← Фатава

Фатава · id 879

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (3 539 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

أ - إمَّا إفْرَاطٌ فِيهِ. ب - وَإِمَّا تَفْرِيطٌ فِيهِ. وَإِذَا كَانَ الْإِسْلَامُ الَّذِي هُوَ دِينُ اللهِ لَا يَقْبَلُ مِن أَحَدٍ سِوَاهُ: قَد اعْتَرَضَ الشَّيْطَانُ كَثِيرًا مِمَن يَنْتَسِبُ إلَيْهِ، حَتى أَخْرَجَهُ عَن كَثِيرٍ مِن شَرَائِعِهِ؛ بَل أَخْرَجَ طَوَائِفَ مِن أعْبَدِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَأَوْرَعِهَا عَنْهُ (١)، حَتَى مَرَقُوا مِنْهُ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِن الرَّمِيَّةِ، وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقِتَالِ الْمَارِقِينَ مِنْهُ … وَاتَّفَقَ عَلَى قِتَالِهِمْ جَمِيعُ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ. وَهَكَذَا كُلُّ مَن فَارَقَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَخَرَجَ عَن سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَشَرِيعَتِهِ مِن أهْلِ الْأَهْوَاءِ الْمُضِلَّةِ وَالْبِدَعِ الْمُخَالِفَةِ. وَلِهَذَا قَاتَلَ الْمُسْلِمُونَ أَيْضًا الرَّافِضَةَ الَّذِينَ هُم شَرٌّ مِن هَؤُلَاءِ، وَهُم الَّذِينَ

стр. 772

يُكَفِّرُونَ جَمَاهِيرَ الْمُسْلِمِينَ؛ مِثْل الْخُلَفَاءِ الثَّلَاثَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَيزْعُمُونَ أَنَّهُم هُم الْمُومِنُونَ وَمَن سِوَاهُم كَافِرٌ، وَيُكَفِّرُونَ مَن يَقُولُ: إنَّ اللهَ يُرَى فِي الْآخِرَةِ، أَو يُؤْمِنُ بِصِفَاتِ اللهِ وَقُدْرَتهِ الْكَامِلَةِ، وَمَشِيئَتِهِ الشَّامِلَةِ، وُيكَفِّرُونَ مَن خَالَفَهُم فِي بِدَعِهِم الَّتِي هُم عَلَيْهَا. فَإِنَّهُم يَمْسَحُونَ الْقَدَمَيْنِ وَلَا يَمْسَحُونَ عَلَى الْخُفِّ، ويُؤَخِّرُونَ الْفُطُورَ وَالصَّلَاةَ إلَى طُلُوعِ النَّجْمِ، وَيجْمَعُونَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ مِن غَيْرِ عُذْرٍ، وَيقْنُتُونَ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، ويُحَرِّمُونَ الْفُقَّاعَ وَذَبَائِحَ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَذَبَائِحَ مَن خَالَفَهُم مِن الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُم عِنْدَهُم كُفَّارٌ، وَيَقُولُونَ عَلَى الصَّحَابَةِ ﵃ أَقْوَالًا عَظِيمَةً، إلَى أَشْيَاءَ أُخَرَ. فَقَاتَلَهُم الْمُسْلِمُونَ بِأَمْرِ اللهِ وَرَسُولِهِ. فَإِذَا كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَخُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ قَد انْتَسَبَ إلَى الْإِسْلَامِ مَن مَرَقَ مِنْهُ مَعَ عِبَادَتِهِ الْعَظِيمَةِ، حَتَّى أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقِتَالِهِمْ: فَيُعْلَمُ أَنَّ الْمُنْتَسِبَ إلَى الْإِسْلَامِ أَو السُّنَّةِ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ قَد يَمْرُقُ أَيْضًا مِن الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ، حَتَّى يَدَّعِيَ السُّنَّةَ مَن لَيْسَ مِن أَهْلِهَا بَل قَد مَرَقَ مِنْهَا، وَذَلِكَ بِأَسْبَاب: أ - مِنْهَا: الْغُلُوُّ الَّذِي ذَمَّهُ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١]، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إيَّاكُمْ وَالْغُلوَّ فِي الدِّينِ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَن كَانَ قَبْلَكُمْ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ" (١). وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ. ب - وَمِنْهَا: التَّفَرُّقُ وَالِاخْتِلَافُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ. ج - وَمِنْهَا: أَحَادِيثُ تُرْوَى عَن النَّبِيِّ ﷺ وَهِيَ كَذِبٌ عَلَيْهِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ

стр. 773

الْمَعْرِفَةِ، يَسْمَعُهَا الْجَاهِلُ بِالْحَدِيثِ فَيُصَدِّقُ بِهَا لِمُوَافَقَةِ ظَنِّهِ وَهَوَاهُ. د - وَأَضَلُّ الضَّلَالِ: اتبُاعُ الظَّنِّ وَالْهَوَى؛ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي حَقِّ مَن ذَمَّهُم: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣)﴾ [النجم: ٢٣]. [٣/ ٣٨١ - ٣٨٤] ٧٧٦ - أَقْوَالُ الْخَوَارِج إنَّمَا عَرَفْنَاهَا مِن نَقْلِ النَّاسِ عَنْهُمْ، لَمْ نَقِفْ لَهُم عَلَى كِتَابٍ مُصَنَّفٍ، كَمَا وَقَفْنَا عَلَى كُتُب الْمُعْتَزِلَةِ وَالرَّافِضَةِ وَالزَّيْدِيَّةِ وَالْكَرَامِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ والسالمية وَأَهْلِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَالظَّاهِرِيَّةِ وَمَذَاهِبِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفَلَاسِفَةِ وَالصُّوفِيَّةِ وَنَحْوِ هَؤُلَاءِ. [١٣/ ٤٩] ٧٧٧ - الْخَوَارِج جَوَّزُوا عَلَى الرَّسُولِ نَفْسِهِ أَنْ يَجُورَ وَيُضِلَّ فِي سُنَّتِهِ، وَلَمْ يُوجِبُوا طَاعَتَهُ وَمُتَابَعَتَهُ، وَإِنَّمَا صَدَّقُوهُ فِيمَا بَلَغَة مِن الْقُرْآنِ دُونَ مَا شَرَعَهُ مِن السُّنَّةِ الَّتِي تُخَالِفُ -بِزَعْمِهِمْ- ظَاهِرَ الْقُرْآنِ، وغَالِبُ أَهْلِ الْبِدَع غَيْرِ الْخَوَارِجِ يُتَابِعُونَهُم فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى هَذَا؛ فَإِنَّهُم يَرَوْنَ أَنَ الرَّسُولَ لَو قَالَ بِخِلَافِ مَقَالَتِهِمْ لَمَا اتَّبَعُوهُ … وَإِنَّمَا يَدْفَعُونَ عَن نفُوسِهِمْ الْحجَّةَ: إمَّا بِرَدِّ النَّقْلِ؛ وَإِمَّا بِتَأْوِيلِ الْمَنْقُولِ، فَيَطْعَنُونَ تَارَةً فِي الْإِسْنَادِ، وَتَارَةً فِي الْمَتْنِ. وَإِلَّا فَهُم لَيْسُوا مُتَّبِعِينَ وَلَا مُؤْتَمِّينَ بِحَقِيقَةِ السُّنَّةِ الَّتِي جَاءَ بِهَا الرَّسُولُ؛ بَل وَلَا بِحَقِيقَةِ الْقُرْآنِ. [١٩/ ٧٣] ٧٧٨ - إِنَّ الْخَوَارِج أَصْلُ بِدْعَتِهِمْ أَنَّهُم لَا يَرَوْنَ طَاعَةَ الرَّسُولِ وَاتِّباعَهُ فِيمَا خَالَفَ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ عِنْدَهُمْ. [٢٠/ ١٠٤] ٧٧٩ - الْخَوَارجُ إنَّمَا تَأَوَّلُوا آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ عَلَى مَا اعْتَقَدُوهُ وَجَعَلُوا مَن خَالَفَ ذَلِكَ كَافِرًا؛ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُ خَالَفَ الْقُرْآنَ، فَمَنِ ابْتَدَعَ أَقْوَالًا لَيْسَ لَهَا أصْل فِي الْقُرْآنِ وَجَعَلَ مَن خَالَفَهَا كَافِرًا: كَانَ قَوْلُهُ شَرًّا مِن قَوْلِ الْخَوَارِجِ (١). [٢٠/ ١٦٤]

стр. 774

٧٨٠ - فِي "مُسْلِمٍ" (١) عَن عُبَيدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ كَاتِبِ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ الحرورية لَمَّا خَرَجَتْ وَهُوَ مَعَ عَلِيٍّ قَالُوا: لَا حُكْمَ إلَّا للهِ، فَقَالَ عَلِيٌّ: كَلِمَةُ حَقّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ، إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَصَفَ نَاسًا إنِّي لَأَعْرِفُ صِفَتَهُم فِي هَؤُلَاءِ، يَقُولُونَ الْحَقَّ بِأَلْسِنَتِهِمْ لَا يُجَاوِزُ هَذَا مِنْهُمْ، وَأَشَارَ إلَى حَلْقه، مِن أَبْغَضِ خَلْقِ اللهِ إلَيْهِ، مِنْهُم رَجُلُ أَسْوَدُ إحْدَى يَدَيْهِ طُبْيُ شَاةٍ، أَو حَلَمَةُ ثَدْيٍ. وَهَذِهِ الْعَلَامَة الَّتِي ذَكَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ هِيَ عَلَامَةُ أَوَّلِ مَن يَخْرُجُ مِنْهُم لَيْسُوا مَخْصُوصِينَ بِأُولَئِكَ الْقَوْمِ، فَإِنَّهُ قَد أَخْبَرَ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُم لَا يَزَالُونَ يَخْرُجُونَ إلَى زَمَنِ الدَّجَّالِ، وَقَد اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْخَوَارِجَ لَيْسُوا مُخْتَصِّينَ بِذَلِكَ الْعَسْكَرِ. فَهَؤلَاءِ أَصْلُ ضَلَالِهِمْ: أ - اعْتِقَادُهُم فِي أَئِمَّةِ الْهُدَى وَجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُم خَارِجُونَ عَن الْعَدْلِ، وَأَنَّهُم ضَالُّونَ، وَهَذَا مَأْخَذ الْخَارِجِينَ عَن السُّنَّةِ مِن الرَّافِضَةِ وَنَحْوِهِمْ. ب - ثُمَّ يَعُدُّونَ مَا يَرَوْنَ أَنَّهُ ظُلْمٌ عِنْدَهُم كُفْرًا. ج - ثُمَّ يُرَتّبُونَ عَلَى الْكُفْرِ أَحْكامًا ابْتَدَعُوهَا. فَهَذِهِ ثَلَاثُ مَقَامَاتٍ لِلْمَارِقِينَ مِن الحرورية وَالرَّافِضَةِ وَنَحْوِهِمْ، فِي كُلِّ مَقَامٍ تَرَكُوا بَعْضَ أُصُولِ دِينِ الْإِسْلَامِ حَتَّى مَرَقُوا مِنْهُ كَمَا مَرَقَ السَّهْمُ مِن الرَّمِيَّةِ. وَفِي "الصَّحِيحَيْنِ" (٢) فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: "يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ؛ لَئِنْ أَدْرَكْتهمْ لَأَقْتُلُهُم قَتْلَ عَادٍ"، وَهَذَا نَعْتُ سَائِرِ الْخَارِجِينَ

стр. 775

كَالرَّافِضَةِ وَنَحْوِهِمْ؛ فَإِنَّهُم يَسْتَحِلُّونَ دِمَاءَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُم مُرْتَدُّونَ أَكْثَرَ مِمَّا يَسْتَحِلُّونَ مِن دِمَاءِ الْكفَّارِ الَّذِينَ لَيْسُوا مُرْتَدِّينَ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ شَرٌّ مَن غَيْرِهِ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرَ قَوْمًا يَكونونَ فِي أُمَّتِهِ: "يَخْرُجُونَ فِي فِرْقَةٍ مِن النَّاسِ سِيمَاهُم التَّحْلِيقُ" (١): وَهَذِهِ السِّيمَا سِيمَا أَوَّلِهِمْ كَمَا كَانَ ذُو الثدية؛ لا أنَّ (٢) هَذَا وَصْفٌ لَازِمٌ لَهُمْ. وَإِنَّمَا قَوْلُنَا: إنَّ عَلِيًّا قَاتَلَ الْخَوَارِجَ بِأَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِثْل مَا يُقَالُ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَاتَلَ الْكفَّارَ؛ أَيْ: قَاتَلَ جِنْسَ الْكُفَّارِ، وَإِن كَانَ الْكُفْرُ أَنْوَاعًا مُخْتَلِفَةً. وَكَذَلِكَ الشِّرْكُ أَنْوَاعٌ مُخْتَلِفَةٌ، وَإِن لَمْ يَكُن الْاَلِهَةُ الَّتِي كَانَت الْعَرَبُ تَعْبُدُهَا هِيَ الَّتِي تَعْبُدُهَا الْهِنْدُ وَالصِّينُ وَالتُّرْكُ، لَكنْ يَجْمَعُهُم لَفْظُ الشِّرْكِ وَمَعْنَاهُ. وَكَذَلِكَ الْخُرُوجُ وَالْمُرُوقُ يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَن كَانَ فِي مَعْنَى أُولَئِكَ، وَيجِبُ قِتَالُهُم بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا وَجَبَ قِتَالُ أُولَئِكَ. وَإِن كَانَ الْخُرُوجُ عَن الدِّينِ وَالْإِسْلَامِ أَنْوَاعًا مُخْتَلِفَةً، وَقَد بَيَّنَّا إَنَّ خرُوجَ الرَّافِضَةِ وَمُرُوقَهُم أَعْظَمُ بِكَثِيرٍ. وأمَّا قَتْلُ الْوَاحِدِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ مِن الْخَوَارِجِ؛ كالحرورية وَالرَّافِضَةِ وَنَحْوِهِمْ (٣): فَهَذَا فِيهِ قَوْلَانِ لِلْفُقَهَاءِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَن الْإِمَامِ أَحْمَد، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُ الْوَاحِدِ مِنْهُم؛ كَالدَّاعِيَةِ إلَى مَذْهَبِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَن فِيهِ فَسَادٌ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُم فَاقْتُلُوهُمْ"، وَقَالَ: "لَئِنْ أَدْرَكْتهمْ لَأَقْتُلَنَّهُم قَتْلَ

стр. 776

عَادٍ"، وَقَالَ عُمَرُ لِصَبِيغِ بْنِ عِسْلٍ: لَو وَجَدْتُك مَحْلُوقًا لَضَرَبْت الَّذِي فِيهِ عَيْنَاك، وَلِأنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ طَلَبَ أَنْ يَقْتُلَ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَبَأٍ أَوَّلَ الرَّافِضَةِ حَتَّى هَرَبَ مِنْهُ. وَلِأنَّ هَؤُلَاءِ مِن أعْظَمِ الْمُفْسِدِينَ فِي الْأرْضِ. فَإِذَا لَمْ يَنْدَفِعْ فَسَادُهُم إلَّا بِالْقَتْلِ قُتِلُوا، وَلَا يَجِبُ قَتْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُم إذَا لَمْ يُظْهِرْ هَذَا الْقَوْلُ (١) أَو كَانَ فِي قَتْلِهِ مَفْسَدَةٌ رَاجِحَةٌ (٢). وَلِهَذَا تَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ قَتْلَ ذَلِكَ الْخَارِجِيُّ ابْتِدَاءً لِئَلَّا يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ، وَلَمْ يَكُن إذ ذَاكَ فِيهِ فَسَادٌ عَامٌّ؛ وَلِهَذَا تَرَكَ عَلِي قَتْلَهُم أَوَّلَ مَا ظَهَرُوا؛ لِأَنَّهُم كَانُوا خَلْقًا كَثِيرًا، وَكَانُوا دَاخِلِينَ فِي الطَّاعَةِ وَالْجَمَاعَةِ ظَاهِرًا، لَمْ يُحَارِبُوا أَهْلَ الْجَمَاعَةِ وَلَمْ يَكُن يَتبَيَّنْ لَهُ أَنَّهُم هُمْ. وَأَمَّا تَكْفِيرُهُم وَتَخْلِيدُهُم: فَفِيهِ أَيْضًا لِلْعُلَمَاءِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ، وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَن أَحْمَد، وَالْقَوْلَانِ فِي الْخَوَارجِ وَالْمَارِقِينَ مِن الحرورية وَالرَّافِضَةِ وَنَحْوِهِمْ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّ هَذِهِ الْأقْوَالَ الَّتِي يَقُولُونَهَا الَّتِي يُعْلَمُ أَنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ كُفْرٌ، وَكَذَلِكَ أَفْعَالُهُم الَّتِي هِيَ مِن جِنْسِ أَفْعَالِ الْكُفَّارِ بِالْمُسْلِمِينَ هِيَ كُفْرٌ أَيْضًا. لَكِنْ تَكْفِيرُ الْوَاحِدِ الْمُعَيَّنِ مِنْهُم وَالْحُكْمُ بِتَخْلِيدِهِ فِي النَّارِ: مَوْقُوفٌ عَلَى ثُبُوتِ شُرُوطِ التَّكْفِيرِ وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهِ، فَإِنَّا نُطْلِقُ الْقَوْلَ بِنُصُوصِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَالتَّكْفِيرِ وَالتَّفْسِيقِ، وَلَا نَحْكُمُ لِلْمُعَيَّنِ بِدُخُولِهِ فِي ذَلِكَ الْعَامِّ حَتَّى يَقُومَ فِيهِ

стр. 777

الْمُقْتَضي الَّذِي لَا مَعَارِضَ لَهُ (١). وَلِهَذَا لَمْ يَحْكُم النَّبِيُّ ﷺ بِكُفْرِ الَّذِي قَالَ: إذَا أَنَا مُتّ فَأحْرِقُونِي ثُمَّ ذروني فِي الْيَمِّ فَوَاللهِ لَأِنْ قَدَرَ اللهُ عَلَيَّ لَيُعَذِّبُنِي عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِن الْعَالَمِينَ مَعَ شَكهِ فِي قُدْرَةِ اللهِ وَإِعَادَتِهِ؛ وَلِهَذَا لَا يُكَفِّرُ الْعُلَمَاءُ مِن اسْتَحَلَّ شَيْئًا مِن الْمُحَرَّمَاتِ لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ، أَو لِنَشْأَتِهِ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ؛ فَإِنَّ حُكْمَ الْكُفْرِ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ بُلُوغِ الرِّسَالَةِ. وَكَثِيرٌ مِن هَؤُلَاءِ قَد لَا يَكُونُ قَد بَلَغَتْهُ النُّصُوصُ الْمُخَالِفَةُ لِمَا يَرَاهُ، وَلَا يَعْلَمُ أَنَّ الرَّسُولَ بُعثَ بِذَلِكَ، فَيُطْلَقُ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ كُفْرٌ، وَيُكَفَّرُ مَتَى قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الَّتِي يَكْفُرُ تَارِكُهَا دُونَ غَيْرِهِ. [٢٨/ ٤٩٥ - ٥٠١] ٧٨١ - اسْتَفَاضَ عَن النَّبِيِّ ﷺ الْأَحَادِيثُ بِقِتَالِ الْخَوَارِجِ، وَهِيَ مُتَوَاتِرَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد: صَحَّ الْحَدِيثُ فِي الْخَوَارِجِ مِن عَشَرَةِ أَوْجُهٍ. وَقَد رَوَاهَا مُسْلِم فِي "صَحِيحِهِ"، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْهَا ثَلَاثَةَ أَوْجهٍ: حَدِيثَ عَلِيٍّ، وَأَبِي سَعِيدٍ الخدري، وَسَهْلِ بْنِ حنيف. وَفِي السُّنَنِ وَالْمَسَانِيدِ طُرُقٌ أُخَرُ مُتَعَدِّدَةٌ. [٢٨/ ٥١٢] ٧٨٢ - الْعُلَمَاءُ لَهُم فِي قِتَالِ مَن يَسْتَحِقُّ الْقِتَالَ مِن أهْلِ الْقِبْلَةِ طَرِيقَانِ: أ - مِنْهُم مَن يَرَى قِتَال عَليٍّ ﵁ يَوْمِ حَرُورَاءَ وَيوْمِ الْجَمَلِ وصفين كُلُّهُ مِن بَابِ قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ، وَكَذَلِكَ يَجْعَل قِتَالَ أَبِي بَكْرٍ لِمَانِعِي الزَّكَاةِ، وَكَذَلِكَ قِتَالُ سَائِرِ مَن قُوتِلَ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْقِبْلَةِ.

стр. 778

وَهُم مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ لَيْسُوا فُسَّاقًا بَل هُم عُدُولٌ. ب - وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: إنَّ قِتَالَ مَانِعِي الزَّكَاةِ وَالْخَوَارِجِ وَنَحْوِهِمْ لَيْسَ كَقِتَالِ أَهْلِ الْجَمَلِ وصفين، وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَن جُمْهُورِ الْأئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَهُوَ الَّذِي يَذْكُرُونَهُ فِي اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ كمَالِك وَغَيْرِهِ، وَمَذْهَبِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ. وَبِالْجُمْلَةِ: فَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ هِيَ الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ، فَإِنَّ النَّصَّ وَالْإِجْمَاعَ فَرَّق بَيْنَ هَذَا وَهَذَا. وَسِيرَةُ عَلِيٍّ ﵁ تُفَرّق بَيْنَ هَذَا وَهَذَا، فَإِنَّهُ قَاتَلَ الْخَوَارِجَ بِنَصِّ رَسُولِ اللهِ وَفَرِحَ بِذَلِكَ، وَلَمْ يُنَازِعْهُ فِيهِ أَحَدٌ مِن الصَّحَابَةِ. وَأمَّا الْقِتَالُ يَوْمَ صفين فَقَد ظَهَرَ مِنْهُ مِن كَرَاهَتِهِ وَالذَّمِّ عَلَيْهِ مَا ظَهَرَ، وَقَالَ فِي أَهْلِ الْجَمَلِ وَغَيْرِهِمْ: إخْوَانُنَا بَغَوْا عَلَيْنَا طَهَّرَهُم السَّيْفُ، وَصَلَّى عَلَى قَتْلَى الطَّائِفَتَيْنِ. [٢٨/ ٥١٣ - ٥١٦] ٧٨٣ - إِنَّ الْأمَّةَ مُتَّفِقُونَ عَلَى ذَمِّ الْخَوَارِجِ وَتَضْلِيلِهِمْ، وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا فِي تَكْفِيرِهِمْ: عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَينِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَحْمَد، وَفِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا نِزَاعٌ فِي كُفْرِهِمْ. وَلِهَذَا كَانَ فِيهِمْ وَجْهَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْأولَى: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُم بُغَاةٌ. وَالثَّانِي: أَنَّهُم كُفارٌ كالْمُرْتَدِّينَ، يَجُوزُ قَتْلُهُم ابْتِدَاءً، وَقَتْلُ أَسِيرِهِمْ، وَاتِّبُاعُ مُدْبِرِهِمْ، وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ مِنْهُم اُسْتُتِيبَ كَالْمُرْتَدِّ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ. كَمَا أَنَّ مَذْهَبَهُ فِي مَانِعِي الزَّكَاةِ إذَا قَاتَلُوا الْإِمَامَ عَلَيْهَا هَل يَكْفُرُونَ مَعَ الْإِقْرَارِ بِوُجُوبِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ قِتَالَ الصِّدِّيقِ لِمَانِعِي الزَّكَاةِ وَقِتَالَ عَلِيٍّ لِلْخَوَارجِ: لَيْسَ مِثْل الْقِتَالِ يَوْمَ الْجَمَلِ وصفين.

стр. 779

فَكَلَامُ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ فِي الْخَوَارِجِ يَقْتَضِي أَنَّهُم لَيْسُوا كُفَّارًا كَالْمُرْتَدِّينَ عَن أَصْلِ الْإِسْلَامِ، وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَن الْأَئِمَّةِ كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ. وَلَيْسُوا مَعَ ذَلِكَ حُكْمُهُم كَحُكمِ أَهْلِ الْجَمَلِ وصفين؛ بَل هُم نَوْعٌ ثَالِثٌ، وَهَذَا أَصَحُّ الْأَقْوَالِ الثَّلاثَةِ فِيهِمْ. [٢٨/ ٥١٨] * * * مناظرة أهل الزيغ والباطل ٧٨٤ - الْمُنَاظَرَةُ وَالْمُحَاجَّةُ لَا تَنْفَعُ إلَّا مَعَ الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ. [٤/ ١٠٩] ٧٨٥ - مِن أَحْسَنِ مُنَاظَرَتِهِمْ [أي: الْجَهْمِيَّة] أنْ يُقَالَ: ائتُونَا بِكِتَابٍ أو سُنَّةٍ حَتَّى نُجِيبَكُمْ إلَى ذَلِكَ، وَإِلا فَلَسْنَا نُجِيبُكُمْ إلَى مَا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ الْكتَابُ وَالسُّنَّةُ. وَهَذَا لِأَنَّ النَّاسَ لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُم النِّزَاعَ إلَّا كِتَابٌ مُنَزَّلٌ مِنَ السَّمَاءِ، وَإِذَا ردُّوا إلَى عُقُولِهِمْ فَلِكلِّ وَاحِدٍ مِنْهُم عَقْلٌ. [٢٠/ ١٦٢ - ١٦٣] ٧٨٦ - يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْأمُورَ الْمَعْلُومَةَ مِن دِينِ الْمُسْلِمِينَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ عَمَّا يُعَارِضُهَا جَوَابًا قَاطِعًا لَا شُبْهَةَ فِيهِ، بِخِلَافِ مَا يَسْلُكُهُ مَن يَسْلُكُهُ مِن أهْلِ الْكَلَامِ، فَكُلُّ مَن لَمْ يُنَاظِرْ أَهْلَ الْإِلْحَادِ وَالْبِدَعِ مُنَاظَرَةً تَقْطَعُ دَابِرَهُمْ: لَمْ يَكُن أَعْطَى الْإِسْلَامَ حَقَّة، وَلَا وَفَّىَ بِمُوجِبِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ، وَلَا حَصَلَ بِكَلَامِهِ شِفَاءُ الصُّدُورِ، وَطُمَأْنِينَةُ النُّفُوسِ، وَلَا أفَادَ كَلَامُهُ الْعِلْمَ وَالْيَقِينَ. [٢٠/ ١٦٤ - ١٦٥] * * * البدع والأهواء وأمراض القلوب ٧٨٧ - إِنَّ الْبِدْعَةَ الشَرْعِيَّةَ -أَي: الْمَذْمُومَةَ فِي الشَّرْعِ- هِيَ مَا لَمْ يَشْرَعْه اللهُ فِي الدِّينِ؛ أَي: مَا لَمْ يَدْخُلْ فِي أَمْرِ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَطَاعَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ.

стр. 780

فَأَمَّا إنْ دَخَلَ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ مِن الشِّرْعَةِ لَا مِن الْبِدْعَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَإِن كَانَ قَد فُعلَ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَا عُرفَ مِن أَمْرِهِ؛ كَإِخْرَاجِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بَعْدَ مَوْتِهِ، وَجَمْعِ الْمُصْحَفِ، وَجَمْعِ النَّاسِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الَّذِي أَمَرَ بِذَلِكَ وَإِن سَمَّاهُ بِدْعَةً، فَإِنَّمَا ذَلِكَ لِأَنَّهُ بِدْعَةٌ فِي اللُّغَةِ، إذ كُلُّ أَمْرٍ فُعِلَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ مُتَقَدِّمٍ يُسَمَّى فِي اللُّغَةِ بِدْعَةً، وَلَيْسَ مِمَّا تُسَمِّيه الشَّرِيعَةُ بِدْعَةً، وَيُنْهَى عَنْهُ، فَلَا يَدْخُلُ فِيمَا رَوَاهُ مُسْلِم مِن "صَحِيحِهِ" (١) عَن جَابِرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: "إنَّ أَصْدَقَ الْكَلَامِ كَلَامُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأمورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ". [٣١/ ٣٦] ٧٨٨ - قَرَّرْنَا فِي قَاعِدَةِ "السُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ": أَنَّ الْبِدْعَةَ فِي الدِّينِ هِيَ مَا لَمْ يَشْرَعْهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَهُوَ مَا لَمْ يَأْمُرْ بِهِ أَمْرَ إيجَابٍ وَلَا اسْتِحْبَابٍ. فَأَمَّا مَا أَمَرَ بِهِ أَمْرَ إيجَابٍ أَو اسْتِحْبَابٍ وَعُلِمَ الْأَمْرُ بِهِ بِالْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ: فَهُوَ مِن الدِّينِ الَّذِي شَرَعَهُ اللهُ، وَإِن تَنَازَعَ أُولُو الْأَمْرِ فِي بَعْضِ ذَلِكَ. وَسَوَاءٌ كَانَ هَذَا مَفْعُولًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ أَو لَمْ يَكنْ، فَمَا فُعِل بَعْدَهُ بِأَمْرِهِ - مِن قِتَالِ الْمُرْتَدِّينَ وَالْخَوَارِج الْمَارِقِينَ وَفَارِسَ وَالرُّومِ وَالتُّرْكِ وَإِخْرَاجِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِن جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَغَير ذَلِكَ - هُوَ مِن سُنَّتِهِ. فَسُنَّةُ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ: هِيَ مِمَّا أَمَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ، وَعَلَيْهِ أَدِلَّةٌ شَرْعِيَّةٌ مُفَصَّلَةٌ. [٤/ ١٠٨] ٧٨٩ - قال أئمة الإسلام، كسفيان الثوري وغيره: إن البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأن البدعة لا يُتاب منها، والمعصية يُتاب منها.

стр. 781

ومعنى قولهم: إن البدعة لا يُتاب منها: أن المبتدع الذي يتخذ دينًا لم يشرعه الله ولا رسوله قد زيّن له سوء عمله فرآه حسنًا، فهو لا يتوب ما دام يراه حسنًا؛ لأن أول التوبة العلم بأن فعله سيئ ليتوب منه، أو بأنه ترك حسنًا مأمورًا به أمر إيجاب أو استحباب ليتوب ويفعله، فما دام يرى فعله حسنًا وهو سيّئ في نفس الأمر فإنه لا يتوب، ولكن التوبة منه ممكنة وواقعة بأن يهديه الله ويرشده حتى يتبين له الحق. [١٠/ ٩] ٧٩٠ - قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢]، وَمَن فِي قَلْبِهِ مَرَضُ الشَّهْوَةِ وَإِرَادَةُ الصُّورَةِ مَتَى خَضَعَ الْمَطْلُوبُ طَمِعَ الْمَرِيضُ وَالطَّمَعُ الَّذِي يُقَوِّي الْإِرَادَةَ وَالطَّلَبَ وَيُقَوِّي الْمَرَضَ بِذَلِكَ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ آيِسًا مِن الْمَطْلُوبِ فَإِنَّ الْيَأْسَ يُزِيلُ الطَّمَعَ فَتَضْعُفُ الْإِرَادَةُ فَيَضْعُفُ الْحُبُّ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُرِيدُ أَنْ يَطْلُبَ مَا هُوَ آيِسٌ مِنْهُ فَلَا يَكُونُ مَعَ الْإِرَادَةِ عَمَلٌ أَصْلًا بَل يَكُونُ حَدِيثُ نَفْسٍ إلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِذَلِكَ كَلَامٌ أَو نَظَرٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَيَأثَمُ بِذَلِكَ (١). [١٠/ ١٣٢] ٧٩١ - مِن سُنَّة النبي ﷺ وسُنَّة خلفائه: التمييز بين الرجال والنساء، والمتأهِّلين والعزاب، فكان المندوب في الصلاة أن يكون الرجال في مقدّم المسجد والنساء في مؤخره، وقال النبي ﷺ : "خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا" (٢)، وكان إذا سلَّم

стр. 782

لبث هنيهة هو والرجال لينصرف النساء أولًا؛ لئلا يختلط الرجال والنساء. وكذلك لما قدم المهاجرون المدينة كان العزّاب ينزلون دارًا معروفة لهم متميزة عن دور المتأهلين، فلا ينزل العزب بين المتأهلين، وهذا كله؛ لأنَّ اختلاط أحدِ المصنفين بالآخر سببُ الفتنة؛ فالرجال إذا اختلطوا بالنساء كان بمنزلة اختلاط النار والحطب، وكذلك العزب بين الآهلين فيه فتنة لعدم ما يمنعه. [الاستقامة ٢٦٠] ٧٩٢ - كَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا صَارَ لَا يَسْمَعُ بِأُذُنِهِ، وَلَا يُبْصِرُ بِعَيْنِهِ، وَلَا يَنْطِقُ بِلِسَانِهِ: كَانَ ذَلِكَ مَرضًا مُؤلِمًا لَهُ، يَفُوتُهُ مِن الْمَصَالِحِ وَيحْصُلُ لَهُ مِن الْمَضَارِّ، فَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَسْمَعْ وَلَمْ يُبْصِرْ وَلَمْ يَعْلَمْ بِقَلْبِهِ الْحَقَّ مِن الْبَاطِلِ، وَلَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَرِّ، وَالْغَيِّ وَالرَّشَادِ، كَانَ ذَلِكَ مِن أَعْظَم أَمْرَاضِ قَلْبهِ وَأَلَمِهِ. [١٠/ ١٤١] ٧٩٣ - أَصْلُ ضَلَالِ مَن ضَلَّ: هُوَ بِتَقْدِيمِ قِيَاسِهِ عَلَى النَّصِّ الْمُنَزَّلِ مِن عِنْدِ اللهِ، وَاخْتِيَارِهِ الْهَوَى عَلَى اتّبَاعِ أَمْرِ اللهِ، فَإِنَّ الذَّوْقَ وَالْوَجْدَ وَنَحْو ذَلِكَ هُوَ بِحَسَبِ مَا يُحِبُّهُ الْعَبْدُ، فَكُلُّ مُحِبِّ لَهُ ذَوْقٌ وَوَجْدٌ بِحَسَبِ مَحَبَّتِهِ. فَأَهْلُ الْإِيمَانِ لَهُم مِن الذَّوْقِ وَالْوَجْدِ مِثْلُ مَا بَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "ثَلَاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلا للهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ في الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ في النَّارِ" (١). وَقَالَ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "ذَاقَ طَعْمَ الإيمَانِ مَن رَضِيَ بِاللهِ رَبًا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمحَمَّد نَبِيًّا" (٢). وَأَمَّا أَهْلُ الْكُفْرِ وَالْبِدَع وَالشَّهَوَاتِ فَكُلٌّ بِحَسَبِهِ، قِيلَ لِسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَة: مَا

стр. 783

بَالُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ لَهُم مَحَبَّةٌ شَدِيدَةٌ لِأَهْوَائِهِمْ؟ فَقَالَ: أَنَسِيتَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٩٣] أو نَحْو هَذَا مِن الْكَلَامِ. وَلِهَذَا يَمِيلُ هَؤُلَاءِ إلَى سَمَاعِ الشِّعْرِ وَالْأَصْوَاتِ الَّتِي تُهَيِّجُ الْمَحَبَّةَ الْمُطْلَقَةَ (١)، الَّتِي لَا تَخْتَصُّ بِأَهْلِ الْإِيمَانِ؛ بَل يَشْتَرِكُ فِيهَا مُحِبُّ الرَّحْمَنِ، وَمُحِبُّ الأوْثَانِ، وَمُحِبُّ الصُّلْبَانِ، وَمُحِبُّ ا لْأَوْطَانِ، وَمُحِبُّ الْإِخْوَانِ، وَمُحِبُّ المردان، وَمُحِبُّ النِّسْوَانِ. وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ أَذْوَاقَهُم وَمَوَاجِيدَهُم مِن غَيْرِ اعْتِبَارٍ لِذَلِكَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ؛ فَالْمُخَالِفُ لِمَا بُعِثَ بِهِ رَسُولُهُ مِن عِبَادَتِهِ وَطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ لَا يَكُونُ مُتَّبِعًا لِدِينٍ شَرَعَهُ اللهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩)﴾ [الجاثية: ١٨، ١٩]؛ بَل يَكُونُ مُتَّبِعًا لِهَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِن اللهِ. [١٠/ ١٧٠ - ١٧١] ٧٩٤ - الرَّجُلُ إذَا تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِامْرَأَةٍ وَلَو كَانَت مُبَاحَةً لَهُ يَبْقَى قَلْبُهُ أَسِيرًا لَهَا، تَحْكُمُ فِيهِ وَتتصَرَّفُ بِمَا تُرِيدُ؛ وَهُوَ فِي الظَّاهِرِ سَيِّدُهَا؛ لِأَنَهُ زَوْجُهَا، وَفِي الْحَقِيقَةِ هُوَ أَسِيرُهَا وَمَمْلُوكُهَا، لَا سِيَّمَا إذَا دَرَتْ بِفَقْرِهِ إلَيْهَا، وَعِشْقِهِ لَهَا، وَأَنَّهُ لَا يَعْتَاضُ عَنْهَا بغَيْرِهَا؛ فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ تَحْكُمُ فِيهِ بِحُكْمِ السَّيِّدِ الْقَاهِرِ الظَّالِمِ فِي عَبْدِهِ الْمَقْهُورِ، الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الْخَلَاصَ مِنْهُ بَل أَعْظَمُ، فَإِنَّ أَسْرَ الْقَلْبِ أَعْظَمُ مِن أَسْرِ الْبَدَنِ، وَاسْتِعْبَادَ الْقَلْبِ أَعْظَمُ مِن اسْتِعْبَادِ الْبَدَنِ (٢). [١٠/ ١٨٥ - ١٨٦]

стр. 784

٧٩٥ - أَمَّا مَن اسْتَعْبَدَ قَلْبَهُ صُورَةٌ مُحَرَّمَة: امْرَأَةً أَو صَبِيًّا فَهَذَا هُوَ الْعَذَابُ الَّذِي لَا يَدَانِ فِيهِ، وَهَؤُلَاءِ مِن أَعْظَمِ النَّاسِ عَذَابًا وَأَقَلِّهِمْ ثَوَابًا، فَإِنَّ الْعَاشِقَ لِصُورَة إذَا بَقِيَ قَلْبُهُ مُتَعَلِّقًا بِهَا مُسْتَعْبَدًا لَهَا اجْتَمَعَ لَهُ مِن أَنْوَاعِ الشَرِّ وَالْفَسَادِ مَا لَا يُحْصِيهِ إلَّا رَبُّ الْعِبَادِ، وَلَو سَلِمَ مِن فِعْلِ الْفَاحِشَةِ الْكُبْرَى، فَدَوَامُ تَعَلُّقِ الْقَلْبِ بِهَا بِلَا فِعْلِ الْفَاحِشَةِ أَشَدُّ ضَرَرًا عَلَيْهِ مِمَن يَفْعَلُ ذَنْبًا ثمَّ يَتُوبُ مِنْهُ، وَيزُولُ أَثَرُهُ مِن قَلْبِهِ، وَهَؤُلَاءِ يُشَبَّهُونَ بِالسُّكَارَى وَالْمَجَانِينِ. [١٠/ ١٨٦ - ١٨٧] ٧٩٦ - كَثِيرًا مَا يُخَالِطُ النُّفُوسَ مِن الشَّهَوَاتِ الْخَفِيَّةِ مَا يُفْسِدُ عَلَيْهَا تَحْقِيقَ وَإِخْلَاصِ دِينهَا لَهُ. [١٠/ ٢١٤ - ٢١٥] ٧٩٧ - إِذَا كَانَ الْعَبْدُ مُخْلِصًا لَهُ -سبحانه- اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَيُحْيِي قَلْبَة وَاجْتَذَبَهُ إلَيْهِ، فَيَنْصَرِفُ عَنْهُ مَا يُضَادُّ ذَلِكَ مِن السُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ، وَيخَافُ مِن حُصُولِ ضِدِّ ذَلِكَ، بِخِلَافِ الْقَلْبِ الَّذِي لَمْ يُخْلِصْ للهِ، فَإِنَّهُ فِي طَلَبٍ وَإِرَادَةٍ وَحُبِّ مُطْلَقٍ، فَيَهْوَى مَا يَسْنَحُ لَهُ، وَيَتَشَبَّثُ بِمَا يَهْوَاهُ؛ كَالْغُصْنِ أَيُّ نَسِيمٍ مَرَّ بِعِطْفِهِ أَمَالَهُ. فَتَارَةً تَجْتَذِبُهُ الصُّوَرُ الْمُحَرَّمَةُ وَغَيْرُ الْمُحَرَّمَةِ، فَيَبْقَى أَسِيرًا عَبْدًا. وَتَارَةً يَجْتَذِبُهُ الشَّرَفُ وَالرِّئَاسَةُ فَتُرْضِيهِ الْكَلِمَةُ وَتُغْضِبُهُ الْكَلِمَةُ، وَيسْتَعْبِدُهُ مَن يُثْنِي عَلَيْهِ وَلَو بِالْبَاطِلِ، وَيُعَادِي مَن يَذُمُّهُ وَلَو بِالْحَقِّ. وَتَارَةً يَسْتَعْبِدُة الدِّرْهَمُ وَالدِّينَارُ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِن الْأُمُورِ الَّتِي تَسْتَعْبِدُ الْقُلُوبَ، وَالْقُلُوبُ تَهْوَاهَا فَيَتَّخِذَ إلَهَهُ هَوَاهُ وَيتَّبعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِن اللهِ. [١٠/ ٢١٦] ٧٩٨ - الْبِدَعُ تَكُونُ فِي أَوَّلهَا شِبْرًا، ثُمَّ تَكْثُرُ فِي الأتْبَاعِ حَتَّى تَصِيرَ أَذْزعًا وَأَمْيَالًا وَفَرَاسِخَ. [٨/ ٤٢٥] ٧٩٩ - يَحْتَاجُ الْعَبْدُ أَنْ يَنْفِيَ عَنْهُ شَيْئَيْنِ: أ - الْآرَاءَ الْفَاسِدَةَ. ب - وَالْأَهْوَاءَ الْفَاسِدَةَ.

стр. 785

فَيَعْلَمُ أَنَّ الْحِكْمَةَ وَالْعَدْلَ فِيمَا اقْتَضَاهُ عِلْمُهُ وَحِكْمَتُهُ (١) لَا فِيمَا اقْتَضَاهُ عِلْمُ الْعَبْدِ وَحِكْمَتُهُ، وَيكُونُ هَوَاهُ تبَعًا لِمَا أَمَرَ اللهُ بِهِ، فَلَا يَكُونُ لَهُ مَعَ أَمْرِ اللهِ وَحُكْمِهِ هَوًى يُخَالِفُ ذَلِكَ. [١٠/ ٢٨٨] ٨٠٠ - أَلَا تَرَى أَنَّ الَّذِي يُعَظِّمُ نَفْسَهُ بِالْبَاطِلِ يُرِيدُ أَنْ يَنْصُرَ كُلَّ مَا قَالَهُ وَلَو كَانَ خَطَأً؟ [١٠/ ٢٩٢] ٨٠١ - كَوْنُ الْإِنْسَانِ فرِيدًا لِمَا أُمِرَ بِهِ أَو كَارِهًا لَهُ فَهَذَا لَا تَلْتَفِتُ إلَيْهِ الشَّرَائِعُ؛ بَل وَلَا أَمْرُ عَاقِلٍ؛ بَل الْإِنْسَانُ مَأمُورٌ بِمُخَالَفَةِ هَوَاهُ. [١٠/ ٢٤٦] ٨٠٢ - أَقَامَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَدَخَلَ مَكَّةَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ، وَعَامَ الْفَتْحِ أَقَامَ بِهَا قَرِيبًا مِن عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَأَتَاهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَأَقَامَ بِهَا أَرْبَعَ لَيَالٍ وَغَارُ حِرَاءٍ قَرِيبٌ مِنْهُ وَلَمْ يَقْصِدْهُ. [١٠/ ٣٩٤] ٨٠٣ - اتِّبَاعُ الْهَوَى يُرَادُ بِهِ نَفْسُ مُسَمَّى الْمَصْدَرِ؛ أَيْ: اتِّبَاعُ إرَادَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ، الَّتِي هِيَ هَوَاهُ، وَاتِّبُاعُ الْإِرَادَةِ هُوَ فِعْلُ مَا تَهْوَاهُ النَّفْسُ. [١٠/ ٥٨٥] ٨٠٤ - يَبْقَى الْإِنْسَانُ عِنْدَ شَهْوَتِهِ وَهَوَاهُ أَسِيرًا لِذَلِكَ، مَقْهُورًا تَحْتَ سُلْطَانِ الْهَوَى، أَعْظَمَ مِن قَهْرِ كُلِّ قَاهِرٍ، فَإِنَّ هَذَا الْقَاهِرَ الْهَوَائِيَّ الْقَاهِرَ لِلْعَبْدِ هُوَ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهِ، لَا يُمْكِنُهُ مُفَارَقَتُهُ أَلْبَتَّةَ. [١٠/ ٥٨٧] ٨٠٥ - اتِّبَاعُ الْهَوَى دَرَجَاتٌ: فَمِنْهُم الْمُشْرِكُونَ وَاَلَّذِينَ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا يَسْتَحْسِنُونَ بِلَا عِلْمٍ وَلَا بُرْهَانٍ، كَمَا قَالَ: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان: ٤٣]؛ أَيْ: يَتَّخِذُ إلَهَهُ الَّذِي يَعْبُدُهُ وَهُوَ مَا يَهْوَاهُ مِن آلِهَةٍ، وَلَمْ يَقُلْ إنَّ هَوَاهُ نَفْسُ إلَهِهِ، فَلَيْسَ كُلُّ مَن يَهْوَى شَيْئًا يَعْبُدُهُ، فَإِنَّ الْهَوَى أَقْسَامٌ؛ بَل الْمُرَادُ أَنَّهُ جَعَلَ الْمَعْبُودَ الَّذِي يَعْبُدُهُ هُوَ مَا يَهْوَاهُ، فَكَانَت عِبَادَتُهُ تَابِعَةً لِهَوَى نَفْسِهِ فِي الْعِبَادَة.

стр. 786

وَهَذِهِ حَالُ "أَهْلِ الْبِدَعِ" فَإِنَّهُم عَبَدُوا غَيْرَ اللهِ وَابْتَدَعُوا عِبَادَاتٍ زَعَمُوا أَنَّهُم يَعْبُدُونَ اللهَ بِهَا. وَالْمُبْتَلُونَ بِالْعِشْقِ لَا يَزَالُ الشَّيْطَانُ يُمَثِّلُ لِأَحَدِهِمْ صُورَةَ الْمَعْشُوقِ، أَو يَتَصَوَّرُ بِصُورَتِهِ، فَلَا يَزَالُ يَرَى صُورَتَهُ مَعَ مَغِيبِهِ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَإِنَّمَا جَلَاهُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَلْبِهِ، وَلِهَذَا إذَا ذَكَرَ الْعَبْدُ اللهَ الذِّكْرَ الَّذِي يَخْنِسُ مِنْهُ الْوَسْوَاسُ الْخَنَّاسُ (١): خَنَسَ هَذَا الْمِثَالُ الشَيْطَانِيُّ (٢). وَصُورَةُ الْمَحْبُوبِ تَسْتَوْلِي عَلَى الْمُحِبِّ أَحْيَانًا حَتَّى لَا يَرَى غَيْرَهَا وَلَا يَسْمَعَ غَيْرَ كَلَامِهَا فَتَبْقَى نَفْسُهُ مُشْتَغِلَةً بِهَا. [١٠/ ٥٩٢ - ٥٩٣] ٨٠٦ - الشَّهْوَةُ تَفْتَحُ بَابَ الشَّرِّ وَالسَّهْوِ وَالْخَوْفِ (٣)، فَيَبْقَى الْقَلْبُ مَغْمُورًا فِيمَا يَهْوَاهُ وَيخْشَاهُ، غَافِلًا عَنِ اللهِ، سَاهِيًا عَن ذِكْرِهِ، قَد اشْتَغَلَ بِغَيْرِ اللهِ، قَد انْفَرَطَ أَمْرُهُ، قَد رَانَ حُبُّ الدُّنْيَا عَلَى قَلْبِهِ. [١٠/ ٥٩٧] ٨٠٧ - طَالِبُ الرِّئَاسَةِ - وَلَو بِالْبَاطِلِ - تُرْضِيهِ الْكلِمَةُ الَّتِي فِيهَا تَعْظِيمُهُ وَإِن كَانَت بَاطِلًا، وَتُغْضِبُهُ الْكَلِمَةُ الَّتِي فِيهَا ذَمُّهُ وَإِن كَانَت حَقًّا. وَكَذَلِكَ طَالِبُ الْمَالِ - وَلَو بِالْبَاطِلِ - كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨)﴾ [التوبة: ٥٨] وَهَؤُلَاءِ هُم الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ: "تَعِسَ عَبْدُ الدَّينَارِ" (٤) الْحَدِيثَ. فَكَيْفَ إذَا اسْتَوْلَى عَلَى الْقَلْبِ مَا هُوَ أَعْظَمُ اسْتِعْبَادًا مِن الدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ مِن الشَّهَوَاتِ وَالأهْوَاءِ؟! [١٠/ ٥٩٩ - ٦٠٠] ٨٠٨ - نَفْسُ الْهَوَى وَالشَّهْوَةِ لَا يُعَاقَبُ عَلَيْهِ؛ بَل عَلَى اتِّبَاعِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ، فَإِذَا كَانَت النَّفْسُ تَهْوَى وَهُوَ يَنْهَاهَا كَانَ نَهْيُهُ عِبَادَةً للهِ وَعَمَلًا صَالِحًا، وَثَبَتَ

стр. 787

عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "الْمُجَاهِدُ مَن جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي ذَاتِ اللهِ" (١)، فَيُؤْمَرُ بِجِهَادِهَا كَمَا يُؤْمَرُ بِجِهَادِ مَن يَأْمُرُ بِالْمَعَاصِي وَيدْعُو إلَيْهَا وَهُوَ إلَى جِهَادِ نَفْسِهِ أَحْوَجُ. [١٠/ ٦٣٥ - ٦٣٦] ٨٠٩ - سَمَاعُ الْمُكَاءِ وَالتَّصْدِيَةِ: وَهُوَ الِاجْتِمَاعُ لِسَمَاع القصَائِدِ الرَّبَّانِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَ بِكَفِّ أَو بِقَضِيبٍ أَو بِدُفٍّ، أَو كَانَ مَعَ ذَلِكَ شَبَّابًةٌ، فَهَذَا لَمْ يَفْعَلْهُ أَحَدٌ مِن الصَّحَابَةِ لَا مِن أَهْلِ الصُّفَّةِ وَلَا مِن غَيْرِهِمْ؛ بَل وَلَا مِن التَّابِعِينَ بَل الْقُرُونُ الْمُفَضَّلَةُ الَّتِي قَالَ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ : "خَيْرُ الْقُرُونِ الَّذِينَ بُعِثْت فِيهِمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم ثمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ" (٢) لَمْ يَكُن فِيهِمْ أَحَدٌ يَجْتَمِعُ عَلَى هَذَا السَّمَاعِ لَا فِي الْحِجَازِ وَلَا فِي الشَّامِ وَلَا فِي الْيَمَنِ وَلَا الْعِرَاقِ وَلَا مِصْرَ وَلَا خُرَاسَانَ وَلَا الْمَغْرِبِ، وَإِنَّمَا كَانَ السَّمَاعُ الَّذِي يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ سَمَاعُ الْقُرْآنِ. [١٦/ ٥٧ - ٥٨] ٨١٠ - كَانَ السَّلَفُ يُسَمُّونَ أَهْلَ الْبِدَعِ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ (٣). [١١/ ٤٥٣] ٨١١ - فَأَمَّا الِانْتِسَابُ الَّذِي يُفَرِّق بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَفِيهِ خُرُوجٌ عَن الْجَمَاعَةِ والائتلاف إلَى الْفُرْقَةِ، وَسُلُوكِ طَرِيقِ الِابْتِدَاعِ، وَمُفَارَقَةِ السُّنَّةِ وَالِاتِّبَاعِ، فَهَذَا مِمَّا يُنْهَى عَنْهُ وَيأَثَمُ فَاعِلُهُ، وَيخْرُجُ بِذَلِكَ عَن طَاعَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ (٤). [١١/ ٥١٤]

стр. 788

٨١٢ - سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَن جَمَاعَةٍ يَجْتَمِعُونَ عَلَى قَصْدِ الْكَبَائِرِ مِن الْقَتْلِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ شَيْخًا مِن الْمَشَايخ الْمَعْرُوفِينَ بِالْخَيْرِ وَاتِّبَاعِ السُّنَّةِ قَصَدَ مَنْعَ الْمَذْكُورِينَ مِن ذَلِكَ، فَلَمْ يُمْكِنْهُ إلًّا أَنْ يُقِيمَ لَهُم سَمَاعًا يَجْتَمِعُونَ فِيهِ بِهَذِهِ النِّيَّةِ وَهُوَ بِدُفٍّ بِلَا صَلَاصِلَ، وَغِنَاءِ الْمُغَنِّي بِشِعْرٍ مُبَاحٍ بِغَيْرِ شَبَّابَةٍ، فَلَمَّا فَعَلَ هَذَا تَابَ مِنْهُم جَمَاعَةٌ، وَأَصْبَحَ مَن لَا يُصَلِّي وَيسْرِقُ وَلَا يُزَكِّي يَتَوَرَّعُ عَن الشُّبُهَاتِ وُيؤَدِّي الْمَفْرُوضَاتِ وَيجْتَنِبُ الْمُحَرَّمَاتِ. فَهَل يُبَاحُ فِعْلُ هَذَا السَّمَاع لِهَذَا الشَّيْخ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِن الْمَصَالِحِ؟ مَعَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ دَعوَتُهُم إلَّا بِهَذَا؟ فَأَجَابَ: الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَصْلُ جَوَابِ هَذِهِ الْمَسْألَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا: أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا، وَأَنَّهُ أَكْمَلَ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ الدِّينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. وَثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا

стр. 789

بَعْدِي إلَّا هَالِكٌ" (١). وَشَوَاهِدُ هَذَا "الْأَصْلِ الْعَظِيمِ الْجَامِعِ"، مِن الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَثِيرَةٌ، وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْكُتُبِ: "كِتَابُ الِاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ"، كَمَا تَرْجَمَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ والبغوي وَغَيْرُهُمَا. فَمَن اعْتَصَمَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَانَ مِن أَوْليَاءِ اللهِ الْمُتَّقِينَ وَحِزْبِهِ الْمُفْلِحِينَ وَجُنْدِهِ الْغَالِبِينَ. وَكَانَ السَّلَفُ - كَمَالِك وَغَيْرِهِ -: يَقولُونَ: السُّنَّةُ كَسَفِينَةِ نُوحٍ مَن رَكِبَهَا نَجَا، وَمَن تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: كَانَ مَن مَضَى مِن عُلَمَائِنَا يَقُولُونَ: الِاعْتِصَامُ بِالسُّنَّةِ نَجَاةٌ. إذَا عُرِفَ هَذَا فَمَعْلُومٌ أَنَّمَا يَهْدِي اللهُ بِهِ الضَّالِّينَ وُيرْشِدُ بِهِ الْغَاوِينَ وَيتُوبُ بِهِ عَلَى الْعَاصِينَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِيمَا بَعَثَ اللهُ بِهِ رَسُولَهُ مِن الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَإِلَّا فَإِنَّهُ لَو كَانَ مَا بَعَثَ اللهُ بِهِ الرَّسُولَ ﷺ لَا يَكْفِي فِي ذَلِكَ لَكَانَ دِينُ الرَّسُولِ نَاقِصًا مُحْتَاجًا تَتِمَّةً. وَينْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ أَمَرَ اللهُ بِهَا أَمْرَ إيجَابٍ أَو اسْتِحْبَابٍ، وَالْأعْمَالُ الْفَاسدَةُ نَهَى اللهُ عَنْهَا، وَالْعَمَلُ إذ اشْتَمَلَ عَلَى مَصْلَحَةٍ وَمَفْسَدَةٍ فَإِنَّ الشَّارعَ حَكيمٌ، فَإِنْ غَلَبَتْ مَصْلَحَتُهُ عَلَى مَفْسَدَتِهِ شَرَعَهُ وَإِن غَلَبَتْ مَفْسَدَتُهُ عَلَى مَصْلَحَتِهِ لَمْ يُشَرِّعْهُ بَل نَهَى عَنْهُ. وَهَكَذَا مَا يَرَاهُ النَّاسُ مِن الْأَعْمَالِ مُقَرِّبًا إلَى اللهِ وَلَمْ يُشَرِّعْهُ اللهُ وَرَسُولُهُ؛ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ضَرَرُهُ أَعْظَمَ مِن نَفْعِهِ، وَإِلَّا فَلَو كَانَ نَفْعُهُ أَعْظَمَ غَالِبًا عَلَى ضَرَرِهِ لَمْ يُهْمِلْة الشَّارعُ؛ فَإِنَّهُ ﷺ حَكِيمٌ لَا يُهْمِلُ مَصَالِحَ الدِّينِ، وَلَا يُفَوِّتُ الْمُؤْمِيينَ مَا يُقَرِّبُهُم إلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ.

стр. 790

إذَا تبَيَّنَ هَذَا فَنَقُولُ لِلسَّائِلِ: إنَّ الشَّيْخَ الْمَذْكُورَ قَصَدَ أَنْ يُتَوِّبَ الْمُجْتَمِعِينَ عَلَى الْكَبَائِرِ فَلَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ إلَّا بِمَا ذَكَرَهُ مِن الطَّرِيقِ الْبِدْعِيِّ: يَدُلُّ أَنَّ الشَّيْخَ جَاهِلٌ بِالطُّرُقِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي بِهَا "تَتُوبُ الْعُصَاةُ، أَو عَاجِزٌ عَنْهَا؛ فَإِنَّ الرَّسُولَ ﷺ وَالصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ كَانُوا يَدْعُونَ مَن هُوَ شَرٌّ مِن هَؤُلَاءِ مِن أهْلِ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ بِالطُّرُقِ الشَرْعِيَّةِ الَّتِي أَغْنَاهُم اللهُ بِهَا عَن الطُّرُقِ الْبِدْعِيَّةِ. فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ لَيْسَ فِي الطُّرُقِ الشَرْعِيَّةِ الَّتِي بَعَثَ اللهُ بِهَا نَبِيَّهُ مَا يَتُوبُ بِهِ الْعُصَاةُ، فَإِنَّهُ قَد عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ وَالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ أَنَّهُ قَد تَابَ مِن الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ مَن لَا يُحْصِيه إلَّا اللهُ تَعَالَى مِن الْأُمَمِ بِالطُّرُقِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا مَا ذُكِرَ مِن الِاجْتِمَاعِ الْبِدْعِيِّ. فَلَا يَعْدِلُ أَحَدٌ عَن الطُّرُقِ الشَّرْعِيَّةِ إلَى الْبِدْعِيَّةِ إلَّا لِجَهْلٍ أَو عَجْزٍ أَو غَرَضٍ فَاسِدٍ. فَمِن الْمَعْلُومِ أَنَّ سَمَاعَ الْقُرْآنِ هُوَ سَمَاعُ النَّبِيِّينَ وَالْعَارِفِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ. قَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]. وَبِهَذَا السَّمَاعِ هَدَى اللهُ الْعِبَادَ وَأَصْلَحَ لَهُم أَمْرَ الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ، وَبِهِ بُعِثَ الرَّسُولُ ﷺ وَبِهِ أَمَرَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ وَاَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ، وَعَلَيْهِ كَانَ يَجْتَمِعُ السَّلَفُ. وَقَد مَدَحَ اللهُ أَهْلَ هَذَا السَّمَاعِ الْمُقْبِلِينَ عَلَيْهِ، وَذَمَّ الْمُعْرِضينَ عَنْة، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ سَبَبُ الرَّحْمَةِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. وَقَوْلُ السَّائِلِ وَغَيْرِهِ: هَل هُوَ حَلَالٌ أَو حَرَامٌ؟ لَفْظٌ مُجْمَلٌ، فِيهِ تَلْبِيسٌ يَشْتَبِهُ الْحُكْمُ فِيهِ، حَتَّى لَا يُحْسِنَ كَثِيرٌ مِن الْمُفْتِينَ تَحْرِيرَ الْجَوَابِ فِيهِ؛ وَذَلِكَ

стр. 791

أَنَّ الْكلَامَ فِي السَّمَاعِ وَغَيْرِهِ مِن الْأَفْعَالِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ هَل هُوَ مُحَرَّمٌ أَو غَيْرُ محَرَّمٍ؟ بَل يَفْعَلُ كَمَا يَفْعَلُ سَائِرَ الْأَفْعَالِ الَّتِي تَلْتَذُّ بِهَا النُّفُوسُ، وَإِن كَانَ فِيهَا نَوْعٌ مِن اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ كَسَمَاعِ الْأَعْرَاسِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يَفْعَلُهُ النَّاسُ لِقَصْدِ اللَّذَّةِ وَاللَّهْوِ لَا لِقَصْدِ الْعِبَادَةِ وَالتَّقَرُّبِ إلَى اللهِ. وَالنَّوْعُ الثَّانِي: أَنْ يَفْعَلَ عَلَى وَجْهِ الدِّيَانَةِ وَالْعِبَادَةِ وَصَلَاحِ الْقُلُوبِ. فَيَجِبُ الْفَرْقُ بَيْنَ سَمَاعِ الْمُتَقَرِّبِينَ، وَسَمَاعِ الْمُتَلَعِّبِينَ، وَبَيْنَ السَّمَاعِ الَّذِي يَفْعَلُهُ النَّاسُ فِي الْأَعْرَاسِ وَالْأَفْرَاحِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِن الْعَادَاتِ، وَبَيْن السَّمَاعِ الَّذِي يُفْعَلُ لِصَلَاحِ الْقُلُوبِ وَالتَّقَرُّبِ إلَى رَبِّ السَّمَوَاتِ. فَإِنَّ هَذَا يُسْأَلُ عَنْهُ: هَل هُوَ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ؟ وَهَل هُوَ طَرِيقٌ إلَى اللهِ؟ وَهَل لَهُم بُدٌّ مِن أَنْ يَفْعَلُوهُ لِمَا فِيهِ مِن رِقَّةِ قُلُوبِهِم وَتَحْرِيكِ وَجْدِهِمْ لِمَحْبُوبِهِم وَتَزْكِيَةِ نُفُوسِهِمْ وَإِزَالَةِ الْقَسْوَةِ عَن قُلُوبِهِم وَنَحْوِ ذَلِكَ مِن الْمَقَاصِدِ الَّتِي تُقْصَدُ بِالسَّمَاعِ؟ إذَا عُرِفَ هَذَا فَحَقِيقَةُ السُّؤَالِ: هَل يُبَاحُ لِلشَّيْخِ أَنْ يَجْعَلَ هَذِهِ الْأُمُورَ الَّتِي هِيَ: إمَّا مُحَرَّمَةٌ أَو مَكْرُوهَةٌ أَو مُبَاحَةٌ قُرْبَةً وَعِبَادَةً وَطَاعَةً وَطَرِيقَةً إلَى اللهِ يَدْعُو بِهَا إلَى اللهِ ويُتَوِّبُ الْعَاصِينَ ويُرْشِدُ بِهِ الْغَاوِينَ وَيهْدِي بِهِ الضَّالِّينَ؟ (١). وَمِن الْمَعْلُومِ أَنَّ الدِّينَ لَهُ "أَصْلَانِ" فَلَا دِينَ إلَّا مَا شَرَعَ اللهُ وَلَا حَرَامَ إلَّا مَا حَرَّمَهُ اللهُ. وَاللهُ تَعَالَى عَابَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ أَنَّهُم حَرَّمُوا مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللهُ وَشَرَعُوا دِينًا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ. وَلَو سُئِلَ الْعَالِمُ عَمَّن يَعْدُو بَيْنَ جَبَلَيْنِ: هَل يُبَاحُ لَهُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ.

стр. 792

فَإِذَا قِيلَ: إنَّهُ عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ كَمَا يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا والمروة؟ قَالَ: إنَّ فِعْلَهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ حَرَامٌ مُنْكَرٌ. لِهَذَا مَن حَضَرَ السَّمَاعَ لِلَّعِبِ وَاللَّهْوِ لَا يَعُدُّهُ مِن صَالِحِ عَمَلِهِ وَلَا يَرْجُو بِهِ الثَّوَابَ. وَأَمَّا مَن فَعَلَهُ عَلَى أَنَّهُ طَرِيق إلَى اللهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ يَتَّخِذُهُ دِينًا، وَإِذَا نَهَى عَنْهُ كَانَ كَمَن نَهَى عَن دِينِهِ. فَالسُّؤَالُ عَن مِثْل هَذَا أَنْ يُقَالَ: هَل مَا يَفْعَلُهُ هَؤُلَاءِ طَرِيقٌ وَقُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ للهِ تَعَالَى يُحِبُّهَا اللهُ وَرَسُولُة أَمْ لَا؟ وَهَل يُثَابُونَ عَلَى ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَإِذَا لَمْ يَكُن هَذَا قُرْبَةً وَطَاعَةً وَعِبَادَةً للهِ، فَفَعَلُوهُ عَلَى أَنَّهُ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ وَعِبَادَةٌ لا وَطَرِيقٌ إلَى اللهِ تَعَالَى، هَل يَحِلُّ لَهُم هَذَا الِاعْتِقَادُ؟ وَهَذَا الْعَمَلُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ؟ (١). وَإِذَا كَانَ السُّؤَالُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَمْ يَكُن لِلْعَالِمِ الْمُتَّبعِ لِلرَّسُولِ ﷺ أَنْ يَقُولَ: إنَّ هَذَا مِن الْقُرَبِ وَالطَّاعَاتِ وَأَنَّهُ مِن أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ، وَأَنَّهُ مِن سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى وَطَرِيقِهِ الَّذِي يَدْعُو بِهِ هَؤُلَاءِ إلَيْهِ، وَلَا أَنَّهُ مِمَّا أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِهِ عِبَادَهُ، لَا أَمْرَ إيجَابٍ وَلَا أَمْرَ اسْتِحْبَابٍ. وَمَا لَمْ يَكُن مِن الْوَاجِبَاتِ والمستحبات فَلَيْسَ هُوَ مَحْمُودًا وَلَا حَسَنَةً وَلَا طَاعَةً وَلَا عِبَادَةً بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.

стр. 793

فَمَن فَعَلَ مَا لَيْسَ بِوَاجِب وَلَا مُسْتَحَبٍّ عَلَى أَنَّهُ مِن جِنْسِ الْوَاجِبِ أَو الْمُسْتَحَبِّ فَهُوَ ضَالٌّ مُبْتَدِعٌ، وَفِعْلُهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ حَرَامٌ بِلَا ريبٍ. [١١/ ٦٢٠ - ٦٣٥] ٨١٣ - مَن اتَّبَعَ الظُّنُونَ وَالْأَهْوَاءَ مُعْتَقِدًا أَنَّهَا عَقْلِيَّاتٌ وَذَوْقِيَّات فَهُوَ مِمَن قَالَ اللهُ فِيهِ: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣)﴾ [النجم: ٢٣]. وَإِنَّمَا يَفْصِلُ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا تَنَازَعُوا فِيهِ الْكِتَابُ الْمُنَزَّلُ مِن السَّمَاءِ، وَالرَّسُولُ الْمُؤَيَّدُ بِالْأَنْبَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤)﴾ [الأحقاف: ٤]. [١٢/ ٤٦٥] ٨١٤ - إنَّ السَّلَفَ كَانَ اعْتِصَامُهُم بِالْقُرْآنِ وَالْإِيمَانِ، فَلَمَّا حَدَثَ فِي الْأُمَّةِ مَا حَدَثَ مِن التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ صَارَ أَهْلُ التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ شِيَعًا، صَارَ هَؤُلَاءِ عُمْدَتُهُم فِي الْبَاطِنِ لَيْسَتْ عَلَى الْقُرْآنِ وَالْإِيمَانِ، وَلَكِنْ عَلَى أُصُولٍ ابْتَدَعَهَا شُيُوخُهُمْ، عَلَيْهَا يَعْتَمِدُونَ فِي التَّوْحِيدِ وَالصِّفَاتِ وَالْقَدَرِ وَالْإِيمَانِ بِالرَّسُولِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ مَا ظَنُّوا أَنَّهُ يُوَافِقُهَا مِن الْقُرْآنِ احْتَجُّوا بِهِ، وَمَا خَالَفَهَا تَأَوَّلُوهُ (١)؛ فَلِهَذَا تَجِدُهُم إذَا احْتَجُّوا بِالْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ لَمْ يَعْتَنُوا بِتَحْرِيرِ دَلَالَتِهِمَا، وَلَمْ يَسْتَقْصُوا مَا فِي الْقُرْآنِ مِن ذَلِكَ الْمَعْنَى (٢)؛ إذ كَانَ اعْتِمَادهُم فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ (٣)، وَالْآيَاتُ الَّتِي تُخَالِفُهُم يَشْرَعُونَ فِي تَأْوِيلِهَا شُرُوعَ مَن قَصَدَ رَدَّهَا كَيْفَ أَمْكَنَ؛ لَيْسَ مَقْصُودُهُ أَنْ يُفْهَمَ مُرَادَ الرَّسُولِ؛ بَل أَنْ يَدْفَعَ مُنَازِعَهُ عَن الِاحْتِجَاجِ بِهَا. وَلِهَذَا قَالَ كَثِيرٌ مِنْهُم - كَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ وَمَن تَبِعَهُ كالرَّازِي والآمدي

стр. 794

وَابْنِ الْحَاجِبِ -: إنَّ الْأُمَّةَ إذَا اخْتَلَفَتْ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ جَازَ لِمَن بَعْدَهُم إحْدَاثُ قَوْلٍ ثَالِثٍ، بِخِلَافِ مَا إذَا اخْتَلَفُوا فِي الْأَحْكَامِ عَلَى قَوْلَيْنِ. فَجَوَّزُوا أَنْ تَكُونَ الْأُمَّةُ مُجْتَمِعَةً عَلَى الضَّلَالِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ، وَأَنْ يَكُونَ اللهُ أَنْزَلَ الْآيَةَ وَأَرَادَ بِهَا مَعْنًى لَمْ يَفْهَمْهُ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ؛ وَلَكِنْ قَالُوا: إنَّ اللهَ أَرَادَ مَعْنًى آخَرَ. وَهُم لَو تَصَوَّرُوا هَذِهِ "الْمَقَالَةَ" لَمْ يَقُولُوا هَذَا؛ فَإِنَّ أَصْلَهُم أَنَّ الْأمَّةَ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ، وَلَا يَقُولُونَ قَوْلَيْنِ كِلَاهُمَا خَطَأٌ، وَالصَّوَابُ قَوْلٌ ثَالِثٌ لَمْ يَقُولُوهُ؛ لَكِنْ قَد اعْتَادُوا أَنْ يَتَأَوَّلُوا مَا خَالَفَهُمْ، وَالتَّأْوِيلُ عِنْدَهُم مَقْصُودُهُ بَيَانُ احْتِمَالٍ فِي لَفْظِ الْآيَةِ بِجَوَازِ أَنْ يُرَادَ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِذَلِكَ اللَّفْظِ، وَلَمْ يَسْتَشْعِرُوا أَنَّ الْمُتَأَوّلَ هُوَ مُبَيِّن لِمُرَادِ الْآيَةِ مُخْبِرٌ عَن اللهِ تَعَالَى أَنَّهُ أَرَادَ هَذَا الْمَعْنَى إذَا حَمَلَهَا عَلَى مَعْنًى (١). وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ كَثِيرًا مِن الْمُتَأَخِّرِينَ لَمْ يَصِيرُوا يَعْتَمِدُونَ فِي دِينِهِمْ لَا عَلَى الْقُرْآنِ وَلَا عَلَى الْإِيمَانِ الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ بِخِلَافِ السَّلَفِ؛ فَلِهَذَا كَانَ السَّلَفُ أَكْمَلَ عِلْمًا وَإِيمَانًا، وَخَطَؤُهُم أَخَفَّ، وَصَوَابُهُم أَكْثَرَ. وَكَانَ الْأَصْلُ الَّذِي أَسَّسُوهُ هُوَ مَا أَمَرَهُم اللهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١)﴾ [الحجرات: ١]، فَإِنَّ هَذَا أَمْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَا وَصَفَ بِهِ الْمَلَائِكَةَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾ [الأنبياء: ٢٧]. فَوَصَفَهُم سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُم لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَأنَّهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ فَلَا يُخْبِرُونَ عَن شَيْءٍ مِن صِفَاتِهِ وَلَا غَيْرِ صِفَاتِهِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يُخْبِرَ سُبْحَانَهُ بِمَا يُخْبِرُ بِهِ؛ فَيَكُونُ خَبَرُهُم وَقَوْلُهُم تبَعًا لِخَبَرِهِ. [١٣/ ٥٨ - ٦١]

стр. 795

٨١٥ - إذَا ظَهَرَتِ الْبِدَعُ الَّتِي تُخَالِفُ دِينَ الرُّسُلِ انْتَقَمَ اللهُ مِمَن خَالَفَ الرُّسُلَ وَانْتَصَرَ لَهُمْ. [١٣/ ١٧٧] ٨١٦ - مَن دَفَعَ نُصُوصًا يَحْتَجُّ بِهَا غَيْرُهُ لَمْ يُؤْمِن بِهَا؛ بَل آمَنَ بِمَا يَحْتَجُّ: صَارَ مِمَن يُؤْمِنُ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَيَكْفُرُ بِبَعْضِ (١). وَهَذَا حَالُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، هم مُخْتَلِفُونَ فِي الْكِتَابِ، مُخَالِفُونَ لِلْكِتَابِ، مُتَّفِقُونَ عَلَى مُخَالَفَةِ الْكِتَابِ، وَقَد تَرَكُوا كُلُّهُم بَعْضَ النُّصُوصِ، وَهُوَ مَا يَجْمَعُ تِلْكَ الْأقْوَالَ (٢)، فَصَارُوا كمَا قَالَ - تعالى - عَن أَهْلِ الْكِتَاب: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة: ١٤]. فَإِذَا تَرَكَ النَّاسُ بَعْضَ مَا أَنْزَلَ اللهُ وَقَعَتْ بَيْنَهُم الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ، إذ لَمْ يَبْقَ هُنَا حَقٌّ جَامِعٌ يَشْتَرِكُونَ فِيهِ؛ بَل ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣)﴾ [المؤمنون: ٥٣]. وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُم لَيْسَ مَعَهُم مِن الْحَقِّ إلَّا مَا وَافَقُوا فِيهِ الرَّسُولَ، وَهُوَ مَا تَمَسَّكُوا بِهِ مِن شَرْعِهِ مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ وَمَا أَمَرَ بِهِ، وَأَمَّا مَا ابْتَدَعُوهُ فَكُلُّهُ ضَلَالَةٌ. [١٣/ ٢٢٧] ٨١٧ - اَلَّذِينَ فِي قلُوبِهِم زَيْغٌ يَدَعُونَ الْمُحْكَمَ الَّذِي لَا اشْتِبَاهَ فِيهِ … وَيتَّبِعُونَ الْمُتَشَابِهَ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ لِيَفْتِنُوا بِهِ النَّاسَ إذَا وَضَعُوهُ عَلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهِ، وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَهُوَ الْحَقِيقَةُ الَّتِي أَخْبَرَ عَنْهَا (٣). [١٣/ ٢٧٧]

стр. 796

٨١٨ - مَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِن الْخَارِجِينَ عَن الْكِتَاب وَالسُّنَّةِ مِن جَمِيعِ فُرْسَانِ الْكَلَامِ وَالْفَلْسَفَةِ إلا وَلَا بُدَّ أَنْ يَتَنَاقَضَ، فَيُحِيلُ مَا أَوْجَبَ نَظِيرَهُ، ويُوجِبُ مَا أَحَالَ نَظِيرَهُ؛ إذ كَلَامُهُم مِن عِنْدِ غَيْرِ اللهِ، وَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢]. [١٣/ ٣٠٥] ٨١٩ - لَا رَيْبَ أَنَّ مَحَبَّةَ الْفَوَاحِشِ مَرَضٌ فِي الْقَلْب، فَإِنَّ الشَّهْوَةَ تُوجِبُ السُّكْرَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى عَن قَوْمِ لُوطٍ: ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)﴾ [الحجر: ٧٢]. [١٥/ ٢٨٨] ٨٢٠ - إِنَّ دَوَامَ النَّظَرِ بِالشَّهْوَةِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنَ الْعِشْقِ وَالْمُعَاشَرَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ قَد يَكُونُ أَعْظَمَ بِكَثِيرٍ مِن فَسَادِ زنى لَا إصْرَارَ عَلَيْهِ (١). [١٥/ ٢٩٣]

стр. 797

٨٢١ - النَّظَرُ دَاعِيَةٌ إلَى فَسَادِ الْقَلْبِ، قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: النَّظَرُ سَهْمُ سُمٍّ إلَى الْقَلْبِ، فَلِهَذَا أمَرَ اللهُ بِحِفْظِ الْفُرُوجِ كَمَا أَمَرَ بِغَضِّ الْأبْصَارِ الَّتِي هِيَ بَوَاعِثُ إلَى ذَلِكَ (١). [١٥/ ٣٩٥] ٨٢٢ - قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (٧٤)﴾ [مريم: ٧٤] وَذَلِكَ أَنَّ اللهَ يُمَتِّعُ بِالصُّوَرِ كَمَا يُمَتعُ بِالْأَمْوَالِ، وَكِلَاهُمَا مِنْ زَهْرَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَكِلَاهُمَا يَفْتِن أَهْلَهُ وَأَصْحَابَهُ، وَرُبَّمَا أَفْضَى بِهِ إلَى الْهَلَاكِ دُنْيَا وَأخْرَى. والْهَلْكَى رَجُلَانِ: فَمُسْتَطِيعٌ وَعَاجِزٌ. فَالْعَاجِزُ: مَفْتُونٌ بِالنَّظَرِ وَمَدِّ الْعَيْنِ إلَيْهِ. وَالْمُسْتَطِيعُ: مَفْتُونٌ فِيمَا أوتِيَ مِنْهُ، غَارِقٌ قَد أَحَاطَ بِهِ مَا لَا يَسْتَطِيعُ إنْقَاذَ نَفْسِهِ مِنْهُ. [١٥/ ٣٩٨] ٨٢٣ - الرَّسُولُ ﷺ بَيَّنَ الْأصُولَ الْمُوَصِّلَةَ إلَى الْحَقِّ أحْسَنَ بَيَانٍ، وَبَيَّنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ، وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، وَصِفَاتِهِ الْعُلْيَا، وَوَحْدَانِيِّتِهِ عَلَى أَحْسَنِ وَجْهِ. وَأمَّا أهْلُ الْبِدَع مِن أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْفَلْسَفَةِ وَنَحْوِهِمْ فَهُم لَمْ يُثْبِتُوا الْحَقَّ؛ بَل أَصَّلُوا أصُولًا تُنَاقِضُ الْحَقَّ، فَلَمْ يَكْفِهِمْ أنَّهُم لَمْ يَهْتَدُوا وَلَمْ يَدُلُّوا عَلَى الْحَقِّ حَتَّى أَصَّلُوا أُصُولًا تُنَاقِضُ الْحَق. [١٦/ ٤٣٩ - ٤٤٠] ٨٢٤ - قَالَ مَالِكُ بْنُ أنَسٍ: إذَا قَلَّ الْعِلْمُ ظَهَرَ الْجَفَاءُ، وَإِذَا قَفتِ الْآثَارُ ظَهَرَت الْأَهْوَاءُ. وَلهَذَا شُبِّهَتْ الْفِتَنُ بِقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ.

стр. 798

فَإِذَا انْقَطَعَ عَن النَّاسِ نُورُ النُّبُوَّةِ: وَقَعُوا فِي ظُلْمَةِ الْفِتَنِ، وَحَدَثَتِ الْبِدَعُ وَالْفُجُورُ، وَوَقَعَ الشَّرُّ بَيْنَهُمْ. وَهَكَذَا مَسَائِلُ النِّزُاعِ الَّتِي تَنَازَعَ فِيهَا الْأُمَّةُ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ، إذَا لَمْ تُرَدَّ إلَى اللهِ وَالرَّسُولِ لَمْ يَتَبَيَّنْ فِيهَا الْحَقُّ؛ بَل يَصِيرُ فِيهَا الْمُتَنَازِعُونَ عَلَى غَيْرِ بَيِّنَةٍ مِن أَمْرِهِمْ، فَإِنْ ﵏ أَقَرَّ بَعْضُهُم بَعْضًا، وَلَمْ يَبْغِ بَعْضُهُم عَلَى بَعْضٍ، كَمَا كَانَ الصَّحَابَةُ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ يَتَنَازَعُونَ فِي بَعْضِ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ فَيُقِرُّ بَعْضُهُم بَعْضًا وَلَا يَعْتَدِي عَلَيْهِ، وَإِن لَمْ يُرْحَمُوا وَقَعَ بَيْنَهُم الِاخْتِلَافُ الْمَذْمُومُ، فَبَغَى بَعْضُهُم عَلَى بَعْضٍ إمَّا بِالْقَوْلِ مِثْل تَكْفِيرِهِ وَتَفْسِيقِهِ، وَإِمَّا بِالْفِعْلِ مِثْل حَبْسِهِ وَضَرْبِهِ وَقَتْلِهِ. وَهَذِهِ حَالُ أَهْلِ الْبِدَع وَالظُّلْمِ كَالْخَوَارجِ وَأَمْثَالِهِمْ، يَظْلِمُونَ الْأُمَّةَ وَيَعْتَدُونَ عَلَيْهِم إذَا نَازَعُوهُم فِي بَعْضِ مَسَائِلِ الدِّينِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ أَهْلِ الأهْوَاءِ فَاِنَّهُم يَبْتَدِعُونَ بِدْعَةً وَيُكَفِّرُونَ مَن خَالَفَهُم فِيهَا، كَمَا تَفْعَلُ الرَّافِضَةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَالْجَهْمِيَّة وَغَيْرُهُمْ، وَاَلَّذِينَ امْتَحَنوا النَّاسَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ كَانُوا مِن هَؤُلَاءِ، ابْتَدَعُوا بِدْعَةً وَكَفَّرُوا مَن خَالَفَهُم فِيهَا وَاسْتَحَلُّوا مَنْعَ حَقِّهِ وَعُقُوبَتَهُ. فَالنَّاسُ إذَا خَفِيَ عَلَيْهِم بَعْضُ مَا بَعَثَ اللهُ بِهِ الرَّسُولَ ﷺ : أ- إمَّا عَادِلُونَ. ب- وَإِمَّا ظَالِمُونَ. فَالْعَادِلُ فِيهِمْ: الَّذِي يَعْمَلُ بِمَا وَصَلَ إلَيْهِ مِن آثَارِ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَا يَظْلِمُ غَيْرَهُ. وَالظَّالِمُ: الَّذِي يَعْتَدِي عَلَى غَيْرِهِ، وَهَؤُلَاءِ ظَالِمُونَ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّهُم يَظْلِمُونَ. وَإِلَّا فَلَو سَلَكُوا مَا عَلِمُوهُ مِنَ الْعَدْلِ: أَقَرَّ بَعْضُهُم بَعْضًا (١)؛ كَالْمُقَلِّدِينَ

стр. 799

لِأَئِمَّةِ الْفِقْهِ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ مِن أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُم عَاجِزُونَ عَن مَعْرِفَةِ حُكْمِ اللهِ وَرَسُولِهِ فِي تِلْكَ الْمَسَائِلِ، فَجَعَلُوا أَئِمَّتَهُم نُوَّابًا عَن الرَّسُولِ، وَقَالُوا: هَذِهِ غَايَةُ مَا قَدَرْنَا عَلَيْهِ. فَالْعَادِلُ مِنْهُمْ: لَا يَظْلِمُ الْآخَرَ وَلَا يَعْتَدِي عَلَيْهِ بِقَوْلٍ وَلَا فِعْلٍ؛ مِثْلُ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ قَوْلَ مَتْبُوعِهِ هُوَ الصَّحِيحُ بِلَا حُجَّةٍ يُبْدِيهَا، وَيذُمُّ مَن يُخَالِفُهُ مَعَ أَنَّهُ مَعْذُورٌ (١). [١٧/ ٣٠٨ - ٣١٢] ٨٢٥ - إِنَّ أَهْلَ الْبِدَعِ الَّذِينَ ذَمَّهُم اللهُ وَرَسُولُهُ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: عَالِمٌ بِالْحَقِّ يَتَعَمَّدُ خِلَافَهُ. وَالثَّاني: جَاهِل مُتَّبعٌ لِغَيْرِهِ. فَالْأوّلُونَ: يَبْتَدِعُونَ مَا يُخَالِفُ كِتَابَ اللهِ، وَيقُولُونَ هُوَ مِن عِنْدِ اللهِ، إمَّا أَحَادِيثُ مُفْتَرِيَاتٌ، وَإِمَّا تَفْسِيرٌ وَتَأْوِيل لِلنُّصوصِ بَاطِلٌ، وَيعْضدُونَ ذَلِكَ بِمَا يَدَّعُونَهُ مِنَ الرَّأيِ وَالْعَقْلِ، وَقَصْدُهُم بِذَلِكَ الرِّيَاسَةُ وَالْمَأْكَلُ، فَهَؤُلَاءِ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، فَوَيْلٌ لَهُم مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهمْ مِن الْبَاطِلِ، وَويلٌ لَهُم مِمَّا يَكْسِبُونَ مِنَ الْمَالِ عَلَى ذَلِكَ، وَهَؤُلَاءِ إذَا عُورِضُوا بِنُصُوصِ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ وَقِيلَ لَهُم: هَذِهِ تُخَالِفُكُمْ، حَرَّفُوا الْكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ بِالتَّأْوِيلَاتِ الْفَاسِدَةِ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ [البقرة: ٧٥]. وَأمَّا النَّوْعُ الثَّانِي: الْجهَّالُ، فَهَؤُلَاءِ الْأمِّيُّونَ الَّذِينَ ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨)﴾ [البقرة: ٧٨] (٢)، فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وقتادة فِي

стр. 800

قَوْلِهِ: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨]؛ أيْ: غَيْرُ عَارِفِينَ بِمَعَانِي الْكِتَابِ يَعْلَمُونَهَا حِفْظًا وَقِرَاءَةً بِلَا فَهْمٍ وَلَا يَدْرُونَ مَا فِيهِ. وَقَوْلُهُ: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾؛ أَيْ: تِلَاوَةً، فَهُم لَا يَعْلَمُونَ فِقْهَ الْكتَابِ، إنَّمَا يَقْتَصِرُونَ عَلَى مَا يَسْمَغونَهُ يُتْلَى عَلَيْهِمْ، قَالَهُ الْكِسَائِيُّ وَالزَّجَّاجُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَيْ: تِلَاوَةً وَقِرَاءَةً عَن ظَهْرِ الْقَلْبِ، وَلَا يَقْرَءُونَهَا فِي الْكُتُبِ. فَفِي هَذَا الْقَوْلِ جَعْلُ الْأمَانِيِّ الَّتِي هِيَ التِّلَاوَةُ تِلَاوَةَ الْأمِّيِّينَ أَنْفُسِهِمْ، وَفِي ذَلِكَ جَعْلُهُ مَا يَسْمَعُونَهُ مِن تِلَاوَةِ عُلَمَائِهِمْ، وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ حَقٌّ وَالْآيَةُ تَعُمُّهُمَا، فَإنَّهُ قَالَ: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾، لَمْ يَقُلْ لَا يَقْرَءُونَ وَلَا يَسْمَعُونَ، ثُمَّ قَالَ: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾، وَهَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ (١). وَالْأمِّيُّونَ نِسْبَةً إلَى الْأمَّة، قَالَ بَعْضُهُمْ: إلَى الْأمَّةِ وَمَا عَلَيْهِ الْعَامَّةُ، فَمَعْنَى الْأمِّيِّ: الْعَامِّيُّ الَّذِي لَا تَمْيِيزَ لَهُ. وَيُقَالُ: الْأمِّيُّ لِمَن لَا يَقْرَأ وَلَا يَكْتُبُ كِتَابًا، ثُمَّ يُقَالُ لِمَن لَيْسَ لَهُم كِتَابٌ مُنَزَّلٌ مِنَ اللهِ يَقْرَءُونَهُ، وإِن كَانَ قَد يَكْتُبُ وَيقْرَأ مَا لَمْ يُنَزَّلْ، وَبِهَذَا الْمَعْنَى كَانَ الْعَرَبُ كُلُّهُم أُمِّيِّينَ، فَإنَّهُ لَمْ يَكُن عِنْدَهُم كِتَابٌ مُنَزَّلٌ مِنَ اللهِ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢].

стр. 801

وَقَد كَانَ فِي الْعَرَبِ كَثِيرٌ مِمَن يَكْتُبُ وَيقْرَأُ الْمَكْتُوبَ وَكُلُّهُم أُمِّيُّونَ، فَلَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَيْهِم لَمْ يَبْقَوْا أُمِّيِّينَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُم لَا يَقْرَءُونَ كِتَابًا مِن حِفْظِهِمْ؛ بَل هُم يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ مِن حِفْظِهِمْ، وَأَنَاجِيلُهُم فِي صُدُورِهِمْ، لَكِنْ بَقُوا أُمِّيِّينَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُم لَا يَحْتَاجُونَ إلَى كِتَابَةِ دِينِهِمْ؛ بَل قُرْآنهُم مَحْفُوظٌ فِي قُلُوبِهِمْ. فَأُمَّتُنَا لَيْسَتْ مِثْل أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ لَا يَحْفَظُونَ كُتبهُم فِي قُلُوبِهِمْ؛ بَل لَو عُدِمَت الْمَصَاحِفُ كُلُّهَا كَانَ الْقُرْاَنُ مَحْفُوظًا فِي قُلُوبِ الْأُمَّةِ، وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ فَالْمُسْلِمُونَ أُمَّةٌ أُمّيَّةٌ بَعْدَ نُزُولِ الْقُرْآنِ وَحِفْظِهِ، كَمَا فِي "الصحِيح" عَن ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إنَّا أمّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَحْسِبُ وَلَا نكْتُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا" (١). فَلَمْ يَقُلْ إنَّا لَا نَقْرَأُ كِتَابًا وَلَا نَحْفَظُ؛ بَل قَالَ: لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسِبُ، فَدِينُنَا لَا يَحْتَاجُ أَنْ يُكْتَبَ وُيحْسَبَ، كَمَا عَلَيْهِ أَهْلُ الْكِتَابِ مِن أَنَّهُم يَعْلَمُونَ مَوَاقِيتَ صوْمِهِمْ وَفِطْرِهِمْ بِكِتَابٍ وَحِسَابٍ، وَدِينُهُم مُعَلَّق بِالْكُتُبِ، لَو عُدِمَتْ لَمْ يَعْرِفُوا دِينَهُمْ، وَلهَذَا يُوجَدُ أَكْثَرُ أَهْلِ السُّنَّةِ يَحْفَظُونَ الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ أَكْثَرَ مِن أَهْل الْبِدَع، وَأَهْلُ الْبِدَع فِيهِمْ شَبَهٌ بِأَهْلِ الْكِتَابِ مِن بَعْضِ الْوُجُوهِ. وَالْأَمِّيُّ فِي اصطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ: خِلَافُ الْقَارِئِ، وَلَيْسَ هُوَ خِلَافَ الْكَاتِبِ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ، وَيعْنُونَ بِهِ فِي الْغَالِبِ: مَن لَا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَد قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨] إلَّا مَا يَقُولُونَهُ بأَفْوَاهِهِمْ كَذِبًا وَبَاطِلًا، وَرُوِيَ هَذَا عَن بَعْضِ السَّلَفِ وَاخْتَارَهُ الْفَرَّاءُ. وَقَالَ بَعْضُهُم: الْأَمَانِيُّ يَتَمَنَّوْنَ عَلَى اللهِ الْبَاطِلَ وَالْكَذِبَ كَقَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] وَقَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١].

стр. 802

قِيلَ: كِلَا الْقَوْلَيْنِ ضَعِيفٌ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ. [١٧/ ٤٣٣ - ٤٤٠] ٨٢٦ - زِيارَةُ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ لِأَجْلِ طَلَبِ الْحَاجَاتِ مِنْهُم أَو دُعَائِهِمْ وَالْإِقْسَامِ بِهِم عَلَى اللهِ أَو ظَنِّ أَنَ الدُّعَاءَ أَو الصَّلَاةَ عِنْدَ قُبُورِهِمْ أَفْضَلُ مِنْهُ فِي الْمَسَاجِدِ وَالْبُيُوتِ: ضَلَالٌ وَشِرْكٌ (١) وَبِدْعَةٌ بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَكُن أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَلَا كَانُوا إذَا سَلَّمُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَقِفُونَ يَدْعُونَ لِأَنْفُسِهِمْ. وَلهَذَا كَرِهَ ذَلِكَ مَالكٌ وَغَيْر مِن الْعُلَمَاءِ وَقَالُوا: إنَّهُ مِن الْبِدَعِ الَّتِي لَمْ يَفْعَلْهَا السَّلَفُ، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ الْأَرْبِعَةُ وَغَيْرُهُم مِن السَّلَفِ عَلَى أَنَّهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَقْبِلُ قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ . وَأَمَّا إذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ فَأَكْثَرُهُم قَالُوا: يَسْتَقْبِلُ الْقَبْرَ، قَالَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: بَل يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ أَيْضًا، وَيَكُونُ الْقَبْرُ عَن يَسَارِهِ، وَقِيلَ: بَل يَسْتَدْبِرُ الْقِبْلَةَ. [١٧/ ٤٧١] ٨٢٧ - مَا أُحْدثَ فِي الْإِسْلَامِ مِنَ الْمَسَاجِدِ وَالْمَشَاهِدِ عَلَى الْقُبُورِ وَالْآثَارِ فَهُوَ مِن الْبِدَعِ الْمُحْدَثَةِ فِي الْإِسْلَامِ، مِن فِعْلِ مَن لَمْ يَعْرِفْ شَرِيعَةَ الْإِسْلَام، وَمَا بَعَثَ اللهُ بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ كَمَالِ التَّوْحِيدِ وَإِخْلَاصِ الدِّينِ للهِ، وَسَدّ أبْوَابِ الشِّرْكِ الَّتِي يَفْتَحُهَا الشَّيْطَانُ لِبَنِي آدَمَ. وَلهَذَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي الرَّافِضَةِ أَكْثَرُ مِمَّا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُم أَجْهَلُ مِن غَيْرِهِمْ، وَأَكْثَرُ شِرْكًا وَبِدَعًا، وَلهَذَا يُعَظِّمُونَ الْمَشَاهِدَ أَعْظَمَ مِن غَيْرِهِمْ، ويُخَرِّبُونَ الْمَسَاجِدَ أَكْثَرَ مِن غَيْرِهِمْ؛ فَالْمَسَاجِدُ لَا يُصَلُّونَ فِيهَا جُمُعَةً وَلَا جَمَاعَةً، وَلَا يُصَلُّونَ فِيهَا -إنْ صَلَّوْا- إلَّا أَفْرَادًا، وَأَمَّا الْمَشَاهِدُ فَيُعَظمُونَهَا أَكْثَرَ مِن الْمَسَاجِدِ، حَتَّى قَد يَرَوْنَ أَنَّ زِيَارَتَهَا أَوْلَى مِن حَجِّ بَيْتِ اللهِ الْحَرَامِ، ويُسَمُّونَهَا الْحَجَّ الْأَكْبَرَ، وَصَنَّفَ ابْنُ الْمُفِيدِ مِنْهُم كِتَابًا سَمَّاهُ "مَنَاسِكَ حَجّ

стр. 803

الْمَشَاهِدِ" وَذَكَرَ فِيهِ مِنَ الْأَكَاذِيبِ وَالْأَقْوَالِ مَا لَا يُوجَدُ فِي سَائِرِ الطَّوَائِفِ، وَإِن كَانَ فِي غَيْرِهِمْ أيْضًا نَوْغ مِنَ الشِّرْكِ وَالْكَذِبِ وَالْبِدَعِ، لَكِنْ هُوَ فِيهِمْ أَكْثَرُ. وَكُلَّمَا كَانَ الرَّجُلُ أَتْبَعَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ : كَانَ أَعْظَمَ تَوحِيدًا للهِ وَإِخْلَاصًا لَهُ فِي الدِّينِ، وَإِذَا بَعُدَ عَن مُتَابَعَتِهِ نَقَصَ مِن دِينِهِ بِحَسَبِ ذَلِكَ، فَإِذَا كَثُرَ بُعْدُهُ عَنْهُ ظَهَرَ فِيهِ مِن الشِّرْكِ وَالْبِدَعِ مَا لَا يَظْهَرُ فِيمَن هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ إلَى اتِّبَاعِ الرَّسُولِ. [١٧/ ٤٩٧ - ٤٩٨] ٨٢٨ - مَن خَالَفَ السنَّةَ فِيمَا أَتَتْ بِهِ أَو شَرَعَتْهُ: فَهُوَ مُبْتَدِعٌ خَارجٌ عَنِ السُّنَّةِ. وَمَن كَفَّرَ الْمُسْلِمِينَ بِمَا رَآهُ ذَنْبًا -سَوَاءٌ كَانَ دِيْنًا أَو لَمْ يَكُن دِيْنًا- وَعَامَلَهُم مُعَامَلَةَ الْكُفَّارِ: فَهُوَ مُفَارِقٌ لِلْجَمَاعَةِ (١). وَعَامَّةُ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ إنَّمَا تَنْشَأ مِن هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ. وَدُونَ التَّكْفِيرِ قَد يَقَعُ مِنَ الْبُغْضِ وَالذَّمِّ وَالْعُقُوبَةِ -وَهُوَ الْعُدْوَانُ- أَو مِن تَرْك الْمَحَبَّة وَالدُّعَاء وَالْإحْسَان، وَجِمَاعُ ذَلِكَ ظُلْمٌ فِي حَق اللهِ تَعَالَى أو فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِ. [١٩/ ٧٤ - ٧٥] ٨٢٩ - طُلَّابُ الدُّنْيَا لَا يُعَارِضُونَ تَارِكَهَا إلَّا لِأَغْرَاضِهِمْ وَإِن كَانُوا مُبْتَدِعَةً، وَأُولَئِكَ لَا يُعَارِضُونَ أبْنَاءَ الدُّنْيَا إلَّا لِأَغْرَاضِهِمْ، فَتَبْقَى الْمُنَازَعَاتُ لِلدُّنْيَا لَا لِتَكُونَ كلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا، وَلَا لِيَكُونَ الدِّينُ للهِ، بِخِلَافِ طَرِيقَةِ السَّلَفِ ﵃. [١٩/ ٢٧٨ - ٢٧٩] ٨٣٠ - إنَّ أَهْلَ الْبِدَع شَرٌّ مِن أَهْلِ الْمَعَاصِي الشَّهْوَانِيَّةِ بِالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِقِتَالِ الْخَوَارجِ وَنَهَى عَن قِتَالِ أَئِمَّةِ الظُّلْمِ. [٢٠/ ١٠٣]

стр. 804

٨٣١ - لَا تَجِدُ قَطّ مُبْتَدِعًا إلَّا وَهُوَ يُحِبّ كِتْمَانَ النُّصُوصِ الَّتِي تُخَالِفُهُ، وَيُبْغِضُهَا ويُبْغِضُ إظْهَارَهَا وَرِوَايَتَهَا وَالتَّحَدُّثَ بِهَا، وَيُبْغِضُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ. [٢٠/ ١٦١] ٨٣٢ - مَا خَالَفَ النُّصُوصَ فَهُوَ بِدْعَةٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ خَالَفَهَا فَقَد لَا يسَمَّى بِدْعَةً. [٢٠/ ١٦٣] ٨٣٣ - فِي "الصَّحِيحِ" أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: "خَيْرُ الْكَلَامِ كَلَامُ اللهِ، وَخَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ فحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ (١)؛ أَيْ: مَا كَانَ بِدْعَة فِي الشَّرْعِ، وَقَد يَكُونُ مَشْرُوعًا لَكِنَّه إذَا فُعِلَ بَعْدَهُ سُمِّيَ بِدْعَةً؛ كَقَوْلِ عُمَرَ ﵁ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ لَمَّا جَمَعَهُم عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ فَقَالَ: "نِعْمَ البِدْعَةُ هَذِهِ، وَالَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أفْضَلُ مِنَ الَّتي يَقُومُونَ" يُرِيدُ آخِرَ اللَّيْلِ (٢). وَقِيَامُ رَمَضَانَ قَد سَنَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "إن اللهَ قَد فَرَضَ عَلَيْكُمْ صِيَامَ رَمَضَانَ وَسَنَنْتُ لَكُمْ قِيَامَهُ" (٣). وَكَانُوا عَلَى عَهْدِهِ ﷺ يُصَلُّونَ أَوْزَاعًا مُتَفَرِّقِينَ: يُصَلِّي الرَّجُلُ وَحْدَهُ، وَيُصَلِّي الرَّجُلُ وَمَعَهُ جَمَاعَة جَمَاعَة، وَقَد صَلَّى بِهِم النَّبِيُّ ﷺ بجَمَاعَة مَرَّة بَعْدَ مَرَّةٍ، وَقَالَ: "إنَّ الرُّجُلَ إذَا صَلَّى مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ" (٤)، لَكِنْ لَمْ يُدَاوِمْ عَلَى الْجَمَاعَةِ كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا مَاتَ أَمِنُوا زِيادَةَ الْفَرْضِ فَجَمَعَهُم عُمَرُ عَلَى أُبِيّ بْنِ كَعْبٍ. [٢٧/ ٣١٩ - ٣٢٠]

стр. 805

٨٣٤ - إِنَّ الْبِدَع لَا يُهْجَرُ فِيهَا إلَّا الدَّاعِيَةُ دُونَ السَّاكِتِ. [٦/ ٥٠٣] ٨٣٥ - الصَّمْتُ عَن الْكَلَامِ مُطْلَقًا فِي الصَّوْمِ أو الِاعْتِكَافِ أَو غَيْرِهِمَا بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ. [٢٥/ ٢٩٢] ٨٣٦ - مَن رَأى مِن رَجُلٍ مُكَاشَفَةً أو تَأْثِيرًا فَاتَّبَعَهُ فِي خِلَافِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَانَ مِن جِنْسِ أَتْبَاعِ الدَّجَّالِ، فَإِنَّ الدَّجَّالَ يَقُولُ لِلسَّمَاءِ: أَمْطِرِي فَتُمْطِرُ، وَيقُولُ لِلْأَرْضِ: أَنْبِتي فَتُنْبِتُ … وَهُوَ مَعَ هَذَا كَافِرٌ مَلْعُونٌ عَدُوٌّ للهِ. [٢٥/ ٣١٤] ٨٣٧ - الْهَوَى غَالِبًا يَجْعَلُ صَاحِبَهُ كَأنَّهُ لَا يَعْلَمُ مِن الْحَقِّ شَيْئًا؛ فَإِنَّ حُبَّك لِلشيءِ يُعْمِي وَيُصِمُّ. [٢٧/ ٩١] ٨٣٨ - الْبِدْعَةُ لَا تَكُونُ حَقًّا مَحْضًا؛ إذ لَو كَانَت كَذَلِكَ لَكَانَت مَشْرُوعَةً، وَلَا تَكُونُ مَصْلَحَتُهَا رَاجِحَةً عَلَى مَفْسَدَتِهَا؛ إذ لَو كانَت كَذَلِكَ لَكانَت مَشْرُوعَةً، وَلَا تَكُونُ بَاطِلًا مَحْضًا لَا حَقَّ فِيهِ؛ إذ لَو كَانَت كَذَلِكَ لَمَا اشْتَبَهَتْ عَلَى أحَدٍ، وَإِنَّمَا يَكُونُ فِيهَا بَعْضُ الْحَق وَبَعْضُ الْبَاطِلِ. [٢٧/ ١٧٢] * * * (أَئِمَّة اهْلِ الْبِدَعِ أَضَرُّ عَلَي الْأُمَّةِ مِن أَهْلِ الذُّنُوبِ) ٨٣٩ - أَئِمَّةُ أَهْلِ الْبِدَعِ أَضَرُّ عَلَى الْأمَّةِ مِن أهْلِ الذُّنُوبِ؛ وَلهَذَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَتْلِ الْخَوَارجِ، وَنَهَى عَن قِتَالِ الْوُلَاةِ الظَّلَمَةِ. وَأُولَئِكَ لَهُم نَهْمَةٌ فِي الْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ، فَصَارَ يَعْرِضُ لَهُم مِن الْوَسَاوِسِ الَّتِي تُضِلُّهُم -وَهُم يَظُنُّونَهَا هُدًى فَيُطِيعُونَهَا- مَا لَا يَعْرِضُ لِغَيْرِهِمْ. وَمَن سَلِمَ مِن ذَلِكَ مِنْهُم كَانَ مِن أَئِمَّةِ الْمُتَّقِينَ، مَصَابِيحِ الْهُدَى، وَيَنَابِيعِ الْعِلْمِ. [٧/ ٢٨٤ - ٢٨٥] * * *

стр. 806

(الْمُسْتَكْبِرُونَ الْمُتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ: مَصْرُوفُونَ عَن آيَاتِ اللِّه) ٨٤٠ - الْمُسْتَكْبِرُونَ الْمُتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ: مَصْرُوفُونَ عَن آيَاتِ اللهِ لَا يَعْلَمُونَ وَلَا يَفْهَمُونَ، لَمَّا تَرَكُوا الْعَمَلَ بِمَا عَلِمُوهُ اسْتِكْبَارًا وَاتِّبَاعًا لِأَهْوَائِهِمْ عُوقِبُوا بأَنْ مُنِعُوا الْفَهْمَ وَالْعِلْمَ، فَإِنَّ الْعِلْمَ حَرْبٌ لِلْمُتَعَالِي، كَمَا أَنَّ السَّيْلَ حَرْبٌ لِلْمَكَانِ الْعَالِي (١). وَاَلَّذِينَ يَرْهَبُونَ رَبَّهُمْ: عَمِلُوا بِمَا عَلِموهُ فَأَتَاهُم اللهُ عِلْمًا وَرَحْمَةً؛ إذ مَن عَمِلَ بِمَا عَلِمَ أَوْرَثَهُ اللهُ عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ. [٧/ ٦٢٦] * * * اتباع الهوى والعدول عن الحق ٨٤١ - كُلُّ مَن عَدَلَ عَنِ اتِّبَاعِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَطَاعَةِ اللهِ وَالرَّسُولِ إلَى عَادَتِهِ وَعَادَةِ أَبِيهِ وَقَوْمِهِ فَهُوَ مِن أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ الْمُسْتَحِقِّينَ لِلْوَعِيدِ. وَكَذَلِكَ مَن تبَيَّنَ لَهُ فِي مَسْألَةٍ مِنَ الْمَسَائِلِ الْحَقُّ الَّذِي بَعَثَ اللهُ بِهِ رَسُولَهُ ثُمَّ عَدَلَ عَنْهُ إلَى عَادَتِهِ فَهُوَ مِن أَهْلِ الذَّمِّ وَالْعِقَابِ. وَأَمَّا مَن كَانَ عَاجِزًا عَن مَعْرِفَةِ حُكْمِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَقَد اتَّبَعَ فِيهَا مَن هُوَ مِن أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ أَنَّ قَوْلَ غَيْرِهِ أَرْجَحُ مِن قَوْلِهِ فَهُوَ مَحْمُود يُثَابُ لَا يُذَمُّ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يُعَاقَبُ. وَإِن كَانَ قَادِرًا عَلَى الِاسْتِدْلَالِ وَمَعْرِفَةِ مَا هُوَ الرَّاجِحُ، وَتَوَقَّى بَعْضَ

стр. 807

الْمَسَائِلِ فَعَدَلَ عَن ذَلِكَ إلَى التَّقْلِيدِ فَهُوَ قَدِ اخْتُلِفَ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد الْمَنْصُوصِ عَنْهُ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُة أَنَّ هَذَا آثِمٌ أَيْضًا، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ. [٢٠/ ٢٢٥] ٨٤٢ - الْغَفْلَةُ عَن اللهِ وَالدَّارِ الْآخِرَةِ تَسُدُّ بَابَ الْخَيْرِ الَّذِي هوَ الذِّكْرُ وَالْيَقَظَةُ. [١٠/ ٥٩٧] * * * (التحذير من جحد الحق وعدمِ الاعتراف به إذا جاء من مبتدع وغيرِه) ٨٤٣ - تَكَلَّمْت فِي دُنُوِّ الرَّبِّ وَقُرْبِهِ وَمَا فِيهِ مِن النزَاعِ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ، ثُمَّ بَعْضُ الْمُتَسَنِّنَةِ وَالْجُهَّالِ: إذَا رَأَوْا مَا يُثْبِتُهُ أُولَئِكَ (١) مِن الْحَقِّ: قَد يَفِرُّونَ مِن التَّصْدِيقِ بِهِ، وَإِن كَانَ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يُنَازِعُونَ أَهْلَ السُّنَّةِ فِي ثُبُوتِهِ؛ بَل الْجَمِيعُ صَحِيحٌ. وَرُبَّمَا كَانَ الْإِقْرَارُ بِمَا اتُّفِقَ عَلَى إثْبَاتِهِ: أَهَمَّ مِن الْإِقْرَارِ بِمَا حَصَلَ فِيهِ نِزَاعٌ؛ إذ ذَلِكَ أَظْهَر وَأَبْيَنُ، وَهُوَ أَصْلٌ لِلْمُتَنَازَعِ فِيهِ، فَيَحْصُلُ بَعْضُ الْفِتْنَةِ فِي نَوْع تَكْذِيب، وَنَفْيِ حَالٍ، أَو اعْتِقَادٍ، كَحَالِ الْمُبْتَدِعَةِ (٢)، فَيَبْقَى الْفَرِيقَانِ فِي بِدْعَةٍ وَتكْذِيبٍ بِبَعْضِ مُوجِبِ النُّصُوصِ. وَسَبَبُ ذَلِكَ: أَنَّ قُلُوبَ الْمُثْبِتَةِ تَبْقَى مُتَعَلِّقَةً بِإِثْبَاتِ مَا نَفَتْهُ الْمُبْتَدِعَةُ، وَفيهِمْ نُفْرَةٌ عَن قَوْلِ الْمُبْتَدِعَةِ بِسَبَبِ تكْذِيبِهِم بِالْحَقِّ وَنَفْيِهِمْ لَهُ، فَيُعْرِضُونَ عَن مَا يُثْبِتُونَهُ مِن الْحَقِّ، أَو يَنْفِرُونَ مِنْهُ، أَو يُكَذِّبُونَ بِهِ (٣)؛ كَمَا قَد يَصِيرُ بَعْضُ جُهَّالِ

стр. 808

الْمُتَسَنِّنَةِ فِي إعْرَاضِهِ عَن بَعْضِ فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ الْبَيْتِ؛ إذَا رَأَى أهْلَ الْبِدْعَةِ يغْلُونَ فِيهَا. [٦/ ٢٥ - ٢٦] * * * المحبة ٨٤٤ - أصل المحبة: هو معرفة الله ولها أصلان: أحدهما: وهو الذي يقال له: محبة العامة؛ لأجل إحسانه إلى عباده، وهذه المحبة على هذا الأصل لا ينكرها أحد، فإن القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها، والله سبحانه هو المنعم المحسن إلى عبده بالحقيقة، فإنه المتفضل بجميع النعم، وإن جرت بواسطة، إذ هو ميسر الوسائط؛ ومسبب الأسباب، ولكن هذه المحبة في الحقيقة إذا لم تجذب القلب إلى محبة الله نفسِه، فما أحب العبد في الحقيقة إلا نفسَه، وكذلك كل من أحب شيئًا لأجل إحسانه إليه فما أحب في الحقيقة إلا نفسه. وهذا ليس بمذموم بل محمود. والمقتصر على هذه المحبة هو لم يعرف من جهة الله ما يستوجب أنه يحبه إلا إحسانه إليه، وهذا كما قالوا: إن الحمد لله على نوعين: أ- حمد هو شكر، وذلك لا يكون إلا على نعمته. ب- وحمد هو مدح وثناء عليه ومحبة له وهو بما يستحقه لنفسه سبحانه فكذلك الحب، فإن الأصل الثاني فيه هو محبته لما هو له أهل، وهذا حب من عرف من الله ما يستحق أن يحب لأجله، وما من وجه من الوجوه التي يعرف الله بها مما دلت عليه أسماؤه وصفاته إلا وهو يستحق المحبة

стр. 809

الكاملة من ذلك الوجه حتى جميع مفعولاته؛ إذ كل نعمة منه فضل، وكل نقمة منه عدل؛ ولهذا استحق أن يكون محمودًا على كل حال، ويستحق أن يحمد على السراء، والضراء، وهذا أعلى وأكمل، وهذا حب الخاصة. وهؤلاء هم الذين يطلبون لذة النظر إلى وجهه الكريم، ويتلذذون بذكره ومناجاته، ويكون ذلك لهم أعظم من الماء للسمك، حتى لو انقطعوا عن ذلك لوجدوا من الألم ما لا يطيقون. [١٠/ ٨٤ - ٨٥] ٨٤٥ - من المعلوم أن من أحب الله المحبة الواجبة فلا بد أن يبغض أعداءه، ولا بد أن يحب ما يحبه من جهادهم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾ [الصف: ٤]. والمحبُّ التامُّ لا يُؤَثِّر فيه لومُ اللائم وعذل العاذل؛ بل ذلك يغريه بملازمة المحبة. [١٠/ ٦٠ - ٦١] ٨٤٦ - الْجُمْهُورُ لَا يُطْلِقُونَ هَذَا اللَّفْظَ (الْعِشْق) فِي حَقِّ اللهِ؛ لِأَنَّ الْعِشْقَ هُوَ الْمَحَبَّةُ الْمُفْرِطَةُ الزَّائِدَةُ عَلَى الْحَدِّ الَّذِي يَنْبَغِي، وَاللهُ تَعَالَى مَحَبَّتهُ لَا نِهَايَةَ لَهَا فَلَيْسَتْ تَنْتَهِي إلَى حَدٍّ لَا تَنْبَغِي مُجَاوَزَتهُ. قَالَ هَؤُلَاء: وَالْعِشْقُ مَذْمُومٌ مُطْلَقًا لَا يُمْدَحُ لَا فِي مَحَبَّةِ الْخَالِقِ وَلَا الْمَخْلُوقِ؛ لِأَنَّهُ الْمَحَبَّةُ الْمُفْرِطَةُ الزَّائِدَةُ عَلَى الْحَدِّ الْمَحْمُودِ، وَأيْضًا فَإِنَّ لَفْظَ "الْعِشْقِ" إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْعُوْفِ فِي مَحَبَّةِ الْإِنْسَانِ لِامْرَأَةٍ أَو صَبِيٍّ، لَا يُسْتَعْمَلُ فِي مَحَبَّةٍ كَمَحَبَّةِ الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْوَطَنِ وَالْجَاهِ، وَمَحَبَّةِ الأنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَهُوَ مَقْرُون كَثِيرًا بِالْفِعْلِ الْمُحَرَّمِ: إمَّا بِمَحَبَّةِ امْرَأَةٍ أجْنَبِيَّةٍ أَو صَبِيٍّ يَقْتَرِنُ بِهِ النَّظَرُ الْمُحَرَّمُ وَاللَّمْسُ الْمُحَرَّمُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِن الْأَفْعَالِ الْمُحَرَّمَةِ. [١٠/ ١٣١] ٨٤٧ - إِذَا كَانَ الْقَلْبُ مُحِبًّا للهِ وَحْدَهُ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ لَمْ يُبْتَلَ بِحُبِّ غَيْرِهِ أَصْلًا، فَضْلًا أَنْ يُبْتَلَى بِالْعِشْقِ، وَحَيْثُ اُبْتُلِيَ بِالْعِشْقِ فَلِنَقْصِ مَحَبَّتِهِ للهِ وَحْدَهُ. [١٠/ ١٣٥]

стр. 810

٨٤٨ - إِذَا أَحَبَّ أَنْبِيَاءَ اللهِ وَأَوْليَاءَ اللهِ لِأَجْلِ قِيَامِهِمْ بِمَحْبُوبَاتِ الْحَقِّ لَا لِشَيء آخَرَ فَقَد أحَبَّهُم للهِ لَا لِغَيْرِهِ. [١٠/ ١٩١] ٨٤٩ - حَقِيقَةُ الْمَحَبَّةِ لَا تَتِمُّ إلَّا بِمُوَالَاةِ الْمَحْبُوبِ، وَهُوَ مُوَافَقَتُهُ فِي حُبّ مَا يُحِبُّ، وَبُغْضِ مَا يُبْغِضُ، وَاللهُ يُحِبُّ الْإِيمَانَ وَالتَّقْوَى، ويُبْغِضُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ. [١٠/ ١٩٢] ٨٥٠ - قَوْلُ بَعْضِ النَّاسِ: إنَ مُحَمَّدًا حَبِيبُ اللهِ؛ وَإِبْرَاهِيمَ خَلِيلُ اللهِ وَظَنُّهُ أَنَ الْمَحَبَّةَ فَوْقَ الْخُلَّةِ قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ فَإِنَّ مُحَمَّدًا أَيْضًا خَلِيلُ اللهِ. [١٠/ ٢٠٤] ٨٥١ - الْفَرْقُ ثَابِتٌ بَيْنَ الْحُبِّ للهِ وَالْحَبِّ مَعَ اللهِ، فَأَهْلُ التَّوْحِيدِ وَالْإِخْلَاصِ يُحِبُّونَ غَيْرَ اللهِ للهِ، وَالْمُشْرِكونَ يُحِبُّونَ غَيْرَ اللهِ مَعَ اللهِ. [١٠/ ٤٦٥] ٨٥٢ - النَّاسُ فِي هَذَا الْبَابِ (١) أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ: أَكمَلُهُم: الَّذِينَ يُحِبُّونَ مَا أَحَبَّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، ويُبْغِضُونَ مَا أَبْغَضَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، فَيُرِيدُونَ مَا أَمَرَهُم اللهُ وَرَسُولُهُ بِإِرَادَتِهِ، وَيَكرَهُونَ مَا أَمَرَهُم اللهُ وَرَسُولُهُ بِكَرَاهَتِهِ، وَلَيْسَ عِنْدَهُم حُبّ وَلَا بُغْضٌ لِغَيْرِ ذَلِكَ، فَيَأْمُرُونَ بِمَا أَمَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ وَلَا يَأْمُرُونَ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَينْهَوْنَ عَمَّا نَهَى اللهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَنْهَوْنَ عَن غَيْرِ ذَلِكَ. [١٠/ ٤٦٧] وَالنَّوْعُ الثَّانِي: عَكسُ هَذَا، وَهُوَ أَنَّهُم يَتْبَعُونَ هَوَاهُم لَا أَمْرَ اللهِ؛ فَهَؤُلَاءِ لَا يَفْعَلُونَ وَلَا يَأْمُرُونَ إلَّا بِمَا يُحِمونَهُ بِهَوَاهُمْ، وَلَا يَتْرُكُونَ وَينْهَوْنَ إلَّا عَن مَا يَكْرَهُونَهُ بِهَوَاهُمْ، وَهَؤُلَاءِ شَرُّ الْخَلْقِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣)﴾ [الفرقان: ٤٣] قَالَ الْحَسَنُ: هُوَ الْمُنَافِقُ لَا يَهْوَى شَيْئًا إلَّا رَكِبَهُ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: لَا تَكنْ مِمَن يَتَّبعُ الْحَقَّ إذَا وَافَقَ هَوَاهُ،
следующие страницы →