← Фатава

Фатава · id 879

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (3 539 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

وَالصَّوَابُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ: أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ مُتَقَدِّمَة عَلَى الْفِعْلِ، وَمُقَارِنَة لَهُ أَيْضًا، وَتُقَارِنُهُ أَيْضًا اسْتِطَاعَةٌ أُخْرَى لَا تَصْلُحُ لِغَيْرِهِ. فَالِاسْتِطَاعَةُ نَوْعَانِ: أ- مُتَقَدِّمَةٌ صَالِحَةٌ لِلضِّدَّيْنِ. ب- وَمُقَارِنَةٌ لَا تَكُونُ إلا مَعَ الْفِعْلِ. فَتِلْكَ: هِيَ الْمُصَحِّحَةُ لِلْفِعْلِ الْمُجَوِّزَةُ لَهُ. وَهَذِهِ: هِيَ الْمُوجِبَةُ لِلْفِعْلِ الْمُحَقِّقَةُ لَهُ. قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي الْأُولَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وَلَو كَانَت هَذِهِ الِاسْتِطَاعَةُ لَا تَكُونُ إلَّا مَعَ الْفِعْلِ لَمَا وَجَبَ الْحَجُّ إلَّا عَلَى مَن حَجَّ، وَلَمَا عَصَى أَحَدٌ بِتَرْكِ الْحَجِّ، وَلَا كَانَ الْحَجُّ وَاجِبًا عَلَى أَحَدٍ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِهِ؛ بَل قَبْلَ فَرَاغِهِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] فَاَمَرَ بِالتَّقْوَى بِمِقْدَارِ الِاسْتِطَاعَةِ، وَلَو أَرَادَ الِاسْتِطَاعَةَ الْمُقَارِنَةَ لَمَا وَجَبَ عَلَى أَحَدٍ مِن التَّقْوَى إلَّا مَا فَعَلَ فَقَط؛ إذ هُوَ الَّذِي قَارَنَتْهُ تِلْكَ الِاسْتِطَاعَةُ. وَأَمَّا الِاسْتِطَاعَةُ الْمُقَارِنَةُ الْمُوجِبَةُ: فَمِثْلُ قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠]، وَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (١٠١)﴾ [الكهف: ١٠١] فَهَذِهِ الِاسْتِطَاعَةُ هِيَ الْمُقَارِنَةُ الْمُوجِبَةُ؛ إذ الْأُخْرَى لَا بُدَّ مِنْهَا فِي التَّكْلِيفِ. فَالْأُولَى: هِيَ الشَّرْعِيَّةُ، الَّتِي هِيَ مَنَاطُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَعَلَيْهَا يَتَكَلَّمُ الْفُقَهَاءُ، وَهِيَ الْغَالِبَةُ فِي عُرْفِ النَّاسِ. وَالثَّانِيَةُ: هِيَ الْكَوْنِيَّةُ، الَّتِي هِيَ مَنَاطُ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ، وَبِهَا يَتَحَقَّقُ وُجُودُ الْفِعْلِ.

стр. 667

فَالْأُولَى: لِلْكلِمَاتِ الْأَمْرِيَّاتِ الشَّرْعِيَّاتِ. وَالثَّانِيَةُ: لِلْكَلِمَاتِ الْخَلْقِيَّاتِ الْكَوْنِيَّاتِ. كَمَا قَالَ: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ [التحريم: ١٢]. وَقَد اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي قُدْرَةِ الْعَبْدِ عَلَى خِلَافِ مَعْلُومِ الْحَقِّ أَو مُرَادِهِ؟ وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّهُ قَد يَكُونُ قَادِرًا بِالْقُدْرَةِ الْأُولَى الشَّرْعِيَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَى الْفِعْلِ، فَإِنَّ اللهَ قَادِرٌ أَيْضًا عَلَى خِلَافِ الْمَعْلُومِ وَالْمُرَادِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُن قَادِرًا إلَّا عَلَى مَا فَعَلَهُ، وَلَيْسَ الْعَبْدُ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ بِالْقُدْرَةِ الْمُقَارِنَةِ لِلْفِعْلِ، فَإنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا مَا عَلِمَ اللهُ كَوْنَة، وَأَرَادَ كَوْنَهُ، فَإِنَّهُ مَا شَاءَ اللهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ. [٨/ ٣٧١ - ٣٧٤] * * * (كَلَامُ اللهِ وَنَحْو ذَلِكَ مِن صِفَاتِهٍ لَأزِمَةٌ لِذَاتِهِ، وهي مَعَ ذلِكَ صِفَاتٌ فِعْلِيَّةٌ) ٦٢٩ - حَدَّثَنِي بَعْضُ ثِقَاتِ أَصْحَابِنَا: أَنَّ شَيْخَنَا أَبَا عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْوَهَّابِ عَادَ شَيْخَنَا أَبَا زَكَرِيَّا بْنَ الصِّرْمَئ وَعِنْدَهُ جَمَاعَةٌ فَسَأَلُوهُ الدُّعَاءَ، فَقَالَ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ بِقُدْرَتِك الَّتِي قَدَرْت بِهَا أَنْ تَقُولَ لِلسَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَو كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ، افْعَلْ كَذَا وَكَذَا. قَالَ أَبُو عَبْدِ الْوَهَّابِ (١): وَلَمْ أُخَاطِبْهُ فِيهِ بِحَضْرَةِ النَّاسِ حَتَّى خَلَوْت بِهِ، وَقلْت لَهُ: هَذَا لَا يُقَالُ. لَو قُلْت: قَدَرْت بِهَا عَلَى خَلْقِك: جَازَ. فَأَمَّا قَدَرْت بهَا أَنْ تَقولَ: فَلَا يَجُوزُ، لِأَنَّ هَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ مَقْدُورًا لَهُ مَخْلُوقًا (٢).

стр. 668

قُلْت: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِثْلُ مَسْأْلَةِ الْمَشِيئَةِ، وَهُوَ قَوْلُنَا: يَتَكَلَّمُ إذَا شَاءَ، فَإِنَّ مَا تَعَلَّقَتْ بِهِ الْمَشِيئَةُ تَعَلَّقَتْ بِهِ الْقُدْرَةُ، فَإِنَّ مَا شَاءَ اللهُ كَانَ، وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ إلَّا بِقُدْرَتِهِ، وَمَا تَعَلَّقَتْ بِهِ الْقُدْرَةُ مِن الْمَوْجُودَاتِ تَعَلَّقَتْ بِهِ الْمَشِيئَةُ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ شَيْءٌ إلَّا بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، وَمَا جَازَ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِهِ الْقُدْرَةُ جَازَ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِهِ الْمَشِيئَةُ، وَكَذَلِكَ بِالْعَكْسِ، وَمَا لَا فَلَا. وَلهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠] وَالشَيْءُ فِي الْأَصْلِ مَصدَرُ شَاءَ يَشَاءُ شَيْئًا، كنال يَنَالُ نَيْلًا، ثُمَّ وَضَعُوا الْمَصْدَرَ مَوْضِعَ الْمَفْعُولِ، فَسَمَّوْا الْمَشِيءَ شَيْئًا، كَمَا يُسَمَّى الْمُنِيلَ نَيْلًا، فَقَالُوا: نَيْلُ الْمَعْدِنِ، وَكَمَا يُسَمَّى الْمَقْدُورَ قُدْرَةً، وَالْمَخْلُوقَ خَلْقًا. فَقَوْلُهُ: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦]؛ أَيْ: عَلَى كُلِّ مَا يَشَاءُ، فَمِنْهُ مَا قَد شِيءَ فَوُجِدَ، وَمِنْهُ مَا لَمْ يَشَأْ لَكِنَّهُ شِيءَ فِي الْعِلْمِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ قَابِلٌ لِأَنْ يَشَاءَ. وَقَوْلُة: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١٠٩] يَتَنَاوَلُ مَا كَانَ شَيْئًا فِي الْخَارِجِ وَالْعِلْمِ، أَو مَا كَانَ شَيْئًا فِي الْعِلْمِ فَقَطْ. بِخِلَافِ مَا لَا يَجُوزُ أَنْ تَتَنَاوَلَهُ الْمَشِيئَةُ، وَهُوَ الْحَقُّ تَعَالَى وَصِفَاتُهُ، أَو الْمُمْتَنِعُ لِنَفْسِهِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْعُمُومِ. وَلهَذَا اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ الْمُمْتَنِعَ لِنَفْسِهِ لَيْسَ بِشَيء. وَتَنَازَعُوا فِي الْمَعْدُومِ الْمُمْكِنِ: فَذَهَبَ فَرِيقٌ مِن أَهْلِ الْكَلَامِ: إلَى أَنَّهُ شيءٌ فِي الْخَارجِ؛ لِتَعَلُّقِ الْإِرَادَةِ وَالْقُدْرَةِ بِهِ. وَهَذَا غَلَطٌ، وَإِنَّمَا هُوَ مَعْلُومٌ للهِ وَمُرَادٌ لَهُ إنْ كَانَ مِمَّا يُوجَدُ.

стр. 669

إذَا عُرِفَ ذَلِكَ: فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى "مَسْأْلَةِ كَلَامِ اللهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِن صِفَاتِهِ" هَل هِيَ قَدِيمَةٌ لَازِمَةٌ لِذَاتِهِ لَا يَتَعَلَّقُ شَيْءٌ مِنْهَا بِفِعْلِهِ وَبِمَشِيئَتِهِ وَلَا قُدْرَتهِ؟ أَو يُقَالُ: إنَّهُ يَتَكَلَّمُ إذَا شَاءَ، وَيَسْكُتُ إذَا شَاءَ، وَأَنَّهَا مَعَ ذَلِكَ صِفَاتٌ فِعْلِيَّةٌ. وَهَذَا فِيهِ قَوْلَانِ لِاُّصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ مِن أَهْلِ السُّنَّةِ. قُلْت: وَهَذَا الدُّعَاءُ الَّذِي دَعَا بِهِ الشَّيْخُ أَبُو زَكَرِيَّا مَأْثُورٌ عَن الْإِمَامِ أَحْمَد، وَمِن هُنَاكَ حَفِظَهُ الشَّيْخُ وَاللهُ أَعْلَمُ؛ فَإِنَّهُ كَانَ كَثِيرَ الْمَحَبَّةِ لِأَحْمَدَ وَآثَارِهِ وَالنَّظَرِ فِي مَنَاقِبِهِ وَأَخْبَارِهِ. [٨/ ٣٨٢ - ٣٨٤] * * * (اللهُ تَعَالَي خَلَقَ فِعْلَ الْعَبْدِ سَبَبًا مُقْتَضِيًا لِآثَار مَحْمُودَةٍ أَو مَذْمُومَةٍ) ٦٣٠ - اعْلَمْ أَنَّ اللهَ تَعَالَى جعل (١) فِعْلَ الْعَبْدِ سَبَبًا مُفْضِيًا (٢) إلى آثارِ مَحْمُودَةٍ أَو مَذْمُومَةٍ. وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ: مِثْلُ صَلَاةِ أَقْبَلَ عَلَيْهَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ، وَأَخْلَصَ فِيهَا وَرَاقَبَ، وَفَقِهَ مَا بُنِيَتْ عَلَيْهِ مِن الْكَلِمَاتِ الطَّيِّبَاتِ، وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ، يَعْقُبُهُ فِي عَاجِلِ الْأَمْرِ نُورٌ فِي قَلْبِهِ، وَانْشِرَاحٌ فِي صَدْرِهِ، وَطُمَأْنِينَةٌ فِي نَفْسِهِ، وَمَزِيدٌ فِي عِلْمِهِ، وَتَثْبِيتٌ فِي يَقِينِهِ، وَقُوَّةٌ فِي عَقْلِهِ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِن قُوَّةِ بَدَنِهِ، وَبَهَاءِ وَجْهِهِ، وَانْتِهَائِهِ عَن الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، وَإِلْقَاءِ الْمَحَبَّةِ لَهُ فِي قُلُوبِ الْخَلْقِ، وَدَفْعِ الْبَلَاءِ عَنْهُ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَعْلَمُهُ -سبحانه- وَلَا نَعْلَمُهُ. ثُمَّ هَذِهِ الْآثَارُ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ مِن النُّورِ وَالْعِلْم وَالْيَقِينِ وَغَيْرِ ذَلِكَ: أسْبَابٌ مُفْضِيَةٌ إلَى آثَارٍ أُخَرَ مِن جِنْسِهَا وَمِن غَيْرِ جِنْسِهَا أَرْفَعُ مِنْهَا، وَهَلُمَّ جَرَّا.

стр. 670

وَلهَذَا قِيلَ: إنَّ مِن ثَوَابِ الْحَسَنَةِ الْحَسَنَةَ بَعْدَهَا، وَإِنَّ مِن عُقُوبَةِ السَّيِّئَةِ السَّيئِّةَ بَعْدَهَا. وَكَذَلِكَ الْعَمَلُ السَّيِّئُ مِثْلُ الْكَذِبِ -مَثَلًا-: يُعقب صَاحِبَهُ فِي الْحَالِ ظُلْمَةً فِي الْقَلْبِ (١)، وَقَسْوَةً وَضِيقًا فِي صَدْرِهِ، وَنِفَاقًا وَاضْطِرَابًا، وَنِسْيَانَ مَا تَعَلَّمَهُ، وَانْسِدَادَ بَابِ عِلْمٍ كَانَ يَطْلُبُهُ، وَنَقْصًا فِي يَقِينِهِ وَعَقْلِهِ، وَاسْوِدَادَ وَجْهِهِ، وَبُغْضَهُ فِي قُلُوبِ الْخَلْقِ، واجتراءه عَلَى ذَنْبٍ آخَرَ مِن جِنْسِهِ أَو غَيْرِ جِنْسِهِ، وَهَلُمَّ جَرَّا، إلَّا أَنْ يَتَدَارَكَهُ اللهُ بِرَحْمَتِهِ. فَهَذِهِ الْآثَارُ (٢) الَّتِي تُورِثُهَا الْأَعْمَالُ، هِيَ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ، وَإِفْضَاءُ الْعَمَلِ إلَيْهَا وَاقْتِضَاؤُهُ إيَّاهَا كَإِفْضَاءِ جَمِيعِ الْأَسْبَابِ الَّتِي جَعَلَهَا اللهُ أَسْبَابًا إلَى مُسَبَّباتِهَا. وَالْإِنْسَانُ إذَا أَكَلَ أَو شَرِبَ حَصَلَ لَهُ الرِّيُّ وَالشِّبَعُ، وَقَد رَبَطَ اللهُ الرِّيَّ وَالشِّبَعَ بِالشُّرْبِ وَالْأَكْلِ رَبْطًا مُحْكَمًا، وَلَو شَاءَ أَنْ لَا يُشْبِعَهُ وَيَرْوَيهُ مَعَ وُجُودِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فَعَلَ: إمَّا أنْ لَا يَجْعَلَ فِي الطَّعَامِ قُوَّةً [مانعة] (٣)، أَو يَخعَلَ فِي الْمَحَلِّ قُوَّة مَانِعَةً، أَو بِمَا يَشَاءُ ، وَلَو شَاءَ أَنْ يُشْبِعَهُ وَيَرْوِيَهُ بِلَا أَكْلٍ وَلَا شُرْبٍ، أَو بِأَكْلِ شَيْءٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ: فَعَلَ. كَذَلِكَ فِي [اقْتضاء] (٤) الْأَعْمَالِ الْمَثُوبَاتِ وَالْعُقُوبَاتِ حَذْوُ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ؛ فَإِنَّهُ إنَّمَا سُمِّيَ الثَّوَابُ ثَوَابًا؛ لِأَنَّهُ يَثُوبُ إلَى الْعَامِلِ مِن عَمَلِهِ؛ أَيْ: يَرْجِعُ، وَالْعِقَابُ عِقَابًا؛ لِأَنَّهُ يَعْقُبُ الْعَمَلَ؛ أَيْ: يَكُون بَعْدَهُ.

стр. 671

وَلَو شَاءَ اللهُ أَنْ لَا يُثِيبَهُ عَلَى ذَلِكَ الْعَمَلِ: إمَّا بِأَنْ لَا يَجْعَلَ فِي الْعَمَلِ خَاصَّة تُفْضِي إلَى الثَّوَابِ، او لِوُجُودِ أَسْبَابٍ تَنْفِي ذَلِكَ الثَّوَابَ، أَو غَيْرِ ذَلِكَ: لَفَعَلَ ، وَكَذَلِكَ فِي الْعُقُوبَاتِ. وَبَيَانُ ذَلِكَ: أَن نَفْسَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بِاخْتِيَارِ الْعَبْدِ وَمَشِيئَتِهِ، الَّتِي هِيَ مِن فِعْلِ اللهِ أَيْضًا، وَحُصُولُ الشِّبَعِ عَقِبَ الْأَكْلِ لَيْسَ لِلْعَبْدِ فِيهِ صُنْعٌ أَلْبَتَّةَ، حَتَّى لَو أَرَادَ دَفْعَ الشِّبَعِ بَعْدَ تَعَاطِي الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لَهُ لَمْ يُطِقْ، وَكَذَلِكَ نَفْسُ الْعَمَلِ هُوَ بِإِرَادَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ، فَلَو شَاءَ أَنْ يَدْفَعَ أَثَرَ ذَلِكَ الْعَمَلِ وَثَوَابَهُ بَعْدَ وُجُودِ مُوجِبِهِ لَمْ يَقْدِرْ. [٨/ ٣٩٦ - ٣٩٧] * * * (خلقُ أفعال العباد) ٦٣١ - أَفْعَالُ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ بِاتِّفَاقِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا، كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ سَائِرُ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ: الْإِمَامُ أحْمَد وَمَن قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ، حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: مَن قَالَ: إنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَن قَالَ: إنَّ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ. وَأَنْكَرَ الْأئِمَّةُ مِن أَصْحَابِ أَحْمَد وَغَيْرِهِمْ مِن عُلَمَاءِ السُّنَّةِ مَن قَالَ: إنَّ أَصْوَاتَ الْعِبَادِ وَأَفْعَالَهُم غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ، وَصَنَّفَ الْبُخَارِيُّ فِي ذَلِكَ مُصَنَّفًا، كَمَا أَنَّهُم بَدَّعُوا وَجَهَّمُوا مَن قَالَ: إنَّ اللهَ لَا يَتَكَلَّمُ بِصَوْت، أَو إنَّ حُرُوفَ الْقُرْآنِ مَخْلُوقَةٌ، أَو قَالُوا: إنَّ اللَّفْظَ بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ، فَرَدَّ الْأَئِمَّةُ هَذِهِ الْبِدْعَةَ. وَلَفْظُ "الْأَمْرِ" يُرَادُ بِهِ: الْمَصْدَرُ وَالْمَفْعُولُ؛ فَالْمَفْعُولُ مَخْلُوقٌ، كَمَا قَالَ: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]، وَقَالَ: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨]، فَهُنَا الْمُرَادُ بِهِ الْمَأْمُورُ بِهِ، لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ أَمْرَهُ الَّذِي هُوَ كَلَامُهُ. فَإِذَا احْتَجَّ الجهمي الَّذِي يَؤولُ أَمْرَهُ إلَى أَنْ يَجْعَلَهُ حَالًّا فِي الْمَخْلُوقَاتِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨].

стр. 672

قِيلَ لَهُ: الْمُرَادُ بِهِ الْمَأْمُورُ بِهِ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، وَكَمَا يُقَالُ عَن الْحَوَادِثِ الَّتِي يُحْدِثُهَا اللهُ: هَذَا أَمْرٌ عَظِيمٌ. [٨/ ٤٠٦ - ٤١٣] ٦٣٢ - فِعْلُ الْعَبْدِ: خُلْقٌ للهِ وَكَسْبٌ لِلْعَبْدِ. [٨/ ٣٨٨] * * * (مَسْأَلَةُ تَحْسِينِ الْعَقْلِ وَتَقْبِيحِهِ) ٦٣٣ - مَسْأَلَةُ تَحْسِينِ الْعَقْلِ وَتَقْبِيحِهِ: فِيهَا نِزَاعٌ مَشْهُورٌ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ مِن الطَّوَائِفِ الْأرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ: أ- فَالْحَنَفِيَّةُ وَكَثِيرٌ مِن الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ يَقُولُونَ بِتَحْسِينِ الْعَقْلِ وَتَقْبِيحِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الكَرَّامِيَة وَالْمُعْتَزِلَةِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الطَّوَائِفِ مِن الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ وَغَيْرِهِمْ. ب- وَكَثِيرٌ مِن الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ يَنْفُونَ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ الْأشْعَريَّةِ، لَكِنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى إثْبَاتِ الْقَدَرِ، وَأَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ مِن أفْعَالِ الْعِبَادِ وَغَيْرِهَا، وَأَنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ. وَالْمُعْتَزِلَةُ وَغَيْرُهُم مِن الْقَدَرِيَّةِ: يُخَالِفُونَ فِي هَذَا. فَإْنْكَارُ الْقَدَرِ بِدْعَةٌ مُنْكَرَةٌ، وَقَد ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ مَن يَقُولُ: بِتَحْسِينِ الْعَقْلِ وَتَقْبِيحِهِ يَنْفِي الْقَدَرَ، وَيَدْخُلُ مَعَ الْمُعْتَزِلَةِ فِي مَسَائِلِ التَّعْدِيلِ وَالتَّجْوِيزِ، وَهَذَا غَلَطٌ؛ بَل جُمْهُورُ الْمُسْلِمِينَ لَا يُوَافِقُونَ الْمُعْتَزِلَةَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يُوَافِقُونَ الْأَشْعَرِيَّةَ عَلَى نَفْيِ الْحِكَمِ وَالْأَسْبَابِ. وَالْمَقْصُود هُنَا: أَنَّ مَسْأَلَةَ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ لَيْسَتْ مُلَازِمَةً لِمَسْأَلَةِ الْقَدَرِ. وَإِذَا عُرِفَ هَذَا: فَالنَّاسُ فِي مَسْأَلَةِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: طَرَفَانِ وَوَسَطٌ: الطَّرَفُ الْوَاحِدُ: قَوْلُ مَن يَقُولُ: بِالْحُسْنِ وَالْقبْحِ، وَيَجْعَلُ ذَلِكَ صِفَاتٍ

стр. 673

ذَاتِيَّةً لِلْفِعْل، لَازِمَةً لَهُ، وَلَا يَجْعَلُ الشَّرْعَ إلَّا كَاشِفًا عَن تِلْكَ الصِّفَاتِ، لَا سَبَبًا لِشَيْء مِن الصِّفَاتِ، فَهَذَا قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَيَقُولُونَ: إنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَ اللهُ بِالشِّرْكِ بِاللهِ، وَيَنْهَى عَن عِبَادَتِهِ وَحْدَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَ بِالظُّلْمِ، وَالْفَوَاحِشِ، وَيَنْهَى عَن الْبِرِّ، وَالتَّقْوَى .. وَلَيْسَ الْمَعْرُوفُ فِي نَفْسِهِ مَعْرُوفًا عِنْدَهُمْ، وَلَا الْمُنْكَرُ فِي نَفْسِهِ مُنْكَرًا عِنْدَهُمْ؛ بَل إذَا قَالَ: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، فَحَقِيقَةُ ذَلِكَ عِنْدَهُم أَنَّهُ يَأْمُرُهُم بِمَا يَأْمُرُهُمْ، وَيَنْهَاهُم عَمَّا يَنْهَاهُمْ، وَيُحِلُّ لَهُم مَا يُحِلُّ لَهُمْ، وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِم مَا يُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ. فَهَذَا الْقَوْلُ وَلَوَازِمُهُ هُوَ أَيْضًا قَوْلٌ ضَعِيفٌ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلِإِجْمَاعِ السَّلَفِ وَالْفُقَهَاءِ، مَعَ مُخَالَفَتِهِ أَيْضًا لِلْمَعْقُولِ الصَّرِيحِ؛ فَإِنَّ اللهَ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَن الْفَحْشَاءِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف: ٢٨]. وَقَد ثَبَتَ بِالْخِطَابِ وَالْحِكمَةِ الْحَاصِلَةِ مِن الشَّرَائِعِ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ مُشْتَمِلًا عَلَى مَصْلَحَةٍ أَو مَفْسَدَةٍ، وَلَو لَمْ يَرِد الشَّرْعُ بِذَلِكَ؛ كَمَا يُعْلَمُ أَنَّ الْعَدْلَ مُشْتَمِلٌ عَلَى مَصْلَحَةِ الْعَالَمِ، وَالظُّلْمَ يَشْتَمِلُ عَلَى فَسَادِهِمْ، فَهَذَا النَّوْعُ هُوَ حَسَنٌ وَقَبِيحٌ. وَقَد يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ وَالشَّرْعِ قُبْحُ ذَلِكَ، لَا أَنَّهُ أَثْبَتَ لِلْفِعْلِ صِفَةً لَمْ تَكُنْ. لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِن حُصُولِ هَذَا الْقُبْحِ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُهُ مُعَاقَبًا فِي الْآخِرَةِ إذَا لَمْ يَرِدْ شَرْعٌ بِذَلِكَ، وَهَذَا مِمَّا غَلِطَ فِيهِ غُلَاةُ الْقَائِلِينَ بِالتَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيح؛ فَإِنَّهُم قَالُوا: إنَّ الْعِبَادَ يُعَاقَبُونَ عَلَى أَفْعَالِهِم الْقَبِيحَةِ وَلَو لَمْ يُبْعَثْ إلَيْهِم رَسُولًا، وَهَذَا خِلَافُ النَّصِّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. الئوْعُ الثَّانِي: أَنَّ الشَّارعَ إذَا أَمَرَ بِشَيْء صَارَ حَسَنًا، وَإِذَا نَهَى عَن شَيْءٍ صَارَ قَبِيحًا، وَاكْتَسَبَ الْفِعْلُ صِفَةَ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ بِخِطَابِ الشَّارعِ.

стр. 674

وَالنَّوْعُ الثَّالِثُ: أَنْ يَأْمُرَ الشَّارح بِشَيْء لِيَمْتَحِنَ الْعَبْدَ هَل يُطِيعُهُ أَمْ يَعْصِيهِ؟ وَلَا يَكُونُ الْمُرَادُ فِعْلَ الْمَأْمُورِ بِهِ؛ كَمَا أَمَرَ إبْرَاهِيمَ بِذَبْحِ ابْنِهِ، فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ حَصَلَ الْمَقْصُودُ، فَفَدَاهُ بِالذَّبْحِ. فَالْحِكْمَةُ مَنْشَؤُهَا مِن نَفْسِ الْأَمْرِ، لَا مِن نَفْسِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَهَذَا النَّوْعُ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ لَمْ يَفْهَمْهُ الْمُعْتَزِلَةُ، وَزَعَمَتْ أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ لَا يَكُون إلَّا لِمَا هُوَ مُتَّصِفٌ بِذَلِكَ بِدُونِ أَمْرِ الشَّارعِ. وَالْأَشْعَرِيَّةُ ادَّعَوْا: أَنَّ جَمِيعَ الشَّرِيعَةِ مِن قِسْمِ الِامْتِحَانِ، وَأَنَّ الْأَفْعَالَ لَيْسَتْ لَهَا صِفَةٌ لَا قَبْلَ الشَّرْعِ وَلَا بِالشَّرْعِ. وَأَمَّا الْحُكَمَاءُ وَالْجُمْهُورُ فَأَثْبَتُوا الْأَقْسَامَ الثَّلَاثَةَ وَهُوَ الصَّوَابُ (١). [٨/ ٤٢٨ - ٤٣٦] * * * (إضَافَةُ المؤمن السَّيِّئَاتِ إلَى نَفْسِهِ، والْحَسَنَاتِ إلى ربَّه: هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَهُ) ٦٣٤ - يَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ الْعَبْدُ أَنَّ عَمَلَهُ مِن الْحَسَنَاتِ هُوَ بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ وَمِن نِعْمَتِهِ؛ كَمَا قَالَ أَهْلُ الْجَنَّةِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧]. وَكَذَلِكَ إضَافَةُ السَّيِّئَاتِ إلَى نَفْسِهِ: هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَهُ، مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ اللهَ خَالِقُ كُلِّ مَوْجُودٍ مِن الْأَعْيَانِ وَالصِّفَاتِ وَالْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ؛ كَمَا قَالَ آدَمَ: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وَقَالَ مُوسَى: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦].

стр. 675

كَذَلِكَ فِي سَيِّدِ الِاسْتِغْفَارِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١) وَغَيْرُهُ (٢) عَن شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إلَهَ إلا أَنْتَ، خَلَقْتَنِى وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِن شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا أَنْتَ، مَن قَالَهَا إذَا أَصْبَحَ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِن يَوْمِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَن قَالَهَا إذَا أَمْسَى مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِن لَيْلَتِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ". قَوْلُهُ: "أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ": يَتَنَاوَلُ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ مِن الْحَسَنَاتِ وَغَيْرِهَا. وَقَوْلُهُ: "وَأَبُوءُ بِذَنْبِي": اعْتِرَافٌ مِنْهُ بِذَنْبِهِ. [٨/ ٤٤٢ - ٤٤٤] وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ هِيَ طَرِيقَةُ الْمُؤْمِنِينَ. ٦٣٥ - قوله ﵇: "سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللَّهُمَّ أنت ربي لا إله إلّا أنتَ": قد اشتمل هذا الحديثُ من المعارف الجليلة ما استحق لأجلها أن يكون سيد الاستغفار، فإنه صدَّرَه باعترافِ العبدِ بربوبية الله، ثم ثنَّاها بتوحيد الإلهية بقوله: "لا إله إلا أنت"، ثمَّ ذكر اعترافَه بأن الله هو الذي خلقَه وأوجدَه ولم يكن شيئًا، فهو حقيقٌ بان يتولَّى تمامَ الإحسان إليه بمغفرةِ ذنوبه، كما ابتدأ الإحسانَ إليه بخلقه. ثمَّ قال: "وأنا عبدك"، اعترفَ له بالعبودية، فإنّ الله تعالى خلقَ ابنَ آدم لنفسه ولعبادتِه. فالعبد إذا خَرَج عما خلقه الله له من طاعتِه ومعرفتِه ومحبتِه والإنابةِ إليه والتوكُلِ عليه: فقد أبقَ من سيِّدِه، فإذا تاب إليه ورَجَع إليه فقد راجعَ ما يُحِبه الله منه، فيفرح الله بهذه المراجعة.

стр. 676

وقوله: "ما استطعتُ"؛ أي: إنما أقومُ بذلك بحسب استطاعتي، لا بحسب ما ينبغي لك وتستحقه علي. ثمَّ قال: "أبوء بنعمتك عليَّ؛ أي: أعترفُ بأمر كذا؛ أي: أُقِرُّ به؛ أي: فأنا معترفٌ لك بإنعامك عليَّ، وأنتَ أهلٌ لأن تُحمَد، وأستغفرك لذنوبي. ومتى شَهِدَ العبدُ هذين الأمرين استقامتْ له العبودية، وتَرقَّى في درجاتِ المعرفةِ والإيمان، وتصاغرتْ إليه نفسُه، وتواضَعَ لربِّه. [المجموعات العليّة ١/ ٥٤ - ٥٩] * * * (لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَنْقُلَ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ أَمَرَ أَبَا لَهَبٍ أَنْ يُصَدِّقَ بنُزُولِ ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣)﴾) ٦٣٦ - أَمَّا تَكلِيفُ أَبِي لَهَبٍ وَغَيْرِهِ بِالْإِيمَانِ: فَهَذَا حَقٌّ وَهُوَ إذَا أُمِرَ أَنْ يُصَدِّقَ الرَّسُولَ فِي كلِّ مَا يَقُولُهُ، وَأَخْبَرَ مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُصَدِّقُهُ؛ بَل يَمُوتُ كَافِرًا: لَمْ يَكُن هَذَا مُتَنَاقِضًا، وَلَا هُوَ مَأْمُورٌ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، فَإِنَّهُ مَأْمُورٌ بِتَصْدِيقِ الرَّسُولِ فِي كلِّ مَا بَلَّغَ، وَهَذَا التَّصْدِيقُ لَا يَصْدُرُ مِنْهُ. فَإِذَا قِيلَ لَهُ: أَمَرْنَاكَ بِأَمْر وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّكَ لَا تَفْعَلُهُ: لَمْ يَكُن هَذَا تَكْلِيفًا لِلْجَمْعِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ. وَهَذَا كُلُّهُ لَو قُدِّرَ أَنَّ أَبَا لَهَبٍ أُسْمِعَ هَذِهِ الْآيَةَ - ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣)﴾ [المسد: ٣]- وَأُمِرَ بِالتَّصْدِيقِ بِهَا، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ. بَل لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَنْقُلَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إمَرَ أَبَا لَهَبٍ أَنْ يُصَدِّقَ بِنُزُولِ هَذِهِ. [٨/ ٤٧٢ - ٤٧٣] * * * (مَذْهَبُ الْفُقَهَاءِ: أَنَّ السَّبَبَ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي مُسَبَّبِهِ، لَيْسَ عَلَامَةً مَحْضَةً) ٦٣٧ - مَذْهَبُ الْفُقَهَاءِ: أَنَّ السَّبَبَ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي مُسَبَّبِهِ، لَيْسَ عَلَامَةً مَحْضَةً، وَإِنَّمَا يَقُولُ: إنَّهُ عَلَامَةٌ مَحْضَةٌ طَائِفَةٌ مِن أَهْلِ الْكَلَامِ الَّذِينَ بَنَوْا عَلَى قَوْلِ جَهْمٍ،

стр. 677

وَقَد يُطْلِقُ مَا يُطْلِقُونَهُ طَائِفَةٌ مِن الْفُقَهَاءِ، وَجُمْهُورُ مَن يُطْلِقُ ذَلِكَ مِن الْفُقَهَاءِ يَتَنَاقَضُونَ: تَارَةً يَقُولُونَ بِقَوْلِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ، وَتَارَةً يَقُولُونَ بِقَوْلِ هَؤُلَاءِ. [٨/ ٤٨٥] * * * (معنى قَوْله تَعَالَي: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾) ٦٣٨ - قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير: ٢٩] لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ بفَاعِل لِفِعْلِهِ الِاخْتِيَارِيّ، وَلَا أَنَّهُ لَيْسَ بِقَادِر عَلَيْهِ، وَلَا أَنَّهُ لَيْسَ بِمُرِيدِ؛ بَل يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَشَاؤُهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ، وَهَذِهِ الْآيَةُ رَدٌّ عَلَى الطَّائِفَتَيْنِ: الْمُجْبِرَةِ الْجَهْمِيَّة، وَالْمُعْتَزِلَةِ الْقَدَرِّيَةِ؛ فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨)﴾ [التكوير: ٢٨] فَأَثْبَتَ لِلْعَبْدِ مَشِيئَةً وَفِعْلًا، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ فَبَيَّنَ أَنَّ مَشِيئَةَ الْعَبْدِ مُعَلَّقَةٌ بِمَشِيئَةِ اللهِ. وَالْأُولَى رَدٌّ عَلَى الْجَبْرِيَّةِ، وَهَذِهِ رَدٌّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: قَد يَشَاءُ الْعَبْدُ مَا لَا يَشَاؤُهُ اللهُ (١). [٨/ ٤٨٨] * * *

стр. 678

(معني قوله تعالى: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ [البقرة: ١٤٣]) ٦٣٩ - قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وَقَوْلُهُ: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (١٢)﴾ [الكهف: ١٢] وَنَحْوُ ذَلِكَ: هَذَا هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْلُومِ بَعْدَ وُجُودِهِ، وَهُوَ الْعِلْمُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْمَدْحُ وَالذَّمُّ، وَالثَّوَابُ وَالْعِقَابُ. وَالْأَوَّلُ: هوَ الْعِلْمُ بِأَنَّهُ سَيَكُونُ، وَمُجَرَّدُ ذَلِكَ الْعِلْمِ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَدْحٌ وَلَا ذَمٌّ، وَلَا ثَوَابٌ وَلَا عِقَابٌ، فَإِنَّ هَذَا إنَّمَا يَكُون بَعْدَ وُجُودِ الْأَفْعَالِ. وَقَد روِيَ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذَا: لِنَرَى. وَكَذَلِكَ الْمُفَسِّرُونَ قَالُوا: لِنَعْلَمَهُ مَوْجُودًا بَعْدَ أَنْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ سَيَكُونُ. وَهَذَا الْمُتَجَدِّدُ فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ لِلنُّظَّارِ: مِنْهُم مَن يَقُولُ: الْمُتَجَدِّدُ هُوَ نِسْبَةٌ وَإِضَافَةٌ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْمَعْلُومِ فَقَطْ، وَتِلْكَ نِسْبَةٌ عَدَمِيَّةٌ.

стр. 679

وَعَامَّةُ السَّلَفِ وَأَئِمَّةُ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْمُتَجَدِّدَ أَمْرٌ ثُبُوتِيٌّ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ النَّصُّ، وَهَذَا مِمَّا هَجَرَ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ الْحَارِثَ الْمُحَاسِبِيَّ عَلَى نَفْيِهِ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ بِقَوْلِ ابْنِ كُلَّابٍ .. فَخَالَفَ مِن نُصُوصِ الْكتَابِ وَالسُّنَةِ وَآثَارِ السَّلَفِ مَا أَوْجَبَ ظُهُورَ بِدْعَةٍ اقْتَضَتْ أَنْ يَهْجُرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَد وَيُحَذِّرَ مِنْهُ. [٨/ ٤٩٦ - ٤٩٧] * * * (الْأَجَلُ أَجَلَانِ: مُطْلَقٌ وَمقَيَّدٌ) ٦٤٠ - الْأَجَلُ أَجَلَانَ: أَجَلٌ مُطْلَقٌ يَعْلَمُهُ اللهُ، وَأَجَل مقَيَّد، وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : "مَن سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ" (١)؛ فَإِنَّ اللهَ أمَرَ الْمَلَكَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ أَجَلًا وَقَالَ: "إنْ وَصَلَ رَحِمَهُ زِدْتهُ كَدَا وَكَذَا"، وَالْمَلَكُ لَا يَعْلَمُ أَيَزْدَادُ أَمْ لَا، لَكِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ الْأَمْرُ، فَإِذَا جَاءَ ذَلِكَ لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ. [٨/ ٥١٧] * * * (الرِّزْقُ نَوْعَانِ) ٦٤١ - الرِّزْقُ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا عَلِمَهُ الله أَنَّهُ يَرْزُقُهُ: فَهَذَا لَا يَتَغَيَّرُ. وَالثَّانِي: مَا كَتَبَهُ وَأَعْلَمَ بِهِ الْمَلَائِكَةَ: فَهَذَا يَزِيدُ وَيَنْقُصُ بِحَسَبِ الْأَسْبَابِ؛ فَإِنَّ الْعَبْدَ يَأْمُرُ اللهُ الْمَلَائِكَةَ أَنْ تَكْتُبَ لَهُ رِزْقًا، وَإِن وَصَلَ رَحِمَهُ زَادَهُ اللهُ عَلَى ذَلِكَ، كَمَا ثَبَتَ فِي "الصَّحِيح" عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَن سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ في رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ في أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ" (٢). وَمِن هَذَا الْبَابِ قَوْلُ عُمَرَ: "اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِي شَقِيًّا فَامْحُنِي وَاكْتُبْنِي سَعِيدًا؛ فَإِنَّكَ تَمْحُو مَا تَشَاءُ وَتُثْبِتُ".

стр. 680

وَمِن هَذَا الْبَابِ قَوْله تَعَالَى عَن نُوحٍ: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [نوح: ٣، ٤]. وَشَوَاهِدُهُ كَثِيرَةٌ. وَالأَسْبَابُ الَّتِي يَحْصُل بِهَا الرِّزْقُ هِيَ مِن جُمْلَةِ مَا قَدَّرَهُ اللهُ وَكَتَبَهُ: - فَإِنْ كَانَ قَد تَقَدَّمَ بِأَنَّهُ يَرْزُقُ الْعَبْدَ بِسَعْيِهِ وَاكْتِسَابِهِ: أَلْهَمَهُ السَّعْيَ وَالِاكْتِسَابَ، وَذَلِكَ الَّذِي قَدَّرَهُ لَهُ بِالِاكْتِسَابِ لَا يَحْصُلُ بِدُونِ الِاكْتِسَابِ. - وَمَا قَدَّرَهُ لَهُ بِغَيْرِ اكْتِسَابٍ؛ كَمَوْتِ مَوْرُوثهِ يَأْتِيهِ بِهِ بِغَيْرِ اكْتِسَابٍ. وَالسَّعْيُ سعيان: أ- سَعْيٌ فِيمَا نُصِبَ لِلرِّزْقِ؛ كَالصِّنَاعَةِ وَالزِّرَاعَةِ وَالتِّجَارَةِ. ب- وَسَعْيٌ بِالدُّعَاءِ وَالتَّوَكُّلِ وَالْإِحْسَانِ إلَى الْخَلْقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ اللهَ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ. [٨/ ٥٤٠ - ٥٤١] * * * (الرِّزْقُ يُرَادُ بِهِ شَيْئَانِ) ٦٤٢ - الرِّزْقُ يُرَادُ بِهِ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْعَبْدُ. وَالثَّانِي: مَا يَمْلِكُهُ الْعَبْدُ، فَهَذَا الثَّانِي هُوَ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ [البقرة: ٣]، وَقَوْلِهِ: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [المنافقون: ١٠]، وَهَذَا هُوَ الْحَلَالُ الَّذِي مَلَّكَهُ اللهُ إيَّاهُ. وَأمّا الْأوَّلُ: فَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، وَقَوْلِهِ ﷺ : "إنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا" (١) وَنَحْوِ ذَلِكَ.

стр. 681

وَالْعَبْدُ قَد يَأْكُلُ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ، فَهُوَ رِزْقٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، لَا بِالِاعْتِبَارِ الثَّانِي. وَمَا اكْتَسَبَهُ وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ: هُوَ رِزْقٌ بِالِاعْتِبَارِ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ. فَإِنَّ هَذَا فِي الْحَقِيقَةِ مَالُ وَارِثهِ لَا مَالُهُ. [٨/ ٥٤١] * * * (الردُّ على زعم الغزالي عدم مشروعية طلب الرزق) ٦٤٣ - وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَحْمَد ابْنُ تَيْمِيَّة -قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ-: عَمَّا قَالَهُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ -فِي كِتَابِهِ الْمَعْرُوفِ بـ"مِنْهَاجِ الْعَابِدِينَ" فِي زَادِ الْآخِرَةِ مِن الْعَقَبَةِ الرَّابِعَةِ: وَهِيَ الْعَوَارِضُ بَعْدَ كَلَامٍ تَقَدَّمَ فِي التَّوَكُّلِ بِأَنَّ الرِّزْقَ مَضْمُونٌ - قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: هَل يَلْزَمُ الْعَبْدَ طَلَبُ الرِّزْقِ بِحَال؟ فَاعْلَمْ أَنَّ الرِّزْقَ الْمَضْمُونَ هُوَ الْغِذَاءُ وَالْقِوَامُ، فَلَا يُمْكِنُ طَلَبُهُ؛ إذ هُوَ شَيْءٌ مِن فِعْلِ اللهِ بِالْعَبْدِ؛ كَالْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ، لَا يَقْدِرُ الْعَبْدُ عَلَى تَحْصِيلِهِ وَلَا دَفْعِهِ. وَأَمَّا الْمَقْسُومُ مِن الْأَسْبَابِ فَلَا يَلْزَمُ الْعَبْدَ طَلَبُهُ؛ إذ لَا حَاجَةَ لِلْعَبْدِ إلَى ذَلِكَ. فَأَجَابَ ﵁: هَذَا الَّذِي ذَكَرَة أَبُو حَامِدٍ قَد ذَهَبَ إلَيْهِ طَائِفَةٌ مِن النَّاسِ، وَلَكِنْ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَجُمْهُورُهُم عَلَى خِلَافِ هَذَا، وَأَنَّ الْكَسْبَ يَكُونُ وَاجِبًا تَارَة، وَمُسْتَحَبًّا تَارَةً، وَمَكْرُوهًا تَارَةً، وَمُبَاحًا تَارَةً، وَمُحَرَّمًا تَارَةً. فَلَا يَجُوزُ إطْلَاقُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُن مِنْهُ شَيْءٌ وَاجِبٌ، كَمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إطْلَاقُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ شَيْءٌ مُحَرَّمٌ. وَالسَّبَبُ الَّذِي أُمِرَ الْعَبْدُ بِهِ أَمْرَ إيجَابٍ أَو أَمْرَ اسْتِحْبَابٍ: هُوَ عِبَادَةُ اللهِ وَطَاعَتُهُ لَهُ وَلرَسُولِهِ.

стр. 682

وَاللهُ فَرَضَ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَيَتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]. وَلهَذَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مَا احْتَاجَ تَقِيٌّ قَطُّ. يَقولُ: إنَّ اللهَ ضَمِنَ لِلْمُتَّقِينَ أَنْ يَجْعَلَ لَهُم مَخْرَجًا مِمَّا يَضِيقُ عَلَى النَّاسِ، وَأنْ يَرْزُقَهُم مِن حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُونَ، فَيَدْفَعُ عَنْهُم مَا يَضُرُّهُمْ، وَيَجْلِبُ لَهُم مَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ. فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ: دَلَّ عَلَى أَنَّ فِي التَّقْوَى خَلَلًا، فَلْيَسْتَغْفِرْ اللهَ وَلْيَتُبْ إلَيْهِ. وَالْمَقْصُودُ: أنَّ اللهَ لَمْ يَأْمُرْ بِالتَّوَكُّلِ فَقَطْ؛ بَل أَمَرَ مَعَ التَّوَكُّلِ بِعِبَادَتِهِ وَتَقْوَاهُ الَّتِي تَتَضَمَّنُ فِعْلَ مَا أَمَرَ، وَتَرْكَ مَا حَذَّرَ، فَمَن ظَنَّ أَنَّهُ يُرْضِي رَبَّهُ بِالتَّوَكُّلِ بِدُونِ فِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ كَانَ ضَالًّا، كَمَا أَنَّ مَن ظَنَّ أَنَّهُ يَقُومُ بِمَا يَرْضَا اللهُ عَلَيْهِ دُونَ التَّوَكُّلِ كَانَ ضَالًّا؛ بَل فِعْلُ الْعِبَادَةِ الَّتي أَمَرَ اللهُ بِهَا فَرْضٌ. وَإِذَا أُطْلِقَ لَفْظُ الْعِبَادَةِ: دَخَلَ فِيهَا التَّوَكُّلُ، وَإِذَا قُرِنَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ: كَانَ لِلتَّوَكُّلِ اسْمٌ يَخُصُّهُ. وَأَمَّا مَن ظَنَّ أَنَّ التَّوَكُّلَ يُغْنِي عَن الْأَسْبَابِ الْمَأْمُورِ بِهَا: فَهُوَ ضَالٌّ، وَهَذَا كَمَن ظَنَّ أَنَّهُ يَتَوَكَّلُ عَلَى مَا قُدِّرَ عَلَيْهِ مِن السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ بِدُونِ أَنْ يَفْعَلَ مَا أَمَرَهُ اللهُ. فَعَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَكُونَ قَلْبُهُ مُعْتَمِدًا عَلَى اللهِ، لَا عَلَى سَبَبٍ مِن الْأَسْبَابِ، وَاللهُ يُيَسِّرُ لَهُ مِن الْأَسْبَابِ مَا يُصْلِحُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. فَإِنْ كَانَت الْأَسْبَابُ مَقْدُورَةً لَهُ وَهُوَ مَأْمُورٌ بِهَا: فَعَلَهَا مَعَ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ، كَمَا يُؤَدِّي الْفَرَائِضَ، وَكَمَا يُجَاهِدُ الْعَدُوَّ وَيَحْمِلُ السِّلَاحَ وَيَلْبَسُ جُنَّةَ الْحَرْبِ، وَلَا يَكْتَفِي فِي دَفْعِ الْعَدُوِّ عَلَى مُجَرَّدِ تَوَكُّلِهِ بِدُونِ أَنْ يَفْعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ مِن الْجِهَادِ.

стр. 683

وَمَن تَرك الْأَسْبَاب الْمَأْمُور بِهَا: فَهُوَ عَاجِزٌ مُفَرِّطٌ مَذْمُومٌ. وَمَا قَدَّرَهُ اللهُ بِالدُّعَاءِ وَالتَّوَكُّلِ وَالْكَسْبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن الْأَسْبَابِ: إذَا قَالَ الْقَائِلُ: فَلَو لَمْ يَكُن السَّبَبُ مَاذَا يَكُونُ؟ بِمَنْزِلَةِ مَن يَقولُ: هَذَا الْمَقْتُولُ لَو لَمْ يُقْتَلْ هَل كَانَ يَعِيشُ؟ وَقَد ظَنَّ بَعْضُ الْقَدَرَيَّةِ أَنَّهُ كَانَ يَعِيشُ. وَظَنَّ بَعْضُ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى السُّنَّةِ أَنَّهُ كَانَ يَمُوتُ. وَالصَّوَابُ: أَنَّ هَذَا تَقْدِيرٌ لِأَمْرٍ عَلِمَ اللهُ أَنَّهُ يَكُونُ، فَاللهُ قَدَّرَ مَوْتَهُ بِهَذَا السَّبَبِ، فَلَا يَمُوتُ إلَّا بِهِ، كَمَا قَدَّرَ اللهُ سَعَادَةَ هَذَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِعِبَادَتِهِ وَدُعَائِهِ وَتَوَكُّلِهِ وَعَمَلِهِ الصَّالِحِ وَكَسْبِهِ، فَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِهِ. وَإِذَا قُدِّرَ عَدَمُ هَذَا السَّبَبِ: لَمْ يُعْلَمْ مَا يَكُونُ الْمُقَدَّرُ. وَبِتَقْدِيرِ عَدَمِهِ: فَقَد يَكُونُ الْمُقَدَّرُ حِينَئِذٍ أَنَّهُ يَمُوتُ، وَقَد يَكُونُ الْمُقَدَّرُ أَنَّهُ يَحْيَا (١)، وَالْجَزْمُ بِأَحَدِهِمَا خَطَأٌ. وَلَو قَالَ الْقَائِلُ: أَنَا لَا آكُلُ وَلَا أَشْرَبُ، فَإِنْ كَانَ اللهُ قَدَّرَ حَيَاتِي فَهُوَ يُحْيِينِي بِدُونِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ: كَانَ أَحْمَقَ، كَمَن قَالَ: أَنَا لَا أَطَأُ امْرَأَتِي فَإِنْ كَانَ اللهُ قَدَّرَ لِي وَلَدًا تَحْمِلُ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ. فَإِذَا عُرِفَ ذَلِكَ: فَمِن الْكَسْبِ مَا يَكُونُ وَاجِبًا؛ مِثْل الرَّجُلِ الْمُحْتَاجِ إلَى نَفَقَتِهِ عَلَى نَفْسِهِ، أَو عِيَالِهِ، أَو قَضَاءِ دَيْنِهِ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْكَسْبِ، وَلَيْسَ هُوَ

стр. 684

مَشْغُولًا بِأَمْر أَمَرَهُ اللهُ بِهِ هُوَ أَفْضَلُ عِنْدَ اللهِ مِن الْكَسْبِ، فَهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْكَسْبُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَإِذَا تَرَكَهُ كَانَ عَاصِيًا آثِمًا. وَمِنْهُ مَا يَكُونُ مُسْتَحَبًّا: مِثْل هَذَا إذَا اكْتَسَبَ مَا يَتَصَدَّقُ بِهِ. وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالْأَوْلِيَاءَ لَمْ يَطْلُبُوا رِزْقًا. فَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؛ بَل عَامَّةُ الْأَنْبِيَاءِ كَانُوا يَفْعَلُونَ أَسْبَابًا يَحْصُلُ بِهَا الرِّزْقُ .. وَقَد ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" قَوْلُهُ ﷺ : "إنَّ أفضَلَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِن كسْبِهِ" (١). وَكَانَ دَاوُد يَأْكُلُ مِن كَسْبِهِ، وَكَانَ يَصْنَعُ الدُّرُوعَ، وَكَانَ زَكَرِيَّا نَجَّارًا، وَكَانَ الْخَلِيلُ لَهُ مَاشِيَةٌ كَثِيرَةٌ، حَتَّى إنَّهُ كَانَ يُقَدِّمُ لِلضَّيْفِ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُهُم عِجْلًا سَمِينًا، وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ مَعَ الْيَسَارِ. وَخِيَارُ الْأَوْليَاءِ الْمُتَوَكِّلِينَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ .. وَكَانَ عَامَّتُهُم يَرْزُقهُم اللهُ بِأَسْبَاب يَفْعَلُونَهَا. [٨/ ٥٢٤ - ٥٣٧] * * * (مِعني قَوْلِ الشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِر: نَازَعْت أَقْدَارَ الْحَقِّ بِالْحَقِّ لِلْحَقِّ) ٦٤٤ - سُئِلَ الشَّيْخُ ﵀: عَن قَوْلِ الشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ: نَازَعْت أَقْدَارَ الْحَقِّ بِالْحَقِّ لِلْحَقِّ. فَأَجَابَ: جَمِيعُ الْحَوَادِثِ كَائِنَةٌ بِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ، وَقَد أَمَرَنَا اللهُ سُبْحَانَهُ أَنْ نُزِيلَ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَنُزِيلَ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ، وَالْبِدْعَةَ بِالسُّنَّةِ،

стр. 685

وَالْمَعْصِيَةَ بِالطَّاعَةِ مِن أَنْفُسِنَا وَمِن عِنْدِنَا، فَكُلُّ مَن كَفَرَ أَو فَسَقَ أَو عَصَى فَعَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَ، وَإِن كَانَ ذَلِكَ بِقَدَرِ اللهِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَأْمُرَ غَيْرَهُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُ عَن الْمُنْكَرِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَيُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَإِن كَانَ مَا يَعْمَلُهُ مِن الْمُنْكَرِ وَالْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ بِقَدَرِ اللهِ، لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَدَعَ السَّعْيَ فِيمَا يَنْفَعُهُ اللهُ بِهِ مُتَّكِلًا عَلَى الْقَدَرِ. فَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ ﵀ هُوَ الَّذِي أَمَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ. [٨/ ٥٤٧ - ٥٤٨] * * * (صحة عبارة: أَبْرَأُ مِن الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ إلَّا إلَيْهِ) ٦٤٥ - وَسُئِلَ: عَن قَوْلِ الْخَطِيبِ بْنِ نباتة: أَبْرَأُ مِن الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ إلَّا إلَيْهِ، فَأَنْكَرَ بَعْضُ النَّاسِ عَلَيْهِ وَقَالَ: مَا يَصِحُّ ذَلِكَ إلَّا بِحَذْفِ الِاسْتِثْنَاءِ، بِأَنْ تَقُولَ: أَبْرَأُ مِن الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ إلَيْهِ .. فَهَل أَصَابَ الْمُنْكِرُ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: مَا ذَكَرَ الْخَطِيبُ صَحِيحٌ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى الَّذِي قَصَدَهُ، وَمَا ذَكَرَهُ الْآخَرُ مِن حَذْفِ الِاسْتِثْنَاءِ لَهُ مَعْنًى آخَرُ صَحِيحٌ. فَإِنَّهُ إذَا قَالَ: بَرِئْتُ مِن الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ إلَيْهِ: كَانَ الْمَعْنَى: بَرِئْتُ إلَيْهِ مِن حَوْلِي وَقوَّتِي؛ أَيْ: مِن دَعْوَى حَوْلِي وَقُوَّتِي، كَمَا يُقَالُ: بَرِئْتُ إلَى فُلَانٍ مِن الدَّيْنِ، ذَكَرَهُ ثَعْلَبٌ فِي فَصِيحِهِ. وَالْمَعْنَى: بَرِئْتُ إلَيْهِ مِن هَذَا .. وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "اللَّهُمَّ إنِّي أَبْرَأُ إلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ" (١). وَالْخَطِيبُ لَمْ يُرِدْ هَذَا الْمَعْنَى؛ بَل أَرَادَ أَنَّهُ بَرِيءٌ مِن أَنْ يُلْجِئَ ظَهْرَهُ إلَّا إلَى اللهِ، وَيُفَوِّضَ أَمْرَهُ إلَّا إلَى اللهِ، وَيَتَوَجَّهَ فِي أَمْرِهِ إلَّا إلَى اللهِ، وَيَرْغَبَ فِي أَمْرِهِ إلَّا إلَى اللهِ.

стр. 686

فَمَعْنَى قَوْلِهِ: وَأَبْرَأُ مِن الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ إلَّا إلَيْهِ: أَبْرَأُ مِن أَنْ أُثْبِتَ لِغَيْرِهِ حَوْلًا وَقُوَّةً ألْتَجِئُ إلَيْهِ لِأَجْلِ ذَلِك. فَضُمِّنَ مَعْنَى الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ مَعْنَى الِالْتِجَاءِ، فَصَارَ التَّقْدِيرُ: أَبْرَأُ مِن الِالْتِجَاءِ إلَّا إلَيْهِ. وَعَلَى هَذَا الْحَالِ: فَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَعْنَى الِالْتِجَاءِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ، لَا مَعْنَى أَبْرَأَ، وَلَمَّا ظَنَّ الْمُنْكِرُ عَلَى الْخَطِيبِ أنَّ الْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ مُتَعَلِّقٌ بِلَفْظِ أَبْرَأُ أَنْكَرَ الِاسْتِثْنَاءَ، وَلَو أَرَادَ الْخَطِيبُ هَذَا لَكَانَ حَذْفُ حَرْفِ الِاسْتِثْنَاءِ هُوَ الْوَاجِبَ، لَكِنْ لَمْ يُرِدْهُ؛ بَل أَرَادَ مَا لَا يَصِحُّ إلَّا مَعَ الِاسْتِثْنَاءِ. وَالِاسْتِثْنَاءُ مُفَرَّغٌ، فُرًغَ مَا قَبْلَ الِاسْتِثْنَاءِ لِمَا بَعْدَهُ، وَالْمُفَرَّغُ يَكُونُ مِن غَيْرِ الْمُوجَبِ لَفْظًا أَو مَعْنَى. [٨/ ٥٥١ - ٥٥٣] * * *

стр. 687

كتَابُ الْمَنْطِقِ (١) (فوائد من جواب الشيخ لسائلٍ عن المنطق وحُكم تعلمه) ٦٤٦ - أَمَّا الْمَنْطِقُ: فَمَن قَالَ: إنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَأنَّ مَن لَيْسَ لَهُ بِهِ خِبْرَةٌ

стр. 688

فَلَيْسَ لَهُ ثِقَةٌ بِشَيْء مِن عُلُومِهِ: فَهَذَا الْقَوْلُ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةِ التَّعْدَادِ، مُشْتَمِل عَلَى أُمُورٍ فَاسِدَةٍ، وَدَعَاوَى بَاطِلَةٍ. بَل الْوَاقِعُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا: أَنَّك لَا تَجِدُ مَن يُلْزِمُ نَفْسَهُ أَنْ يَنْظُرَ فِي عُلُومِهِ بِهِ (١)، وَيُنَاظِرَ بِهِ إلَّا وَهُوَ فَاسِدُ النَّظَرِ وَالْمُنَاظَرَةِ، كَثِيرُ الْعَجْزِ عَن تَحْقِيقِ عِلْمِهِ وَبَيَانِهِ. فَأَحْسَنُ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ كَلَامُ الْمُتَكلِّمِ فِي هَذَا: أَنْ يَكُونَ قَد كَانَ هُوَ وَأَمْثَالُهُ فِي غَايَةِ الْجَهَالَةِ وَالضَّلَالَةِ، وَقَد فَقَدُوا أَسْبَابَ الْهُدَى كُلَّهَا، فَلَمْ يَجِدُوا مَا يَرُدُّهُم عَن تِلْكَ الْجَهَالَاتِ إلَّا بَعْضُ مَا فِي الْمَنْطِقِ مِن الْأُمُورِ الَّتِي هِيَ صَحِيحَةٌ، فَإِنَّهُ بِسَبَبِ بَعْضِ ذَلِكَ رَجَعَ كَثِيرٌ مِن هَؤُلَاءِ عَن بَعْضِ بَاطِلِهِمْ، وَإِن لَمْ يَحْصُلْ لَهُم حَقٌّ يَنْفَعُهُمْ، وَإِن وَقَعُوا فِي بَاطِلٍ آخَرَ. وَمَعَ هَذَا فَلَا يَصِحُّ نِسْبَةُ وُجُوبِهِ إلَى شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ بِوَجْهِ مِن الْوُجُوهِ؛ إذ مَن هَذِهِ حَالُهُ فَإِنَّمَا أُتي مِن نَفْسِهِ بِتَرْكِ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ مِن الْحَقِّ حَتَّى احْتَاجَ إلَى الْبَاطِلِ. وَلهَذَا مَا زَالَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ وَأَئِمَّةُ الدِّينِ يَذُمُّونَهُ وَيَذُمُّونَ أَهْلَهُ وَيَنْهَوْنَ عَنْهُ وَعَن أَهْلِهِ. [٩/ ٥ - ٦] ٦٤٧ - مِن الْمَعْلُومِ أَنَّ الْأُمُورَ الدَّقِيقَةَ: سَوَاءٌ كَانَت حَقًّا أَو بَاطِلًا، إيمَانًا أَو كُفْرًا: لَا تُعْلَمُ إلَّا بِذَكَاء وَفِطْنَةٍ، فَكَذَلِكَ أَهْلُهُ (٢) قَد يستجهلون مَن لَمْ يَشْركْهُم فِي عِلْمِهِمْ، وَإِن كَانَ إيمَانُهُ أَحْسَنَ مِن إيمَانِهِمْ إذَا كَانَ فِيهِ قُصُورٌ فِي

стр. 689

الذَّكَاءِ وَالْبَيَانِ، وَهُم كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (٣٢) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (٣٣) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣٦]. [٩/ ٧] ٦٤٨ - الْقِيَاسُ يَنْعَقِدُ فِي نَفْسِهِ بِدُونِ تَعَلُّمِ هَذ الصِّنَاعَةِ (١)، كَمَا يَنْطِقُ الْعَرَبِيُّ بِالْعَرَبِيَّةِ بِدُونِ النَّحْوِ، وَكَمَا يَقْرِضُ الشَّاعِرُ الشِّعْرَ بِدُونِ مَعْرِفَةِ الْعَرُوضِ. لَكِنَّ اسْتِغْنَاءَ بَعْضِ النَّاسِ عَن هَذِهِ الْمَوَازِينِ لَا يُوجِبُ اسْتِغْنَاءَ الْآخَرِينَ (٢)؛ فَاسْتِغْنَاءُ كَثِيرٍ مِن النُّفُوسِ عَن هَذِهِ الصِّنَاعَةِ لَا يُنَازِعُ فِيهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ. [٩/ ٩] ٦٤٩ - لَا تَجِدُ أَحَدًا مِن أَهْلِ الْأَرْضِ حَقَّقَ عِلْمًا مِن الْعُلُومِ وَصَارَ إمَامًا فِيهِ مُسْتَعِينًا بِصِنَاعَةِ الْمَنْطِقِ، لَا مِن الْغلُومِ الدِّينِيَّةِ وَلَا غَيْرِهَا؛ فَالْأَطِبَّاءُ والحساب وَالْكُتَّابُ وَنَحْوُهُم يُحَقِّقُونَ مَا يُحَقِّقُونَ مِن عُلُومِهِمْ وَصِنَاعَاتِهِمْ بِغَيْرِ صِنَاعَةِ الْمَنْطِقِ. [٩/ ٢٣] ٦٥٠ - لَا يُنْكَرُ أَنَّ فِي الْمَنْطِقِ مَا قَد يَسْتَفِيدُ بِبَعْضِهِ مَن كَانَ فِي كُفْرٍ وَضَلَالٍ وَتَقْلِيدٍ مِمَن نَشَأَ بَيْنَهُم مِن الْجُهَّالِ؛ كَعَوَامِّ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ وَالرَّافِضَةِ وَنَحْوِهِمْ، فَأَوْرَثَهُم الْمَنْطِقُ تَرْكَ مَا عَلَيْهِ أُولَئِكَ مِن تِلْكَ الْعَقَائِدِ. وَلَكِنْ يَصِيرُ غَالِبُ هَؤُلَاءِ مُدَاهِنِينَ لِعَوَامِّهِمْ، مُضِلِّينَ لَهُم عَن سَبِيلِ اللهِ،

стр. 690

أَو يَصِيرُونَ مُنَافِقِينَ زَنَادِقَةً، لَا يُقِرُّونَ بِحَقٍّ وَلَا بِبَاطِل؛ بَل يَتْرُكُونَ الْحَقَّ كَمَا تَرَكُوا الْبَاطِلَ (١). [٩/ ٢٤] ٦٥١ - مَا يَحْصُلُ بِهِ لِبَعْضِ النَّاسِ مِن شَحْذِ ذِهْنٍ أَو رُجُوعٍ عَن بَاطِلٍ أَو تَعْبِيرٍ عَن حَقٍّ: فَإِنَّمَا هُوَ لِكَوْنِهِ كَانَ فِي أَسْوَأِ حَالٍ لَا لِمَا فِي صِنَاعَةِ الْمَنْطِقِ مِن الْكَمَالِ. وَمِن الْمَعْلُومِ: أَنَّ الْمُشْرِكَ إذَا تَمَجَّسَ، وَالْمَجُوسِيَّ إذَا تَهَوَّدَ: حَسُنَتْ حَالُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا كَانَ فِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ، لَكِنْ لَا يَصْلُحُ أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ عُمْدَةً لِأَهْلِ الْحَقِّ الْمُبِينِ. وَهَذَا لَيْسَ مُخْتَصًّا بِهِ؛ بَل هَذَا شَأْنُ كُلِّ مَن نَظَرَ فِي الْأمُورِ الَّتِي فِيهَا دِقَّةٌ وَلَهَا نَوْعُ إحَاطَةٍ، كَمَا تَجِدُ ذَلِكَ فِي عِلْمِ النَّحْوِ، فَإِنَّهُ مِن الْمَعْلُومِ أنَّ لِأَهْلِهِ مِن التَّحْقِيقِ وَالتَّدْقِيقِ وَالتَّقْسِيمِ وَالتَّحْدِيدِ مَا لَيْسَ لِأَهْلِ الْمَنْطِقِ، وَأَنَّ أَهْلَهُ يَتَكلَّمُونَ فِي صُورَةِ الْمَعَانِي الْمَعْقُولَةِ عَلَى أَكْمَلِ الْقَوَاعِدِ. فَالْمَعَانِي فِطْرِيَّةٌ عَقْلِيَّةٌ لَا تَحْتَاجُ إلَى وَضْعٍ خَاصٍّ، بِخِلَافِ قَوَالِبِهَا الَّتِي هِيَ الْأَلْفَاظُ فَإِنَّهَا تَتَنَوَّعُ، فَمَتَى تَعَلَّمُوا أَكْمَلَ الصُّوَرِ وَالْقَوَالِبِ لِلْمَعَانِي مَعَ الْفِطْرَةِ الصَّحِيحَةِ: كَانَ ذَلِكَ أَكْمَلَ وَأنْفَعَ وَأَعْوَنَ عَلَى تَحْقِيقِ الْعُلُومِ مِن صِنَاعَةِ اصْطِلَاحِيَّةٍ فِي أُمُورٍ فِطْرِيَّةٍ عَقْلِيَّةٍ لَا يُحْتَاجُ فِيهَا إلَى اصْطِلَاحٍ خَاصٍّ. [٩/ ٢٥]

стр. 691

٦٥٢ - تَجِدُ الَّذِينَ اتَّصَلَتْ إلَيْهِم عُلُومُ الْأَوَائِلِ فَصَاغُوهَا بِالصِّيغَةِ الْعَرَبِيَّةِ بِعُقُولِ الْمُسْلِمِينَ جَاءَ فِيهَا مِن الْكَمَالِ وَالتَّحْقِيقِ وَالْإِحَاطَةِ وَالِاخْتِصَارِ مَا لَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ الْأَوَائِلِ (١)، وَإِن كَانَ فِي هَؤُلَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ مَن فِيهِ نِفَاقٌ وَضَلَالٌ، لَكِنْ عَادَتْ عَلَيْهِم فِي الْجُمْلَةِ بَرَكَةُ مَا بُعِثَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِن جَوَامِعِ الْكَلِمِ، وَمَا أُوتِيَتْهُ أُمَّتُهُ مِن الْعِلْمِ وَالْبَيَانِ الَّذِي لَمْ يُشْرِكْهَا فِيهِ أَحَدٌ. [٩/ ٢٦] ٦٥٣ - إِنَّ صِنَاعَةَ الْمَنْطِقِ وَضَعَهَا مُعَلِّمُهُم الْأَوَّلُ: أَرِسْطُو صَاحِبُ التَّعَالِيمِ. [٩/ ٢٦] ٦٥٤ - كَانَ رُؤُوسُهُم الْمُتَقَدِّمُونَ والمتأخرون يَأْمُرُونَ بِالشِّرْكِ؛ فَالْأَوَّلُونَ يُسَمُّونَ الْكَوَاكِبَ الْآلِهَةَ الصُّغْرَى، وَيَعْبُدُونَهَا بِأَصْنَافِ الْعِبَادَاتِ، كَذَلِكَ كَانُوا فِي مِلَّةِ الْإِسْلَامِ لَا يَنْهَوْنَ عَن الشِّرْكِ وَيُوجِبُونَ التَّوْحِيدَ؛ بَل يُسَوِّغُونَ الشِّرْكَ أَو يَأْمُرُونَ بِهِ أَو لَا يُوجِبُونَ التَّوْحِيدَ. وَقَد أَضَلُّوا بِشُبُهَاتِهِمْ مِن الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْمِلَلِ مَن لَا يُحْصِي عَدَدَهُ إلَّا اللهُ. فَإِذَا كَانَ مَا بِهِ تَحْصُلُ السَّعَادَةُ وَالنَّجَاةُ مِن الشَّقَاوَةِ لَيْسَ عِنْدَهُم أَصْلًا: كَانَ مَا يَأْمُرُونَ بِهِ مِن الْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ وَالسِّيَاسَاتِ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ [الروم: ٧]. [٩/ ٣٤ - ٣٦] ٦٥٥ - لَا ريبَ أَنَّ كَلَامَهُم كُلَّهُ مُنْحَصِرٌ فِي الْحُدُودِ الَّتِي تُفِيدُ التَّصَوُّرَاتِ، سَوَاءٌ كَانَت الْحُدُودُ حَقِيقِيَّةً أَو رَسْمِيَّةً أَو لَفْظِيَّةً، وَفِي الْأَقْيِسَةِ الَّتِي تُفِيدُ التَّصْدِيقَاتِ، سَوَاءٌ كَانَت أَقْيِسَةَ عُمُومٍ وَشُمُولٍ، أَو شِبْهٍ وَتَمْثِيلٍ، أَو اسْتِقْرَاءٍ وَتتَبُّعٍ.

стр. 692

وَكَلَامُهُم غَالِبُهُ لَا يَخْلُو مِن تَكَلُّفٍ: إمَّا فِي الْعِلْمِ، وَإِمَّا فِي الْقَوْلِ. [٩/ ٤٢] * * * (ذمُّ تكلف الحدود في العلوم) ٦٥٦ - إنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ بِالْحُدُودَ طَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ فِي بَنِي آدَمَ، لَا سِيَّمَا الصِّنَاعَةُ الْمَنْطِقِيَّةُ. فَإِنَّ وَاضِعَهَا هُوَ أَرِسْطُو، وَسَلَكَ خَلْفَهُ فِيهَا طَائِفَةٌ مِن بَنِي آدَمَ. وَمِن الْمَعْلُومِ أَنَّ عُلُومَ بَنِي آدَمَ -عَامَّتِهِمْ وَخَاصَّتِهِمْ- حَاصِلَةٌ بِدُونِ ذَلِكَ. فَإِنَّ الْقُرُونَ الثَّلَاثَةَ مِن هَذِهِ الْأُمَّةِ- الَّذِينَ كَانُوا أَعْلَمَ بَنِي آدَمَ عُلُومًا وَمَعَارِفَ- لَمْ يَكُن تَكَلُّفُ هَذِهِ الْحُدُودِ مَن عَادَتِهِمْ؛ فَإِنَّهُم لَمْ يَبْتَدِعُوهَا، وَلَمْ تَكُن الْكُتُبُ الْأَعْجَمِيَّةُ الرُّومِيَّةُ عُرِّبَتْ لَهُمْ. وَإِنَّمَا حَدَثَتْ بَعْدَهُم مِن مُبْتَدِعَةِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْفَلَاسِفَةِ، وَمِن حِينِ حَدَثَتْ صَارَ بَيْنَهُم مِن الِاخْتِلَافِ وَالْجَهْلِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللهُ. وَكَذَلِكَ عِلْمُ الطِّبِّ والْحِسَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لَا تَجِدُ أَئِمَّةَ هَذِهِ الْعُلُومِ يَتَكَلَّفُونَ هَذِهِ الْحُدُودَ الْمُرَكَّبَةَ مِن الْجِنْسِ وَالْفَصْلِ إلَّا مَن خَلَطَ ذَلِكَ بِصِنَاعَتِهِمْ مَن أَهْلِ الْمَنْطِقِ. وَكَذَلِكَ النُّحَاةُ مِثْلُ سِيبَوَيْهِ الَّذِي لَيْسَ فِي الْعَالَمِ مِثْلُ كِتَابِهِ، وَفِيهِ حِكْمَةُ لِسَانِ الْعَرَبِ: لَمْ يَتَكَلَّفْ فِيهِ حَدَّ الِاسْمِ وَالْفَاعِلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ كَمَا فَعَلَ غَيْرُهُ. وَلَمَّا تَكَلَّفَ النُّحَاةُ حَدَّ الِاسْمِ ذَكَرُوا خدُودا كَثِيرَةً كُلّهَا مَطْعُونٌ فِيهَا عِنْدَهُمْ. وَكَذَلِكَ مَا تَكَلَّفَ مُتَأَخِّرُوهُم مِن حَدِّ الْفَاعِلِ وَالْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَمْ يُدْخلْ فِيهَا عِنْدَهُم مَن هُوَ إمَامٌ فِي الصِّنَاعَةِ وَلَا حَاذِقٌ فِيهَا. وَكَذَلِكَ الْحُدُودُ الَّتِي يَتَكَلَّفُهَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ لِلطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن مَعَانِي الْأَسْمَاءِ الْمُتَدَاوَلَةِ بَيْنَهُمْ.

стр. 693

وَكَذَلِكَ الْحُدُودُ الَّتِي يَتَكَلَّفُهَا النَّاظِرُونَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ لِمِثْل الْخَبَرِ وَالْقِيَاسِ وَالْعِلْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يُدْخلْ فِيهَا إلَّا مَن لَيْسَ بِإِمَامٍ فِي الْفَنِّ (١). [٩/ ٤٥ - ٤٦] * * * (فوائد من كتاب: الرد على المنطقيين) (٢) ٦٥٧ - كُنْت دَائِمًا أَعْلَمُ أَنَّ الْمَنْطِقَ الْيُونَانِيَّ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الذَّكِي وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْبَلِيدُ. وَلَكِنْ كُنْت أَحْسَبُ أَنَّ قَضَايَاهُ صَادِقَةٌ؛ لِمَا رَأَيْنَا مِن صِدْقِ كَثِيرٍ مِنْهَا، ثُمَّ تبَيَّنَ لِي فِيمَا بَعْدُ خَطَأُ طَائِفَةٍ مِن قَضَايَاهُ، وَكَتَبْت فِي ذَلِكَ شَيْئًا. وَلَمَّا كُنْت بالإسكندرية اجْتَمَعَ بِي مَن رَأَيْته يُعَظِّمُ الْمُتَفَلْسِفَةَ بِالتَّهْوِيلِ وَالتَّقْلِيدِ، فَذَكَرْت لَهُ بَعْضَ مَا يَسْتَحِقُّونَهُ مِن التَّجْهِيلِ وَالتَّضْلِيلِ. وَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنِّي كَتَبْت فِي قَعْدَةٍ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ مِن الْكَلَامِ عَلَى الْمَنْطِقِ مَا عَلَّقْته تِلْكَ السَّاعَةَ. وَلَمْ يَكُن ذَلِكَ مِن هِمَّتِي؛ لِأَنَّ هِمَّتِي كَانَت فِيمَا كَتَبْته عَلَيْهِم فِي الْإِلَهِيَّاتِ، وَتَبَيَّنَ لِي أَنَّ كَثِيرًا مِمَّا ذَكَرُوهُ فِي الْمَنْطِقِ هُوَ مِن أَصُوَلِ فَسَادِ قَوْلِهِمْ فِي الْإِلَهِيَّاتِ. [٩/ ٨٢] * * * (تحقيق القول في القياس العقلي والشمولي) ٦٥٨ - مَن قَالَ مِن مُتَأَخِّرِي أَهْلِ الْكَلَامِ وَالرَّأْي كَأَبِي الْمَعَالِي وَأَبِي حَامِدٍ وَالرَّازِي وَأَبِي مُحَمَّدٍ المقدسي وَغَيْرِهِمْ: مِن أَنًّ الْعَقْلِيَّاتِ لَيْسَ فِيهَا

стр. 694

قِيَاسٌ، وَإِنَّمَا الْقِيَاسُ فِي الشَّرْعِيَّاتِ، وَلَكِنَّ الِاعْتِمَادَ فِي الْعَقْلِيَّاتِ عَلَى الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى ذَلِكَ مُطْلَقًا: فَقَوْلُهُم مُخَالِفٌ لِقَوْلِ نُظَّارِ الْمُسْلِمِينَ؛ بَل وَسَائِرِ الْعُقَلَاءِ؛ فَاِنَّ الْقِيَاسَ يُسْتَدَلُّ بِهِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ كَمَا يُسْتَدَلُّ بِهِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ. [٩/ ١١٧] ٦٥٩ - تَنَازَعَ النَّاسُ فِي مُسَمَّى الْقِيَاسِ: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِن أَهْلِ الْأُصُولِ: هُوَ حَقِيقَةٌ فِي قِيَاسِ التَّمْثِيلِ (١) مَجَازٌ فِي قِيَاسِ الشُّمُولِ؛ كَأَبِي حَامِدٍ الْغَزَالِيِّ وَأَبِي حَامِدٍ المقدسي. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بَل هُوَ بِالْعَكْسِ حَقِيقَةٌ فِي الشُّمُولِ مَجَازٌ فِي التَّمْثِيلِ؛ كَابْنِ حَزْمٍ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: بَل هُوَ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا، وَالْقِيَاسُ الْعَقْلِيُّ يَتَنَاوَلُهُمَا جَمِيعًا، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ مَن تَكلَّمَ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ وَأَنْوَاعِ الْعُلُومِ الْعَقْلِيَّةِ وَهُوَ الصَّوَابُ؛ فَإِنَّ حَقِيقَةَ أَحَدِهِمَا هُوَ حَقِيقَةُ الْآخَرِ وَإِنَّمَا تَخْتَلِفُ صُورَةُ الِاسْتِدْلَالِ. وَالْقِيَاسُ فِي اللُّغَةِ: تَقْدِيرُ الشَّيْءِ بِغَيْرِهِ، وَهَذَا يَتَنَاوَلُ تَقْدِيرَ الشَّيْءِ الْمُعَيَّنِ بِنَظِيرِهِ الْمُعَيَّنِ، وَتَقْدِيرَهُ بِالْأَمْرِ الْكُلِّيِّ الْمُتَنَاوِلِ لَهُ وَلأَمْثَالِهِ؛ فَإِنَّ الْكُلِّيَّ هُوَ مِثَالٌ فِي الذِّهْنِ لِجُزْئِيَّاتِهِ؛ وَلهَذَا كَانَ مُطَابِقًا مُوَافِقًا لَهُ. وَقِيَاسُ الشُّمُولِ: هُوَ انْتِقَالُ الذِّهْنِ مِن الْمُعَيَّنِ إلَى الْمَعْنَى الْعَامِّ الْمُشْتَرَكِ الْكُلِّيِّ، الْمُتَنَاوِلِ لَهُ وَلغَيْرِهِ، وَالْحُكْمُ عَلَيْهِ بِمَا يَلْزَمُ الْمُشْتَرَكَ الْكُليَّ، بِأَنْ يَنْتَقِلَ مِن ذَلِكَ الْكُلِّيِّ اللَّازِمِ إلَى الْمَلْزُومِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْمُعَيَّنُ. فَهُوَ انْتِقَالٌ مِن خَاصٍّ إلَى عَامٍّ، ثمَّ انْتِقَالٌ مِن ذَلِكَ الْعَامِّ إلَى الْخَاصِّ،

стр. 695

مِن جُزْئِيٍّ إلَى كُلِّيٍّ، ثُمَّ مِن ذَلِكَ الْكُلِّيِّ إلَى الْجُزْئِيِّ الْأَوَّلِ، فَيُحْكَمُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْكُلّيِّ. وَلهَذَا كَانَ الدَّلِيلُ أَخَصَّ مِن مَدْلُولِهِ الَّذِي هُوَ الْحُكْمُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِن وُجُودِ الدَّلِيلِ وُجُودُ الْحُكْمِ وَاللَّازِمُ لَا يَكُونُ أَخَصَّ مِن مَلْزُومِهِ بَل أَعَمَّ مِنْهُ أَو مُسَاوِيهِ وَهُوَ الْمَعْنَى بِكَوْنِهِ أَعَمَّ. وَأَمَّا قِيَاسُ التَّمْثِيلِ: فَهُوَ انْتِقَالُ الذِّهْنِ مِن حُكْمٍ مُعَيَّنٍ إلَى حُكْمٍ مُعَيَّنٍ؛ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمُشْتَرَكِ الْكُلِّيِّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ يَلْزَمُ الْمُشْتَرَكَ الْكُلِّيَّ. [٩/ ١١٨ - ١٢٠] ٦٦٠ - النَّاسُ فِي مُسَمَّى الْقِيَاسِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي التَّمْثِيلِ مَجَازٌ فِي الشُّمُولِ، وَهُوَ قَوْلُ الْغَزَالِيِّ وَأَبِي مُحَمَّدٍ. وَالثَّانِي: الْعَكْسُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَزْمٍ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا، وَهُوَ الْأَصَحُّ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ؛ فَإِنَّ الْقِيَاسَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالْجُمْهُورِ يَنْقَسِمُ إلَى. أ- عَقْلِيٍّ، وَهُوَ مَا يُكْتَفَى فِيهِ بِالْعَقْلِ. ب- وَإِلَى شَرْعِيٍّ، وَهُوَ مَا لَا بُدَّ فِيهِ مِن أَصْلٍ مَعْلُومٍ بِالشَّرْعِ. وَكُلٌّ مِن الْعَقْلِيِّ وَالشَّرْعِيِّ وَكُلُّ مَا يُسَمَّى قِيَاسًا يَنْقَسِمُ: أ- إلَى قِيَاسِ تَمْثِيلٍ. ب- وَقِيَاسِ شُمُولٍ. فَالْأَوَّلُ: إلْحَاقُ الشَّيْءِ بِنَظِيرِهِ. وَالثَّانِي: إدْخَالُ الشَّيْءِ تَحْتَ حُكْمِ الْمَعْنَى الْعَامِّ الَّذِي يَشْمَلُهُ. [٩/ ٢٥٩] * * *

стр. 696

(منافع عِلْم الْحِسَابِ) ٦٦١ - إِنَّ عِلْمَ الْحِسَابِ الَّذِي هُوَ عِلْم بِالْكَمِّ الْمُنْفَصِلِ، والْهَنْدَسَة الَّتِي هِيَ عِلْمٌ بِالْكَمِّ الْمُتَّصِلِ: عِلْمٌ يَقِينِيٌّ لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ أَلْبَتَّةَ؛ مِثْل جَمْعِ الْأَعْدَادِ وَقِسْمَتِهَا وَضَرْبِهَا وَنِسْبَةِ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ. وَهَذَا (١) كَانَ مَبْدَأَ فَلْسَفَتِهِمْ الَّتِي وَضَعَهَا فيثاغورس، وَكَانُوا يُسَمُّونَ أَصْحَابَهُ أَصْحَابَ الْعَدَدِ. لَكِنْ لَا تَكْمُلُ بِذَلِكَ نَفْسٌ، وَلَا تَنْجُو بِهِ مِن عَذَابٍ، وَلَا تَنَالُ بِهِ سَعَادَة، وَلهَذَا قَالَ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ فِي عُلُومِ هَؤُلَاءِ: هِيَ بَيْنَ عُلُومٍ صَادِقَةٍ لَا مَنْفَعَةَ فِيهَا وَنَعُوذُ بِاللهِ مِن عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَبَيْنَ ظُنُونٍ كَاذِبَةٍ لَا ثِقَةَ بِهَا وَإِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ. يُشِيرُونَ بِالْأَوَّلِ إلَى الْعُلُومِ الرِّيَاضِيَّةِ. وَبِالثَّانِي إلَى مَا يَقُولُونَهُ فِي الْإِلَهِيَّاتِ وَفِي أَحْكَامِ النُّجُومِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. لَكِنْ قَد تَلْتَذُّ النَّفْسُ بِذَلِكَ كَمَا تَلْتَذُّ بِغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَلْتَذُّ بِعِلْمِ مَا لَمْ يَكُن عَلِمَهُ، وَسَمَاعِ مَا لَمْ يَكُن سَمِعَهُ، إذَا لَمْ يَكُن مَشْغُولًا عَن ذَلِكَ بِمَا هُوَ أهَمُّ عِنْدَهُ مِنْهُ، كَمَا قَد يَلْتَذُّ بِأَنْوَاعٍ مِن الْأَفْعَالِ الَّتِي هِيَ مِن جِنْسِ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ. وَأَيْضًا: فَفِي الْإِدْمَانِ عَلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ تَعْتَادُ النَّفْسُ الْعِلْمَ الصَّحِيحَ، وَالْقَضَايَا الصَّحِيحَةَ الصَّادِقَةَ، وَالْقِيَاسَ الْمُسْتَقِيمَ، فَيَكونُ فِي ذَلِكَ تَصْحِيحُ الذِّهْنِ وَالْإِدْرَاكِ، وَتُعَوَّدُ النَفْسُ أَنَّهَا تَعْلَمُ الْحَقَّ وَتَقُولُهُ؛ لِتَسْتَعِينَ بِذَلِكَ عَلَى الْمَعْرِفَةِ الَّتِي هِيَ فَوْقَ ذَلِكَ. [٩/ ١٢٦ - ١٢٨] * * *

стр. 697

(مَبْدَأُ وَضْعِ الْمَنْطِقِ مِن الْهَنْدَسَةِ) ٦٦٢ - مَبْدَأُ وَضْعِ الْمَنْطِقِ مِن الْهَنْدَسَةِ، وَسَمَّوْهُ حُدُودًا لِحُدُودِ تِلْكَ الْأَشْكَالِ، لِيَنْتَقِلُوا مِن الشَّكْلِ الْمَحْسُوسِ إلَى الشَّكْلِ الْمَعْقُولِ، وَهَذَا لِضَعْفِ عُقُولِهِمْ، وَتَعَذُّرِ الْمَعْرِفَةِ عَلَيْهِم إلَّا بِالطَّرِيقِ الْبَعِيدَةِ. وَاللهُ تَعَالَى يَسَّرَ لِلْمُسْلِمِينَ مِن الْعِلْمِ وَالْبَيَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَالْإِيمَانِ مَا بَرَزُوا بِهِ عَلَى كُلِّ نَوْعٍ مِن أَنْوَاعِ جِنْسِ الْإِنْسَانِ. [٩/ ١٣٠] ٦٦٣ - ابْنُ سِينَا تَكَلَّمَ فِي أَشْيَاءَ مِن الْإِلَهِيَّاتِ وَالنُّبُوَّاتِ وَالْمَعَادِ وَالشَّرَائِعِ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهَا سَلَفُهُ، وَلَا وَصَلَتْ إلَيْهَا عُقُولَهُمْ، وَلَا بَلَغَتْهَا عُلُومُهُمْ؛ فَإِنَّهُ اسْتَفَادَهَا مِن الْمُسْلِمِينَ، وَإِن كَانَ إنَّمَا أخذَ عَن الْمَلَاحِدَةِ الْمُنْتَسِبِيَن إلَى الْمُسْلِمِينَ كالْإِسْمَاعِيلِيَّة. وَكَانَ هُوَ وَأَهْل بَيْتِهِ وَأَتْبَاعُهُم مَعْرُوفِينَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ بِالْإِلْحَادِ، وَأَحْسَنُ مَا يُظْهِرُونَ دِينَ الرَّفْضِ، وَهُم فِي الْبَاطِنِ يُبْطِنُونَ الْكُفْرَ الْمَحْضَ. وَقَد صنَّفَ الْمُسْلِمُونَ فِي كَشْفِ أَسْرَارِهِمْ وَهَتْكِ أَسْتَارِهِمْ كُتُبًا كِبَارًا وَصِغَارًا، وَجَاهَدُوهُم بِاللِّسَانِ وَالْيَدِ؛ إذ كَانُوا بذَلِكَ أَحَقَّ مِن الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى. [٩/ ١٣٣ - ١٣٤] ٦٦٤ - اعْلَمْ أَنَّ بَيَانَ مَا فِي كَلَامِهِمْ (١) مِن الْبَاطِلِ وَالنَّقْضِ لَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُم أَشْقِيَاءَ فِي الْآخِرَةِ، إلَّا إذَا بَعَثَ اللهُ إلَيْهِم رَسُولًا فَلَمْ يَتَّبِعُوهُ. بَل يُعْرَفُ بِهِ أَنَّ مَن جَاءَتْهُ الرُّسُلُ بِالْحَقِّ فَعَدَلَ عَن طَرِيقِهِمْ إلَى طَرِيقِ هَؤُلَاءِ كَانَ مِن الْأَشْقِيَاءِ فِي الْآخِرَةِ. وَالْقَوْمُ لَوْلَا الْأَنْبِيَاءَ لَكَانُوا أَعْقَلَ مِن غَيْرِهِمْ. لَكِنَّ الْأَنْبِيَاءَ جَاءُوا بِالْحَقِّ وَبَقَايَاهُ فِي الْأُمَمِ وَإِن كَفَرُوا بِبَعْضِهِ.

стр. 698

حَتَّى مُشْرِكو الْعَرَبِ كَانَ عِنْدَهُم بَقَايَا مِن دِينِ إبْرَاهِيمَ، فَكَانُوا خَيْرًا مِن الْفَلَاسِفَةِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يُوَافِقُونَ أَرسْطُو وَأَمْثَالَهُ عَلَى أُصُولِهِمْ. [٩/ ١٣٧ - ١٣٨] ٦٦٥ - إِذَا اتَّسَعَت الْعُقُولُ وَتَصَوُّرَاتُهَا: اتَّسَعَتْ عِبَارَاتُهَا، وَإِذَا ضَاقَت الْعُقُولُ وَالْعِبَارَاتُ وَالتَّصَوُّرَاتُ بَقِيَ صَاحِبُهَا كَأَنَّهُ مَحْبُوسُ الْعَقْلِ وَاللِّسَانِ، كَمَا يُصِيبُ أَهْلَ الْمَنْطِقِ الْيُونَانِيِّ، تَجِدُهُم مِن أَضْيَقِ النَّاسِ عِلْمًا وَبَيَانًا، وَأَعْجَزِهِمْ تَصَوُّرًا وَتَعْبِيرًا. وَلهَذَا مَن كَانَ ذَكِيًّا إذَا تَصَرَّفَ فِي الْعُلُومِ وَسَلَكَ مَسْلَكَ أَهْلِ الْمَنْطِقِ: طَوَّلَ وَضَيَّقَ، وَتَكَلَّفَ وَتَعَسَّفَ، وَغَايَتُهُ بَيَانُ الْبَيِّنِ، وَإِيضَاحُ الْوَاضِحِ مِن الْعِيِّ، وَقَد يُوقِعُهُ ذَلِكَ فِي أَنْوَاعٍ مِن السَّفْسَطَهِ الَّتي عَافَى اللهُ مِنْهَا مَن لَمْ يَسْلُكْ طَرِيقَهُمْ. وَكَذَلِكَ تَكَلُّفَاتُهُم فِي حُدُودِهِمْ: مِثْل حَدِّهِمْ لِلْإِنْسَانِ وَللشَّمْسِ بِأَنَّهَا كَوْكَبٌ يَطْلُعُ نَهَارًا، وَهَل مَن يَحُدُّ (١) الشَّمْسَ مِثْل هَذَا الْحَدِّ وَنَحْوَهُ إلَّا مِن أَجْهَلِ النَّاسِ؟ وَهَل عِنْدَ النَّاسِ شَيْءٌ أَظْهَرُ مِن الشَّمْسِ؟ وَمَن لَمْ يَعْرِف الشَّمْسَ فَإِمَّا أَنْ يَجْهَلَ اللَّفْظَ فَيُتَرْجَمَ لَهُ. وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ رَآهَا لِعَمَاهُ فَهَذَا لَا يَرَى النَّهَارَ وَلَا الْكَوَاكِبَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، مَعَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَسْمَعَ مِن النَّاسِ مَا يعَرفُ ذَلِكَ بِدُونِ طَرِيقِهِمْ. [٩/ ١٥٨ - ١٥٩] ٦٦٦ - وَلهَذَا كَانَ تَعَلُّمُ الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي يَتَوَقَّفُ فَهْمُ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ عَلَيْهَا فَرضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ بِخِلَافِ الْمَنْطِقِ. فَإِنْ قَالُوا: نَحْنُ لَا نَقُولُ إنَّ النَّاسَ يَحْتَاجُونَ إلَى اصْطِلَاحِ الْمَنْطِقِيّينَ؛ بَل إلَى الْمَعَانِي الَّتِي تُوزَنُ بِهَا الْعُلُومُ.

стр. 699

قِيلَ: لَا رَيْبَ أَنَّ الْمَجْهُولَ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِالْمَعْلُومَاتِ، وَالنَّاسُ يَحْتَاجُونَ إلَى أَنْ يَزِنُوا مَا جَهِلُوهُ بمَا عَلِمُوهُ، وَهَذَا مِن الْمَوَازِينِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللهُ حَيْثُ قَالَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ [الشورى: ١٧]. وَفَالَ: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد: ٢٥]. وَهَذَا مَوْجُود عِنْدَ أُمَّتِنَا وَغَيْرِ أُمَّتِنَا، مِمَن لَمْ يَسْمَعْ قَطُّ بِمَنْطِقِ الْيُونَانِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْأُمَمَ غَيْرُ مُحْتَاجَةٍ إلَى الْمَعَانِي الْمَنْطِقِيَّةِ الَّتِي عَبَّرُوا عَنْهَا بِلِسَانِهِمْ، وَهُوَ كَلَامُهُم فِي الْمَعْقُولَاتِ الثَّانِيَةِ. فَإِنَّ مَوْضُوعَ الْمَنْطِقِ: هُوَ الْمَعْقُولَاتُ مِن حَيْثُ ئتَوَصَّل بِهَا إلَى عِلْمِ مَا لَمْ يُعْلَمْ (١). [٩/ ١٧١ - ١٧٢] ٦٦٧ - كَلَامُنَا هُنَا فِي بَيَانِ ضَلَالِ هَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةِ الَّذِينَ يَبْنُونَ ضَلَالَهُم بِضَلَالِ غَيْرِهِمْ، فَيَتَعَلَّقُونَ بِالْكَذِبِ فِي الْمَنْقُولَاتِ، وَبِالْجَهْلِ فِي الْمَعْقُولَاتِ؛ كَقَوْلِهِمْ: إنَّ أَرِسْطُو وَزِيرُ ذِي الْقَرْنَيْنِ الْمَذْكُورِ فِي الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّهُم سَمِعُوا أَنَّهُ كَانَ وَزِيرَ الْإِسْكَنْدَرِ، وَذُو الْقَرْنَيْنِ يُقَالُ لَهُ: الْإِسْكَنْدَرُ. وَهَذَا مِن جَهْلِهِمْ؛ فَإِنَّ الْإِسْكنْدَرَ الَّذِي وُزِرَ لَهُ أَرِسْطُو هُوَ ابْنُ فَيَلْبَس الْمَقْدُونيِّ، الَّذِي يُؤَرَّخُ لَهُ تَارِيخُ الرُّومِ الْمَعْرُوفِ عِنْدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَهُوَ إنَّمَا ذَهَبَ إلَى أَرْضِ الْقُدْسِ، لَمْ يَصِلْ إلَى السَّدِّ عِنْدَ مَن يَعْرِفُ أَخْبَارَهُ، وَكَانَ مُشْرِكًا يَعْبُدُ الْأَصْنَامَ. وَكَذَلِكَ أَرِسْطُو وَقَوْمُهُ كَانُوا مُشْرِكِينَ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ، وَذُو الْقَرْنَيْنِ كَانَ مُوَحِّدًا مُؤْمِنًا بِاللهِ، وَكَانَ مُتَقَدِّمًا عَلَى هَذَا، وَمَن يُسَمِّيهِ الْإِسْكَنْدَرَ يَقُولُ: هُوَ الْإِسْكَنْدَرُ بْنُ دَارا. وَلهَذَا كَانَ هَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةُ إنَّمَا رَاجُو عَلَى أَبْعَدِ النَّاسِ عَن الْعَقْلِ

стр. 700

وَالدِّينِ؛ كَالْقَرَامِطَةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ الَّذِينَ رَكَّبُوا مَذْهَبَهُم مِن فَلْسَفَةِ الْيُونَانِ وَدِينِ الْمَجُوس، وَأَظْهَرُوا الرَّفْضَ. وَكَجُهَّالِ الْمُتَصَوِّفَةِ وَأَهْلِ الْكَلَامِ، وَإنَّمَا يَنْفقون فِي دَوْلَةٍ جَاهِلِيَّةٍ بَعِيدَةٍ عَن الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ: إمَّا كُفَّارًا، وَإِمَّا مُنَافِقِينَ، ثُمَّ نَفقَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ التُّرْكُ. وَكَذَلِكَ إنَّمَا ينفقون دَائِمًا عَلَى أَعْدَاءِ اللّهِ وَرَسُولِهِ مِن الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ. [٩/ ١٧٥ - ١٧٦] ٦٦٨ - مَا زَالَ نُظَّارُ الْمُسْلِمِينَ يَعِيبُونَ طَرِيقَ أَهْلِ الْمَنْطِقِ، وَيُبَيِّنُونَ مَا فِيهَا مِن الْعِيِّ وَاللُّكْنَةِ وَقُصُورِ الْعَقْلِ وَعَجْزِ النُّطْقِ، ويُبَيِّنُونَ أَنَّهَا إلَى إفْسَادِ الْمَنْطِقِ الْعَقْلِيِّ وَاللِّسَانِيِّ أَقْرَبُ مِنْهَا إلَى تَقْوِيمِ ذَلِكَ. وَلَا يَرْضَوْنَ أَنْ يَسْلُكُوهَا فِي نَظَرِهِمْ وَمُنَاظَرَتِهِمْ لَا مَعَ مَن يُوَالُونَهُ وَلَا مَعَ مَن يُعَادُونَهُ. وَإِنَّمَا كَثُرَ اسْتِعْمَالُهَا مِن زَمَنِ أَبِي حَامِدٍ؛ فَإِنَّهُ أَدْخَلَ مُقَدِّمَةً مِن الْمَنْطِقِ الْيُونَانِيِّ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ الْمُسْتَصْفَى، وَزَعَمَ أَنَّهُ لَا يَثِقُ بِعِلْمِهِ إلَّا مَن عَرَفَ هَذَا الْمَنْطِقَ. وَصَنَّفَ فِيهِ "مِعْيَارَ الْعِلْمِ" وَ"مَحَكَّ النَّظَرِ"، وَصَنَّفَ كِتَابًا سَمَّاهُ "الْقِسْطَاسَ الْمُسْتَقِيمَ" ذَكَرَ فِيهِ خَمْسَ مَوَازِينَ: الثَّلَاثَ الْحَمْلِيَّاتِ، وَالشَّرْطِيَّ الْمُتَّصِلَ، وَالشَّرْطِيَّ الْمُنْفَصِلَ. وَغَيَّرَ عِبَارَاتِهَا إلَى أَمْثِلَةٍ أَخَذَهَا مِن كَلَامِ الْمُسْلِمِينَ، وَذَكَرَ أَنَّهُ خَاطَبَ بِذَلِكَ بَعْضَ أَهْلِ التَّعْلِيمِ. وَصنَّفَ كِتَابًا فِي تَهَافُتِهِمْ وَبَيَّنَ كُفْرَهُم بِسَبَبِ مَسْأَلَةِ قِدَمِ الْعَالَمِ، وَإِنْكَارِ الْعِلْمِ بِالْجُزْئِيَّاتِ، وَإِنْكَارِ الْمُعَادِ. وَبَيَّنَ فِي آخِرِ كُتُبِهِ أَنَّ طَرِيقَهُم فَاسِدَةٌ لَا تُوصِلُ إلَى يَقِينٍ، وَذَمَّهَا أَكْثَرَ مِمَّا ذَمَّ طَرِيقَةَ الْمُتَكَلِّمِينَ.

стр. 701

وَكَانَ أَوَّلًا يَذْكُرُ فِي كُتُبِهِ كَثِيرًا مِن كَلَامِهِمْ: إمَّا بِعِبَارَتِهِمْ، وَإِمَّا بِعِبَارَة أُخْرَى. ثُمَّ فِي آخِرِ أَمْرِهِ بَالَغَ فِي ذَمِّهِمْ، وَبَيَّنَ أَنَّ طَرِيقَهُم مُتَضَمِّنَةٌ مِن الْجَهْلِ وَالْكُفْرِ مَا يُوجِبُ ذَمَّهَا وَفَسَادَهَا أَعْظَمَ مِن طَرِيقِ الْمُتَكَلِّمِينَ. وَمَاتَ وَهُوَ مُشْتَغِلٌ بِالْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ. وَالْمَنْطِقُ الَّذِي كَانَ يَقُولُ فِيهِ مَا يَقُولُ: مَا حَصَلَ لَهُ مَقْصُودُهُ، وَلَا أَزَالَ عَنْهُ مَا كَانَ فِيهِ مِن الشَّكِّ وَالْحِيرَةِ، وَلَمْ يُغْنِ عَنْهُ الْمَنْطِقُ شَيْئًا. وَلَكِنْ بِسَبَبِ مَا وَقَعَ مِنْهُ فِي أَثْنَاءِ عُمُرِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ صَارَ كَثِيرٌ مِن النُّظَّارِ يُدْخِلُونَ الْمَنْطِقَ الْيُونَانِيَّ فِي عُلُومِهِمْ، حَتَى صَارَ مَن يَسْلُكُ طَرِيقَ هَؤُلَاءِ مِن الْمُتَأَخِّرِينَ يَظُنُّ أَنَّهُ لَا طَرِيقَ إلَّا هَذَا، وَإِنَّ مَا ادَّعَوْهُ مِن الْحَدِّ وَالْبُرْهَانِ هُوَ أَمْرٌ صَحِيحٌ مُسَلَّمٌ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ، وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مَا زَالَ الْعُقَلَاءُ وَالْفُضَلَاءُ مِن الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ يَعِيبُونَ ذَلِكَ وَيَطْعَنُونَ فِيهِ. وَجُمْهُورُ الْمُسْلِمِينَ يَعِيبُونَهُ عَيْبًا مُجْمَلًا؛ لِمَا يَرَوْنَهُ مِن آثَارِهِ وَلَوَازِمِهِ الدَّالَّةِ عَلَى مَا فِي أَهْلِهِ مِمَّا يُنَاقِضُ الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ، وَيُفْضِي بِهِم الْحَالُ إلَى أَنْوَاعٍ مِن الْجَهْلِ وَالْكُفْرِ وَالضَّلَالِ. [٩/ ١٨٤ - ١٨٥] ٦٦٩ - الْكَلَامُ فِي الْمَنْطِقِ: إنَّمَا وَقَعَ لَمَّا زَعَمُوا أَنَّهُ آلَةٌ قَانُونِيَّة تَعْصِمُ مُرَاعَاتُهَا الذِّهْنَ أَنْ يَزَلَّ فِي فِكْرِهِ (١). فَاحْتَجْنَا أَنْ نَنْظُرَ فِي هَذِهِ الْآلَةِ: هَل هِيَ كَمَا قَالُوا أَو لَيْس الْأَمْرُ كَذَلِكَ؟ (٢). [٩/ ١٩٤]

стр. 702

٦٧٠ - قيَاسُ التَّمْثِيلِ: هُوَ الْحُكْمُ عَلَى شَيْءٍ بِمَا حُكِمَ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ؛ بِنَاءً عَلَى جَامِعٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا. [٩/ ١٩٧] ٦٧١ - قِيَاسُ التَّمْثِيلِ الصَّحِيحِ أَوْلَى بِإِفَادَةِ الْمَطْلُوبِ عِلْمًا كَانَ أَو ظَنُّا مِن مُجَرَّدِ قِيَاسِ الشُّمُولِ، وَلهَذَا كَانَ سَائِرُ الْعُقَلَاءِ يَسْتَدِلُّونَ بِقِيَاسِ التَّمْثِيلِ أَكْثَرَ مِمَّا يَسْتَدِلُّونَ بِقِيَاسِ الشُّمُولِ، بَل لَا يَصِحُّ قِيَاسُ الشُّمُولِ فِي الْأَمْرِ الْعَامِّ إلَّا بِتَوَسُّطِ قِيَاسِ التَّمْثِيلِ، وَكُلُّ مَا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى صِحَّةِ قِيَاسِ الشُّمُولِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ فَإِنَّهُ يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى صِحَّةِ قِيَاسِ التَّمْثِيلِ فِي تِلْكَ. وَحِينَئِذٍ فَالْقِيَاسُ التَّمْثِيلِيُّ أَصْلٌ لِلْقِيَاسِ الشُّمُولِيِّ. [٩/ ٢٠٣ - ٢٠٤] ٦٧٢ - أَمَّا السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ: فَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إلَى دَعْوَى حَصْرِ أَوْصَافِ الْأَصْلِ فِي جُمْلَةٍ مُعَيَّنةٍ وَإِبْطَالِ كُلِّ مَا عَدَا الْمُسْتَبْقَى. [٩/ ١٩٨] ٦٧٣ - اعْلَمْ أَنَّهُم فِي الْمَنْطِقِ الْإِلَهِيِّ بَل وَالطَّبِيعِيِّ: غَيَّرُوا بَعْضَ مَا ذَكَرَهُ أَرِسْطُو، لَكِنْ مَا زَادُوهُ فِي الْإِلَهِيِّ هُوَ خَيْرٌ مِن كَلَامِ أَرِسْطُو، فَإِنِّي قَد رَأَيْت الْكَلَامَيْنِ (١). وَأَرِسْطُو وَأَتْبَاعُهُ فِي الْإِلَهِيَّاتِ أَجْهَلُ مِن الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِكَثِير كَثِيرٍ. وَأَمَّا فِي الطَّبِيعِيَّاتِ فَغَالِبُ كَلَامِهِ جَيِّدٌ (٢). وَأَمَّا الْمَنْطِقُ فَكَلَامُهُ فِيهِ خَيْرٌ مِن كَلَامِهِ فِي الْإِلَهِيِّ. [٩/ ٢٠٥] ٦٧٤ - إنَّ شَرِيعَةَ الْإِسْلَامِ وَمَعْرِفَتَهَا لَيْسَتْ مَوْقُوفَةً عَلَى شَيْءٍ يُتَعَلَّمُ مِن غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ أَصْلًا وإِن كَانَ طَرِيقًا صَحِيحًا. وَهَكَذَا كُلُّ مَا بُعِثَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِثْل الْعِلْمِ بِجِهَةِ الْقِبْلَةِ، وَالْعِلْمِ بِمَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ، وَالْعِلْمِ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ، وَالْعِلْمِ بِالْهِلَالِ، فَكُل هَذَا يُمْكِنُ الْعِلْمُ بِهِ

стр. 703

بِالطُّرُقِ الَّتِي كَانَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ لَهُم بِإِحْسَان يَسْلُكُونَهَا، وَلَا يَحْتَاجُونَ مَعَهَا إلَى شَيْءٍ آخَرَ. وَإِن كَانَ كَثِيرٌ مِن النَّاسِ قَد أَحْدَثُوا طُرُقًا أُخَرَ، وَكَثِيرٌ مِنْهُم يَظُنُّ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ الشَّرِيعَةِ إلَّا بِهَا، وَهَذَا مِن جَهْلِهِمْ. كَمَا يَظُنُّ طَائِفَةٌ مِن النَّاسِ أَنَّ الْعِلْمَ بِالْقِبْلَةِ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِمَعْرِفَةِ أَطْوَالِ الْبِلَادِ وَعُرُوضِهَا. وَهُوَ وَإِن كَانَ عِلْمًا صَحِيحًا حِسَابِيًّا يُعْرَفُ بِالْعَقْلِ، لَكِنَّ مَعْرِفَةَ الْمُسْلِمِينَ بِقِبْلَتِهِمْ لَيْسَتْ مَوْقُوفَةً عَلَى هَذَا. بَل قَد ثَبَتَتْ عَن صَاحِبِ الشَّرْعِ. [٩/ ٢١٥] ٦٧٥ - لَا نُنْكِرُ أَنَّ الْقِيَاسَ يَحْصُلُ بِهِ عِلْمٌ إذَا كَانَت مَوَادُّهُ يَقِينِيَّةً، لَكِنْ نَقُولُ: إنَّ الْعِلْمَ الْحَاصِلَ بِهِ لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْقِيَاسِ الْمَنْطِقِيِّ؛ بَل يَحْصُلُ بِدُونِ ذَلِكَ، فَلَا يَكُون شَيْءٌ مِن الْعِلْمِ مُتَوَقِّفًا عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ. [٩/ ٢١٨] * * * (طَرِيقَةُ الْقُرْآنِ فِي بَيَانِ إمْكَانِ الْمَعَادِ) ٦٧٦ - طَرِيقَةُ الْقُرْآنِ فِي بَيَانِ إمْكَانِ الْمَعَادِ: أ - فَتَارَةً يُخْبِرُ عَمَّن أَمَاتَهُم ثُمَّ أَحْيَاهُم كَمَا أَخْبَرَ عَن قَوْمِ مُوسَى الَّذِينَ قَالُوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]، قَالَ: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٥، ٥٦]. وَكَمَا أَخْبَرَ عَن الْمَسِيحِ أَنَهُ كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ، وَعَن أَصْحَابِ الْكَهْفِ أَنَّهُم بُعِثُوا بَعْدَ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ وَتِسْعِ سِنِينَ. ب - وَتَارَةً يَسْتَدِلُّ عَلَى ذَلِكَ بِالنَّشْأَةِ الْأُولَى؛ فَإِنَّ الْإِعَادَةَ أَهْوَنُ مِن الِابْتِدَاءِ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ الْآيَةُ [الحج: ٥].

стр. 704

ج - وَتَارَةً يَسْتَدِلُّ عَلَى ذَلِكَ بِخَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ؛ فَإِنَّ خَلْقَهُمَا أَعْظَمُ مِن إعَادَةِ الْإِنْسَانِ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [الأحقاف: ٣٣]. د - وَتَارَةً يَسْتَدِلُّ عَلَى إمْكَانِهِ بِخَلْقِ النَّبَاتِ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾ [الأعراف: ٥٧]. فَقَد تَبَيَّنَ أَنَّ مَا عِنْدَ أَئِمَّةِ النُّظَّارِ أهْلِ الْكَلَامِ وَالْفَلْسَفَةِ مِن الدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ عَلَى الْمَطَالِبِ الْإِلَهِيَّةِ: فَقَد جَاءَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ بِمَا فِيهَا مِن الْحَقِّ وَمَا هُوَ أَبْلَغُ وَأَكْمَلُ مِنْهَا عَلَى أَحْسَنِ وَجْهٍ، مَعَ تَنَزُّهِهِ عَن الْأَغَالِيطِ الْكَثِيرَةِ الْمَوْجُودَةِ عِنْدَ هَؤُلَاء؟ فَإنَّ خَطَأَهُم فِيهَا كَثِيرٌ جِدًّا، وَلَعَلَّ ضَلَالَهُم أَكْثَرُ مِن هُدَاهُمْ، وَجَهْلَهُم أَكْثَرُ مَن عِلْمِهِمْ. وَلهَذَا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ الرَّازِيَّ فِي آخِرِ عُمُرِهِ فِي كِتَابِهِ: "أَقْسَامِ اللذَّاتِ" (١): لَقَد تَأمَّلْت الطُّرُقَ الْكَلَامِيَّةَ وَالْمَنَاهِجَ الْفَلْسَفِيَّةَ، فَمَا رَأَيْتهَا تَشْفِي عَلِيلًا، وَلَا تَرْوِي غَلِيلًا، وَرَاُّيْت اُّقْرَبَ الطُّرُقِ طَرِيقَةَ الْقُرْآنِ، اقْرَأ فِي الْإِثْبَاتِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، وَاقْرَأ فِي النَّفْيِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه: ١١٠]، وَمَن جَرَّبَ مِثْل تَجْرِبَتِي عَرَفَ مِثْل مَعْرِفَتِي. [٩/ ٢٢٤ - ٢٢٥]

стр. 705

٦٧٧ - إِنَّ مَبْنَى الْعَقْلِ عَلَى صِحَّةِ الْفِطْرَةِ وَسَلَامَتِهَا، وَمَبْنَى السَّمْعِ عَلَى تَصْدِيقِ الْأنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ (١). [٩/ ٢٢٦] ٦٧٨ - الْأَنْبِيَاءُ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِم كَمَّلُوا لِلنَّاسِ الْأَمْرَيْنِ: أ - فَدَلُّوهُم عَلَى الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي بِهَا تُعْلَمُ الْمَطَالِبُ الَّتِي يُمْكِنُهُم عِلْمُهُم بِهَا بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ. ب - وَأَخْبَرُوهُم مَعَ ذَلِكَ مِن تَفَاصِيلِ الْغَيْبِ بِمَا يَعْجِزُونَ عَن مَعْرِفَتِهِ بِمُجَرَّدِ نَظَرِهِمْ وَاسْتِدْلَالِهِمْ. وَلَيْسَ تَعْلِيمُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِم الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَقْصُورًا عَلَى مُجَرَّدِ الْخَبَر (٢) كمَا يَظُنُّهُ كَثِيرٌ؛ بَل هُم بَيَّنُوا مِن الْبَرَاهِينِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي بِهَا تُعْلَمُ الْعُلُومُ الْأِلَهِيَّةُ مَا لَا يُوجَدُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ (٣) أَلْبَتَّةَ. فَتَعْلِيمُهُم صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِم جَامِعٌ لِلْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالسَّمْعِيَّةِ جَمِيعًا، بِخِلَافِ الَّذِينَ خَالَفُوهُمْ؛ فَإِنَّ تَعْلِيمَهُم غَيْرُ مُفِيدٍ لِلْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالسَّمْعِيَّةِ، مَعَ مَا فِي نُفُوسِهِمْ مِن الْكِبْرِ الَّذِي مَا هُم بَالِغِيهِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦)﴾ [غافر: ٥٦]. [٩/ ٢٢٦ - ٢٢٧] ٦٧٩ - اتفق الْعُقَلَاءُ عَلَى أَنَّ ضَرْبَ الْمَثَلِ مِمَّا يُعِينُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْكُلِّيَّاتِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ الْحَالُ إذَا ذُكِرَ مَعَ الْمِثَالِ كَالْحَالِ إذَا ذُكِرَ مُجَرَّدًا عَنْهُ. وَمَن تَدَبَّرَ جَمِيعَ مَا يَتَكَلَّمُ فِيهِ النَّاسُ مِن الْكُلِّيَّاتِ الْمَعْلُومَةِ بِالْعَقْلِ فِي الطِّبِّ وَالْحِسَابِ وَالصِّنَاعَاتِ وَالتِّجَارَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَجَدَ الْأمْرَ كَذَلِكَ.
следующие страницы →