مسائل العبادات المختصة بالزوجين
رسالة مسجلة بكلية الشريعة لنيل درجة الماجستير في الفقه
إعداد الطالبة
لولوة بنت صالح السنيدي
المشرف العلمي
د. أمل بنت إبراهيم الدباسي
الأستاذ المشارك بقسم الفقه بالكلية
العام الجامعي
١٤٣٩ - ١٤٤٠ هـ
стр. 2
إهداء إلى أبي الغالي محل الإعجاب والاقتداء
إلى أمي الحبيبة شادّة الأزر ورافعة الهمة
إلى زوجي العزيز خير صاحب ومعين
إلى أطفالي الثلاثة محط الآمال والمنى
стр. 3
شكر وعرفان ..
لله الفضل أولا وآخرا "وما توفيقي إلا بالله" ,
ثم لأبي الغالي الذي ما فتئ يمطرني بوابل من خبرته ومشورته,
ومشرفة هذا البحث لها من الشكر أجزله,
لكل من مد يد العون جزاكم المولى خير الجزاء ..
стр. 4
مقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده, ونستعينه, ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا, ومن سيئات أعمالنا, من يهده فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
أما بعد
فقد منّ الله علينا برسالة كاملة, شاملة, رسالة خاتم الأنبياء والمرسلين ﷺ ما ترك خيراً إلا دلنا عليه, ولا شراً إلا حذرنا منه, وأخبرنا أنه لم يخلقنا هملا ولا عبثا, بل خلقنا جميعاً لعبادته وحده لا شريك له, عبادة لا رهبانية فيها, عبادة تدخل في مفاصل الحياة وعروقها, ولعل ما كتب في فروع الفقه الإسلامي من أكبر الشواهد على هذا.
بل حتى عيش المرء مع زوجه, وقضاء الإنسان وطره, لم ينفك عن عبوديةٍ وحقٍ لله فيه, ولما رأيت ذلك وتأملته, استخرت الله, واستشرت, ثم عزمت, على جمع ودراسة (مسائل العبادات المختصة بالزوجين) سائلة رب العالمين ومبتهلة إليه أن يطرح فيه النفع, والبركة, وأن يرزقنا فيه الإخلاص والقبول, وأن يتولاه بتوفيقه وتسديده.
ضابط الموضوع:
كل مسألة في فقه العبادات تختص بزوجين بينهما عقد زوجية صحيح.
أهمية الموضوع وسبب اختياره:
١. حاجة المتزوجين إلى معرفة أحكام العبادة المختصة بهم.
٢. تكرر وقوع كثير من المسائل الواردة في البحث لكل ذي زوجية, مع غلبة الجهل بكثير من أحكامها, وترك السؤال عنها حياءً!
٣. تعلم مسائل العبادات ونشر العلم فيها من أهم ما يحتاج إليه الناس؛ إذ هي الغاية التي خلقوا لأجلها.
стр. 5
أهداف الموضوع:
١. نظم ما تفرق من مسائل العبادات المختصة بالزوجين؛ وتصويرها, وتحرير كلام الفقهاء فيها؛ ليسهل الرجوع إليها.
٢. إبراز عمق اتصال العبادات بالحياة الاجتماعية في حياة المسلم وخصوصا في نواة الأسرة المسلمة (الزوجين).
٣. الإسهام في إثراء المكتبة الإسلامية, والخروج ببحث أسأل المولى القدير أن يجعل فيه الخير والفائدة.
الدراسات السابقة:
بعد بذل الوسع في التحري عن هذا الموضوع لم أجد من الدراسات التي تدور في فلكه إلا بحثين, وهما:
- الأفعال المؤثرة في فقه الأسرة, للباحثة: سمية بنت محمد الخضيري, وهي رسالة ماجستير نوقشت في العام الجامعي ١٤٣٣ - ١٤٣٤ هـ بكلية الشريعة-قسم الفقه, لكنه بعيد العلاقة بفكرة هذا البحث؛ لأنه كان يتحدث عن الأفعال عموما عادات كانت أو عبادات ويغلب عليه أفعال العادات, وغرض البحث هنا العبادات فقط.
كما أنه يتحدث عن تلك الأفعال من حيث تأثيرها على أبواب فقه الأسرة المختلفة, بينما فكرة هذا البحث دراسة الأحكام التكليفية في ظل عقد واحد وهو عقد الزوجية.
وبناءً عليه فإنه لم يقع التشابه بين البحثين في أي مسألة.
- أثر العبادة في فقه الأسرة, للباحثة: لمى بنت عبد الرحمن الحماد, وهي رسالة ماجستير تم اعتماد مخططها في العام الجامعي ١٤٣١ - ١٤٣٢ هـ بكلية الشريعة-قسم الفقه, ولم تناقش بعد, والبحث وإن كان يبدو في عنوانه أنه قريب الصلة
стр. 6
بعنوان هذا المخطط إلا أن مورده مختلف تماماً عما قصد بحُثه هنا, ويتضح ذلك من خلال المقارنة بين ضابطي البحثين, والمسائل التي وقع التشابه فيها:
أولاً: ضابط البحث:
ذكرت الباحثة (لمى الحماد) أن ضابط بحثها هو: بحث كل مسألة في فقه الأسرة للعبادة أثر في حكمها.
أما ضابط المسائل المقصودة بالبحث هنا, فهي: كل مسألة في فقه العبادات مختصة بالزوجين.
فموطن بحثها إنما هو في أبواب النكاح وفقه الأسرة من نفقات, ورجعة, وعدة, وخلع, وطلاق, وإيلاء, وحضانة, ولعان, وظهار, ووليمة, من حيث تأثير العبادة عليها, بغض النظر عن تعلق تلك المسائل بذي زوجية أو غيره.
وموطن هذا البحث أبواب العبادات الستة: (الطهارة, الصلاة, الزكاة, الصوم, الحج, الجهاد) بالنظر إلى اختصاصها بصاحب الزوجية.
ثانياً: المسائل التي وقع فيها التشابه:
نظرا للاختلاف الحاصل في الضابط لم يقع التشابه بين البحثين إلا في ثمان مسائل, وهي:
١. أثر ترك الصلاة على عقد الزوجية, ذكرته الباحثة ضمن مطلب: أثر ترك الصلاة في النكاح.
٢. إذن الزوج لزوجته في الخروج لصلاة الجماعة, ذكرته الباحثة في مطلب: أثر الخروج للمسجد في استئذان الزوجة.
٣. زكاة المهر, ذكرته الباحثة في مبحث: أثر الزكاة في الصداق.
٤. زكاة الفطر عن الزوجة الناشز, ذكرته الباحثة ضمن مطلب: أثر زكاة الفطر في نفقة الزوجة.
٥. إذن الزوج لزوجته في الاعتكاف, ذكرته الباحثة في مطلب: أثر الاعتكاف في استئذان الزوجة له.
٦. خروج الزوج مع زوجته للحج, ذكرته الباحثة ضمن مطلب: أثر اشتراط المحرم في حج الزوجة عند بذلها نفقته.
٧. الزواج بأرض العدو, ذكرته الباحثة في مبحث: أثر البقاء في أرض العدو على عقد النكاح.
стр. 7
٨. عقد نكاح الأسير المسلم, ذكرته الباحثة في مطلب: أثر الأسر في عقد النكاح.
أما بقية المسائل فهي مختلفة ولم يقع فيها شيء من التشابه.
منهج البحث:
١. أصور المسألة المراد بحثها تصويرا دقيقا قبل بيان حكمها؛ ليتضح المقصود من دراستها, أما إن كانت صورة المسألة واضحة في عناونها, فأكتفي بالعنونة لها في المطلب.
٢. إذا كانت المسألة من مواضع الاتفاق فأذكر حكمها بدليلها, مع توثيق الاتفاق من مظانه المعتبرة.
٣. إذا كانت المسألة من مسائل الاختلاف, فأتبع ما يأتي:
أ. تحرير محل الخلاف إذا كانت بعض صور المسألة موضع خلاف وبعضها محل اتفاق.
ب. ذكر الأقوال في المسألة, وبيان من قال بها من أهل العلم, ويكون عرض الخلاف حسب الاتجاهات الفقهية.
ج. أقدم ذكر القول الأقوى عند عرض الأقوال.
د. الاقتصار على المذاهب الفقهية الأربعة, وإذا لم أقف في المسألة على مذهب ما فأسلك بها مسلك التخريج.
هـ. توثيق الأقوال من كتب أهل المذهب نفسه.
و. استقصاء أدلة الأقوال مع بيان وجه الدلالة, وذكر ما يرد عليها من مناقشات, وما يجاب به عنها.
ز. الترجيح مع بيان سبب الترجيح.
стр. 8
٤. الاعتماد على أمهات المصادر والمراجع الأصلية في التخريج, والتحرير, والتوثيق, والجمع.
٥. التركيز على موضوع البحث, وتجنب الاستطراد.
٦. تجنب ذكر الأقوال الشاذة.
٧. ترقيم الآيات وبيان سورها.
٨. تخريج الأحاديث, وبيان ما ذكره أهل الشأن في درجتها إن لم تكن في الصحيحين, أو أحدهما, فإن كانت كذلك فأكتفي حينئذٍ بتخريجهما.
٩. تخريج الآثار من مصادرها الأصلية.
١٠. التعريف بالمصطلحات, وشرح الغريب.
١١. العناية بقواعد اللغة العربية, والإملاء, والترقيم.
١٢. تكون الخاتمة عبارة عن ملخص للرسالة يعطي فكرة واضحة عن ما تضمنته الرسالة, مع إبراز أهم النتائج.
١٣. ترجمة الأعلام غير المشهورين والمعاصرين.
١٤. اتباع الرسالة بالفهارس المتعارف عليها, وهي:
- فهرس الآيات القرآنية.
- فهرس الأحاديث والآثار.
- فهرس الأعلام.
- فهرس المراجع والمصادر.
- فهرس الموضوعات.
стр. 9
تقسيمات البحث:
انتظمت خطة البحث في مقدمة, وتمهيد, وستة فصول, وخاتمة, وفهارس.
وتفصيل ذلك على النحو الآتي:
- المقدمة: وفيها أهمية الموضوع, وأسباب اختياره, وأهدافه, والدراسات السابقة, ومنهج البحث, وتقسيماته.
- التمهيد, وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف العبادات.
المطلب الثاني: تعريف الزوجين.
- الفصل الأول: مسائل الطهارة المختصة بالزوجين, وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: مسائل الوضوء وخصال الفطرة المختصة بالزوجين, وفيه ستة مطالب:
المطلب الأول: إجبار الزوجة على الإتيان بخصال الفطرة.
المطلب الثاني: خروج المذي من الاستمتاع بما دون الفرج.
المطلب الثالث: خروج مني الرجل من فرج المرأة بعد الغسل.
المطلب الرابع: الاستمتاع بما دون الفرج من غير خروج مني ولا مذي.
المطلب الخامس: أثر لمس الزوجة في نقض الوضوء.
المطلب السادس: وضوء الجنب بين الجماعين.
المبحث الثاني: مسائل الغسل المختصة بالزوجين, وفيه ستة مطالب:
стр. 10
المطلب الأول: حد الإيلاج الموجب للغسل.
المطلب الثاني: الاستمناء عن طريق الزوجة أو الزوج.
المطلب الثالث: طواف الرجل على نسائه بغسل واحد.
المطلب الرابع: اغتسال الزوجين من إناء واحد من جنابة.
المطلب الخامس: إجبار الزوجة المسلمة على الغسل لحق الزوج.
المطلب السادس: إجبار الزوجة الذمية على الغسل لحق الزوج.
المبحث الثالث: مسائل التيمم المختصة بالزوجين, وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: جماع العادم للماء.
المطلب الثاني: وطء الزوجة التي تطهرت بالتيمم من الحيض أو النفاس.
المطلب الثالث: شراء الزوج لزوجته الماء الذي تتطهر به.
المبحث الرابع: مسائل الحيض والنفاس المختصة بالزوجين, وفيه ستة مطالب:
المطلب الأول: الاستمتاع بالزوجة الحائض, وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: الاستمتاع بالفرج, وكفارته.
المسألة الثانية: الاستمتاع بما دون الفرج.
المطلب الثاني: حيض المرأة أو نفاسها قبل غسلها من الجماع.
المطلب الثالث: وطء الحائض والنفساء قبل الغسل.
المطلب الرابع: جماع النفساء في الأربعين بعد انقطاع الدم وقبل تمام الأربعين.
المطلب الخامس: إذن الزوج للزوجة في تناول موانع الحيض.
المطلب السادس: جماع الحائض مع وجود الحائل على الفرج.
- الفصل الثاني: مسائل الصلاة المختصة بالزوجين, وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: أثر ترك الصلاة على عقد الزوجية.
المبحث الثاني: مسائل صلاة الجماعة المختصة بالزوجين, وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تخلف الزوج عن الجماعة لحضور شهوة الجماع.
المطلب الثاني: تخلف الزوج عن الجماعة لزفاف زوجته.
المطلب الثالث: إذن الزوج لزوجته في الخروج لصلاة الجماعة.
стр. 11
المبحث الثالث: القصر في السفر إذا مر ببلد تزوج فيه.
المبحث الرابع: الجماع يوم الجمعة.
المبحث الخامس: مسائل صلاة الجنائز المختصة بالزوجين, وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: تغسيل أحد الزوجين الآخر بعد وفاته.
المطلب الثاني: تغسيل أحد الزوجين الآخر إذا مات أحدهما في زمن عدة الطلاق.
المطلب الثالث: تغسيل الزوجة زوجها بعد انقضاء عدتها بالوضع.
المطلب الرابع: تغسيل المرأة الذمية.
- الفصل الثالث: مسائل الزكاة المختصة بالزوجين, وفيه مبحثان:
المبحث الأول: مسائل زكاة الفريضة المختصة بالزوجين, وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: زكاة المهر.
المطلب الثاني: زكاة عوض الخلع.
المطلب الثالث: دفع أحد الزوجين زكاة ماله للآخر, وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: دفع الزوجة لزوجها زكاة مالها.
المسألة الثانية: دفع الزوج لزوجته زكاة ماله.
المسألة الثالثة: إعطاء الزوجة الناشز من الزكاة.
المطلب الرابع: زكاة الفطر عن الزوجة.
المبحث الثاني: مسائل صدقة التطوع المختصة بالزوجين, وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: صدقة الزوجة من مال زوجها بغير علمه أو إذنه.
المطلب الثاني: صدقة المرأة بمالها من غير إذن زوجها.
المطلب الثالث: صدقة المرأة على زوجها تطوعا.
- الفصل الرابع: مسائل الصيام المختصة بالزوجين, وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: مسائل رخص الفطر المختصة بالزوجين, وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: السفر من أجل الجماع في نهار رمضان.
المطلب الثاني: الفطر بالجماع في السفر.
стр. 12
المطلب الثالث: الجماع في نهار رمضان بعد زوال العذر المبيح للفطر في أوله.
المطلب الرابع: الفطر في السفر إذا مر ببلد تزوج فيه.
المبحث الثاني: مسائل مفسدات الصوم المختصة بالزوجين, وفيه أحد عشر مطلبا:
المطلب الأول: الجماع في الصيام, وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: الجماع في صيام الفرض.
المسألة الثانية: الجماع في صيام النفل.
المطلب الثاني: جماع الناسي في نهار رمضان.
المطلب الثالث: الإكراه على الجماع في نهار رمضان.
المطلب الرابع: الجماع في نهار رمضان جهلا بتحريمه.
المطلب الخامس: جماع الزوجة الصائمة وهي نائمة.
المطلب السادس: جماع من غلبه الشبق في نهار رمضان.
المطلب السابع: نزع المجامع مع أول طلوع الفجر.
المطلب الثامن: استدامة الجماع مع طلوع الفجر.
المطلب التاسع: الجماع بعد طلوع الفجر ظاناً عدم طلوعه.
المطلب العاشر: الجماع قبل غروب الشمس ظاناً غروبها.
المطلب الحادي عشر: مقدمات الجماع للصائم.
المبحث الثالث: مسائل الكفارة المختصة بالزوجين, وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: كفارة المرأة الموطوءة في نهار رمضان.
المطلب الثاني: كفارة من جامع يظن عدم طلوع الفجر.
المطلب الثالث: كفارة من جامع يظن غروب الشمس.
المطلب الرابع: تعدد الجماع, وأثره على الكفارة.
المطلب الخامس: انتقال صاحب الشبق إلى الإطعام في الكفارة.
المبحث الرابع: مسائل الإذن في الصيام المختصة بالزوجين, وفيه خمسة مطالب:
стр. 13
المطلب الأول: صيام القضاء بغير إذن الزوج.
المطلب الثاني: رجوع الزوج عن إذنه بعد شروع زوجته في صيام القضاء.
المطلب الثالث: صيام التطوع بغير إذن الزوج.
المطلب الرابع: رجوع الزوج عن إذنه بصيام التطوع.
المطلب الخامس: صيام المرأة بغير إذن زوجها إذا كان غائبا أو صائما أو محرما أو مريضا.
المبحث الخامس: مسائل الاعتكاف المختصة بالزوجين, وفيه سبعة مطالب:
المطلب الأول: جماع المعتكف, أو المعتكفة.
المطلب الثاني: مقدمات الجماع للمعتكف, أو المعتكفة.
المطلب الثالث: وفاة الزوج أثناء اعتكاف زوجته.
المطلب الرابع: طلاق الزوجة في الاعتكاف.
المطلب الخامس: إذن الزوج لزوجته في الاعتكاف.
المطلب السادس: رجوع الزوج عن إذنه لزوجته في الاعتكاف.
المطلب السابع: تحليل الزوج زوجته من الاعتكاف.
- الفصل الخامس: مسائل المناسك المختصة بالزوجين, وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: مسائل شروط الحج المختصة بالزوجين, وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: تحقق استطاعة الزوجة باستطاعة زوجها.
المطلب الثاني: خروج الزوج مع زوجته للحج.
المطلب الثالث: إذن الزوج لزوجته في الحج الواجب.
المطلب الرابع: إذن الزوج لزوجته في حج التطوع.
المبحث الثاني: مسائل محظورات الإحرام وآثارها المختصة بالزوجين, وفيه ستة مطالب:
المطلب الأول: الجماع قبل الوقوف بعرفة.
стр. 14
المطلب الثاني: جماع النائب في الحج قبل الوقوف بعرفة.
المطلب الثالث: الجماع بعد الوقوف بعرفة وقبل التحلل الأول.
المطلب الرابع: الجماع بعد التحلل الأول.
المطلب الخامس: الجماع في العمرة.
المطلب السادس: مقدمات الجماع للمحرم.
المبحث الثالث: مسائل الفدية المختصة بالزوجين, وفيه مطلبان:
المطلب الأول: كفارة الجماع في الإحرام.
المطلب الثاني: تعدد الجماع وأثره على الكفارة.
المبحث الرابع: مسائل الفوات والإحصار المختصة بالزوجين, وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تحليل الزوج زوجته من الحج.
المطلب الثاني: وفاة الزوج بعد إحرام زوجته.
المطلب الثالث: إحصار الزوجة بتعليق طلاقها على المضي في نسكها.
- الفصل السادس: مسائل الجهاد المختصة بالزوجين, وفيه مبحثان:
المبحث الأول: الزواج بأرض العدو.
المبحث الثاني: مسائل الأسر المختصة بالزوجين, وفيه مطلبان:
المطلب الأول: عقد نكاح الأسير المسلم.
المطلب الثاني: وطء الأسير المسلم زوجته.
- الخاتمة: وفيها أهم ما في البحث من نتائج وتوصيات.
- الفهارس, وهي:
? فهرس الآيات.
? فهرس الأحاديث والآثار.
? فهرس الأعلام.
стр. 15
? فهرس المصادر والمراجع.
? فهرس الموضوعات.
стр. 16
تمهيد
المطلب الأول: تعريف العبادات , وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: معنى العبادات في اللغة:
العبادات جمع عبادة, وأصلها العين والباء والدال, وهي تدل على: الطاعة مع الخضوع والتذلل (١).
المسألة الثانية: معنى العبادات في اصطلاح الفقهاء:
لم تخرج كتب لغة الفقاء -فيما اطلعت- عن التعريف اللغوي للعبادة إلا بتخصيصها لله
-عزوجل- في بعضها, وهذا المعنى العام للعبادة غير مراد في البحث, كما أنه لا يتناسب مع صنيع الفقهاء في تبويباتهم لكتاب العبادات, حتى وجدت التهانوي (٢) نص على تعريف يبين المراد منها في استعمال الفقهاء, فقال: " وتطلق العبادات أيضا على الأحكام الشرعية المتعلّقة بأمر الآخرة " (٣) وهذا أقرب ما وجدته دالاً على استعمالهم.
المسألة الثالثة: شرح التعريف:
قوله: "الأحكام الشرعية": جنس في التعريف أخرج منه كل ما ليس بحكم شرعي, ولو أضاف لها قيد (العملية) لكان أبلغ في منع التعريف من دخول ما ليس منه فيه, كأحكام العقائد العلمية.
وقوله: " المتعلقة بأمر الآخرة ": قيد في التعريف أخرج منها بقية الأحكام الشرعية المتعلقة بأمر الدنيا كالمعاملات, والنكاح ...
стр. 17
المطلب الثاني: تعريف الزوجين , وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: معنى الزوجين في اللغة:
مثنى زوج, والزاء والواو والجيم أصل يدل على مقارنة شيء لشيء, ومن ذلك: الزوج زوج المرأة, والمرأة زوج بعلها (١).
المسألة الثانية: معنى الزوجين في اصطلاح الفقهاء:
لم أجد في كتب لغة الفقهاء المتقدمة من نص على مصطلح خاص بمعنى الزوجين؛ ولعله اكتفاءً بوضوح المعنى وعدم حاجته إلى التعريف, غير أني وجدت في الكتب المعاصرة للغة الفقهاء من حدد هذا المعنى في استعمال الفقهاء, فقال: "كل من الرجل والمرأة اللذان تم العقد بينهما على استمتاع كل واحد منهما بالآخر" (٢).
المسألة الثالثة: شرح التعريف:
كل من الرجل والمرأة: عموم في التعريف يبين اشتراك كل من الرجل والمرأة بهذا الاسم.
اللذان تم العقد بينهما: قيد يخرج كل رجل وامرأة لم يعقد بينهما وإن حصل بينهما مقدمات الزواج من خطوبة ونحوها ... , ويدخل فيه كل رجل وامرأة عقد بينهما وإن لم يدخلا فهما زوجان.
على استمتاع كل واحد منهما بالآخر: قيد آخر في التعريف يبين نوع العقد المقصود وهو: عقد النكاح, ليخرج كل رجل وامرأة تم العقد بينهما على تجارة أو عمل أو غيرها ...
المبحث الأول: مسائل الوضوء وخصال الفطرة المختصة بالزوجين , وفيه ستة مطالب:
المطلب الأول: إجبار الزوجة على الإتيان بخصال الفطرة.
المطلب الثاني: خروج المذي من الاستمتاع بما دون الفرج.
المطلب الثالث: خروج مني الرجل من فرج المرأة بعد الغسل.
المطلب الرابع: الاستمتاع بما دون الفرج من غير خروج مني ولا مذي.
المطلب الخامس: أثر لمس الزوجة في نقض الوضوء.
المطلب السادس: وضوء الجنب بين الجماعين.
стр. 20
المطلب الأول: إجبار الزوجة على الإتيان بخصال الفطرة المتعلقة بالاستمتاع , وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: صورة المسألة:
إذا امتنعت الزوجة عن فعل شيء من خصال الفطرة المشروعة للمرأة, والمتعلقة باستمتاع الزوج بها, مع حاجة الزوجة إلى فعلها, فهل يملك الزوج إجبار زوجته على الإتيان بها؟
المسألة الثانية: حكم إجبار الزوجة على الإتيان بخصال الفطرة المتعلقة بالاستمتاع:
تحرير محل النزاع في المسألة:
أولا: اتفق الفقهاء على أن الزوج يجوز له إجبار زوجته على أخذ شعر العانة إذا كثر, وفحش بحيث تعافه نفسه (١).
ودليلهم على ذلك ما يأتي:
أن ترك شعر العانة إذا كثر وفحش يمنع الاستمتاع بالزوجة الذي هو حق للزوج, ويلزم منه النفرة بين الزوجين (٢).
ثانيا: اختلف الفقهاء في جواز إجبار الزوج زوجته على ما سوى أخذ شعر العانة إذا كثر, وفحش من التنظف وإزالة الدرن, على قولين:
القول الأول:
يجوز للزوج إجبار زوجته على التنظف, وإزالة ما تعافه نفسه من الوسخ والدرن, وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من: الحنفية (٣) , والمالكية (٤) , والأصح من مذهب الشافعية (٥) , والمذهب عند الحنابلة (٦).
стр. 21
دليل القول الأول:
أن ترك التنظف وإزالة ما تعافه النفس يوجب النفرة من الزوجة, وهذا مناقض لمقصد السكن والعفاف في النكاح؛ فجاز للزوج أن يجبر زوجته على إزالة هذا الضرر (١).
القول الثاني:
لا يجوز للزوج إجبار زوجته على التنظف, وإزالة ما تعافه نفسه من الوسخ والدرن, وهو قول عند الشافعية (٢) , ووجه عند الحنابلة (٣).
دليل القول الثاني:
أن ترك الزوجة للتنظف وإزالتها ما تعافه نفسه من الوسخ, والدرن يمنع كمال الاستمتاع لا أصله؛ إذ يمكنه القدرة على الاستمتاع, مع وجود ما تعافه نفسه (٤).
ويمكن أن يناقش:
أن مقصد العفاف, والإحصان في النكاح لا يتحقق بمجرد حصول أصل الاستمتاع, بل طلب كمال الاستمتاع, مع القدرة عليه هو الذي دلت عليه الأدلة ومنها: قوله ﷺ في حديث جابر ﵁: (أمهلوا حتى تدخلوا ليلا -أي عشاء-؛ لكي تمتشط الشعثة (٥) , وتستحد المغيبة (٦)(٧) , فهذا توجيه منه ﷺ لتحصيل كمال الاستمتاع.
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- هو القول الأول؛ القائل بأن للزوج إجبار زوجته على إزالة ما تعافه نفسه؛ لوجاهة ما استدلوا به, ولقربه من مقصود الشارع في النكاح.
стр. 22
وما يُقال في هذا المقام في حق الزوجة يُقال أيضا في حق الزوج؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١).
المطلب الثاني: خروج المذي (٢) من الاستمتاع بما دون الفرج , وفيه أربع مسائل:
المسألة الأولى: صورة المسألة:
إذا حصل الاستمتاع بين الزوجين بما دون الجماع وخرج المذي؛ فهل يجب منه الوضوء؟ وهل يجب تطهير البدن والثوب من أثره؟
المسألة الثانية: حكم خروج المذي من الاستمتاع بما دون الفرج:
تحرير محل النزاع في المسألة:
أولاً: اتفق الفقهاء على أن خروج المذي ناقض للوضوء, وموجب له (٣).
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
الدليل الأول:
دلت السنة الصحيحة الصريحة على وجوب الوضوء من خروج المذي, ومن ذلك: حديث علي ﵁ قال: كنت رجلا مذاءً, فأمرت رجلا أن يسأل النبي ﷺ ، لمكان ابنته، فسأل فقال: (توضأ, واغسل ذكرك) (٤) , فأمره ﷺ بالوضوء, والأمر يقتضي الوجوب.
стр. 23
الدليل الثاني:
إجماع العلماء على انتقاض الوضوء من خروج المذي؛ حيث حكى ابن عبدالبر (١) , وابن المنذر (٢) , وابن قدامة (٣)؛ الإجماع على نقض الوضوء بخروج المذي, ووجوب الوضوء منه (٤).
ثانياً: اختلف الفقهاء في نجاسة المذي على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
المذي نجس نجاسةً مخففة, كنجاسة بول الغلام, وهذا القول رواية عند الحنابلة (٥).
أدلة القول الأول:
الدليل الأول:
حديث سهل بن حنيف ﵁ قال: كنت ألقى من المذي شدة وعناء، فكنت أكثر منه الغسل، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، وسألته عنه، فقال: (إنما يجزئك من ذلك الوضوء)، فقلت: يا رسول الله، كيف بما يصيب ثوبي منه، قال: (يكفيك أن تأخذ كفا من ماء فتنضح به ثوبك حيث ترى أنه أصاب منه) (٦).
وجه الاستدلال بالحديث:
لما أمر ﷺ بنضح المذي, دل على أن نجاسته مخففة.
ويمكن أن يناقش وجه الاستدلال بالحديث:
النضح وإن كان في استعمال اللغة لا يرد إلا للرش (٧) , إلا أنه ورد في استعمال الشرع تارة للرش, وتارة للغسل (٨) , فمثال استعماله للرش: حديث أم قيس بنت محصن ﵂، (أنها أتت بابن لها صغير، لم يأكل الطعام، إلى رسول الله ﷺ ، فأجلسه رسول الله ﷺ في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماء، فنضحه ولم
стр. 24
يغسله) (١) , ومثال استعمال النضح للغسل قوله ﷺ في حديث أسماء ﵂: (إذا أصاب ثوب إحداكن الدم من الحيضة, فلتقرصه، ثم لتنضحه بماء، ثم لتصلي فيه) (٢) , فيجوز أن يكون في حديث سهل بن حنيف ﵁ مرادا به الغسل.
ويمكن أن يجاب عن المناقشة:
جاء في رواية أخرى لحديث سهل بن حنيف ﵁: (فتمسح به ثوبك حيث ترى أنه أصاب منه) (٣) , وهذه الرواية قرينة تقوي حمل النضح على معنى الرش.
الدليل الثاني:
المذي متردد بين الطهارة والنجاسة, فهو يشبه المني؛ لكونه جزء منه ناشئ عن شهوة, ويشبه البول؛ لكونه لم يكمل ولا يخلق منه الحيوان, فلما تردد بينهما ناسب أن تكون طهارته مخففة (٤).
الدليل الثالث:
المذي يشق التحرز منه؛ لأنه يخرج من الشباب كثيرا, وتعم به البلوى, والمشقة تجلب التيسير؛ فأجزأ فيه النضح كبول الغلام (٥).
القول الثاني:
المذي نجس كبول البالغ, وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من: الحنفية (٦) , والمالكية (٧) , والشافعية (٨) , والمذهب عند الحنابلة (٩).
стр. 25
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول:
حديث علي ﵁ السابق, وفيه: (اغسل ذكرك) (١).
وجه الاستدلال بالحديث:
دل الحديث على وجوب غسل أثر المذي, ولو لم يكن المذي نجساً لكان الأمر بغسل أثره عبثا, والأصل في الأمر الوجوب.
ويمكن أن يناقش وجه الاستدلال:
بأن الأمر بغسل الذكر من المذي, هو أمر بتنجية السبيل من الخارج فحسب, ولا يلزم منه وجوب غسل ما سوى السبيل من البدن, والثياب إذا أصابها شيء من المذي, ويؤيد هذا التفريق, روايات حديث سهل بن حنيف ﵁ وفيها: الأمر بنضح الثوب (٢) , ومسح الثوب (٣) , ولم يرد الأمر بغسل الثوب من المذي! بخلاف الذَكَر؛ فإن غسله أيسر من غسل ما سواه.
الدليل الثاني:
المذي خارج من مخرج البول، فأقل أحواله أن ينجس بملاقاته لموضع النجاسة (٤).
ويمكن أن يناقش:
لا ينازع في كونه نجس, ولكن نجاسته نجاسة مخففة كبول الغلام؛ للأحاديث الآمرة بنضحه, ومسحه (٥).
القول الثالث:
المذي طاهر غير نجس, وهو رواية عند الحنابلة (٦).
стр. 26
أدلة القول الثالث:
الدليل الأول:
حديث سهل بن حنيف ﵁ السابق, وفيه: (إنما يجزئك من ذلك الوضوء)، وفيه: (يكفيك أن تأخذ كفا من ماء فتنضح به ثوبك حيث ترى أنه أصاب منه) (١).
وجه الاستدلال بالحديث:
لم يأمر ﷺ بغسل الفرج من المذي, ولو كان واجبا لأمر به؛ إذ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز (٢).
نوقش وجه الاستدلال بالحديث:
سكوته ﷺ عن غسل الفرج من المذي, قد يكون لعلم المستمع به, وإنما خرج الجواب مخرج السؤال؛ فإنه سأل عما يوجبه خروج المذي من الطهارة الكبرى, أو الصغرى, وعن كيفية تطهير الثوب من أثر المذي (٣).
الدليل الثاني:
المذي جزء من المني؛ إذ يخرج بسبب الشهوة من مخرج المني، لكنه لم يستحكم بكمال الشهوة (٤).
ويمكن أن يناقش:
قياس المذي على المني في الطهارة, قياس في مقابل النص.
الترجيح:
الذي يترجح -والله أعلم- القول الأول القائل؛ أن المذي نجاسته نجاسة مخففة؛ لإمكان جمع النصوص عليه, وهو الأقرب لقواعد الشريعة, الدالة على التيسير, ورفع الحرج عند المشقة.
المسألة الثالثة: ثمرة الخلاف:
مما ينبني على الخلاف السابق؛ الخلاف في كيفية تطهير ما يصيب الثوب, وسائر البدن -سوى السبيل- من أثر المذي (٥)؛ على قولين:
القول الأول:
ينضح ما أصاب الثوب, والبدن من أثر المذي, وهو قول عند المالكية (٦) , ورواية عند الحنابلة (٧).
стр. 27
أدلة القول الأول:
استدل أصحاب هذا القول؛ على إجزاء نضح المذي, بالأدلة التي استدلوا به على تخفيف نجاسة المذي, ومنها:
حديث سهل بن حنيف ﵁ وفيه: فقلت: يا رسول الله، كيف بما يصيب ثوبي منه، قال: (يكفيك أن تأخذ كفا من ماء فتنضح به ثوبك حيث ترى أنه أصاب منه) (١) , وهو صريح في إجزاء نضح المحل من أثر المذي.
القول الثاني:
يجب غسل ما أصاب الثوب, والبدن من أثر المذي, وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من: الحنفية (٢) , والمشهور عند المالكية (٣) , والشافعية (٤) , والمذهب عند الحنابلة (٥).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول:
أمر النبي ﷺ بغسل الذكر من المذي؛ فيقاس عليه سائر المحال التي يصيبها المذي (٦).
يمكن أن يجاب:
الأحاديث الواردة في التعامل مع أثر المذي فرقت بين الذكر وغيره؛ ففي حديث علي ﵁ أمر بغسل الذكر من أثر المذي (٧) , وفي حديث سهل بن حنيف ﵁ أمر بنضح
стр. 28
الثوب من أثر المذي (١)؛ فغسل الذكر أيسر من غسل غيره, والمشقة اللاحقة بغسله أهون من المشقة اللاحقة بغسل ما سواه, فلا يصح القياس عليه.
الدليل الثاني:
المذي نجس, والثوب رقيق تتداخل النجاسة في أجزائه؛ فلا يخرجه إلا الغسل بالماء, والحت, والنضح يزيلان ما على ظاهر الثوب دون ما يتداخل في أجزائه (٢).
ويمكن أن يجاب:
محل النزاع ليس في تداخل النجاسة بالثوب من عدمها, وإنما في نوع النجاسة وكونها مخففة كبول الصبي؛ فإن بوله ينضح وإن تداخل في الثوب.
الترجيح:
الترجيح في هذه المسألة تابع للترجيح في المسألة السابقة, وعليه فالراجح -والله أعلم- هو القول الأول؛ القائل بإجزاء النضح؛ لإمكان جمع النصوص عليه, ولمناسبته قواعد الشريعة في التيسير, ورفع الحرج.
المسألة الرابعة: كيفية تطهير مخرج المذي من أثره.
اختلف الفقهاء في كيفية تطهير مخرج المذي من أثره, على أربعة أقوال:
القول الأول:
يغسل موضع الحشفة فقط, ويتعين غسلها بالماء, وهذا أحد قولي المالكية (٣) , وأحد القولين عند الشافعية (٤).
أدلة القول الأول:
أولاً: أدلتهم على إجزاء غسل الحشفة:
الدليل الأول:
حديث علي ﵁ في أحد رواياته: (توضأ, واغسله) (٥).
стр. 29
وجه الاستدلال بالحديث:
الضمير عائد إلى المذكور في السؤال وهو المذي؛ فأمر بغسل موضعه فقط, دون ما لم يجاوزه من بقية الذكر.
الدليل الثاني:
من غسل مخرج المذي من ذكره، فقد صدق عليه أنه غسل ذكره (١).
الدليل الثالث:
القياس على سائر الأحداث الصغرى؛ فالمذي حدث, والأحداث الصغرى لا يجب بها إلا غسل موضع خروجها, فكذلك المذي (٢).
ثانياً: أدلتهم على تعين الماء:
الدليل الأول: قوله ﷺ : (اغسل ذكرك) (٣).
وجه الاستدلال بالحديث:
أمر ﷺ بغسل الذكر, والغسل يقتضي سيلان الماء على العضو (٤).
الدليل الثاني:
كل الآثار في المذي على اختلاف ألفاظها وأسانيدها ليس فيها ذكر الاستجمار, ومنها: قوله ﷺ : (يغسل ذكره وأنثييه، ويتوضأ) (٥) , وقوله ﷺ : (اغسل ذكرك) (٦) , وقوله ﷺ : (توضأ, واغسله) (٧) , مع أن الاستجمار أيسر, وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز (٨).
القول الثاني:
يغسل موضع الحشفة ويجزئ عنه الاستجمار (٩) , وهذا قول الحنفية (١٠) , وأحد القولين عند الشافعية (١١) , ورواية عند الحنابلة (١٢).
стр. 30
أدلة القول الثاني:
أولاً: استدلوا على إجزاء غسل الحشفة بما استدل به أصحاب القول الأول.
ثانياً: أدلتهم على إجزاء الاستجمار:
الدليل الأول:
حديث عائشة ﵁ أن رسول الله ﷺ : (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط, فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بها، فإنها تجزي عنه) (١).
وجه الاستدلال بالحديث:
الغائط هو: الموضع المطمئن من الأرض، يستتر به عند قضاء الحاجة، وقد يؤتى لكل خارج من الفرج، للاستتار, ولم يفرق النبي- ﷺ حين أمر بالاستنجاء بالأحجار، بين حدث, وآخر (٢).
الدليل الثاني:
حديث أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: (ومن استجمر فليوتر) (٣).
وجه الاستدلال بالحديث:
الحديث عام في إجزاء الاستجمار من جميع الأحداث الصغرى دون تفريق بين حدث, وآخر (٤).
ويمكن أن يناقش وجه الاستدلال بالحديثين:
يجوز أن يكون هذا العموم مخصوص بأحاديث غسل المذي.
القول الثالث:
يغسل الذكر كاملا, ما أصاب المذي منه, وما لم يصبه, وهذا القول المعتمد عند المالكية (٥) , ورواية عند الحنابلة (٦).
أدلة القول الثالث:
الدليل الأول:
حديث علي ﵁ السابق, وفيه: (اغسل ذكرك) (٧).
وجه الاستدلال بالحديث:
المراد بالأمر بغسل الذكر, غسل الذكر كله؛ إذ لا مُخرِج لبعضه من عموم النص.
نوقش:
الأمر بغسل الذكر المراد به بعض الذكر, وهو ما أصابه المذي؛ قياسا على سائر الأحداث الصغرى؛ فالمذي حدث, والأحداث الصغرى لا يجب بها إلا غسل موضع خروجها, فكذلك المذي (٨).
وأجيب:
غسل الذكر كاملا غير معلل, ولا يمكن قياسه على غيره, وإنما هو تعبدي للنص الآمر به: (اغسل ذكرك) (٩).
ويمكن أن يناقش الجواب:
ابن عباس ﵁ أحد رواة حديث علي ﵁ , قال: (من المذي .. الوضوء يغسل حشفته (١٠) , ويتوضأ) (١١) , فدل على أن المراد بغسل الذكر: غسل الحشفة، وفهم الصحابي
стр. 31
أولى من فهم غيره؛ لأنه عربي فصيح لم تدخل لسانه العجمة، كما أن ابن عباس ﵁ أقرب عهدا بالواقعة, وقد عاصر أصحابها, فلو كان يقتضي ذلك غسل الذكر كله, لكان ابن عباس أولى بهذا الفهم من غيره.
القول الرابع:
يغسل الذكر, والأنثيين, وهذا القول هو المذهب عند الحنابلة, ومن مفرداتهم (١).
أدلة القول الرابع:
الدليل الأول:
جاء في أحد روايات حديث علي ﵁ لما سأل عن المذي, أن النبي ﷺ قال: (يغسل ذكره, وأنثييه، ويتوضأ) (٢).
وجه الاستدلال بالحديث:
أمر ﷺ بغسل الذكر, والأنثيين, والأمر يقتضي الوجوب (٣).
نوقش وجه الاستدلال بالحديث من وجهين:
الوجه الأول: لفظة (أنثثيه) غير محفوظة في الحديث؛ إذ ورد الحديث بطرق أخرى كثيرة صحيحة ليس فيها ذكر (أنثييه) (٤) , والواقعة واحدة لا تحتمل تعدد الأحكام.
الوجه الثاني: الحديث محمول على ما إذا أصاب الذكر والأنثيين, أو على الاستحباب؛ لاحتمال إصابتها بالنجاسة (٥).
الدليل الثاني:
المذي خارج بسبب الشهوة، فأوجب غسلا زائدا على غسل محله كالمني (٦).
стр. 32
ويمكن أن يناقش:
الأحداث إما أن توجب غسلا كاملا, وإما أن توجب غسل المحل فقط مع الوضوء؛ فالمذي إما أن يقال أنه يوجب غسلا كاملا, وإما أن يقال لا يوجب إلا غسل المحل مع الوضوء.
الدليل الثالث:
الأنثيين وعاء المذي فغسلهما يقطعه ويزيل أثره (١).
ويمكن أن يناقش:
غسل النجاسة هو الواجب, أما قطعها تماما فلا دليل على إيجابه من الشرع.
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- من عرض الأدلة, والمناقشة, رجحان القول الأول القائل؛ بغسل موضع الحشفة مع تعين الماء؛ لوجاهة ما استدلوا به, ولورود المناقشة على أدلة الأقوال الأخرى.
стр. 33
المطلب الثالث: خروج مني الرجل (١)(١) من فرج المرأة بعد الغسل , وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: صورة المسألة:
إذا جامع الرجل امرأته واغتسلت من الجنابة, ثم خرج من فرجها ما بقي من مني الرجل في رحمها, فما حكم هذا الخارج؟
المسألة الثانية: حكم خروج مني الرجل من فرج المرأة بعد الغسل:
اتفق الفقهاء على أن مني الرجل إذا خرج من فرج المرأة بعدما اغتسلت للجماع فإنه موجب للوضوء, ولا يجب لخروجه غسل آخر (٢).
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
أولاً: أدلتهم على أنه لا يوجب غسلا آخر:
الدليل الأول:
عن علي وابن عباس ﵄ أنهما قالا في الجنب يخرج منه الشيء بعد الغسل: (يتوضأ) (٣) , ولم يعرف لهما مخالف من الصحابة -رضوان الله عليهم-.
الدليل الثاني:
المني الخارج من فرجها لم ينزل منها حقيقة؛ إذ الخارج مني الرجل لا منيها (٤).
الدليل الثالث:
الحدث الواحد لا يوجب طهارة من نوع واحد مرتين؛ فالجنابة الواحدة لا يتكرر لها الغسل (٥).
стр. 34
الدليل الرابع:
أن الموجب للغسل هو المني المقترن بالشهوة, وهذا خارج عن غير شهوة كما لو خرج عن مرض؛ فإنه لا يوجب غسلا (١).
ثانياً: دليلهم على أنه يوجب وضوء فقط:
أن الخارج من فرجها خارج معتاد من أحد السبيلين, فنقض الوضوء (٢).
المسألة الثالثة: الصورة التي استثناها الشافعية من حكم الاتفاق:
استثنى الشافعية من قولهم؛ بعدم وجوب غسل آخر على المرأة, إذا خرج من فرجها مني الرجل بعد اغتسالها من الجنابة, حالةً يوجبون فيها الغسل مرة أخرى, وهي: إذا كانت المرأة قد قضت شهوتها بذلك الجماع؛ لاحتمال اختلاط منيها بمني المرجل, والمظنة تنزل منزلة المئنة (٣).
ونوقش استدلالهم:
أن الحدث الواحد لا يوجب طهارة من نوع واحد مرتين؛ فالجنابة الواحدة لا يتكرر لها الغسل (٤) ,
والذي يظهر -والله أعلم- مرجوحية هذا الاستثناء للأدلة السابقة.
стр. 35
المطلب الرابع: الاستمتاع بما دون الفرج من غير خروج مني ولا مذي , وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: صورة المسألة:
إذا حصل استمتاع بشهوة بين الزوجين بأي نوع من المباشرة, ولم تبلغ حد الإيلاج, ولم يصحبها خروج مني أو مذي, فما الحكم فيه؟
المسألة الثانية: حكم الاستمتاع بما دون الفرج من غير خروج مني ولا مذي:
تحرير محل النزاع في المسألة:
أولا: اتفق الفقهاء على عدم وجوب الغسل من مجرد المباشرة بشهوة (١).
ويمكن أن يُستدل على ذلك:
أن الوجوب حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل, والأصل براءة الذمة, ولم يرد عن الشارع ما يوجب الغسل, من المباشرة فيما دون الفرج, من غير إنزال.
ثانيا: اختلف الفقهاء في وجوب الوضوء من مجرد المباشرة بشهوة, على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
يجب الوضوء من المباشرة بشهوة سواءً فحشت أم لا, وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من: المالكية (٢) , والشافعية (٣) , والمذهب عند الحنابلة (٤).
أدلة القول الأول:
الدليل الأول:
قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ (٥).
стр. 36
وجه الاستدلال من الآية الكريمة:
أن المقصود من قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ مسهن بشهوة, سواء كان بجماع, أو ما دونه, فهي عامة في نوعي الحدث الأكبر, والأصغر.
نوقش وجه الاستدلال:
لا نسلم أن المراد بالآية هو المباشرة بشهوة, بل المراد هو صريح الجماع (١).
وأجيب عن المناقشة من وجهين:
الوجه الأول:
أن الله أطلق ذكر مس النساء في الآية والمفهوم من هذا في عرف أهل اللغة والشرع هو: اللمس للتلذذ, وقضاء الشهوة, فإن اللمس لغرض آخر لا يفهم من تخصيص النساء بالمس؛ إذ لا فرق بينهن, وبين غيرهن في ذلك المس، فنسبته إلى النساء أوحت تخصيصه بالمقصود من مسهن (٢).
الوجه الثاني:
أن مباشرة النساء المذكورة في القرآن يراد بها ما كان مع الشهوة, كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٣) , وهذا من تفسير القرآن بالقرآن (٤).
الدليل الثاني:
أن الأحكام المتعلقة بمباشرة النساء إنما تثبت في مس الشهوة قل, أو كثر؛ مثل تحريم المباشرة على المحرِم, والمعتكِف, وتحريم الربيبة, فكذلك انتقاض الوضوء (٥).
الدليل الثالث:
أن نواقض الوضوء مما علقت بالمظان, كالنقض بالنوم؛ لأنه مظنة خروج الريح, فكذلك المباشرة بشهوة هي مظنةٌ لخروج المذي (٦).
стр. 37
الدليل الرابع:
أنَّ فيه احتياطاً للصلاة؛ لتبرأ الذمة منها بيقين (١).
القول الثاني:
يجب الوضوء إذا كانت المباشرة فاحشة يحصل معها الانتشار (٢) , وهذا مذهب أبي حنيفة, وأبي يوسف (٣) , ورواية عن الإمام أحمد ﵏ (٤).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول:
حديث عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ قبل امرأة من نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ) (٥).
وجه الاستدلال بالحديث:
لو كان مجرد المباشرة لشهوة ناقضاً للوضوء لتوضأ ﷺ ؛ إذ الغالب من قبلة الرجل لامرأته أنها قبلة استمتاع, وشهوة.
نوقش:
يمكن أن يقبل الرجل امرأته لغير شهوة برا بها، وإكراما لها، ورحمة، فالقبلة تكون لشهوة, ولغير شهوة (٦).
стр. 38
الدليل الثاني:
أن المباشرة الفاحشة مع الانتشار سبب لاستطلاق وكاء المذي فيقام مقام خروج المذي حقيقة في إيجاب الوضوء, أخذا بالاحتياط في باب العبادة؛ إذ الغالب من حال من بلغ في المباشرة هذا المبلغ خروج المذي منه حقيقة, فيجعل كالممذي؛ بناءً للحكم على الغالب دون النادر (١).
ويمكن أن يناقش:
يسلم أن المباشرة الفاحشة مع الانتشار مظنة لخروج المذي, ولكن ما هو أدنى منه مظنة أيضا لخروجه, فتعليق الحكم بالمظنة القريبة أولى من تعليقه بالمظنة البعيدة.
القول الثالث:
لا يجب الوضوء من المباشرة بين الزوجين بشهوة مطلقا, وهذا مذهب محمد بن الحسن (٢) ﵀ من الحنفية (٣).
دليل القول الثالث:
أن المباشر بشهوة على يقين أنه لم يخرج منه شيء, فهو باقٍ على طهارته الأصلية, واليقين لا يزول إلا بيقين مثله (٤).
نوقش:
إن لم يخرج منه شيء من المذي, فهو مظنة للخروج, ونواقض الوضوء مما أنيطت بالمظان (٥).
стр. 39
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- أن الخلاف قوي في المسألة ولكل قول حظه من النظر؛ والذي يطمئن له القلب, وتبرأ به الذمة, هو قول الجمهور, القائل بوجوب الوضوء من المباشرة إذا كانت مع شهوة.
стр. 40
المطلب الخامس: أثر لمس الزوجة في نقض الوضوء .
تحرير محل النزاع في المسألة:
أولا: اتفق الفقهاء على أن الملامسة بين الزوجين من غير شهوة بحائل لا تنقض الوضوء (١).
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
الدليل الأول:
أن اللمس بحائل ليس بمس للمرأة حقيقة، وإنما هو مسٌ للثياب, ومجرد الشهوة لا توجب الوضوء (٢).
الدليل الثاني:
أن مظنة الشهوة منتفية إذا كان اللمس بحائل (٣).
ثانيا: اختلف الفقهاء في اللمس من غير شهوة بلا حائل, على قولين:
القول الأول:
مجرد اللمس لا ينقض الوضوء, وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من: الحنفية (٤) , والمالكية (٥) , والمذهب عند الحنابلة (٦).
أدلة القول الأول:
الدليل الأول:
حديث عائشة ﵂، قالت: فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش, فالتمسته, فوقعت يدي على بطن قدميه, وهو في المسجد, وهما منصوبتان, وهو يقول: