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمُتَنَاظِرِينَ الَّذِينَ تَنَاظَرُوا فِي الْقُرْاَنِ فِي مِحْنَةِ الْإِمَامِ أَحْمَد ﵀، وَكَانُوا لَا يَعْرِفُونَ لِلْمُحْدَثِ مَعْنًى إلَّا الْمَخْلُوقَ الْمُنْفَصِلَ - فَعَلَى هَذَا الِاصْطِلَاحِ لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنْ يُقَالَ الْقُرْاَنُ مُحْدَثٌ؛ بَل مَن قَالَ: إنَّهُ مُحْدَثٌ، فَقَد قَالَ: إنَّه مَخْلُوقٌ. * * * (منشأ القول بخلق القرآن، وسبب محنة الإمام أحمد وذكر ما جرى له، ورأي الشيخ في ابْنِ كُلَّابٍ) ٤٧١ - لَمَّا اعْتَقَدَ أَئِمَّةُ الْكَلَامِ الْمُبْتَدَعِ أَنَّ مَعْنَى كَوْنِ اللهِ خَالِقًا لِكُلِّ شَيءٍ: أَّنَّهُ لَمْ يَزَلْ غَيْرَ فَاعِلٍ لِشَيء، وَلَا مُتَكَلِّم بِشَيْء حَتَّى أَحْدَثَ الْعَالَم: لَزِمَهُم أَنْ يَقُولُوا: إنَّ الْقُرْآنَ أَو غَيْرَهُ مِن كَلَامِ اللهِ مَخْلُوقٌ مُنْفَصِلٌ بَائِنٌ عَنْهُ. فَلَمَّا امْتُحِنَ النَّاسُ بِذَلِكَ، وَاشْتَهَرَتْ هَذِهِ الْمِحْنَةُ، وَثَبَّتَ اللهُ مَن ثَبَّتَهُ مِن أئِمَّةِ السُّنَّةِ، وَكَانَ الْإِمَامُ الَّذِي ثَبَّتَهُ اللهُ وَجَعَلَهُ إمَامًا لِلسُّنَّةِ، حَتَّى صَارَ أَهْلُ الْعِلْمِ بَعْدَ ظُهُورِ الْمِحْنَةِ يَمْتَحِنُونَ النَّاسَ بِهِ، فَمَن وَافَقَهُ كَانَ سُنِّيًّا، وَإِلَّا كَانَ بِدْعِيًّا: هُوَ الْإِمَامُ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ، فَثبَتَ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وَكَانَ الْمَأْمُونُ لَمَّا صَارَ إلَى الثَّغْرِ بطرسوس كَتَبَ بِالْمِحْنَةِ كِتَابًا إلَى نَائِبِهِ بِالْعِرَاقِ إسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ، فَدَعَا الْعُلَمَاءَ وَالْفُقَهَاءَ وَالْقُضَاةَ، فَامْتَنَعُوا عَن الْإِجَابَةِ وَالْمُوَافَقَةِ، فَأعَادَ عَلَيْهِ الْجَوَابَ، فَكتَبَ كِتَابًا ثَانِيًا يَقُولُ فِيهِ عَن

стр. 447

الْقَاضِيَيْنِ: بِشْرِ بْنِ الْوَلِيدِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إسْحَاقَ: إنْ لَمْ يُجِيبَا فَاضْرِبْ أعْنَاقَهُمَا، ويقُولُ عَن الْبَاقِينَ إنْ لَمْ يُجِيبُوا فَقَيّدْهُم فَأَرْسِلْهُم إلَيَّ. فَأَجَابَ الْقَاضِيَانِ وَذَكَرَا لِأَصْحَابِهِمَا أَنَّهُمَا مُكْرَهَانِ، وَأجَابَ أكْثَرُ النَّاسِ قَبْلَ أنْ يُقَيِّدَهُم لَمَّا رَأَوْا الْوَعِيدَ، وَلَمْ يُجِبْ سِتَّةُ أَنْفُسٍ، فَقَيَّدَهُمْ، فَلَمَّا قُيِّدُوا أَجَابَ الْبَاقُونَ إلَّا اثْنَيْنِ: أَحْمَد بْنَ حَنْبَلٍ وَمُحَمَّدَ بْنَ نُوحٍ النَّيْسَابُورِيَّ، فَأَرْسَلُوهُمَا مُقَيَّدَيْنِ إلَيْهِ، فَمَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ نُوحٍ فِي الطَّرِيقِ، وَمَاتَ الْمَأْمُونُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ أَحْمَد إلَيْهِ، وَتَوَلَّى أَخُوهُ أَبُو إسْحَاقَ، وَتَوَلَّى الْقَضَاءَ أَحْمَد بْنُ أَبِي دُؤَاد، وَأَقَامَ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ فِي الْحَبْسِ مِن سَنَةِ ثَمَانِي عَشْرَةَ إلَى سَنَةِ عِشْرِينَ. ثُمَّ إنَّهُم طَلَبُوة وَنَاظَرُوهُ أَيَّامًا مُتَعَدِّدَةً، فَدَفَعَ حُجَجَهمْ، وَبَيَّنَ فَسَادَهَا، وَأَنَّهُم لَمْ يَأْتُوا عَلَى مَا يَقُولُونَهُ بِحُجَّة لَا مِن كِتَابٍ وَلَا مِن سُنَّةٍ وَلَا مِن أَثَرٍ. وَلَمَّا اشْتَهَرَ هَذَا وَتَبَيَّنَ لِلنَّاسِ بَاطِنُ أَمْرِهِمْ، وَأَنَّهُم مُعَطِّلَةٌ لِلصِّفَاتِ .. : كَثُرَ رَدُّ الطَّوَائِفِ عَلَيْهِم بِالْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَالْآثَارِ تَارَةً، وَبِالْكَلَامِ الْحَقِّ تَارَةً، وَبِالْبَاطِلِ تَارَةً. وَكَانَ مِمَّن اُنْتَدبَ لِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ: أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ كُلَّابٍ، وَكَانَ لَهُ فَضْلٌ وَعِلْمٌ وَدِينٌ. وَمَن قَالَ: إنَّهُ ابْتَاَع مَا ابْتَدَعَهُ لِيُظْهِرَ دِينَ النَّصَارَى فِي الْمُسْلِمِينَ: فَهَذَا كَذِبٌ عَلَيْهِ. وإِنَّمَا افْتَرَى هَذَا عَلَيْهِ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْجَهْمِيَّة الَّذِينَ رَدَّ عَلَيْهِمْ. وَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ لَمَّا رَجَعَ عَن الِاعْتِزَالِ: سَلَكَ طَرِيقَةَ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ كُلَاب. وَابْنُ كُلَّابٍ لَمَّا رَدَّ عَلَى الْجَهْمِيَّة: لَمْ يَهْتَدِ لِفَسَادِ أَصْلِ الْكَلَامِ الْمُحْدَثِ الذي ابْتَدَعُوهُ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ؛ بَل وَافَقَهُم عَلَيْهِ. وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَذُمُّونَ ابْنَ كُلَّابٍ وَالْأَشْعَرِيَّ بِالْبَاطِلِ هُم مِن أَهْلِ

стр. 448

الْحَدِيثِ (١). وَابْنُ كُلَّابٍ أَحْدَثَ مَا أَحْدَثَهُ: لَمَّا اضْطَرَّهُ إلَى ذَلِكَ مِن دُخُولِ أَصْلِ كَلَامِ الْجَهْمِيَّة فِي قَلْبهِ، وَقَد بَيَّنَ فَسَادَ قَوْلِهِمْ بِنَفْيِ عُلُو اللهِ، وَنَفْيِ صِفَاتِهِ، وَصَنَّفَ كُتُبًا كَثِيرَةً فِي أَصْلِ التَّوْحِيدِ وَالصِّفَاتِ، وَبَيَّنَ أَدِلَّةً كَثِيرَةً عَقْلِيَّةً عَلَى فَسَادِ قَوْلِ الْجَهْمِيَّة، وَبَيَّنَ فِيهَا أَنَ عُلُوَّ اللهِ عَلَى خَلْقِهِ وَمُبَايَنَتَهُ لَهُم مِن الْمَعْلُومِ بِالْفِطْرَةِ وَالْأدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ الْقِيَاسِيَّةِ كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ. وَكَذَلِكَ ذَكَرَهَا الْحَارِثُ المحاسبي فِي كِتَابِ "فَهْمُ الْقُرْآنِ" وَغَيْرِهِ، بَيَّنَ فِيهِ مِن عُلُوِّ اللهِ وَاسْتِوَائِهِ عَلَى عَرْشِهِ مَا بَيَّنَ بِهِ فَسَادَ قَوْلِ الْنُّفَاةِ. وَفَرِحَ الْكَثِيرُ مِن النُّظَّارِ الَّذِينَ فَهِمُوا أَصْلَ قَوْلِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَعَلِمُوا ثُبُوتَ الصِّفَاتِ للهِ، وَأَنْكَرُوا الْقَوْلَ بِأَنَّ كَلَامَهُ مَخْلُوقٌ، فَرِحُوا بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي سَلَكَهَا ابْنُ كُلَّابٍ. وَكانَ فِي هَذَا مِن كَسْرِ سَوْرَةِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّة مَا فِيهِ ظُهُورُ شِعَارِ السُّنَّةِ (٢)، وَفوَ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَأَنَّ اللهَ يُرَى فِي الْآخِرَةِ، وإِثْبَاتُ الصِّفَاتِ وَالْقَدَرِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِن أصُولِ السُّنَّةِ.

стр. 449

لَكِنَّ "الْأصْلَ الْعَقْلِيَّ" الَّذِي بَنَى عَلَيْهِ ابْنُ كُلَّاب قَوْلَهُ فِي كَلَامِ اللهِ وَصِفَاتِهِ هُوَ اصْلُ الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةِ بِعَيْنِهِ، وَصَارُوا إذَا تَكَلَّمُوا فِي خَلْقِ اللهِ السَّمَوَاتِ وَالْأرْضَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن الْمَخْلُوقَاتِ إنَّمَا يَتَكَلَّمُونَ بِالْأصْلِ الَّذِي ابْتَدَعَهُ الْجَهْمِيَّة وَمَن اتَّبَعَهُمْ، فَيَقُولُونَ قَوْلَ أَهْلِ الْمِلَّةِ كَمَا نَقَلَهُ أولَئِكَ، ويُقَرِّرُونَهُ بِحُجَّةِ أولَئِكَ. [٥/ ٥٥٢ - ٥٥٨] ٤٧٢ - كَانَ قُدَمَاءُ الْجَهْمِيَّة يُنْكِرُونَ جَمِيعَ الصِّفَاتِ للهِ الَّتِي هِى فِينَا أعْرَاضٌ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ، أَو أجْسَامٌ كَالْيَدِ وَالْوَجْهِ. وحدثاؤهم اُّقَرُّوا بِكَثِير مِن الصِّفَاتِ الَّتِي هِيَ فِينَا أَعْرَاضٌ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ، وَأَنْكَرُوا بَعْضَهَا، وَالصِّفَاتِ الَّتِي هِيَ فِينَا أجْسَامٌ. وَفِيهِمْ مَن أَقَرَّ بِبَعْضِ الصِّفَاتِ الَّتِي هِيَ فِينَا أجْسَامٌ كَالْيَدِ. وَاُّمَّا السَّلَفِيَّةُ (١): فَعَلَى مَا حَكَاهُ الخطابي وَأَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ وَغَيْرُهُمَا قَالُوا: مَذْهَبُ السَّلَفِ إجْرَاءُ أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ وَآياتِ الصِّفَاتِ عَلَى ظَاهِرِهَا، مَعَ نَفْيِ الْكَيْفِيَّةِ وَالتَّشْبِيهِ عَنْهَا، فَلَا نَقُولُ: إنَّ مَعْنَى الْيَدِ الْقُدْرَةُ، وَلَا إنَّ مَعْنَى السَّمْعِ الْعِلْمُ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الصِّفَاتِ فَرْعٌ عَلَى الْكَلَامِ فِي الذَّاتِ، يُحْتَذَى فِيهِ حَذْوَهُ ويُتَبَّعُ فِيهِ مِثَالُهُ. فَإِذَا كَانَ إثْبَاتُ الذَّاتِ إثْبَاتَ وُجُودٍ لَا إثْبَاتَ كَيْفِيَّة: فَكَذَلِكَ إثْبَاتُ الصِّفَاتِ إثْبَاتُ وُجُودٍ لَا إثْبَاتُ كَيْفِيَّةٍ. فَقَد أَخْبَرَك الخطابي وَالْخَطِيبُ -وَهُمَا إمَامَانِ مِن أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، مُتَّفَقٌ عَلَى عِلْمِهِمَا بِالنَّقْلِ وَعِلْمِ الخطابي بِالْمَعَانِي- أَنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ إجْرَاؤُهَا عَلَى ظَاهِرِهَا مَعَ نَفْيِ الْكَيْفِيَّةِ وَالتَّشْبِيهِ عَنْهَا.

стр. 450

وَاللهُ يَعْلَمُ أَنِّي قَد بَالَغْتُ فِي الْبَحْثِ عَن مَذَاهِبِ السَّلَفِ فَمَا عَلِمْتُ أَحَدًا مِنْهُم خَالَفَ ذَلِكَ (١). وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أنَسٍ الْإِمَامُ فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ نَافِعٍ وَهُوَ مَشْهُورٌ عَنْهُ: إنَّ اللهَ فِي السَّمَاءِ، وَعِلْمُهُ فِي كُل مَكَانٍ لَا يَخْلُو مِن عِلْمِهِ مَكَان. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ مِثْل مَا قَالَ مَالِكٌ. وَالْآثَارُ عَن النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ وَسَائِرِ عُلَمَاءِ الْأمَّةِ بِذَلِكَ مُتَوَاتِرَةٌ عِنْدَ مَن تَتَبَّعَهَا، وَقَد جَمَعَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا مُصَنَّفَاتٍ صِغَارًا وَكبَارًا، وَمَن تَتَبَّعَ الْآثَارَ عَلِمَ أَيْضَا قَطْعًا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَلَ عَن أَحَدٍ مِنْهُم حَرْفٌ وَاحِدٌ يُنَاقِضُ ذَلِكَ؛ بَل كُلُّهُم مُجْمِعُونَ عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَعَقِيدَةٍ وَاحِدَةٍ، يُصَدِّقُ بَعْضُهم بَعْضًا. ثُمَّ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْهُم قَالَ يَوْمًا مِن الدَّهْرِ: ظَاهِرُ هَذَا غَيْرُ مُرَادٍ، وَلَا قَالَ: هَذ الْآيَةُ أَو هَذَا الْحَدِيثُ مَصْرُوفٌ عَن ظَاهِرِهِ، مَعَ أَنَّهُم قَد قَالُوا مِثْل ذَلِكَ فِي آيَاتِ الْأحْكَامِ الْمَصْرُوفَةِ عَن عُمُومِهَا وَظَاهِرِهَا، وَتَكَلَّمُوا فِيمَا يُسْتَشْكلُ مِمَّا قَد يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ تَنَاقُض، وَهَذَا مَشْهُورٌ لِمَن تَأَمَّلَهُ (٢). وَهَذ الصِّفَاتُ أَطْلَقُوهَا بِسَلَامَةٍ، وَطَهَارَةٍ، وَصَفَاءٍ، لَمْ يَشُوبُوهُ بِكَدَر وَلَا غِشٍّ. وَلَو لَمْ يَكُن هَذَا هوَ الظَّاهِرَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ: لَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ سَلَفُ الْأُمَّةِ قَالُوا لِلْأُمَّةِ: الظَّاهِرُ الَّذِي تَفْهَفونَهُ غَيْرُ مُرَادٍ، أوْ (٣) لَكَانَ أَحَد مِن الْمُسْلِمِينَ اسْتَشْكَلَ هَذ الْآيَةَ وَغَيْرَهَا. وَاعْلَمْ أَنَّ عَامَّةَ مَن يُنْكِرُ هَذِهِ الصِّفَةَ [أي: الاستواء] وَأَمْثَالَهَا إذَا بَحَثْت عَن

стр. 451

الْوَجْهِ الَّذِي أنْكَرُوهُ وَجَدْتهمْ قَد اعْتَقَدُوا أَنَّ ظَاهِرَ هَذِهِ الْآيَةِ؛ كَاسْتِوَاءِ الْمَخْلُوقِينَ، أَو اسْتِوَاءٍ يَسْتَلْزِمُ حُدُوثًا أو نَقْصًا، ثُمَّ حَكَوْا عَن مُخَالِفِهِمْ هَذَا الْقَوْلَ، ثُمَّ تَعبِوا فِي إقَامَةِ الْأدِلَّةِ عَلَى بُطْلَانِهِ، ثُمَّ يَقُولُونَ: فَيَتَعَيِّنُ تَأوِيلُهُ؛ إمَّا بِالِاستِيلَاء، أَو بِالظُّهُورِ وَالتَّجَلِّي، أَو بِالْفَضْلِ وَالرُّجْحَانِ الَّذِي هُوَ عُلُّوُّ الْقَدْرِ وَالْمَكانَةِ. وَيَبْقَى الْمَعْنَى الثَّالِثُ وَهُوَ اسْتِوَاءٌ يَلِيقُ بِجَلَالِهِ يَكُونُ دَلَالَةُ هَذَا اللَّفْظِ عَلَيْهِ كَدَلَالَةِ لَفْظِ الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ عَلَى مَعَانِيهَا: قَد دَلَّ السَّمْعُ عَلَيْهِ. واَلَّذِي يُبَيِّنُ لَك خَطَأَ مَن أَطْلَقَ الظَّاهِرَ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي يَلِيقُ بِالْخَلْقِ: أَنَّ الْألْفَاظَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا مَعْنَاهُ مُفْرَدٌ؛ كَلَفْظِ الْأسَدِ وَالْحِمَارِ وَالْبَحْرِ وَالْكَلْبِ، فَهَذِهِ إذَا قِيلَ: أسَدُ اللهِ وَأسَدُ رَسُولِهِ، أو قِيلَ لِلْبَلِيدِ: حِمَارٌ، أو لِلْعَالِمِ أو السَّخِيِّ أَو الْجَوَادِ مِن الْخَيْلِ: بَحْرٌ، أَو قِيلَ لِلْأَسَدِ: كَلْبٌ: فَهَذَا مَجَازٌ. ثُمَّ إنْ قُرِنَتْ بهِ قَرِينَةٌ: تَبَيَّنَ الْمُرَادُ؛ كَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِفَرَسِ أَبِي طَلْحَةَ: "إنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا" (١)، وَقَوْلِهِ: "إنَّ خَالِدًا سَيْفٌ مِن سُيُوفِ اللهِ سَلَّهُ اللهُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ" (٢)، وَقَوْلِهِ لِعُثْمَانِ: "إنَّ اللهَ يقمصك قَمِيصًا" (٣)، وَقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ يَمِينُ اللهِ فِي الْأَرْضِ، فَمَن اسْتَلَمَهُ وَصَافَحَهُ فَكَأَنَّمَا بَايَعَ رَبَّهُ" (٤)، أو كَمَا قَالَ، وَنَحْو ذَلِكَ. فَهَذَا اللَّفْظُ فِيهِ تَجَوُّزٌ، وَإِن كَانَ قَد ظَهَرَ مِن اللَّفْظِ مُرَادُ صَاحِبِهِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا الظَّاهِرِ فِي اسْتِعْمَالِ هَذَا الْمُتَكَلِّمِ، لَا عَلَى الظَّاهِرِ فِي الْوَضْعِ الأوَّلِ. وَكُلُّ مَن سَمِعَ هَذَا الْقَوْلَ: عَلِمَ الْمُرَادَ بِهِ، وَسَبَقَ ذَلِكَ إلَى ذِهْنِهِ؛

стр. 452

لِاسْتِحَالَةِ إرَادَةِ الْمَعْنَى الْأوَّلِ، وَهَذَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ نَصًّا لَا مُحْتَمَلًا. وَلَيْسَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى: مِن التَّأوِيلِ الَّذِي هُوَ صَرْفُ اللَّفْظِ عَن الِاحْتِمَالِ الرَّاجِحِ إلَى الِاحْتِمَالِ الْمَرْجُوحِ فِي شيْء. وَهَذَا أحَدُ مثارات غَلَطِ الغالطين فِي هَذَا الْبَاب؛ حَيْثُ يَتَوَهَّمُ أَنَّ الْمَعْنَى الْمَفْهُومَ مِن هَذَا اللَّفْظِ مُخَالِفٌ لِلظَّاهِرِ، وَأَنَّ اللَّفْظَ مُتَّأَوَّلٌ. النَّوْعُ الثَّانِي مِن الْألفَاظِ: مَا فِي مَعْنَاهُ إضَافَةٌ: أ - إمَّا بِأنْ يَكُونَ الْمَعْنَى إضَافَةً مَحْضَةً؛ كَالْعُلُوِّ وَالسُّفُولِ وَفَوْق وَتَحْت، وَنَحْوِ ذَلِكَ. ب - أو أنْ يَكُونَ مَعْنًى ثُبُوتِيًّا فِيهِ إضَافَةٌ؛ كَالْعِلْمِ وَالْحُبِّ وَالْقُدْرَةِ وَالْعَجْزِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ: فَهَذَا النَّوْعُ مِن الْألْفَاظِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُوجَدَ لَهُ مَعْنًى مُفْرَد بِحَسَبِ بَعْضِ مَوَارِدِهِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أنَّه لَمْ يُسْتَعْمَلْ مُفْرَدًا قَطُّ. الثَّانِي: أنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُ مِنْهُ الِاشْتِرَاكُ أَو الْمَجَازُ؛ بَل يُجْعَلُ حَقِيقَةً فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ مَوَارِدِهِ. وَمَا نَحْنُ فِيهِ مِن هَذَا الْبَابِ؛ فَإِنَّ لَفْظَ: "اسْتَوَى" لَمْ تَسْتَعْمِلْهُ الْعَرَبُ فِي خُصُوصِ جُلُوسِ الْآدَمِيِّ -مَثَلًا- عَلَى سَرِيرِهِ حَقِيقَةً حَتَّى يَصِيرَ فِي غَيْرِهِ مَجَازًا، كَمَا أَنَّ لَفْظَ "الْعِلْمِ" لَمْ تَسْتَعْمِلْهُ الْعَرَبُ فِي خُصُوصِ الْعُرْفِ الْقَائِمِ بِقَلْبِ الْبَشَرِ الْمُنْقَسِمِ إلَى ضَرُورِيِّ ونَظَرِيِّ حَقِيقَةً، وَاسْتَعْمَلَتْهُ فِي غَيْرِهِ مَجَازًا. بَل الْمَعْنَى تَارَةً: يُسْتَعْمَلُ بِلَا تَعْدِيَةٍ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص: ١٤]، وَتَارَةً: يُعَدَّى بِحَرْفِ الْغَايَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١]، وَتَارَةً: يُعَدَّى بِحَرْفِ الِاسْتِعْلَاءِ. ثُمَّ هَذَا تَارَةَ: يَكُونُ صِفَةً لثهِ، وَتَارَةً: يَكُونُ صِفَةً لِخَلْقِهِ، فَلَا يَجِبُ أَنْ يُجْعَلَ فِي أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ حَقِيقَةً وَفِي الْآخَرِ مَجَازًا.

стр. 453

وَلَا يَجُوز أَنْ يُفْهَمَ مِن اسْتِوَاءِ اللهِ الْخَاصِّيَّةَ التِي تَثْبُتُ لِلْمَخْلُوقِ دُونَ الْخَالِقِ؛ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧]، وقَوله تَعَالَى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١]. [٣٢/ ١٧٦ - ١٨٥] ٤٧٣ - كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَد يُحَذِّرُ مِن الْكُلَّابِيَة، وَأَمَرَ بِهَجْرِ الْحَارِثِ الْمُحَاسَبِيِّ لِكوْنِهِ كَانَ مِنْهُمْ، وَقَد قِيلَ عَن الْحَارِثِ إنَّهُ رَجَعَ فِي الْقُرْآنِ عَن قَوْلِ ابْنِ كُلَّابٍ، وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إنَّ اللهَ يَتَكَلَّمُ بِصَوْت، وَمِمَن ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْهُ الكلاباذي فِي كِتَابِ التَّعَرُّفُ لِمَذْهَبِ التَّصَوُّفِ. [٥/ ٥٣٢] * * * (حقيقة قول الجهمية) ٤٧٤ - عن عاصم بن عدي: ناظرت جهميًّا فتبين من كلامه أنه اعتقد أنْ ليس في السماء ربٌّ، قال شيخ الاسلام: كان الجهمية يدورون على ذلك، ولم يكونوا يصرحون به لوفور السلف والأئمة وكثرة أهل السُّنَّة، فلما بعد العهد وانقرض الأئمة صرح أتباعهم بما كان أولئك يشيرون إليه ويدورون حوله. قال: وهكذا ظهرت البدع كلما طال الأمر وبعد العهد اشتد أمرهم وتغلظت. [اجتماع الجيوش الإسلامية ٢/ ٢١٨] ٤٧٥ - الآيات التي فيها صفات الله سبحانه التي تأولها متأخرو الجهمية وسموها الصفات السمعية، وهي ما سوى الصفات السبعة (١): ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية [البقرة: ٩]، ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾ [البقرة: ١٤، ١٥]، ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ

стр. 454

فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾ [آل عمران: ٥٣، ٥٤]، ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]. [المستدرك ١/ ٧٧] ٤٧٦ - الأشعري وأئمة أصحابه؛ كأبي الحسن الطبري وأبي عبد الله بن مجاهد والقاضي أبي بكر متففون على إثبات الصفات الخبرية التي ذكرت في القرآن؛ كالاستواء والوجه واليدين، وإبطال تأويلها، وليس للأشعري في ذلك قولان أصلًا. ولم يذكر أحدٌ عن الأشعري في ذلك قولين، ولكنْ لأتباعه قولان في ذلك. ولأبي المعالي الجويني في تأويلها قولان: أَوَّلهما في الإرشاد، ورجع عن التأويل في رسالته النظامية وحرمه، ونقل إجماع السلف على تحريمه، وأنه ليس بواجب ولا جائز. [المستدرك ١/ ٨٥] * * * (قاعدة جليلة في التفريق بين آيَاتِ الصِّفَاتِ وغيرِها) ٤٧٧ - لَا ريبَ أَنَّهُ - سبحانه - قَرِيبٌ بِعِلْمِهِ وَقُدْرَتهِ وَتَدْبِيرِهِ مِن جَمِيعِ خَلْقِهِ، لَمْ يَزَلْ بِهِم عَالِمًا، وَلَمْ يَزَلْ عَلَيْهِم قَادِرًا، هَذَا مَذْهَبُ جَمِيعِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَعَامَّةِ الطَّوَائِفِ. وَإِذَا كَانَ قُرْبُ عِبَادِهِ مِنْهُ نَفْسَهُ، وَقُرْبُهُ مِنْهُم لَيْسَ مُمْتَنِعًا عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ مِن السَّلَفِ وَأَتْبَاعِهِمْ مِن أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفُقَهَاءِ وَالصُّوفِيَّةِ وَأَهْلِ الْكَلَامِ: لَمْ يَجِبْ أَنْ يُتَأوَّلَ كُلُّ نَصٍّ فِيهِ ذِكْرُ قُرْبِهِ مِن جِهَةِ امْتِنَاعِ الْقُرْبِ عَلَيْهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِن جَوَازِ الْقُرْبِ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَوْضِعٍ ذُكِرَ فِيهِ قُرْبُهُ يُرَادُ بِهِ قُرْبُهُ بِنَفْسِهِ. بَل يَبْقَى هَذَا مِن الْأمُورِ الْجَائِزَةِ، ويُنْظَرُ فِي النَّصِّ الْوَارِدِ: - فَإِنْ دَلَّ عَلَى هَذَا: حُمِلَ عَلَيْهِ. - وَإِن دَلَّ عَلَى هَذَا: حُمِلَ عَلَيْهِ.

стр. 455

وَهَذَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي لَفْظِ الْإِتْيَانِ وَالْمَجِيءِ، وَإِن كَانَ فِي مَوْضِعٍ قَد دَلَّ عِنْدَهُم عَلَى أَنَّهُ هُوَ يَأتِي: فَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَأْتِي بِعَذَابِهِ؛ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ [النحل: ٢٦]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: ٢]. فَتَدَبَّرْ هَذَا؛ فَإنَّهُ كَثِيرًا مَا يَغْلَطُ النَّاسُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إذَا تَنَازَعَ الْنُّفَاةُ وَالْمُثْبِتَةُ فِي صِفَةٍ وَدَلَالَةٍ نُصَّ عَلَيْهَا، يُرِيدُ الْمُرِيدُ أنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ اللَّفْظَ -حَيْثُ وَرَدَ- دَالًّا عَلَى الصِّفَةِ وَظَاهِرًا فِيهَا، ثُمَّ يَقُولُ النَّافِي: وَهُنَاكَ لَمْ تَدُلَّ عَلَى الصِّفَةِ فَلَا تَدُلُّ هُنَا، وَقَد يَقُولُ بَعْضُ الْمُثْبِتَةِ: دَلَّتْ هُنَا عَلَى الصِّفَةِ فَتَكُونُ دَالَّةً هُنَاكَ. بَل لَمَّا رَأَوْا بَعْضَ النُّصُوصِ تَدُلُّ عَلَى الصِّفَةِ: جَعَلُوا كُلَّ آيَةِ فِيهَا مَا يَتَوَهَّمُونَ أَئهُ يُضَافُ إلَى اللهِ تَعَالَى -إضَافَةَ صِفَةٍ- مِن آيَاتِ الصِّفَاتِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦]. وَهَذَا يَقَعُ فِيهِ طَوَائِفُ مِن الْمُثْبِتَةِ والْنُّفَاةِ، وَهَذَا مِن أَكْبَرِ الْغَلَطِ؛ فَإنَّ الدَّلَالَةَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ: أ - بِحَسَبِ سِيَاقِهِ. ب - وَمَا يُحَفُّ بِهِ مِن الْقَرَائِنِ اللَّفْظِيَّةِ وَالْحَاليَّةِ (١).

стр. 456

وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي أَمْرِ الْمَخْلُوقِينَ، يُرَادُ بِألْفَاظِ الصِّفَاتِ مِنْهُم فِي مَوَاضِعَ كَثيرَةٍ غَيْرُ الصِّفَاتِ. وَأنَا أَذْكُرُ لِهَذَا مِثَالَيْنِ نَافِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: صِفَةُ الْوَجْهِ فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ إثْبَاتُ هَذِهِ الصِّفَةِ مَذْهَبَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْمُتَكَلِّمَةِ الصفاتية مِن الْكُلَّابِيَة وَالْأَشْعَريَّةِ والكرَّامِيَة، وَكَانَ نَفْيُهَا مَذْهَبَ الْجَهْمِيَّة مِن الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ وَمَذْهَبَ بَعْضِ الصفاتية مِن الْأَشْعَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ: صَارَ بَعْضُ النَّاسِ مِن الطَّائِفَتَيْنِ كُلَّمَا قَرَأَ آيَةً فِيهَا ذِكْرُ الْوَجْهِ جَعَلَهَا مِن مَوَارِدِ النِّزَاعِ؛ فَالْمُثْبِتُ يَجْعَلُهَا مِن الصِّفَاتِ الَّتِي لَا تُتَأَوَّلُ بِالصَّرْفِ، وَالنَّافِي يَرَى أَنَّهُ إذَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ صِفَةً فَكذَلِكَ غَيْرُهَا. مِثَالُ ذَلِكَ: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، أدْخَلَهَا فِي آيَاتِ الصِّفَاتِ طَوَائِفُ مِن الْمُثْبِتَةِ والْنُّفَاةِ، حَتَّى عَدَّهَا أُولَئِكَ؛ كَابْنِ خُزَيْمَة مِمَّا يُقَرِّرُ إثْبَاتَ الصِّفَةِ، وَجَعَلَ النَّافِيَةَ تَفْسِيرَهَا بِغَيْرِ الصِّفَةِ حُجَّةً لَهم فِي مَوَارِدِ النِّزَاعِ. وَلهَذَا لَمَّا اجْتَمَعْنَا فِي الْمَجْلِسِ الْمَعْقُودِ وَكُنْت قَد قُلْت: أَمْهَلْت كُلَّ مَن خَالَفَنِي ثَلَاثَ سِنِينَ إنْ جَاءَ بِحَرْفٍ وَاحِدٍ عَن السَّلَفِ يُخَالِفُ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْته كَانَت لَهُ الْحُجَّةُ، وَفَعَلْت وَفَعَلْت، وَجَعَلَ الْمُعَارِضُونَ يُفَتِّشُونَ الْكُتُبَ فَظَفِرُوا بِمَا ذَكَرَهُ البيهقي فِي كِتَابِ "الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ" فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، فَإِنَّهُ ذَكَرَ عَن مُجَاهِدٍ وَالشَّافِعِيِّ أنَّ الْمُرَادَ قِبْلَةُ اللهِ، فَقَالَ أَحَدُ كُبَرَائِهِمْ - فِي الْمَجْلِسِ الثَّانِي - قَد أحْضَرْت نَقْلًا عَن السَّلَفِ بِالتَّأوِيلِ، فَوَقَعَ فِي قَلْبِي مَا أَعَدَّ، فَقلْت: لَعَلَّك قَد ذَكَرْت مَا رُوِيَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾: نَعَمْ، قلْت: الْمُرَادُ بِهَا قِبْلَةُ اللهِ، فَقَالَ: قَد تَأَوَّلَهَا مُجَاهِدٌ وَالشَّافِعِيُّ وَهُمَا مِن السَّلَفِ، وَلَمْ

стр. 457

يَكُن هَذَا السُّؤَالُ يَرِدُ عَلَيَّ (١)؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُن شَيءٌ مِمَّا نَاظَرُونِي فِيهِ صِفَةَ الْوَجْهِ، وَلَا أُثْبِتُهَا، لَكِنْ طَلَبُوهَا مِن حَيْثُ الْجُمْلَةُ، وَكَلَامِي كَانَ مُقَيَّدًا كَمَا فِي الْأَجْوِبَةِ، فَلَمْ أَرَ إحْقَاقَهُم فِي هَذَا الْمَقَامِ؛ بَل قُلْت: هَذِهِ الْآيَةُ لَيْسَتْ مِن آيَاتِ الصِّفَاتِ أَصْلًا، وَلَا تَنْدَرجُ فِي عُمُومِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: لَا تُؤَوَّلُ آيَاتُ الصِّفَاتِ. قَالَ: أَلَيْسَ فِيهَا ذِكْر الْوَجْهِ؟ فَلَمَّا قُلْت: الْمُرَادُ بِهَا قِبْلَةُ اللهِ؟ قَالَ: أَلَيْسَتْ هَذِهِ مِن آيَاتِ الصِّفَاتِ؟ قُلْت: لَا، لَيْسَتْ مِن مَوَارِدِ النِّزَاع، فَإِنّي إنَّمَا أُسَلِّمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَجْهِ - هُنَا- الْقِبْلَةُ؛ فَإِنَّ "الْوَجْهَ" هُوَ الْجِهَةُ فِي لغَةِ الْعَرَبِ، يُقَالٌ: قَصَدْت هَذَا الْوَجْهَ، وَسافَرْت إلَى هَذَا الْوَجْهِ؛ أَيْ: إلَى هَذِهِ الْجِهَةِ، وَهَذَا كَثِيرٌ مَشْهُورٌ؛ فَالْوَجْهُ هُوَ الْجِهَةُ، وَهُوَ الْوَجْهُ؛ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة: ١٤٨]؛ أَيْ: مُتَوَلِّيهَا، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ كِلْتَا الْآيَتَيْنِ فِي الففْظِ وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبَتَانِ، وَكِلَاهُمَا فِي شَأنِ الْقِبْلَةِ. وَالْوَجْهُ وَالْجِهَة هُوَ الَّذِي ذُكِرَ فِي الْآيَتَيْنِ أَنَّا نُوَلِّيهِ: نَسْتَقْبِلُهُ. وَالْمِثَالُ الثَّانِي: لَفْظَة الْأمْرِ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمَّا أَخْبَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢]، وَقَالَ: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وَاسْتَدَلَّ طَوَائِفُ مِن السَّلَفِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ غيْرُ مَخْلُوقٍ؛ بَل هُوَ كَلَامُهُ وَصِفَةٌ مِن صِفَاتِهِ بِهَذ الْآيَةِ وَغَيْرِهَا: صَارَ كَثِيرٌ مِن النَّاسِ يَطْرُدُ ذَلِكَ فِي لَفْظِ الْأَمْرِ حَيْثُ وَرَدَ، فَيَجْعَلُهُ صِفَةً طَرْدًا لِلدَّلَالَةِ، ويجْعَلُ دَلَالَتَهُ عَلَى غَيْرِ الصِّفَةِ نَقْضًا لَهَا، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، فَبَيَّنْت فِي بَعْضِ رَسَائِلِي: أَنَّ الْأَمْرَ وَغَيْرَهُ مِنَ الصِّفَاتِ يُطْلَقُ عَلَى الصِّفَةِ تَارَةً، وَعَلَى مُتَعَلَّقِهَا أُخْرَى، فَالرَّحْمَةُ

стр. 458

صِفَةٌ للهِ، ويُسَمَّى مَا خَلَقَ رَحْمَةً، وَالْقُدْرَةُ مِن صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى، ويُسَمَّى الْمَقْدُورُ قُدْرَةً، ويُسَمَّى تَعَلُّقُهَا بِالْمَقْدُورِ قُدْرَةً، وَالْخَلْقُ مِن صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى، ويُسمَّى خَلْقًا، وَالْعِلْمُ مِن صِفَاتِ اللهِ ويُسَمَّى الْمَعْلُومُ، أَو الْمُتَعَلَّقُ عِلْمًا: - فَتَارَةً يُرَادُ الصِّفَةُ. - وَتَارَةً يُرَادُ مُتَعَلَّقُهَا. - وَتَارَةَ يُرَادُ نَفْسُ التَّعَلُّقِ. وَالْأمْرُ مَصْدَرٌ؛ فَالْمَأمُورُ بِهِ يُسَمَّى أَمْرًا، وَمِن هَذَا الْبَابِ سُمّيَ عِيسَى ﷺ كَلِمَةً؛ لِأنَّهُ مَفْعُولٌ بِالْكَلِمَةِ، وَكَائِنٌ بِالْكَلِمَةِ، وَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ عَن سُؤَالِ الْجَهْمِيَّة لَمَّا قَالُوا: عِيسَى كَلِمَةُ اللهِ، فَهُوَ مَخْلُوقٌ، وَالْقُرْآنُ إذَا كَانَ كَلَامَ اللهِ لَمْ يَكُن إلَّا مَخْلوقًا؛ فَإِنَّ عِيسَى لَيْسَ هُوَ نَفْسَ كَلِمَةِ اللهِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ خُلِقَ بِالْكلِمَةِ عَلَى خِلَافِ سُنَّةِ الْمَخْلُوقِينَ، فَخُرِقَتْ فِيهِ الْعَادَةُ، وَقيلَ لَهُ: كُنْ فَكَانَ. وَالْقُرْآنُ نَفْسُ كَلَامِ اللهِ. فَمَن تَدَبَّرَ مَا وَرَدَ فِي بَاب أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ، وَأنَّ دَلَالَةَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ عَلَى ذَاتِ اللهِ، أَو بَعْضِ صِفَاتِ ذَاتِهِ: لَا يُوجِبُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ هُوَ مَدْلُول اللَّفْظِ حَيْثُ وَرَدَ، حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ طَرْدًا لِلْمُثْبِتِ وَنَقْضًا لِلنَّافِي؛ بَل يُنْظَرُ فِي كُلِّ آيَةٍ وَحَدِيثٍ بِخُصُوصِهِ وَسِيَاقِهِ، وَمَا يُبَيِّنُ مَعْنَاهُ مِن الْقُرْآنِ وَالدَّلَالَاتِ. فَهَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ مُهِمٌّ نَافِعٌ فِي بَابِ فَهْمِ الْكتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالِاسْتِدْلَالِ بِهِمَا مُطْلَقًا، وَنَافِعٌ فِي مَعْرِفَةِ الِاسْتِدْلَالِ، وَالِاعْتِرَاضِ، وَالْجَوَابِ، وَطَرْدِ الدَّلِيلِ وَنَقْضِهِ، فَهُوَ نَافِعٌ فِي كُلِّ عِلْمٍ خَبَرِيٍّ أو إنْشَائِيٍّ، وَفِي كُلِّ اسْتِدْلَالٍ أو مُعَارَضَةٍ مِن الْكِتَابِ وَالسُّنةِ، وَفي سَائِرِ أدِلَّةِ الْخَلْقِ. [٦/ ١٣ - ١٩] ٤٧٨ - يجب اتباعُ طريقةِ السلف من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسانٍ، فإنّ إجماعَهم حجةً قاطعة، وليس لأحد أن يخالفَهم فيما أجمعوا عليه، لا في الأصول ولا في الفروع. وحكى غيرُ واحدٍ

стр. 459

من أهل العلم بآثارهم وأقوالِهم، قالوا في قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] ونحوه: إنه بعِلمِه، وحَكَوا إجماعَهم على إمرارِ آيات الصفات وأحاديثها وإنكارَهم على المحرِّفين لها. ولهذا لا يَقدِر أحد أن يَحكِيَ عن أحدٍ من الصحابة والتابعين وغيرهم من سلف الأمَّة بنقلٍ صحيح أنه تأوَّلَ الاستواءَ بالاستيلاءِ أو نحوِه من معاني أهل التحريف؛ بل ينقل عنهم أنهم فسروا الآية بما يَقتضي أنه سبحانَه فوقَ عرشِه، ويُمكِنُه أن ينقل بالإسناد الصحيح أنهم قالوا في قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ أنهم قالوا: بعلمه. [المجموعه العلية ١/ ٦٩] * * * (حكم تفسير إحْدَى الآيَتَيْنِ بِظَاهِرِ الْأُخْرَى) ٤٧٩ - يَجُوزُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِين أَنْ تُفَسَّرَ إحْدَى الْآيَتَيْنِ بِظَاهِرِ الْأخْرَى، وَيُصْرَفَ الْكَلَامُ عَن ظَاهِرِهِ؛ إذ لَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ عِنْدَ أَحَدٍ مِن أهْلِ السُّنَّةِ، وإِن سُمِّيَ تَأْوِيلًا وَصَرْفًا عَن الظَّاهِرِ، فَذَلِكَ لِدَلَالَةِ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ، وَلمُوَافَقَةِ السُّنَّةِ وَالسَّلَفِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ بِالْقُرْآنِ، لَيْسَ تَفْسِيرًا لَهُ بِالرَّأيِ. وَالْمَحْذُورُ: إنَّمَا هُوَ صَرْفُ الْقُرْآنِ عَن فَحْوَاهُ بِغَيْرِ دَلَالَةِ مِن اللهِ وَرَسُولِهِ وَالسَّابِقِينَ. [٦/ ٢١] * * * (حكم التَّسَمِّي فِي الْأُصُولِ بِالْحَنْبَلِيَّةِ وَغَيْر ذَلِكَ، ووجوب مراعاة الأحوال والأشخاص في الإنكار، وأهمية التفريق بين المسائل الدقيقة والمسائل الكبيرة، وهل يصح تقسيم المَسَائِلِ إلى أُصُولٍ وفرُوعٍ ؟) ٤٨٠ - السالمية: هُم وَالْحَنْبَلِيَّةُ كالشَّيْءِ الْوَاحِدِ، إلَّا فِي مَوَاضِعَ مَخْصُوصَةٍ تَجْرِي مَجْرَى اخْتِلَافِ الْحَنَابِلَةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَفِيهِمْ تَصَوُّفٌ. وَمَن بَدَّعَ مِن أَصْحَابِنَا هَؤُلَاءِ: يُبَدِّعُ أَيْضًا التَّسَمِّيَ فِي الْأُصُولِ بِالْحَنْبَلِيَّةِ

стр. 460

وَغَيْر ذَلِكَ، وَلَا يَرَى أَنْ يَتَسَمَّى أَحَدٌ فِي الْأُصُولِ إلَّا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَهَذِهِ طَرِيقَة جَيِّدَةٌ، لَكِنَّ هَذَا مِمَّا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ؛ فَإنَّ مَسَائِلَ الدِّقِّ (١) فِي الْأصُولِ لَا يَكَادُ يَتَّفِقُ عَلَيْهَا طَائِفَةٌ؛ إذ لَو كَانَ كَذَلِكَ لَمَا تَنَازَعَ فِي بَعْضِهَا السَّلَفُ مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَقَد يُنْكَرُ الشَّيْءُ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ، وَعَلَى شَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ. وَأَصلُ هَذَا: أَنَّ الْمَسَائِلَ الْخَبَرِيَّةَ قَد يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْمَسَائِلِ الْعَمَلِيَّةِ، وَإِن سُمِّيَتْ تِلْكَ "مَسَائِلَ أُصُولٍ"، وَهَذِهِ "مَسَائِلَ فُرُوع"؛ فَإِنَّ هَذِهِ تَسْمِيَة مُحْدَثَةٌ، قَسَّمَهَا طَائِفَةٌ مِن الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِين، وَهُوَ عَلَى الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْأُصُولِيِّينَ أَغْلَبُ، لَا سِيَّمَا إذَا تَكَلَّمُوا فِي مَسَائِل التَّصْوِيبِ وَالتَّخْطِئَةِ. وَأَمَّا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْمُحَقِّقِينَ وَالصُّوفِيَّةِ فَعِنْدَهُم أَنَّ الْأَعْمَالَ أَهَمّ وَآكَدُ مِن مَسَائِل الْأَقْوَالِ الْمُتَنَازَعِ فِيهَا (٢).
следующие страницы →