Полный текст (3 539 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي أَمْرِ الْمَخْلُوقِينَ، يُرَادُ بِألْفَاظِ الصِّفَاتِ مِنْهُم فِي مَوَاضِعَ كَثيرَةٍ غَيْرُ الصِّفَاتِ.
وَأنَا أَذْكُرُ لِهَذَا مِثَالَيْنِ نَافِعَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: صِفَةُ الْوَجْهِ فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ إثْبَاتُ هَذِهِ الصِّفَةِ مَذْهَبَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْمُتَكَلِّمَةِ الصفاتية مِن الْكُلَّابِيَة وَالْأَشْعَريَّةِ والكرَّامِيَة، وَكَانَ نَفْيُهَا مَذْهَبَ الْجَهْمِيَّة مِن الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ وَمَذْهَبَ بَعْضِ الصفاتية مِن الْأَشْعَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ: صَارَ بَعْضُ النَّاسِ مِن الطَّائِفَتَيْنِ كُلَّمَا قَرَأَ آيَةً فِيهَا ذِكْرُ الْوَجْهِ جَعَلَهَا مِن مَوَارِدِ النِّزَاعِ؛ فَالْمُثْبِتُ يَجْعَلُهَا مِن الصِّفَاتِ الَّتِي لَا تُتَأَوَّلُ بِالصَّرْفِ، وَالنَّافِي يَرَى أَنَّهُ إذَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ صِفَةً فَكذَلِكَ غَيْرُهَا.
مِثَالُ ذَلِكَ: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، أدْخَلَهَا فِي آيَاتِ الصِّفَاتِ طَوَائِفُ مِن الْمُثْبِتَةِ والْنُّفَاةِ، حَتَّى عَدَّهَا أُولَئِكَ؛ كَابْنِ خُزَيْمَة مِمَّا يُقَرِّرُ إثْبَاتَ الصِّفَةِ، وَجَعَلَ النَّافِيَةَ تَفْسِيرَهَا بِغَيْرِ الصِّفَةِ حُجَّةً لَهم فِي مَوَارِدِ النِّزَاعِ.
وَلهَذَا لَمَّا اجْتَمَعْنَا فِي الْمَجْلِسِ الْمَعْقُودِ وَكُنْت قَد قُلْت: أَمْهَلْت كُلَّ مَن خَالَفَنِي ثَلَاثَ سِنِينَ إنْ جَاءَ بِحَرْفٍ وَاحِدٍ عَن السَّلَفِ يُخَالِفُ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْته كَانَت لَهُ الْحُجَّةُ، وَفَعَلْت وَفَعَلْت، وَجَعَلَ الْمُعَارِضُونَ يُفَتِّشُونَ الْكُتُبَ فَظَفِرُوا بِمَا ذَكَرَهُ البيهقي فِي كِتَابِ "الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ" فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، فَإِنَّهُ ذَكَرَ عَن مُجَاهِدٍ وَالشَّافِعِيِّ أنَّ الْمُرَادَ قِبْلَةُ اللهِ، فَقَالَ أَحَدُ كُبَرَائِهِمْ - فِي الْمَجْلِسِ الثَّانِي - قَد أحْضَرْت نَقْلًا عَن السَّلَفِ بِالتَّأوِيلِ، فَوَقَعَ فِي قَلْبِي مَا أَعَدَّ، فَقلْت: لَعَلَّك قَد ذَكَرْت مَا رُوِيَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾: نَعَمْ، قلْت: الْمُرَادُ بِهَا قِبْلَةُ اللهِ، فَقَالَ: قَد تَأَوَّلَهَا مُجَاهِدٌ وَالشَّافِعِيُّ وَهُمَا مِن السَّلَفِ، وَلَمْ
стр. 457
يَكُن هَذَا السُّؤَالُ يَرِدُ عَلَيَّ (١)؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُن شَيءٌ مِمَّا نَاظَرُونِي فِيهِ صِفَةَ الْوَجْهِ، وَلَا أُثْبِتُهَا، لَكِنْ طَلَبُوهَا مِن حَيْثُ الْجُمْلَةُ، وَكَلَامِي كَانَ مُقَيَّدًا كَمَا فِي الْأَجْوِبَةِ، فَلَمْ أَرَ إحْقَاقَهُم فِي هَذَا الْمَقَامِ؛ بَل قُلْت: هَذِهِ الْآيَةُ لَيْسَتْ مِن آيَاتِ الصِّفَاتِ أَصْلًا، وَلَا تَنْدَرجُ فِي عُمُومِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: لَا تُؤَوَّلُ آيَاتُ الصِّفَاتِ.
قَالَ: أَلَيْسَ فِيهَا ذِكْر الْوَجْهِ؟
فَلَمَّا قُلْت: الْمُرَادُ بِهَا قِبْلَةُ اللهِ؟
قَالَ: أَلَيْسَتْ هَذِهِ مِن آيَاتِ الصِّفَاتِ؟
قُلْت: لَا، لَيْسَتْ مِن مَوَارِدِ النِّزَاع، فَإِنّي إنَّمَا أُسَلِّمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَجْهِ - هُنَا- الْقِبْلَةُ؛ فَإِنَّ "الْوَجْهَ" هُوَ الْجِهَةُ فِي لغَةِ الْعَرَبِ، يُقَالٌ: قَصَدْت هَذَا الْوَجْهَ، وَسافَرْت إلَى هَذَا الْوَجْهِ؛ أَيْ: إلَى هَذِهِ الْجِهَةِ، وَهَذَا كَثِيرٌ مَشْهُورٌ؛ فَالْوَجْهُ هُوَ الْجِهَةُ، وَهُوَ الْوَجْهُ؛ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة: ١٤٨]؛ أَيْ: مُتَوَلِّيهَا، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ كِلْتَا الْآيَتَيْنِ فِي الففْظِ وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبَتَانِ، وَكِلَاهُمَا فِي شَأنِ الْقِبْلَةِ.
وَالْوَجْهُ وَالْجِهَة هُوَ الَّذِي ذُكِرَ فِي الْآيَتَيْنِ أَنَّا نُوَلِّيهِ: نَسْتَقْبِلُهُ.
وَالْمِثَالُ الثَّانِي: لَفْظَة الْأمْرِ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمَّا أَخْبَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢]، وَقَالَ: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وَاسْتَدَلَّ طَوَائِفُ مِن السَّلَفِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ غيْرُ مَخْلُوقٍ؛ بَل هُوَ كَلَامُهُ وَصِفَةٌ مِن صِفَاتِهِ بِهَذ الْآيَةِ وَغَيْرِهَا: صَارَ كَثِيرٌ مِن النَّاسِ يَطْرُدُ ذَلِكَ فِي لَفْظِ الْأَمْرِ حَيْثُ وَرَدَ، فَيَجْعَلُهُ صِفَةً طَرْدًا لِلدَّلَالَةِ، ويجْعَلُ دَلَالَتَهُ عَلَى غَيْرِ الصِّفَةِ نَقْضًا لَهَا، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، فَبَيَّنْت فِي بَعْضِ رَسَائِلِي: أَنَّ الْأَمْرَ وَغَيْرَهُ مِنَ الصِّفَاتِ يُطْلَقُ عَلَى الصِّفَةِ تَارَةً، وَعَلَى مُتَعَلَّقِهَا أُخْرَى، فَالرَّحْمَةُ стр. 458
صِفَةٌ للهِ، ويُسَمَّى مَا خَلَقَ رَحْمَةً، وَالْقُدْرَةُ مِن صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى، ويُسَمَّى الْمَقْدُورُ قُدْرَةً، ويُسَمَّى تَعَلُّقُهَا بِالْمَقْدُورِ قُدْرَةً، وَالْخَلْقُ مِن صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى، ويُسمَّى خَلْقًا، وَالْعِلْمُ مِن صِفَاتِ اللهِ ويُسَمَّى الْمَعْلُومُ، أَو الْمُتَعَلَّقُ عِلْمًا:
- فَتَارَةً يُرَادُ الصِّفَةُ.
- وَتَارَةً يُرَادُ مُتَعَلَّقُهَا.
- وَتَارَةَ يُرَادُ نَفْسُ التَّعَلُّقِ.
وَالْأمْرُ مَصْدَرٌ؛ فَالْمَأمُورُ بِهِ يُسَمَّى أَمْرًا، وَمِن هَذَا الْبَابِ سُمّيَ عِيسَى ﷺ كَلِمَةً؛ لِأنَّهُ مَفْعُولٌ بِالْكَلِمَةِ، وَكَائِنٌ بِالْكَلِمَةِ، وَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ عَن سُؤَالِ الْجَهْمِيَّة لَمَّا قَالُوا: عِيسَى كَلِمَةُ اللهِ، فَهُوَ مَخْلُوقٌ، وَالْقُرْآنُ إذَا كَانَ كَلَامَ اللهِ لَمْ يَكُن إلَّا مَخْلوقًا؛ فَإِنَّ عِيسَى لَيْسَ هُوَ نَفْسَ كَلِمَةِ اللهِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ خُلِقَ بِالْكلِمَةِ عَلَى خِلَافِ سُنَّةِ الْمَخْلُوقِينَ، فَخُرِقَتْ فِيهِ الْعَادَةُ، وَقيلَ لَهُ: كُنْ فَكَانَ.
وَالْقُرْآنُ نَفْسُ كَلَامِ اللهِ.
فَمَن تَدَبَّرَ مَا وَرَدَ فِي بَاب أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ، وَأنَّ دَلَالَةَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ عَلَى ذَاتِ اللهِ، أَو بَعْضِ صِفَاتِ ذَاتِهِ: لَا يُوجِبُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ هُوَ مَدْلُول اللَّفْظِ حَيْثُ وَرَدَ، حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ طَرْدًا لِلْمُثْبِتِ وَنَقْضًا لِلنَّافِي؛ بَل يُنْظَرُ فِي كُلِّ آيَةٍ وَحَدِيثٍ بِخُصُوصِهِ وَسِيَاقِهِ، وَمَا يُبَيِّنُ مَعْنَاهُ مِن الْقُرْآنِ وَالدَّلَالَاتِ.
فَهَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ مُهِمٌّ نَافِعٌ فِي بَابِ فَهْمِ الْكتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالِاسْتِدْلَالِ بِهِمَا مُطْلَقًا، وَنَافِعٌ فِي مَعْرِفَةِ الِاسْتِدْلَالِ، وَالِاعْتِرَاضِ، وَالْجَوَابِ، وَطَرْدِ الدَّلِيلِ وَنَقْضِهِ، فَهُوَ نَافِعٌ فِي كُلِّ عِلْمٍ خَبَرِيٍّ أو إنْشَائِيٍّ، وَفِي كُلِّ اسْتِدْلَالٍ أو مُعَارَضَةٍ مِن الْكِتَابِ وَالسُّنةِ، وَفي سَائِرِ أدِلَّةِ الْخَلْقِ. [٦/ ١٣ - ١٩]
٤٧٨ - يجب اتباعُ طريقةِ السلف من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسانٍ، فإنّ إجماعَهم حجةً قاطعة، وليس لأحد أن يخالفَهم فيما أجمعوا عليه، لا في الأصول ولا في الفروع. وحكى غيرُ واحدٍ
стр. 459
من أهل العلم بآثارهم وأقوالِهم، قالوا في قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] ونحوه: إنه بعِلمِه، وحَكَوا إجماعَهم على إمرارِ آيات الصفات وأحاديثها وإنكارَهم على المحرِّفين لها.
ولهذا لا يَقدِر أحد أن يَحكِيَ عن أحدٍ من الصحابة والتابعين وغيرهم من سلف الأمَّة بنقلٍ صحيح أنه تأوَّلَ الاستواءَ بالاستيلاءِ أو نحوِه من معاني أهل التحريف؛ بل ينقل عنهم أنهم فسروا الآية بما يَقتضي أنه سبحانَه فوقَ عرشِه، ويُمكِنُه أن ينقل بالإسناد الصحيح أنهم قالوا في قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ أنهم قالوا: بعلمه. [المجموعه العلية ١/ ٦٩]
* * *
(حكم تفسير إحْدَى الآيَتَيْنِ بِظَاهِرِ الْأُخْرَى)
٤٧٩ - يَجُوزُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِين أَنْ تُفَسَّرَ إحْدَى الْآيَتَيْنِ بِظَاهِرِ الْأخْرَى، وَيُصْرَفَ الْكَلَامُ عَن ظَاهِرِهِ؛ إذ لَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ عِنْدَ أَحَدٍ مِن أهْلِ السُّنَّةِ، وإِن سُمِّيَ تَأْوِيلًا وَصَرْفًا عَن الظَّاهِرِ، فَذَلِكَ لِدَلَالَةِ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ، وَلمُوَافَقَةِ السُّنَّةِ وَالسَّلَفِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ بِالْقُرْآنِ، لَيْسَ تَفْسِيرًا لَهُ بِالرَّأيِ.
وَالْمَحْذُورُ: إنَّمَا هُوَ صَرْفُ الْقُرْآنِ عَن فَحْوَاهُ بِغَيْرِ دَلَالَةِ مِن اللهِ وَرَسُولِهِ وَالسَّابِقِينَ. [٦/ ٢١]
* * *
(حكم التَّسَمِّي فِي الْأُصُولِ بِالْحَنْبَلِيَّةِ وَغَيْر ذَلِكَ، ووجوب مراعاة الأحوال والأشخاص في الإنكار، وأهمية التفريق بين المسائل الدقيقة والمسائل الكبيرة، وهل يصح تقسيم المَسَائِلِ إلى أُصُولٍ وفرُوعٍ ؟)
٤٨٠ - السالمية: هُم وَالْحَنْبَلِيَّةُ كالشَّيْءِ الْوَاحِدِ، إلَّا فِي مَوَاضِعَ مَخْصُوصَةٍ تَجْرِي مَجْرَى اخْتِلَافِ الْحَنَابِلَةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَفِيهِمْ تَصَوُّفٌ.
وَمَن بَدَّعَ مِن أَصْحَابِنَا هَؤُلَاءِ: يُبَدِّعُ أَيْضًا التَّسَمِّيَ فِي الْأُصُولِ بِالْحَنْبَلِيَّةِ
стр. 460
وَغَيْر ذَلِكَ، وَلَا يَرَى أَنْ يَتَسَمَّى أَحَدٌ فِي الْأُصُولِ إلَّا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَهَذِهِ طَرِيقَة جَيِّدَةٌ، لَكِنَّ هَذَا مِمَّا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ؛ فَإنَّ مَسَائِلَ الدِّقِّ (١) فِي الْأصُولِ لَا يَكَادُ يَتَّفِقُ عَلَيْهَا طَائِفَةٌ؛ إذ لَو كَانَ كَذَلِكَ لَمَا تَنَازَعَ فِي بَعْضِهَا السَّلَفُ مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَقَد يُنْكَرُ الشَّيْءُ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ، وَعَلَى شَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ.
وَأَصلُ هَذَا: أَنَّ الْمَسَائِلَ الْخَبَرِيَّةَ قَد يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْمَسَائِلِ الْعَمَلِيَّةِ، وَإِن سُمِّيَتْ تِلْكَ "مَسَائِلَ أُصُولٍ"، وَهَذِهِ "مَسَائِلَ فُرُوع"؛ فَإِنَّ هَذِهِ تَسْمِيَة مُحْدَثَةٌ، قَسَّمَهَا طَائِفَةٌ مِن الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِين، وَهُوَ عَلَى الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْأُصُولِيِّينَ أَغْلَبُ، لَا سِيَّمَا إذَا تَكَلَّمُوا فِي مَسَائِل التَّصْوِيبِ وَالتَّخْطِئَةِ.
وَأَمَّا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْمُحَقِّقِينَ وَالصُّوفِيَّةِ فَعِنْدَهُم أَنَّ الْأَعْمَالَ أَهَمّ وَآكَدُ مِن مَسَائِل الْأَقْوَالِ الْمُتَنَازَعِ فِيهَا (٢). стр. 461
وَقَد يَكُونُ الْإِقْرَارُ بِالْأَحْكَامِ الْعَمَلِيَّةِ أَوْجَبَ مِن الْإِقْرَارِ بِالْقَضَايَا الْقَوْلِيَّةِ؛ بَل هَذَا هوَ الْغَالِبُ؛ فَإِنَّ الْقَضَايَا الْقَوْليَّةَ يَكْفِي فِيهَا الْإِقْرَارُ بِالْجُمَلِ، وَهُوَ الْإِيمَانُ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ.
وَأَمَّا الْأَعْمَالُ الْوَاجِبَةُ: فَلَا بُدَّ مِن مَعْرِفَتِهَا عَلَى التَّفْصِيلِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِهَا لَا يُمْكِنُ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَتِهَا مُفَصَّلَةً.
وَلهَذَا تُقِرُّ الْأمَّةُ مَن يُفَصِّلُهَا عَلَى الْإطْلَاقِ وَهم الْفُقَهَاءُ، وإن كَانَ قَد يُنْكَرُ عَلَى مَن يَتَكَلَّمُ فِي تَفْصِيلِ الْجُمَلِ الْقَوْلِيَّةِ؛ لِلْحَاجَةِ الدَّاعِيَةِ إلَى تَفْصِيلِ الْأَعْمَالِ الْوَاجِبَةِ، وَعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى تَفْصِيلِ الْجُمَلِ الَّتي وَجَبَ الْإِيمَانُ بِهَا مُجْمَلَةً (١).
وَكَثِيرٌ مِن تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ أَو أَكْثَرهُ مِن هَذَا الْبَابِ؛ فَإنَّ الِاخْتِلَافَ فِي كَثِيرٍ مِن التَّفْسِيرِ هُوَ مِن بَابِ الْمَسَائِلِ الْعِلْمِيَّةِ الْخَبَريَّةِ، لَا مِن بَابِ الْعَمَلِيَّةِ، لَكِنْ قَد تَقَعُ الْأهْوَاءُ فِي الْمَسَائِلِ الْكِبَارِ كَمَا قَد تَقَعُ فِي مَسَائِلِ الْعَمَلِ. [٦/ ٥٦ - ٦٠]
* * *
(الرِّسَالَة الأكملية) (٢)
٤٨١ - إِذَا أَخْبَرَ اللهُ بِالشيءِ وَدَلَّ عَلَيْهِ بِالدَّلَالَاتِ الْعَقْلِيَّةِ: صَارَ مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِخَبَرِهِ، وَمَدْلُولًا عَلَيْهِ بِدَلِيلِهِ الْعَقْلِيِّ الَّذِي يُعْلَمُ بِهِ، فَيَصِيرُ ثَابِتَا بِالسَّمْعِ стр. 462
وَالْعَقْلِ، وَكِلَاهُمَا دَاخِلٌ فِي دَلَالَةِ الْقُرْآنِ الَّتِي تُسَمَّى الدَّلَالَةَ الشَّرْعِيَّةَ. [٦/ ٧٢]
٤٨٢ - ثُبُوتُ "مَعْنَى الْكَمَالِ" قَد دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ بِعِبَارَاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ دَالَّة عَلَى مَعَانِي مُتَضَمِّنَةٍ لِهَذَا الْمَعْنَى، فَمَا فِي الْقُرْآنِ مِن إثْبَاتِ الْحَمْدِ لَهُ وَتَفْصِيلِ مَحَامِدِهِ، وَأَنَّ لَهُ الْمَثَل الْأعْلَى، وإِثْبَاتِ مَعَانِي أَسْمَائِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ: كُلُّهُ دَالٌّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَقَد ثَبَتَ لَفْظُ "الْكَامِلِ" فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾ [الإخلاص: ١، ٢] أَنَّ "الصَّمَدَ" هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْكَمَالِ، وَهوَ السَّيِّدُ الَّذِي كَمُلَ فِي سُؤددِهِ، وَالشَّرِيفُ الَّذِي قَد كَمُلَ فِي شَرَفِهِ، وَالْعَظِيمُ الَّذِي قَد كمُلَ فِي عَظَمَتِهِ. [٦/ ٧٢]
٤٨٣ - اللهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ النُّصُوصَ لِمُجَرَّدِ تَقْرِيرِ صِفَاتِ الْكَمَالِ لَهُ؛ بَل ذَكَرَهَا لِبَيَانِ أَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ دُونَ مَا سِوَاهُ، فَأفَادَ الْأصْلَيْنِ اللَّذَيْنِ بِهِمَا يَتِمُّ التوْحِيدُ: وَهُمَا إثْبَاتُ صِفَاتِ الْكَمَالِ رَدًّا عَلَى أَهْلِ التَّعْطِيلِ، وَبَيَانِ أنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ لَا إلهَ إلَّا هُوَ رَدًّا عَلَى الْمُشْرِكِينَ. [٦/ ٨٣]
* * *
(لَفْظُ التَّشَابُهِ لَيْسَ هُوَ التَّمَاثُلَ)
٤٨٤ - لَفْظُ "التَّشَابُهِ" لَيْسَ هُوَ التَّمَاثُلَ فِي اللَّغَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ [الأنعام: ١٤١]، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ شَيْئًا هُوَ مُمَاثِلٌ فِي اللُّغَةِ. [٦/ ١١٣]
* * *
(لَفْظ الْمُنَاسَبَةِ مُجْمَلٌ)
٤٨٥ - الْمُنَاسَبَةُ: لَفْظٌ مُجْمَلٌ؛ فَإِنَّهُ قَد يُرَادُ بِهَا التَّوَلُّدُ وَالْقَرَابَةُ، فَيُقَالُ: هَذَا نَسِيبُ فُلَانٍ وَيُنَاسِبُهُ إذَا كَانَ بَيْنَهُم قَرَابَةٌ مُسْتَنِدَةٌ إلَى الْوِلَادَةِ وَالْآدَمِيَّةِ، وَاللهُ -سبحانه وتعالي- مُنَزَّهٌ عَن ذَلِكَ.
стр. 463
ويُرَادُ بِهَا الْمُمَاثَلَةُ، فَيُقَالُ: هَذَا يُنَاسِبٌ هَذَا: أَيْ: يُمَاثِلُهُ، وَاللهُ -سبحانه وتعالي- أَحَدٌ صَمَدٌ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَهُ كُفُوًا أحَدٌ.
ويُرَاد بِهَا الْمُوَافَقَةُ فِي مَعْنًى مِن الْمَعَانِي، وَضِدُّهَا الْمُخَالَفَةُ.
وَالْمُنَاسَبَةُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ: ثَابِتَةٌ؛ فَإنَّ أَوْليَاءَ اللهِ تَعَالَى يُوَافِقُونَهُ فِيمَا يَأمُرُ بِهِ فَيَفْعَلُونَهُ، وَفيمَا يُحِبُّهُ فَيُحِبُّونَهُ، وَفِيمَا نَهَى عَنْهُ فَيَتْرُكُونَهُ، وَفيمَا يُعْطِيهِ فَيُصِيبُونَهُ.
وَاللهُ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ، جَمِيل يُحِبُّ الْجَمَالَ، عَلِيمٌ يُحِبُّ الْعِلْمَ، نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ.
فَإِذَا أُرِيدَ بِالْمُنَاسَبَةِ هَذَا وَأَمْثَالُهُ: فَهَذِهِ الْمُنَاسَبَةُ حَقٌّ، وَهِيَ مِن صِفَاتِ الْكمَالِ؛ فَإنَّ مَن يُحِبُّ صِفَاتِ الْكَمَالِ أَكْمَلُ مِمَن لَا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ صِفَاتِ النَّقْصِ وَالْكَمَالِ، أَو لَا يُحِبُّ صِفَاتِ الْكَمَالِ (١). [٦/ ١١٤ - ١١٥]
* * *
(يُفَرَّقُ بَيْنَ دُعَاء الله وَالْإِخْبَارِ عَنْهُ، فَلَا يدْعَى إلَّا بِالْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، وَأَمَّا الْإِخْبَارُ عَنْهُ فيُخبَر عنه بغيرها بشرط ألَا يَكونَ بِاسْمٍ سَيِّئٍ)
٤٨٦ - قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠]. وَالْحُسْنَى: الْمُفَضَّلَةُ عَلَى الْحَسَنَةِ، وَالْوَاحِدُ الْأَحَاسِنُ.
وَقَد يُقَالُ: جِنْسُ "الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى" بِحَيْثُ لَا يَجُوزُ نَفْيُهَا عَنْهُ كَمَا فَعَلَهُ الْكُفَّارُ، وَأَمَرَ بِالدُّعَاءِ بِهَا، وَأَمَرَ بِدُعَائِهِ مُسَمًّى بِهَا، خِلَافُ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ مِن النَّهْيِ عَن دُعَائِهِ بِاسْمِهِ الرَّحْمَنِ.
فَقَد يُقَالُ: قَوْلُهُ: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ أَمْرٌ أَنْ يُدْعَى بِالْأسْمَاءِ الْحُسْنَى، وَأَنْ لَا стр. 464
يُدْعَى بِغَيْرِهَا؛ كَمَا قَالَ: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، فَهُوَ نَهْيٌ أَن يُدْعَوْا لِغَيْرِ آبَائِهِمْ.
وَيُفَرَّقُ بَيْنَ دُعَائِهِ وَالْإِخْبَارِ عَنْهُ، فَلَا يُدْعَى إلَّا بِالْأسْمَاءِ الْحُسْنَى، وَأمَّا الْإِخبَارُ عَنْهُ: فَلَا يَكُونُ بِاسْمٍ سَيِّئٍ، لَكِنْ قَد يَكُونُ بِاسْم حَسَنٍ، أَو بِاسْم لَيْسَ بِسَيِّئٍ وَإِن لَمْ يُحْكَمْ بِحُسْنِهِ؛ مِثْل اسْمِ: شَيءٍ، وَذَاتٍ، وَمَوْجُودٍ، إذَا أرِيدَ بِهِ الثَّابِتُ، وَأمَّا إذَا أُرِيدَ بهِ الْمَوْجُودُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ فَهُوَ مِن الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، وَكَذَلِكَ الْمُرِيدُ، وَالْمُتَكَلِّمُ (١)؛ فَإِنَّ الْإرَادَةَ وَالْكَلَامَ تَنْقَسِمُ إلَى مَحْمُودٍ وَمَذْمُومٍ، فَلَيْسَ ذَلِكَ مِن الْأسْمَاءِ الْحُسْنَى، بِخِلَافِ الْحَكِيمِ وَالرَّحِيمِ وَالصَّادِقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا مَحْمُودًا.
وَهَكَذَا كَمَا فِي حَق الوَّسُولِ حَيْثُ قَالَ: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ١٦٣] فَأَمَرَهُم أَنْ يَقُولُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، يَا نَبِيَّ اللُّهِ، كَمَا خَاطَبَهُ اللهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [الممتحنة: ١٢] ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [المائدة: ٤١] لَا يَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، يَا أَحْمَد، يَا أَبَا الْقَاسِمِ، وَإِن كَانُوا يَقُولُونَ فِي الْإِخْبَارِ -كَالْأَذَانِ وَنَحْوِهِ-: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ كمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩].
فَهوَ سُبْحَانَهُ: لَمْ يُخَاطِبْ مُحَمَدًا إلَّا بِنَعْتِ التَّشْرِيفِ؛ كَالرَّسُولِ وَالنَّبِيِّ وَالْمُزَّمِّلِ وَالْمُدَّثِّرِ، وَخَاطَبَ سَائِرَ الْأنْبِيَاءِ بِأَسْمَائِهِمْ، مَعَ أَنَّهُ فِي مَقَامِ الْاِخْبَارِ عَنْهُ قَد يَذْكُر اسْمَهُ.
فَقَد فَرَّقَ سُبْحَانَهُ بَيْنَ حَالَتَي الْخِطَابِ فِي حَقِّ الرَّسُولِ، وَأَمَرَنَا بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا فِي حَقِّهِ (٢). стр. 465
وَكَذَلِكَ هُوَ الْمُعْتَادُ فِي عُقُولِ النَّاسِ إذَا خَاطَبُوا الْأَكَابِرَ مِن الْأمَرَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْمَشَايخِ وَالرُّؤَسَاءِ، لَمْ يُخَاطِبُوهُم وَيَدْعُوهُم إلَّا بِاسْم حَسَنٍ، وَإِن كَانَ فِي حَالِ الْخَبَرِ عَن أَحَدِهِمْ يُقَالُ: هُوَ إنْسَانٌ، وَحَيَوَانٌ نَاطِقٌ، وَجِسْمٌ، وَمُحْدَثٌ، وَمَخْلُوقٌ، وَمَرْبُوبٌ، وَمَصْنُوعٌ، وَابْنُ أُنْثَى، وَيَأْكُلُ الطَّعَامَ، وَيَشْرَبُ الشَّرَابَ (١).
لَكِنَّ كُلَّ مَا يُذْكَرُ مِن أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ فِي حَالِ الإخْبَارِ عَنْهُ: يُدْعَى بِهِ فِي حَالِ مُنَاجَاتِهِ وَمُخَاطَبَتِهِ، وَإِن كَانَت أَسْمَاءُ الْمَخْلُوقِ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى نَقْصِهِ وَحُدُوثهِ، وَأَسْمَاءُ اللهِ لَيْسَ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى نَقْصٍ وَلَا حُدُوثٍ؛ بَل فِيهَا الْأَحْسَنُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الْكَمَالِ وَهِيَ الَّتِي يُدْعَى بِهَا.
وَأَمَّا فِي الْأَسْمَاءِ الْمَأثُورَةِ فَمَا مِن اسْمٍ إلَّا وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى مَعْنى حَسَنٍ. [٦/ ١٤١ - ١٤٣]
٤٨٧ - النَّاسُ مُتَنَازِعُونَ: هَل يُسَمَّى اللهُ بِمَا صَحَّ مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ وَالْعَقْلِ وَالشَّرْعِ وَإِن لَمْ يَرِدْ بِإِطْلَاقِهِ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ؟ أَمْ لَا يُطْلَقُ إلَّا مَا أَطْلَقَ نَصٌّ أَو إجْمَاعٌ؟
عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورينِ. стр. 466
وَعَامَّةُ النُّظَّارِ يُطْلِقونَ مَا لَا نَصَّ فِي إطْلَاقِهِ وَلَا إجْمَاعَ؛ كَلَفْظِ الْقَدِيمِ وَالذَّاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَمِن النَّاسِ مَن يَفصِلُ بَيْنَ الْأسْمَاءِ الَّتِي يُدْعَى بِهَا وَبَيْنَ مَا يُخْبَرُ بِهِ عَنْهُ لِلْحَاجَةِ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ إنَّمَا يُدْعَى بِالْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى كَمَا قَالَ: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾.
وَأَمَّا إذَا اُحْتِيجَ إلَى الْإِخْبَارِ عَنْهُ مِثْلُ أَنْ يُقَالَ: لَيْسَ هُوَ بِقَدِيم، وَلَا مَوْجُودٍ، وَلَا ذَاتٍ قَائِمَةٍ بِنَفْسِهَا، وَنَحْو ذَلِكَ: فَقِيلَ فِي تَحْقِيقِ الْإِثْبَاتِ؛ بَل هُوَ سُبْحَانَهُ قَدِيمُ، مَوْجُود، وَهُوَ ذَاتٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا.
وَقِيلَ: لَيْسَ بِشَيء، فَقِيلَ: بَل هُوَ شَيءٌ.
فَهَذَا سَائِغٌ (١)؛ وَإِن كَانَ لَا يُدْعَى بِمِثْل هَذِهِ الْأَسْمَاءِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا مَا يَدُذ عَلَى الْمَدْحِ؛ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: يَا شَيءُ إذ كَانَ هَذَا لَفْظَا يَعُمُّ كُلَّ مَوْجُودٍ، وَكَذَلِكَ لَفْظُ ذَاتٌ وَمَوْجُودٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
إلَّا إذَا سَمَّى بِالْمَوْجُودِ الَّذِي يَجِدُهُ مَن طَلَبَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ [النور: ٣٩]، فَهَذَا أَخَصُّ مِن الْمَوْجُودِ الَّذِي يَعُمُّ الْخَالِقَ وَالْمَخْلُوقَ. [٩/ ٣٠٠ - ٣٠١]
* * *
(الْمُضَافَاتُ إلَى الله سُبْحَانَهُ فِي الْكِتَاب وَالسُّنَّةِ لَا يَخْلُو مِن ثَلَاثَةِ أقْسَامٍ)
٤٨٨ - الْمُضَافَاتُ إلَى اللهِ سُبْحَانَهُ فِي الْكِتَاب وَالسُّنَّةِ لَا يَخْلُو مِن ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَاْ: إضَافَةُ الصِّفَةِ إلَى الْمَوْصُوفِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. стр. 467
الْقِسْمُ الثَّانِي: إضَافَةُ الْمَخْلُوقَاتِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس: ١٣]. فَهَذَا الْقِسْمُ لَا خِلَافَ بَيْنِ الْمُسْلِمِينَ فِي أنَّهُ مَخْلُوقٌ، كَمَا أَنَّ الْقِسْمَ الْأَوَّلَ لَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي أَنَّهُ قَدِيمٌ وَغَيْرُ مَخْلُوقٍ.
الثَّالِثُ: مَا فِيهِ مَعْنَى الصِّفَةِ وَالْفِعْلِ؛ مِثْل قَوْلِهِ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢]، وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩]، وَقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥].
وَقَوْلِهِ: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء: ٩٣]، وَقَوْلِهِ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩]، وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢].
فَالنَّاسُ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا - وَهُوَ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ والْكُلَّابِيَة وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَكَثِيرٍ مِن الْحَنْبَلِيَّةِ وَمَن اتَبَعَهُم مِن الْفُقَهَاءِ وَالصُّوفِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ - أنَّ هَذَا الْقِسْمَ لَا بُدَّ أَنْ يُلْحَقَ بِأحَدِ الْقِسْمَيْنِ قَبْلَهُ، فَيَكُونُ:
- إمَّا قَدِيمًا قَائِمًا بِهِ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ ذَلِكَ وَهُم الْكُلَّابِيَة.
- وَإِمَّا مَخْلُوقًا مُنْفَصِلًا عَنْهُ، ويمْتَنِعُ أَنْ يَقُومَ بِهِ نَعْتٌ أو حَالٌ أو فِعْل أَو شَيْءٌ لَيْسَ بِقَدِيم.
ويُسَمُّونَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ: مَسْأَلَةَ حُلُولِ الْحَوَادِثِ بِذَاتِهِ.
وَيَقُولُونَ: يَمْتَنِعُ أَنْ تَحِلَّ الْحَوَادِثُ بِذَاتِهِ .. وَرَأَوْا أَنَّ تَجْوِيزَ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ حُدُوثَهُ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ الَّذِي دَلَّهُم عَلَى حُدُوثِ الْأَجْسَامِ قِيَامُ الْحَوَادِثِ بِهَا.
وَالْقَوْلُ الثانِي - وَهُوَ قَوْلُ الكَرَّامِيَة، وَكَثِيرٍ مِن الْحَنْبَلِيَّةِ، وَأكْثَرِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَمَن اتَّبَعَهُم مِن الْفُقَهَاءِ وَالصُّوفِيَّةِ وَجُمْهُورِ الْمُسْلِمِينَ، وَأكْثَرُ كَلَامِ السَّلَفِ، وَمَن حَكَى مَذْهَبَهُم حَتَّى الْأَشْعَرِيَّ - أَنَّ هَذِهِ الضفَاتِ الْفِعْلِيَّةَ وَنَحْوَهَا
стр. 468
الْمُضَافَةَ إلَى اللهِ: قِسْمٌ ثَالِثٌ، لَيْسَتْ مِن الْمَخْلُوقَاتِ الْمُنْفَصِلَةِ عَنْه، وَلَيْسَتْ بِمَنْزِلَةِ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ الْقَدِيمَةِ الْوَاجِبَةِ الَّتِي لَا تَتَعَلَّقُ بِهَا مَشِيئَتُهُ، لَا بِأَنْوَاعِهَا وَلَا بِأعْيَانِهَا.
وَقَد يَقُولُ هَؤُلَاءِ: إنَّهُ يَتَكَلَّمُ إذَا شَاءَ، وَيَسْكُتُ إذَا شَاءَ، وَلَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يَتَكلَّمُ إذَا شَاءَ وَيَسْكُتُ إذَا شَاءَ، وَكَلَامُهُ مِنْهُ لَيْسَ مَخْلُوقًا.
وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ: وَإِن كَانَ لَهُ مَشِيئَة قَدِيمَةٌ فَهُوَ يُرِيدُ إذَا شَاءَ، وَيَغْضَبُ وَيَمْقُت.
وَيُقِرُّ هَؤُلَاءِ أَو أَكْثَرُهُم مَا جَاءَ مِن النُّصُوصِ عَلَى ظَاهِرِهِ مِثْل قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] أَنَّهُ اسْتَوَى عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُن مُسْتَوِيًا عَلَيْهِ.
وَأَمَّا نُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ: فَلَا رَيْبَ أَنَّ ظَاهِرَهَا مُوَافِق لِهَذَا الْقَوْلِ. [٦/ ١٤٤ - ١٥٢]
* * *
(المراد بالمحدث في قَوْله - تعالى -: ﴿مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾)
٤٨٩ - قَوْله - تعالى -: ﴿مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] الْأِطْلَاقَاتُ قَد تُوهِمُ خِلَافَ الْمَقْصُودِ، فَيُقَالُ:
- إنْ أَرَدْت بِقَوْلِك مُحْدَثٌ أَنَّهُ مَخْلُوق مُنْفَصِل عَن اللهِ كَمَا يَقُولُ الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةُ والنجارية: فَهَذَا بَاطِلٌ لَا نَقُولُهُ.
- وَإِن أَرَدْت بِقَوْلِك إنَّهُ كَلَامٌ تَكَلَّمَ اللهُ بِهِ بِمَشِيئَتِهِ، بَعْدَ أَنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ بِعَيْنِهِ، وَإِن كَانَ قَد تَكَلَّمَ بِغَيْرِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، مَعَ أنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ: فَإِنَّا نَقُولُ بِذَلِكَ، وَهُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَهُوَ قَوْلُ السَّلَفِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ. [٦/ ١٦١]
* * *
стр. 469
(الله تكلم بالقرآن قبل أن يخلُقَ الخلق)
٤٩٠ - لَا خِلَافَ عَن أَبِي عَبْدِ اللهِ (١) أنَّ اللهَ كَانَ مُتَكَلِّمًا بِالْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ، وَقَبْلَ كُلِّ الْكَائِنَاتِ [مَوْجُودًا] (٢)، وَأَنَّ اللهَ فِيمَا لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا كَيْفَ شَاءَ وَكَمَا شَاءَ وَإِذَا شَاءَ أَنْزَلَ كَلَامَهُ، وَإِذَا شَاءَ لَمْ يُنْزِلْهُ. [٦/ ١٦٣]
* * *
(ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ أَنَّ اللهَ يوصَفُ بِالسُّكوتِ)
٤٩١ - فِي حَدِيثِ سَلْمَانَ عَن النَّبِيِّ ﷺ : "الْحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ الله فِي كِتَابِهِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ" .. فَثَبَتَ بِالسُّنَّةِ وَالْإجْمَاعِ أَن اللهَ يُوصَفُ بِالسُّكُوتِ، لَكِنَّ السُّكُوتَ يَكُونُ تَارَةً عَن التَّكَلُّمِ، وَتَارَةً عَن إظْهَارِ الْكَلَامِ وَإِعْلَامِهِ. [٦/ ١٧٨ - ١٧٩]
* * *
(الِاسْمِ وَالْمُسَمَّى: هَل هُوَ هُوَ أَو غَيْرُهُ ؟)
٤٩٢ - فَصْلٌ: فِي "الِاسْمِ وَالْمُسَمَّى": هَل هُوَ هُوَ، أَو غَيْرُة؟ أَو لَا يُقَالُ هُوَ هُوَ، وَلَا يُقَالُ هُوَ غَيْرُهُ؟ أَو هُوَ لَهُ؟ أَو يُفْصَلُ فِي ذَلِكَ؟
فَإِنَّ النَّاسَ قَد تَنَازَعُوا فِي ذَلِكَ، وَالنِّزَاعُ اشْتَهَرَ فِي ذَلِكَ بَعْدَ الْأَئِمَّةِ بَعْدَ أحْمَد وَغَيْرِهِ، وَاَلَّذِي كَانَ مَعْرُوفًا عِنْدَ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ أحْمَد وَغَيْرِهِ: الْإِنْكَارُ عَلَى الْجَهْمِيَّة الَّذِينَ يَقُولُونَ: أَسْمَاءُ اللهِ مَخْلُوقَةٌ.
فَيَقُولُونَ: الِاسْمُ غَيْرُ الْمُسَمَّى، وَأَسْمَاءُ اللهِ غَيْرُهُ، وَمَا كَانَ غَيْرُهُ فَهُوَ стр. 470
مَخْلُوقٌ، وَهَؤُلَاءِ هُم الَّذِينَ ذَمَّهُم السَّلَفُ، وَغَلَّظُوا فِيهِم الْقَوْلَ؛ لِأنَّ أَسْمَاءَ اللهِ مِن كَلَامِهِ، وَكَلَامُ اللهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ الْمَعْرُوفَ عَن أَئِمَّةِ السُّنَّةِ إنْكَارُهُم عَلَى مَن قَالَ أَسْمَاءُ اللهِ مَخْلُوقَةٌ، وَكَانَ الَّذِينَ يُطْلِقُونَ الْقَوْلَ بِأَنَّ الِاسْمَ غَيْرُ الْمُسَمَّى هَذَا مُرَادُهُمْ.
وَاَلَّذِينَ قَالُوا الِاسْمَ هُوَ الْمُسَمَّى كَثِيرٌ مِن الْمُنْتَسِبِينَ إلَى السُّنَّةِ؛ مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَأَبِي الْقَاسِمِ الطبري، واللالكائي، وَأَبِي مُحَمَّدٍ البغوي صَاحِبِ شَرْحِ السُّنَّةِ وَغَيْرِهِمْ.
قَالَ أبُو بَكْرِ بْنُ فورك .. : وَاَلَّذِي هُوَ الْحَقُّ عِنْدَنَا قَوْلُ مَن قَالَ: اسْمٌ الشَّيءِ هُوَ عَيْنُهُ وَذَاتُهُ، وَاسْمُ اللهِ هُوَ اللهُ، وَتَقْدِيرُ قَوْلِ الْقَائِلِ: بِسْمِ اللهِ أَفْعَلُ: أَيْ: بِاللهِ أفْعَلُ، وَإِنَّ اسْمَهُ هُوَ هُوَ.
قَالَ: وإِلَى هَذَا الْقَوْلِ ذَهَبَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سلام.
قُلْت (١): لَو اقْتَصَرُوا عَلَى أَنَّ أَسْمَاءَ الشَّيءِ إذا ذُكِرَتْ فِي الْكَلَامِ فَالْمُرَادُ بِهَا الْمُسَمَّيَاتُ: لَكَانَ ذَلِكَ مَعْنًى وَاضِحًا، لَا يُنَازِعُهُ فِيهِ مَن فَهِمَهُ، لَكِنْ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلَى ذَلِكَ؛ وَلهَذَا أَنْكَرَ قَوْلَهُم جُمْهُورُ النَّاسِ مِن أَهْلِ السّنَّةِ وَغَيْرِهِمْ؛ لِمَا فِي قَوْلِهِمْ مِن الْأُمُورِ الْبَاطِلَةِ؛ مِثْلُ دَعْوَاهُم أنَّ لَفْظَ اسْمٍ الَّذِي هُوَ "ا س م" مَعْنَاهُ: ذَاتُ الشَّيءِ وَنَفْسُهُ، وَأَنَّ الْأَسْمَاءَ -الَّتِي هِيَ الْأَسْمَاءُ- مِثْلُ زيدٍ وَعَمْرٍو هِيَ التَّسْمِيَاتُ لَيْسَتْ هِيَ أَسْمَاءَ الْمُسَمَّيَاتِ، وَكِلَاهُمَا بَاطِلٌ، مُخَالِفٌ لِمَا يَعْلَمُهُ جَمِيعُ النَّاسِ مِن جَمِيعِ الْأُمَمِ وَلمَا يَقُولُونَهُ.
فَإِنَّهُم يَقُولُونَ: إن زيدًا وَعَمْرًا وَنَحْو ذَلِكَ هِيَ أَسْمَاءُ النَّاسِ.
وَالتَّسْمِيَةُ: جَعْلُ الشَّيءِ اسْمًا لِغَيْرِهِ، هِيَ مَصْدَرُ سَمَّيْته تَسْمِيَة، إذَا جَعَلْت стр. 471
لَهُ اسْمًا، وَالِاسْمُ: هُوَ الْقَوْلُ الدَّالُّ عَلَى الْمُسَمَّى، لَيْسَ الِاسْمُ الَّذِي هُوَ لَفْظُ اسْمٍ هُوَ الْمُسَمَّى؛ بَل قَد يُرَادُ بِهِ الْمُسَمَّى؛ لِأنَّهُ حُكمٌ عَلَيْهِ وَدَليل عَلَيْهِ.
ثُمَّ قَد عُرِفَ أَنَّهُ إذَا أَطُلِقَ الِاسْمُ فِي الْكَلَامِ الْمَنْظومِ: فَالْمُرَادُ بِهِ الْمُسَمَّى؛ فَلِهَذَا يُقَالُ: مَا اسْمُ هَذَا؟ فَيُقَالُ: زَيْدٌ، فَيُجَابُ بِاللَّفْظِ، وَلَا يُقَالُ: مَا اسْمُ هَذَا، فَيُقَالُ: هُوَ هُوَ.
وَأَمَّا احْتِجَاجُهُم بِقَوْلِهِ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١]، وَأَنَّ الْمُرَادَ سَبِّحْ رَبَّك الْأَعْلَى، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾ [الرحمن: ٧٨] وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَهَذَا لِلنَّاسِ فِيهِ قَوْلَانِ مَعْرُوفَانِ وَكِلَاهُمَا حُجَّة عَلَيهِمْ:
مِنْهُم مَن قَالَ: "الِاسْمُ" هُنَا صِلَةٌ، وَالْمُرَادُ سَبِّحْ رَبَّك، وَتبَارَكَ رَبُّك.
وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّهُ لَيْسَ بِصِلَة؛ بَل أَمَرَ اللهُ بِتَسْبِيحِ اسْمِهِ، كَمَا أَمَرَ بِذِكْرِ اسْمِهِ.
وَالْمَقْصُودُ بِتَسْبِيحِهِ وَذِكْرِهِ: هُوَ تَسْبِيحُ الْمُسَمَّى وَذِكْرُهُ؛ فَإِنَّ الْمُسَبِّحَ وَالذَّاكِرَ إنَّمَا يُسَبِّحُ اسْمَهُ ويذْكُرُ اسْمَهُ فَيَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى، فَهُوَ نَطَقَ بِلَفْظِ رَبِّي الْأَعْلَى، وَالْمُرَادُ هُوَ الْمُسَمَّى بِهَذَا اللَّفْظِ، فَتَسْبِيحُ الِاسْمِ هُوَ تَسْبِيحُ الْمُسَمَّى.
لَكِنْ هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَفْظَ اسْمٍ الَّذِي هُوَ "أَلِفٌ سِينٌ مِيمٌ" الْمُرَادُ بِهِ الْمُسَمَّى.
لَكِنْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَسْمَاءَ اللهِ؛ مِثْلُ: الله، وَرَبُّنَا، وَرَبِّي الْأَعْلَى، وَنَحْوُ ذَلِكَ: يُرَادُ بِهَا الْمُسَمَّى، مَعَ أَنَّهَا هِيَ فِي نَفْسِهَا لَيْسَتْ هِيَ الْمُسَمَّى، لَكِنْ يُرَادُ بِهَا الْمُسَمَّى.
وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِن "السُّمُوِّ" وَهُوَ الْعُلُوُّ كَمَا قَالَ النُّحَاةُ الْبَصْرِيُّونَ، وَقَالَ النُّحَاةُ الْكُوفِيُّونَ: هُوَ مُشْتَقٌّ مِن "السِّمَةِ" وَهِيَ الْعَلَامَةُ، وَهَذَا صَحِيحٌ فِي
стр. 472
الِاشِتقَاقِ الْأَوْسَطِ، وَهُوَ مَا يَتَّفِق فِيهِ حُروفُ اللَّفْظَيْنِ دُونَ تَرْتِيبِهِمَا؛ فَإِنَّهُ فِي كِلَيْهِمَا (السِّينُ وَالْمِيمُ وَالْوَاوُ) وَالْمَعْنَى صَحِيحٌ؛ فَإِنَّ السِّمَةَ وَالسِّيمَا الْعَلَامَةُ.
وَمِنْهُ يُقَالُ: وَسمْته أَسِمُهُ كَقَوْلِهِ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾ [القلم: ١٦]، وَمِنْهُ التَّوَسُّمُ كقَوْلِهِ: ﴿لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥].
لَكِنَّ اشْتِقَاقَهُ مِن السِّمُوِّ هُوَ الِاشْتِقَاقُ الْخَاصُّ الَّذِي يَتَّفِقُ فِيهِ اللَّفْظَانِ فِي الْحُرُوفِ وَتَرْتِيبِهَا، وَمَعْنَاهُ أَخَصُّ وَأَتَمُّ؛ فَإِنَّهُم يَقُولُونَ فِي تَصْرِيفِهِ: سَمَّيْت وَلَا يَقُولُونَ وَسَمْت، وَفِي جَمْعِهِ أَسْمَاءٌ لَا أوسام، وَفِي تَصْغِيرِهِ سمي لَا وسيم. [٦/ ١٨٥ - ٢٠٨]
* * *
(إبْرَاهِيم ﵇ لَمْ يَقْصِدْ يِقَوْلِهِ: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ إنَّه رَبُّ الْعَالَمِينَ)
٤٩٣ - إبْرَاهِيم ﵇ لَمْ يَقْصِدْ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٧] إنَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَلَا كَانَ أَحَدٌ مِن قَوْمِهِ يَقُولُونَ إنَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِن تَجْوِيزِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ؛ بَل كَانُوا مُشْرِكِينَ مُقِرّينَ بِالصَّانِعِ، وَكَانُوا يَتَّخِذُونَ الْكَوَاكِبَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ أَرْبَابًا يَدْعُونَهَا مِن دُونِ اللهِ ويبْنُونَ لَهَا الْهَيَاكِلَ. [٦/ ٢٥٤]
* * *
(كان الشيخ في صغره على مَذْهَبِ الْآبَاءِ ويقول بِبعض قَوْلِ أَهْلِ الْبِدَعِ)
٤٩٤ - وَلَكنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ (١) وَمَسْألَةُ الزِّيَارَةِ (٢) وَغَيْرهمَا حَدَثَ مِن الْمُتَأَخرِينَ فِيهَا شُبَهٌ.
وَأَنَا وَغَيْرِي كُنَّا عَلَى مَذْهَبِ الْآبَاءِ فِي ذَلِكَ نَقولُ فِي الْأَصْلَيْنِ بِقَوْلِ أَهْلِ стр. 473
الْبِدَع (١)؛ فَلَمَّا تبَيَّنَ لنَا مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ: دَارَ الْأمْرُ:
أ - بَيْنَ أَنْ نتَّبعَ مَا أَنْزَلَ اللهُ.
ب - أَو نتَّبعَ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا.
فَكَانَ الْوَاجِبُ هُوَ اتِّبَاعُ الرَّسُولِ، وَأَنْ لَا نَكُونَ مِمَن قِيلَ فِيهِ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [لقمان: ٢١]، وَقَد قَالَ تَعَالَى: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ [الزخرف: ٢٤].
فَالْوَاجِبُ اتِّبَاع الْكتَابِ الْمُنَزَّلِ، وَالنَّبِيِّ الْمُرْسَلِ، وَسَبِيلِ مَن أَنَابَ إلَى اللهِ، فَاتَّبَعْنَا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ؛ كَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، دُونَ مَا خَالَفَ ذَلِكَ مِن دِينِ الْآبَاءِ وَغَيْرِ الَآبَاءِ. [٦/ ٢٥٨]
* * *
(مَا يَحْتَجُّ بهِ الْمُبْطِلُ مِن الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى الْحَقِّ، لَا تَدُلُّ عَلَى قَوْلِ الْمُبْطِلِ)
٤٩٥ - قَاعِدَةٌ شَرِيفَةٌ: وَهِيَ أَنَّ جَمِيعَ مَا يَحْتَجُّ بِهِ الْمُبْطِلُ مِن الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى الْحَقِّ، لَا تَدُلُّ عَلَى قَوْلِ الْمُبْطِلِ.
وَهَذَا ظَاهِرٌ يَعْرِفُة كُلُّ أَحَدٍ، فَإِنَّ الدَّلِيلَ الصَّحِيحَ لَا يَدُلُّ إلَّا عَلَى حَق لَا عَلَى بَاطِلٍ.
يَبْقَى الْكَلَامُ فِي أَعْيَانِ الْأَدِلَّةِ، وَبَيَانِ انْتِفَاءِ دَلَالَتِهَا عَلَى الْبَاطِلِ وَدَلَالَتِهَا عَلَى الْحَقِّ: هُوَ تَفْصِيلُ هَذَا الْإِجْمَالِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا شَيْءٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ نَفْسَ الدَّلِيلِ الَّذِي يَحْتَجُّ بِهِ الْمُبْطِلُ هُوَ بِعَيْنِهِ إذَا أُعْطي حَقُّهُ وَتَمَيَّزَ مَا فِيهِ مِن حَقٍّ وَبَاطِلٍ وَبُيِّنَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ: تَبَيَّنَ أَنَّهُ стр. 474
يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ الْمُبْطِلِ الْمُحْتَجِّ بِهِ فِي نَفْسِ مَا احْتَجَّ بِهِ عَلَيْهِ.
وَهَذَا عَجِيبٌ، قَد تَأمَّلْته فِيمَا شَاءَ اللهُ مِن الْأدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ فَوَجَدْته كَذَلِكَ. [٦/ ٢٨٨]
* * *
(الْكَلَامُ فِي الصِّفَاتِ فَرْعٌ عَلَى الْكَلَامِ فِي الذَّاتِ)
٤٩٦ - إنَّ الْكَلَامَ فِي الصِّفَاتِ فَرْعٌ عَلَى الْكَلَامِ فِي الذَّاتِ، يُحْتَذَى حَذْوُهُ، ويُتَّبَغ فِيهِ مِثَالُهُ، فَإذَا كَانَ إثْبَاتُ الذَّاتِ إثْبَاتَ وُجُودٍ لَا إثْبَاتَ كَيْفِيَّةٍ، فَكذَلِكَ إثْبَاتُ الصِّفَاتِ إثْبَات وُجُوب لَا إثْبَاتُ كَيْفِيَّةٍ. [٦/ ٣٥٥]
* * *
(الرسالة المدنية في الحقيقة والمجاز، وهي مناظرة للشيخ مع أحد الْمُؤَوِّلين للصفات)
٤٩٧ - قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ -قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ-:
السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتهُ، السَّلَامُ عَلَى جِيرَانِهِ سُكَّانِ الْمَدِينَةِ طِيبَةَ، مِن الْأحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ، مِن الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَسَائِرِ الْمُؤمِنِينَ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.
إلَى الشيحِ الْإِمَامِ الْعَارِفِ النَّاسِكِ الْمُقْتَدِي الزَّاهِدِ الْعَابِدِ (١): شَمْسِ الدِّينِ، كَتَبَ اللهُ فِي قَلْبِهِ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُ بِرُوح مِنْهُ، وَآتاهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ، وَعَلَّمَهُ مِن لَدُنْهُ عِلْمًا.
مِن أَحْمَد ابْنِ تَيْمِيَّة (٢): سَلَامٌ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، أَمَّا بَعْدُ: .. مَا ذَكَرْتَ مِن طَلَبِ الْأسْبَابِ الْأرْبَعَةِ الَّتِي لَا بُدَّ فِيهَا مِن صَرْفِ الْكَلَامِ مِن حَقِيقَتِهِ стр. 475
إلَى مَجَازِهِ، فَأنَا أَذْكُرُ فلَخَّصَ الْكَلَامِ الَّذِي جَرَى بَيْنِي وَبَيْنَ بَعْضِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ (١)، وَهُوَ مَا حَكَيْته لَك وَطَلَبْته، وَكَانَ إنْ شَاءَ اللهُ لَهُ وَلغَيْرِهِ بِهِ مَنْفَعَةٌ عَلَى مَا فِي الْحِكَايَةِ مِن زَيادَةٍ وَنَقْصٍ وَتَغْيِيرٍ.
قَالَ لِي بَعْضُ النَّاسِ: إذَا أَرَدْنَا أنْ نَسْلُكَ طَرِيقَ سَبِيلِ السَّلَامَةِ وَالسُّكُوتِ
وَهِيَ الطَّرِيقَةُ الَّتِي تَصْلُحُ عَلَيْهَا السَّلَامَةُ: قُلْنَا كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: آمَنْت بِاللهِ وَبِمَا جَاءَ عَن اللهِ عَلَى مُرَادِ اللهِ، وَآمَنْت بِرَسُولِ اللهِ وَمَا جَاءَ عَن رَسُولِ اللهِ عَلَى مُرَادِ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
وَإِذَا سَلَكْنَا سَبِيلَ الْبَحْثِ وَالتَّحْقِيقِ: فَإِنَّ الْحَقَّ مَذْهَبُ مَن يَتَأَوَّلُ آياتِ الصِّفَاتِ وَأَحَادِيثَ الصِّفَاتِ مِن الْمُتَكَلِّمِينَ.
فَقُلْت لَهُ: أَمَّا مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فَإِنَّهُ حَقٌّ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَعْتَقِدَهُ، وَمَن اعْتَقَدَهُ وَلَمْ يَأْتِ بِقَوْل يُنَاقِضُهُ فَإِنَّهُ سَالِكٌ سَبِيلَ السَّلَامَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَأَمَّا إذَا بَحَثَ الْإِنْسَانُ وَفَحَصَ: وَجَدَ مَا يَقُوُلهُ الْمُتَكَلِّمُونَ مِن التَّأوِيلِ الَّذِي يُخَالِفُونَ بِهِ أَهْلَ الْحَدِيثِ كُلَّهُ بَاطِلًا، وَتَيَقَّنَ أَن الْحَقَّ مَعَ أَهْلِ الْحَدِيثِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.
فَاسْتَعْظَمَ ذَلِكَ وَقَالَ: أَتُحِبُّ لِأَهْلِ الْحَدِيثِ أَنْ يَتَنَاظَرُوا فِي هَذَا؟
فَتَوَاعَدْنَا يَوْمًا، فَكَانَ فِيمَا تَفَاوَضْنَا: أَنَّ أمَّهَاتِ الْمَسَائِلِ الَّتِي خَالَفَ فِيهَا مُتَأخِّرُو الْمُتَكَلِّمِينَ -مِمَن يَنْتَحِلُ مَذْهَبَ الْأَشْعَرِيِّ- لِأَهْلِ الْحَدِيثِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ:
أ - وَصْفُ اللهِ بِالْعُلُوِّ عَلَى الْعَرْشِ. стр. 476
ب - وَمَسْألَةُ الْقُرْآنِ.
ت - وَمَسْأَلَةُ تَأوِيلِ الصِّفَاتِ.
فَقُلْت لَهُ: نَبْدَأ بِالْكَلَامِ عَلَى مَسْألَةِ تَأوِيلِ الصِّفَاتِ؛ فَإِنَّهَا الْأمُّ وَالْبَاقِي مِن الْمَسَائِلِ فَرْعٌ عَلَيْهَا.
وَقُلْت لَهُ: مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَهُم السَّلَفُ مِن الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ وَمَن سَلَكَ سَبِيلَهُم مِن الْخَلَفِ: أَنَّ هَذِهِ الأحَادِيثَ تُمَرُّ كَمَا جَاءَتْ، ويُؤْمَنُ بِهَا وَتُصَدَّقُ، وَتُصَانُ عَن تَأوِيلٍ يُفْضِي إلَى تَعْطِيلٍ، وَتَكْيِيفٍ يُفْضِي إلَى تَمْثِيلٍ.
وَقَد أَطْلَقَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِمَن حَكَى إجْمَاعَ السَّلَفِ -مِنْهم الخطابي- مَذْهَبَ السَّلَفِ: أَنَّهَا تُجْرى عَلَى ظَاهِرِهَا مَعَ نَفْيِ الْكَيْفِيَّةِ وَالتَّشْبِيهِ عَنْهَا؛ وَذَلِكَ أنَّ الْكَلَامَ فِي الصِّفَاتِ فَرْعٌ عَلَى الْكَلَامِ فِي الذَّاتِ، يُحْتَذَى حَذْوُهُ، ويُتَّبَعُ فِيهِ مِثالُهُ؛ فَإذَا كَانَ إثْبَاتُ الذَّاتِ إثْبَاتَ وُجُودٍ لَا إثْبَاتَ كَيْفِيَّةٍ: فَكَذَلِكَ إثْبَات الصِّفَاتِ إثْبَاتُ وُجُودٍ لَا إثْبَاتُ كَيْفِيَّةٍ.
فَنَقُولُ: إنَّ لَهُ يَدًا وَسَمْعًا، وَلَا نَقُولُ إنَّ مَعْنَى الْيَدِ الْقُدْرَةُ، وَمَعْنَى السَّمْعِ الْعِلْمُ.
فَقُلْت لَهُ: وَبَعْضُ النَّاسِ يَقُولُ: مَذْهَبُ السَّلَفِ أَنَّ الظَّاهِرَ غَيْرُ مُرَادٍ وَيَقُولُ: أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ الظَّاهِرَ غَيْرُ مُرَادٍ، وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ خَطَأٌ: إمَّا لَفْظًا وَمَعْنًى، أَو لَفْظًا لَا مَعْنًى؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ قَد صَارَ مُشْتَرِكًا بَيْنَ شَيْئَيْنِ:
أَحَدُهُمَا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْيَدَ جَارِحَةٌ مِثْلُ جَوَارحِ الْعِبَادِ، وَظَاهِرُ الْغَضَبِ غَلَيَانُ الْقَلْبِ لِطَلَب الِانْتِقَامِ، وَظَاهِرُ كَوْنِهِ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَكُونَ مِثْل الْمَاءِ فِي الظَّرْفِ، فَلَا شَكَّ أنَّ مَن قَالَ: إنَّ هَذِهِ الْمَعَانِيَ وَشِبْهَهَا مِن صفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ وَنُعُوتِ الْمُحْدَثِينَ غَيْرُ مُرَادٍ مِن الْآيَاتِ وَالْأحَادِيثِ فَقَد صَدَقَ وَأَحْسَنَ.
لَكِنَّ هَذَا الْقَائِلَ أَخْطَأَ حَيْثُ ظَنَّ أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى هُوَ الظَّاهِرُ مِن هَذِهِ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ، وَحَيْثُ حكى عَن السَّلَفِ مَا لَمْ يَقُولُوهُ؛ فَإِنَّ ظَاهِرَ
стр. 477
الْكَلَامِ: هُوَ مَا يَسْبِقُ إلَى الْعَقْلِ السَّلِيمِ مِنْهُ لِمَن يَفْهَمُ بِتِلْكَ اللُّغَةِ.
ثُمَّ قَد يَكُونُ ظُهُورُهُ:
- بِمُجَرَّدِ الْوَضْعِ.
- وَقَد يَكُونُ بِسِيَاقِ الْكَلَامِ.
وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْمَعَانِي الْفحْدَثَةُ الْمُسْتَحِيلَةُ عَلَى اللهِ تَعَالَى هِيَ السَّابِقَةَ إلَى عَقْلِ الْمُؤْمِنِينَ؛ بَل الْيَدُ عِنْدَهُم كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالذَّاتِ، فَكَمَا كَانَ عِلْمُنَا وَقُدْرَتُنَا وَحَيَاتُنَا وَكَلَامُنَا وَنَحْوُهَا مِن الصِّفَاتِ أَعْرَاضا تَدُلُّ عَلَى حُدُوثنَا، يَمْتَنِعُ أَنْ يُوصَفَ اللهُ سُبْحَانَهُ بِمِثْلِهَا: فَكَذَلِكَ أَيْدِينَا وَوُجُوهُنَا وَنَحْوُهَا أَجْسَامًا كَذَلِكَ مُحْدَثَةً يَمْتَنِعُ أَنْ يُوصَفَ اللهُ تَعَالَى بِمِثْلِهَا.
وَالْمَعْنَى الثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ إنَّمَا هِيَ صِفَاتُ اللهِ -سبحانه وتعالي- كمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، نِسْبَتُهَا إلَى ذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ كَنِسْبَةِ صِفَاتِ كُلِّ شَيْءٍ إلَى ذَاتِهِ، فَيُعْلَمُ أَنَّ الْعِلْمَ صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ لِلْمَوْصُوفِ، وَلَهَا خَصَائِصُ، وَكَذَلِكَ الْوَجْهُ.
قُلْت لَهُ: إذَا وَصَفَ اللهُ نَفْسَهُ بِصِفَةٍ أَو وَصَفَهُ بِهَا رَسُولُهُ أَو وَصَفَة بِهَا الْمُومِنُونَ -الَّذِينَ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى هِدَايَتِهِمْ وَدِرَايَتِهِمْ- فَصَرْفُهَا عَن ظَاهِرِهَا اللَّائِقِ بِجَلَالِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَحَقِيقَتِهَا الْمَفْهُومَةِ مِنْهَا إلَى بَاطِنٍ يُخَالِفُ الظَّاهِرَ، وَمَجَازٍ يُنَافِي الْحَقِيقَةَ: لَا بُدَّ فِيهِ مِن أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ:
أَحَدُهَا: أَنَّ ذَلِكَ اللَّفْظَ مُسْتَعْمَلٌ بِالْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَكَلَامَ السَّلَفِ جَاءَ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِشَيء مِنْهُ خِلَافُ لِسَانِ الْعَرَبِ، أو خِلَافُ الْأَلْسِنَةِ كُلِّهَا، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكونَ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمَجَازِيُّ مَا يُرَادُ بِهِ اللَّفْظُ، وإِلَّا فَيُمْكِنُ كُلُّ مُبْطِلٍ أَنْ يُفَسِّرَ أَيَّ لَفْظٍ بِأَيِّ في مَعْنًى سَنَحَ لَهُ، وَإِن لَمْ يَكُن لَهُ أَصْل فِي اللُّغَةِ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَعَهُ دَلِيل يُوجِبُ صَرْفَ اللَّفْظِ عَن حَقِيقَتِهِ إلَى مَجَازِهِ.
стр. 478
ثُمَّ إن ادَّعَى وُجُوبَ صَرْفِهِ عَن الْحَقِيقَةِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِن دَلِيلٍ قَاطِعٍ عَقْلِيٌّ أَو سَمْعِيٍّ يُوجِبُ الصَّرْفَ.
وَإِن ادَّعَى طُهُورَ صَرْفِهِ عَن الحَقِيقَةِ فَلَا بُدَّ مِن دَلِيلٍ مُرَجحٍ لِلْحَمْلِ عَلَى الْمَجَازِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِن أَنْ يَسْلَمَ ذَلِكَ الدَّلِيلُ -الصَّارِفُ- عَن مُعَارِضٍ.
الرَّابِعُ: أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ إذَا تَكَلَّمَ بِكلَام وَأَرَادَ بِهِ خِلَافَ ظَاهِرِهِ وَضِدَّ حَقِيقَتِهِ: فَلَا بُدَّ أَنْ يُبَيِّنَ لِلْأُمَّةِ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ حَقِيقَتَهُ، وَأَنَّهُ أَرَادَ مَجَازَهُ، سَوَاءٌ عَيَّنَهُ أَو لَمْ يُعَيِّنْهُ لَا سِيَّمَا فِي الْخِطَابِ الْعِلْمِيِّ الَّذِي أرِيدَ مِنْهُم فِيهِ الِاعْتِقَادُ وَالْعِلْمُ، دُونَ عَمَلِ الْجَوَارحِ.
فَإنَهُ -سبحانه وتعالي- جَعَلَ الْقُرْآنَ نُورًا وَهُدًى وَبَيَانًا لِلنَّاسِ وَشِفَاءً لِمَا فِي الصُّدُورِ وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ لِيُبَيّنَ لِلنَّاسِ مَا نَزلَ إلَيْهِم وَليَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَلئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ.
ثُمَّ هَذَا الرَّسُولُ الْأُمِّيُّ الْعَرَبِيُّ بُعِثَ بِأَفْصَحِ اللُّغَاتِ، وَأَبْيَنِ الْأَلْسِنَةِ وَالْعِبَارَاتِ، ثُمَّ الْأُمَّةُ الَّذِينَ أَخَذُوا عَنْهُ كَانُوا أَعْمَقَ النَّاسِ عِلْمًا، وَأَنْصَحَهُم لِلْأُمَّةِ، وَأَبْيَنَهُم لِلسُّنَّةِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَكلَّمَ هوَ وَهَؤُلَاءِ بِكَلَامٍ يُرِيدُونَ بِهِ خِلَافَ ظَاهِرِهِ، إلَّا وَقَد نَصبَ دَلِيلًا يَمْنَعُ مِن حَمْلِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ:
- إمَّا إَنْ يَكونَ عَقلِيًّا ظَاهِرًا مِثلُ قَوْلِهِ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]؛ فَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ بِعَقْلِهِ أَنَّ الْمُرَادَ أُوتيَتْ مِن جِنْسِ مَا يُوتَاهُ مِثْلُهَا، وَكَذَلِكَ: ﴿خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، يَعْلَمُ الْمُسْتَمِعُ أَنَّ الْخَالِقَ لَا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْعُمُومِ.
- أَو سَمْعِيًّا ظَاهِرًا؛ مِثْلُ الدَّلَالَاتِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَةِ الَّتِي تَصْرِف بَعْضَ الظَّوَاهِرِ.
стр. 479
وَلَا يَجُوزُ أنْ يُحِيلَهُم عَلَى دَلِيل خَفِيٍّ لَا يَسْتَنْبِطُهُ إلَّا أَفْرَادُ النَّاسِ، سَوَاءٌ كَانَ سَمْعِيًّا أَو عَقْلِيًّا؛ لِأنَّهُ إذَا تَكَلَّمَ بِالْكَلَام الَّذِي يُفْهَمُ مِنْهُ مَعْنًى وَأَعَادَهُ مَرَّاتٍ كَثِيرَةً، وَخَاطَبَ بِهِ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ، وَفِيهِم الذكِيُّ وَالْبَلِيدُ، وَالْفَقِيهُ وَغَيْرُ الْفَقِيهِ، وَقَد أَوْجَبَ عَلَيْهِم أَنْ يَتَدَبَّرُوا ذَلِكَ الْخِطَابَ ويعْقِلُوهُ، ويتَفَكَّرُوا فِيهِ وَيَعْتَقِدُوا مُوجَبَهُ، ثُمَّ أَوْجَبَ أَنْ لَا يَعْتَقِدُوا بهَذَا الْخِطَابِ شَيْئًا مِن ظَاهِرِهِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ دَلِيلًا خَفِيًّا يَسْتَنْبِطُهُ أَفْرَادُ النَّاسِ يَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ ظَاهِرَهُ: كَانَ هَذَا تَدْلِيسًا وَتَلْبِيسًا، وَكَانَ نَقِيضَ الْبَيَانِ، وَضِدَّ الْهُدَى، وَهُوَ بِالْأَلْغَازِ وَالْأَحَاجِيِّ أَشبَة مِنْهُ بِالْهُدَى وَالْبَيَانِ.
فَكَيْفَ إذَا كَانَت دَلَالَةُ ذَلِكَ الْخِطَابِ عَلَى ظَاهِرِهِ أَقْوَى بِدَرَجَاتٍ كَثِيرَةٍ مِن دَلَالَةِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ الْخَفِيِّ عَلَى أَنَّ الظَّاهِرَ غَيْرُ مُرَادٍ، أَمْ كَيْفَ إذَا كَانَ ذَلِكَ الْخَفِيُّ شبْهَةً لَيْسَ لَهَا حَقِيقَةٌ؟
فَسَلَّمَ لِي ذَلِكَ الرَّجُلُ هَذِهِ الْمَقَامَاتِ.
قُلْت: وَنَحْنُ نتَكَلَّمُ عَلَى صِفَةٍ مِن الصِّفَاتِ، وَنَجْعَلُ الْكَلَامَ فِيهَا أُنْمُوذَجًا يُحْتَذَى عَلَيْهِ، وَنُعَبِّرُ بِصِفَةِ "الْيَدِ"، وَقَد قَالَ تَعَالَى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤]، وَقالَ تَعَالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمرة ٦٧]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١)﴾ [يس: ٧١].
وَقَد تَوَاتَرَ فِي السُّنَّةِ مَجِيءُ "الْيَدِ" فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ .
فَالْمَفْهُومُ مِن هَذَا الْكَلَامِ: أَنَّ للهِ تَعَالَى يَدَيْنِ مُخْتَصَّتَيْنِ بِهِ ذَاتِيَّتَيْنِ لَهُ كَمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ خَلَقَ آدمَ بِيَدِهِ دُونَ الْمَلَائِكَةِ وَإِبْلِيسَ، وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَقْبِضُ الْأَرْضَ وَيَطْوِي السَّمَوَاتِ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، وَأَنَّ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ، وَمَعْنَى
стр. 480
بَسْطِهِمَا بَذْلُ الْجُودِ وَسَعَةُ الْعَطَاءِ؛ لِأَنَّ الْإِعْطَاءَ وَالْجُودَ فِي الْغَالِبِ يَكُونُ بِبَسْطِ الْيَدِ وَمَدِّهَا، وَتَرْكُهُ يَكُونُ ضَمًّا لِلْيَدِ إلَى الْعُنُقِ، صَارَ مِن الْحَقَائِقِ الْعُرْفِيَّةِ، إذَا قِيلَ هُوَ مَبْسُوطُ الْيَدِ فُهِمَ مِنْهُ يَدٌ حَقِيقَةً، وَكَانَ ظَاهِرُهُ الْجُودَ وَالْبُخْلَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩].
قُلْت لَهُ: فَالْقَائِلُ:
- إنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ يَدٌ مِن جِنْسِ أَيْدِي الْمَخْلُوقِينَ، وَأَنَّ يَدَهُ لَيْسَتْ جَارِحَةً: فَهَذَا حَقٌّ.
- وَإِن زَعَمَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ يَدٌ زَائِدَةٌ عَلَى الصِّفَاتِ السَّبْعِ (١): فَهُوَ مُبْطِلٌ.
فَيَحْتَاجُ إلَى تِلْكَ الْمَقَامَاتِ الْأَرْبَعَةِ:
- أمَّا الْأَوَّلُ: فَيَقُولُ: إنَّ الْيَدَ تَكُونُ بِمَعْنَى النِّعْمَةِ وَالْعَطِيَّةِ؛ تَسْمِيَةً لِلشَّيءِ بِاسْمِ سَبَبِهِ، كَمَا يُسَمَّى الْمَطَرُ وَالنَّبَاتُ سَمَاءً، وَمِنْهُ قَوْلُهُم: لِفُلَان عِنْدَهُ أَيَادٍ.
- وَقَد تَكُونُ الْيَدُ بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ؛ تَسْمِيَةً لِلشَّيءِ بِاسْمِ مُسَبِّبِهِ؛ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ هِيَ تُحَرِّكُ الْيَدَ، يَقُولُونَ: فُلَانٌ لَهُ يَدٌ فِي كَذَا وَكَذَا .. وَمِنْهُ قَوْلُهُ: ﴿بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وَالنكَاحُ كَلَام يُقَالُ، وإِنَّمَا مَعْنَاهُ: أَنَّهُ مُقْتَدِر عَلَيْهِ.
- وَقَد يَجْعَلُونَ إضَافَةَ الْفِعْلِ إلَيْهَا إضَافَةَ الْفِعْلِ إلَى الشَّخْصِ نَفْسِه؛ لِأَنَّ غَالِبَ الْأَفْعَالِ لَمَّا كَانَت بِالْيَدِ جُعِلَ ذِكْرُ الْيَدِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ فُعِلَ بِنَفْسِهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٢]؛ أَيْ: بِمَا قَدَّمْتُمْ؛ فَإِنَّ بَعْضَ مَا قَدَّمُوهُ كَلَامٌ تكلَّمُوا بِهِ.
قُلْت لَهُ: وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ لُغَةَ الْعَرَبِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ فِي هَذَا كُلِّهِ، والمتأولون لِلصِّفَاتِ الَّذِينَ حَرَّفُوا الْكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ وَأَلْحَدُوا فِي أَسْمَائِهِ وَآيَاتِهِ стр. 481
تَأَوَّلُوا قَوْلَهُ: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، وَقَوْلَهُ: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ عَلَى هَذَا كُلِّهِ، فَقَالُوا: إنَّ الْمُرَادَ نِعْمَتُهُ؛ أَيْ: نِعْمَةُ الدُّنْيَا وَنعْمَةُ الْآخِرَةِ، وَقَالُوا: بِقُدْرَتهِ، وَقَالُوا: اللَّفْظُ كِنَايَةٌ عَن نَفْسِ الْجُودِ، مِن غَيْرِ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ يَدٌ حَقِيقَةً؛ بَل هَذِهِ اللَّفْظَةُ قَد صَارَتْ حَقِيقَةً فِي الْعَطَاءِ وَالْجُودِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾؛ أَيْ: خَلَقْته أنَا، وَإِن لَمْ يَكُن هُنَاكَ يَدٌ حَقِيقِيَّة.
قُلْت لَهُ: فَهَذِهِ تَأوِيلَاتُهُمْ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْت لَهُ: فَنَنْظُرُ فِيمَا قَدَّمْنَا:
الْمَقَامُ الْأوَّلُ: أَنَّ لَفْظَ "الْيَدَيْنِ" بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِي النِّعْمَةِ وَلَا فِي الْقُدْرَةِ؛ لِأَنَّ مِن لُغَةِ الْقَوْمِ اسْتِعْمَالَ الْوَاحِدِ فِي الْجَمْعِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ [العصر: ٢]، وَلَفْظُ الْجَمْعِ فِي الْوَاحِدِ؛ كقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وَلَفْظُ الْجَمْعِ فِي الِاثْنَيْنِ كَقَوْلِهِ: ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤].
أَمَّا اسْتِعْمَالُ لَفْظِ الْوَاحِدِ فِي الِاثْنَيْنِ أَو الِاثْنَيْنِ فِي الْوَاحِدِ: فَلَا أَصْلَ لَهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ عَدَد، وَهِيَ نصُوصٌ فِي مَعْنَاهَا، لَا يُتَجَوَّزُ بِهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: عِنْدِي رَجُل وَيعْنِي: رَجُلَيْنِ، وَلَا عِنْدِي رَجُلَانِ ويعْنِي بِهِ: الْجِنْسَ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْوَاحِدِ يَدُلُّ عَلَى الْجِنْسِ، وَالْجِنْسُ فِيهِ شِيَاعٌ، وَكَذَلِكَ اسْمُ الْجَمْعِ فِيهِ مَعْنَى الْجِنْسِ، وَالْجِنْسُ يَحْصُلُ بِحُصُولِ الْوَاحِدِ.
فَقَوْلُهُ: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] لَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْقُدْرَةُ؛ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ صِفَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَبَّرَ بِالِاثْنَيْنِ عَن الْوَاحِدِ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ النِّعْمَةُ؛ لِأَنَّ نِعَمَ اللهِ لَا تُحْصَى، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَبَّرَ عَن النِّعَمِ الَّتِي لَا تُحْصَى بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ.
стр. 482
وَلَسْت تَجِدُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَلَا الْعَجَمِ -إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى- أَنَّ فَصِيحًا يَقُولُ: فَعَلْت هَذَا بِيَدَيَّ، أَو فُلَانٌ فَعَلَ هَذَا بِيَدَيْهِ، إلَّا ويكُون فَعَلُه بِيَدَيْهِ حَقِيقَةً.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَا يَدَ لَهُ، أَو أَنْ يَكُونَ لَه يَدٌ وَالْفِعْلُ وَقَعَ بِغَيْرِهَا.
وَبِهَذَا الْفَرْقِ الْمُحَقَّقِ:
- تَتَبَيَّنُ مَوَاضِعُ الْمَجَازِ وَمَوَاضِعُ الْحَقِيقَةِ.
- وَيَتَبَيَّنُ أَنَّ الْآيَاتِ لَا تَقْبَلُ الْمَجَازَ أَلْبَتَّةَ مِن جِهَةِ نَفْسِ اللُّغَةِ.
قَالَ لِي: فَقَد أَوْقَعُوا الِاثْنَيْنِ مَوْقِعَ الْوَاحِدِ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤]، وَإِنَّمَا هُوَ خِطَابٌ لِلْوَاحِدِ.
قُلْت لَه: هَذَا مَمْنُوعٌ، بَل قَوْلُهُ: ﴿أَلْقِيَا﴾ قَد قِيلَ: تَثْنِيَةُ الْفَاعِلِ لِتَثْنِيَةِ الْفِعْلِ، وَالْمَعْنَى: أَلْقِ أَلْقِ.
وَقَد قِيلَ: إنَّه خِطَابٌ لِلسَّائِقِ وَالشَّهِيدِ.
وَمَن قَالَ: إنَّهُ خِطَابٌ لِلْوَاحِدِ قَالَ: إنَّ الْإِنْسَانَ يَكُون مَعَهُ اثْنَانِ: أَحَدُهُمَا عَن يَمِينِهِ وَالْآخَرُ عَن شِمَالِهِ، فَيَقُولُ: خَلِيلَيَّ خَلِيلَيَّ.
ثُمَّ إنَّهُ يُوقِعُ هَذَا الْخِطَابَ وَإِن لَمْ يَكُونَا مَوْجُودَيْنِ؛ كَأَنَّهُ يُخَاطِبُ مَوْجُودَيْنِ.
فَقَوْلُهُ: ﴿أَلْقِيَا﴾ عِنْدَ هَذَا الْقَائِلِ إنَّمَا هُوَ خِطَابٌ لِاثْنَيْنِ يُقَدَّرُ وُجُودُهُمَا، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ أَلْبَتَةَ.
قُلْت لَهُ: الْمَقَامُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: هَبْ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَعْنِيَ بِالْيَدِ: حَقِيقَةَ الْيَدِ، وَأَنْ يَعْنِيَ بِهَا: الْقُدْرَةَ، أَو النِّعْمَةَ، أَو يَجْعَلَ ذِكْرَهَا كِنَايَةً عَن الْفِعْلِ، لَكِنْ مَا الْمُوجِبُ لِصَرْفِهَا عَن الْحَقِيقَةِ؟
فَإِنْ قُلْت: لِأَنَّ الْيَدَ هِيَ الْجَارِحَةُ وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ عَلَى اللهِ سُبْحَانَهُ.
стр. 483
قُلْت لَك: هَذَا وَنَحْوُهُ يُوجِبُ امْتِنَاعَ وَصْفِهِ بِأَنَّ لَهُ يَدًا مِن جِنْسِ أَيْدِي الْمَخْلُوقِينَ، وَهَذَا لَا رَيْبَ فِيهِ، لَكِنْ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ يَدٌ تُنَاسِبُ ذَاتَهُ تَسْتَحِقُّ مِن صِفَاتِ الْكَمَالِ مَا تَسْتَحِقُّ الذَّاتُ؟
قَالَ: لَيْسَ فِي الْعَقْلِ وَالسَّمْعِ مَا يُحِيل هَذَا (١).
قُلْت: فَإِذَا كَانَ هَذَا مُمْكِنًا وَهُوَ حَقِيقَةُ اللَّفْظِ: فَلِمَ يُصْرَفُ عَنْهُ اللَّفْظُ إلَى مَجَازِهِ؟
وَكُلُّ مَا يَذْكُرُهُ الْخَصْمُ مِن دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ وَصْفِهِ بِمَا يُسَمَّى بِهِ - وَصَحَّت الدَّلَالَةُ -: سُلِّمَ لَهُ أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي يَسْتَحِقُّة الْمَخْلُوقُ مُنْتَفٍ عَنْهُ، وَإِنَّمَا حَقِيقَةُ اللَّفْظِ وَظَاهِرُهُ يَدٌ يَسْتَحِقُّهَا الْخَالِقُ؛ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ؛ بَل كَالذاتِ وَالْوُجُودِ.
الْمَقَامُ الثَّالِثُ: قُلْت لَهُ: بَلَغَك أَنَّ فِي كِتَابِ اللهِ أَو فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَو عَن أَحَدٍ مِن أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ: أَنَّهُم قَالُوا: الْمُرَادُ بِالْيَدِ خِلَافُ ظَاهِرِهِ، أَو الظَّاهِرُ غَيْرُ مُرَادٍ، أَو هَل فِي كِتَابِ اللهِ آيَةٌ تَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ وَصْفِهِ بِالْيَدِ دَلَالَةً ظَاهِرَةً؛ بَل أَو دَلَالَة خَفِيَّةً؟.
وَكَذَلِكَ: هَل فِي الْعَقْلِ مَا يَدُلُّ دَلَالَةً ظَاهِرَةً عَلَى أَنَّ الْبَارِيَ لَا يَدَ لَهُ أَلْبَتَّةَ؟.
فَإِذَا لَمْ يَكُن فِي السَّمْعِ وَلَا فِي الْعَقْلِ مَا يَنْفِي حَقِيقَةَ الْيَدِ أَلْبَتَّةَ، وَإِن فُرِضَ مَا يُنَافِيهَا فَإِنَّمَا هُوَ مِن الْوُجُوهِ الْخَفِيَّةِ -عِنْدَ مَن يَدَّعِيهِ-، وَإِلَّا فَفِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ شُبْهَةٌ فَاسِدَةٌ. стр. 484
فَهَل يَجُوزُ أَنْ يُمْلَأَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِن ذِكْرِ الْيَدِ وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَقَ بِيَدِهِ، وَأَنَّ ﴿يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، وَأَنَّ الْمُلْكَ بِيَدِهِ، وَفِي الْحَدِيثِ مَا لَا يُحْصَى، ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَأُولي الْأَمْرِ لَا يُبَيِّنُونَ لِلنَّاسِ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَا يُرَادُ بِهِ حَقِيقَتُهُ، وَلَا ظَاهِرُهُ حَتَّى يَنْشَأَ جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ بَعْدَ انْقِرَاضِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ فَيُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِم عَلَى نَبِيِّهِمْ، وَيَتْبَعَهُ عَلَيْهِ بِشْرُ بْنُ غِيَاثٍ وَمَن سَلَكَ سَبِيلَهُم مِن كُلِّ مَغْمُوصٍ عَلَيْهِ بِالنِّفَاقِ؟.
وَكَيْفَ يَجُوزُ لِلسَّلَفِ أَنْ يَقُولُوا: أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ، مَعَ أَنَّ مَعْنَاهَا الْمَجَازِيَّ هُوَ الْمُرَادُ، وَهُوَ شَيْءٌ لَا يَفْهَمُهُ الْعَرَبُ، حَتَّى يَكُونَ أَبْنَاءُ الْفُرْسِ وَالرُّومِ أَعْلَمَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ مِن أَبْنَاءِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ؟
الْمَقَامُ الرَّابعُ: قُلْت لَهُ: أَنَا أَذْكرُ لَك مِن الْأَدِلَّةِ الْجَلِيَّةِ الْقَاطِعَةِ وَالظَّاهِرَةِ مَا يُبَيِّنُ لَك أَنَّ للهِ يَدَيْنِ حَقِيقَةً:
فَمِن ذَلِكَ تَفْضِيلُهُ لِآدَمَ: يَسْتَوْجِبُ سُجُودَ الْمَلَائِكَةِ وَامْتِنَاعَهُم عَن التَّكَبُّرِ عَلَيْهِ، فَلَو كَانَ الْمُرَاد أَنَّهُ خَلَقَهُ بِقُدْرَتهِ أَو بِنِعْمَتِهِ أَو مُجَرَّدِ إضَافَةِ خَلْقِهِ إلَيْهِ لَشَارَكَهُ فِي ذَلِكَ إبْلِيسُ وَجَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ.
قَالَ لِي: فَقَد يُضَافُ الشَّيْءُ إلَى اللهِ عَلَى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿نَاقَةُ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٧٣]، وَبَيْتُ اللهِ.
قُلْت لَهُ: لَا يمُونُ الْإِضَافَةُ تَشْرِيفًا حَتَّى يَكُونَ فِي الْمُضَافِ مَعْنًى أَفْرَدَهُ بِهِ عَن غَيْرِهِ، فَلَو لَمْ يَكُن فِي النَّاقَةِ وَالْبَيْتِ مِن الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ مَا تَمْتَازُ بِهِ عَلَى جَمِيعِ النُّوقِ وَالْبُيُوتِ لَمَا اسْتَحَقَّا هَذِهِ الْإِضَافَةَ، وَالْأَمْرُ هُنَا كَذَلِكَ، فَإِضَافَةُ خَلْقِ آدَمَ إلَيْهِ أَنَّهُ خَلَقَهُ بِيَدَيْهِ، يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ خَلَقَهُ بِيَدَيْهِ أَنَّهُ قَد فَعَلَهُ بِيَدَيْهِ، وَخَلَقَ هَؤُلَاءِ بِقَوْلِهِ: كُنْ فَيَكُونُ؛ كَمَا جَاءَت بِهِ الْآثَارُ.
وَمِن ذَلِكَ أَنَّهُم إذَا قَالُوا: بِيَدِهِ الْمُلْكُ، أو عَمِلَتْهُ يَدَاك، فَهُمَا شَيْئَانِ:
أَحَدُهُمَا: إثْبَاتُ الْيَدِ.
стр. 485
وَالثَّانِي: إِضَافَةُ الْمُلْكِ وَالْعَمَلِ إلَيْهَا.
وَالثَّانِي: يَقَعُ فِيهِ التَّجَوُّزُ كَثِيرًا.
أَمَّا الْأوَّلُ: فَإِنَّهُم لَا يُطْلِقُونَ هَذَا الْكَلَامَ إلَّا لِجِنْسٍ لَهُ يَدٌ حَقِيقَةً، وَلَا يَقولُونَ: يَدُ الْهَوَى، وَلَا يَدُ الْمَاءِ.
فَهَبْ أَنَّ قَوْلَهُ: بِيَدِهِ الْمُلْكُ قَد عُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقُدْرَتهِ، لَكِنْ لَا يُتَجَوَّزُ بِذَلِكَ إلَّا لِمَن لَهُ يَدٌ حَقِيقَةً (١).
وَالْفَرْقُ بَيْنَ قَوْله تَعَالَى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ مِن وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ هُنَا أَضَافَ الْفِعْلَ إلَيْهِ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ خَلَقَهُ بِيَدَيْهِ، وَهُنَاكَ أَضَافَ الْفِغلَ إلَى الْأَيْدِي.
الثَّانِي: أَنَّ مِن لُغَةِ الْعَرَبِ أَنَّهُم يَضَعُونَ اسْمَ الْجَمْعِ مَوْضِعَ التَّثْنِيَةِ إذَا أُمِنَ اللَّبْسُ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]؛ أَيْ: يَدَيْهِمَا، وَقَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]؛ أَيْ: قَلْبَاكُمَا، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ (٢).
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَكَثِيرَة جِدًّا مِثْلُ؛ قَوْلِهِ ﷺ : "الْمُقْسِطُونَ عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِن نُورٍ عَن يَمِينِ الرَّحْمَنِ، وَكلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ في حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وُلُّوا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣).
فَذَكَرْت لَه هَذِهِ الْأَحَادِيثَ وَغَيْرَهَا، ثُمَّ قُلْت لَهُ: هَل تَقْبَلُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ стр. 486
تَأْوِيلًا، أَمْ هِيَ نُصُوصٌ قَاطِعَةٌ؟ وَهَذِهِ أَحَادِيثُ تَلَقَّتْهَا الْأمَّة بِالْقَبُولِ وَالتَّصْدِيقِ، وَنَقَلتهَا مِن بَحْرٍ غَزِيرٍ.
فَأظْهَرَ الرَّجُلُ التَّوْبَةَ وَتبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ.
فَهَذَا الَّذِي أَشَرْت إلَيْهِ -أَحْسَنَ اللهُ إلَيْك- أَنْ أَكْتُبَهُ.
وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.
وَإِن كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ لِلْمَدِينَةِ كِتَابًا يَتَضَمَّنُ أخْبَارَهَا؛ كَمَا صُنِّفَ أَخْبَارُ مَكَّةَ: فَلَعَلَّ تُعَرِّفُونَا بِهِ (١). [٦/ ٣٥١ - ٣٧٣]
* * *
(إِنَّ لله تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَن أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ)
٤٩٨ - قَوْلُهُ ﷺ : "إِنَّ للهِ تِسْعَةً وَتْسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَن أَحْصَاهَما دَخَلَ الجَنَّةَ" (٢): تَقْيِيدُهُ بِهَذَا الْعَدَدِ بِمَنْزِلَةِ قَوْله تَعَالَى: ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: ٣٠]، فَلَمَّا اسْتَقَلُّوهُم قَالَ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١]، فَأَنْ لَا يَعْلَمَ أَسْمَاءَة إلَّا هُوَ أَوْلَى.
فَقَوْلُه: "إنَّ للهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ" قَد يَكُونُ لِلتَّحْصِيلِ بِهَذَا الْعَدَدِ فَوَائِدُ غَيْرُ الْحَصْرِ، وَمِنْهَا: ذَكَرَ أَنَّ إحْصَاءَهَا يُورِثُ الْجَنَّةَ.
وَبِكلِّ حَالٍ: فَتَعْيِينُهَا لَيْسَ مِن كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِحَدِيثِهِ، وَلَكِنْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَن السَّلَفِ أَنْوَاعٌ، مِن ذَلِكَ مَا ذَكَرَة التِّرْمِذِيُّ، وَمِنْهَا غَيْرُ ذَلِكَ. [٦/ ٣٨١ - ٣٨٢]
* * * стр. 487
(الفرق بين النور والنار، وهل يُسَمَّى المصباح نارًا ؟)
٤٩٩ - عَن أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: "قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ فَقَالَ:
أ - إنَّ اللهَ لَا يَنَامُ وَلَا يَنبغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ.
ب - يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ.
ج - يُرْفَعُ إلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ.
د - حِجَابُهُ النُّورُ -أَو النَّارُ- لَو كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ مِن خَلْقِهِ" (١).
فَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ ذِكْرُ حِجَابِهِ؛ فَإِنَّ تَرَدُّدَ الرَّاوِي فِي لَفْظِ النَّارِ وَالنُّورِ لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ مِثْل هَذِهِ النَّارِ الصَّافِيَةِ الَّتِي كَلَّمَ بِهَا مُوسَى يُقَالُ لَهَا نَارٌ وَنُورٌ، كَمَا سَمَّى اللهُ نَارَ الْمِصْبَاحِ نُورًا، بِخِلَافِ النَّارِ الْمُظْلِمَةِ كَنَارِ جَهَنَّمَ، فَتِلْكَ لَا تُسَمَّى نُورًا.
فَالْأَقْسَامُ ثَلَاثَةٌ:
أ - إشْرَاقٌ بِلَا إحْرَاقٍ، وَهُوَ النُّورُ الْمَحْضُ كَالْقَمَرِ.
ب - وَإحْرَاقٌ بِلَا إشْرَاقٍ، وَهِيَ النَّارُ الْمُظْلِمَةُ.
ج - وَمَا هُوَ نَارٌ وَنُورٌ؛ كَالشَّمْسِ وَنَارِ الْمَصَابيحِ الَّتِي فِي الدُّنْيَا، تُوصَفُ بِالأَمْرَيْنِ.
وإِذَا كَانَ كَذَلِكَ: صَحَّ أَنْ يَكُونَ -سبحانه- نُورَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَأَنْ يُضَافَ إلَيْهِ النُّورُ، وَلَيْسَ الْمُضَافُ هُوَ عَيْنَ الْمُضَافِ إلَيْهِ.
[٦/ ٣٨٧ - ٣٨٨] стр. 488
وَاَلَّذِي رَآهُ مُوسَى: كَانَ نَارًا بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَهُوَ أَيْضًا نُورٌ كَمَا فِي الْحَدِيثِ، وَالنَّارُ هِيَ نُورٌ. [٦/ ٥٨٥]
* * *
(الْعِلْمُ: مَا قَامَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ، وَالنَّافِعُ مِنْهُ: مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ)
٥٠٠ - كَتَبْت قَدِيمًا فِي بَعْضِ كُتُبِي لِبَعْضِ الْأَكَابِرِ: إنَّ الْعِلْمَ مَا قَامَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ، وَالنَّافِعُ مِنْهُ مَا جَاءَ بهِ الرَّسُولُ؛ فَالشَّأْنُ فِي أَنْ نَقُولَ عِلْمًا، وَهُوَ النَّقْلُ الْمُصَدَّقُ، وَالْبَحْثُ الْمُحَقَّقُ؛ فَإنَّ مَا سِوَى ذَلِكَ -وَإِنَّ زَخْرَفَ مِثْلَهُ بَعْضُ النَّاسِ- خَزَفٌ مُزَوَّقٌ، وإلَّا فَبَاطِلٌ مُطْلَقٌ. [٦/ ٣٨٨]
* * *
(الْعَرْشُ مَوْجُودٌ بِالْكِتَابِ وَالسّنَّةِ وَالإِجْمَاعِ)
٥٠١ - الْعَرْشُ مَوْجُود بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا، وَكَذَلِكَ الْكُرْسِيُّ ثَابِثٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ جمْهُورِ السَّلَفِ.
وَقَد نُقِلَ عَن بَعْضِهِمْ أَنَّ كُرْسِيَّهُ عِلْمُهُ.
وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ فَإنَّ عِلْمَ اللهِ وَسِعَ كُلَّ شَيءٍ كَمَا قَالَ: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧].
وَاللهُ يَعْلَمُ نَفْسَهُ، وَيَعْلَمُ مَا كَانَ وَمَا لَمْ يَكُنْ، فَلَو قِيلَ وَسِعَ عِلْمُهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَمْ يَكُن هَذَا الْمَعْنَى مُنَاسِبًا، لَا سِيَّمَا وَقَد قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥]؛ أَيْ: لَا يُثْقِلُهُ وَلَا يُكْرِثُهُ، وَهَذَا يُنَاسِبُ الْقُدْرَةَ لَا الْعِلْمُ، وَالْآثَارُ الْمَأثُورَةُ تَقْتَضِي ذَلِكَ. [٦/ ٥٨٤]
* * *
стр. 489
كتاب الإيمان الكبير (١)
٥٠٢ - فَرَّقَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ (٢) ﵇ بَيْنَ مُسَمَّى "الْإِسْلَامِ"، وَمُسَمَّى "الْإِيمَانِ"، وَمُسَمَّى "الْإِحْسَانِ" فَقَالَ: الْإِسْلَامُ: أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وَأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤتِيَ الزَّكَاةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إن اسْتَطعْت إلَيْهِ سَبِيلًا، وَقَالَ: الْإيمَانُ: أَنْ تُؤمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتُؤمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ.
[٧/ ٦]
٥٠٣ - الْمَرَاتِب الْأَرْبَعَة:
أ - الْمُسْلِمُ مَن سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِن لِسَانِهِ وَيَدِهِ.
ب - وَالْمُؤمِنُ مَن أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ.
ج - وَالْمُهَاجِرُ مَن هَجَرَ السَّيِّئَاتِ.
د - وَالْمُجَاهِدُ مَن جَاهَدَ نَفْسَهُ لله.
وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَن النَّبِيِّ ﷺ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو وفضالة بْنِ عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِمَا بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَهُوَ فِي السُّنَنِ، وَبَعْضُهُ فِي "الصَّحِيحَيْنِ". [٧/ ٧]
* * * стр. 490
(تَنَوُّعُ دَلَالَةِ اللَّفْظِ بحسبِ التَّجْرِيدِ وَالاقْتِرَانِ، ومعنى الإيمان لغة وشرعًا، والفرق بينه وبين الإسلام، والرد على المبتدعة، وهل النزاع بين أهل السُّنَّة ومرجئة الفقهاء نزاعٌ لفظيّ ؟)
٥٠٤ - اسْمُ الْإِيمَانِ:
- تَارَةً يُذْكَرُ مُفْرَدًا غَيْرَ مَقْرُونٍ بِاسْمِ الْإِسْلَامِ وَلَا بِاسِمِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ وَلَا غَيْرِهِمَا.
- وَتَارَة يُذْكَرُ مَقْرُونًا إمَّا:
أ - بِالْإِسْلَامِ؛ كَقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ جبرائيل (١): "مَا الْإِسْلَامُ وَمَا الْإِيمَانُ؟ "، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥].
ب - وَكَذَلِكَ ذُكِرَ الْإِيمَانُ مَعَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ؛ وَذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ مِن الْقُرْآنِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [فصلت: ٨].
ج - وَإِمَّا مَقْرُونًا بِاَلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ﴾ [الروم: ٥٦].
فَلَمَّا ذَكَرَ الْإِيمَانَ مَعَ الْإِسْلَامِ: جَعَلَ الْإِسْلَامَ هُوَ الْأَعْمَالَ الظَّاهِرَةَ: الشَّهَادَتَانِ وَالصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ وَالصِّيَامُ وَالْحَجُّ، وَجَعَلَ الْإِيمَانَ مَا فِي الْقَلْبِ مِن الْإِيمَانِ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ.
وَهَكذَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَد (٢) عَن أَنَسٍ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "الإسْلَامُ عَلَانِيَةٌ وَالإِيمَانُ: في الْقَلْبِ".
وَإِذَا ذُكِرَ اسْمُ الْإِيمَانِ مُجَرَّدًا: دَخَلَ فِيهِ الْإِسْلَامُ وَالْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ؛ كَقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الشُّعَبِ: "الِإيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً أَعْلَاهَما قَوْلُ لَا إلهَ إلَّا اللهُ стр. 491
وَأَدْنَاهَا إمَاطَةُ الأَذَى عَن الطَّرِيقِ" (١).
وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي يُجْعَلُ فِيهَا أعْمَالُ الْبِرِّ مِن الْإِيمَانِ.
ثُمَّ إنْ نَفْىَ الْإِيمَانَ عِنْدَ عَدَمِهَا (٢): دَلَّ عَلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ.
وَإِن ذَكَرَ فَضْلَ إيمَانِ صَاحِبِهَا -وَلَمْ يَنْفِ إيمَانَهُ-: دَلَّ عَلَى أَنَّهَا مُسْتَحَبَّة.
فَمَن قَالَ: إنَّ الْمَنْفِيَّ هُوَ الْكَمَالُ: فَإنْ أَرَادَ أَنَّهُ نَفْيُ الْكَمَالِ الْوَاجِبِ الَّذِي يُذَمُّ تَارِكُهُ وَيتَعَرَّضُ لِلْعُقُوبَةِ: فَقَد صَدَقَ.
وَإِن أَرَادَ أَنَّهُ نَفْيُ الْكَمَالِ الْمُسْتَحَبِّ: فَهَذَا لَمْ يَقَعْ قَطُّ فِي كَلَامِ اللهِ وَرَسُولِهِ. [٧/ ١٣ - ١٥]
وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ كُل مَا نَفَاهُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِن مُسَمَّى أَسْمَاء الْأمُورِ الْوَاجِبَةِ؛ كَاسْمِ الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَامِ، وَالدِّينِ، وَالصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ، وَالطَّهَارَةِ، وَالْحَجِّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ: فَإِنَّمَا يَكُونُ لِتَرْكِ وَاجِبٍ مِن ذَلِكَ الْمُسَمَّى، وَمِن هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ النساء: ٦٥، فَلَمَّا نَفَى الْأِيمَانَ حَتَّى تُوجَدَ هَذِهِ الْغَايَةُ دَلَّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْغَايَةَ فَرْضٌ عَلَى النَّاسِ، فَمَن تَرَكَهَا كَانَ مِن أَهْلِ الْوَعِيدِ لَمْ يَكُن قَد أَتَى بِالْإِيمَانِ الْوَاجِبِ الَّذِي وُعِدَ أَهْلُهُ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ بِلَا عَذَابٍ؛ فَإِنَّ اللهَ إنَّمَا وَعَدَ بِذَلِكَ مَن فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ، وَأَمَّا مَن فَعَلَ بَعْضَ الْوَاجِبَاتِ وَتَرَكَ بَعْضَهَا فَهُوَ مُعَرَّضٌ لِلْوَعِيدِ. [٧/ ٣٧]
وَحَقِيقَةُ الْفَرْقِ (٣): أنَّ الْإِسْلَامَ دِينٌ، وَالدِّينُ: مَصْدَرُ دَانَ يَدِينُ دِينًا: إذَا خَضَعَ وَذَلَّ، وَدِينُ الْإِسْلَامِ الَّذِي ارْتَضَاهُ اللهُ وَبَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ هُوَ الِاسْتِسْلَامُ للهِ وَحْدَهُ، فَأَصْلُة فِي الْقَلْبِ هُوَ الْخُضُوعُ للهِ وَحْدَهُ بِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ دُونَ مَا سِوَاهُ. стр. 492
فَمَن عَبَدَهُ وَعَبَدَ مَعَهُ إلَهًا آخَرَ: لَمْ يَكُن مُسْلِمًا.
وَمَن لَمْ يَعْبُدْهُ بَل اسْتَكْبَرَ عَن عِبَادَتِهِ: لَمْ يَكُن مُسْلِمًا.
وَالْإِسْلَامُ: هُوَ الِاسْتِسْلَامُ للهِ، وَهُوَ الْخُضُوعُ لَهُ وَالْعُبُودِيَّةُ لَهُ، هَكَذَا قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: أَسْلَمَ الرَّجُلُ إذَا اسْتَسْلَمَ.
فَالْإِسْلَامُ فِي الْأَصْلِ: مِن بَابِ الْعَمَلِ: عَمَلُ الْقَلْبِ وَالْجَوَارحِ.
وَأَمَّا الْإِيمَانُ: فَأَصْلُهُ تَصْدِيقٌ وَإِقْرَارٌ وَمَعْرِفَة، فَهُوَ مِن بَابِ قَوْلِ الْقَلْبِ الْمُتضَمِّنِ عَمَلَ الْقَلْبِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ التَّصْدِيقُ، وَالْعَمَلُ تَابعٌ لَهُ، فَلِهَذَا فَسَّرَ النَّبِيُّ ﷺ الْإِيمَانَ بِإِيمَانِ الْقَلْبِ وَبِخضُوعِهِ، وَهُوَ الْإِيمَانُ باللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبهِ وَرُسُلِهِ.
وَفَسَّرَ الْإِسْلَامَ بِاسْتِسْلَامٍ مَخْصُوصٍ هُوَ الْمَبَانِي الْخَمْسُ.
وَهَكَذَا فِي سَائِرِ كَلَامِهِ ﷺ يُفَسِّرُ الْإِيمَانَ بِذَلِكَ النَّوْعِ، ويُفَسِّرُ الْإِسْلَامَ بِهَذَا.
وَذَلِكَ النَّوْعُ أَعْلَى؛ وَلهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الإِسْلَامُ عَلَانِيَةٌ وَالإِيمَانُ فِي الْقَلْبِ" (١).
فَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو وَأَبِي هُرَيْرَةَ جَمِيعًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الْمُسْلِمُ مَن سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِن لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُؤْمِنُ مَن أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ" (٢)، فَفَسَّرَ الْمُسْلِمَ بِأَمْر ظَاهِرٍ، وَهُوَ سَلَامَةُ النَّاسِ مِنْهُ، وَفَسَّرَ الْمُؤْمِنَ بِأَمْر بَاطِنٍ، وَهُوَ أَنْ يَأْمَنُوهُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَهَذِهِ الصِّفَةُ أَعْلَى مِن تِلْكَ؛ فَإِنَّ مَن كَانَ مَأْمُونًا سَلِمَ النَّاسُ مِنْهُ، وَلَيْسَ كُلُّ مَن سَلِمُوا مِنْهُ يَكُونُ مَأمُونًا، فَقَد يَتْرُكُ أَذَاهُم وَهُم لَا يَأْمَنُونَ إلَيْهِ؛ خَوْفًا أَنْ يَكُونَ تَرَكَ أَذَاهُم لِرَغْبَةٍ وَرَهْبَةٍ، لَا لِإِيمَانٍ فِي قَلْبِهِ. стр. 493
وَفِي حَدِيثِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَن عَمْرِو بْنِ عبسة أَنَ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : مَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: "إطْعَامُ الطعَامِ، وَلينُ الْكَلَامِ"، قَالَ: فَمَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: السَّمَاحَةُ وَالصَّبْرُ" (١)، فَإِطْعَامِ الطَّعَامِ عَمَلٌ ظَاهِرٌ يَفْعَلُهُ الْإِنْسَانُ لِمَقَاصِدَ مُتَعَدِّدَةٍ، وَكَذَلِكَ لِينُ الْكَلَامِ، وَأَمَّا السَّمَاحَةُ وَالصَّبْرُ فَخُلُقَانِ فِي النفْسِ. [٧/ ٢٦٣ - ٢٦٤]
وَأَهْلُ الْبِدَعِ إنَّمَا دَخَلَ عَلَيْهِم الدَّاخِلُ: لِأَنَّهُم أَعْرَضُوا عَن هَذِهِ الطَّرِيقِ، وَصَارُوا يَبْنُونَ دِينَ الْإِسْلَامِ عَلَى مُقَدِّمَاتٍ يَظُنُّونَ صِحَّتَهَا:
- إمَّا فِي دَلَالَةِ الْأَلْفَاظِ.
- وَإِمَّا فِي الْمَعَانِي الْمَعْقُولَةِ.
وَلَا يَتَأَمَّلُونَ بَيَانَ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَكُلُّ مُقَدِّمَاتٍ تُخَالِفُ بَيَانَ اللهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّهَا تَكُونُ ضَلَالًا، وَلهَذَا تَكَلَّمَ أَحْمَد فِي رِسَالَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ فِي الرَّد عَلَى مَن يَتَمَسَّكُ بِمَا يَظْهَرُ لَهُ مِن الْقُرْآنِ مِن غَيْرِ اسْتِدْلَالٍ بِبَيَانِ الرَّسُولِ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ.
مِثَالُ ذَلِكَ: أَنَّ الْمُرْجِئَةَ لَمَّا عَدَلُوا عَن مَعْرِفَةِ كَلَامِ اللهِ وَرَسُولِهِ أَخَذُوا يَتَكَلَّمُونَ فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَغَيْرِهِمَا بِطُرُق ابْتَدَعُوهَا؛ مِثْل أَنْ يَقُولُوا: الْإِيمَانُ فِي اللُّغَةِ هُوَ التَّصْدِيقُ، وَالرَّسُولُ إنَّمَا خَاطَبَ النَّاسَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ لَمْ يُغَيِّرْهَا، فَيَكُونُ مُرَادُهُ بِالْإِيمَانِ التَّصْدِيقَ، ثُمَّ قَالُوا: وَالتَّصْدِيقُ إنَّمَا يَكُونُ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ، أَو بِالْقَلْبِ؛ فَالْأَعْمَالُ لَيْسَتْ مِن الْإِيمَانِ.
ثُمَّ عُمْدَتهُم فِي أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ التَّصْدِيقُ قَوْلُهُ: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧]؛ أَيْ: بِمُصَدِّقٍ لنَا.
فَيُقَالُ لَهُمْ: هَاتَانِ الْمُقَدِّمَتَانِ، كِلَاهُمَا مَمْنُوعَةٌ:
[المقدمة الأولى]: لَيْسَ هُوَ مُرَادِفًا لَهُ (٢) وَذَلِكَ مِن وُجُوهٍ: стр. 494
أَحَدُهَا: أَنْ يُقَالَ لِلْمُخْبِرِ إذَا صَدَّقْته: صَدَّقَهُ، وَلَا يُقَالُ: آمَنَهُ، وَآمَنَ بِهِ؛ بَل يُقَالُ: آمَنَ لَهُ، كَمَا قَالَ: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦].
فَإِنْ قِيلَ: فَقَد يُقَالُ: مَا أَنْتَ بِمُصَدِّق لنَا.
قِيلَ: اللَّامُ تَدْخُلُ عَلَى مَا يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ إذَا ضَعُفَ عَمَلُهُ، إمَّا بِتَأخِيرِهِ، أَو بِكَوْنِهِ اسْمَ فَاعِلٍ، أَو مَصْدَرًا، أَو بِاجْتِمَاعِهِمَا، فَيُقَالُ: فُلَانٌ يَعْبُدُ اللهَ وَيَخَافُهُ وَيَتَّقِيهِ، ثُمَّ إذَا ذُكرَ بِاسْمِ الْفَاعِلِ قِيلَ: هُوَ عَابِدٌ لِرَبِّهِ، مُتَّقٍ لِرّبِّهِ، خَائِفٌ لِرَبِّهِ، وَكَذَلِكَ تَقُولُ: فُلَانٌ يَرْهَبُ اللهَ، ثُمَّ تَقُولُ: هُوَ رَاهِبٌ لِرِّبهِ، وَإِذَا ذَكَرْت الْفِعْلَ وَأَخَّرْته تُقَوِّيهِ بِاللَّامِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤].
وَهَذَا بِخِلَافِ لَفْظِ الْإِيمَانِ؛ فَإِنَّهُ تَعَدَّى إلَى الضَّمِيرِ بِاللَّامِ دَائِمًا، لَا يُقَالُ: آمَنْته قَطُّ، وَإِنَّمَا يُقَالُ: آمَنْت لَهُ، كَمَا يُقَالُ: أَقْرَرْت لَهُ، فَكَانَ تَفْسِيرُهُ بِلَفْظِ الْإِقْرَارِ أَقْرَبَ مِن تَفْسِيرِهِ بِلَفْظِ التَّصْدِيقِ، مَعَ أَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا (١).
الثَّانِيْ: أَنَّهُ لَيْسَ مُرَادِفًا لِلَفْظِ التَّصْدِيقِ فِي الْمَعْنَى، فَإِنَّ كُلَّ مُخْبِرٍ عَن مُشَاهَدَةٍ أَو غَيْبٍ يُقَالُ لَهُ فِي اللُّغَةِ: صدَقْت، كَمَا يُقَالُ: كَذَبْت، فَمَن قَالَ: السَّمَاءُ فَوْقَنَا، قِيلَ لَهُ: صَدَقَ، كَمَا يُقَالُ: كَذَبَ.
وَأَمَّا لَفْظُ الْإِيمَانِ: فَلَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي الْخَبَرِ عَن غَائِبٍ، لَمْ يُوجَدْ فِي الْكَلَامِ أَنَّ مَن أَخْبَرَ عَن مُشَاهَدَةٍ؛ كَقَوْلِهِ: طَلَعَت الشَّمْسُ وَغَرَبَتْ أَنَّهُ يُقَالُ: آمَنَّاهُ، كَمَا يُقَالُ: صَدَّقْنَاهُ.
فَإِنَّ الْإِيمَانَ مُشْتَقٌّ مِن الْأَمْنِ، فَإِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي خَبَرٍ يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ الْمُخْبِرُ كَالْأَمْرِ الْغَائِبِ الَّذِي يُؤتَمَنُ عَلَيْهِ الْمُخْبِرُ. стр. 495
وَلهَذَا لَمْ يُوجَدْ قَطُّ فِي الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ لَفْظُ آمَنَ لَهُ إلَّا فِي هَذَا النَّوْعِ.
فَاللَّفْظُ مُتَضَمِّنٌ:
أ - معنى التَّصْدِيقِ.
ب - وَمَعْنَى الِائتِمَانِ وَالْأَمَانَةِ.
كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الِاسْتِعْمَالُ وَالِاشْتِقَاقُ؛ وَلهَذَا قَالُوا: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧]؛ أَيْ: لَا تُقِرُّ بِخَبَرِنَا وَلَا تَثِقُ بِهِ، وَلَا تَطْمَئِنُّ إلَيْهِ وَلَو كُنَّا صَادِقِينَ؛ لِأَنَّهُم لَمْ يَكُونُوا عِنْدَهُ مِمَن يُؤتَمَنُ عَلَى ذَلِكَ، فَلَو صَدَقُوا لَمْ يَأمَن لَهُمْ.
الثَّالِثُ: أَنَّ لَفْظَ الْإِيمَانِ فِي اللُّغَةِ لَمْ يُقَابَل بِالتَّكْذِيبِ كَلَفْظِ التَّصْدِيقِ .. بَل الْمَعْرُوفُ فِي مُقَابَلَةِ الْإِيمَانِ لَفْظُ الْكُفْرِ.
يُقَالُ: هُوَ مُؤْمِنٌ أَو كَافِرٌ، وَالْكُفْرُ لَا يَخْتَصُّ بِالتَّكْذِيبِ؛ بَل لَو قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ إنَّك صَادِقٌ، لَكِنْ لَا أَتَّبِعُك؛ بَل أُعَادِيك، وَأُبْغِضُك، وَأُخَالِفُك، وَلَا أُوَافِقُك: لَكَانَ كُفْرُهُ أَعْظَمَ، فَلَمَّا كَانَ الْكُفْرُ الْمُقَابِلُ لِلْإِيمَانِ لَيْسَ هُوَ التَّكْذِيبَ فَقَط: عُلِمَ أنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ هُوَ التَّصْدِيقُ فَقَطْ؛ بَل إذَا كَانَ الْكُفْرُ يَكُونُ تَكْذِيبًا، ويكُونُ مُخَالَفَةً وَمُعَادَاةً وَامْتِنَاعًا بِلَا تَكْذِيبٍ: فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْإِيمَانُ تَصْدِيقًا مَعَ مُوَافَقَةٍ وَمُوَالَاةٍ وَانْقِيَادٍ، لَا يَكْفِي مُجَرَّدُ التَّصْدِيقِ، فَيَكُونُ الْإسْلَامُ جُزْءَ مُسَمَّى الْإِيمَانِ، كَمَا كَانَ الِامْتِنَاعُ مِن الِانْقِيَادِ مَعَ التَّصْدِيقِ جُزْءَ مُسَمَّى الْكُفْرِ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مُؤمِنٍ مُسْلِمًا مُنْقَادًا لِلْأَمْرِ، وَهَذَا هُوَ الْعَمَلُ.
وَأَمّا الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ فَيُقَالُ: إنَّهُ إذَا فُرِضَ أَنَّهُ مُرَادِفٌ لِلتَّصْدِيقِ فَقَوْلُهُمْ: إنَّ التَّصْدِيقَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْقَلْبِ أَو اللِّسَانِ عَنْهُ جَوَابَانِ:
أَحَدُهُمَا. الْمَنْعُ؛ بَل الْأفْعَالُ تُسَمَّى تَصْدِيقًا؛ كَمَا ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" عَن النَبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَزنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالْأُذُنُ تَزْنِي وَزِنَاهَا السَّمْعُ، وَالْيَدُ تَزْنِي وَزِنَاهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ تَزْنِي وَزِنَاهَا الْمَشْيُ، وَالْقَلْبُ يَتَمَنَّى ذَلِكَ
следующие страницы →