← Фатава

Фатава · id 879

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (3 539 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

(الْمُسْتَكْبِرُونَ الْمُتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ: مَصْرُوفُونَ عَن آيَاتِ اللِّه) ٨٤٠ - الْمُسْتَكْبِرُونَ الْمُتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ: مَصْرُوفُونَ عَن آيَاتِ اللهِ لَا يَعْلَمُونَ وَلَا يَفْهَمُونَ، لَمَّا تَرَكُوا الْعَمَلَ بِمَا عَلِمُوهُ اسْتِكْبَارًا وَاتِّبَاعًا لِأَهْوَائِهِمْ عُوقِبُوا بأَنْ مُنِعُوا الْفَهْمَ وَالْعِلْمَ، فَإِنَّ الْعِلْمَ حَرْبٌ لِلْمُتَعَالِي، كَمَا أَنَّ السَّيْلَ حَرْبٌ لِلْمَكَانِ الْعَالِي (١). وَاَلَّذِينَ يَرْهَبُونَ رَبَّهُمْ: عَمِلُوا بِمَا عَلِموهُ فَأَتَاهُم اللهُ عِلْمًا وَرَحْمَةً؛ إذ مَن عَمِلَ بِمَا عَلِمَ أَوْرَثَهُ اللهُ عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ. [٧/ ٦٢٦] * * * اتباع الهوى والعدول عن الحق ٨٤١ - كُلُّ مَن عَدَلَ عَنِ اتِّبَاعِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَطَاعَةِ اللهِ وَالرَّسُولِ إلَى عَادَتِهِ وَعَادَةِ أَبِيهِ وَقَوْمِهِ فَهُوَ مِن أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ الْمُسْتَحِقِّينَ لِلْوَعِيدِ. وَكَذَلِكَ مَن تبَيَّنَ لَهُ فِي مَسْألَةٍ مِنَ الْمَسَائِلِ الْحَقُّ الَّذِي بَعَثَ اللهُ بِهِ رَسُولَهُ ثُمَّ عَدَلَ عَنْهُ إلَى عَادَتِهِ فَهُوَ مِن أَهْلِ الذَّمِّ وَالْعِقَابِ. وَأَمَّا مَن كَانَ عَاجِزًا عَن مَعْرِفَةِ حُكْمِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَقَد اتَّبَعَ فِيهَا مَن هُوَ مِن أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ أَنَّ قَوْلَ غَيْرِهِ أَرْجَحُ مِن قَوْلِهِ فَهُوَ مَحْمُود يُثَابُ لَا يُذَمُّ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يُعَاقَبُ. وَإِن كَانَ قَادِرًا عَلَى الِاسْتِدْلَالِ وَمَعْرِفَةِ مَا هُوَ الرَّاجِحُ، وَتَوَقَّى بَعْضَ

стр. 807

الْمَسَائِلِ فَعَدَلَ عَن ذَلِكَ إلَى التَّقْلِيدِ فَهُوَ قَدِ اخْتُلِفَ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد الْمَنْصُوصِ عَنْهُ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُة أَنَّ هَذَا آثِمٌ أَيْضًا، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ. [٢٠/ ٢٢٥] ٨٤٢ - الْغَفْلَةُ عَن اللهِ وَالدَّارِ الْآخِرَةِ تَسُدُّ بَابَ الْخَيْرِ الَّذِي هوَ الذِّكْرُ وَالْيَقَظَةُ. [١٠/ ٥٩٧] * * * (التحذير من جحد الحق وعدمِ الاعتراف به إذا جاء من مبتدع وغيرِه) ٨٤٣ - تَكَلَّمْت فِي دُنُوِّ الرَّبِّ وَقُرْبِهِ وَمَا فِيهِ مِن النزَاعِ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ، ثُمَّ بَعْضُ الْمُتَسَنِّنَةِ وَالْجُهَّالِ: إذَا رَأَوْا مَا يُثْبِتُهُ أُولَئِكَ (١) مِن الْحَقِّ: قَد يَفِرُّونَ مِن التَّصْدِيقِ بِهِ، وَإِن كَانَ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يُنَازِعُونَ أَهْلَ السُّنَّةِ فِي ثُبُوتِهِ؛ بَل الْجَمِيعُ صَحِيحٌ. وَرُبَّمَا كَانَ الْإِقْرَارُ بِمَا اتُّفِقَ عَلَى إثْبَاتِهِ: أَهَمَّ مِن الْإِقْرَارِ بِمَا حَصَلَ فِيهِ نِزَاعٌ؛ إذ ذَلِكَ أَظْهَر وَأَبْيَنُ، وَهُوَ أَصْلٌ لِلْمُتَنَازَعِ فِيهِ، فَيَحْصُلُ بَعْضُ الْفِتْنَةِ فِي نَوْع تَكْذِيب، وَنَفْيِ حَالٍ، أَو اعْتِقَادٍ، كَحَالِ الْمُبْتَدِعَةِ (٢)، فَيَبْقَى الْفَرِيقَانِ فِي بِدْعَةٍ وَتكْذِيبٍ بِبَعْضِ مُوجِبِ النُّصُوصِ. وَسَبَبُ ذَلِكَ: أَنَّ قُلُوبَ الْمُثْبِتَةِ تَبْقَى مُتَعَلِّقَةً بِإِثْبَاتِ مَا نَفَتْهُ الْمُبْتَدِعَةُ، وَفيهِمْ نُفْرَةٌ عَن قَوْلِ الْمُبْتَدِعَةِ بِسَبَبِ تكْذِيبِهِم بِالْحَقِّ وَنَفْيِهِمْ لَهُ، فَيُعْرِضُونَ عَن مَا يُثْبِتُونَهُ مِن الْحَقِّ، أَو يَنْفِرُونَ مِنْهُ، أَو يُكَذِّبُونَ بِهِ (٣)؛ كَمَا قَد يَصِيرُ بَعْضُ جُهَّالِ

стр. 808

الْمُتَسَنِّنَةِ فِي إعْرَاضِهِ عَن بَعْضِ فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ الْبَيْتِ؛ إذَا رَأَى أهْلَ الْبِدْعَةِ يغْلُونَ فِيهَا. [٦/ ٢٥ - ٢٦] * * * المحبة ٨٤٤ - أصل المحبة: هو معرفة الله ولها أصلان: أحدهما: وهو الذي يقال له: محبة العامة؛ لأجل إحسانه إلى عباده، وهذه المحبة على هذا الأصل لا ينكرها أحد، فإن القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها، والله سبحانه هو المنعم المحسن إلى عبده بالحقيقة، فإنه المتفضل بجميع النعم، وإن جرت بواسطة، إذ هو ميسر الوسائط؛ ومسبب الأسباب، ولكن هذه المحبة في الحقيقة إذا لم تجذب القلب إلى محبة الله نفسِه، فما أحب العبد في الحقيقة إلا نفسَه، وكذلك كل من أحب شيئًا لأجل إحسانه إليه فما أحب في الحقيقة إلا نفسه. وهذا ليس بمذموم بل محمود. والمقتصر على هذه المحبة هو لم يعرف من جهة الله ما يستوجب أنه يحبه إلا إحسانه إليه، وهذا كما قالوا: إن الحمد لله على نوعين: أ- حمد هو شكر، وذلك لا يكون إلا على نعمته. ب- وحمد هو مدح وثناء عليه ومحبة له وهو بما يستحقه لنفسه سبحانه فكذلك الحب، فإن الأصل الثاني فيه هو محبته لما هو له أهل، وهذا حب من عرف من الله ما يستحق أن يحب لأجله، وما من وجه من الوجوه التي يعرف الله بها مما دلت عليه أسماؤه وصفاته إلا وهو يستحق المحبة

стр. 809

الكاملة من ذلك الوجه حتى جميع مفعولاته؛ إذ كل نعمة منه فضل، وكل نقمة منه عدل؛ ولهذا استحق أن يكون محمودًا على كل حال، ويستحق أن يحمد على السراء، والضراء، وهذا أعلى وأكمل، وهذا حب الخاصة. وهؤلاء هم الذين يطلبون لذة النظر إلى وجهه الكريم، ويتلذذون بذكره ومناجاته، ويكون ذلك لهم أعظم من الماء للسمك، حتى لو انقطعوا عن ذلك لوجدوا من الألم ما لا يطيقون. [١٠/ ٨٤ - ٨٥] ٨٤٥ - من المعلوم أن من أحب الله المحبة الواجبة فلا بد أن يبغض أعداءه، ولا بد أن يحب ما يحبه من جهادهم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾ [الصف: ٤]. والمحبُّ التامُّ لا يُؤَثِّر فيه لومُ اللائم وعذل العاذل؛ بل ذلك يغريه بملازمة المحبة. [١٠/ ٦٠ - ٦١] ٨٤٦ - الْجُمْهُورُ لَا يُطْلِقُونَ هَذَا اللَّفْظَ (الْعِشْق) فِي حَقِّ اللهِ؛ لِأَنَّ الْعِشْقَ هُوَ الْمَحَبَّةُ الْمُفْرِطَةُ الزَّائِدَةُ عَلَى الْحَدِّ الَّذِي يَنْبَغِي، وَاللهُ تَعَالَى مَحَبَّتهُ لَا نِهَايَةَ لَهَا فَلَيْسَتْ تَنْتَهِي إلَى حَدٍّ لَا تَنْبَغِي مُجَاوَزَتهُ. قَالَ هَؤُلَاء: وَالْعِشْقُ مَذْمُومٌ مُطْلَقًا لَا يُمْدَحُ لَا فِي مَحَبَّةِ الْخَالِقِ وَلَا الْمَخْلُوقِ؛ لِأَنَّهُ الْمَحَبَّةُ الْمُفْرِطَةُ الزَّائِدَةُ عَلَى الْحَدِّ الْمَحْمُودِ، وَأيْضًا فَإِنَّ لَفْظَ "الْعِشْقِ" إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْعُوْفِ فِي مَحَبَّةِ الْإِنْسَانِ لِامْرَأَةٍ أَو صَبِيٍّ، لَا يُسْتَعْمَلُ فِي مَحَبَّةٍ كَمَحَبَّةِ الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْوَطَنِ وَالْجَاهِ، وَمَحَبَّةِ الأنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَهُوَ مَقْرُون كَثِيرًا بِالْفِعْلِ الْمُحَرَّمِ: إمَّا بِمَحَبَّةِ امْرَأَةٍ أجْنَبِيَّةٍ أَو صَبِيٍّ يَقْتَرِنُ بِهِ النَّظَرُ الْمُحَرَّمُ وَاللَّمْسُ الْمُحَرَّمُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِن الْأَفْعَالِ الْمُحَرَّمَةِ. [١٠/ ١٣١] ٨٤٧ - إِذَا كَانَ الْقَلْبُ مُحِبًّا للهِ وَحْدَهُ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ لَمْ يُبْتَلَ بِحُبِّ غَيْرِهِ أَصْلًا، فَضْلًا أَنْ يُبْتَلَى بِالْعِشْقِ، وَحَيْثُ اُبْتُلِيَ بِالْعِشْقِ فَلِنَقْصِ مَحَبَّتِهِ للهِ وَحْدَهُ. [١٠/ ١٣٥]

стр. 810

٨٤٨ - إِذَا أَحَبَّ أَنْبِيَاءَ اللهِ وَأَوْليَاءَ اللهِ لِأَجْلِ قِيَامِهِمْ بِمَحْبُوبَاتِ الْحَقِّ لَا لِشَيء آخَرَ فَقَد أحَبَّهُم للهِ لَا لِغَيْرِهِ. [١٠/ ١٩١] ٨٤٩ - حَقِيقَةُ الْمَحَبَّةِ لَا تَتِمُّ إلَّا بِمُوَالَاةِ الْمَحْبُوبِ، وَهُوَ مُوَافَقَتُهُ فِي حُبّ مَا يُحِبُّ، وَبُغْضِ مَا يُبْغِضُ، وَاللهُ يُحِبُّ الْإِيمَانَ وَالتَّقْوَى، ويُبْغِضُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ. [١٠/ ١٩٢] ٨٥٠ - قَوْلُ بَعْضِ النَّاسِ: إنَ مُحَمَّدًا حَبِيبُ اللهِ؛ وَإِبْرَاهِيمَ خَلِيلُ اللهِ وَظَنُّهُ أَنَ الْمَحَبَّةَ فَوْقَ الْخُلَّةِ قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ فَإِنَّ مُحَمَّدًا أَيْضًا خَلِيلُ اللهِ. [١٠/ ٢٠٤] ٨٥١ - الْفَرْقُ ثَابِتٌ بَيْنَ الْحُبِّ للهِ وَالْحَبِّ مَعَ اللهِ، فَأَهْلُ التَّوْحِيدِ وَالْإِخْلَاصِ يُحِبُّونَ غَيْرَ اللهِ للهِ، وَالْمُشْرِكونَ يُحِبُّونَ غَيْرَ اللهِ مَعَ اللهِ. [١٠/ ٤٦٥] ٨٥٢ - النَّاسُ فِي هَذَا الْبَابِ (١) أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ: أَكمَلُهُم: الَّذِينَ يُحِبُّونَ مَا أَحَبَّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، ويُبْغِضُونَ مَا أَبْغَضَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، فَيُرِيدُونَ مَا أَمَرَهُم اللهُ وَرَسُولُهُ بِإِرَادَتِهِ، وَيَكرَهُونَ مَا أَمَرَهُم اللهُ وَرَسُولُهُ بِكَرَاهَتِهِ، وَلَيْسَ عِنْدَهُم حُبّ وَلَا بُغْضٌ لِغَيْرِ ذَلِكَ، فَيَأْمُرُونَ بِمَا أَمَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ وَلَا يَأْمُرُونَ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَينْهَوْنَ عَمَّا نَهَى اللهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَنْهَوْنَ عَن غَيْرِ ذَلِكَ. [١٠/ ٤٦٧] وَالنَّوْعُ الثَّانِي: عَكسُ هَذَا، وَهُوَ أَنَّهُم يَتْبَعُونَ هَوَاهُم لَا أَمْرَ اللهِ؛ فَهَؤُلَاءِ لَا يَفْعَلُونَ وَلَا يَأْمُرُونَ إلَّا بِمَا يُحِمونَهُ بِهَوَاهُمْ، وَلَا يَتْرُكُونَ وَينْهَوْنَ إلَّا عَن مَا يَكْرَهُونَهُ بِهَوَاهُمْ، وَهَؤُلَاءِ شَرُّ الْخَلْقِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣)﴾ [الفرقان: ٤٣] قَالَ الْحَسَنُ: هُوَ الْمُنَافِقُ لَا يَهْوَى شَيْئًا إلَّا رَكِبَهُ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: لَا تَكنْ مِمَن يَتَّبعُ الْحَقَّ إذَا وَافَقَ هَوَاهُ،

стр. 811

وَيُخَالِفُهُ إذَا خَالَفَ هَوَاهُ، فَإِذَا أَنْتَ لَا تُثَابُ عَلَى مَا اتَّبَعْته مِن الْحَقِّ، وَتُعَاقَبُ عَلَى مَا خَالَفْته. وهُوَ كَمَا قَالَ ﵁؛ لِأَنَّهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ إنَّمَا قَصَدَ اتبَاعَ هَوَاهُ لَمْ يَعْمَلْ للهِ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ: الَّذِي يُرِيدُ تَارَةَ إرَادَةً يُحِبُّهَا اللهُ، وَتَارَةً إرَادَةً يُبْغِضُهَا اللهُ، وَهَؤُلَاءِ أَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُم يُطِيعُونَ اللهَ تَارَةً ويُرِيدُونَ مَا أحَبَّهُ، وَيعْصُونَة تَارَةً ويُرِيدُونَ مَا يَهْوُونَهُ وَإِن كَانَ يَكْرَهُهُ. وَالْقِسْمُ الرَّابع: أَنْ يَخْلوَ عَن الْإِرَادَتَيْنِ، فَلَا يُرِيدُ للهِ وَلَا لِهَوَاهُ، وَهَذَا يَقَعُ لِكَثِير مِن النَاسِ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ. وَأَمَّا خُلُوُّ الْإِنْسَانِ عَن الْإِرَادَةِ مُطْلَقًا: فَمُمْتَنِعٌ فَإِنَّهُ مَفْطُورٌ عَلَى إرَادَةِ مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ وَعَلَى كَرَاهَةِ مَا يَضُرُّهُ ويُؤذِيهِ. [١٠/ ٤٦٧ - ٤٨١] ٨٥٣ - إذَا أَحْبَبْت الشَّخْصَ للهِ كَانَ اللهُ هُوَ الْمَحْبُوبَ لِذَاتِهِ، فَكُلَّمَا تَصَوَّرْته فِي قَلْبِك تَصَوَّرْت مَحْبُوبَ الْحَق فَأَحْبَبْته، فَازْدَادَ حُبُّك للهِ. كَمَا إذَا ذَكَرْت النَّبِيَّ ﷺ وَالْأنْبِيَاءَ قَبْلَهُ وَالْمُرْسَلِينَ وَأَصْحَابَهُم الصَّالِحِينَ وَتَصَوَّرْتهمْ فِي قَلْبِك، فَإِنَّ ذَلِكَ يَجْذِبُ قَلْبَك إلَى مَحَبَّةِ اللهِ الْمُنْعِمِ عَلَيْهِم وَبِهِمْ، إذَا كُنْت تُحِبُّهُم للهِ؛ فَالْمَحْبُوبُ للهِ يَجْذِبُ إلَى مَحَبَّةِ اللهِ، وَالْمُحِبُّ للهِ إذَا أَحَبّ شَخْصًا للهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَحْبُوبُهُ، فَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَجْذِبَهُ إلَى اللهِ تَعَالَى، وَكُلٌّ مِن الْمُحِبِّ للهِ وَالْمَحْبُوبِ للهِ يَجْذِبُ إلَى اللهِ، وَهَكَذَا إذَا كَانَ الْحُبُّ لِغَيْرِ اللهِ. [١٠/ ٦٠٨ - ٦٠٩] ٨٥٤ - الْمُؤمِنُ الَّذِي يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ يَرَى الرَّسُولَ فِي مَنَامِهِ بِحَسَبِ إيمَانِهِ، وَكَذَلِكَ يَرَى اللهَ تَعَالَى فِي مَنَامِهِ بِحَسَبِ إيمَانِهِ. [١٠/ ٦١٢] ٨٥٥ - الْحُبُّ لِغَيْرِ اللهِ؛ كَحُبِّ النَّصَارَى لِلْمَسِيحِ، وَحُبِّ الْيَهُودِ لِمُوسَى، وَحُبِّ الرَّافِضَةِ لِعَلِيِّ، وَحُبِّ الْغُلَاةِ لِشُيُوخِهِمْ وَأَئِمَّتِهِمْ: مِثْلُ مَن يُوَالِي شَيْخًا أَو

стр. 812

إمَامًا وينْفِرُ عَن نَظِيرِهِ، وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ أَو مُتَسَاوِيَانِ فِي الرُّتْبَةِ (١)، فَهَذَا مِن جِنْسِ أهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ آمَنُوا بِبَعْضِ الرُّسُلِ وَكَفَرُوا بِبَعْض، وَحَالِ الرَّافِضَةِ الَّذِينَ يُوَالُونَ بَعْضَ الصَّحَابَةِ وَيُعَادُونَ بَعْضَهُمْ، وَحَالِ أَهْلِ الْعَصَبِيَّةِ مِن الْمُنْتَسِبِينَ إلَى فِقْهٍ وَزُهْدٍ، الَّذِينَ يُوَالُونَ بَعْضَ الشُّيُوخِ وَالْأَئِمَّةِ دُونَ الْبَعْضِ. وَإِنَّمَا الْمُومِنُ مَن يُوَالِي جَمِيعَ أَهْلِ الْإِيمَانِ (٢)، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]. [١١/ ٥٢٥] ٨٥٦ - أَصْلُ الْحَرَكَاتِ الْحُبُّ (٣)، وَاَلَّذِي يَسْتَحِقُّ الْمَحَبَّةَ لِذَاتِهِ هُوَ اللهُ، فَكُلُّ مَن أَحَبَّ مَعَ اللهِ شَيْئًا فَهُوَ مُشْرِكٌ وَحُبُّهُ فَسَادٌ؛ وَإِنَّمَا الْحُبُّ الصَّالِحُ النَّافِعُ حُبُّ اللهِ وَالْحَبُّ للهِ، وَالْإِنْسَانُ فَقِيرٌ إلَى اللهِ مِن جِهَةِ عِبَادَتِهِ لَهُ، وَمِن جِهَةِ اسْتِعَانَتِهِ بِهِ لِلِاسْتِسْلَامِ وَالِانْقِيَادِ لِمَن انْتَ إلَيْهِ فَقِيرٌ وَهُوَ رَبُّك وَإِلَهُك. [١٤/ ٣١] * * * (محبة الناس بعضهم لبعض، وبيان المشروع والْمَحْذور منها) ٨٥٧ - لَا تَزُولُ الْفِتْنَةُ عَن الْقَلْبِ إلَّا إذَا كَانَ دِينُ الْعَبْدِ كُلُّهِ للهِ ، فَيَكُونُ حُبُّهُ للهِ وَلمَا يُحِبُّهُ اللهُ، وَبُغْضُهُ للهِ وَلمَا يُبْغِضُهُ اللهُ، وَكَذَلِكَ مُوَالَاتُهُ وَمُعَادَاتُهُ.

стр. 813

وأَمَّا حُبّ النَّاسِ لَهُ: فَإنَّهُ يُوجِبُ أَنْ يَجْذِبُوهُ هُم بِقُوَّتِهِمْ إلَيْهِم (١)، فَإِنْ لَمْ يَكُن فِيهِ قُوَّة يَدْفَعهُم بِهَا عَن نَفْسِهِ مِن مَحَبَّةِ اللهِ وَخَشْيَتِهِ، وَإِلَّا جَذبُوهُ وَأَخَذُوهُ إلَيْهِمْ (٢). وَقَد يُحِبُّونَهُ لِعِلْمِهِ أَو دِينِهِ أَو إحْسَانِهِ أو غَيْرِ ذَلِكَ؛ فَالْفِتْنَةُ فِي هَذَا أَعْظَمُ (٣)، إلَّا إذَا كَانَت فِيهِ قُوَّةٌ إيمَانِيَّة وَخَشْيَةٌ وَتَوْحِيدٌ تَامٌّ، فَإِنَّ فِتْنَةَ الْعِلْمِ وَالْجَاهِ وَالصُّوَرِ فِتْنَةٌ لِكُلِّ مَفْتُونٍ. وَهُم مَعَ ذَلِكَ يَطْلبُونَ مِنْهُ مَقَاصِدَهُم إنْ لَمْ يَفْعَلْهَا وَإِلَّا نَقَصَ الْحُبُّ، أَو حَصَلَ نَوْعُ بُغْضٍ، وَرُبَّمَا زَادَ أَو أدَّى إلَى الِانْسِلَاخِ مِن حُبِّهِ فَصَارَ مَبْغُوضًا بَعْدَ أَنْ كَانَ مَحْبُوبًا. فَأَصْدِقَاءُ الْإِنْسَانِ يُحِبُّونَ اسْتِخْدَامَهُ وَاسْتِعْمَالَهُ فِي أَغْرَاضِهِمْ حَتَّى يَكونَ كَالْعَبْدِ لَهُمْ (٤). وَأَعْدَاؤُهُ يَسْعَوْنَ فِي أَذَاهُ وإضْرَارِهِ.

стр. 814

وَأُولَئِكَ يَطْلُبُونَ مِنْهُ انْتِفَاعَهُمْ، وإِن كَانَ مُضِرًّا لَهُ مُفْسِدًا لِدِينِهِ، لَا يُفَكِّرُونَ فِي ذَلِكَ، وَقَلِيل مِنْهُم الشَّكُورُ. فَالطَّائِفَتَانِ فِي الْحَقِيقَةِ لَا يَقْصِدُونَ نَفْعَهُ وَلَا دَفْعَ ضَرَرِهِ، وَإِنَّمَا يَقْصِدُونَ أَغْرَاضَهُم بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُن الْإِنْسَانُ عَابِذا اللهَ مُتَوَكِّلًا عَلَيْهِ مُوَالِيًا لَهُ وَمُوَالِيًا فِيهِ وَمُعَادِيًا، وَإِلَّا، أَكَلَتْهُ الطَّائِفَتَانِ، وَأَدَّى ذَلِكَ إلَى هَلَاكِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. [١٠/ ٦٠١ - ٦٠٣] ٨٥٨ - جُبِلَت النُّفُوسُ عَلَى حُبّ مَن أَحْسَنَ إلَيْهَا، لَكِنَّ هَذَا فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ مَحَبَّةُ الْإِحْسَانِ لَا نَفْسُ الْمُحْسِنِ، وَلَو قُطِعَ ذَلِكَ لَاضْمَحَلَّ ذَلِكَ الْحُبُّ، وَرُبَّمَا أَعْقَبَ بُغْضًا، فَإِنَّهُ لَيْسَ للهِ . فَإِنَّ مَن أَحَبَّ إنْسَانًا لِكَوْنِهِ يُعْطِيه فَمَا أَحَبّ إلَّا الْعَطَاءَ، وَمَن قَالَ: إنَّهُ يُحِبُّ مَن يُعْطِيه للهِ فَهَذَا كَذِبٌ وَمُحَالٌ وَزُوز مِن الْقَوْلِ، وَكَذَلِكَ مَن أَحَبَّ إنْسَانًا لِكَوْنِهِ يَنْصُرُهُ إنَّمَا أَحَبّ النَّصْرَ لَا النَّاصِرَ. وَهَذَا كُلُّهُ مِن اتّبَاعِ مَا تَهْوَى الْأنْفُسُ، فَإِنَّهُ لَمْ يُحِبّ فِي الْحَقِيقَةِ إلَّا مَا يَصِلُ إلَيْهِ مِن جَلْبِ مَنْفَعَةٍ أَو دَفْعِ مَضَرَّةٍ، فَهُوَ إنَّمَا أَحَبَّ تِلْكَ الْمَنْفَعَةَ وَدَفْعَ الْمَضَرَّةِ، وَإِنَّمَا أَحَبّ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ وَسِيلَةً إلَى مَحْبُوبِهِ وَلَيْسَ هَذَا حُبًّا للهِ وَلَا لِذَاتِ الْمَحْبُوبِ. وَعَلَى هَذَا تَجْرِي عَامَّةُ مَحَبَّةِ الْخَلْقِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ، وَهَذَا لَا يُثَابُونَ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يَنْفَعُهُمْ؛ بَل رُبَّمَا أَدَّى ذَلِكَ إلَى النِّفَاقِ وَالْمُدَاهَنَةِ، فَكَانُوا فِي الْآخِرَةِ مِن الْأَخِلَّاءِ الَّذِينَ بَعْضُهُم لِبَعْضِ عَدُوٌّ إلَّا الْمُتَّقِينَ. وَإِنَّمَا يَنْفَعُهُم فِي الْآخِرَةِ الْحبُّ فِي اللهِ وَللهِ وَحْدَهُ، وَأَمَّا مَن يَرْجُو النَّفْعَ وَالنَّصْرَ مِن شَخْصٍ ثُمَّ يَزْعُمُ أَنَّه يُحِبُّهُ للهِ فَهَذَا مِن دَسَائِسِ النُّفُوسِ وَنفَاقِ الْأَقْوَالِ.

стр. 815

وَقَد قَالَ ﷺ (١): "مَن أَحَبّ للهِ وَأَبْغَضَ للهِ وَأَعْطَى للهِ وَمَنَعَ للهِ فَقَد اسْتَكْمَلَ الإيمَانَ" (٢). [١٠/ ٦٠٩ - ٦١١] ٨٥٩ - مَا أَكْثَرَ مَن يَدَّعيِ حُبَّ مَشَايخَ للهِ، وَلَو كَانَ يُحِبُّهُم للهِ لَأَطَاعَ اللهَ الَّذِي أَحَبَّهُم لِأَجْلِهِ، فَإِنَّ الْمَحْبُوبَ لِأَجْلِ غَيْرِهِ تَكُونُ مَحَبَّتُهُ تَابِعَةً لِمَحَبَّةِ ذَلِكَ الْغَيْرِ. وَكَيْفَ يُحِبُّ شَخْصًا للهِ مَن لَا يَكُونُ مُحِبًّا للهِ؟ وَكَيْفَ يَكُون مُحِبًّا للهِ مَن يَكُونُ مُعْرضٌ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ وَسَبِيلِ اللهِ؟ [١٠/ ٥٢٠ - ٥٢١] * * * الرقائق ٨٦٠ - ذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللهِ ابْنُ الْجَدِّ الْأَعْلَى أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الْفَرَجِ ابْنَ الْجَوْزِيِّ يُنْشِدُ فِي مَجْلِسِ وَعْظِهِ الْبَيْتَيْنِ الْمَعْرُوفَيْنِ: هَبِ الْبَعْثَ لَمْ تَأتِنَا رُسُلُهُ … وَجَاحِمَةُ (٣) النَّارِ لَمْ تُضْرَمْ ألَيْسَ مِن الْوَاجِبِ الْمُسْتَحَقِّ … حَيَاءُ الْعِبَادِ مِن الْمُنْعِمِ؟ [١٦/ ٢٥٣]

стр. 816

٨٦١ - لَيْسَ جَعْلُ الْإِنْسَانِ نَبِيًّا بِأَعْظَمَ مِن جَعْلِهِ الْعَلَقَةَ إنْسَانًا حَيًّا عَالِمًا نَاطِقًا سَمِيعًا بَصِيرًا مُتَكلِّمًا، قَد عَلِمَ أَنْوَاعَ الْمَعَارِفِ (١). [١٦/ ٢٦٤] ٨٦٢ - قَوْلُهُ ﷺ : "لَنْ يَدْخُلَ أحَدٌ مِنْكُم الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ" (٢) لَا يُنَاقِضُ قَوْله تَعَالَى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)﴾ [الواقعة: ٢٤] فَإِنَّ الْمَنْفِيَّ نُفِيَ بِبَاءِ الْمُقَابَلَةِ وَالْمُعَاوَضَةِ، كَمَا يُقَالُ: بِعْت هَذَا بِهَذَا، وَمَا أُثْبِتَ أُثْبِتَ بِبَاءِ السَّبَبِ؛ فَالْعَمَلُ لَا يُقَابِلُ الْجَزَاءَ، وَإِن كَانَ سَبَبًا لِلْجَزَاءِ، وَلهَذَا مَن ظَنَّ أَنَّهُ قَامَ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى مَغْفِرَةِ الرَّبِّ تَعَالَى وَعَفْوِهِ فَهُوَ ضَالٌّ. [١/ ٢٠٧] ٨٦٣ - ذَكَرَ أبُو طَالِب الْمَكِّيُّ عَن سَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللهِ التستري أنَّهُ قَالَ: إذَا عَمِلَ الْعَبْدُ حَسَنَة فَقَالَ: أَيْ رَبِّي، أَنَا فَعَلْت هَذِهِ الْحَسَنَةَ. قَالَ لَهُ رَبُّهُ: أَنَا يسرتك لَهَا وَأَنَا أَعَنْتُك عَلَيْهَا. فَاِنْ قَالَ: أيْ رَبِّي، أنْتَ أعَنْتَنِي عَلَيْهَا ويسَّرتني لَهَا. قَالَ لَهُ رَبُّهُ: أَنْتَ عَمِلْتهَا وَأَجْرُهَا لَك.

стр. 817

وَإِذَا فَعَلَ سَيِّئةً فَقَالَ: أَيْ رَبِّي، أَنْتَ قَدَّرْت عَلَيَّ هَذِهِ السَّيِّئةَ. قَالَ لَهُ رَبُّهُ: أَنْتَ اكْتَسَبْتهَا وَعَلَيْك وِزْرُهَا. فَإِنْ قَالَ: أَيْ رَبِّي، إنِّي أَذْنَبْت هَذَا الذَّنْبَ وَأَنَا أَتُوبُ مِنْه. قَالَ لَهُ رَبُّهُ: أَنَا قَدَّرْته عَلَيْك وَأَنَا أَغْفِرُهُ لَك. [٢/ ٣٢٨] * * * القلب وتقلباته ٨٦٤ - الْقَلْبُ يَغْرَقُ فِيمَا يَسْتَوْلِي عَلَيْهِ: إمَّا مِن مَحْبُوبٍ، وَإِمَّا مِن مَخُوفٍ، كَمَا يُوجَدُ مِن مَحَبَّةِ الْمَالِ وَالْجَاهِ وَالصُّوَرِ (١)، وَالْخَائِفُ مِن غَيْرِهِ يَبْقَى قَلْبُهُ وَعَقْلُهُ مُسْتَغْرِقًا فِيهِ كَمَا يَغْرَقُ الْغَرِيقُ فِي الْمَاءِ. [١٠/ ٥٩٥] ٨٦٥ - لَا يَحْصُلُ الْمَرَضُ إلَّا لِنَقْصِ أَسْبَابِ الصِّحَّةِ، كَذَلِكَ الْقَلْبُ لَا يَمْرَضُ إلَّا لِنَقْصِ إيمَانِهِ. [١٠/ ١٣٧] ٨٦٦ - أَقْوَالُ الْقَلْبِ وَأَفْعَالُهُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَما: مَا هُوَ حَسَنَةٌ وَسَيِّئةٌ بِنَفْسِهِ. وَثَانِيهَا: مَا لَيْسَ سَيِّئةً بِنَفْسِهِ حَتَّى يُفْعَلَ، وَهُوَ السَّيِّئّةَ الْمَقْدُورَةُ (٢). وَثَالِثُهَا: مَا هُوَ مَعَ الْعَجْزِ كَالْحَسَنَةِ وَالسَّيِّئةِ الْمُفَعْوِلَةِ، وَلَيْسَ هُوَ مَعَ الْقُدْرَةِ كَالْحَسَنَةِ وَالسَّيِّئةِ الْمُفَعْوِلَةِ. فَالْقِسْمُ الْأوَّلُ: هُوَ مَا يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الْإِيمَانِ مِن التَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ

стр. 818

وَالْحُبِّ وَالْبُغْضِ وَتَوَابعِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ هَذ الْأُمُورَ يَحْصُل فِيهَا الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ وَعُلُوُّ الدَّرَجَاتِ وَأَسْفَلُ الدَّرَكَاتِ بِمَا يَكُونُ فِي الْقُلُوبِ مِن هَذِهِ الْأُمُورِ وَإِن لَمْ يَظْهَرْ عَلَى الْجَوَارحِ. وَأمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي والثالِثُ: فَمَظِنَّةُ الْأَفْعَالِ الَّتِي لَا تُنَافِي أُصُولَ الْإِيمَانِ مِثْل الْمَعَاصِي الطَّبعِيَّةِ؛ مِثْل الزنى وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ (١). [١٠/ ٧٥٩ - ٧٦٠] ٨٦٧ - الْقُلُوبُ يَعْرِضُ لَهَا الْإِيمَانُ وَالنِّفَاقُ، فَتَارَةً يَغْلِبُ هَذَا وَتَارَةً يَغْلِبُ هَذَا. [١٠/ ٧٦٨] ٨٦٨ - إِنَّ الْقَلْبَ إذَا تَعَوَّدَ سَمَاعَ الْقَصَائِدِ وَالْأبْيَاتِ وَالْتَذَّ بِهَا حَصَلَ لَهُ نُفوزٌ عَن سَمَاعِ الْقُرْآنِ وَالْآيَاتِ، فَيَسْتَغْنِي بِسَمَاعِ الشَّيْطَانِ عَن سَمَاعِ الرَّحْمَنِ. وَقَد صَحَّ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَيْسَ مِنَّا مَن لَمْ يَتَعن بِالْقُرْآنِ" (٢). وَقَد فَسَّرَهُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْزهُمَا بِأَنَّهُ مِن الصَّوْتِ، فَيُحَسِّنُة بِصَوْتِهِ وَيتَرَنَّمُ بِهِ بِدُونِ التَّلْحِينِ الْمَكْرُوهِ. وَفَسَّرَهُ ابْنُ عُيَيْنَة (٣) وَأَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُمَا بِأَنَّهُ الِاسْتِغْنَاءُ بِهِ، وَهَذَا وَإِن كَانَ لَهُ مَعْنًى صَحِيحٌ فَالْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ فَإِنَّهُ قَالَ: "لَيْسَ مِنَّا مَن لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ" (٤). [١١/ ٥٣٢] ٨٦٩ - الْقَلْبُ هَل يَقُومُ بِهِ تَصْدِيقٌ أَو تَكْذِيبٌ وَلَا يَظْهَرُ قَطُّ مِنْهُ شَيءٌ عَلَى اللِّسَانِ وَالْجَوَارح وَإِنَّمَا يَظْهَرُ نَقِيضُهُ مِن غَيْرِ خَوْفٍ؟

стр. 819

اَلَّذِي عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ وَجُمْهُورُ النَّاسِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِن ظُهُورِ مُوجَبِ ذَلِكَ عَلَى الْجَوَارحِ، فَمَن قَالَ: إنَّهُ يُصَدِّقُ الرَّسُولَ وَيُحِبُّهُ وَيُعَظِّمُة بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ قَطُّ بِالْإِسْلَامِ وَلَا فَعَلَ شَيْئًا مِن وَاجِبَاتِهِ بِلَا خَوْفٍ فَهَذَا لَا يَكُونُ مُؤمِنًا فِي الْبَاطِنِ؛ وَإِنَّمَا هُوَ كَافِرٌ. وَقَد قَالَ النَّبِيُّ ﷺ :"إنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ألَا وَهِيَ الْقَلْبُ" (١) فَبَيَّنَ أَنَّ صَلَاحَ الْقَلْبِ مُسْتَلْزِمٌ لِصَلَاحِ الْجَسَدِ، فَإِذَا كَانَ الْجَسَدُ غَيْرَ صَالِحٍ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْقَلْبَ غَيْرُ صَالِحٍ، وَالْقَلْبُ الْمُومِنُ صَالِحٌ، فَعُلِمَ أَنَّ مَن يَتَكَلَّمُ بِالْإِيمَانِ وَلَا يَعْمَلُ بِهِ لَا يَكُونُ قَلْبُهُ مُؤمِنًا. [١٤/ ١٢٠ - ١٢١] ٨٧٠ - الْقَلْبُ لَا يَكُونُ إلَّا عَامِلًا، فَإِذَا لَمْ يَعْمَل الْحَسَنَةَ اُسْتُعْمِلَ فِي عَمَلِ السَّيِّئةِ، كَمَا قِيلَ: نَفْسُك إنْ لَمْ تَشْغَلْهَا شَغَلَتْك. [١٤/ ٣٣٥] ٨٧١ - كَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ يُغْمِضُ عَيْنَيْهِ فَلَا يَرَى شَيْئًا وَإِن لَمْ يَكُن أَعْمَى، فَكَذَلِكَ الْقَلْبُ بِمَا يَغْشَاهُ مِن رينِ الذُّنُوبِ لَا يُبْصِرُ الْحَقَّ وَإِن لَمْ يَكُن أَعْمَى كَعَمَى الْكَافِرِ. [٧/ ٣٢] * * * (إذا لم تجد للعمل حلاوة في قلبك) ٨٧٢ - إذا لم تجد للعمل حلاوة في قلبك وانشراحًا فاتهمه فإن الربَّ تعالى شكور (٢). [المستدرك ١/ ١٥٣] * * *

стр. 820

الجنة ونعيمها ٨٧٣ - أَطْفَالُ الْمُسْلِمِينَ وَمَجَانِينُهُم يَوْمَ الْقِيَامَةِ تبَعٌ لِآبَائهِمْ. [١٠/ ٤٣٧] ٨٧٤ - الْفُقَرَاءُ مُتَقَدِّمُونَ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ لِخِفَّةِ الْحِسَابِ عَلَيْهِمْ، وَالْأَغْنِيَاءُ مُؤَخَّرُونَ لِأَجْلِ الْحِسَابِ، ثُمَّ إذَا حُوسِبَ أَحَدُهُم فَإِنْ كَانَت حَسَنَاتُهُ أَعْظَمَ مِن حَسَنَاتِ الْفَقِيرِ كَانَت دَرَجَتُة فِي الْجَنَّةِ فَوْقَهُ، وَإِن تَأَخَّرَ فِي الدُّخُولِ كَمَا أَنَّ السَّبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَمِنْهُم عُكَّاشَةُ بْن مُحْصَنٍ، وَقَد يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِحِسَاب مَن يَكُونُ أَفْضَلَ مِن أَحَدِهِمْ. [١١/ ١٢١] ٨٧٥ - الْجَنَّةُ لَيْسَ فِيهَا شَمْسٌ، وَلَا قَمَرٌ، وَلَا لَيْل، وَلَا نَهَارٌ، لَكِنْ تُعْرَفُ الْبُكْرَةُ وَالْعَشِيَّةُ بِنُورٍ يَظْهَرُ مِن قِبَلِ الْعَرْشِ. [٤/ ٣١٢] * * * (الْجَنَّةُ الَّتِي أَسْكَنَهَا الله تعالى آدَمَ وَزَوْجَتَهُ هِيَ جَنَّة الْخُلْدِ) ٨٧٦ - الْجَنَّةُ الَّتِي أَسْكَنَهَا -تعالى- آدَمَ وَزَوْجَتَهُ عِنْدَ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ: هِيَ جَنَّةُ الْخُلْدِ. وَمَن قَالَ: إنَّهَا جَنَّة فِي الْأَرْضِ بِأرْضِ الْهِنْدِ أَو بِأَرْضِ جُدَّةَ أَو غَيْرِ ذَلِكَ: فَهُوَ مِن الْمُتَفَلْسِفَةِ وَالْمُلْحِدِينَ، أَو مِن إخْوَانِهِم الْمُتَكَلِّمِينَ الْمُبْتَدِعِينَ؛ فَإِنَّ هَذَا يَقُولُهُ مَن يَقُولُهُ مِن الْمُتَفَلْسِفَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، وَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ يَرُدُّانِ هَذَا الْقَوْلَ، وَسَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا مُتَّفِقُونَ عَلَى بُطْلَانِ هَذَا الْقَوْلِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)﴾ [البقرة: ٣٦] فَقَد أَخْبَر (١) أَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَمَرَهُم بِالْهُبُوطِ، وَأَنَّ بَعْضَهُم عَدُوٌّ لِبَعْضٍ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)﴾ [البقرة: ٣٦]، وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَهُم لَمْ يَكُونُوا فِي الْأَرْضِ، وَإِنَّمَا أهبطوا إلَى الْأَرْضِ. [٤/ ٣٤٧] * * *

стр. 821

(شرح حَدِيث: "رُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ رَبَّهم فِي الْجَنَّةِ فِي مِثْل يَوْمِ الْجُمُعَةِ مِن أَيَّامِ الدُّنْيَا" وذكر الكلام على رؤية الله ٨٧٧ - حَدِيثُ: "رُؤيةِ الْمُؤْمِنِينَ رَبَّهُم فِي الْجَنَّةِ فِي مِثْل يَوْمِ الْجُمُعَةِ مِن أَيَّامِ الدُّنْيَا": رَوَاهُ أَبُو الْحَسَنِ الدارقطني فِي كِتَابِهِ فِي الرُّؤْيَةِ، رَوَاهُ مِن حَدِيثِ أَنَسِ مَرْفُوعًا، وَمِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا. وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَه مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا. وَإِسْنَادُ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَجْوَدُ مِن جَمِيعِ أَسَانِيدِ هَذَا الْبَابِ. وَرَوَاهُ أَبُو أَحْمَد بْنُ عَدِيٍّ مِن حَدِيثِ صَالِحِ بْن حَيَّانَ عَن ابْنِ بريدة عَن أنَسٍ، وَمَا أعْلَمُ لَفْظَهُ. وَرَوَاهُ أَبُو عَمْرو الزَّاهِدُ (١) بِإِسْنَادٍ آخَرَ لَمْ يَحْضُرْنِي لَفْظُهُ. وَرَوَاهُ أبُو يَعْلَى الموصلي فِي مُسْنَدِهِ عَن شيبان بْنِ فَرُّوخٍ، عَن الصَّعْقِ بنِ حَزْنٍ، عَن عَلِيٍّ بْنِ الْحَكَمِ البناني، عَن أَنَسٍ نَحْوَهُ، وَلَا أَعْلَمُ لَفْظَهُ (٢).

стр. 822

وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ عَامَّتُهَا إذَا جُرِّدَ إسْنَادُ الْوَاحِدِ مِنْهَا: لَمْ يَخْلُ عَن مَقَالٍ قَرِيبٍ أَو شَدِيدٍ، لَكِنَّ تَعَدُّدَهَا وَكَثْرَةَ طُرُقِهَا يُغَلِّبُ عَلَى الظَّنِّ ثبُوتَهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ بَل قَد يَقْتَضِي الْقَطْعَ بِهَا. وَأَيْضًا فَقَد رُوِيَ عَن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مَا يُوَافِقُ ذَلِكَ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ بِالرَّأيِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ بِالتَّوْقِيفِ. فَرَوَى الدارقطني بِإِسْنَاد صَحِيحٍ … عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: "سَارِعُوا إلَى الْجُمْعَةِ؛ فَإِنَّ اللهَ يَبْرُزُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ فِي كثِيبٍ مِن كَافُورٍ، فَيَكُونُونَ فِي قُرْبٍ مِنْهُ عَلَى قَدْرِ تَسَارُعِهِمْ إلَى الْجُمُعَةِ في الدُّنْيَا". وَهَذَا الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ ابْنُ مَسْعُودٍ أَمْز لَا يَعْرِفُهُ إلَّا نَبِي أَو مَن أَخَذَهُ عَن نَبِيٍّ، فَيُعْلَمُ بِذَلِكَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ أَخَذَهُ عَن النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ عَن أَهْلِ الْكِتَابِ. وَأمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ -وَهُوَ أَشْهَرُ الْأحَادِيثِ- فِيمَا يَكُونُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي الْآخِرَةِ مِن زِيارَةِ اللهِ وَرُويَتِهِ وَإِتْيَانِ سُوقِ الْجَنَّةِ: فَأَصَحّ حَدِيثٍ عَنْهُ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١) فِي "صَحِيحِهِ" عَن حَمَّادِ بْن سَلَمَةَ عَن ثَابِتٍ عَن أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا يَأْتُونَهَا كُلَّ جُمُعَةٍ فَتَهُبُّ رِيحُ الشَّمَالِ، فتحْثُوا فِي وجُوهِهِمْ وَثيَابِهِمْ، فَيَزْدَادُونَ حُسْنًا وَجَمَالًا، فَيَقُولُ لَهُم أَهْلُوهُم: وَاللهِ لَقَد ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَاًا، فَيَقُولُونَ: وَأنتُمْ وَاللهِ لَقَد ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنا وَجَمَالًا". فَهَذَا لَيْسَ فِيهِ إلَّا أَنَّهُم يَأْتُونَ السُّوقَ، وَفِيهِ يَزْدَادُونَ حُسْنًا وَجَمَالًا، وَأَنَّ أَهْلِيهِم ازْدَادُوا أَيْضًا فِي غَيْبَتِهِمْ عَنْهُم حُسْنًا وَجَمَالًا، وَإِن كَانُوا لَمْ يَأْتُوا سُوقَ الْجَنَّةِ.

стр. 823

وَإِن كَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يُقَالَ: مَا فِي تِلْكَ الْأَحَادِيثِ مِن الزِّيَادَاتِ لَا يُنَافِي هَذَا -وَإِن كَانَ هَذَا أَصَحَّ-؛ فَإِنَّ التَّرْجِيحَ إنَّمَا يَكُون عِنْدَ التَّنَافِي، وَأَمَّا إذَا أَخْبَرَ فِي أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ بِشَيءٍ، وَأَخْبَرَ فِي الْآخَرِ بِزِيَادَةٍ أُخْرَى لَا تُنَافِيهَا: كَانَت تِلْكَ الزِّيَادَةُ بِمَنْزِلَةِ خَبَرٍ مُسْتَقِل، فَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ. وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ مِن الزّيَادَةِ فِي النَّصِّ: هَل هِيَ نَسْخٌ؟ فَإِنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ فِي الْأَحْكامٍ الَّتِي هِيَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْإِبَاحَةُ وَتَوَابِعُهَا؛ مِثْلُ مَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ١٢] وَقَالَ النَّبِيِّ ﷺ : "الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ" (١): فَهُنَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ: هَل هَذِهِ الزِّيَادَةُ نَسْخٌ لِقَوْلِهِ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾؟ مَعَ أَنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِنَسْخ، وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَأَمَّا زِيادَةُ أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ عَلَى الْآخَرِ فِي الْأَخْبَارِ الْمَحْضَةِ: فَهَذَا مِمَّا لَمْ يَخْتَلِف الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَسْخٍ، وَأَنَّهُ لَا تُرَدُّ الزِّيَادَةُ إذَا لَمْ تُنَافِ الْمَزِيدَ. فَإِنَّ رَجلًا لَو قَالَ: رَأَيْت رَجُلًا، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْت رَجُلًا عَاقِلًا، أَو عَالِمًا: لَمْ يَكُن بَيْنَ الْكلَامَيْنِ مُنَافَاةٌ. فَفَرْقٌ بَيْنَ الْإِطْلَاقِ وَالتَّقْيِيدِ، وَالتَّجْرِيدِ وَالزِّيَادَةِ: فِي الْأُمُورِ الطَّلَبِيَّةِ، وَبَيْنَ ذَلِكَ فِي الْأُمُورِ الْخَبَرِيَّةِ. وَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِن ازْدِيَادِ وُجُوهِهِمْ حُسْنًا وَجَمَالًا: لَا يَقْتَضِي انْحِصَارَ ذَلِكَ فِي الرِّيحِ؛ فَإِنَ أَزْوَاجَهُم قَد ازْدَادُوا حُسْنًا وَجَمَالًا، وَلَمْ يَشْرَكُوهُم فِي الرِّيحِ؛ بَل يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَصَلَ فِي الرِّيحِ زِيَادَةٌ عَلَى مَا حَصَلَ لَهُم قَبْلَ ذَلِكَ، ويجُوز أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَدِيثُ مُخْتَصَرًا مِن بَقِيَّةِ الْأَحَادِيثِ بِأَنَّ سَبَبَ الِازْدِيَادِ رُؤْيةُ اللهِ تَعَالَى مَعَ مَا اقْتَرَنَ بِهَا.

стр. 824

وَعَلَى هَذَا فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ نِسَاؤُهُم الْمُومِنَاتُ رَأَيْنَ اللهَ فِي مَنَازِلهِنَّ فِي الْجَنَّةِ رُؤْية اقْتَضَتْ زِيَادَةَ الْحُسْنِ وَالْجَمَالِ -إذَا كَانَ السَّبَبُ هُوَ الرُّؤْيةَ كَمَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي أَحَادِيثَ أُخَرَ-، كَمَا أَنَّهُم فِي الدُّنْيَا كَانَ الرّجَالُ يَرُوحُونَ إلَى الْمَسَاجِدِ فَيَتَوَجهُونَ إلَى اللهِ هُنَالِكَ، وَالنِّسَاءُ فِي بُيُوتِهِنَّ يَتَوَجَّهْنَ إلَى اللهِ بِصَلَاةِ الظُّهْرِ، وَالرِّجَالُ يَزْدَادونَ نُورًا فِي الدُّنْيَا بِهَذِهِ الصَّلَاةِ، وَكَذَلِكَ النِّسَاءُ يَزْدَدْنَ نُورًا بِصَلَاتِهِنَّ كَل بِحَسَبِهِ، وَاللهُ سُبْحَانَهُ لَا يَشْغَلُهُ شَأنٌ عَن شَأنِ. [٦/ ٤٠١ - ٤٠٨] ٨٧٨ - مَا عَلِمْنَا أَحَدًا جَمَعَ فِي هَذَا الْبَابِ [أي: باب الرّؤْيَةِ] أكْثَرَ مِن كِتَابِ أَبِي بَكْرٍ الآجري، وَأَبِي نُعَيْمٍ الْحَافِظِ الأصبهاني. [٦/ ٤٠١] ٨٧٩ - فِي "الصَّحِيحَيْنِ" (١) عَن جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ البجلي قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إذ نَظَرَ إلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ فَقَالَ: "إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَدَا الْقَمَرَ، لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيتِهِ، فَإِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلَاةٍ قَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا"، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠]. وَهَذَا الْحَدِيثُ مِن أَصَحِّ الْأَحَادِيثِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ الْمُتَلَقَّاةِ بِالْقَبُولِ، الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ بِالْحَدِيثِ وَسَائِرِ أهْلِ السُّنَّةِ. وَمَعْلُومٌ أَن تَعْقِيبَ الْحُكْمِ لِلْوَصْفِ أو الْوَصْفِ لِلْحُكْمِ بِحَرْفِ الْفَاء: يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَصْفَ عِلَّةٌ لِلْحُكْم. وَالتَّعْقِيبُ الَّذِي يَقُولُهُ النَّحْوِيُّونَ: لَا يَعْنونَ بِهِ أَنَّ اللَّفْظَ بِالثَّانِي يَكونُ بَعْدَ الْأوَّلِ؛ فَإِنَّ هَذَا مَوْجُود بِالْفَاءِ وَبِدُونهَا وَبِسَائِرِ حُرُوفِ الْعَطْفِ، وَإِنَّمَا يَعْنُونَ بِهِ مَعْنَى أَنَّ التَّلَفُّظَ الثَّانِيَ يَكُون عَقِبَ الْأوَّلِ، فَإِذَا قُلْت: قَامَ زيدٌ فَعَمْرٌو أَفَادَ أَنَّ قِيَامَ عَمْرٍو مَوْجُودٌ فِي نَفْسِهِ عَقِبَ قِيَامِ زيدٍ.

стр. 825

إذَا قِيلَ: هَذَا رَجُلٌ صَالِحٌ فَأَكْرِمْهُ: فُهِمَ مِن ذَلِكَ أَنَّ الصَّلَاحَ سَبَبٌ لِلْأَمْرِ بِإِكْرَامِهِ، حَتَّى لَو رَأَيْنَا بَعْدَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا لَقِيلَ كَذَلِكَ. فَقَوْلُهُ ﷺ : "إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ فَإِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاَتَيْنِ" … : يَقْتَضِي أَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَيْهَا هُنَا لِأَجْلِ ابْتِغَاءِ هَذِهِ الرُّؤيَةِ، وَيَقْتَضِي أَنَّ الْمُحَافَظَةَ سَبَبٌ لِهَذِهِ الرُّؤَيةِ، وَلَا يَمْنَعُ أَنْ تَكُونَ الْمُحَافَظَةُ تُوجِبُ ثَوَابًا آخَرَ، ويُؤْمَرُ بِهَا لِأَجْلِهِ، وَأَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَيْهَا سَبَبٌ لِذَلِكَ الثَّوَابِ، وَأَنَّ لِلرُّويَةِ سَبَبًا آخَرَ؛ لِأَنَّ تَعْلِيلَ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِعِلَل وَاقْتِضَاءَ الْعِلَّةِ الْوَاحِدَةِ لِأَحْكَامِ: جَائِز. أَقُولُ: الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُنَّ (١) يَرَيْنَهُ -سبحانه-: أَنَّ النُّصُوصَ الْمُخْبِرَةَ بِالرُّؤْيَةِ فِي الْآخِرَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ تَشْمَلُ النِّسَاءَ لَفْظًا وَمَعْنًى، وَلَمْ يُعَارِضْ هَذَا الْعُمُومُ مَا يَقْتَضِي إخْرَاجَهُنَّ مِن ذَلِكَ، فَيَجِبَ الْقَوْلُ بِالدَّلِيلِ السَّالِمِ عَن الْمُعَارِضِ الْمُقَاوِمِ. [٦/ ٤٢١ - ٤٣٠] ٨٨٠ - أَجْمَعَ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ اللهَ بِأَبْصَارِهِمْ فِي الْآخِرَةِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُم لَا يَرَوْنَهُ فِي الدُّنْيَا بِأَبْصَارِهِمْ، وَلَمْ يَتَنَازَعُوا إلَّا فِي النَّبِيِّ ﷺ . وَثَبَتَ عَنْهُ فِي "الصَّحِيحِ" (٢)؛ أنَّه قَالَ: "وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَنْ يَرَى رَبَّهُ حَتَّى يَمُوتَ. [٦/ ٥١٢] * * *

стр. 826

(هل رَأَى مُحَمَّدٌ ﵊ رَبَّه ؟) ٨٨١ - ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" (١) عَن ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: "رَأَى مُحَمَّد رَبَّه بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ"، وَعَائِشَةُ أَنْكَرَتْ الرُّؤْيَةَ (٢). فَمِن النَّاسِ مَن جَمَعَ بَيْنَهُمَا فَقَالَ: عَائِشَةُ أَنْكَرَتْ رُؤْيَةَ الْعَيْنِ، وَابْنُ عَبَّاسٍ أَثْبَتَ رُؤْيَةَ الْفُؤَادِ. وَلَمْ يَثْبُتْ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ لَفْظٌ صَرِيحٌ بِأَنَّهُ رَآهُ بِعَيْنِهِ. وَكَذَلِكَ الْإِمَامُ أَحْمَد تَارَةً يُطْلِقُ الرُّؤْيَةَ، وَتَارَةً يَقُولُ: رَآهُ بِفُؤَادِهِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّه سَمِعَ أَحْمَد يَقُولُ رَآهُ بِعَيْنِهِ، لَكِنَّ طَائِفَة مِن أَصْحَابِهِ سَمِعُوا بَعْضَ كَلَامِهِ الْمُطْلَقِ فَفَهِمُوا مِنْهُ رُؤيَةَ الْعَيْنِ؛ كَمَا سَمِعَ بَعْضُ النَاسِ مُطْلَقَ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَفَهِمَ مِنْهُ رُؤَيَةَ الْعَيْنِ. وَلَيْسَ فِي الْأَدِلَّةِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ رَآهُ بِعَيْنِهِ، وَلَا بِعَيْنِهِ ذَلِكَ عَن أَحَدٍ مِن الصَّحَابَةِ، وَلَا فِي الْكتَابِ وَالسنَّةِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ؛ بَل النُّصُوصُ الصَّحِيحَهُ عَلَى نَفْيِهِ أَدَلُّ؛ كَمَا فِي "صَحِيح مُسْلِمٍ" (٣) عَن أَبِي ذَرٍّ قَالَ: سَألْت رَسُولَ اللهِ ﷺ هَل رَأَيْت رَبَّك؛ فَقَالَ: "نُورٌ أنّى أَرَاهُ". وَفِي "الصَّحِيحَيْنِ" (٤) عَن ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء: ٦٠] قَالَ: هِيَ رُؤَيا عَيْنٍ أُرِيَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ.

стр. 827

وَهَذِهِ "رُؤْيَا الْآيَاتِ"؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ النَّاسَ بِمَا رَآهُ بِعَيْنِهِ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ، فَكَانَ ذَلِكَ فِتْنَةً لَهُمْ، حَيْث صَدَّقَهُ قَوْمٌ وَكَذَّبَهُ قَوْمٌ، وَلَمْ يُخْبِرْهُم بِأَنَّهُ رَأَى رَبَّهُ بِعَيْنِهِ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِن أَحَادِيثِ الْمِعْرَاجِ الثَّابِتَةِ ذِكْرُ ذَلِكَ، وَلَو كَانَ قَد وَقَعَ ذَلِكَ لَذَكَرَهُ كَمَا ذَكَرَ مَا دُونَهُ. [٦/ ٥٠٩ - ٥١٠] * * * (معني لقاء الله، وهَل يَرَى الْكُفَّارُ رَبَّهُم يوم القيامة؟ وهل يكلمهم الله ؟) ٨٨٢ - سُئِلَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: مَا هُوَ لِقَاءُ اللهِ سُبْحَانَهُ الَّذِي وَصَفَ بِظَنِّهِ الْخَاشِعِينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾ [البقرة: ٤٦]. فَأَجَابَ ﵁ وَأَرْضَاهُ-: أَمَّا اللِّقَاءُ فَقَد فَسَّرَهُ طَائِفَة مِن السَّلَفِ وَالْخَلَفِ بِمَا يَتَضَمَّنُ الْمُعَايَنَةَ وَالْمُشَاهَدَةَ، بَعْدَ السُّلُوكِ وَالْمَسِيرِ، وَقَالُوا: إنَّ لِقَاءَ اللهِ يَتَضَمَّنُ رُؤْيتَهُ ، وَاحْتَجُّوا بِآياتِ اللِّقَاءِ عَلَى مَن أَنْكَرَ رُؤَيةَ اللهِ فِي الْآخِرَةِ مِن الْجَهْمِيَّة؛ كَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ. وَيُسْتَعْمَلُ اللّقَاءُ فِي لِقَاءِ الْعَدُوِّ، وَلقَاءِ الْوَليِّ، وَلقَاءِ الْمَحْبُوبِ، وَلقَاءِ الْمَكْرُوهِ، وَقَد يُسْتَعْمَلُ فِيمَا يَتَضَمَّنُ مُبَاشَرَةَ الْمُلَاقِي وَمُمَاسَّتَهُ مَعَ اللَّذَّةِ وَالْأَلَمِ، كَمَا قَالَ: "إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَجَبَ الْغُسْلُ" (١). وَمِن نَحْوِ هَذَا قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة:٨]. لَكِنْ يَلْزَمُ هَؤُلَاءِ مَسْألَة تَكَلَّمَ النَّاسُ فِيهَا، وَهِيَ أَنَّ الْقُرْاَنَ قَد أَخْبَرَ أَنَّهُ يَلْقَاهُ الْكُفَّارُ وَيلْقَاهُ الْمُؤمِنُونَ كَمَا قَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى

стр. 828

أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢)﴾ [الانشقاق: ٦ - ١٢]. وَقَد تَنَازَعَ النَّاسُ فِي الْكُفَّارِ: هَل يَرَوْنَ رَبَّهُم مَرَّةً ثُمَّ يَحْتَجِبُ عَنْهُمْ، أَمْ لَا يَرَوْنَهُ بِحَال تَمَسُّكًا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥]، وَلأنَّ الرُّؤَيةَ أَعْظَمُ الْكَرَامَةِ وَالنَّعِيمِ، وَالْكُفَّارُ لَا حَظَّ لَهُم فِي ذَلِكَ؟ وَقَالَتْ طَوَائِفُ مِن أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالتَّصَوُّفِ: بَل يَرَوْنَهُ ثُمَّ يَحْتَجِبُ؛ كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي فِي "الصَّحِيحِ" وَغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِمَا، مَعَ مُوَافَقَةِ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ. قَالُوا: وَقَوْلُهُ: ﴿لَمَحْجُوبُونَ﴾ يُشْعِرُ بِأَنَّهُم عَايَنُوا ثُمَّ حُجِبُوا، وَدَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فَعُلِمَ أَنَّ الْحَجْبَ كَانَ يَوْمئِذٍ، فَيُشْعِرُ بِأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِذَلِكَ الْيَوْمِ، وَذَلِكَ إنَّمَا هُوَ فِي الْحَجْبِ بَعْدَ الرُّؤيَةِ. قَالُوا: وَرُؤيَةُ الْكُفَّارِ لَيْسَتْ كَرَامَة وَلَا نَعِيمًا؛ إذ اللِّقَاءُ يَنْقَسِمُ إلَى لِقَاءٍ عَلَى وَجْهِ الْإِكْرَامِ، وَلقَاءٍ عَلَى وَجْهِ الْعَذَاب، فَهَكَذَا الرُّؤيَةُ الَّتِي يَتَضَمَّنُهَا اللِّقَاءُ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هرَيْرَة أَنَّهُ يَتَجَلَّى لَهُم فِي الْقِيَامَةِ مَرَّةً لِلْمُؤمِنِينَ وَالْمُنَافِقِينَ بَعْدَ مَا تَجَلَّى لَهُم أَوَّلَ مَرَّةٍ، ويسْجُدُ الْمُؤْمِنُونَ دُونَ الْمُنَافِقِينَ. [٦/ ٤٦١ - ٤٦٩] ٨٨٣ - الْأَقْوَالُ الثلَاثَةُ فِي رُؤيَةِ الْكُفَّارِ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْكُفَّارَ لَا يَرَوْنَ رَبَّهُم بِحَال، لَا الْمُظْهِرُ لِلْكُفْرِ وَلَا الْمُسِرُّ لَهُ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ عُمُومُ كَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِمْ. الثَّاني: أَنَّهُ يَرَاهُ مَن أَظْهَرَ التَّوْحِيدَ مِن مُؤمِنِي هَذِهِ الْأُمَّةِ وَمُنَافِقِيهَا وَغَبَرَاتٍ

стр. 829

مِن أَهْلِ الْكِتَابِ، وَذَلِكَ فِي عَرْصَةِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَحْتَجِبُ عَن الْمُنَافِقِينَ فَلَا يَرَوْنَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْير ابْنِ خُزَيْمَة مِن أئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَقَد ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى نَحْوَهُ فِي حَدِيثِ إتْيَانِهِ لَهُم فِي الْمَوْقِفِ الْحَدِيثَ الْمَشْهُورَ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْكُفَّارَ يَرَوْنَهُ رُؤْيَةَ تَعْرِيف وَتَعْذِيبٍ -كَاللِّصِّ إذَا رَأَى السُّلْطَانَ- ثُمَّ يَحْتَجِبُ عَنْهُم لِيَعْظُمَ عَذَابُهُمْ، ويشْتَدَّ عِقَابُهُمْ. وَهَذَا مُقْتَضَى قَوْلِ مَن فَسَّرَ اللِّقَاءَ فِي كِتَابِ اللهِ بِالرُّؤْيَةِ؛ إذ طَائِفَة مِن أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْهُم أَبُو عَبْدِ اللهِ ابْنِ بَطَّةَ الْإِمَامُ قَالُوا فِي قَوْلِ اللهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ [الكهف: ١٠٥]: إنَ اللِّقَاءَ يَدُلّ عَلَى الرُّؤيَةِ وَالْمُعَايَنَةِ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُ: كَانَت الْأُمَّةُ فِي رُؤْيَةِ اللهِ بِالْأَبْصَارِ عَلَى قَوْلَيْنِ: - مِنْهُم الْمُحِيلُ لِلرُّؤْيَةِ عَلَيْهِ، وَهُم الْمُعْتَزِلَةُ والنجارية وَغَيْرُهُم مِن الْمُوَافِقِينَ لَهُم عَلَى ذَلِكَ. - وَالْفَرِيقُ الْآخَرُ أَهْلُ الْحَق وَالسَّلَفِ مِن هَذِهِ الْأُمَّةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ اللهَ فِي الْمَعَادِ، وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا يَرَوْنَهُ. فَثَبَتَ بِهَذَا إجْمَاعُ الْأُمَّةِ -مِمَن يَقُولُ بِجَوَازِ الرُّؤْيَةِ وَمِمَن يُنْكِرُهَا -عَلَى مَنْعِ رُؤْيَةِ الْكَافِرِينَ للهِ، وَكُلُّ قَوْلٍ حَادِثٍ بَعْدَ الْإِجْمَاعِ فَهُوَ بَاطِل مَرْدُودٌ. وَالْعُمْدَةُ: قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥] فَإِنَّهُ يَعُمُّ حَجْبَهُم عَن رَبِهِم فِي جَمِيعِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَذَلِكَ الْيَوْمُ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين: ٦] وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، فَلَو قِيلَ: إنَّهُ يَحْجُبُهُم فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ: لَكانَ تَخْصِيصًا لِلَّفْظِ بِغَيْرِ مُوجِبٍ، وَلَكَانَ فِيهِ تَسْوِيَةٌ بَيْنَهُم وَبَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ؛ فَإِنَ الرُّؤَيةَ لَا تَكُونُ دَائِمَةً لِلْمُومِنِينَ، وَالْكَلَامُ خَرَجَ مَخْرَجَ بَيَانِ عُقُوبَتِهِمْ بِالْحَجْبِ وَجَزَائِهِمْ بِهِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسَاوِيَهُم الْمُؤمِنُونَ فِي عِقَابٍ وَلَا جَزَاءٍ سِوَاهُ؛ فَعُلِمَ أَنَ الْكَافِرَ مَحْجُوبٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ بِخِلَافِ الْمُؤمِنِ.

стр. 830

وَإِذَا كَانُوا فِي عَرْصَةِ الْقِيَامَةِ مَحْجُوبِينَ: فَمَعْلُومٌ أَنَّهُم فِي النَّارِ أَعْظَمُ حَجْبًا، وَقَد قَالَ : ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)﴾ [الإسراء: ٧٢]، وَقَالَ: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤] وَإِطْلَاقُ وَصْفِهِمْ بِالْعَمَى يُنَافِي الرُّؤْيَةَ الَّتِي هِيَ أَفْضَلُ أَنْوَاعِ الرُّؤْيةِ. [٦/ ٤٨٧ - ٥٠٢] ٨٨٤ - لَيْسَ لِأَحَدٍ أنْ يُطْلِقَ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْكُفارَ يَرَوْنَ رَبَّهُم مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ؛ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الرُّؤَيةَ الْمُطْلَقَةَ قَد صَارَ يُفْهَمُ مِنْهَا الْكَرَامَةُ وَالثَّوَابُ، فَفِي إطْلَاقِ ذَلِكَ إيهَامٌ وَإِيحَاشٌ، وَلَيْسَ لِأحَد أَنْ يُطْلِقَ لَفْظًا يُوهِمُ خِلَافَ الْحَقِّ، إلَّا أَنْ يَكونَ مَأثُورًا عَن السَّلَفِ، وَهَذَا اللَّفْظُ لَيْسَ مَأْثُورًا. الثانِي: أَنَّ الْحُكْمَ إذَا كَانَ عَامًّا: ففِي (١) تَخْصِيصِ بَعْضِهِ بِاللَّفْظِ خُرُوجٌ عَن الْقَوْلِ الْجَمِيلِ. [٦/ ٥٠٤] ٨٨٥ - الْقُرْآنُ وَالْحَدِيثُ يَدُلَّانِ عَلَى أَنَ اللهَ يُكَلِّمُهُم -أي: الكفار- تَكْلِيمَ تَوْبِيخٍ وَتَقْرِيع وَتَبْكِيتٍ، لَا تَكْلِيمَ تَقْرِيبٍ وَتَكْرِيمٍ وَرَحْمَةٍ، وَإِن كَانَ مِن الْعُلَمَاءِ مَن أَنْكَرَ تكْلِيمَهُم جُمْلَةً. [٦/ ٤٨٧] * * * (إن في الجنة مائة درجة أرجح) ٨٨٦ - قال ابن القيم ﵀: الحديث له لفظان: أحدهما: "الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض" (٢). والثاني: "إن في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء

стр. 831

والأرض أعدها الله للمجاهدين في سبيله" (١)، وشيخنا يرجح هذا اللفظ، وهو لا ينفي أن يكون درجة الجنة أكثر من ذلك. [المستدرك ١/ ١٠٦] * * * (ما لا يفنى من المخلوقات) ٨٨٧ - اتَّفَقَ سَلَفُ الْأمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا وَسَائِرُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ مَا لَا يُعْدَمُ وَلَا يَفْنَى بِالْكُلِّيَّةِ؛ كَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالْعَرْشِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. [١٨/ ٣٠٧] ٨٨٨ - قال ابن القيم ﵀: وأما أبدية النار ودوامها فقال فيها شيخ الإسلام: فيها قولان معروفان عن السلف والخلف، والنزاع في ذلك معروف عن التابعين. [حادي الأرواح ٢٤٨] * * * (لَيْسَ عَن النَّبِيِّ فِي تَحْدِيدِ وَقْتِ السَّاعَةِ نَصٌّ) ٨٨٩ - لَيْسَ عَن النَّبيِّ ﷺ فِي تَحْدِيدِ وَقْتِ السَّاعَةِ نَصٌّ أَصلًا؛ بَل قَد قَالَ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٧]؛ أَيْ: خَفِيَ عَلَى أَهْلِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ. [٤/ ٣٤١] * * * (الاستقامة) ٨٩٠ - قال ابن القيم ﵀، بعد ذكره آيات الاستقامة، وتفسير السلف لها: وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: استقاموا على محبته وعبوديته فلم يلتفتوا عنه يمنة ولا يسرة.

стр. 832

ويقول: أعظم الكرامة لزوم الاستقامة. [المستدرك ١/ ١٥٢ - ١٥٣] * * * أولياء الله المتقين ٨٩١ - مَن كَانَ مُؤمِنًا تَقِيًّا كَانَ للهِ وَليًّا. [٢٥/ ٣١٦] ٨٩٢ - الْوَلِيُّ مُشْتَقٌّ مِن الْوَلَاءِ وَهوَ الْقُرْبُ، كَمَا أَنَّ الْعَدُوَّ مِن الْعَدْوِ وَهُوَ الْبُعْدُ. فَوَلِيُّ اللهِ مَن وَالَاهُ بِالْمُوَافَقَةِ لَهُ فِي مَحْبُوبَاتِهِ وَمَرْضِيَّاتِهِ، وَتَقَرَّبَ إلَيْهِ بِمَا أُمِرَ بِهِ مِن طَاعَاتِهِ. وَالْوَلِيُّ الْمُطْلَقُ هُوَ مَن مَاتَ عَلَى ذَلِكَ، فَأَمَّا إنْ قَامَ بِهِ الْاِيمَانُ وَالتَّقْوَى وَكَانَ فِي عِلْمِ اللهِ أَنَّهُ يَرْتَد عَن ذَلِكَ فَهَل يَكُونُ فِي حَالِ إيمَانِهِ وَتَقْوَاهُ وَليًّا للهِ، أَو يُقَالُ: لَمْ يَكُن وَليًّا لةِ قَطُّ لِعِلْمِ اللهِ بِعَاقِبَتِهِ؟ هَذَا فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ. التحْقِيقُ: هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ؛ فَإِنَّ عِلْمَ اللهِ الْقَدِيمَ الْأَزَليَّ وَمَا يَتْبَعُهُ مِن مَحَبَّتِهِ وَرِضَاهُ وَبُغْضِهِ وَسُخْطِهِ وَوِلَايَتِهِ وَعَدَاوَيهِ لَا يَتَغَيَّرُ. فَمَن عَلِمَ اللهُ مِنْهُ أَنَّهُ يُوَافِي حِينَ مَوْتِهِ بِالْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى فَقَد تَعَلَّقَ بِهِ مَحَبَّةُ اللهِ وَوِلَايَتُهُ وَرِضَاهُ عَنْهُ أزَلًا وَأَبَدَا، وَكَذَلِكَ مَن عَلِمَ اللهُ مِنْهُ أَنَّهُ يُوَافِي حِينَ مَوْتِهِ بِالْكفْرِ فَقَد تَعَلَّقَ بِهِ بُغْضُ اللهِ وَعَدَاوَتُهُ وَسُخْطُهُ أَزَلًا وَأَبَدًا، لَكِنْ مَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يُبْغِضُ مَا قَامَ بِالْأَوَّلِ مِن كُفْرٍ وَفُسُوقٍ قَبْلَ مَوْتِهِ. وَقَد يُقَالُ: إنَّهُ يُبْغِضُهُ وَيَمْقُتُهُ عَلَى ذَلِكَ كَمَا يَنْهَاهُ عَن ذَلِكَ، وَهُوَ يَأْمُرُ بِمَا فَعَلَهُ الثَّانِي مِن الْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى، ويُحِبُّ مَا يَأْمُرُ بِهِ وَيرْضَاهُ، وَقَد يُقَالُ: إنَّهُ يُوَالِيه حِينَئِذٍ عَلَى ذَلِكَ. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ: اتِّفَاقُ الْأئِمَّةِ عَلَى أَنَ مَن كَانَ مُؤمِنًا ثُمَّ ارْتَدَّ فَإِنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِأَنَّ إيمَانَهُ الْأوَّلَ كَانَ فَاسِدًا بِمَنْزِلَةِ مَن أفْسَدَ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ وَالْحَجَّ قَبْلَ الْإِكْمَالِ؛ وَإِنَّمَا يُقَالُ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة:٥]، وَقَالَ: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، وَقَالَ: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا

стр. 833

لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨]، وَلَو كَانَ فَاسِدًا فِي نَفْسِهِ لَوَجَبَ الْحُكْمُ بِفَسَادِ أَنْكِحَتِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَتَحْرِيمِ ذَبَائِحِهِ وَبُطْلَانِ إرْثهِ الْمُتَقَدِّمِ وَبُطْلَانِ عِبَادَاتِهِ جَمِيعِهَا حَتَّى لَو كَانَ قَد حَجَّ عَن غَيْرِهِ كَانَ حَجُّهُ بَاطِلًا. [١١/ ٦٢ - ٦٤] ٨٩٣ - مَن شَاعَ لَهُ لِسَانُ صِدْقٍ فِي الْأُمَّةِ بِحَيْثُ اتَّفَقَتْ الْأُمَّة عَلَى الثَّنَاءِ عَلَيْهِ فَهَل يَشْهَدُ لَهُ بِذَلِكَ؟ [أي: أنه مِن أَهْلِ الْجَنَّةِ]: هَذَا فِيهِ نِزَاعٌ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ بِذَلِكَ، هَذَا فِي الْأَمْرِ الْعَامِّ. وَأَمَّا خَوَاصُّ النَّاسِ: فَقَد يَعْلَمُونَ عَوَاقِبَ أَقْوَامٍ بِمَا كَشَفَ اللهُ لَهُم، لَكِنَّ هَذَا لَيْسَ مِمَن يَجِبُ التَّصْدِيقُ الْعَامُّ بِهِ؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِمَن يُظنُّ بِهِ أنَّه حَصَلَ لَهُ هَذَا الْكَشْفُ يَكُونُ ظَانًّا فِي ذَلِكَ ظَنًّا لَا يُغْنِي مِن الْحَقِّ شَيْئًا، وَأَهْلُ الْمُكَاشَفَاتِ وَالْمُخَاطَبَاتِ يُصِيبُونَ تَارَةً، وَيُخْطِئُونَ أخْرَى؛ كَأَهْلِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ فِي مَوَارِدِ الِاجْتِهَادِ؛ وَلهَذَا وَجَبَ عَلَيْهِم جَمِيعُهُم أَنْ يَعْتَصِمُوا بِكِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ ، وَأَنْ يَزِنُوا مَوَاجِيدَهُم وَمُشَاهَدَتَهُم وَآرَاءَهُم وَمَعْقُولَاتِهِمْ بِكِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَلَا يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ. [١١/ ٦٥] ٨٩٤ - ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى أَوْليَاءَهُ الْمُقْتَصِدِينَ وَالسَّابِقِينَ فِي سُورَةِ فَاطِرٍ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)﴾ [فاطر: ٣٢]. لَكِنَّ هَذِهِ الْأَصْنَافَ الثَّلَاثَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هُم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ خَاصَّةً. وَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ هُم الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ بَعْدَ الْأُمَم مَمِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُخْتَصًّا بِحُفَّاظِ الْقُرْآنِ، بَل كُلُّ مَن آمَنَ بِالْقُرْآنِ فَهُوَ مِن هَؤُلَاءِ، وَقَسَّمَهُم إلّى ظَالِم لِنَفْسِهِ وَمُقْتَصِدٍ وَسَابِقٍ؛ بِخِلَافِ الْآيَاتِ الَّتِي فِي الْوَاقِعَةِ وَالْمُطَفِّفِينَ وَالِانْفِطَارِ، فَإِنَّهُ دَخَلَ فِيهَا جَمِيعُ الْأُمَمِ الْمُتَقَدِّمَةِ كَافِرُهُم وَمُؤْمِنُهُمْ. [١١/ ١٨٢ - ١٨٣]

стр. 834

٨٩٥ - مَن لَا يَصِحُّ إيمَانهُ وَعِبَادَاتهُ وَإِن قُدِّرَ أَنَّهُ لَا إثْمَ عَلَيْهِ، مِثْلُ أَطْفَالِ الْكُفَّارِ وَمَن لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ -وَإِن قِيلَ: إنَّهُم لَا يُعَذَّبُونَ حَتَّى يُرْسَلَ إلَيْهِم رَسُولٌ- فَلَا يَكُونُونَ مِن أَوْليَاءِ اللهِ إلَّا إذَا كَانُوا مِن الْمُؤمِنِينَ الْمُتَّقِينَ، فَمَن لَمْ يَتَقَرَّبْ إلَى اللهِ لَا بِفِعْلِ الْحَسَنَاتِ وَلَا بِتَرْكِ السَّيّئَاتِ لَمْ يَكُن مِن أَوْليَاءِ اللهِ. وَكَذَلِكَ الْمَجَانِينُ وَالْأَطْفَالُ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَن ثَلَاَثةٍ: عَن الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَن الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَن النَّائِمِ حَتى يَسْتَيْقِظَ" (١)، وَهَذَا الْحَدِيثُ قَد رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ وَعَائِشَةَ ﵄، وَاتَّفَقَ أَهْل الْمَعْرِفَةِ عَلَى تَلَقِّيهِ بِالْقَبُولِ، لَكِنَّ الصَّبِيَّ الْمُمَيِّزَ تَصِحُّ عِبَادَاتُهُ وَيُثَابُ عَلَيْهَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. وَأَمَّا الْمَجْنُونُ الَّذِي رُفِعَ عَنْهُ الْقَلَمُ فَلَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِن عِبَادَاتِهِ بِاتفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَإِذَا كَانَ الْمَجْنُونُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ الْإِيمَانُ وَلَا التَّقْوَى وَلَا التَّقَرُّبُ إلَى اللهِ بِالْفَرَائِضِ وَالنَوَافِلِ وَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ وَليًّا فَلَا يَجُوزُ لِأَحَد أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ وَليٌّ للهِ. [١١/ ١٩١ - ١٩٢] ٨٩٦ - لَيْسَ لِأَوْليَاءِ اللهِ شَيْءٌ يَتَمَيَّزُونَ بِهِ عَن النَّاسِ فِي الظَّاهِرِ مِن الْأُمُورِ الْمُبَاحَاتِ، فَلَا يَتَمَيَّزُونَ بِلِبَاس دونَ لِبَاسٍ، إذَا كَانَ كِلَاهُمَا مُبَاحًا، وَلَا بِحَلْقِ شَعْرٍ أَو تَقْصِيرِهِ أَو ظَفْرِهِ إذَا كَانَ مُبَاحًا، كَمَا قِيلَ: كَمْ مِن صِدِّيقٍ فِي قَبَاءٍ وَكَمْ مِن زِنْدِيقٍ فِي عَبَاءٍ؛ بَل يُوجَدُونَ فِي جَمِيعِ أَصْنَافِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، إذَا لَمْ يَكُونُوا مِن أَهْلِ الْبِدَعِ الظَّاهِرَةِ وَالْفُجُورِ، فَيُوجَدُونَ فِي أَهْلِ الْقُرْآنِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ، ويُوجَدُونَ فِي أَهْلِ الْجِهَادِ وَالسَّيْفِ، ويُوجَدُونَ فِي التُّجَّارِ وَالصُّنَّاعِ وَالزُّرَّاع. [١١/ ١٩٤] ٨٩٧ - لَيْسَ مَن شَرْطِ وَليِّ اللهِ أَنْ يَكُونَ مَعْصُومًا لَا يَغْلَطُ وَلَا يُخْطِئُ؛ بَل يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ بَعْضُ عِلْمِ الشَّرِيعَةِ، وَيجُوزُ أَنْ يَشْتَبِهَ عَلَيْهِ بَعْض أُمُورِ

стр. 835

الدِّينِ حَتَّى يَحْسَبَ بَعْضُ الْأمُورِ مِمَّا أَمَرَ اللهُ بِهِ وَمِمَّا نَهَى اللهُ عَنْهُ، وَيجُوزُ أَنْ يَظنَّ فِي بَعْضِ الْخَوَارِقِ أَنَّهَا مِن كَرَامَاتِ أَوْليَاءِ اللهِ تَعَالَى وَتَكُونُ مِن الشَّيْطَانِ لَبَّسَهَا عَلَيْهِ لِنَقْصِ دَرَجَتِهِ، وَلَا يَعْرِفُ أَنَّهَا مِن الشَّيْطَانِ، وَإِن لَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ عَن وِلَايَةِ اللهِ تَعَالَى. [١١/ ٢٠١ - ٢٠٢] ٨٩٨ - لَمَّا كَانَ وَليُّ اللهِ يَجُوزُ أَنْ يَغْلَطَ لَمْ يَجِبْ عَلَى النَّاسِ الْإِيمَانُ بِجَمِيعِ مَا يَقُولُهُ مَن هُوَ وَليٌّ للهِ لِئَلَّا يَكونَ نَبِيًّا؛ بَل وَلَا يَجُوزُ لِوَلِي اللهِ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى مَا يُلْقَى إلَيْهِ فِي قَلْبِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِلشَّرْعِ، وَعَلَى مَا يَقَعُ لَهُ مِمَّا يَرَاهُ إلْهَامًا وَمُحَادَثَةً وَخِطَابًا مِن الْحَقِّ؛ بَل يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْرِضَ ذَلِكَ جَمِيعَهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد ﷺ ، فَإِنْ وَافَقَهُ قَبِلَهُ، وإن خَالَفَهُ لَمْ يَقْبَلْهُ، وَإِن لَمْ يَعْلَمْ أَمُوَافِقٌ هُوَ أَمْ مُخَالِفٌ؟ تَوَقَّفَ فِيهِ. [١١/ ٢٠٣] ٨٩٩ - كُلُّ مَن خَالَفَ شَيْئًا مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ (١)، مُقَلِّدًا فِي ذَلِكَ لِمَن يَظُنُ أَنَّهُ وَليُّ اللهِ: فَإِنَّهُ بَنَى أَمْرَهُ عَلَى أَنَّهُ وَليٌّ للهِ؛ وَأَنَّ وَليَّ اللهِ لَا يُخَالَفُ فِي شَيءٍ (٢). وَلَو كَانَ هَذَا الرَّجُلُ مِن أَكْبَرِ أَوْليَاءِ اللهِ كَأَكَابِرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَانٍ لَمْ يُقْبَل مِنْهُ مَا خَالَفَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ؛ فَكيْفَ إذَا لَمْ يَكُن كَذَلِكَ! (٣). [١١/ ٢١٣] ٩٠٠ - اتَّفَقَ أَوْليَاءُ اللهِ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ لَو طَارَ فِي الْهَوَاءِ أَو مَشَى عَلَى الْمَاءِ لَمْ يُغْتَرَّ بِهِ حَتَّى يُنْظَرَ مُتَابَعَتُهُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ومُوَافَقَتُة لِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ. وَكَرَامَاتُ أَوْليَاءِ اللهِ تَعَالَى أَعْظَمُ مِن هَذِهِ الْأُمُورِ، وَهَذِهِ الْأمُورُ الْخَارِقَةُ لِلْعَادَةِ وَإِن كَانَ قَد يَكونُ صَاحِبُهَا وَليًّا للهِ فَقَد يَكُونُ عَدُوُّا للهِ؛ فَإِنَّ هَذ

стр. 836

الْخَوَارِقَ تَكُونُ لِكَثِيرٍ مِن الْكفَّارِ وَالْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَاب وَالْمُنَافِقِينَ، وَتَكُونُ لِأهْلِ الْبِدَع وَتَكُونُ مِن الشَّيَاطِينِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَ أَنَّ كُلَّ مَن كَانَ لَهُ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الْأمُورِ أَنَّهُ وَليٌّ للهِ؛ بَل يُعْتَبَرُ أَوْليَاءُ اللهِ بِصِفَاتِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، ويُعْرَفُونَ بِنُورِ الْإِيمَانِ وَالْقُرْآنِ، وَبِحَقَائِقِ الْإِيمَانِ الْبَاطِنَةِ، وَشَرَاح الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ. [١١/ ٢٠٤] ٩٠١ - إِنْ كَانَ الرَّجُلُ خَبِيرًا بِحَقَائِقِ الْإِيمَانِ الْبَاطِنَةِ، فَارِقًا بَيْنَ الْأَحْوَالِ الرَّحْمَانِيَّةِ وَالْأَحْوَالِ الشَّيْطَانِيَّةِ، فَيَكُونُ قَد قَذَفَ اللهُ فِي قَلْبِهِ مِن نُورِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الحديد: ٢٨]. [١١/ ٢١٧] ٩٠٢ - الشَّيَاطِينُ إذَا رَأَتْ مَلَائِكَةَ اللهِ الَّتِي يُؤَيِّدُ بِهَا عِبَادَهُ هَرَبَتْ مِنْهُمْ، وَاللهُ يُؤَيِّدُ عِبَادَهُ الْمُؤمِنِينَ بِمَلَائِكَتِهِ. [١١/ ٢٣٨] ٩٠٣ - خِيَارُ أَوْليَاءِ اللهِ كَرَامَاتُهُم لِحُجَّة فِي الدِّينِ أَو لِحَاجَةٍ بِالْمُسْلِمِينَ كَمَا كَانَت مُعْجِزَاتُ نَبِيِّهِمْ ﷺ كَذَلِكَ. [١١/ ٢٧٤] ٩٠٤ - مُحَمَّد ﷺ أُرْسَلَ إلَى جَمِيعِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، وَهَذَا أَعْظَمُ وَقَدْرًا عِنْدَ اللهِ تَعَالَى مِن كَوْنِ الْجِنِّ سُخِّرُوا لِسُلَيْمَانَ ﵇، فَإِنَّهُم سُخّرُوا لَهُ يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ بِحُكْمِ الْمَلِكِ، وَمُحَمَّد ﷺ أُرْسِلَ إلَيْهِم يَأْمُرُهُم بِمَا أَمَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ؛ لِأَنَّهُ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَمَنْزِلَةُ الْعَبْدِ الرَّسُولِ فَوْقَ مَنْزِلَةِ النَّبِيِّ الْمَلِكِ. [١١/ ٢٠٦] ٩٠٥ - الَّذِي عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ إنَّمَا هُم مَعْصُومُونَ مِن الْإِقْرَارِ عَلَى الذُّنُوبِ، وَأَنَّ اللهَ يَسْتَدْرِكُهُم بِالتوْبَةِ الَّتِي يُحِبُّها اللهُ ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. [١١/ ٤١٥] ٩٠٦ - مَن طَلَبَ أَنْ يُحْشَرَ مَعَ شَيْخٍ لَمْ يَعْلَمْ عَاقِبَتَهُ كَانَ ضَالًّا؛ بَل عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذ بِمَا يَعْلَمُ، فَيَطْلُبُ أَنْ يَحْشُرَهُ الله مَعَ نَبِيِّهِ وَالصَّالِحِينَ مِن عِبَادِهِ.

стр. 837

وَعَلَى هَذَا فَمَن أَحَبَّ شَيْخًا مُخَالِفًا لِلشَّرِيعَةِ كَانَ مَعَهُ. وَأَمَّا مَن كَانَ مِن أَوْليَاءِ اللهِ الْمُتَّقِينَ: كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَغَيْرِهِمْ؛ فَمَحَبَّةُ هَؤُلَاءِ مِن أَوْثَقِ عُرَى الْإِيمَانِ، وَأَعْظَمِ حَسَنَاتِ الْمُتَّقِينَ. [١١/ ٥١٩ - ٥٢٠] ٩٠٧ - الَّذِينَ يَفْعَلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ مِن الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَغَيْرِهَا، وَيُخْلِصُونَ دِينَهُم للهِ، فَلَا يَدْعُونَ إلَّا اللهَ، وَلَا يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ، وَلَا يُنْذِرُونَ إلَّا للهِ، وَيُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ، فَهَؤُلَاءِ جُنْدُ اللهِ الْغَالِبُونَ، وَحِزْبُ اللهِ الْمُفْلِحُونَ، فَإِنَّهُ يُؤَيِّدُهُم وَينْصُرُهُمْ، وَهَؤُلَاءِ يَهْزِمُونَ شَيَاطِينَ أُولَئِكَ الضَّالِّينَ، فَلَا يَسْتَطِيعُونَ مَعَ شُهُودِ هَؤُلَاءِ وَاسْتِغَاثَتِهِمْ بِاللهِ أَنْ يَفْعَلُوا شَيْئًا مِن تِلْكَ الْأَحْوَالِ الشَّيْطَانِيَّةِ؛ بَل تَهْرُبُ مِنْهُم تِلْكَ الشَيَاطِينُ. وَهَؤُلَاءِ مُعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ، يَقولُونَ: أَحْوَالُنَا مَا تَنْفُذُ قدَّامَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَإِنَّمَا تَنْفُذُ قُدَّامَ مَن لَا يَكُونُ كَذَلِكَ مِن الْأَعْرَابِ وَالتُّرْكِ وَالْعَامَّةِ وَغَيْرِهِمْ. وَلَا يَجُوزُ لِلْمؤمِنِ أَنْ يَخَافَهم فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمران: ١٧٥]. [١١/ ٦٦٨ - ٦٦٩] ٩٠٨ - مَن اعْتَقَدَ أَنَّ فِي أوْليَاءِ اللهِ مَن لَا يَجِبُ عَلَيْهِ اتِّبَاعُ الْمُرْسَلِينَ وَطَاعَتُهُمْ: فَهُوَ كَافِرٌ، يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ. وَأَمَّا مَن اعْتَقَدَ أَنَّ مِن الْأَوْليَاءِ مَن يَعْلَمُ أنَّهُ مِن أَهْلِ الْجَنَّةِ؛ كَمَا بُشِّرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِن الصَّحَابَةِ بِالْجَنَّةِ، وَكَمَا قَد يُعَرِّفُ اللهُ بَعْضَ الْأَوْليَاءِ أَنَّهُ مِن أَهْلِ الْجَنَّةِ: فَهَذَا لَا يَكْفُرُ. [٤/ ٣١٨] * * *

стр. 838

(أولياء الله علي درجتين) ٩٠٩ - أولياء الله: هم المؤمنون المتقون كما قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ [يونس؛ ٦٢، ٦٣] وهم على درجتين: إحداهما: درجة المقتصدين أصحاب اليمين، وهم الذين يؤدون الواجبات ويتركون المحرمات. والثانية: درجة السابقين المقربين، وهم الذين يؤدون الفرائض والنوافل ويتركون المحارم والمكاره. وإن كان لا بدَّ لكلِّ عبدٍ من توبة واستغفار يكمل بذلك مقامه. فمن كان عالمًا بما أمر الله به وما نهاه عنه، عاملًا بموجب ذلك كان من أولياء الله سواء كانت لبسته في الظاهر لبسة العلماء أو الفقراء أو الجند أو التجار أو الصناع أو الفلاحين، لكن إن كان مع ذلك متقربًا إلى الله بالنوافل كان من المقربين، وإن كان مع ذلك داعيًا غيره إلى الله هاديًا للخلق كان أفضل من غيره من أولياء الله، كما قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]. إذا تبين ذلك، فمن كان جاهلًا بما أمر الله به وما نهاه عنه لم يكن من أولياء الله وإن كان فيه زهادة وعبادة لم يأمر الله بهما ورسوله كالزهد والعبادة التي كانت في الخوارج والرهبان ونحوهم. كما أن من كان عالمًا بأمر الله ونهيه ولم يكن عاملًا بذلك لم يكن من أولياء الله؛ بل قد يكون فاسقًا فاجرًا. [المستدرك ١/ ١٦٤ - ١٦٥] * * * (أَيّهُمَا أَفْضَلُ: صَالِحو بَنِي آدَمَ أو الْمَلَائِكَة ؟) ٩١٠ - سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: عَن صَالِحِي بَنِي آدَمَ وَالْمَلَائِكَةِ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ فَأَجَابَ: بِأَنَّ صَالِحِي الْبَشَرِ أَفْضَلُ بِاعْتِبَارِ كَمَالِ النِّهَايَةِ، وَالْمَلَائِكَةَ أَفْضَلُ

стр. 839

بِاعْتِبَارِ الْبِدَايَةِ؛ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ الْآنَ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى، مُنَزَّهُونَ عَمَّا يُلَابِسُهُ بَنُو آدَمَ، مُسْتَغْرِقُونَ فِي عِبَادَةِ الرَّبِّ، وَلَا ريبَ أَنَّ هَذِهِ الْأحْوَالَ الْآنَ أَكْمَلُ مِن أَحْوَالِ الْبَشَرِ. وَأَمَّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَعْدَ دُخُولِ الْجَنَّةِ: فَيَصِيرُ صَالِحُو الْبَشَرِ أَكْمَلَ مِن حَالِ الْمَلَائِكَةِ. [٤/ ٣٤٤] ٩١١ - ثَبَتَ عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ: "إنَّ الْمَلَائِكَةَ قَالَتْ: يَا رَبِّ، جَعَلْت بَنِي آدَمَ يَأْكُلُونَ فِي الدُّنْيَا وَيشْرَبُونَ وَيتَمَتَّعُونَ، فَاجْعَلْ لَنَا الْآخِرَةَ كَمَا جَعَلْت لَهُم الدُّنْيَا .. قَالَ: وَعِزَّتِي لَا أَجْعَلُ صَالِحَ ذَرّيَّة مَن خَلَقْت بِيَدَيَّ كَمَن قُلْت لَهُ كنْ فَكانَ". ذَكَرَهُ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدارمي. وَمَا عَلِمْت عَن أَحَدٍ مِن الصَّحَابَةِ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمْنْتَسِبِينَ إلَى السُّنَّةِ مِن أَصْحَابِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالْأوْلِيَاءَ أَفْضَلُ مِن الْمَلَائِكَةِ. وَلنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُصَنَّفٌ مُفْرَدٌ ذَكَرْنَا فِيهِ الْأَدِلَّةَ مِن الْجَانِبَيْنِ (١). [٤/ ٣٤٤]

стр. 840

٩١٢ - الِاعْتِبَارُ بِكَمَالِ النِّهَايَةِ لَا بِمَا جَرَى فِي الْبِدَايَةِ، وَالْأَعْمَالُ بِخَوَاتِيمِهَا. وَمِن هُنَا غَلِطَ مَن غَلِطَ فِي تَفْضِيلِ الْمَلَائِكةِ عنَى الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ فَإِنَّهُم اعْتَبَرُوا كَمَالَ الْمَلَائِكَةِ مَعَ بِدَايَةِ الصَّالِحِينَ وَنَقْصِهِمْ فَغَلِطُوا، وَلَو اعْتَبَرُوا حَالَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ بَعْدَ دُخُولِ الْجِنَانِ وَرضى الرَّحْمَنِ وَزَوَالِ كُلِّ مَا فِيهِ نَقْصٌ وَمَلَامٌ، وَحُصُولِ كُلِّ مَا فِيهِ رَحْمَةٌ وَسَلَامٌ، حَتَّى اسْتَقَرَّ بِهِم الْقَرَارُ، ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤] فَإِذَا اُعْتُبِرَتْ تِلْكَ الْحَالُ ظَهَرَ فَضْلُهَا عَلَى حَالِ غَيْرِهِمْ مِن الْمَخْلُوقِينَ، وَإِلَّا فَهَل يَجُوزُ لِعَاقِل أَنْ يَعْتَبِرَ حَالَ أَحَدِهِمْ قَبْلَ الْكَمَالِ فِي مَقَامِ الْمَدْحِ وَالتَّفْضِيلِ وَالْبَرَاءَةِ مِن النَّقَائِصِ وَالْعُيُوبِ. [١٠/ ٢٩٩ - ٣٠٠]

стр. 841

٩١٣ - غَلِطَ مَن فَضَّلَ الْمَلَائِكَةَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ؛ حَيْثُ نَظَرَ إلَى أَحْوَالِ الْأَنْبِيَاءِ، وَهُم فِي أَثْنَاءِ الْأَحْوَالِ، قَبْلَ أَنْ يَصِلُوا إلَى مَا وُعِدُوا بِهِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ مِن نِهَايَاتِ الْكَمَالِ. [١١/ ٩٥] * * * (أَسْجَدَ الله لآدَمَ جَمِيعَ الْمَلَائِكَةِ) ٩١٤ - سُئِلَ الشَّيْخُ ﵀: عَن آدَمَ لَمَّا خَلَقَهُ اللهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ وَأَسْجَدَ لَهُ مَلَائِكتَهُ: هَل سَجَدَ مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ؟ فَأَجَابَ: بَل أَسْجَدَ لَهُ جَمِيعَ الْمَلَائِكَةِ كَمَا نَطَقَ بِذَلِكَ الْقُرْآنُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠)﴾ [الحجر: ٣٠] (١). فَهَذِهِ ثَلَاثُ صِيَغٍ مُقَرِّرَةٍ لِلْعُمُومِ وَللِاسْتِغْرَاقِ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ يَقْتَضِي جَمِيعَ الْمَلَائِكَةِ؛ فَإِنَّ اسْمَ الْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ يَقْتَضِي الْعُمُومَ. الثَّاني: ﴿كُلُّهُمْ﴾ وَهَذَا مِن أَبْلَغِ الْعُمُومِ. الثَّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿أَجْمَعُونَ﴾ وَهَذَا تَوْكِيدٌ لِلْعُمُومِ. وَلَمْ يَكُن فِي الْمَأْمُورينَ بِالسُّجُودِ أَحَدٌ مِن الشَّيَاطِينِ، لَكِنْ أَبُوهُم إبْلِيسُ هو كانَ مَأْمُورًا فَامْتَنَعَ وَعَصَى. وَجَعَلَهُ بَعْضُ النَّاسِ مِن الْمَلَائِكَةِ؛ لِدُخُولِهِ فِي الْأَمْرِ بِالسُّجُودِ. وَبَعْضُهُم مِن الْجِنِّ.

стр. 842

وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّهُ كَانَ مِنْهُم بِاعْتِبَارِ صُورَتهِ، وَلَيْسَ مِنْهُم بِاعْتِبَارِ أَصْلِهِ، وَلَا بِاعْتِبَارِ مِثَالِهِ. وَلَمْ يَخْرُجْ مِن السُّجُودِ لِآدَمَ أَحَدٌ مِن الْمَلَائِكَةِ: لَا جبرائيل وَلَا ميكائيل وَلَا غَيْرُهُمَا. وَهَذَا مِمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ آدَمَ وَغَيْرَهُ مِن الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْليَاءِ أَفْضَلُ مِن جَمِيعِ الْمَلَائِكَةِ؛ لِأَنَّ اللهَ أَمَرَ الْمَلَائِكةَ بِالسُّجُودِ لَهُ إكْرَامًا لَهُ؛ وَلهَذَا قَالَ إبْلِيسُ: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢] فَدَلَّ عَلَى أَنَّ آدَمَ كُرِّمَ عَلَى مَن سَجَدَ لَهُ. [٤/ ٣٤٥ - ٣٤٧] * * * اتباع الهدى ٩١٥ - الرُّسُلُ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِم أَعْلَم بِطَرِيقِ سَبِيلِ اللهِ وَأَهْدَى وَأَنْصَحُ، فَمَن خَرَجَ عَن سُنَّتِهِمْ وَسَبِيلِهِمْ كَانَ مَنْقُوصًا مُخْطِئًا مَحْرُومًا، وَإِن لَمْ يَكُن عَاصِيًا أَو فَاسِقًا أَو كَافِرًا (١). [١٠/ ٦٩٢] ٩١٦ - جِمَاعُ الْفُرْقَانِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَالْهُدَى وَالضَّلَالِ، وَالرَّشَادِ وَالْغَيِّ، وَطَرِيقِ السَّعَادَةِ وَالنّجَاةِ وَطَرِيقِ الشَّقَاوَةِ وَالْهَلَاكِ: أَنْ يَجْعَلَ مَا بَعَثَ اللهُ بِهِ رُسُلَهُ وَأَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ هُوَ الْحَقَّ الَّذِي يَجِبُ اتِّبَاعُهُ، وَبِهِ يَحْصُلُ الْفُرْقَانُ وَالْهُدَى، وَالْعِلْمُ وَالْإِيمَانُ، فَيُصَدِّقُ بِأنَّهُ حَق وَصِدْقٌ. وَمَا سِوَاهُ مِن كَلَامِ سَائِرِ النَّاسِ يُعْرَضُ عَلَيْهِ، فَإِنْ وَافَقَهُ فَهُوَ حَق، وَإِن خَالَفَهُ فَهُوَ بَاطِلٌ. وَإِن لَمْ يَعْلَمْ هَل وَافَقَهُ أَو خَالَفَهُ، لِكَوْنِ ذَلِكَ الْكَلَامِ مُجْمَلًا لَا يُعْرَفُ

стр. 843

مُرَادُ صَاحِبِهِ، أَو قَد عُرِفَ مُرَادُهُ وَلَكِنْ لَمْ يُعْرَفْ هَل جَاءَ الرَّسُولُ بِتَصْدِيقِهِ أَو تكذِيبِهِ: فَإِنَّه يُمْسِكُ فَلَا يَتَكَلَّمُ إلَّا بِعِلْم. وَالْعِلْمُ مَا قَامَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ، وَالنَّافِعُ مِنْهُ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ. وَقَد يَكون عِلْمٌ مِن غَيْرِ الرَّسُولِ؛ لَكِنْ فِي أُمُورٍ "دُنْيَوِيَّةٍ" مِثْل الطِّبِّ وَالْحِسَابِ وَالْفِلَاحَةِ وَالتِّجَارَةِ. وَأَمَّا الْأُمُورُ "الْإِلَهِيَّة وَالْمَعَارِفُ الدِّينِيَّةُ" فَهَذِهِ الْعِلْمُ فِيهَا مَأْخَذُهُ عَن الرَّسُولِ (١). [١٣/ ١٣٥ - ١٣٦] ٩١٧ - النُّورُ الَّذِي يَكُونُ لِلْمُومِنِ فِي الدُّنْيَا عَلَى حُسْنِ عَمَلِهِ وَاعْتِقَاده يَظْهَرُ فِي الآخِرَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [الحديد: ١٢]. [١٥/ ٢٨٥] ٩١٨ - لَمْ يَكُن جُمْهُورُهُمْ [أي: الصحابة ﵃] يَقْصِدُونَ الصَّلَاةَ فِي مَكَانٍ لَمْ يَقْصِدِ الرَّسُولُ الصَّلَاةَ فِيهِ؛ بَل نَزَلَ فِيهِ أَو صَلَّى فِيهِ اتِّفَاقًا؛ بَل كَانَ أَئِمَّتُهُم كَعُمَر بْنِ الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ يَنْهَى عَن قَصْدِ الصَّلَاةِ فِي مَكَانٍ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ اتِّفَاقًا لَا قَصْدًا. وَإِنَّمَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ خَاصَّةً أَنَّهُ كَانَ يَتَحَرَّى أَنْ يَسِيرَ حَيْثُ سَارَ رسُولُ اللهِ ﷺ وينْزِلَ حَيْثُ نَزَلَ وَيُصَلِّيَ حَيْثُ صَلَّى، وَإِن كَانَ النَّبِيِّ- ﷺ لَمْ يَقْصِدْ تِلْكَ الْبُقْعَةَ لِذَلِكَ الْفِعْلِ بَل حَصَلَ اتّفَاقًا، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ رَجُلًا شَدِيدَ الِاتبُاعِ، فَرَأَى هَذَا مِن الِاتِّباعِ. وَأَمَّا أَبُوهُ وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ مِن الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ: عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَسَائِرِ

стр. 844

الْعَشْرَةِ وَغَيْرِهِمْ مِثْل ابْنِ مَسْعُودٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وأُبيِّ بْنِ كَعْبٍ فَلَمْ يَكونُوا يَفْعَلُونَ مَا فَعَلَ ابْنُ عُمَرَ، وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ أَصَحّ. وَذَلِكَ أَنَّ الْمُتَابَعَةَ: "أَنْ يَفْعَلَ مِثْل مَا فَعَلَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلَ لِأَجْلِ أنَّه فَعَلَ" (١)، فَإِذَا قَصَدَ الصَّلَاةَ وَالْعِبَادَةَ فِي مَكَانٍ مُعَيَّنٍ كَانَ قَصْدُ الصَّلَاةِ وَالْعِبَادَةِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ مُتَابَعَةً لَهُ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَقْصِدْ تِلْكَ الْبُقْعَةَ فَإِنَّ قَصْدَهَا يَكُونُ مُخَالَفَةً لَا مُتَابَعَةً لَهُ. مِثَالُ الْأوَّلِ: لَمَّا قَصَدَ الْوُقُوفَ وَالذّكْرَ وَالدُّعَاءَ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَبَيْنَ الْجَمْرَتَيْنِ كَانَ قَصْدُ تِلْكَ الْبِقَاعِ مُتَابَعَةً لَهُ. وَكَذَلِكَ قَصْدُ إتْيَانِ مَسْجِدِ قُبَاء مُتَابَعَةً لَهُ، فَإِنَّهُ قَد ثَبَتَ عَنْهُ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي قُبَاء كُلَّ سَبْتٍ رَاكِبًا وَمَاشِيًا. وَذَلِكَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨]، وَكَانَ مَسْجِدُهُ هُوَ الْأَحَقَّ بِهَذَا الْوَصْفِ وَقَد ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" أَنَّهُ سُئلَ عَن الْمَسْجِدِ الْمُؤَسَّسِ عَلَى التَّقْوَى فَقَالَ: "هُوَ مَسْجِدِي هَذَا". يُرِيدُ أَنَّهُ أَكْمَلُ فِي هَذَا الْوَصْفِ مِن مَسْجِدِ قُبَاء، وَمَسْجِدُ قُبَاء أَيْضًا أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، وَبِسَبَبِهِ نَزَلَتِ الْآيَةُ؛ وَلهَذَا قَالَ: ﴿فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨]، وَكَانَ أَهْلُ قُبَاء مَعَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ، تَعَلَّمُوا ذَلِكَ مِن جِيرَانِهِم الْيَهُودِ، وَلَمْ تَكُنِ الْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ، فَأَرَادَ النَّبِيِّ- ﷺ أَنْ لَا يَظُنَّ ظَانٌّ أَنَّ ذَاكَ هُوَ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى دُونَ مَسْجِدِهِ، فَذَكَرَ أَنَّ مَسْجِدَهُ أَحَقُّ بِأَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُؤَسَّسَ عَلَى التَّقْوَى، فَقَوْلُه: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾ يَتَنَاوَلُ مَسْجِدَهُ وَمَسْجِدَ قُبَاء ويتَنَاوَلُ كُلَّ مَسْجِدٍ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى بِخِلَافِ مَسَاجِدِ الضِّرَارِ.

стр. 845

وَلهَذَا لَمْ يَسْتَحِبَّ عُلَمَاءُ السَّلَفِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا قَصْدُ شَيْءٍ مِن الْمَسَاجِدِ وَالْمَزَارَاتِ الَّتِي بِالْمَدِينَةِ وَمَا حَوْلَهَا بَعْدَ مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ إلَّا مَسْجِدَ قُبَاء؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَقْصِدْ مَسْجِدًا بِعَيْنِهِ يَذْهَبُ إلَيْهِ إلَّا هُوَ. وَكَذَلِكَ أَكْلُهُ مَا كَانَ يَجِذ مِن الطَّعَامِ وَلُبْسُهُ الَّذِي يُوجَدُ بِمَدِينَتِهِ طَيْبَةَ مَخْلُوقًا فِيهَا وَمَجْلُوبًا إلَيْهَا مِنَ الْيَمَنِ وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَسَّرَهُ اللهُ لَهُ، فَأَكْلُهُ التَّمْرُ، وَخُبْزُهُ الشَّعِيرُ، وَفَاكِهَتُهُ الرُّطَبُ وَالْبِطِّيخُ الْأَخْضَرُ وَالْقِثَّاءُ، وَلُبْسُ ثِيَابِ الْيَمَنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ كَانَ أَيْسَرَ فِي بَلَدِهِ مِن الطَّعَامِ وَالثِّيَابِ، لَا لِخُصُوصِ ذَلِكَ، فَمَن كَانَ بِبَلَدٍ آخَرَ وَقُوتُهُم الْبُرُّ وَالذُّرَةُ وَفَاكِهَتُهُم الْعِنَبُ وَالرُّمَّانُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَثِيَابُهُم مِمَّا يُنْسَجُ بِغَيْرِ الْيَمَنِ الْقَزُّ: لَمْ يَكُن إذَا قَصَدَ أَنْ يَتَكَلَّفَ مِن الْقُوتِ وَالْفَاكِهَةِ وَاللِّبَاسِ مَا لَيْسَ فِي بَلَدِهِ -بَل يَتَعَسَّرُ عَلَيْهِم- مُتَبِعًا لِلرَّسُولِ ﷺ وَإِن كَانَ ذَلِكَ الَّذِي يَتَكَلَّفُهُ تَمْرًا أَو رُطَبًا أَو خُبْزًا شَعِيرًا. فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْمُتَابَعَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ -من اعْتِبَارِ الْقَصْدِ وَالنِّيَّةِ، " فَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى" (١). فَعُلِمَ أَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ جمْهُورُ الصَّحَابَةِ وَأَكَابِرُهُم هُوَ الصَّحِيحُ، وَمَعَ هَذَا فَابْنُ عُمَرَ ﵄ لَمْ يَكُن يَقْصِدُ أَنْ يُصَلِّيَ إلَّا فِي مَكانٍ صَلَّى فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ ، لَمْ يَكُن يَقْصِدُ الصَّلَاةَ فِي مَوْضِعِ نُزُولهِ وَمُقَامِهِ، وَلَا كَانَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ يَذْهَبُ إلَى الْغَارِ الْمَذْكُورِ فِي الْقُرْآنِ لِلزِّيَارَةِ وَالصَّلَاةِ فِيهِ. [١٧/ ٤٦٦ - ٤٧٥] ٩١٩ - وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ إذَا تَبَيَّنَ لَهُ حُكْمُ اللهِ وَرَسُولِهِ فِي أَمْرٍ أَلَّا يَعْدِلَ عَنْهُ، وَلَا يَتَّبِعَ أَحَدًا فِي مُخَالَفَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ، فَإِنّ اللهَ فَرَضَ طَاعَةَ رَسُولِهِ ﷺ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ فِي كُلِّ حَالٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]. [٢٠/ ٢٢٣]
следующие страницы →