Полный текст (3 539 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
وَكَانَ أَوَّلًا يَذْكُرُ فِي كُتُبِهِ كَثِيرًا مِن كَلَامِهِمْ: إمَّا بِعِبَارَتِهِمْ، وَإِمَّا بِعِبَارَة أُخْرَى.
ثُمَّ فِي آخِرِ أَمْرِهِ بَالَغَ فِي ذَمِّهِمْ، وَبَيَّنَ أَنَّ طَرِيقَهُم مُتَضَمِّنَةٌ مِن الْجَهْلِ وَالْكُفْرِ مَا يُوجِبُ ذَمَّهَا وَفَسَادَهَا أَعْظَمَ مِن طَرِيقِ الْمُتَكَلِّمِينَ.
وَمَاتَ وَهُوَ مُشْتَغِلٌ بِالْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ.
وَالْمَنْطِقُ الَّذِي كَانَ يَقُولُ فِيهِ مَا يَقُولُ: مَا حَصَلَ لَهُ مَقْصُودُهُ، وَلَا أَزَالَ عَنْهُ مَا كَانَ فِيهِ مِن الشَّكِّ وَالْحِيرَةِ، وَلَمْ يُغْنِ عَنْهُ الْمَنْطِقُ شَيْئًا.
وَلَكِنْ بِسَبَبِ مَا وَقَعَ مِنْهُ فِي أَثْنَاءِ عُمُرِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ صَارَ كَثِيرٌ مِن النُّظَّارِ يُدْخِلُونَ الْمَنْطِقَ الْيُونَانِيَّ فِي عُلُومِهِمْ، حَتَى صَارَ مَن يَسْلُكُ طَرِيقَ هَؤُلَاءِ مِن الْمُتَأَخِّرِينَ يَظُنُّ أَنَّهُ لَا طَرِيقَ إلَّا هَذَا، وَإِنَّ مَا ادَّعَوْهُ مِن الْحَدِّ وَالْبُرْهَانِ هُوَ أَمْرٌ صَحِيحٌ مُسَلَّمٌ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ، وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مَا زَالَ الْعُقَلَاءُ وَالْفُضَلَاءُ مِن الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ يَعِيبُونَ ذَلِكَ وَيَطْعَنُونَ فِيهِ.
وَجُمْهُورُ الْمُسْلِمِينَ يَعِيبُونَهُ عَيْبًا مُجْمَلًا؛ لِمَا يَرَوْنَهُ مِن آثَارِهِ وَلَوَازِمِهِ الدَّالَّةِ عَلَى مَا فِي أَهْلِهِ مِمَّا يُنَاقِضُ الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ، وَيُفْضِي بِهِم الْحَالُ إلَى أَنْوَاعٍ مِن الْجَهْلِ وَالْكُفْرِ وَالضَّلَالِ. [٩/ ١٨٤ - ١٨٥]
٦٦٩ - الْكَلَامُ فِي الْمَنْطِقِ: إنَّمَا وَقَعَ لَمَّا زَعَمُوا أَنَّهُ آلَةٌ قَانُونِيَّة تَعْصِمُ مُرَاعَاتُهَا الذِّهْنَ أَنْ يَزَلَّ فِي فِكْرِهِ (١) .
فَاحْتَجْنَا أَنْ نَنْظُرَ فِي هَذِهِ الْآلَةِ: هَل هِيَ كَمَا قَالُوا أَو لَيْس الْأَمْرُ كَذَلِكَ؟ (٢) . [٩/ ١٩٤] الحواشي
(١) هذا هو تعريف علم المنطق.(٢) هذا سبب تعلمه للمنطق وقراءته لكتبهم مع قناعته بعدم فائدته بل وجزمه بضلال كثير مما جاء فيه.
فانظر إلى علو همته، ومنهجه السليم في عدم نقد علم إلا بعد النظر فيه.стр. 702
٦٧٠ - قيَاسُ التَّمْثِيلِ: هُوَ الْحُكْمُ عَلَى شَيْءٍ بِمَا حُكِمَ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ؛ بِنَاءً عَلَى جَامِعٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا. [٩/ ١٩٧]
٦٧١ - قِيَاسُ التَّمْثِيلِ الصَّحِيحِ أَوْلَى بِإِفَادَةِ الْمَطْلُوبِ عِلْمًا كَانَ أَو ظَنُّا مِن مُجَرَّدِ قِيَاسِ الشُّمُولِ، وَلهَذَا كَانَ سَائِرُ الْعُقَلَاءِ يَسْتَدِلُّونَ بِقِيَاسِ التَّمْثِيلِ أَكْثَرَ مِمَّا يَسْتَدِلُّونَ بِقِيَاسِ الشُّمُولِ، بَل لَا يَصِحُّ قِيَاسُ الشُّمُولِ فِي الْأَمْرِ الْعَامِّ إلَّا بِتَوَسُّطِ قِيَاسِ التَّمْثِيلِ، وَكُلُّ مَا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى صِحَّةِ قِيَاسِ الشُّمُولِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ فَإِنَّهُ يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى صِحَّةِ قِيَاسِ التَّمْثِيلِ فِي تِلْكَ.
وَحِينَئِذٍ فَالْقِيَاسُ التَّمْثِيلِيُّ أَصْلٌ لِلْقِيَاسِ الشُّمُولِيِّ. [٩/ ٢٠٣ - ٢٠٤]
٦٧٢ - أَمَّا السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ: فَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إلَى دَعْوَى حَصْرِ أَوْصَافِ الْأَصْلِ فِي جُمْلَةٍ مُعَيَّنةٍ وَإِبْطَالِ كُلِّ مَا عَدَا الْمُسْتَبْقَى. [٩/ ١٩٨]
٦٧٣ - اعْلَمْ أَنَّهُم فِي الْمَنْطِقِ الْإِلَهِيِّ بَل وَالطَّبِيعِيِّ: غَيَّرُوا بَعْضَ مَا ذَكَرَهُ أَرِسْطُو، لَكِنْ مَا زَادُوهُ فِي الْإِلَهِيِّ هُوَ خَيْرٌ مِن كَلَامِ أَرِسْطُو، فَإِنِّي قَد رَأَيْت الْكَلَامَيْنِ (١) .
وَأَرِسْطُو وَأَتْبَاعُهُ فِي الْإِلَهِيَّاتِ أَجْهَلُ مِن الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِكَثِير كَثِيرٍ.
وَأَمَّا فِي الطَّبِيعِيَّاتِ فَغَالِبُ كَلَامِهِ جَيِّدٌ (٢) .
وَأَمَّا الْمَنْطِقُ فَكَلَامُهُ فِيهِ خَيْرٌ مِن كَلَامِهِ فِي الْإِلَهِيِّ. [٩/ ٢٠٥]
٦٧٤ - إنَّ شَرِيعَةَ الْإِسْلَامِ وَمَعْرِفَتَهَا لَيْسَتْ مَوْقُوفَةً عَلَى شَيْءٍ يُتَعَلَّمُ مِن غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ أَصْلًا وإِن كَانَ طَرِيقًا صَحِيحًا.
وَهَكَذَا كُلُّ مَا بُعِثَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِثْل الْعِلْمِ بِجِهَةِ الْقِبْلَةِ، وَالْعِلْمِ بِمَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ، وَالْعِلْمِ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ، وَالْعِلْمِ بِالْهِلَالِ، فَكُل هَذَا يُمْكِنُ الْعِلْمُ بِهِ الحواشي
(١) هذا يُؤكد أن الشيخ يقف بنفسه على كتبهم، ويأخذ كلامهم منهم دون من نقله عنهم.(٢) هذا من إنصاف الشيخ على عادته، وكان ﵀ يأخذ الحسن والنافع من أيِّ أحد، ومن أي علم وفن، ويدع الشر والخطأ ولو كان من حبيب.стр. 703
بِالطُّرُقِ الَّتِي كَانَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ لَهُم بِإِحْسَان يَسْلُكُونَهَا، وَلَا يَحْتَاجُونَ مَعَهَا إلَى شَيْءٍ آخَرَ.
وَإِن كَانَ كَثِيرٌ مِن النَّاسِ قَد أَحْدَثُوا طُرُقًا أُخَرَ، وَكَثِيرٌ مِنْهُم يَظُنُّ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ الشَّرِيعَةِ إلَّا بِهَا، وَهَذَا مِن جَهْلِهِمْ.
كَمَا يَظُنُّ طَائِفَةٌ مِن النَّاسِ أَنَّ الْعِلْمَ بِالْقِبْلَةِ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِمَعْرِفَةِ أَطْوَالِ الْبِلَادِ وَعُرُوضِهَا.
وَهُوَ وَإِن كَانَ عِلْمًا صَحِيحًا حِسَابِيًّا يُعْرَفُ بِالْعَقْلِ، لَكِنَّ مَعْرِفَةَ الْمُسْلِمِينَ بِقِبْلَتِهِمْ لَيْسَتْ مَوْقُوفَةً عَلَى هَذَا.
بَل قَد ثَبَتَتْ عَن صَاحِبِ الشَّرْعِ. [٩/ ٢١٥]
٦٧٥ - لَا نُنْكِرُ أَنَّ الْقِيَاسَ يَحْصُلُ بِهِ عِلْمٌ إذَا كَانَت مَوَادُّهُ يَقِينِيَّةً، لَكِنْ نَقُولُ: إنَّ الْعِلْمَ الْحَاصِلَ بِهِ لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْقِيَاسِ الْمَنْطِقِيِّ؛ بَل يَحْصُلُ بِدُونِ ذَلِكَ، فَلَا يَكُون شَيْءٌ مِن الْعِلْمِ مُتَوَقِّفًا عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ. [٩/ ٢١٨]
* * *
(طَرِيقَةُ الْقُرْآنِ فِي بَيَانِ إمْكَانِ الْمَعَادِ)
٦٧٦ - طَرِيقَةُ الْقُرْآنِ فِي بَيَانِ إمْكَانِ الْمَعَادِ:
أ - فَتَارَةً يُخْبِرُ عَمَّن أَمَاتَهُم ثُمَّ أَحْيَاهُم كَمَا أَخْبَرَ عَن قَوْمِ مُوسَى الَّذِينَ قَالُوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]، قَالَ: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٥، ٥٦].
وَكَمَا أَخْبَرَ عَن الْمَسِيحِ أَنَهُ كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ، وَعَن أَصْحَابِ الْكَهْفِ أَنَّهُم بُعِثُوا بَعْدَ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ وَتِسْعِ سِنِينَ.
ب - وَتَارَةً يَسْتَدِلُّ عَلَى ذَلِكَ بِالنَّشْأَةِ الْأُولَى؛ فَإِنَّ الْإِعَادَةَ أَهْوَنُ مِن الِابْتِدَاءِ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ الْآيَةُ [الحج: ٥].
стр. 704
ج - وَتَارَةً يَسْتَدِلُّ عَلَى ذَلِكَ بِخَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ؛ فَإِنَّ خَلْقَهُمَا أَعْظَمُ مِن إعَادَةِ الْإِنْسَانِ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [الأحقاف: ٣٣].
د - وَتَارَةً يَسْتَدِلُّ عَلَى إمْكَانِهِ بِخَلْقِ النَّبَاتِ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾ [الأعراف: ٥٧].
فَقَد تَبَيَّنَ أَنَّ مَا عِنْدَ أَئِمَّةِ النُّظَّارِ أهْلِ الْكَلَامِ وَالْفَلْسَفَةِ مِن الدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ عَلَى الْمَطَالِبِ الْإِلَهِيَّةِ: فَقَد جَاءَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ بِمَا فِيهَا مِن الْحَقِّ وَمَا هُوَ أَبْلَغُ وَأَكْمَلُ مِنْهَا عَلَى أَحْسَنِ وَجْهٍ، مَعَ تَنَزُّهِهِ عَن الْأَغَالِيطِ الْكَثِيرَةِ الْمَوْجُودَةِ عِنْدَ هَؤُلَاء؟ فَإنَّ خَطَأَهُم فِيهَا كَثِيرٌ جِدًّا، وَلَعَلَّ ضَلَالَهُم أَكْثَرُ مِن هُدَاهُمْ، وَجَهْلَهُم أَكْثَرُ مَن عِلْمِهِمْ.
وَلهَذَا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ الرَّازِيَّ فِي آخِرِ عُمُرِهِ فِي كِتَابِهِ: "أَقْسَامِ اللذَّاتِ" (١) : لَقَد تَأمَّلْت الطُّرُقَ الْكَلَامِيَّةَ وَالْمَنَاهِجَ الْفَلْسَفِيَّةَ، فَمَا رَأَيْتهَا تَشْفِي عَلِيلًا، وَلَا تَرْوِي غَلِيلًا، وَرَاُّيْت اُّقْرَبَ الطُّرُقِ طَرِيقَةَ الْقُرْآنِ، اقْرَأ فِي الْإِثْبَاتِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) ﴾ [طه: ٥]، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، وَاقْرَأ فِي النَّفْيِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠) ﴾ [طه: ١١٠]، وَمَن جَرَّبَ مِثْل تَجْرِبَتِي عَرَفَ مِثْل مَعْرِفَتِي. [٩/ ٢٢٤ - ٢٢٥] الحواشي
(١) وهو مطبوع.
ومما قاله في كتابه: "إن لكل قوة وحاسة لذة، ولذة العقل العلم، وأشرف العلم: العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله"، ثم قال: "وعلى كل واحدةٍ منها عقدة لم تنحل"؛ أي: أنَّ عنده إشكالًا.
وهذا يبيَّن أنه كان غارقًا في بحار الشبهات، متلوثًا بعلوم الفلاسفة وأهل الكلام، فذلك ندم أشد الندم على تضييع عمره في الانشغال في الطُّرُق الْكَلَامِيَّة وَالْمَنَاهِج الْفَلْسَفِيَّة.
وقال:
نهاية إقدام العقول عقال … وغاية سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا … وحاصل دنيانا أذىً ووبالстр. 705
٦٧٧ - إِنَّ مَبْنَى الْعَقْلِ عَلَى صِحَّةِ الْفِطْرَةِ وَسَلَامَتِهَا، وَمَبْنَى السَّمْعِ عَلَى تَصْدِيقِ الْأنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ (١) . [٩/ ٢٢٦]
٦٧٨ - الْأَنْبِيَاءُ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِم كَمَّلُوا لِلنَّاسِ الْأَمْرَيْنِ:
أ - فَدَلُّوهُم عَلَى الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي بِهَا تُعْلَمُ الْمَطَالِبُ الَّتِي يُمْكِنُهُم عِلْمُهُم بِهَا بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ.
ب - وَأَخْبَرُوهُم مَعَ ذَلِكَ مِن تَفَاصِيلِ الْغَيْبِ بِمَا يَعْجِزُونَ عَن مَعْرِفَتِهِ بِمُجَرَّدِ نَظَرِهِمْ وَاسْتِدْلَالِهِمْ.
وَلَيْسَ تَعْلِيمُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِم الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَقْصُورًا عَلَى مُجَرَّدِ الْخَبَر (٢) كمَا يَظُنُّهُ كَثِيرٌ؛ بَل هُم بَيَّنُوا مِن الْبَرَاهِينِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي بِهَا تُعْلَمُ الْعُلُومُ الْأِلَهِيَّةُ مَا لَا يُوجَدُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ (٣) أَلْبَتَّةَ.
فَتَعْلِيمُهُم صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِم جَامِعٌ لِلْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالسَّمْعِيَّةِ جَمِيعًا، بِخِلَافِ الَّذِينَ خَالَفُوهُمْ؛ فَإِنَّ تَعْلِيمَهُم غَيْرُ مُفِيدٍ لِلْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالسَّمْعِيَّةِ، مَعَ مَا فِي نُفُوسِهِمْ مِن الْكِبْرِ الَّذِي مَا هُم بَالِغِيهِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦) ﴾ [غافر: ٥٦]. [٩/ ٢٢٦ - ٢٢٧]
٦٧٩ - اتفق الْعُقَلَاءُ عَلَى أَنَّ ضَرْبَ الْمَثَلِ مِمَّا يُعِينُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْكُلِّيَّاتِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ الْحَالُ إذَا ذُكِرَ مَعَ الْمِثَالِ كَالْحَالِ إذَا ذُكِرَ مُجَرَّدًا عَنْهُ.
وَمَن تَدَبَّرَ جَمِيعَ مَا يَتَكَلَّمُ فِيهِ النَّاسُ مِن الْكُلِّيَّاتِ الْمَعْلُومَةِ بِالْعَقْلِ فِي الطِّبِّ وَالْحِسَابِ وَالصِّنَاعَاتِ وَالتِّجَارَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَجَدَ الْأمْرَ كَذَلِكَ. الحواشي
(١) فلا يستقيم عقل الإنسان إلا إذا سلمت فطرته من المكدرات والشوائب، ولا يستقيم علم الإنسان ومنطقه وكلامه إلا إذا صدّق الأنبياء ﵈ وأخذ العلم من الوحي.(٢) أي: ليس مقصورًا على إخبارهم لقومهم بأخبار المعاد والقبر والجنة والنار، بل أضافوا إلى ذلك الأدلة العقلية.(٣) أي: أهل المنطق.стр. 706
وَالْإِنْسَانُ قَد يُنْكِرُ أَمْرًا حَتَّى يَرَى وَاحِدًا مِن جِنْسِهِ فَيُقِرُّ بِالنَّوْعِ وَيَسْتَفِيدُ بِذَلِكَ حُكْمًا كُلِّيُّا؛ وَلهَذَا يَقُولُ سُبْحَانَهُ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) ﴾ [الشعراء: ١٠٥]، ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) ﴾ [الشعراء: ١٢٣] وَنَحْو ذَلِكَ.
وَكُلٌّ مِن هَؤُلَاءِ إنَّمَا جَاءَهُ رَسُولٌ وَاحِدٌ، وَلَكِنْ كَانُوا مُكَذِّبِينَ بِجِنْسِ الرُّسُلِ لَمْ يَكُنْ تَكْذِيبُهُم بِالْوَاحِدِ بِخُصُوصهِ. [٩/ ٢٣٨]
* * *
(قِيَاس الطَّرْدِ وَقِيَاس الْعَكْسِ)
٦٨٠ - مِن أَعْظَمِ صِفَاتِ الْعَقْلِ: مَعْرِفَةُ التَّمَاثُلِ وَالِاخْتِلَافِ، فَإِذَا رَأَى الشَّيْئَيْنِ الْمُتَمَاثِلَيْنِ عَلِمَ أَنَّ هَذَا مِثْلُ هَذَا، فَجَعَلَ حُكْمَهُمَا وَاحِدًا، كمَا إذَا رَأَى الْمَاءَ وَالْمَاءَ، وَالتُّرَابَ وَالتُّرَابَ، وَالْهَوَاءَ وَالْهَوَاءَ، ثُمَّ حَكَمَ بِالْحُكْمِ الْكُلِّيِّ عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ.
وإِذَا حَكَمَ عَلَى بَعْضِ الْأَعْيَانِ وَمَثَّله بِالنَّظِيرِ، وَذَكَرَ الْمُشْتَرَكَ: كَانَ أَحْسَنَ فِي الْبَيَانِ، فَهَذَا قِيَاسُ الطَّرْدِ.
وَإِذَا رَأَى الْمُخْتَلِفَيْنِ كَالْمَاءِ وَالتُّرَابِ: فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا قِيَاسُ الْعَكْسِ.
وَمَا أَمَرَ اللهُ بِهِ مِن الِاعْتِبَارِ فِي كِتَابِهِ يَتَنَاوَلُ قِيَاسَ الطَّرْدِ وَقِيَاسَ الْعَكْسِ؛ فَإِنَّهُ لَمَّا أَهْلَكَ الْمُكَذبِينَ لِلرُّسُلِ بِتَكْذِيبِهِم كَانَ مِن الِاعْتِبَارِ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ مَن فَعَلَ مِثْل مَا فَعَلُوا أَصَابَهُ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ، فَيَتَّقِي تَكْذِيبَ الرُّسُلِ حَذَرًا مِن الْعُقُوبَةِ، وَهَذَا قِيَاسُ الطَّرْدِ.
وَيُعْلَمُ أَنَّ مَن لَمْ يُكَذِّبْ الرُّسُلَ لَا يُصِيبُهُ ذَلِكَ، وَهَذَا قِيَاسُ الْعَكْسِ (١) . [٩/ ٢٣٩]
* * * الحواشي
(١) إلى هنا انتهت الفوائد المنتقاة من تهذيب السيوطي لكتاب الرد على المنطقيين لشيخ الإسلام ابن تيمية، وقد قال في آخره: هَذَا آخِرُ مَا لَخَّصْته مِن كِتَابِ ابْنِ تَيْمِيَّة، وَقَد أَوْرَدْت عِبَارَتَهُ =стр. 707
(المنطق مبني على أن مدارك العلم منحصرة في أمور)
٦٨١ - بَنَوْهُ [أي: الْمَنْطِق] عَلَى أَنَّ مَدَارِكَ الْعِلْمِ مُنْحَصِرَةٌ فِي:
أ - الْحَدِّ وَجِنْسِهِ مِن الرَّسْمِ وَنَحْوِهِ.
ب - وَفي الْقِيَاسِ وَنَحْوِهِ مِن الِاسْتِقْرَاءِ وَالتَّمْثِيلِ.
لِأَنَّ الْعِلْمَ:
أ - إمَّا تَصَوُّرٌ، وَهُوَ مَعْرِفَةُ الْمُفْرَدَاتِ.
ب - وَإِمَّا تَصْدِيقٌ، وَهُوَ الْعِلْمُ بِنِسْبَةِ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ بِالنَّفْيِ أَو الْإِثْبَاتِ.
وَكُلٌّ مِن الْعِلْمَيْنِ:
أ - إمَّا بَدِيهِيٌّ لَا يَحْتَاجُ إلَى طَرِيقٍ.
ب - وَإمَّا نَظَرِيٌّ مُفْتَقِرٌ إلَى الطَّرِيقِ.
وَطَرِيقُ التَّصَوُّرِ: هوَ الْحَدُّ.
وَطَرِيقُ التَّصْدِيقِ: هُوَ الْقِيَاسُ الَّذِي يُسَمُّونَهُ الْبُرْهَانَ إنْ كَانَت مُقَدِّمَاتُهُ يَقِينيَّةً. [٩/ ٢٥٥]
* * *
(كيف انتقلت كتب فلسفة اليونان إلى المسلمين، والموقف الصحيح منها)
٦٨٢ - كَتَبْت فِيمَا تَقَدَّمَ مُلَخَّصَ الْمَنْطِقِ الْمُعَرَّبِ الَّذِي بَلَّغَتْة الْعَرَبُ عَن الْيُونَانِيِّينَ وَعَرَّبَتْهُ لَفْظًا وَمَعْنًى؛ فَإِنَّهَا أَحْسَنَتْ أَلْفَاظَهُ وَحَرَّرَتْ مَعَانِيَهُ، وَهُوَ الْمَنْسُوبُ إلَى أَرِسْطُو الْيُونَانِيِّ الَّذِي يُسَمِّيهِ أَتْبَاعُهُ مِن الصَّابِئِينَ الْفَلَاسِفَةِ
الحواشي
(١) = بلَفْظِهِ مِن غَيْرِ تَصَرُّفٍ فِى الْغَالِب، وَحَذَفْت مِن كِتَابِهِ الْكَثِيرَ فَإِنَّهُ فِي عِشْرِينَ كُرَّاسًا، وَلَمْ أَحْذِفْ مِن الْمُهمِّ شَيْئًا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. اهـ.
قلت: وأنا لمْ أحْذِفْ مِن الْمُهِمِّ لطلاب العلم والعامة شَيْئًا إن شاء الله.стр. 708
الْمُبْتَدِعِينَ "الْمُعَلِّمَ الْأَوَّلَ"؛ لِأَنَّهُ وَضَعَ التَّعَالِيمَ الَّتِي يَتَعَلَّمُونَهَا مِن الْمَنْطِقِ وَالطَّبِيعِيِّ وَمَا بَعْدَ الطَّبِيعَةِ.
فَإِنَّ هَذِهِ التَّعَالِيمَ لَمَّا اتَّصَلَتْ بِالْمُسْلِمِينَ وَعُرِّبَتْ كُتُبُهَا مَعَ مَا عُرِّبَ مِن كُتُبِ الطِّبِّ وَالْحِسَابِ وَالْهَيْئَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَانَ انْتِشَارُ تَعْرِيبِهَا فِي دَوْلَةِ الْخَلِيفَةِ أَبِي الْعَبَّاسِ الْمُلَقَّبِ بِالْمَأمُونِ: أَخَذَهَا الْمُسْلِمُونَ فَحَرَّرُوهَا لَفْظًا وَمَعْنًى.
لَكِنْ فِيهَا مِن الْبَاطِلِ وَالضَّلَالِ شَيْءٌ كَثِيرٌ.
فَمِنْهُمْ (١) : مَن اتَّبَعَهَا مَعَ مَا يَنْتَحِلُهُ مِن الْإِسْلَامِ، وَهُم صَابِئَةُ الْمُسْلِمِينَ الْمُسَمَّوْنَ بِالْفَلَاسِفَةِ، فَصَارُوا مُؤمِنِينَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ دُونَ بَعْضٍ، بِمَنْزِلَةِ الْمُبْتَدِعَةِ الحواشي
(١) سيذكر الشيخ موقف العرب والمسلمين من كتب الفلاسفة والعجم، وأنهم انقسموا إلى ثلاثة أقسام كلها أخطأت:
الأول: أخذ كل ما عندهم من خير وشر.
الثاني: أخذ منها ما يظنه تتوافق مع الإسلام وتُؤيد ما جاء به، ولكنه أخطأ في ظنه، وعادت هذه العلوم وبالًا عليه.
الثالث: ردّ هذه العلوم كلها، خيرها وشرها، ولَمْ يَتَّبعْ مِن الْقُرْآنِ وَالْإِسْلَامِ مَا يُغْنِي عَن كُلِّ حَقَّهَا، وَيدْفَعُ بَاطِلَهَا، وَلَمْ يُجَاهِدْهُم الْجِهَادَ الْمَشْرُوعَ.
الرابع: أخذ منها ما يجزم أنه لا يُخالف الإسلام ولا يتعارض مع ما جاء فيه، وردّ الباطل الذي فيها، واستغل هذه العلوم في مصالح الدين والدنيا، وهذا هو الذي ارتضاه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى قولًا وفعلًا.
وقد انقسم المسلمون في هذا الزمان تجاه أنظمة الغرب وعلومه وصناعاته وقوانينه إلى أقسام أربعة كذلك:
الأول: من أخذ كل ما عندهم من خير وشر، وترتب على ذلك احتقاره للمسلمين، وزعم أنهم متخلِّفون عن ركب الحضارة والتطور، ورأى أن الإسلام يتعارض مع التقدُّم والرقيّ.
الثاني: من أخذ منهم ما يظنه يتوافق مع الإسلام، ولكنه أخطأ في ظنه، وعاد ما أخذه منهم وبالًا عليه.
الثالث: من ردّ ما عندهم كله، خيره وشره، ولَمْ يَتَّبعْ مِن الْقُرْآنِ وَالْإِسْلَامِ مَا يُغْنِي عَن الحق الذي عندهم، وَيَدْفَعُ بَاطِلَهم، وَلَمْ يُجَاهِدْهُم الْجِهَادَ الْمَشْرُوعَ.
وهذا حال بعض المتشددين، وقد رأيت من يمتنع عن استخدام صناعات الغرب والاستفادة من الخير والصالح الذي جاء منهم، فهذا من الجهل.
الرابع: من أخذ منهم ما يجزم أنه لا يُخالف الإسلام ولا يتعارض مع ما جاء فيه، وردّ الباطل الذي عندهم، واستغل ما ينفع في مصالح الدين والدنيا، وهذا هو الصواب.стр. 709
مِن الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى قَبْلَ النَّسْخِ، لَمَّا بَدَّلُوا بَعْضَ الْكُتُبِ الَّتي بِأَيْدِيهِمْ.
وَمِنْهُمْ: مَن لَمْ يَقْصِد أَتْبَاعَهَا، لَكِنْ تَلَقَّى عَنْهُم أَشْيَاءَ يَظُنُّ أَنَّهَا جَمِيعَهَا تُوَافِقُ الْإِسْلَامَ وَتَنْصُرُهُ، وَكَثِيرٌ مِنْهَا تُخَالِفُهُ وَتَخْذُلُهُ، وَهَذِهِ حَالُ كَثِيرٍ مِن أَهْلِ الْكَلَامِ الْمُعْتَزِلَةِ.
وَمِنْهُمْ: مَن أَعْرَضَ عَنْهَا إعْرَاضًا مُجْمَلًا، وَلَمْ يَتَّبعْ مِن الْقُرْآنِ وَالْإِسْلَامِ مَا يُغْنِي عَن كُلِّ حَقِّهَا، وَيَدْفَعُ بَاطِلَهَا، وَلَمْ يُجَاهِدْهُم الْجِهَادَ الْمَشْرُوعَ، وَهَذِهِ حَالُ كَثِيرٍ مِن أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. [٩/ ٢٦٥ - ٢٦٦]
* * *
(كُتُبُ الْمَنْطِقِ: لَا تَشْتَمِل عَلَى عِلْمٍ يُؤْمَرُ بِهِ شَرعًا)
٦٨٣ - كُتُبُ الْمَنْطِقِ: لَا تَشْتَمِلُ عَلَى عِلْمٍ يُؤمَرُ بِهِ شَرْعًا، وَإِن كَانَ قَد أَدَّى اجْتِهَادُ بَعْضِ النَّاسِ إلَى أَنَّهُ فَرْضٌ عَلَى الْكفَايَةِ.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إنَّ الْعُلُومَ لَا تَقُومُ إلَّا بِهِ؛ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو حَامِدٍ، فَهَذَا غَلَطٌ عَظِيمٌ عَقْلًا وَشَرْعًا:
أمَّا عَقْلًا: فَإِنَّ جَمِيعَ عُقَلَاءِ بَنِي آدَمَ مِن جَمِيعِ أَصْنَافِ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي الْعِلْمِ حَرَّرُوا عُلُومَهُم بِدُونِ الْمَنْطِقِ الْيُونَانِيِّ.
وَأمَّا شَرْعًا: فَإِنَّهُ مِن الْمَعْلُومِ بِالِاضْطِرَارِ مِن دِينِ الْإِسْلَامِ أَنَّ اللهَ لَمْ يُوجِبْ تَعَلُّمَ هَذَا الْمَنْطِقِ الْيُونَانِيِّ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ.
وَأَمَّا هُوَ فِي نَفْسِهِ: فَبَعْضُهُ حَقٌّ وَبَعْضُهُ بَاطِلٌ، وَالْحَقُّ الَّذِي فِيهِ كَثِيرٌ مِنْهُ أو أَكْثَرُهُ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ، وَالْقَدْرُ الَّذِي يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْهُ فَأكْثَرُ الْفِطَرِ السَّلِيمَةِ تَسْتَقِلُّ بِهِ، وَالْبَلِيدُ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ، وَالذَّكِيُّ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَمَضَرَّتُهُ عَلَى مَن لَمْ يَكُن خَبِيرًا بِعُلُومِ الْأنْبِيَاءِ أَكْثَرُ مِن نَفْعِهِ.
فَإِنَّ فِيهِ مِن الْقَوَاعِدِ السَّلْبِيَّةِ الْفَاسِدَةِ مَا رَاجَتْ عَلَى كَثِيرٍ مِن الْفُضَلَاءِ، وَكَانَت سَبَبَ نِفَاقِهِمْ وَفَسَادِ عُلُومِهِمْ. [٩/ ٢٦٩ - ٢٧٠]
* * *
стр. 710
(معنى العقل)
٦٨٤ - الْعَقْلُ فِي كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ وَكَلَامِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَسَائِرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ: هُوَ أَمْرٌ يَقُومُ بِالْعَاقِلِ، سَوَاءٌ سُمِّيَ عَرضى أَو صِفَةً، لَيْسَ هُوَ عَيْنًا قَائِمَةً بِنَفْسِهَا، سَوَاءٌ سُمِّيَ جَوْهَرًا أَو جِسْمًا أَو غَيْرَ ذَلِكَ.
وَإِنَّمَا يُوجَدُ التَّعْبِيرُ بِاسْمِ الْعَقْلِ عَن الذَّاتِ الْعَاقِلَةِ الَّتِي هِيَ جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ فِي كَلَامِ طَائِفَةٍ مِن الْمُتَفَلْسِفَةِ الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ فِي الْعَقْلِ وَالنَّفْسِ، وَيدَّعُونَ ثُبُوتَ عُقُولٍ عَشَرَةٍ، كَمَا يَذْكُرُ ذَلِكَ مَن يَذْكُرُهُ مِن أَتْبَاعِ أَرِسْطُو أَو غَيْرِهِ مِن الْمُتَفَلْسِفَةِ الْمَشَّائِينَ. [٩/ ٢٧١]
وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ اسْمَ الْعَقْلِ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ وَجُمْهُورِ الْعُقَلَاءِ إنَّمَا هُوَ صِفَةٌ، وَهُوَ الَّذِي يسَمَّى عَرضى قَائِمًا بِالْعَاقِلِ.
وَعَلَى هَذَا دَلَّ الْقُرْآنُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣) ﴾ [البقرة: ٧٣]، وَقَوْلِهِ: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: ٤٦]، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَقْلَ مَصْدَرُ عَقَلَ يَعْقِلُ عَقْلًا.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ: فَالْعَقْلُ لَا يُسَمَّى بِهِ مُجَرَّدُ الْعِلْمِ الَّذِي لَمْ يَعْمَلْ بِهِ صَاحِبُهُ، وَلَا الْعَمَلُ بِلَا عِلْمٍ؛ بَل إنَّمَا يُسَمَّى بِهِ الْعِلْمُ الَّذِي يُعْمَلُ بِهِ، وَالْعَمَلُ بالْعِلْمِ (١) ، وَلهَذَا قَالَ أَهْلُ النَّارِ: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠) ﴾ [الملك: ١٠]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: ٤٦] (٢) . الحواشي
(١) فالعقل لَيْسَ هُوَ عَيْنًا قَائِمَةً بِنَفْسِهَا، إنَّمَا هُوَ صِفَةٌ كالحلم والفهم والصبر.
وإذا أردنا تعريف الحلم قلنا مثلًا: هو كظم الغيظ، والشيخ عرف العقل بقوله: الْعِلْمُ الَّذِي يُعْمَلُ بِهِ، وَالْعَمَلُ بِالْعِلْمِ.(٢) وعلى هذا: فلا يُسمى الكافر عاقلًا؛ لأن العاقل من بحث عن الحق الذي ينجيه بعد مماته ويعمل به.стр. 711
وَالْعَقْلُ الْمَشْرُوطُ فِى التَّكلِيفِ: لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عُلُومًا يُمَيِّزُ بِهَا الْإِنْسَانُ بَيْنَ مَا يَنْفَعُهُ وَمَا يَضُرُّهُ.
فَالْمَجْنُونُ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الدَّرَاهِمِ وَالْفُلُوسِ، وَلَا بَيْنَ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ، وَلَا يَفْقَهُ مَا يُقَالُ لَهُ مِن الْكَلَامِ: لَيْسَ بِعَاقِل.
أَمَّا مَن فَهِمَ الْكَلَامَ وَمَيَّزَ بَيْنَ مَا يَنْفَعُهُ وَمَا يَضُرُّهُ: فَهُوَ عَاقِلٌ.
ثُمَّ مِن النَّاسِ مَن يَقُولُ: الْعَقْلُ هُوَ عُلُومٌ ضَرُورِّيَةٌ، وَمِنْهُم مَن يَقُولُ: الْعَقْلُ هُوَ الْعَمَلُ بِمُوجَبِ تِلْكَ الْعُلُومِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ اسْمَ الْعَقْلِ يَتَنَاوَلُ هَذَا وَهَذَا.
وَقَد يُرَاد بِالْعَقْلِ نَفْسُ الْغَرِيزَةِ الَّتِي فِي الْإِنْسَانِ الَّتِي بِهَا يَعْلَمُ ويُمَيِّزُ وَيقْصِدُ الْمَنَافِعَ دُونَ الْمَضَارِّ، كَمَا قَالَ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَالْحَارِثُ المحاسبي وَغَيْرُهُمَا: أَنَّ الْعَقْلَ غَرِيزَةٌ.
وَهَذِهِ الْغَرِيزَةُ ثَابِتَةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُقَلَاءِ، كَمَا أَنَّ فِي الْعَيْنِ قُوَّةً بِهَا يُبْصِرُ، وَفِي اللِّسَانِ قُوَّةً بِهَا يَذُوقُ، وَفِي الْجِلْدِ قُوَّةً بِهَا يَلْمِسُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُقَلَاءِ. [٩/ ٢٨٦ - ٢٨٧]
٦٨٥ - الْعَقْلُ: قَائِمٌ بِنَفْسِ الْإِنْسَانِ الَّتِي تَعْقِلُ.
وَأَمَّا مِن الْبَدَنِ (١) : فَهُوَ مُتَعَلِّق بِقَلْبِهِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: ٤٦].
وَقِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: بِمَاذَا نِلْت الْعِلْمَ: قَالَ: "بِلِسَان سَؤُولٍ وَقَلْبٍ عَقُولٍ".
لَكِنَّ لَفْظَ "الْقَلْبِ":
- قَد يُرَادُ بهِ الْمُضْغَةُ الصَّنَوْبَرِيَّةُ الشَّكْلِ، الَّتِي فِي الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ مِن الْبَدَنِ، الَّتِي جَوْفُهَا عَلَقَةٌ سَوْدَاءُ، كَمَا فِي "الصَّحِيحَيْن" (٢) عَن النَّبِيِّ ﷺ : "إنَّ الحواشي
(١) أي: موضعه ومكانه في الجسم.(٢) تقدم تخريجه.стр. 712
فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ لَهَا سَائِرُ الْجَسَدِ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ لَهَا سَائِرُ الْجَسَدِ".
- وَقَد يُرَادُ بِالْقَلْبِ بَاطِنُ الْإِنْسَانِ مُطْلَقًا؛ فَإِنَّ قَلْبَ الشَّيْءِ بَاطِنُهُ؛ كقَلْبِ الْحِنْطَةِ، وَاللَّوْزَةِ، وَالْجَوْزَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْقَلِيبُ قَلِيبًا؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَ قَلْبَهُ وَهُوَ بَاطِنُهُ.
وَعَلَى هَذَا: فَإِذَا أُرِيدَ بِالْقَلْبِ هَذَا فَالْعَقْلُ مُتَعَلِّق بِدِمَاغِهِ أَيْضًا، وَلهَذَا قِيلَ: إنَّ الْعَقْلَ فِي الدِّمَاغِ؛ كَمَا يَقُولُهُ كَثِيرٌ مِن الْأَطِبَّاءِ، وَنُقِلَ ذَلِكَ عَن الْإِمَامِ أَحْمَد.
وَيقُولُ طَائِفَةٌ مِن أَصْحَابِهِ: إنَّ أَصْلَ الْعَقْلِ فِي الْقَلْبِ، فَإِذَا كَمُلَ انْتَهَى إلَى الدِّمَاغِ.
وَالتَّحْقِيقُ: أنَّ الرُّوحَ الَّتِي هِيَ النَّفْسُ لَهَا تَعَلُّقٌ بِهَذَا وَهَذَا، وَمَا يَتَّصِفُ مِن الْعَقْلِ بِهِ يَتَعَلَّقُ بِهَذَا وَهَذَا، لَكِنَّ مَبْدَأَ الْفِكْرِ وَالنَّظَرِ فِي الدِّمَاغِ، وَمَبْدَأَ الْإِرَادَةِ فِي الْقَلْبِ.
وَالْعَقْلُ يُرَادُ بِهِ الْعِلْمُ وُيرَادُ بِهِ الْعَمَلُ؛ فَالْعِلْمُ وَالْعَمَلُ الِاخْتِيَارِيُّ أَصْلُهُ الْإِرَادَةُ، وَأَصْلُ الْإِرَادَةِ فِي الْقَلْبِ، وَالْمُرِيدُ لَا يَكُونُ مُرِيدًا إلَّا بَعْدَ تَصَوُّرِ الْمُرَادِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْقَلْبُ مُتَصَوِّرًا فَيَكُونُ مِنْهُ هَذَا وَهَذَا، وَيَبْتَدِئُ ذَلِكَ مِن الدِّمَاغِ، وَآثَارُهُ صَاعِدَةٌ إلَى الدِّمَاغِ، فَمِنْهُ الْمُبْتَدَأُ وَإِلَيْهِ الِانْتِهَاءُ (١) . الحواشي
(١) خلاصة كلام ابن تيمية وبعض أهل الطب في مسألة: هل العقل في المخ أم في القلب: العقل ليس هو المخ، ومعناه: من عَقَلَ الشيء إذا منعه، فالتفكير والنظر في المخ، والإرادة ومنع النفس مما لا ينبغي من القلب.
فمَبْدَأُ الْفِكْرِ وَالنَّظَرِ والتصديق والتكذيب فِي الدِّمَاغِ، وَمَبْدَأُ الْإرَادَةِ والعزيمة والعمل بالعلم فِي الْقَلْبِ.
فالنظر والخواطر والأفكار التي تُؤدي إلى تصديق الشيء أو تكذيبه إنما هي من الدماغ والمخ، والقلبُ يُصدِّقها أو يكذِّبها.
والخوف، والفزع، والحب، والحزن، والفرح، والبغض، والحسد، والحقد، والخَور، =стр. 713
وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ لَهُ وَجْهٌ صَحِيحٌ، وَهَذَا مِقْدَارُ مَا وَسِعَتْهُ هَذِهِ الْأَوْرَاقُ (١) .
* * *
(المراد بالروح والنفس، وماهيتها)
٦٨٦ - النَّفْسُ الْمُفَارِقَةُ لِلْبَدَنِ بالْمَوْتِ: لَيْسَتْ جُزْءًا مِن أَجْزَاءِ الْبَدَنِ، وَلَا صِفَةً مِن صِفَاتِ الْبَدَنِ عِنْدَ سَلَفِ الْأَمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا. [٩/ ٢٧٢] الحواشي
(١) فلولا انتهاء الأوراق لكتب أكثر من ذلك! وكثيرًا ما يعتذر عن الإسهاب بانتهاء الأوراق، وهذا يدل على سعة علمه، ومن الجزم أنه لا يحتاجِ وقتًا ليصوغ الفكرة التي يريد صياغتها، بل هي تسيل مع قلمه، وتجري على لسانه، وإلا لمَا استطاع أن يكتب هذه الكمية الكبيرة من البحوث والفتاوى والكتب الضخمة.стр. 714
وَالرُّوحُ الْمُدَبِّرَةُ لِلْبَدَنِ الَّتِي تُفَارِقُهُ بِالْمَوْتِ هِيَ الرُّوحُ الْمَنْفُوخَةُ فِيهِ، وَهِيَ النَّفْسُ الَّتِي تُفَارِقُهُ بِالْمَوْتِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا نَامَ عَن الصَّلَاةِ: "إنَّ اللهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا حَيْثُ شَاء وَرَدَّهَا حَيْثُ شَاءَ" (١) .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢]، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: يَقْبِضُهَا قبضين: قَبْضُ الْمَوْتِ وَقَبْضُ النَّوْم، ثُمَّ فِي النَّوْمِ يَقْبِضُ الَّتِي تَمُوتُ، وُيرْسِلُ الْأُخْرَى إلَى أجَلٍ مُسَمُّى، حَتَّى يأْتِيَ أجَلُهَا وَقْتَ الْمَوْتِ.
لَكِنْ يُسَمَّى نَفْسًا بِاعْتِبَارِ تَدْبِيرِهِ لِلْبَدَنِ، وُيسَمَّى رُوحًا بِاعْتِبَارِ لُطْفِهِ؛ فَإِنَّ لَفْظَ الرُّوحِ يَقْتَضِي اللُّطْفَ؛ وَلهَذَا تُسَمَّى الرِّيحُ روحًا.
وَلَكِنَّ لَفْظَ "الرُّوحِ وَالنَّفْسِ" يُعَبَّرُ بِهِمَا عَن عِدَّةِ مَعَانٍ:
أ - فَيُرَادُ بِالرُّوحِ: الْهَوَاءُ الْخَارجُ مِن الْبَدَنِ، وَالْهَوَاءُ الدَّاخِلُ فِيهِ.
ب - وُيرَادُ بِالرُّوحِ: الْبُخَارُ الْخَارجُ مِن تَجْوِيفِ الْقَلْبِ مِن سويداه السَّارِي فِي الْعُرُوقِ.
ج - وَيُرَادُ بِنَفْسِ الشَّيْءِ: ذَاتُهُ وَعَيْنُهُ، كَمَا يُقَالُ: رَأَيْت زيْدًا نَفْسَهُ وَعَيْنَهُ، وَقَد قَالَ تَعَالَى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]، وَقَالَ: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤].
فَهَذِهِ الْمَوَاضِعُ الْمُرَادُ فِيهَا بِلَفْظِ النَّفْسِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ: اللهُ نَفْسُهُ الَّتِي هِيَ ذَاتُهُ الْمُتَّصِفَةُ بِصِفَاتِهِ.
د - وَقَد يُرَادُ بِلَفْظِ النَّفْسِ الدَّمُ الَّذِي يَكُونُ فِي الْحَيَوَانِ؛ كَقَوْلِ الْفُقَهَاءِ "مَا لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ"، وَمِنْهُ يُقَالُ: نَفِسَتْ الْمَرْأَةُ إذَا حَاضَتْ. الحواشي
(١) رواه مالك(٢٦) .стр. 715
فَهَذَانِ الْمَعْنيَانِ بِالنَّفْسِ لَيْسَا هُمَا مَعْنَى الرُّوحِ.
هـ - ويُرَادُ بِالنَّفْسِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِن الْمُتَأَخِّرِينَ: صِفَاتُهَا الْمَذْمُومَةُ، فَيُقَالُ: فُلَانٌ لَهُ نَفْسٌ، وَيُقَالُ: اُتْرُكْ نَفْسَك. [٩/ ٢٨٩ - ٢٩٣]
* * *
(تفصيل القول فيما يُضاف إلي الله)
٦٨٧ - قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الرِّيحُ مِن رَوحِ اللهِ" (١) ؛ أَيْ: مِن الرّوحِ الَّتِي خَلَقَهَا اللهُ؛ فَإِضَافَةُ الرّوحِ إلَى اللهِ إضَافَةُ مِلْكٍ لَا إضَافَةُ وَصْفٍ.
إذ كَلُّ مَا يُضَافُ إلَى اللهِ:
- إنْ كَانَ عَيْنًا قَائِمَةً بِنَفْسِهَا فَهُوَ مِلْكٌ لَهُ.
- وَإِن كَانَ صِفَةً قَائِمَةً بِغَيْرِهَا لَيْسَ لَهَا مَحَلٌّ تَقُومُ بِهِ فَهُوَ صِفَة للهِ.
فَالْأَوَّلُ كَقَوْلِهِ: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣) ﴾ [الشمس: ١٣]، وَقَوْلِهِ: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ [مريم: ١٧]، وَهُوَ جِبْرِيلُ.
وَالثَّاني كَقَوْلِنَا: عِلْمُ اللهِ، وَكَلَامُ اللهِ، وَقُدْرَةُ اللهِ، وَحَيَاةُ اللهِ، وَأمْرُ اللهِ. [٩/ ٢٨٩ - ٢٩٠]
* * *
(المراد يلفظ: الْجَوْهَر)
٦٨٨ - لَفْظُ الْجَوْهَرِ فِيهِ إجْمَالٌ … مَعَ أَنَّهُ قَد قِيلَ: إنَّ لَفْظَ "الْجَوْهَرِ" لَيْسَ مِن لُغَةِ الْعَرَبِ وَإِنَّهُ مُعَرَّبٌ.
وَالْعُقَلَاءُ مُتَنَازِعُونَ فِي إثْبَاتِ هَذَا: وَهُوَ انَّ الْأجْسَامَ هَل هِيَ مُرَكَّبَةٌ مِن الْجَوَاهِرِ الْمُفْرَدَةِ؟ أَمْ مِن الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ؟ أَمْ لَيْسَتْ مُرَكَّبَةً لَا مِن هَذَا وَلَا مِن هَذَا؟ الحواشي
(١) رواه أبو داود(٥٠٩٧) ، وأحمد(٧٦٣١) ، وصحَّحه الألباني في صحيح أبي داود.стр. 716
عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: أَصَحُّهَا: "الثَّالِثُ": أَنَّهَا لَيْسَتْ مُرَكَبَةً لَا مِن الْجَوَاهِرِ الْمُفْرَدَةِ وَلَا مِن الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَالصُّوفِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ؛ بَل هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُقَلَاءِ. [٩/ ٢٩٨ - ٢٩٩]
* * *
(أَيُّمَا أَفْضَلُ: الْعِلْمُ أَو العقل ؟)
٦٨٩ - سُئِلَ الشَّيْخُ ﵀:
أَيُّمَا أَفْضَلُ: الْعِلْمُ، أَو العقل؟
فَأَجَابَ: إنْ أُرِيدَ بِالْعِلْمِ: عِلْمُ اللهِ تَعَالَى الَّذِي أَنْزَلَهُ اللهُ تَعَالَى وَهُوَ الْكِتَابُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٦١]: فَهَذَا أَفْضَلُ مِن عَقْلِ الْإِنْسَانِ؛ لِأَنَّ هَذَا صِفَةُ الْخَالِقِ، وَالْعَقْلُ صِفَةُ الْمَخْلُوقِ، وَصِفَةُ الْخَالِقِ أَفْضَلُ مِن صِفَةِ الْمَخْلُوقِ.
وَإِن أُرِيدَ بِالْعَقْلِ أَنْ يَعْقِلَ الْعَبْدُ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ فَيَفْعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ وَيَتْرُكَ مَا نُهِيَ عَنْهُ: فَهَذَا الْعَقْلُ يَدْخُلُ صَاحِبُهُ بِهِ الْجَنَّةَ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِن الْعِلْمِ الَّذِي لَا يَدْخُلُ صَاحِبُهُ بِهِ الْجَنَّةَ؛ كَمَن يَعْلَمُ وَلَا يَعْمَلُ.
وَإِن أُرِيدَ بِالْعَقْلِ (١) الْغَرِيزَةُ الَّتِي جَعَلَهَا اللهُ فِي الْعَبْدِ الَّتِي يَنَالُ بِهَا الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ: فَاَلَّذِي يَحْصُلُ بِهِ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ هُوَ الْمَقْصُودُ بِهِ وَغَرِيزَةُ الْعَقْلِ وَسِيلَةٌ إلَيْهِ. وَالْمَقَاصِدُ أَفْضَلُ مِن وَسَائِلِهَا.
٦٩٠ - الْعَقْلُ يَتَضَمَّنُ الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ، فَمَن عَرَفَ الْخَيْر وَالشَّرَّ فَلَمْ يَتَّبعْ الْخَيْرَ وَيَحْذرِ الشَّرَّ لَمْ يَكُن عَاقِلًا؛ وَلهَذَا لَا يُعَدُّ عَاقِلًا إلَّا مَن فَعَلَ مَا يَنْفَعُهُ وَاجْتَنَبَ مَا يَضُرُّهُ. [١٥/ ١٠٨] الحواشي
(١) في الأصل: (الْعَقْلُ)، ولعل المثبت أصوب.стр. 717
٦٩١ - عن إبراهيم الحربي عن أحمد أنه قال: العقل غريزة، والحكمة فطنة، والعلم سماع، والرغبة في الدنيا هوى، والزهد فيها عفاف.
قال القاضي: ومعنى قوله: "غريزة" أنه خلقه الله ابتداء، وليس باكتساب العبد ترتيب جيد، لكن الغرائز في القوى.
وقال ابن فورك: هو العلم الذي يمتنع به من فعل القبيح.
قال: ومعنى ذلك كله متقارب، وما ذكرناه أولى، وهو قول الجمهور من المتكلمين، خلافًا لما حكي عن الفلاسفة أنه اكتساب. [المستدرك ٢/ ٢٩١]
* * *
(الْعِلْمُ بِاللهِ أَفْضَلُ مِن الْعِلْمِ بِخَلْقِهِ)
٦٩٢ - الْعِلْمُ بِاللهِ أَفْضَلُ مِن الْعِلْمِ بِخَلْقِهِ (١) ؛ وَلهَذَا كَانَت آيَةُ الْكُرْسِيِّ أَفْضَلَ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ؛ لِأنَّهَا صِفَةُ اللهِ تَعَالَى، وَكَانَتْ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) ﴾ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ.
لِأَنَّ الْقُرْآنَ "ثَلَاثَةُ أَثْلَاثٍ": ثُلُثٌ تَوْحِيدٌ، وَثُلُثٌ قَصَصٌ، وَثُلُثٌ أَمْرٌ وَنَهْيٌ. الحواشي
(١) إنَّ الذي يهتم بعلوم التربية والفن والإلقاء والخطابة والنفس والتعامل ونحوها من العلوم وإن كانت شريفة فاضلة، إلا أنها ليست كشرف وفضيلة العلوم الشرعية؛ لأن الْعِلْم بِاللهِ أَفْضَلُ مِن الْعِلْم بِخَلْقِهِ، فلا مقارنة بين العلم بالله وصفاته وأحكامه، وبين العلم بالناس وأحوالهم وطباعَهم والتعامل المناسب معهم.
مع أن من يتمكن من العلم الشرير بأكمله لن يحتاج إلى كثير من هذه العلوم، فقد جاءت بأكمل الأساليب في التربية والتعامل والإلقاء والأخلاق ونحوها.
إنه لا يستوي العلم بالخالق العظيم الذي بيده الضر والنفع، والجنة والنار، بالعلم بالمخلوق الضعيف الذي لا يملك مثقال ذرة، وهو مخلوق مثلنا ضعيف مربوب.
حتى وإن كان المخلوق من أهل الصلاح والخير والعلم، فصرف الأوقات كلها أو أكثرها في ذلك خسارة كبيرة؛ لأنه تُفوت العلم بما هو أعظم وأكمل وأنفع.
فاصرف همّتك وقلبك ووقتك إلى العلم بالواحد الأحد، الذي كلما ازددت علمًا بأسمائه وصفاته، وشرعه وآياته: عظم قدرك، واستنار قلبك، وانشرح صدرك، وعلت همتك، وزهدت بغيره، وقنعت به وبما جاءك منه.стр. 718
وَثُلُثُ التَّوْحِيدِ أَفْضَلُ مِن غَيْرِهِ. [٩/ ٣٠٦]
* * *
(صَلَاحُ الْقَلْبِ وَحَقُّهُ وَاَلَّذِي خُلِقَ مِن أَجْلِهِ هُوَ أَنْ يَعْقِلَ الْأَشْيَاءَ، لَا أَنْ يَعْلَمَهَا فَقَطْ)
٦٩٣ - إنَّ اللهَ خَلَقَ الْقَلْبَ. لِلْإِنْسَانِ يَعْلَمُ بِهِ الْأَشْيَاءَ، كَمَا خَلَقَ لَهُ الْعَيْنَ يَرَى بِهَا الْأَشْيَاءَ، وَالْأُذُنَ يَسْمَعُ بِهَا الْأَشْيَاءَ، كَمَا خَلَقَ لَهُ سُبْحَانَهُ كُلَّ عُضْوٍ مِن أَعْضَائِهِ لِأَمْر مِن الْأُمُورِ وَعَمَلٍ مِن الْأَعْمَالِ؛ فَالْيَدُ لِلْبَطْشِ، وَالرِّجْلُ لِلسَّعْيِ، وَاللِّسَانُ لِلنُّطْقِ، وَالْفَمُ لِلذَّوْقِ، وَالْأَنْفُ لِلشَّمِّ، وَالْجِلْدُ لِلَّمْسِ (١) .
وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَعْضَاءِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ.
فَإِذَا اسْتَعْمَلَ الْإِنْسَانُ الْعُضْوَ فِيمَا خُلِقَ لَهُ وَأُعِدَّ لِأَجْلِهِ: فَذَلِكَ هُوَ الْحَقُّ الْقَائِمُ، وَالْعَدْلُ الَّذِي قَامَتْ بِهِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَكَانَ ذَلِكَ خَيْرًا وَصَلَاحًا لِذَلِكَ الْعُضْوِ، وَلرَبِّهِ، وَللشَّيْءِ الَّذِي اُسْتُعْمِلَ فِيهِ، وَذَلِكَ الْإِنْسَانُ الصَّالِحُ هُوَ الَّذِي اسْتَقَامَ حَالُهُ و ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) ﴾ [البقرة: ٥].
وَإِذَا لَمْ يُسْتَعْمَل الْعُضْوُ فِي حَقِّهِ بَل تُرِكَ بَطَّالًا: فَذَلِكَ خُسْرَانٌ، وَصَاحِبُهُ مَغْبُونٌ.
وَإِن اُسْتُعْمِلَ فِي خِلَافِ مَا خُلِقَ لَهُ: فَهُوَ الضَّلَالُ وَالْهَلَاكُ، وَصَاحِبُهُ مِن الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْرًا.
ثُمَّ إنَّ سَيِّدَ الْأَعْضَاءِ وَرَأسَهَا هُوَ الْقَلْبُ. الحواشي
(١) فلو استخدم اليد للمشي، والرجل للمس أو الأكل، فإن هذا تغيير في الفطرة، ولن ينتفع بالعضو انتفاعًا تصلح به نفسه وغيره، وكذلك القلب والعقل، فهما خُلقا للتفكير السليم والفهم الصحيح والنظر والعلم النافع، فإذا لم ينشغل العقل والقلب بذلك فسد وأفسد، حيث وُضع في غير مكانه، واسْتُعَمِل فيما لم يُخلق له.стр. 719
وَإذ قَد خُلِقَ الْقَلْبُ لِأَنْ يُعْلَمَ بِهِ، فَتَوَجُّهُهُ نَحْو الْأَشْيَاءِ ابْتِغَاءَ الْعِلْمِ بِهَا هُوَ الْفِكْرُ وَالنَّظَرُ، كَمَا أَنَّ إقْبَالَ الْأُذُنِ عَلَى الْكَلَامِ ابْتِغَاءَ سَمْعِهِ هُوَ الْإِصْغَاءُ وَالِاسْتِمَاعُ، وَانْصِرَافَ الطَّرْفِ إلَى الْأَشْيَاءِ طَلَبًا لِرُؤْيَتِهَا هُوَ النَّظَرُ.
فَالْفِكْرُ لِلْقَلْبِ كَالْإِصْغَاءِ لِلْأُذُنِ، وَمِثْلُهُ نَظَرُ الْعَيْنَيْنِ.
وَإِذَا عَلِمَ مَا نَظَرَ فِيهِ: فَذَاكَ مَطْلُوبُهُ، كَمَا أَنَّ الْأذُنَ كَذَلِكَ إذَا سَمِعَتْ مَا أَصْغَتْ إلَيْهِ، أَو الْعَيْنُ إذَا أَبْصَرَتْ مَا نَظَرَتْ إلَيْهِ.
وَكَمْ مِن نَاظِرٍ مُفَكِّرٍ لَمْ يُحَصِّل الْعِلْمَ وَلَمْ يَنَلْهُ (١) ، كَمَا أَنَّهُ كَمْ مِن نَاظِرٍ إلَى الْهِلَالِ لَا يُبْصِرُهُ وَمُسْتَمِعٍ إلَى صَوْتٍ لَا يَسْمَعُهُ.
وَعَكْسُهُ مَن يُؤْتَى عِلْمًا بِشَيْء لَمْ يَنْظُرْ فِيهِ وَلَمْ تَسْبِقْ مِنْهُ إلَيْهِ سَابِقَةُ تَفْكِيرٍ فِيهِ (٢) ، كَمَن فَاجَأَتْهُ رُؤَيةُ الْهِلَالِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلَيْهِ، أَو سَمِعَ قَوْلًا مِن غَيْرِ أَنْ يُصْغِيَ إلَيْهِ.
وَذَلِكَ كُلُّهُ لَا لِأَنَ الْقَلْبَ بِنَفْسِهِ يَقْبَلُ الْعِلْمَ، وَإِنَّمَا الْأَمْرُ مَوْقُوفٌ عَلَى شَرَائِطَ وَاسْتِعْدَادٍ، قَد يَكُونُ فِعْلًا مِن الْإِنْسَانِ فَيَكُونُ مَطْلُوبًا، وَقَد يَأْتِي فَضْلًا مِن اللهِ فَيَكونُ مَوْهُوبًا.
فَصَلَاحُ الْقَلْبِ وَحَقُّهُ وَاَلَّذِي خُلِقَ مِن أَجْلِهِ هُوَ أَنْ يَعْقِلَ الْأَشْيَاءَ، لَا أَقُولُ أَنْ يَعْلَمَهَا فَقَطْ، فَقَد يَعْلَمُ الشَّيْءَ مَن لَا يَكونُ عَاقِلًا لَهُ؛ بَل غَافِلًا عَنْهُ مُلْغِيًا لَهُ، وَاَلَّذِي يَعْقِلُ الشَّيْءَ هُوَ الَّذِي يُقَيِّدُهُ وَيَضْبُطُهُ وَيَعِيهِ وَيُثْبِتُهُ فِي قَلْبِهِ، فَيَكُونُ وَقْتَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ غَنِيًّا، فَيُطَابِقُ عَمَلُهُ قَوْلَهُ، وَبَاطِنُة ظَاهِرَهُ، وَذَلِكَ هُوَ الَّذِي أُوتِيَ الْحِكْمَةَ، ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]. الحواشي
(١) كحال الذين يقرؤون الجرائد والقصص والروايات للتسلية والمتعة، والذين يستمعون لأخبار الناس أو أحاديثهم وغير ذلك لمحبة الاستطلاع، فهؤلاء نَظروا وفَكّروا وأنصتوا، ولكنهم -وللأسف- لَمْ يُحَصِّلوا الْعِلْمَ وَلَمْ يَنَالوهُ، بل ضيّعوا أوقاتهم، وأهدروا عقولهم بلا فائدة، فيا خسارة من هذه حاله.(٢) كحال المقلدين، الذين يقرؤون ولا يتفكرون، ويستمعون ولا يُمحصون.стр. 720
فَإِذَا كَانَ الْقَلْبُ مَشْغُولًا بِاللهِ عَاقِلًا لِلْحَقِّ مُتَفَكِّرًا فِي الْعِلْمِ: فَقَد وُضِعَ فِي مَوْضِعِهِ. [٩/ ٣٠٧ - ٣١٣]
* * *
(معني قوله تعالى: ﴿لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧) ﴾ [ق: ٣٧])
٦٩٤ - قَوْله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧) ﴾، فَإِنَّ مَن يُؤتَى الْحِكْمَةَ وَينْتَفِعُ بِالْعِلْمِ عَلَى مَنْزِلَتَيْنِ:
أ - إمَّا رَجُلٌ رَأَى الْحَقَّ بِنَفْسِهِ فَقَبِلَهُ فَاتَّبَعَهُ وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى مَن يَدْعُوهُ إلَيْهِ، فَذَلِكَ صَاحِبُ الْقَلْبِ.
ب - أَو رَجُلٌ لَمْ يَعْقِلْهُ بِنَفْسِهِ بَل هُوَ مُحْتَاجٌ إلَى مَن يُعَلِّمُهُ وَيُبَيِّنُهُ لَهُ وَيَعِظُهُ وُيؤَدِّبُهُ، فَهَذَا أَصْغَى فَـ ﴿أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧) ﴾؛ أَيْ: حَاضِرُ الْقَلْبِ لَيْسَ بِغَائِبِهِ. [٩/ ٣١١]
* * *
المذاهب والفرق
٦٩٥ - النِّسْبَةُ فِي "الصُّوفِيَّةِ" إلَى الصُّوفِ؛ لِأَنَّهُ غَالِبُ لِبَاسِ الزُّهَّادِ.
وَقَد تَكَلَّمَ بِهَذَا الِاسْمِ قَوْمٌ مِن الْأَئِمَّةِ: كَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلِ وَغَيْرِهِ.
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَالْمَنْقُولُ عَنْهُ ذَمُّ الصُّوفِيَّةِ، وَكَذَلِكَ مَالِكٌ -فِيمَا أَظُنُّ-.
وَقَد ذَمَّ طَرِيقَهُم طَائِفَةٌ مِن أَهْلِ الْعِلْمِ وَمِن الْعُبَّادِ أَيْضًا مِن أَصْحَابِ أَحْمَد وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْعُبَّادِ وَمَدَحَهُ آخَرُونَ.
والتَّحْقِيقُ فِيهِ: أَنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْمَمْدُوحِ وَالْمَذْمُومِ؛ كغَيْرِهِ مِن الطَّرِيقِ، وَأَنَّ الْمَذْمُومَ مِنْهُ قَد يَكونُ اجْتِهَادِيًّا وَقَد لَا يَكُونُ، وَأَنَّهُم فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْفُقَهَاءِ فِي "الرَّأيِ" فَإِنَّهُ قَد ذَمَّ الرَّأْيَ مِن الْعُلَمَاءِ وَالْعبَّادِ طَوَائِفُ كَثِيرَةٌ.
стр. 721
والْقَاعِدَةُ الَّتي قَدَّمْتهَا تَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ.
وَفِي الْمُتَسَمِّينَ بِذَلِكَ مِن أَوْليَاءِ اللهِ وَصَفْوَتِهِ وَخِيَارِ عِبَادِهِ مَا لَا يُحْصَى عَدُّهُ.
كَمَا فِي أَهْلِ "الرَّأْيِ" مِن أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ مَن لَا يُحْصِي عَدَدَهُ إلَّا اللهُ.
وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ لَك أَنَّ الْبِدْعَةَ فِي الدِّينِ وَإِن كَانَت فِي الْأَصْلِ مَذْمُومَةً كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْبِدَعُ الْقَوْلِيَّةُ وَالْفِعْلِيَّةُ: أَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى عُمُومِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ" مُتَعَيِّنٌ وَأَنَّهُ يَجِبُ الْعَمَلُ بِعُمُومِهِ. [١٠/ ٣٦٩ - ٣٧٠]
٦٩٦ - مِمَّا يُنَاسِبُ "هَذَا الْبَابَ" قَوْلُهُمْ: فُلَانٌ يُسَلَّمُ إلَيْهِ حَالُهُ، أَو لَا يُسَلَّمُ إلَيْهِ حَالُهُ؛ فَإِنَّ هَذَا كَثِيرًا مَا يَقَعُ فِيهِ النِّزَاعُ فِيمَا قَد يَصْدُرُ عَن بَعْضِ الْمَشَايخِ وَالْفُقَرَاءِ وَالصُّوفِيَّةِ مِن أُمُورٍ يُقَالُ: إنَّهَا تُخَالِفُ الشَّرِيعَةَ:
فَمَن يَرَى أَنَّهَا مُنْكَرَةٌ وَأَنَّ إنْكَارَ الْمُنْكَرِ مِن الدِّينِ يُنْكِرُ تِلْكَ الْأُمُورَ، وَيُنْكِرُ عَلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ، وَعَلَى مَن أَحْسَنَ بِهِ الظَّنَّ وَيُبْغِضُهُ وَيَذُمُّهُ وَلُعَاقِبُهُ.
وَمَن رَأَى مَا فِي ذَلِكَ الرَّجُلِ مِن صَلَاحٍ وَعِبَادَةٍ: كزُهْدٍ وَأَحْوَالٍ وَوَرَعٍ وَعِلْمٍ لَا يُنْكِرُهَا؛ بَل يَرَاهَا سَائِغَةً أَو حَسَنَةً، أَو يُعْرِضُ عَن ذَلِكَ.
وَقَد يَغْلُو كُلُّ وَاحِدٍ مِن هَذَيْنِ: حَتَّى يَخْرُجَ بِالْأَوَّلِ إنْكَارُهُ إلَى التَّكْفِيرِ وَالتَّفْسِيقِ فِي مَوَاطِنِ الِاجْتِهَادِ. مُتَّبِعًا لِظَاهِرِ مِن أَدِلَّةِ الشَّرِيعَةِ.
وَيخْرُجُ بِالثَّانِي إقْرَارُهُ إلَى الْإِقْرَارِ بِمَا يُخَالِفُ دِينَ الْإِسْلَامِ مِمَّا يُعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ الرَّسُولَ جَاءَ بِخِلَافِهِ.
وَالْأَوَّلُ: كَثِيرًا مَا يَقَعُ فِي ذَوِي الْعِلْمِ لَكِنْ مَقْرُونًا بِقَسْوَةٍ وَهَوًى.
وَالثَّاني: كَثِيرًا مَا يَقَعُ فِي ذَوِي الرَّحْمَةِ لَكِنْ مَقْرُونًا بِضَلَالٍ وَجَهْلٍ (١) . الحواشي
(١) كأنه يتكلم عن واقعنا ﵀ رحمةً واسعة، فكثيرٌ من الناس يختلفون في الجماعات أو الأفراد من الدعاة والمشايخ والسياسيّين وغيرهم، بين قاح ومادح، فالأمة الوسط تنظر بعين العلم والرحمة، فمن غلّب أحدَهما وقع في الخطأ كما قال الشيخ ﵀.стр. 722
فَأَمَّا الْأُمَّةُ الْوَسَطُ: فَلَهُم الْعِلْمُ وَالرَّحْمَةُ، كَمَا أَخْبَرَ عَن نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]. [١٠/ ٣٧٨ - ٣٧٩]
٦٩٧ - مَا مِن الْأَئِمَّةِ إلَّا مَن لَهُ أَقْوَالٌ وَأَفْعَالٌ لَا يُتَّبَعُ عَلَيْهَا مَعَ أَنَّهُ لَا يُذَمُّ عَلَيْهَا. [١٠/ ٣٨٣]
٦٩٨ - الْأَقْوَالُ وَالْأَفْعَالُ الَّتِي لَمْ يُعْلَمْ قَطْعًا مُخَالَفَتُهَا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ بَل هِيَ مِن مَوَارِدِ الِاجْتِهَادِ الَّتِي تَنَازَعَ فِيهَا أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ، فَهَذِهِ الْأُمُورُ قَد تَكُونُ قَطْعِيَّةً عِنْدَ بَعْضِ مَن بَيَّنَ اللهُ لَهُ الْحَقَّ فِيهَا، لَكِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُلْزِمَ النَّاسَ بِمَا بَانَ لَهُ وَلَمْ يَبِنْ لَهُمْ (١) . [١٠/ ٣٨٣ - ٣٨٤]
٦٩٩ - مَن عُرِفَ مِن عَادَتِهِ الصِّدْقُ وَالْأَمَانَةُ أُقِرَّ عَلَى مَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ كَذِبٌ وَحَرَامٌ.
وَمَن عُرِفَ مِنْهُ الْكَذِبُ أَو الْخِيَانَةُ لَمْ يُقَر عَلَى الْمَجْهُولِ. [١٠/ ٣٨٦]
وَأَمَّا الْمَجْهُولُ فَيُتَوَقَّفُ فِيهِ.
٧٠٠ - الْعِبَادَاتُ الدِّينِيَّةُ أُصُولُهَا: الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي جَاءَ ذِكْرُهَا فِي "الصَّحِيحَيْنِ" فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاص لَمَّا أَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ: "ألَمْ أُحَدَّثْ أَنَّك قُلْت لَأَصُومَنَّ النَّهَارَ وَلَأَقُومَنَّ اللَّيْلَ وَلَأَقرَأَنَّ الْقُرْآنَ فِي ثَلَاثٍ؟ " قَالَ: بَلَى، قَالَ: "فَلَا تَفْعَلْ" (٢) .
وَلَمَّا كَانَت هَذِهِ الْعِبَادَاتُ هِيَ الْمَعْرُوفَةَ قَالَ فِي حَدِيثِ الْخَوَارجِ الَّذِي فِي "الصَّحِيحَيْنِ": "يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاَتَهُ مَعَ صَلَاِتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَقرَاءَتَهُ الحواشي
(١) ينطبق هذا على الخوارج في عصرنا، الذين قاتلوا من خالفهم من المسلمين، ولم ينظموا تحت رايتهم التي زعموا أنها راية الخلافة، فقد ألزموا النَّاسَ بِمَا بَانَ لَهُم وَلَمْ يَبِنْ لغيرهمْ.(٢) رواه البخاري(١٩٧٥) ، ومسلم(١١٥٩) ، ولم أجد قراءة القرآن فى حديث عبد الله بن عمرو ﵄.стр. 723
مَعَ قِرَاءَتِهِمْ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ" (١) .
فَذَكَرَ اجْتِهَادَهُم بِالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْقِرَاءَةِ، وَأَنَّهُم يَغْلُونَ فِي ذَلِكَ حَتَّى تَحْقِرَ الصَّحَابَةُ عِبَادَتَهُم فِي جَنْبِ عِبَادَةِ هَؤُلَاءِ.
وَهَؤُلَاءِ غَلَوْا فِي الْعِبَادَاتِ بِلَا فِقْهٍ فَآلَ الْأَمْرُ بِهِم إلَى الْبِدْعَة … فَإِنَّهُم قَد اسْتَحَلُّوا دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَكَفَّرُوا مَن خَالَفَهُمْ، وَجَاءَت فِيهِم الْأَحَادِيثُ. [١٠/ ٣٩١ - ٣٩٢]
٧٠١ - كُنْت فِي أَوَائِلِ عُمْرِي حَضَرْت مَعَ جَمَاعَةٍ مِن أَهْلِ "الزُّهْدِ وَالْعِبَادَةِ وَالْإِرَادَةِ"، فَكَانُوا مِن خِيَارِ أَهْلِ هَذِهِ الطَّبَقَةِ.
فَبِتْنَا بِمَكَان وَأَرَادُوا أَنْ يُقِيمُوا سَمَاعًا وَأَنْ أَحْضُرَ مَعَهُمْ، فَامْتَنَعْت مِن ذَلِكَ، فَجَعَلُوا لِي مَكَانًا مُنْفَرِدًا قَعَدْت فِيهِ، فَلَمَّا سَمِعُوا وَحَصَلَ الْوَجْدُ وَالْحَالُ صَارَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ يَهْتِفُ بِي فِي حَالِ وَجْدِهِ وَيقُولُ: يَا فُلَانُ قَد جَاءَك نَصِيبٌ عَظِيمٌ تَعَالَ خُذْ نَصِيبَك، فَقُلْت فِي نَفْسِي ثُمَّ أَظْهَرْته لَهُم لَمَّا اجْتَمَعْنَا: أَنْتُمْ فِي حِلٍّ مِن هَذَا النَّصِيبِ، فَكُلُّ نَصِيبٍ لَا يَأتِي عَن طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﷺ فَإِنِّي لَا آكُلُ مِنْهُ شَيْئًا (٢) .
وَتبَيَّنَ لِبَعْضِ مَن كَانَ فِيهِمْ مِمَن لَهُ مَعْرِفَةٌ وَعِلْمٌ أَنَّهُ كَانَ مَعَهُم الشَّيَاطِينُ، وَكَانَ فِيهِمْ مَن هُوَ سَكْرَانُ بِالْخَمْرِ.
وَاَلَّذِي قُلْته مَعْنَاهُ: أَنَّ هَذَا النَّصِيبَ وَهَذِهِ الْعَطِيَّةَ وَالْمَوْهِبَةَ وَالْحَالَ سَبَبُهَا غَيْرُ شَرْعِيٍّ، لَيْسَ هُوَ طَاعَةً للهِ وَرَسُولِهِ، وَلَا شَرَعَهَا الرَّسُولُ، فَهُوَ مِثْلُ مَن يَقُولُ: تَعَالَ اشْرَبْ مَعَنَا الْخَمْرَ وَنَحْنُ نُعْطِيك هَذَا الْمَالَ، أَو عَظِّمْ هَذَا الصَّنَمَ وَنَحْنُ نُوَلِّيك هَذِهِ الْوِلَايَةَ وَنَحْو ذَلِكَ. [١٠/ ٤١٨ - ٤١٩] الحواشي
(١) رواه البخاري(٣٦١٠) ، ومسلم(١٠٦٤) .(٢) تأمل إلى ديانته وعقله منذ نعومة أظفاره!стр. 724
٧٠٢ - لَفْظُ "الصُّوفِيَّةِ" لَمْ يَكُن مَشْهُورًا فِي الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ، وَإِنَّمَا اُشْتُهِرَ التَكَلُّمُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ. [١١/ ٥]
وَتَنَازَعُوا فِي الْمَعْنَى الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ الصُّوفِيُّ … قِيلَ: -وَهُوَ الْمَعْرُوفُ- إنَّهُ نِسْبَةٌ إلَى لُبْسِ الصُّوفِ. [١١/ ٦]
٧٠٣ - اَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْوَاحِدَ مِن هَؤُلَاءِ [أي: مَن مَاتَ أَو غُشِيَ عَلَيْهِ فِي سَمَاعِ الْقُرْآنِ وَنَحْوِهِ] إذَا كَانَ مَغْلُوبًا عَلَيْهِ لَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ وَإِن كَانَ حَالُ الثَّابِتِ أَكْمَلَ مِنْهُ. [١١/ ٨]
وَلَكِنْ مَن لَمْ يَزُلْ عَقْلُهُ مَعَ أَنَّهُ قَد حَصَلَ لَهُ مِن الْإِيمَانِ مَا حَصَلَ لَهُم أَو مِثْلُهُ أَو أَكْمَلُ مِنْهُ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْهُمْ، وَهَذِهِ حَالُ الصَّحَابَةِ ﵃، وَهُوَ حَالُ نَبِيِّنَا ﷺ ، فَإِنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ إلَى السَّمَاءِ وَأَرَاهُ اللهُ مَا أَرَاهُ وَأَصْبَحَ كَبَائِتٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَلَيْهِ حَالُهُ، فَحَالُهُ أَفْضَلُ مِن حَالِ مُوسَى ﷺ الَّذِي خَرَّ صَعِقًا لَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ، وَحَالُ مُوسَى حَالٌ جَلِيلَةٌ عَلِيَّة فَاضِلَة، لَكِنَّ حَالَ مُحَمَّدٍ ﷺ أَكْمَلُ وَأَعْلَى وَأَفْضَلُ. [١١/ ١٢ - ١٣]
٧٠٤ - طَائِفَةٌ ذَمَّت الصُّوفِيَّةَ وَالتَّصَوُّفَ … وَقَالُوا: إنَّهُم مُبْتَدِعُونَ خَارِجُونَ عَن السُّنَّةِ.
وَطَائِفَةٌ غَلَتْ فِيهِمْ وَادَّعَوْا أَنَّهُم أَفْضَلُ الْخَلْقِ وَأَكْمَلُهُم بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ، وَكِلَا طَرَفَي هَذ الْأمُورِ ذَمِيمٌ.
والصَّوَابُ: أَنَّهُم مُجْتَهِدُونَ فِي طَاعَةِ اللهِ كَمَا اجْتَهَدَ غَيْرُهُم مِن أَهْلِ طَاعَةِ اللهِ، فَفِيهِم السَّابِقُ الْمُقَرَّبُ بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِ، وَفِيهِمْ الْمُقْتَصِدُ الَّذِي هُوَ مِن أَهْلِ الْيَمِينِ، وَفِي كُلٍّ مِن الصِّنْفَيْنِ مَن قَد يَجْتَهِدُ فَيُخْطِئُ، وَفِيهِمْ مَن يُذْنِبُ فَيَتُوبُ أَو لَا يَتُوبُ. [١١/ ١٧ - ١٨]
٧٠٥ - المؤمن الكيّس يُوافق كل قوم فيما وافقوا الكتاب والسُّنَّة، وأطاعوا فيه الله ورسوله، ولا يُوافقهم فيما خالفوا فيه الكتاب والسُّنَّة، أو
стр. 725
عصوا فيه الله ورسوله، وَيقبل من كلّ طائفةٍ ما جاء به الرسول.
ومتى تحرى الإنسان الحق والعدل بعلم ومعرفةٍ كان من أولياء الله المتقين، وحزب الله المفلحين، وجند الله الغالبين. [١١/ ٢٩]
٧٠٦ - إذَا دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ أَنْ يُنْسَبَ إلَى أَهْلِ السُّنَّةِ مَذْهَبٌ بَاطِلٌ أَو يُنْسَبَ النَّاقِلُ عَنْهُم إلَى تَصَرُّفِهِ فِي النَّقْلِ: كَانَ نِسْبَةُ النَّاقِلِ إلَى التَّصَرُّفِ أَوْلَى مِن نِسْبَةِ الْبَاطِلِ إلَى طَائِفَةِ أَهْلِ الْحَقِّ. [١١/ ١٣٩]
٧٠٧ - قَالَ ابْنُ الْمُرَحَّلِ لشيخ الإسلام: قَد نَقَلَ بَعْضُ الْمُصَنِّفِينَ - وَسَمَّاهُ -: أنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ: أنَّ الشُّكْرَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالِاعْتِقَادِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هَذَا الْمَذْهَبُ الْمَحْكِيُّ عَن أَهْلِ السُّنَّةِ خَطَأٌ وَالنَّقْلُ عَن أَهْلِ السُّنَّةِ خَطَأٌ.
قَالَ ابْنُ الْمُرَحَّلِ: هَذَا قَد نُقِلَ، وَالنَّقْلُ لَا يُمْنَعُ لَكِنْ يُسْتَشْكَلُ. وَيُقَالُ: هَذَا مَذْهَبٌ مُشْكِلٌ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّة: النَّقْلُ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَنْقُلَ مَا سَمِعَ أَو رَأَى.
وَالثَّانِي: مَا يُنْقَلُ بِاجْتِهَاد وَاسْتِنْبَاطٍ.
وَقَوْلُ الْقَائِلِ: مَذْهَبُ فُلَانٍ كَذَا أَو مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ كَذَا، قَد يَكُونُ نَسَبَهُ إلَيْهِ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ هَذَا مُقْتَضَى أُصُولِهِ وإِن لَمْ يَكُن فُلَانٌ قَالَ ذَلِكَ.
وَمِثْلُ هَذَا يَدْخُلُهُ الْخَطَأُ كَثِيرًا. أَلَا تَرَى أَن كَثِيرًا مِن الْمُصَنِّفِينَ يَقُولُونَ: مَذْهَبُ الشَّافِعِيُّ أَو غَيْرِهِ كَذَا وَيكُونُ مَنْصُوصُهُ بِخِلَافِهِ؟ وَعُذْرُهُم فِي ذَلِكَ: أَنَّهُم رَأَوْا أَنَّ أُصُولَهُ تَقْتَضِي ذَلِكَ الْقَوْلَ فَنَسَبُوهُ إلَى مَذْهَبِهِ مِن جِهَةِ الِاسْتِنْبَاطِ لَا مِن جِهَةِ النَّصِّ؟ [١١/ ١٣٥ - ١٣٧]
стр. 726
٧٠٨ - مَعْلُومٌ أَنَّ عَلِيًّا وَمَن مَعَهُ مِن الصَّحَابَةِ كَانُوا أَفْضَلَ مِن مُعَاوِيةَ وَمَن مَعَهُ بِالشَّامِ … وَقَد أَخْرَجَا فِي "الصَّحِيحَيْنِ" (١) عَن أَبِي سَعِيدٍ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "تَمْرُقُ مَارِقَةٌ مِن الدِّينِ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِن الْمُسْلِمِينَ يَقْتُلُهُم أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ"، وَهَؤُلَاءِ الْمَارِقُونَ هُم الْخَوَارجُ الحرورية الَّذِينَ مَرَقُوا لَمَّا حَصَلَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ، فَقَتَلَهُم عَلِيَّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَأَصْحَابُهُ، فَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ عَلَى أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَوْلَى بِالْحَقِّ مِن مُعَاوِيَةَ وَأَصْحَابِهِ. [١١/ ١٦٧ - ١٦٨]
٧٠٩ - السَّلَفُ كَانُوا يُسَمُّونَ كُلَّ مَن نَفَى الصِّفَاتِ، وَقَالَ: إنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ، وَإِنَّ اللهَ لَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ جهميُّا، فَإِنَّ جَهْمًا أَوَّلُ مَن ظَهَرَتْ عَنْهُ بِدْعَةُ نَفْيِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَبَالَغَ فِي نَفْيِ ذَلِكَ، فَلَهُ فِي هَذِهِ الْبِدْعَةِ مَزِيَّةُ الْمُبَالَغَةِ فِي النَّفْيِ وَالِابْتِدَاءِ بِكَثْرَةِ إظْهَارِ ذَلِكَ وَالدَّعْوَةِ إلَيْهِ، وَإِن كَانَ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ قَد سَبَقَهُ إلَى بَعْضِ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْجَعْدَ بْنَ دِرْهَمٍ أَوَّلُ مَن أَحْدَثَ ذَلِكَ فِي الْإِسْلَامِ.
وَلَكِنَّ الْمُعْتَزِلَةَ وإِن وَافَقُوا جَهْمًا فِي بَعْضِ ذَلِكَ فَهُم يُخَالِفُونَهُ فِي مَسَائِلَ غَيْرِ ذَلِكَ: كَمَسَائِلِ الْقَدَرِ وَالْإِيمَانِ وَبَعْضِ مَسَائِلِ الصِّفَاتِ أَيْضًا، وَلَا يُبَالِغُونَ فِي النَّفْيِ مُبَالَغَتَهُ، وَجَهْمٌ يَقُولُ: إنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يَتَكَلَّمُ، أَو يَقُولُ: إنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ.
وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَيَقُولُونَ: إنَّهُ يَتَكَلَّمُ حَقِيقَةً، لَكِنَّ قَوْلَهُم فِي الْمَعْنَى هُوَ قَوْلُ جَهْمٍ.
وَجَهْمٌ يَنْفِي الْأَسْمَاءَ أَيْضًا كَمَا نَفَتْهَا الْبَاطِنِيَّةُ وَمَن وَافَقَهُم مِن الْفَلَاسِفَةِ، وَأَمَّا جُمْهُورُ الْمُعْتَزِلَةِ فَلَا يَنْفُونَ الْأَسْمَاءَ. [١٢/ ١١٩] الحواشي
(١) رواه مسلم(١٠٦٤) ، ولم أجده في البخاري.стр. 727
٧١٠ - كُلٌّ مِن الْمُعْتَزِلَةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ فِي مَسَائِلِ كَلَامِ اللهِ وَأَفْعَالِ اللهِ؛ بَل وَسَائِر صِفَاتِهِ وَافَقُوا السَّلَفَ وَالْأَئِمَّةَ مِن وَجْهٍ، وَخَالَفُوهُم مِن وَجْهٍ، وَلَيْسَ قَوْلُ أَحَدِهِمَا هُوَ قَوْلَ السَّلَفِ دُونَ الْآخَرِ، لَكِنِ الْأَشْعَريَّةُ فِي جِنْسِ مَسَائِلِ الصِّفَاتِ؛ بَل وَسَائِر الصِّفَاتِ وَالْقَدَرِ أَقْرَبُ إلَى قَوْلِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ مِن الْمُعْتَزِلَة. [١٢/ ١٣٤ - ١٣٥]
٧١١ - الْأَقْوَالُ الَّتِي قَالَهَا الْمُنْتَسِبُونَ إلَى الْقِبْلَةِ فِي هَذه الْمَسْأَلَةِ [أي: فِي كَلَامِ اللهِ] تَبْلُغُ سَبْعَةً أَو أَكْثَرَ.
الْأوَّلُ: قَوْلُ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَمَن وَافَقَهُم مِن مُتَصَوِّفٍ وَمُتَكَلِّم كَابْنِ سِينَا وَابْنِ عَرَبِيِّ الطَّائِيِّ وَابْنِ سَبْعِينَ وَأَمْثَالِهِمْ مِمَن يَقُولُ بِقَوْلِ الصَّابِئَةِ الذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ كَلَامَ اللهِ لَيْسَ لَهُ وُجُود خَارجٌ عَن نُفُوسِ الْعِبَادِ؛ بَل هُوَ مَا يَفِيضُ عَلَى النُّفُوسِ مِن الْمَعَانِي.
وَهَذَا الْقَوْلُ أَبْعَدُ عَن الْإِسْلَامِ مِمَن يَقُولُ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ.
وَالْقَوْلُ الثَّاني: قَوْلُ الْجَهْمِيَّة مِن الْمُعْتَزِلَة وَغَيْرِهِم الَّذِينَ يَقُولُونَ: كَلَامُ اللهِ مَخْلُوقٌ يَخْلُقُهُ فِي بَعْضِ الْأَجْسَامِ، فَمِن ذَلِكَ الْجِسْمِ ابْتَدَأَ، لَا مِن اللهِ، وَلَا يَقُومُ - عِنْدَهُم - بِاللهِ كَلَامٌ وَلَا إرَادَةٌ، وَأَوَّلُ هَؤُلَاءِ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: قَوْلُ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كُلَّابٍ الْبَصْرِيِّ وَمَن اتَّبَعَهُ، كالقلانسي وَأَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ كَلَامَ اللهِ مَعْنًى قَائِمٌ بِذَاتِ اللهِ.
الْقَوْلُ الرَّابِعُ: قَوْلُ طَوَائِفَ مِن أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْحَدِيثِ مِن السالمية وَغَيْرِهِمْ يَقُولُونَ: إنَّ كَلَامَ اللهِ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ قَدِيمَةٌ أَزَليَّةٌ، وَلَهَا مَعَ ذَلِكَ مَعَانٍ تَقُومُ بِذَاتِ الْمُتَكَلِّمِ.
وَهَؤُلَاءِ يُوَافِقُونَ الْأَشْعَرِيَّةَ والْكُلَّابِيَة فِي أَنَّ تَكْلِيمَ اللهِ لِعِبَادِهِ لَيْسَ إلَّا مُجَرَّدَ خَلْقِ إدْرَاكٍ لِلْمُتَكَلِّمِ، لَيْسَ هُوَ أَمْرًا مُنْفَصِلًا عَن الْمُسْتَمِعِ.
الْقَوْلُ الْخَامِسُ: قَوْلُ الهشامية والكَرَّامِيَة وَمَن وَافَقَهُمْ: أَنَّ كَلَامَ اللهِ
стр. 728
حَادِثٌ قَائِمٌ بِذَاتِ اللهِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُن مُتَكَلِّمًا بِكَلَام؛ بَل مَا زَالَ عِنْدَهُم قَادِرًا عَلَى الْكَلَامِ، وَهُوَ عِنْدَهُم لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ قَادِرًا عَلَى الْكَلَامِ، وَإِلَّا فَوُجُودُ الْكَلَامِ عِنْدَهُم فِي الْأَزَلِ مُمْتَنِعٌ كَوُجُودِ الْأَفْعَالِ عِنْدَهُم وَعِنْدَ مَن وَافَقَهُم مَن أَهْلِ الْكَلَامِ؛ كَالْمُعْتَزِلَةِ وَأَتْبَاعِهِمْ.
وَهُم يَقُولُونَ: إنَّهُ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ حَادِثَةٌ بِذَاتِ الرَّبِّ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ.
وَلَا يَقُولُونَ: إنَّ الْأَصْوَاتَ الْمَسْمُوعَةَ وَالْمِدَادَ الَّذِي فِي الْمُصْحَفِ قَدِيمٌ؛ بَل يَقُولُونَ: إنَّ ذَلِكَ مُحْدَثٌ.
الْقَوْلُ السَّادِسُ: قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَأَئِمَّتِهِمْ: إنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ، وَأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِصَوْت كَمَا جَاءَت بِهِ الْآثَارُ، وَالْقُرْآنُ وَغَيْرُهُ مِن الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ كَلَامُ اللهِ تَكَلَّمَ اللهُ بِهِ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتهِ، لَيْسَ بِبَائِنٍ عَنْهُ مَخْلُوقًا، وَلَا يَقُولُونَ إنَّهُ صَارَ مُتَكَلِّمًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُن مُتَكَلِّمًا، وَلَا أَنَّ كَلَامَ اللهِ تَعَالَى مِن حَيْثُ هُوَ هُوَ حَادِثٌ؛ بَل مَا زَالَ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ، وَإِن كَانَ كلَّمَ مُوسَى وَنَادَاهُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ فَكَلَامُهُ لَا يَنْفَدُ.
والْجَهْمِيَّة يَقُولُونَ: إنَّ اللهَ لَا يَتَكَلَّمُ، وَلَيْسَ لَهُ كَلَامٌ، وَإِنَّمَا خَلَقَ شَيْئًا فَعُبِّرَ عَنْهُ.
وَمِنْهُم قَالَ: إنَهُ يَتَكَلَّمُ بِكَلَام يَخْلُقُهُ فِي غَيْرِهِ وَهُوَ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ.
وَأَمَّا الكَرَّامِيَة فَتَقُولُ: إنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَهُوَ مُتَكَلِّمٌ بِهِ بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ، وَيقُولُونَ مَعَ ذَلِكَ: إنَّهُ حَادِثٌ قَائِمٌ بِهِ وَهُم لَيْسُوا مِن الْجَهْمِيَّة؛ بَل يَرُدُّونَ عَلَيْهِم أَعْظَمَ الرَّدِّ، وَهُم أَعْظَمُ مُبَايَنَةً لَهُم مِن الْأشْعَرِيَّةِ، وَيَقُولُونَ مَعَ ذَلِكَ: إنَّ الْقُرْآنَ حَادِثٌ فِي ذَاتِ اللهِ.
ثُمَّ مِن هَؤُلَاءِ مَن يَقُولُ: إنَّ كَلَامَ اللهِ كُلَّهُ حَادِثٌ، وَمِنْهُم مَن لَا يَقُولُ ذَلِكَ، وَهَذَا الْقَوْلُ مَعْرُوفٌ عَن دَاوُد بْنِ عَلِيٍّ الأصبهاني؛ بَل وَالْبُخَارِيُّ صَاحِبُ
стр. 729
الصَّحِيحِ وَغَيْرُهُ، وَطَوَائِفُ كَثِيرَةٌ يُذْكَرُ عَنْهُم هَذَا، فَلَيْسَ كُلُّ مَن قَالَ: إنَّهُ حَادِثٌ كَانَ مِن الْجَهْمِيَّة، وَلَا يَقُولُ إنَّهُ مَخْلُوقٌ. [١٢/ ١٦٣ - ١٧٧]
٧١٢ - كُلُّ مَن أَثْبَتَ للهِ مَا نَفَاهُ عَن نَفْسِهِ، أَو نَفَى عَن اللهِ مَا أَثْبَتَه لِنَفْسِهِ مِن الْمُعَطِّلَةِ وَالْمُمَثِّلَةِ، فَإِنَّهُ قَالَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَق، وَذَلِكَ مِمَّا زَجَرَ الله عَنْهُ.
وَأَمَّا تَكْفِيرُ قَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ لَا بُدَّ مِن التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ بِسَبَبِ عَدَمِ ضَبْطِهِ اضْطَرَبَتِ الْأُمَّةُ اضْطِرَابًا كَثِيرًا فِي تَكْفِيرِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ، كَمَا اضْطَرَبُوا قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي سَلْبِ الْإِيمَانِ عَن أَهْلِ الْفُجُورِ وَالْكَبَائِرِ، وَصَارَ كَثِيرٌ مِن أَهْلِ الْبِدَعِ مِثْلُ: الْخَوَارجِ وَالرَّوَافِضِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَالْجَهْمِيَّة وَالْمُمَثِّلَةِ يَعْتَقِدُونَ اعْتِقَادًا هُوَ ضَلَالٌ، يَرَوْنَهُ هُوَ الْحَقَّ، وَيَرَوْنَ كُفْرَ مَن خَالَفَهُم فِي ذَلِكَ، فَيَصِيرُ فِيهِمْ شَوْبٌ قَوِيٌّ مِن أَهْلِ الْكِتَابِ فِي كُفْرِهِمْ بِالْحَقِّ وَظُلْمِهِمْ لِلْخَلْقِ، وَلَعَلَّ أَكْثَرَ هَؤُلَاءِ الْمُكَفِّرِينَ يُكَفِّرُ بِالْمُقَالَةِ الَّتِي لَا تُفْهَمُ حَقِيقَتُهَا وَلَا تُعْرَفُ حُجَّتُهَا.
وَبِإِزَاءِ هَؤُلَاءِ الْمُكَفّرِينَ بِالْبَاطِلِ أَقْوَامٌ لَا يَعْرِفُونَ اعْتِقَادَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ كَمَا يَجِبُ، أَو يَعْرِفُونَ بَعْضَهُ وَيَجْهَلُونَ بَعْضَهُ، وَمَا عَرَفُوهُ مِنْهُ قَد لَا يُبَيِّنُونَهُ لِلنَّاسِ بَل يَكْتُمُونَهُ، وَلَا يَنْهَوْنَ عَن الْبِدَعِ الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلَا يَذُمُّونَ أَهْلَ الْبِدَعِ ويُعَاقِبُونَهُم؛ بَل لَعَلَّهُم يَذُمُّونَ الْكَلَامَ فِي السُّنَّةِ وَأُصُولِ الدِّينِ ذَمًّا مُطْلَقًا، لَا يُفَرّقُونَ فِيهِ بَيْنَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ، وَمَا يَقُولُهُ أَهْلُ الْبِدْعَةِ وَالْفُرْقَةِ، أَو يُقِرُّونَ الْجَمِيعَ عَلَى مَذَاهِبِهِم الْمُخْتَلِفَةِ كَمَا يُقَرُّ الْعُلَمَاءُ فِي مَوَاضِعِ الِاجْتِهَادِ الَّتِي يَسُوغُ فِيهَا النِّزَاعُ.
وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ قَد تَغْلِبُ عَلَى كَثِيرٍ مِن الْمُرْجِئَةِ وَبَعْضِ الْمُتَفَقِّهَةِ وَالْمُتَصَوِّفَةِ والمتفلسفة، كَمَا تَغْلِبُ الْأُولَى عَلَى كَثِيرٍ مِن أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْكَلَامِ، وَكِلَا هَاتَيْنِ الطَّرِيقَتَيْنِ مُنْحَرِفَةٌ خَارِجَةٌ عَن الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ بَيَانُ مَا بَعَثَ اللهُ بِهِ رُسُلَهُ وَأَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ، وَتَبْلِيغُ مَا
стр. 730
جَاءَت بِهِ الرُّسُلُ عَن اللهِ وَالْوَفَاءُ بِمِيِثَاقِ اللهِ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَى الْعُلَمَاءِ.
فَكَانَ مِن أَوَّلِ الْبِدَعِ وَالتَّفَرُّقِ الَّذِي وَقَعَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ "بِدْعَةُ الْخَوَارِجِ" الْمُكَفَّرَةِ بِالذَّنْبِ، فَإِنَّهُم تَكَلَّمُوا فِي الْفَاسِقِ الْمِلِّي، فَزَعَمَت الْخَوَارِجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ أَنَّ الذُّنُوبَ الْكَبِيرَةَ -وَمِنْهُم مَن قَالَ: وَالصَّغِيرَةَ - لَا تُجَامِعُ الْإِيمَانَ أَبَدًا بَل تُنَافِيهِ وَتُفْسِدُهُ.
وَقَابَلَتْهُم الْمُرْجِئَةُ وَالْجَهْمِيَّة وَمَن اتَّبَعَهُم مِن الْأَشْعَرِيَّةِ والكَرَّامِيَة، فَقَالُوا: لَيْسَ مِن الْإِيمَانِ فِعْلُ الْأَعْمَالِ الْوَاجِبَةِ، وَلَا تَرْكُ الْمَحْظُورَاتِ الْبَدَنِيَّةِ، وَالْإِيمَانُ لَا يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ؛ بَل هُوَ شَيْءٌ وَاحِدٌ يَسْتَوِي فِيهِ جَمِيعُ الْمُؤْمِنِينَ: مِن الْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ وَالْمُقَرَّبِينَ وَالْمُقْتَصِدِينَ وَالظَّالِمِينَ.
ثُمَّ قَالَ فُقَهَاءُ الْمُرْجِئَةِ: هُوَ التَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ.
وَقَالَ أَكْثَرُ مُتَكَلِّمِيهِمْ: هُوَ التَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ.
وَقَالَ بَعْضُهُم: التَّصْدِيقُ بِاللِّسَانِ.
وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ مِن الصَّحَابَةِ جَمِيعِهِمْ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَجَمَاهِيرِ الْفُقَهَاءِ وَالصُّوفِيَّةِ مِثْل مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِي وَحَمَّادِ بْنِ زيدٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمْ، وَمُحَقِّقِي أَهْلِ الْكَلَامِ، فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ وَالدِّينَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، هَذَا لَفْظُ السَّلَفِ مِن الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَإِن كَانَ قَد يَعْنِي بِالْإِيمَانِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ مَا يُغَايِرُ الْعَمَلَ، لَكِنَّ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ كُلَّهَا تَدْخُلُ أَيْضًا فِي مُسَمَّى الدِّينِ وَالْإِيمَانِ، ويدْخُلُ فِي الْقَوْلِ قَوْلُ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ، وَفِي الْعَمَلِ عَمَلُ الْقَلْبِ وَالْجَوَارحِ. [١٢/ ٤٦٤ - ٤٧٢]
٧١٣ - وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵀: فِي رَجُلٍ قَالَ: إنَّ اللهَ لَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى تَكْلِيمًا وَإِنَّمَا خَلَقَ الْكَلَامَ وَالصَّوْتَ فِي الشَّجَرَةِ وَمُوسَى ﵇ سَمِعَ مِن الشَّجَرَةِ لَا مِن اللهِ، وَأَنَّ اللهَ لَمْ يُكَلِّمْ جِبْرِيلَ بِالْقُرْآنِ، وإِنَّمَا أَخَذَهُ مِن اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، فَهَل هُوَ عَلَى الصَّوَابِ أَمْ لَا؟
стр. 731
فَأَجَابَ: الْحَمْدُ للهِ، لَيْسَ هَذَا عَلَى الصَّوَابِ؛ بَل هَذَا ضَالٌّ مُفْتَرٍ كَاذِبٌ بِاتِّفَاقِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا؛ بَل هُوَ كَافِرٌ يَجِبُ أَنْ يُسْتَتَابَ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ (١) ، وَإِذَا قَالَ: لَا أُكَذِّبُ بِلَفْظِ الْقُرْآنِ - وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤) ﴾ [النساء: ١٦٤]- بَل أُقِرُّ بِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ حَقٌّ لَكِنْ أَنْفِي مَعْنَاهُ وَحَقِيقَتَهُ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ هُم الْجَهْمِيَّة الَّذِينَ اتَّفَقَ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّهُم مِن شَرِّ أَهْلِ الْأهْوَاءِ وَالْبِدَعِ، حَتَّى أَخْرَجَهُم كَثِيرٌ مِن الْأَئِمَّةِ عَن الثِّنْتَيْنِ وَالسَّبْعِينَ فِرْقَةً.
وَمَعْنَى كَلَامِ السَّلَفِ ﵃: أَنَّ مَن قَالَ: إنَّ كَلَامَ اللهِ مَخْلُوقٌ خَلَقَهُ فِي الشَّجَرَةِ أَو غَيْرِهَا - كَمَا قَالَ هَذَا الجهمي الْمُعْتَزِلِيُّ الْمَسْؤُولُ عَنْهُ - كَانَ حَقِيقَةُ قَوْلِهِ: إنَّ الشَّجَرَةَ هِيَ الَّتِي قَالَتْ لِمُوسَى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤] وَمَن قَالَ: هَذَا مَخْلُوقٌ قَالَ ذَلِكَ، فَهَذَا الْمَخْلُوقُ عِنْدَهُ كَفِرْعَوْنَ الَّذِي قَالَ: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] كِلَاهُمَا مَخْلُوقٌ وَكِلَاهُمَا قَالَ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ قَوْلُ فِرْعَوْنَ كُفْرًا فَقَوْلُ هَؤُلَاءِ أَيْضًا كُفْرٌ. [١٢/ ٥٠٢ - ٥٠٩]
٧١٤ - اَلَّذِي اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ نُصُوصُ الْإِمَامِ أَحْمَد وَطَبَقَتِهِ مِن أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ مَن قَالَ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ فَهُوَ جهمي، وَمَن قَالَ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ عِنْدَ جَمَاهِيرِ أَهْلِ السُّنَّةِ، أَنْ لَا يُطْلَقَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا كَمَا عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَد وَجُمْهُورُ السَّلَفِ؛ لِأَنَ كُلَّ وَاحِدٍ مِن الْإِطْلَاقَيْنِ يَقْتَضِي إيهَامًا لِخَطَأٍ؛ فَإِنَّ أَصْوَاتَ الْعِبَادِ مُحْدَثَةٌ بِلَا شَكٍّ. الحواشي
(١) قال ﵀ في موضع آخر: مَن قَالَ: إنَّ اللهَ لَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى تَكْلِيمًا فَهَذَا إنْ كَانَ لَمْ يَسْمَعْ الْقُرْآنَ فَإنَّهُ يُعَرَّفُ أَنَّ هَذَا نَصُّ الْقُرْآنِ، فَإِنْ أَنْكَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ اُسْتُتِيبَ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ، وَلَا يُقْبَل مِنْهُ إنْ كَانَ كَلَامُهُ بَعْدَ أَنْ يَجْحَدَ نَصَّ الْقُرْآنِ ..
وَالْأئِمَّةُ الَّذِينَ أَمَرُوا بِقَتْلِ مِثْل هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ رُؤيَةَ اللهِ فِي الْآخِرَةِ وَيقُولُونَ: الْقرْآنُ مَخْلُوقٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ، قِيلَ: إنَّهُم أَمَرُوا بِقَتْلِهِمْ لِكُفْرِهِمْ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُم إذَا دَعَوْا النَّاسَ إلَى بِدْعَتِهِمْ أَضَلُّوا النَّاسَ فَقُتِلُوا لِأَجْلِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَحِفْظًا لِدِينِ النَّاسِ أَنْ يُضِلُّوهُمْ. (١٢/ ٥٢٣ - ٥٢٤).стр. 732
وَأَمَّا التِّلَاوَةُ فِي نَفْسِهَا الَّتِي هِيَ حُرُوفُ الْقُرْآنِ وَأَلْفَاظُهُ فَهِيَ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ.
وَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ مِن آيَاتِ الصِّفَاتِ وَأَحَادِيثِهَا: فَمَذْهَبُ سَلَفِ الْأُمَّةِ مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَسَائِر الْأَئِمَّةِ الْمَتْبُوعِينَ الْإِقْرَارُ وَالْإِمْرَارُ.
قال أَبُو سُلَيْمَانَ الخطابي وَأَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ: مَذْهَبُ السَّلَفِ فِي آيَاتِ الصِّفَاتِ وَأَحَادِيثِ الصِّفَاتِ إجْرَاؤُهَا عَلَى ظَاهِرِهَا مَعَ نَفْيِ الْكَيْفِيَّةِ وَالتَّشْبِيهِ عَنْهَا.
وَقَالَا فِي ذَلِكَ: إنَّ الْكَلَامَ فِي الصِّفَاتِ فَرْعٌ عَلَى الْكَلَامِ فِي الذَّاتِ، يُحْتَذَى فِيهِ حَذْوَهُ، ويُتَّبَعُ فِيهِ مِثَالَهُ، فَإِذَا كَانَ إثْبَاتُ ذَاتِهِ إثْبَاتَ وُجُودٍ لَا إثْبَاتَ كَيْفِيَّةٍ: فَكَذَلِكَ إثْبَاتُ صِفَاتِهِ إثْبَاتُ وُجُودٍ لَا إثْبَاتُ كَيْفِيَّةٍ، فَلَا نَقُولُ: إنَّ مَعْنَى الْيَدِ الْقُدْرَةُ، وَلَا إنَّ مَعْنَى السَّمْعِ الْعِلْمُ، هَذَا كَلَامُهُمَا. [١٢/ ٥٧٣ - ٥٧٥]
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إذَا قَالَ لَك الجهمي: كَيْفَ يَنْزِلُ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا؟ فَقُلْ لَهُ: كَيْفَ هُوَ فِي نَفْسِهِ؟ فَإِنْ قَالَ: نَحْنُ لَا نَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ ذَاتِهِ، فَقُلْ: وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ صِفَاتِهِ، وَكَيْفَ نَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ صِفَةٍ وَلَا نَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ مَوْصُوفِهَا؟
٧١٥ - أَصْلُ بِدْعَتِهِمْ [أي: الشِّيعَةُ] مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَتَكْذِيبِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ؛ وَلهَذَا لَا يُوجَدُ فِي فِرَقِ الْأُمَّةِ مِن الْكَذِبِ أَكْثَرُ مِمَّا يُوجَدُ فِيهِمْ، بِخِلَافِ الْخَوَارجِ فَإِنَّهُ لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَن يَكْذِبُ.
وَالشِّيعَةُ لَا يَكَادُ يُوثَقُ بِرِوَايَةِ أَحَدٍ مِنْهُم مِن شُيُوخِهِمْ؛ لِكَثْرَةِ الْكَذِبِ فِيهِمْ؛ وَلهَذَا أَعْرَضَ عَنْهُم أَهْلُ الصَّحِيحِ. [١٣/ ٣١ - ٣٢]
وَلَكِنَّ الشِّيعَةَ لَمْ يَكُن لَهُم فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ جَمَاعَةٌ وَلَا إمَامٌ وَلَا دَارٌ وَلَا سَيْفٌ يُقَاتِلُونَ بِهِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا لِلْخَوَارجِ تَمَيَّزُوا بِالْإِمَامِ وَالْجَمَاعَةِ وَالدَّارِ، وَسَمَّوْا دَارَهُم دَارَ الْهِجْرَةِ، وَجَعَلُوا دَارَ الْمُسْلِمِينَ دَارَ كُفْرٍ وَحَرْبٍ.
وَكِلَا الطَّائِفَتَيْنِ تَطْعَنُ بَل تُكَفِّرُ وُلَاةَ الْمُسْلِمِينَ، وَجُمْهُورُ الْخَوَارجِ يُكَفِّرُونَ عُثْمَانَ وَعَلِيًّا وَمَن تَوَلَّاهُمَا، وَالرَّافِضَةُ يَلْعَنُونَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَمَن
стр. 733
تَوَلَّاهُمْ، وَلَكِنَّ الْفَسَادَ الظَّاهِرَ كَانَ فِي الْخَوَارجِ: مِن سَفْكِ الدِّمَاءِ وَأَخْذِ الْأَمْوَالِ وَالْخُرُوجِ بِالسَّيْفِ؛ فَلِهَذَا جَاءَت الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِقِتَالِهِمْ، وَالْأحَادِيثُ فِي ذَمِّهِمْ وَالْأَمْرِ بِقِتَالِهِمْ كَثِيرَةٌ جِدُّا وَهِيَ مُتَوَاتِرَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ. [١٣/ ٣٦]
٧١٦ - تَنَازَعَ النَّاسُ فِي "الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ"؛ أَيْ: فِي أَسْمَاءِ الدِّينِ، مِثْل: مُسْلِمٍ وَمُؤمِنٍ وَكَافِرٍ وَفَاسِقٍ، وَفِي أَحْكَامِ هَؤُلَاءِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
فَالْمُعْتَزِلَةُ وَافَقُوا الْخَوَارجَ عَلَى حُكْمِهِمْ فِي الْآخِرَةِ دُونَ الدُّنْيَا، فَلَمْ يَسْتَحِلُّوا مِن دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ مَا اسْتَحَلُّتْهُ الْخَوَارج (١) .
وَفِي الْأَسْمَاءِ أَحْدَثُوا الْمَنْزِلَةَ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ، وَهَذِهِ خَاصَّةُ الْمُعْتَزِلَةِ الَّتِي انْفَرَدُوا بِهَا، وَسَائِرُ أَقْوَالِهِمْ قَد شَارَكَهُم فِيهَا غَيْرُهُمْ.
وَحَدَثَت الْمُرْجِئَةُ وَكَانَ أَكْثَرُهُم مِن أهْلِ الْكُوفَةِ، وَلَمْ يَكن أَصْحَابُ عَبْدِ اللهِ بن مسعود ﵁ مِن الْمُرْجِئَةِ، وَلَا إبْرَاهِيمُ النَّخَعِي وَأمْثَالُهُ، فَصَارُوا نَقِيضَ الْخَوَارجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ فَقَالُوا: إنَّ الْأعْمَالَ لَيْسَتْ مِن الْإِيمَانِ، وَكَانَت هَذِهِ الْبِدْعَةُ أَخَفَّ الْبِدَعِ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِن النِّزَاعِ فِيهَا نِزَاعٌ فِي الِاسْمِ وَاللَّفْظِ دُونَ الْحُكْمِ. [١٣/ ٣٨]
٧١٧ - صَارَت الْمُرْجِئَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:
فَعُلَمَاؤُهُم وَأَئِمَّتُهُمْ (٢) احْسَنُهُم قَوْلًا؛ وَهُوَ أَنْ قَالُوا: الْإِيمَانُ تَصْدِيقُ الْقَلْبِ وَقَوْلُ اللِّسَانِ.
وَقَالَتْ الْجَهْمِيَّة: هُوَ تَصْدِيقُ الْقَلْبِ فَقَطْ.
وَقَالَتْ الْكَرَامِيَّةُ: هُوَ الْقَوْلُ فَقَطْ. الحواشي
(١) هذا الذي يترتب على عدم تكفيرهم صاحب الكبيرة في الدنيا، بخلاف الحكم عليه في الآخرة، فهم متفقون مع الخوارج في تخليده في النار.(٢) وهم مرجئة الفقهاء.стр. 734
فَمَن تَكَلَّمَ بِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ كَامِلُ الْإِيمَانِ، لَكِنْ إنْ كَانَ مُقِرًّا بِقَلْبِهِ كَانَ مِن أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِن كَانَ مُكذِّبًا بِقَلْبِهِ كَانَ مُنَافِقًا مُؤْمِنًا مِن أَهْلِ النَّارِ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي اخْتَصَّتْ بِهِ الْكَرَامِيَّةُ وَابْتَدَعَتْهُ.
وَلَمْ يَسْبِقْهَا أَحَدٌ إلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَهُوَ آخِرُ مَا أُحْدِثَ مِن الْأَقْوَالِ فِي الْإِيمَانِ، وَبَعْضُ النَّاسِ يَحْكِي عَنْهُم أَنَّ مَن تَكلَّمَ بِهِ بِلِسَانِهِ دُونَ قَلْبِهِ فَهُوَ مِن أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَهُوَ غَلَطٌ عَلَيْهِمْ؛ بَل يَقُولُونَ: إنَّهُ مُؤْمِنٌ كَامِلُ الْإِيمَانِ وَإِنَّهُ مِن أَهْلِ النَّارِ، فَيَلْزَمُهُم أَنْ يَكُونَ الْمُؤْمِنُ الْكَامِلُ الْإِيمَانِ مُعَذَّبًا فِي النَّارِ؛ بَل يَكُونُ مُخَلَّدًا فِيهَا، وَقَد تَوَاتَرَ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ "يَخْرُجُ مِنْهَا مَن كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِن إيمَانٍ" (١) .
وَإِن قَالُوا: لَا يُخَلَّدُ وَهُوَ مُنَافِقٌ: لَزِمَهُم أَنْ يَكُونَ الْمُنَافِقُونَ يَخْرُجُونَ مِن النَّارِ، وَالْمُنَافِقُونَ قَد قَالَ اللهُ فِيهِمْ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) ﴾ [النساء: ١٤٥]. [١٣/ ٥٥ - ٥٦]
٧١٨ - ذَهَبَ كَثِيرٌ مِن مُبْتَدِعَةِ الْمُسْلِمِينَ مِن الرَّافِضَةِ وَالْجَهْمِيَّة وَغَيْرِهِمْ إلَى بِلَادِ الْكفَّارِ، فَأسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَانْتَفَعُوا بِذَلِكَ، وَصَارُوا مُسْلِمِينَ مُبْتَدِعِينَ، وَهُوَ خَيْرٌ مِن أَنْ يَكُونُوا كُفَّارًا (٢) . [١٣/ ٩٦] الحواشي
(١) البخاري(٧٥١٠) .(٢) وهذا من فقه الدعوة، ودرءِ المفاسد الكبرى بارتكاب مفاسد أقلّ منها.
وإذا كان شيخ الإسلام ﵀ يرى أن إسلام الْكُفَارِ على أيدي مُبْتَدِعَةِ الْمسْلِمِينَ مِن الرَّافِضَةِ وَالْجَهْمِيَّة وَغَيْرِهِمْ، خَيْرٌ مِن أَنْ يبقوا على كفرهم، والرَّافِضَة وَالْجَهْمِيَّة من أضلّ الفرق، فمن باب أولى: الجماعات والدعاة في هذا الزمان، الذين عندهم بعض البدع، فدخولهم فيها خير من بقائهم على الكفر ..
تنبيه: كلام شيخ الإسلام ﵀ صريح في أنه لا يُكفر عموم الرافضة، ويرى أن مذهبهم يشتمل على كفريات، ولا يعني ذلك تكفيرهم كلّهم.
لكنه يُكفر الغالين منهم في الأئمة، حيث قال رحمه الله تعالى: وَإِنَّمَا يُحْدِثُ مِثْل هَذِهِ الْبِدَعِ أَهْلُ الْغُلُوِّ وَالشِّرْكِ: الْمُشْبِهُونَ لِلنَصَارَى مِن أهْلِ الْبِدَعِ الرَّافِضَةِ الْغَالِيَةِ فِي الْأَئِمَّةِ وَمَن أَشْبَهَهُم مِن الْغُلَاةِ فِي الْمَشَايخِ. اهـ. (٢٧/ ١٢٧).стр. 735
٧١٩ - لَا رَيْبَ أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ خَيْرٌ مِن الرَّافِضَةِ وَمِن الْخَوَارجِ؛ فَإِنَّ الْمُعْتَزِلَةَ تُقِرُّ بِخِلَافَةِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ.
ويُعَظِّمُونَ الذُّنُوبَ، فَهُم يَتَحَرَّوْنَ الصِّدْقَ كَالْخَوَارجِ، لَا يَخْتَلِقُونَ الْكَذِبَ كَالرَّافِضَةِ، وَلَا يَرَوْنَ أَيْضًا اتِّخَاذَ دَارٍ غَيْرَ دَارِ الْإِسْلَامِ كَالْخَوَارجِ، وَلَهُم كُتُبٌ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَنَصْرِ الرَّسُولِ، وَلَهُم مَحَاسِنُ كَثِيرَةٌ يُتَرَجَّحُونَ عَلَى الْخَوَارجِ وَالرَّوَافِضِ، وَهُم قَصْدُهُم إثْبَاتُ تَوْحِيدِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ وَحِكْمَتِهِ وَصِدْقِهِ وَطَاعَتِهِ، وَأُصُولُهُم الْخَمْسُ عَن هَذِهِ الصِّفَاتِ الْخَمْسِ؛ لَكِنَّهُم غَلِطُوا فِي بَعْضِ مَا قَالُوهُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِن أُصُولِهِمْ الْخَمْسِ (١) . [١٣/ ٩٧ - ٩٨]
٧٢٠ - الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةُ مُشْتَرِكُونَ فِي نَفْيِ الصِّفَاتِ.
وَابْنُ كلَّابٍ وَمَن تَبِعَهُ - كَالْأَشْعَرِيِّ - أَثْبَتُوا الصِّفَاتِ؛ لَكِنْ لَمْ يُثْبِتُوا الصِّفَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةَ، مِثْل كَوْنِهِ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ، وَمِثْل كَوْنِ فِعْلِهِ الِاخْتِيَارِيِّ يَقُومُ بِذَاتِهِ، وَمِثْل كَوْنِهِ يُحِبُّ ويرْضَا عَن الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ إيمَانِهِمْ، وَيَغْضَبُ وَيُبْغِضُ الْكَافِرِينَ بَعْدَ كُفْرِهِمْ. [١٣/ ١٣١]
٧٢١ - مَن اعْتَبَرَ مَا عِنْدَ الطَّوَائِفِ الَّذِينَ لَمْ يَعْتَصِمُوا بِتَعْلِيمِ الْأَنْبِيَاءِ وَإِرْشَادِهِمْ وَإِخْبَارِهِمْ: وَجَدَهُم كُلَّهُم حَائِرِينَ ضَالِّينَ شَاكِّينَ، مُرْتَابِينَ أَو جَاهِلِينَ جَهْلًا مُرَكَّبًا. [١٣/ ١٤١]
٧٢٢ - الْمُفْتَرِقَةُ مِن أَهْلِ الضَّلَالِ تَجْعَلُ لَهَا دِينًا وَأُصُولَ دِينٍ قَد ابْتَدَعُوهُ بِرَأيِهِمْ، ثُمَّ يَعْرِضُونَ عَلَى ذَلِكَ الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ، فَإِنْ وَافَقَهُ احْتَجُّوا بِهِ اعْتِضَادًا لَا اعْتِمَادًا، وَإِن خَالَفَهُ: الحواشي
(١) أيُّ إنصافٍ وعدلٍ أعظم من هذا؟ حيث لم يذكر مساوئهم ويسكت عن محاسنهم، كما هو حال كثير من الناس اليوم، حيث يشنعون على المخالف لهم ولو كان منتسبًا للسُّنَّة، ولا يذكرون له حسنةً واحدة، ومحاسنه سارت بها الركبان، أهذه هي أخلاق الإسلام؟
مع أنّ عقيدة المعتزلة لا يختلف أحدٌ من أهل السُّنَّة في ضلالها وانحرافها، وهم الذين تسلطوا على إمام أهل السُّنَّة في زمانه، الأمام أحمد ﵀، وكفَّروه وأباحوا دمه.
والله المستعان.стр. 736
أ - فَتَارَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ، وَيَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ، وَهَذَا فِعْلُ أَئِمَّتِهِمْ.
ب - وَتَارَةً يُعْرِضُونَ عَنْهُ ويقُولُونَ: نُفَوِّضُ مَعْنَاهُ إلَى اللهِ وَهَذَا فِعْلُ عَامَّتِهِمْ.
وَعُمْدَةُ الطَّائِفَتَيْنِ فِي الْبَاطِنِ غَيْرُ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، يَجْعَلُونَ أَقْوَالَهُم الْبِدْعِيَّةَ مُحْكَمَةً يَجِبُ اتِّبَاعُهَا وَاعْتِقَادُ مُوجَبِهَا، وَالْمُخَالِفُ: إمَّا كَافِرٌ، وَإِمَّا جَاهِلٌ لَا يَعْرِفُ هَذَا الْبَابَ، وَلَيْسَ لَهُ عِلْمٌ بِالْمَعْقُولِ وَلَا بِالْأُصُولِ، وَيَجْعَلُونَ كَلَامَ اللهِ وَرَسُولِهِ الَّذِي يُخَالِفُهَا مِن الْمُتَشَابِهِ الَّذِي لَا يَعْرِفُ مَعْنَاهُ إلَّا اللهُ، أَو لَا يَعْرِفُ مَعْنَاهُ إلَّا الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، وَالرَّاسِخُونَ عِنْدَهُم مَن كَانَ مُوَافِقًا لَهُم عَلَى ذَلِكَ الْقَوْلِ (١) .
والْمَقْصُودُ هُنَا: أنَّ الْوَاجِبَ أَنْ يَجْعَلَ مَا قَالَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ هُوَ الْأَصْلَ ويتَدَبَّرَ مَعْنَاهُ، وَيَعْقِلَ وَيعْرِفَ بُرْهَانَهُ وَدَلِيلَهُ، إمَّا الْعَقْلِيَّ وَإِمَّا الْخَبَرِيَّ السَّمْعِيَّ، ويعْرِفَ دَلَالَةَ الْقُرْآنِ عَلَى هَذَا وَهَذَا، وَتُجْعَلُ أَقْوَالُ النَّاسِ الَّتِي قَد تُوَافِقُهُ وَتُخَالِفُهُ مُتَشَابِهَةً مُجْمَلَةً، فَيُقَالُ لِأَصْحَابِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ: يُحْتَمَلُ كَذَا وَكَذَا، وَيُحْتَمَلُ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ أَرَادُوا بِهَا مَا يُوَافِقُ خَبَرَ الرَّسُولِ قُبِلَ، وَإِن أَرَادُوا بِهَا مَا يُخَالِفُهُ رُدَّ. [١٣/ ١٤٢ - ١٤٦]
٧٢٣ - صَارَ كَثِيرٌ مِن الْمُتَأخرِينَ - مِن أَصْحَابِ أَحْمَد وَغَيْرِهِمْ - يَظُنُّونَ أَنَّ خُصُومَهُ (٢) كَانُوا الْمُعْتَزِلَةَ، وَيَظنُّونَ أَنَّ بِشْرَ بْنَ غِيَاثٍ الْمَرِيسِيَّ - وإِن كَانَ قَد مَاتَ قَبْلَ مِحْنَةِ أَحْمَد وَابْنِ أبِي دؤاد وَنَحْوِهِمَا - كَانُوا مُعْتَزِلَةَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَل الْمُعْتَزِلَةُ كَانُوا نَوْعًا مِن جُمْلَةِ مَن يَقُولُ الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ. [١٤/ ٣٥٢] الحواشي
(١) كأنه يتكلم عن حال مبتدعة عصرنا، فلهم ثوابت لا يتنازلون عنها أبدًا، وإذا رُدّ عليهم بصحيح وصريح الكتاب والسُّنَّة أوّلوه، وذلك لأنهم اعتقدوا ثم استدلوا، والمنصف والمؤمن: هو من يستدل ثم يعتقد.(٢) أي: خصوم الإمام أحمد الذين قاموا عليه، وحرضوا الخليفة على سجنه.стр. 737
٧٢٤ - إِنَّ ابْنَ أَبِي دُؤاد كَانَ قَد جَمَعَ لِلْإِمَامِ أَحْمَد مَن أَمْكَنَهُ مِن مُتَكَلِّمِي الْبَصْرَةِ وَبَغْدَادَ وَغَيْرِهِمْ مِمَن يَقُولُ: إنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ، وَهَذَا الْقَوْلُ لَمْ يَكُن مُخْتَصًّا بِالْمُعْتَزِلَةِ كَمَا يَظُنُّهُ بَعْضُ النَّاسِ؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِن أُولَئِكَ الْمُتَكَلِّمِينَ أَو أَكْثَرَهُم لَمْ يَكُونُوا مُعْتَزِلَةً، وَبِشْرٌ المريسي لَمْ يَكُن مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ.
بَل فِيهِمْ نجارية وَمِنْهُم بُرْغُوثٌ.
وَفِيهِمْ ضرارية، وَحَفْصٌ الْفَرْدُ الَّذِي نَاظَرَ الشَّافِعِيَّ كَانَ مِن الضرارية أَتْبَاعِ ضِرَارِ بْنِ عَمْرو.
وَفِيهِمْ مُرْجِئَةٌ وَمِنْهُم بِشْرٌ المريسي.
وَمِنْهُم جهمية مَحْضَةٌ، وَمِنْهُم مُعْتَزِلَةٌ.
وَابْنُ أَبِي دؤاد لَمْ يَكُن مُعْتَزِلِيًّا؛ بَل كَانَ جهميًّا يَنْفِي الصِّفَاتِ، وَالْمُعْتَزِلَةُ تَنْفِي الصِّفَاتِ، فنفاة الصِّفَاتِ الْجَهْمِيَّة أَعَمُّ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ (١) . [١٧/ ٢٩٩ - ٣٠٠]
٧٢٥ - الْقَدَرِيَّةُ قَصَدُوا تَنْزِيهَ اللهِ عَن السَّفَهِ وَأَحْسَنُوا فِي هَذَا الْقَصْدِ، فَإِنَّه سُبْحَانَهُ مُقَدَّسٌ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ مِن إبْلِيسَ وَجُنُودِهِ عُلُوًّا كَبِيرًا حَكَمٌ عَدْلٌ، لَكِنْ ضَاقَ ذَرْعُهُم وَحَصَلَ عِنْدَهُم نَوْعُ جَهْلٍ اعْتَقَدُوا مَعَهُ أَنَّ هَذَا التَّنْزِيهَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِأَنْ يَسْلُبُوهُ قُدْرَتَهُ عَلَى أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَخَلْقِهِ لَهَا وَشُمُولِ إرَادَتِهِ لِكُلّ شيْءٍ.
وقَالَتِ الوعيدية: كُلُّ فَاسِقٍ خَالِدٌ فِي النَّارِ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا أَبَدًا.
وَقَالَتِ الْخَوَارِجُ: هُوَ كَافِرٌ.
وَغَالِيَةُ الْمُرْجِئَةِ أَنْكَرَتْ عِقَابَ أَحَدٍ مِن أَهْلِ الْقِبْلَةِ. الحواشي
(١) فالمحنة التي وقعت للإمام أحمد بن حنبل ﵀، والمناظرة التي حدثت لم تكن مع المعتزلة فقط، بل كانت مع جنس الجهميّة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ولم تكن المناظرة مع المعتزلة فقط، بل كانت مع جنس الجهمية؛ من المعتزلة، والنجارية، والضرارية، وأنواع المرجئة؛ فكلّ معتزليّ جهميّ، وليس كلّ جهميّ معتزليًّا … " إلخ. منهاج السُّنَة النبوية (٢/ ٦٠٣ - ٦٠٤).стр. 738
وَكَانَ هَؤُلَاءِ الْجَبْرِيَّةُ الْمُرْجِئَةُ أَكْفَرُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ مِن الْمُعْتَزِلَةِ الوعيدية الْقَدَرِيَّةِ.
وَأَمَّا مُقْتَصِدَةُ الْمُرْجِئَةِ الْجَبْرِيَّةِ الَّذِينَ يُقِرُّونَ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَأَنَّ مِن أَهْلِ الْقِبْلَةِ مَن يَدْخُلُ النَّارَ فَهَؤلَاءِ أَقْرَبُ النَّاسِ إلَى أَهْلِ السُّنَّةِ.
لَكِنَّ الْمُعْتَزِلَةَ مِن الْقَدَرِيَّةِ أَصْلَحُ مِن الْجَبْرِيَّةِ وَالْمُرْجِئَةِ وَنَحْوِهِمْ فِي الشَّرِيعَةِ عِلْمَهَا وَعَمَلَهَا. فَكَلَامُهُم فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَفِي اتِّبَاعِ الْأمْرِ وَالنَّهْيِ خَيْرٌ مِن كَلَامِ الْمُرْجِئَةِ مِن الْأَشْعَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ. فَإِنَّ كَلَامَ هَؤُلَاءِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ قَاصِرٌ جِدًّا وَكَذَلِكَ هُم مُقَصِّرُونَ فِي تَعْظِيمِ الطَّاعَاتِ وَالْمَعَاصِي. وَلَكِنْ هُم فِي أُصُولِ الدِّينِ أَصلَحُ مِن أُولَئِكَ فَإِنَّهُم يُؤْمِنُونَ مِن صِفَاتِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ وَخَلْقِهِ بِمَا لَا يُؤْمِنُ بِهِ أُولَئِكَ. وَهَذَا الصِّنْفُ أَعْلَى. [١٦/ ٢٤١ - ٢٤٢]
٧٢٦ - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) ﴾ [الشمس: ٨] إثْبَاتٌ لِلْقَدَرِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾.
وقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠) ﴾ [الشمس: ٩، ١٠] إثْبَات لِفِعْلِ الْعَبْدِ .. ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي الرَّدِّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ الْمَجُوسِيَّةِ وَعَلَى الْجَبْرِيَّةِ لِلشَّرْعِ أَو لِفِعْلِ الْعَبْدِ.
وَأَمَّا الْمُظَلِّمُونَ لِلْخَالِقِ فَإِنَّهُ قَد دَلَّ عَلَى عَدْلِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) ﴾ [الشمس: ٧] وَالتَّسْوِيَةُ: التَّعْدِيلُ، فَبَيَّنَ أَنَّهُ عَادِلٌ فِي تَسْوِيَةِ النَّفْسِ الَّتِي أَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. [١٦/ ٢٤٣ - ٢٤٤]
٧٢٧ - وَقَد ظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّ الْمُفْتَرِقِينَ الْمُخْتَلِفِينَ مِن الْأُمَّةِ إنَّمَا ذَلِكَ:
أ - بِتَرْكِهِمْ بَعْضَ الْحَقِّ الَّذِي بَعَثَ اللهُ بِهِ نَبِيَّهُ.
ب - وَأَخْذِهِمْ بَاطِلًا يُخَالِفُهُ.
ج - وَاشْتِرَاكِهِمْ فِي بَاطِلٍ يُخَالِفُ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ.
فَإِذَا اشْتَرَكوا فِي بَاطِلٍ خَالَفُوا بِهِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّبِعِينَ لِلرُّسُلِ: نَسُوا حَظًّا
стр. 739
مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ؛ فَأَلْقَى بَيْنَهُم الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُم فِي حَقٍّ آخَرَ جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، فَآمَنَ هَؤُلَاءِ بِبَعْضِهِ وَكَفَرُوا بِبَعْضِهِ، وَالْآخَرُونَ يُومِنُونَ بِمَا كَفَرَ بِهِ هَؤُلَاءِ، ويكْفُرُونَ بِمَا يُؤْمِنُ بِهِ هَؤُلَاءِ.
وَهُنَا كِلَا الطَّائِفَتَيْنِ الْمُخْتَلِفَتَيْن الْمُفْتَرِقَتَيْن مَذْمُومَةٌ.
وَهَذَا شَأْنُ عَامَّةِ الِافْتِرَاقِ وَالِاخْتِلَافِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ وَغَيْرِهَا. [١٦/ ٢٤٥ - ٢٤٦]
٧٢٨ - المتفلسفة يَقُولُونَ إنَّهُم أَثْبَتُوا وَاجِبَ الْوُجُودِ، وَهُم لَمْ يُثْبِتُوهُ؛ بَل كَلَامُهُم يَقْتَضِي أَنَّهُ مُمْتَنِعُ الْوُجُودِ.
وَالْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةُ وَنَحْوُهُم يَقُولُونَ: إنَّهُم أَثْبَتُوا الْقَدِيمَ الْمُحْدِثَ لِلْحَوَادِثِ، وَهُم لَمْ يُثْبِتُوهُ؛ بَل كَلَامُهُم يَقْتَضِي أَنَّهُ مَا ثَمَّ قَدِيمٌ أَصْلًا.
وَكَذَلِكَ الْأَشْعَرِيَّةُ والكَرَّامِيَة وَغَيْرُهُم مِمَن يَقُولُ: إنَّهُ أَثْبَتَ الْعِلْمَ بِالْخَالِقِ، فَهُم لَمْ يُثْبِتُوهُ، لَكِنَّ كَلَامَهُم يَقْتَضِي أَنَّهُ مَا ثَمَّ خَالِقٌ. [١٦/ ٤٤٤]
٧٢٩ - إنَّ الْمُخَالِفِينَ لِلرَّسُولِ ﷺ -وَلَو فِي كَلِمَةٍ- لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي قَوْلِهِمْ مِن الْخَطَأِ بِحَسَبِ ذَلِكَ. [١٦/ ٤٦٣]
٧٣٠ - كَثيرٌ مِن أَهْلِ الْكَلَامِ يَجْعَلُ دَلَالَةَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ مِن جِهَةِ الْخَبَرِ الْمُجَرَّدِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ إلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِصِدْقِ الْمُخْبِرِ، فَلِهَذَا يَضْطَرُّونَ إلَى أَنْ يَجْعَلُوا الْعُلُومَ الْعَقْلِيَّةَ أَصْلًا، كَمَا يَفْعَلُ أَبُو الْمَعَالِي وَأَبُو حَامِد وَالرَّازِي وَغَيْرهمْ. [١٦/ ٤٧٠]
٧٣١ - الْأَشْعَرِيُّ وَأَمْثَالُهُ بَرْزَخٌ بَيْنَ السَّلَفِ وَالْجَهْمِيَّة، أَخَذُوا مِن هَؤُلَاءِ كَلَامًا صَحِيحًا وَمِن هَؤُلَاءِ أُصُولًا عَقْلِيَّةً ظَنُّوهَا صَحِيحَةً وَهِيَ فَاسِدَةٌ.
فَمِنَ النَّاسِ مَن مَالَ إلَيْهِ مِنَ الْجِهَةِ السَلَفِيَّةِ، وَمِنَ النَّاسِ مَن مَالَ إلَيْهِ مِنَ الْجِهَةِ الْبِدْعِيَّةِ الْجَهْمِيَّة؛ كَأَبِي الْمَعَالِي وَأَتْبَاعِهِ، وَمِنْهُم مَن سَلَكَ مَسْلَكَهُم كَأئِمَّةِ أَصْحَابِهِمْ. [١٦/ ٤٧١]
стр. 740
٧٣٢ - قَالَ الشَّافِعِيُّ: حُكْمِي فِي أَهْلِ الْكَلَامِ أَنْ يُضْرَبُوا بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ وَيُطَافُ بِهِم فِي الْأَسْوَاقِ، وَيُقَالُ: هَذَا جَزَاءُ مَن تَرَكَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَأَقْبَلَ عَلَى الْكَلَامِ.
وَقَالَ: لَقَد اطَّلَعْت مِن أَهْلِ الْكَلَامِ عَلَى شَيْءٍ مَا كُنْت أَظُنُّهُ، وَلَأَنْ يُبْتَلَى الْعَبْدُ بِكُلِّ ذَنْبٍ مَا خَلَا الشِّرْكَ بِاللهِ خَيْرٌ لَهُ مِن أَنْ يُبْتَلَى بِالْكَلَامِ.
وَقَد بُسِطَ تَفْسِيرُ كَلَامِهِ وَكَلَامِ غَيْرِهِ فِي مَوَاضِعَ، وَبُيّنَ أَنَّ مُرَادَهُم بِالْكَلَامِ هُوَ كَلَامُ الْجَهْمِيَّة الَّذِي نَفَوْا بِهِ الصِّفَاتِ وَزَعَمُوا أَنَّهُم يُثْبِتُونَ بِهِ حُدُوثَ الْعَالَمِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْأَعْرَاضِ. [١٦/ ٤٧٣]
٧٣٣ - مَن عَلِمَ أَنَّ الرَّسُولَ أَعْلَمُ الْخَلْقِ بِالْحَقِّ، وَأَفْصَحُ الْخَلْقِ فِي الْبَيَانِ، وَأَنْصَحُ الْخَلْقِ لِلْخَلْقِ: عَلِمَ أَنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ فِي حَقِّهِ:
أ - كَمَالُ الْعِلْمِ بِالْحَقِّ.
ب - وَكَمَالُ الْقُدْرَةِ عَلَى بَيَانِهِ.
ج - وَكَمَالُ الْإِرَادَةِ لَهُ.
وَمَعَ كَمَالِ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ يَجِبُ وُجُودُ الْمَطْلُوبِ عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ، فَيُعْلَمُ أَنَّ كَلَامَهُ أَبْلَغُ مَا يَكُونُ، وَأَتَمُّ مَا يَكُونُ، وَأَعْظَمُ مَا يَكُونُ بَيَانًا لِمَا بَيَّنَهُ فِي الدِّينِ مِن أُمُورِ الْإِلَهِيَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
فَمَن وقَرَ هَذَا فِي قَلْبِهِ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَحْرِيفِ النُّصُوصِ بِمِثْل هَذِهِ التَّأوِيلَاتِ الَّتِي إذَا تُدُبِّرَتْ وُجِدَ مَن أَرَادَهَا بِذَلِكَ الْقَوْل مِن أَبْعَدِ النَّاسِ عَمَّا يَجِبُ اتِّصَافُ الرَّسُولِ بِهِ، وَعَلِمَ أَنَّ مَن سَلَكَ هَذَا الْمَسْلَكَ فَإِنَّمَا هُوَ لِنَقْصِ مَا أُوتِيَهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ، وَقَد قَالَ تَعَالَى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]، فَنَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنَا وَإِخْوَانَنَا مِمَن رَفَعَ دَرَجَاتِهِ مِن أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ. [١٧/ ١٢٩]
٧٣٤ - قَالَ لَهُ [أي: للإمام أحمد] عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إسْحَاقَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ مَا تَقُولُ فِي الْقُرْآنِ -أَو قَالَ: فِي كَلَامِ اللهِ- يَعْنِي: أَهُوَ اللهُ أَو غَيْرُهُ؟
следующие страницы →