وجه الاستدلال من الآية الكريمة:
أن المقصود من قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ مسهن بشهوة, سواء كان بجماع, أو ما دونه, فهي عامة في نوعي الحدث الأكبر, والأصغر.
نوقش وجه الاستدلال:
لا نسلم أن المراد بالآية هو المباشرة بشهوة, بل المراد هو صريح الجماع (١).
وأجيب عن المناقشة من وجهين:
الوجه الأول:
أن الله أطلق ذكر مس النساء في الآية والمفهوم من هذا في عرف أهل اللغة والشرع هو: اللمس للتلذذ, وقضاء الشهوة, فإن اللمس لغرض آخر لا يفهم من تخصيص النساء بالمس؛ إذ لا فرق بينهن, وبين غيرهن في ذلك المس، فنسبته إلى النساء أوحت تخصيصه بالمقصود من مسهن (٢).
الوجه الثاني:
أن مباشرة النساء المذكورة في القرآن يراد بها ما كان مع الشهوة, كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٣) , وهذا من تفسير القرآن بالقرآن (٤).
الدليل الثاني:
أن الأحكام المتعلقة بمباشرة النساء إنما تثبت في مس الشهوة قل, أو كثر؛ مثل تحريم المباشرة على المحرِم, والمعتكِف, وتحريم الربيبة, فكذلك انتقاض الوضوء (٥).
الدليل الثالث:
أن نواقض الوضوء مما علقت بالمظان, كالنقض بالنوم؛ لأنه مظنة خروج الريح, فكذلك المباشرة بشهوة هي مظنةٌ لخروج المذي (٦).
стр. 37
الدليل الرابع:
أنَّ فيه احتياطاً للصلاة؛ لتبرأ الذمة منها بيقين (١).
القول الثاني:
يجب الوضوء إذا كانت المباشرة فاحشة يحصل معها الانتشار (٢) , وهذا مذهب أبي حنيفة, وأبي يوسف (٣) , ورواية عن الإمام أحمد ﵏ (٤).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول:
حديث عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ قبل امرأة من نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ) (٥).
وجه الاستدلال بالحديث:
لو كان مجرد المباشرة لشهوة ناقضاً للوضوء لتوضأ ﷺ ؛ إذ الغالب من قبلة الرجل لامرأته أنها قبلة استمتاع, وشهوة.
نوقش:
يمكن أن يقبل الرجل امرأته لغير شهوة برا بها، وإكراما لها، ورحمة، فالقبلة تكون لشهوة, ولغير شهوة (٦).
стр. 38
الدليل الثاني:
أن المباشرة الفاحشة مع الانتشار سبب لاستطلاق وكاء المذي فيقام مقام خروج المذي حقيقة في إيجاب الوضوء, أخذا بالاحتياط في باب العبادة؛ إذ الغالب من حال من بلغ في المباشرة هذا المبلغ خروج المذي منه حقيقة, فيجعل كالممذي؛ بناءً للحكم على الغالب دون النادر (١).
ويمكن أن يناقش:
يسلم أن المباشرة الفاحشة مع الانتشار مظنة لخروج المذي, ولكن ما هو أدنى منه مظنة أيضا لخروجه, فتعليق الحكم بالمظنة القريبة أولى من تعليقه بالمظنة البعيدة.
القول الثالث:
لا يجب الوضوء من المباشرة بين الزوجين بشهوة مطلقا, وهذا مذهب محمد بن الحسن (٢) ﵀ من الحنفية (٣).
دليل القول الثالث:
أن المباشر بشهوة على يقين أنه لم يخرج منه شيء, فهو باقٍ على طهارته الأصلية, واليقين لا يزول إلا بيقين مثله (٤).
نوقش:
إن لم يخرج منه شيء من المذي, فهو مظنة للخروج, ونواقض الوضوء مما أنيطت بالمظان (٥).
стр. 39
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- أن الخلاف قوي في المسألة ولكل قول حظه من النظر؛ والذي يطمئن له القلب, وتبرأ به الذمة, هو قول الجمهور, القائل بوجوب الوضوء من المباشرة إذا كانت مع شهوة.
стр. 40
المطلب الخامس: أثر لمس الزوجة في نقض الوضوء .
تحرير محل النزاع في المسألة:
أولا: اتفق الفقهاء على أن الملامسة بين الزوجين من غير شهوة بحائل لا تنقض الوضوء (١).
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
الدليل الأول:
أن اللمس بحائل ليس بمس للمرأة حقيقة، وإنما هو مسٌ للثياب, ومجرد الشهوة لا توجب الوضوء (٢).
الدليل الثاني:
أن مظنة الشهوة منتفية إذا كان اللمس بحائل (٣).
ثانيا: اختلف الفقهاء في اللمس من غير شهوة بلا حائل, على قولين:
القول الأول:
مجرد اللمس لا ينقض الوضوء, وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من: الحنفية (٤) , والمالكية (٥) , والمذهب عند الحنابلة (٦).
أدلة القول الأول:
الدليل الأول:
حديث عائشة ﵂، قالت: فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش, فالتمسته, فوقعت يدي على بطن قدميه, وهو في المسجد, وهما منصوبتان, وهو يقول:
стр. 41
(اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك, أنت كما أثنيت على نفسك) (١).
وجه الاستدلال بالحديث:
لو كان لمس المرأة ناقضاً للوضوء على الإطلاق, لانفتل ﷺ من صلاته؛ ليجدد الوضوء, لكن لما مضى ﷺ في صلاته, دل على أن الوضوء لا ينتقض بمس المرأة.
نوقش وجه الاستدلال من وجهين:
الوجه الأول:
أن النبي ﷺ كان داعيا في غير الصلاة، وذلك يجوز للمحدث, وليس من شرط الدعاء ألا يكون إلا في الصلاة (٢).
وأجيب عنه:
يرد هذا الاحتمال ما جاء في رواية أخرى لحديث عائشة ﵂: (فوقعت يدي على قدميه, وهو ساجد) (٣).
الوجه الثاني:
يُحتمل أن يد عائشة ﵂ وقعت على النبي ﷺ من وراء حائل (٤).
وأجيب عنه:
هذا احتمال بعيد لا سيما مع ما كان عليه حال النبي ﷺ من الفقر؛ فيبعد أن يكون واضعا في بيته حائلا على قدميه, كما أن الأصل المس بلا حائل, فلا ينتقل عنه إلا بدليل.
الدليل الثاني:
حديث عائشة ﵂، أنها قالت: (كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ , ورجلاي، في قبلته فإذا سجد غمزني، فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتهما) (٥).
стр. 42
وجه الاستدلال بالحديث:
لو كان لمس المرأة ناقضا للوضوء, لما فعله ﷺ , وهو يصلي.
نوقش وجه الاستدلال بالحديث:
أن لمسه ﷺ لعائشة ﵂ ربما كان من وراء حائل (١).
ويمكن أن يجاب عن المناقشة:
أن احتمال لمسها من وراء حائل, احتمال بعيد خصوصا في نوم المرأة على فراشها, وبالنظر أيضا إلى ما كان عليه حاله ﷺ من قلة متاع الحياة الدنيا.
الدليل الثالث:
أن وجوب العبادات من الشرع، ولم يرد بهذا شرع مع كثرة البلوى به، فعلمنا أن الأصل براءة الذمة منه (٢).
الدليل الرابع:
أن اللمس ليس بحدث في نفسه, وإنما نقض؛ لأنه يفضي إلى خروج المذي أو المني، فاعتبرت الحالة التي تفضي إلى الحدث فيها، وهي حالة الشهوة, أما اللمس من غير شهوة, فلا يفضي إلى شيء ينقض (٣).
القول الثاني:
ينقض الوضوء, وهو مذهب الشافعية (٤) , ورواية عن الإمام أحمد (٥).
دليل القول الثاني:
قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٦).
стр. 43
وجه الاستدلال بالآية الكريمة:
أن المراد بالملامسة الجس باليد فما فوقه؛ إذ حقيقة الملامسة التقاء البشرتين, والحكم المعلق بالاسم يجب أن يكون إطلاقه محمولا على حقيقته دون مجازه (١).
نوقش وجه الاستدلال من وجهين:
الوجه الأول:
أن المراد في هذه الآية الجماع؛ لأنه ذكره بلفظ المفاعلة، والمفاعلة لا تكون من أقل من اثنين (٢).
وأجيب:
كذلك صورة المسيس باليد تكون بين اثنين, كما أن الآية قد قُرئت: أو لمستم -بالقصر- (٣) , وذلك يتناول مجرد المس باليد (٤).
الوجه الثاني:
يُسلم أن اللمس حقيقةٌ في التقاء البشرتين, لكن تخصيصه بلمس النساء أفاد المعنى المقصود من لمسهن, وهو لمس التلذذ, والشهوة (٥).
الترجيح:
يترجح -والله أعلم- القول الأول القائل؛ بعدم النقض من مجرد اللمس بغير شهوة؛ لصحة, وصراحة الأحاديث التي استدلوا بها, ولورود المناقشة على استدلال القول الثاني.
стр. 44
المطلب السادس: وضوء الجنب بين الجماعين , وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: صورة المسألة:
إذا أراد الجنب معاودة الوطء مرة أخرى قبل أن يغتسل من جماعه الأول, فما المشروع في حقه؟
المسألة الثانية: حكم وضوء الجنب بين الجماعين:
اختلف الفقهاء في ذلك, على أربعة أقوال:
القول الأول:
يستحب للجنب أن يتوضأ بين الجماعين, وضوءه للصلاة, وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من: الحنفية (١) , والشافعية (٢) , ومذهب الحنابلة (٣).
دليل القول الأول:
حديث أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أتى أحدكم أهله، ثم أراد أن يعود، فليتوضأ) (٤) , وفي رواية: (وضوءه للصلاة) (٥) , وفي رواية: (فإنه أنشط للعود) (٦).
وجه الاستدلال بالحديث:
استدلوا بالرواية الثانية على أن الوضوء المقصود هو الوضوء الشرعي: وضوء الصلاة, واستدلوا بالرواية الثالثة على صرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب لتعليله بأمر ليس بواجب.
стр. 45
القول الثاني:
يستحب للجنب غسل فرجه فقط بين الجماعين, وهذا المذهب عند المالكية (١).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول:
قوله ﷺ في حديث أبي سعيد في رواية أخرى: (إذا أتى أحدكم أهله فأراد أن يعود فليغسل فرجه) (٢).
وجه الاستدلال بالحديث:
أن النبي ﷺ لم يستحب أكثر من غسل الفرج.
ويمكن أن يناقش وجه الاستدلال:
أن هذه الرواية ضعيفة لا تقوم بها الحجة.
الدليل الثاني:
الأمر بالوضوء في الحديث محمول على غسل الفرج؛ لأن الغسل والوضوء الشرعي إنما يرادان للصلاة, أو لما جرى مجراها مما يشترط فيه الطهارة, وليس الجماع مما يشترط فيه الطهارة.
الدليل الثالث:
أن الجماع ينقض الغسل, والوضوء بدل من الغسل, فلا يشرع الوضوء لناقضه, وإنما تشرع الطهارة لما تجتمع معه, وتكمل مصلحته (٣).
ويمكن أن يناقش:
الألفاظ في كلام الشارع إنما تحمل على حقيقتها الشرعية مادام يمكن حملها عليه, كما أن الوضوء قد يشرع مع ما ينقضه لتخفيف الحدث, كما في وضوء الجنب قبل نومه.
الترجيح:
стр. 46
الراجح -والله أعلم- هو القول الأول؛ القائل باستحباب الوضوء بين الجماعين وضوءَ الصلاة؛ لقوة الروايات التي استند إليها, ولموافقته المعهود من خطاب الشارع.
المبحث الثاني: مسائل الغسل المختصة بالزوجين , وفيه ستة مطالب:
المطلب الأول: حد الإيلاج الموجب للغسل.
المطلب الثاني: الاستمناء عن طريق الزوجة أو الزوج.
المطلب الثالث: طواف الرجل على نسائه بغسل واحد.
المطلب الرابع: اغتسال الزوجين من إناء واحد من جنابة.
المطلب الخامس: إجبار الزوجة المسلمة على الغسل لحق الزوج.
المطلب السادس: إجبار الزوجة الذمية على الغسل لحق الزوج.
стр. 47
المطلب الأول: حد الإيلاج الموجب للغسل .
تحرير محل النزاع في المسألة:
أولاً: اتفق الفقهاء على أن تغييب الحشفة في الفرج, موجب للغسل, وإن لم يحصل إنزال للمني (١).
واستدلوا بما يأتي:
أولاً: الأدلة على أن تغييب الحشفة في الفرج يوجب الغسل:
حديث عائشة ﵂ قالت: قال: رسول الله ﷺ : (إذا جلس بين شعبها الأربع, ومس الختان (٢) الختان فقد وجب الغسل) (٣) , فدلت هذه الرواية على أن موضع ختان الذكر -الحشفة- قائم مقام الذكر كله, أما المقصود بالمس, فتفسره الروايات الأخرى, ففي رواية: (إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل) (٤) , وفي رواية: (إذا التقى الختانان) (٥) , والتقاء الختانين يحصل بتغييب الحشفة في الفرج, فإذا غابت فقد جاوز ختانه ختانها (٦).
стр. 48
ثانياً: الأدلة على وجوب الغسل من الجماع, وإن لم ينزل:
الدليل الأول:
حديث أبي هريرة ﵁ أن نبي الله ﷺ قال: (إذا جلس بين شعبها الأربع (١) , ثم جهدها (٢)، فقد وجب عليه الغسل وإن لم ينزل) (٣) والحديث صريح في عدم توقف الغسل على الإنزال.
الدليل الثاني:
حديث عائشة ﵂ قالت: إن رجلا سأل رسول الله ﷺ عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل (٤) هل عليهما الغسل؟ وعائشة جالسة, فقال رسول الله ﷺ : (إني لأفعل ذلك، أنا وهذه، ثم نغتسل) (٥).
وجه الاستدلال بالحديث:
أخبر ﷺ أنه يجامع, ولا يُنزل, ثم يغتسل, وفعله ﷺ للوجوب, ولولا ذلك لما كان فيه جوابا لسؤال السائل (٦).
ثانياً: اختلف الفقهاء في القدر الذي يوجب الغسل من مقطوع الحشفة, على قولين:
стр. 49
القول الأول:
إيلاج قدر الحشفة من المقطوع يوجب الغسل, وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من: الحنفية (١) , والمالكية (٢) , وأحد القولين عند الشافعية (٣) , ومذهب الحنابلة (٤).
دليل القول الأول:
قدر الحشفة بدل عن الحشفة من مقطوعها, والبدل له حكم المبدل منه (٥)؛ فكما أنه بإيلاج الحشفة يجب الغسل, فكذلك إيلاج قدر الحشفة ممن قطعت منه يوجب الغسل.
القول الثاني:
لا يجب الغسل على مقطوع الحشفة, إلا بإيلاج جميع المتبقي من ذكره, وهذا أحد القولين عند الشافعية (٦).
دليل القول الثاني:
لم أقف لهم على دليل إلا أنه يمكن أن يستدل لهذا القول:
أن الشارع إنما خص إيلاج الحشفة بإيجاب الغسل؛ لأنها مجمع الشهوة, فإذا زالت وقد خصها الشرع, عاد الحكم إلى الأصل, وهو وجوب الغسل بالإيلاج الكامل.
ويمكن أن يناقش:
الشهوة أمر خفي, وقدر الحشفة أمر ظاهر, وتعليق الحكم بالأمر الظاهر أولى من تعليقه بالأمر الخفي.
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل بإيجاب الغسل على مقطوع الحشفة إذا أدخل قدرها؛ لوجاهة ما استدلوا به, ولورود المناقشة على استدلال القول الثاني.
стр. 50
المطلب الثاني: الاستمناء (١) عن طريق الزوجة, أو الزوج .
اختلف الفقهاء في حكم الاستمناء عن طريق الزوجة, أو الزوج على قولين:
القول الأول:
جواز استمناء الرجل بيد زوجته, ونحوها, وكذا العكس, وهذا القول الراجح عند المالكية (٢) , وقول أكثر الشافعية (٣) , ومذهب الحنابلة (٤).
دليل القول الأول:
أن الاستمناء بيد الزوجة, ونحو يدها من الاستمتاع الذي أباحه الله, في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ((٥)) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ (٥) , ولم يستثنِ من الأزواج شيئاً, إلا ما دل الدليل على تحريمه كالإتيان في الدبر, أو زمن الحيض, وهذه الصورة ليس لها دليل ناقل عن الإباحة, فيبقى الحكم فيها على الأصل (٦).
القول الثاني:
كراهة الاستمناء بيد الزوجة ونحو اليد, وهو قول الحنفية (٧) ,وقول مرجوح عند المالكية (٨) , وقول عند الشافعية (٩).
стр. 51
دليل القول الثاني:
قياس الاستمناء على العزل قياس الشبه؛ لاشتراكهما في وضع الماء في غير محله, والعزل مكروه, وقد نسخت إباحته (١).
يمكن أن يناقش من وجهين:
الوجه الأول: عدم التسليم بكراهة العزل لحديث جابر ﵄ قال: (كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ ) (٢) وزاد في رواية: (فبلغ ذلك نبي الله ﷺ ، فلم ينهنا) (٣).
الوجه الثاني: لو سُلم بكراهة العزل, فلا يُسلم بقياس الشبه في هذه المسألة؛ لاختلاف الصورة, فإن من يعزل قد تعاطى سبب الولد ثم منعه, بخلاف من استمنى ..
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ المبيح للاستمناء بيد الزوجة ونحو يدها .. ؛ لقوة عموم الدليل المبيح, وعدم ورود دليل ناهض للتخصيص.
стр. 52
المطلب الثالث: طواف الرجل على نسائه بغسل واحد .
اتفق الفقهاء على أن الرجل يجوز له أن يجامع زوجاته واحدة تلو الأخرى, ثم يغتسل عندما يفرغ غسلا واحد, في حالة سقوط القسم عنه؛ كما لو كان في سفر, أو بإذن التي هو في يومها (١).
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
الدليل الأول:
حديث أنس بن مالك ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يدور على نسائه في الساعة الواحدة، من الليل والنهار، وهن إحدى عشرة) (٢) والظاهر عدم الغسل في هذه الحالة (٣) , وفي رواية: (أن النبي ﷺ كان يطوف على نسائه بغسل واحد) (٤) وهذه الرواية صريحة في أن الغسل كان مرةً واحدة.
الدليل الثاني:
حديث عائشة ﵂: (كنت أطيب رسول الله ﷺ فيطوف على نسائه، ثم يصبح محرما ينضخ طيبا) (٥).
وجه الاستدلال بالحديث:
لو اغتسل ﷺ من كل واحدة من نسائه لكان قد اغتسل تسع مرات، فيبعد حينئذ أن يبقى للطيب أثر، فلما أخبرت ﵂ أنه أصبح ينضخ طيباً، استدل بذلك على أنه اكتفى بغسل واحد (٦).
الدليل الثالث:
أن الجماع ينقض الغسل؛ فلا يشرع الغسل لناقضه, وإنما يشرع الغسل لما يجتمع معه ويكمل مصلحته (٧).
الدليل الرابع:
أن الأحداث إذا تعددت تداخلت, فيكفيها طهارة واحدة (٨).
стр. 53
المطلب الرابع: اغتسال الزوجين من إناء واحد من جنابة .
تحرير محل النزاع في المسألة:
أولاً: اتفق الفقهاء على أن اغتسال الرجل مع امرأته في آنٍ واحد, من إناء واحد, جائز (١).
واستدلوا بما يأتي:
حديث عائشة ﵂ قالت: (كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد) (٢) , وحديث ابن عباس ﵁: (أن النبي ﷺ وميمونة كانا يغتسلان من إناء واحد) (٣) , وحديث أنس بن مالك ﵁ يقول: (كان النبي ﷺ والمرأة من نسائه يغتسلان من إناء واحد) (٤) , وحديث أم سلمة ﵂: (كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد من الجنابة) (٥).
وجه الاستدلال من الأحاديث:
دلت هذه الأحاديث الصحيحة الصريحة؛ على جواز مشاركة الرجل لامرأته في الغسل من إناء واحد.
ثانياً: اتفق الفقهاء على جواز اغتسال المرأة بعد الرجل من الإناء الذي اغتسل منه (٦).
واستدلوا بما يأتي:
القياس على اغتسال الرجل والمرأة جميعا؛ إذ المرأة مغتسلة بفضل الرجل حين اغتسالها معه, فكذلك اغتسالها بفضله منفردة (٧).
ثالثاً: اختلف الفقهاء في اغتسال الرجل بعد امرأته, من الإناء الذي اغتسلت منه, على قولين:
القول الأول:
يجوز للرجل أن يتطهر من الإناء الذي اغتسلت منه المرأة, ويرتفع بذلك حدثه, سواء خلت به أم لا, وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من: الحنفية (٨) , والمالكية (٩) , والشافعية (١٠) , ورواية عند الحنابلة (١١).
أدلة القول الأول:
الدليل الأول:
حديث ابن عباس ﵄، (أن رسول الله ﷺ كان يغتسل بفضل ميمونة) (١٢) , وفي رواية: اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جفنة، فجاء النبي ﷺ ليتوضأ منها أو يغتسل، فقالت: له يا رسول الله، إني كنت جنبا؟ فقال رسول الله ﷺ : (إن الماء لا يجنب) (١٣) , والحديث صريح في تطهر النبي ﷺ من إناء تطهرت منه امرأة.
نوقش وجه الاستدلال بالحديث:
يحتمل أن ميمونة-﵂-لم تخل بالإناء؛ لذلك اغتسل منه النبي ﷺ (١٤).
أجيب عن المناقشة:
الحديث ظاهر الدلالة على الخلوة بالإناء؛ لأن العادة أن الإنسان يقصد الخلوة في الاغتسال, لاسيما المرأة التي جبلت على الحياء والستر (١٥).
стр. 54
الدليل الثاني:
إذا جاز اغتسال الرجل مع امرأته, وجاز اغتسال المرأة بعد المرأة, وجاز اغتسال المرأة بعد الرجل, فكذلك يجوز اغتساله بعدها؛ إذ لا فرق بين هذه الصور, والشريعة لا تأتي بالتفريق بين المتماثلات (١).
القول الثاني:
يحرم على الرجل أن يتطهر من الإناء الذي خلت به المرأة لطهارتها, ولا تصح طهارته به, وهذا القول هو المذهب عند الحنابلة (٢).
دليل القول الثاني:
حديث حميد الحميري، قال: لقيت رجلا صحب النبي ﷺ أربع سنين، كما صحبه أبو هريرة، قال: (نهى رسول الله ﷺ أن تغتسل المرأة بفضل الرجل، أو يغتسل الرجل بفضل المرأة, وليغترفا جميعا) (٣) , فنص الحديث على النهي عن الاغتسال بعد المرأة, وجواز الاغتسال معها.
أجيب عن وجه الاستدلال بالحديث بجوابين:
الأول: أن الحديث محمول على الاستحباب؛ ويشهد له أن النبي ﷺ نهى أيضا في الحديث عن فضل الرجل, ولم يقل أحد بحرمته!
الثاني: أن الحديث محمول على فضل الأعضاء, وهو ما سال من الماء عن الأعضاء, لا على ما بقي من الماء في الإناء (٤).
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان قول الجمهور؛ القائل بجواز الاغتسال بعد المرأة, من الإناء الذي اغتسلت منه, سواءً خلت به أم لا؛ لوجاهة ما استدلوا به, وسلامته من المعارضة, ولورود المناقشة على أدلة القول الثاني.
стр. 55
المطلب الخامس: إجبار الزوجة المسلمة على الغسل لحق الزوج , وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: صورة المسألة:
إذا امتنعت المرأة المسلمة عن غسل الجنابة, أو غسل الحيض, والنفاس, هل يملك زوجها إجبارها على الاغتسال؟
المسألة الثانية: حكم إجبار الزوجة المسلمة على الغسل لحق الزوج:
تحرير محل النزاع في المسألة:
أولاً: اتفق الفقهاء على أن الزوج يباح له أن يجبر زوجته المسلمة على الاغتسال من الحيض, والنفاس إذا امتنعت عنه, ويستبيح وطأها بالغسل الذي أُكرهت عليه (١).
واستدلوا بما يأتي:
أولاً: الدليل على جواز إجبار الزوجة المسلمة على الغسل من الحيض, والنفاس:
عدم اغتسال المرأة بعد انقطاع الحيض, والنفاس؛ يمنع وطأها, وهو حق لزوجها؛ فملك إجبارها على إزالة ما يمنع حقه (٢).
ثانياً: أدلة استباحة وطء المرأة بعد الحيض, والنفاس, بغسل أُكرهت عليه ولم تَنْوِه:
الدليل الأول:
استباحة الرجل وطء زوجته بعد اغتسالها من الحيض, والنفاس, تعبد منه في الغير؛ وما كان كذلك من العبادات التي يفعلها المتعبد في غيره, فلا يفتقر إلى نية كغسل الميت، وغسل الإناء سبعا من ولوغ الكلب (٣).
стр. 56
الدليل الثاني:
اغتسال المرأة بعد الحيض, والنفاس يتعلق به أمران: شرط, وعبادة؛ أما الشرط فلا يحتاج إلى نية, وهو اشتراط غُسلها لحل جماعها, وأما العبادة فلا تصح إلا بنية؛ لذلك لا تصلي بغسل أُكرهت عليه (١).
ثانياً: اختلف الفقهاء في إجبار الزوجة المسلمة على الغسل من الجنابة, على قولين:
القول الأول:
لا تجبر الزوجة المسلمة على الاغتسال من الجنابة, وهذا أحد القولين عند الشافعية (٢) , وأحد الروايتين عند الحنابلة (٣).
دليل القول الأول:
إباحة الوطء, لا يقف على اغتسال المرأة من الجنابة؛ فليس للزوج أن يجبر زوجته على إزالة ما لا يفوت عليه حقه (٤).
القول الثاني:
تجبر الزوجة المسلمة على الغسل من الجنابة, وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من: الحنفية (٥) , والمالكية (٦) , والقول الثاني الشافعية (٧) , والمذهب عند الحنابلة (٨).
стр. 57
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول:
كمال الاستمتاع يقف على اغتسال المرأة من الجنابة؛ إذ النفس تعاف من وطء الجنب؛ فملك زوجها إجبارها على إزالة ما تعافه نفسه (١).
يمكن أن يناقش:
أن الجنابة وصف حكمي, لا نجاسة عينية تقتضي نفور النفس.
الدليل الثاني:
الصلاة واجبة عليها، ولا تتمكن منها إلا بالغسل من الجنابة (٢).
يمكن أن يناقش:
الغسل الذي يكون بالإكراه والإجبار لا يبيح الصلاة؛ لأنه من غير نية.
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل بعدم إجبار الزوجة على غسل الجنابة, لورود المناقشة على أدلة القول الثاني, ووجاهة تعليل القول الأول, إلا أن يتضايق وقت الصلاة فيأمرها به لحق الله.
المطلب السادس: إجبار الزوجة الذمية على الغسل لحق الزوج , وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: صورة المسألة:
إذا امتنعت امرأة ذمية تحت رجل مسلم عن غسل الجنابة, أو غسل الحيض, والنفاس, هل يملك زوجها إجبارها على الاغتسال؟
المسألة الثانية: حكم إجبار الزوجة الذمية على الغسل لحق الزوج:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
تجبر الزوجة الذمية على غسل الحيض, والنفاس, دون غسل الجنابة, فلا تجبر عليه, وهذا المشهور عند المالكية (٣) , وقول عند الشافعية (٤) , ورواية عند الحنابلة (٥).
دليل القول الأول:
وطء الجنب لا يقف على الاغتسال؛ إذ يستبيح الرجل وطء زوجته الجنب دون أن تغتسل، بخلاف وطء الحائض فإنه يقف على اغتسالها, ولا يستبيح وطأها حتى تطهر وتغتسل؛ فافترقا في الإجبار (٦).
стр. 58
القول الثاني:
تجبر الزوجة الذمية على غسل الحيض, والنفاس, وغسل الجنابة, وهو قول مخرج لأبي يوسف (١) , وقول عند المالكية (٢) , وقول عند الشافعية (٣) , والمذهب عند الحنابلة (٤).
أدلة القول الثاني:
أولاً: دليلهم على إجبار الذمية, على غسل الحيض والنفاس:
أن الله -تعالى- حرم وطء الحائض حتى تغتسل بقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (٥) , فامتناعها عن الغسل يمنع الاستمتاع الذي هو حق لزوجها, فملك الزوج إجبارها على إزالة ما يمنع حقه؛ ليصل إلى حقه منها (٦).
ثانياً: دليلهم على إجبار الذمية, على غسل الجنابة:
نفس المسلم قد تعاف وطء من لا تغتسل من جنابة؛ فكان للرجل أن يجبر زوجته الذمية على غسل الجنابة؛ ليكمل به الاستمتاع (٧).
стр. 59
يمكن أن يناقش:
أن النبي ﷺ كان يعاود دون أن يغتسل, كما في حديث أبي سعيد ﵁: (إذا أتى أحدكم أهله، ثم أراد أن يعود، فليتوضأ) (١) , ومعلوم أن الوضوء لا يرفع الجنابة, وهذا يقتضي إتيانه ﷺ للجنب من نسائه دون أن تعاف نفسه ذلك.
القول الثالث:
لا تجبر الزوجة الذمية على غسل الحيض, والنفاس, ولا على غسل الجنابة, وهذا مذهب الحنفية (٢) , وقول عند المالكية (٣) , ورواية عند الحنابلة (٤).
دليل القول الثالث:
الغسل ليس بواجب عليها؛ إذ الغسل من باب القربة، وهي ليست مخاطبة بالقربات (٥).
نوقش من وجهين:
الوجه الأول: لا يسلم بعدم وجوب الغسل على الذمية؛ بل هم مخاطبون بفروع الشريعة, كما خُوطب المسلمون بها؛ فقد ذم - سبحانه تعالى- قوم شعيب بالكفر, ونقص المكيال، وقوم لوط بالكفر, وإتيان الذكور، وذم قوم هود بالكفر وشدة البطش, ولو كانوا غير مخاطبين بفروع الشريعة لذمهم على الكفر فحسب (٦).
الوجه الثاني: إن سُلم أن الذمية غير مخاطبة بفروع الشريعة, فهي تغتسل لحق زوجها لا لحق الله؛ إذ أنها بتزوجها للمسلم التزمت الأحكام الواجبة فيما بينها وبين زوجها (٧).
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل بإجبار الذمية تحت المسلم, على غسل الحيض دون غسل الجنابة؛ لجمعه بين الأدلة, ولورود المناقشة على أدلة الأقوال الأخرى.
стр. 60
المبحث الثالث: مسائل التيمم المختصة بالزوجين , وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: جماع العادم للماء .
المطلب الثاني: وطء الزوجة التي تطهرت بالتيمم من الحيض أو النفاس.
المطلب الثالث: شراء الزوج لزوجته الماء الذي تتطهر به.
المطلب الأول: جماع العادم للماء, وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: صورة المسألة:
من كان عادما للماء, هل يجوز له أن يأتي أهله, وهو يعلم أنه لن يتمكن من الغسل؟
المسألة الثانية: حكم جماع العادم للماء:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة, على قولين:
القول الأول:
يجوز لعادم الماء أن يجامع أهله, وإن علم أنه لا يجد الماء, ويتيمم (١) بلا كراهة, وإليه ذهب الحنفية (٢) , وبعض المالكية (٣) , وقول الشافعية (٤) , والمذهب عند الحنابلة (٥).
أدلة القول الأول:
الدليل الأول:
قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (٦) فأباح ملامسة النساء, وتناول سبب الجنابة في حال عدم الماء (٧).
الدليل الثاني:
حديث أبي ذر ﵁ قال: كنت أعزب عن الماء، ومعي أهلي, فتصيبني الجنابة, فأصلي بغير طهور، فأتيت رسول الله ﷺ ... فقال: (يا أبا ذر: إن الصعيد الطيب طهور، وإن لم تجد الماء إلى عشر
стр. 61
سنين، فإذا وجدت الماء، فأمسه جلدك) (١) فلم ينكر ﷺ على أبي ذر إتيانه امرأته, وهو لا يجد الماء, بل أقره عليه, وأمره أن يتيمم.
الدليل الثاني:
الجماع مباح؛ فلا يُكره إلا بدليل, ولا دليل على الكراهة (٢).
الدليل الثالث:
التيمم للحدث الأكبر, والأصغر صفته واحدة, وكما يجوز للمسلم إتيان سبب الحدث الأصغر في حال عدم الماء؛ فكذلك إتيان سبب الحدث الأكبر لا حرج فيه (٣).
الدليل الرابع:
في منع النفس عن الجماع بعد غلبة الشبق بعض الحرج, وما شرع التيمم إلا لدفع الحرج (٤).
القول الثاني:
يكره لعادم الماء أن يجامع أهله, مالم يتضرر بترك الجماع, وإليه ذهب المالكية (٥) , ورواية عند الحنابلة (٦).
دليل القول الثاني:
من أتى سبب الجنابة وهو عادم للماء, فقد فوت على نفسه طهارة أصلية يمكن بقاؤها (٧).
يمكن أن يناقش:
أن المجامع إنما فوت طهارة أصلية إلى بدل مشروع, فلا حرج.
стр. 62
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل بجواز جماع العادم للماء من غير كراهة؛ لموافقته نصوص الكتاب والسنة, ولورود المناقشة على تعليل القول الثاني.
стр. 63
المطلب الثاني: وطء الزوجة التي تطهرت بالتيمم من الحيض, أو النفاس , وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: صورة المسألة:
إذا طهرت المرأة من الحيض, أو النفاس, ولم تجد الماء, أو لم تقدر عليه, فهل يجوز لزوجها أن يطأها إذا تيممت؟
المسألة الثانية: حكم وطء الزوجة التي تطهرت بالتيمم من الحيض أو النفاس:
تحرير محل النزاع في المسألة:
أولاً: اتفق الفقهاء على أن الحائض, والنفساء إذا طهرتا من الحيض, والنفاس, ولم تجدا الماء تيممتا, وتستبيحان الصلاة بالتيمم (١).
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
الدليل الأول:
حديث عبد الرحمن بن أبزى، قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب، فقال: إني أجنبت فلم أصب الماء، فقال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت فصليت، فذكرت للنبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : (إنما كان يكفيك هكذا) فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه. (٢) لما أخبر النبي ﷺ أن التيمم مجزئ عن الغسل في حدث الجنابة, ويصلي به الجنب؛ فكذلك حدث الحيض, والنفاس؛ فإنها جميعا من الأحداث الكبرى.
стр. 64
الدليل الثاني:
حديث عمران بن حصين الخزاعي، أن رسول الله ﷺ رأى رجلا معتزلا لم يصل في القوم، فقال: (يا فلان ما منعك أن تصلي في القوم؟ ) فقال يا رسول الله: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: (عليك بالصعيد فإنه يكفيك) (١) , وهذا أيضا حديث صحيح, صريح في قيام التيمم مقام الغسل, عند حصول الحدث الأكبر, وعدم الماء.
ثانياً: اختلف الفقهاء في حل وطء زوجها لها إذا تطهرت من الحيض, أو النفاس بالتيمم, على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
تحل المرأة لزوجها إذا تطهرت من الحيض, والنفاس بالتيمم, وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من: بعض الحنفية (٢) , وبعض المالكية (٣) , وإليه ذهب الشافعية (٤) , والمذهب عند الحنابلة (٥).
أدلة القول الأول:
الدليل الأول:
التيمم قائم مقام الغسل, وبدل منه عند عدمه؛ فاستبيح به ما يستباح بالغسل, ومن ذلك وطء الزوجة (٦).
стр. 65
الدليل الثاني:
التيمم طهارة تبيح الصلاة، كطهارة الماء؛ فأباحت الوطء؛ إذ ليس استباحة الوطء بأعظم من استباحة الصلاة, فما أباح الصلاة أباح ما دونها (١).
القول الثاني:
لا تحل المرأة لزوجها إذا تطهرت بعد الحيض, والنفاس بالتيمم, وهذا هو المشهور من مذهب المالكية (٢).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول:
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (٣).
وجه الاستدلال بالآية الكريمة:
أن الله -تعالى- جعل إباحة إتيان النساء بعد الحيض, مقيدة بشرط اغتسالهن بالماء؛ إذ أن معنى (تطهرن) أي: تطهرن باغتسالهن بالماء (٤) , وإذا تيممت المرأة بعد الحيض لم يصدق عليها أنها اغتسلت بالماء!
يمكن أن يناقش وجه الاستدلال بالآية من وجهين:
الوجه الأول:
لو سُلم ِأن المراد بقوله -تعالى- (تطهرن) أي: تطهرن بالماء, فإن الله -تعالى- في غير هذا الموضع قد أقام الصعيد الطيب مقام الماء, وجعله بدلا منه عند عدمه, سواءً في الطهارة الكبرى, أو
стр. 66
الصغرى, وذلك بقوله -تعالى-: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (١) , فجعل سبحانه التيمم رافعٌ للحدث الأكبر, والأصغر على السواء.
الوجه الثاني:
لا يسلم بأن المراد: تطهرن بالماء, وإنما المراد تطهرن طهارة شرعية, سواء كانت طهارة أصلية بالغسل, أو طهارة مخففة بالتيمم (٢).
الدليل الثاني:
التيمم لا يرفع الحدث, وإنما يبيح الصلاة فقط؛ فلا يمكن إتيان الزوجة وحدث الحيض باق (٣).
يمكن أن يناقش من وجهين:
الوجه الأول: لا يسلم بأن التيمم مبيح للصلاة فقط, بل هو رافع للحدث؛ فإن النبي ﷺ قال: (الصعيد الطيب طهور) (٤) , وكيف يكون طهورا مالم يُطهِر المسلم من حدثه, ويرفع حكمه!
الوجه الثاني: إن سُلم أن التيمم مبيح للصلاة فقط؛ فما أباح الصلاة أباح ما دونها (٥).
القول الثالث:
تحل المرأة لزوجها إذا تطهرت بالتيمم, وصلت بذاك التيمم, وهذا القول هو الصحيح من مذهب الحنفية (٦).
دليل القول الثالث:
لا يحكم بطهارة الحائض, والنفساء, حتى يصح تيممهما, ويتأكد ذلك بصلاتهما (٧).
стр. 67
يمكن أن يناقش:
الصلاة لا ترفع حدثا, ولا تحدث طهورا! فمتى فعل المسلم الطهارة الشرعية, التي أمره الله بها حُكم بطهارته.
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل بجواز وطء من تيممت من الحيض, والنفاس؛ لوجاهة تعليلهم, وموافقته لقواعد الشريعة السمحة, ولورود المناقشة على ما استدلت به الأقوال الأخرى.
المسألة الثالثة: سبب الخلاف في المسألة:
من أسباب الخلاف في هذه المسألة, الخلاف في حكم التيمم؛ هل هو رافع للحدث, أم مبيح للعبادة التي يشترط لها الطهارة, على قولين:
القول الأول:
التيمم رافع للحدث إلى حين وجود الماء, وهو قول الحنفية (١)، وأحد القولين في مذهب المالكية (٢)، ورواية عند الحنابلة (٣).
أدلة القول الأول:
الدليل الأول:
قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ (٤).
وجه الاستدلال بالآية الكريمة:
أن الله نص على أنه شرع لنا الوضوء, والغسل, والتيمم إرادةً منه سبحانه لتطهير المسلم, ولم يفرق بين الوضوء, والغسل, والتيمم في التطهير؛ فدل على أن التيمم مطهر بنص الكتاب.
стр. 68
الدليل الثاني:
أن الله -تعالى- سمى الماء طهورا بقوله سبحانه: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (١) , وسمى نبيه ﷺ التراب طهورا, كما في حديث جابر بن عبد الله ﵄، أن النبي ﷺ قال: (أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: -وذكر منها- جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا) (٢) , والطهور هو: الطاهر في ذاته, المطهر لغيره (٣) , فكما ثبت حكم الطهورية للماء بالكتاب, فقد ثبت حكم الطهورية للتراب بالسنة, ولا فرق, وإلا لما كان فيه مزية لهذه الأمة.
القول الثاني:
التيمم لا يرفع الحدث, وإنما هو مبيح فقط, وهو المشهور عند المالكية (٤)، والقول الجديد عند الشافعية (٥)، والمذهب عند الحنابلة (٦).
دليل القول الثاني:
حديث عمران بن حصين الطويل، وفيه: فلما انفتل من صلاته إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم، قال: (يا فلان ما منعك أن تصلي مع القوم؟ ) قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: (عليك بالصعيد، فإنه يكفيك) وفي آخر الحديث حين وجد ﵊ الماء أعطى الذي أصابته الجنابة إناء من ماء، قال: (اذهب فأفرغه عليك) (٧).
وجه الاستدلال بالحديث:
أن الحدث لو كان يرتفع بالتيمم لما عاد إليه حدثه إذا وجد الماء؛ إذ لو كانت الجنابة قد ارتفعت بالتيمم كيف تعود الجنابة بوجود الماء؟ مع أنه لم يوجد ما يوجب تجدد الجنابة! ولذلك لما كان الماء
стр. 69
رافعاً للحدث لم يرجع الحدث إلا بتجدد حدث آخر، وهذا دليل على أن الحدث أصلاً لم يرتفع، وإنما أبيح فعل المأمور مع بقاء الحدث.
وأجيب عن وجه الاستدلال بالحديث:
كون الحكم يكون ثابتاً إلى غاية, أو غايات كثيرة غير ممنوع شرعاً، فالتيمم يرفع الحدث إلى غايات منها: طريان الحدث، ومنها: وجود الماء، كالأجنبية تكون ممنوعة محرمة، والعقد عليها رافع لهذا المنع إلى غايات منها: الطلاق، والحيض، والصوم .. , وكالملتقط يملك اللقطة مالم يأت صاحبها، وكان ملك الملتقط ملكاً مؤقتاً إلى ظهور المالك، فما المانع أن يكون الحدث مرتفعاً إلى حين وجود الماء؟ (١)
الترجيح:
يظهر -والله أعلم-رجحان القول الأول القائل بأن التيمم رافع للحدث؛ لصراحة, وصحة الأدلة التي استدلوا بها, ولورود المناقشة على وجه الاستدلال الذي استند إليه القول الثاني.
стр. 70
المطلب الثالث: شراء الزوج لزوجته الماء الذي تتطهر به .
اختلف الفقهاء في حكم شراء الزوج لزوجته الماء الذي تتطهر به, على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
يجب على الزوج أن يطلب لزوجته ماءً لطهارتها مطلقا, وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من: الحنفية (١) , والمالكية (٢) , والحنابلة (٣).
دليل القول الأول:
ماء الطهارة مما لا بد للزوجة منه, وهو مُلزم بالنفقة عليها (٤).
القول الثاني:
يجب على الزوج أن يطلب لزوجته ماءً لطهارتها, إذا كان الحدث بسببه, وإليه ذهب الشافعية (٥).
دليل القول الثاني:
إذا كان حدث المرأة بسبب الزوج, فإن حاجتها للماء تكون من قبل زوجها, فُيلزم بسد الحاجة التي تسبب بها (٦).
يمكن أن يناقش:
طلب الزوج الماء لطهارة زوجته ليس من قبيل الضمان! وإنما هو من النفقة الواجبة, وماء الطهارة من الحاجيات التي لا غنى للمرأة عنها.
الترجيح: يظهر -والله أعلم- رجحان قول الجمهور؛ القائل بوجوب طلب الزوج لزوجته ماء طهارتها مطلقا؛ إذ القول الآخر قيد نفقة طهارتها بمقيدات, لا دليل عليها من القرآن, والسنة.
стр. 71
المبحث الرابع: مسائل الحيض والنفاس المختصة بالزوجين , وفيه ستة مطالب:
المطلب الأول: الاستمتاع بالزوجة الحائض.
المطلب الثاني: حيض المرأة أو نفاسها قبل غسلها من الجماع.
المطلب الثالث: وطء الحائض والنفساء قبل الغسل.
المطلب الرابع: جماع النفساء في الأربعين بعد انقطاع الدم وقبل تمام الأربعين.
المطلب الخامس: إذن الزوج للزوجة في تناول موانع الحيض.
المطلب السادس: جماع الحائض مع وجود الحائل على الفرج.
стр. 72
المطلب الأول: الاستمتاع بالزوجة الحائض , وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: الاستمتاع بالفرج, وكفارته , وفيها ثلاثة فروع:
الفرع الأول: حكم الاستمتاع بفرج الزوجة الحائض, وكفارته:
تحرير محل النزاع في المسألة:
أولاً: اتفق الفقهاء على حرمة وطء الحائض في فرجها (١).
واستدلوا بما يأتي:
الدليل الأول:
الإجماع المحكي في المسألة (٢).
الدليل الثاني:
قوله تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (٣).
وجه الاستدلال بالآية:
أن الله -تعالى- نهى عن قربان النساء في المحيض, والمحيض هو: اسم لموضع الحيض, وهو: الفرج (٤).
стр. 73
الدليل الثالث:
حديث أنس ﵁ أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوهن في البيوت فسأل أصحاب النبي ﷺ النبي ﷺ فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (١) إلى آخر الآية .. , فقال رسول الله ﷺ : (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه، فجاء أسيد بن حضير، وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله، إن اليهود تقول: كذا وكذا، فلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله ﷺ حتى ظننا أن قد وجد عليهما (٢). والمراد بالنكاح في الحديث: الجماع؛ فكنى باسم السبب عن المسبب (٣).
ثانياً: اختلف الفقهاء في حكم الكفارة على من وطئ حائضا, على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
تستحب الكفارة لمجامع الحائض, وهو قول الحنفية (٤) , والمشهور عند الشافعية (٥).
دليل القول الأول:
حديث ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال: (يتصدق بدينار أو نصف دينار) (٦) , وهذه الرواية مما يستدل بها على أن الأمر للاستحباب؛ لأنه لا معنى للتخيير في الإيجاب بين القليل والكثير, من نوع واحد, إلا صرف الأمر للاستحباب (٧).
стр. 74
القول الثاني:
لا تشرع الكفارة لمجامع الحائض, ولا يجب عليه إلا التوبة, والاستغفار, وهو قول المالكية (١) , ورواية عند الحنابلة (٢).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول:
حديث أبي هريرة ﵁: (من أتى حائضا، أو امرأة في دبرها، أو كاهنا، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد) (٣).
وجه الاستدلال بالحديث:
أن النبي ﷺ ذكر عقوبة من أتى حائضا, ولم يذكر وجوب الكفارة عليه, وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز (٤).
يمكن أن يناقش:
اقتصر هذا الحديث على بيان حرمة إتيان الحائض, ونص في حديث ابن عباس ﵄ الآنف الذكر على الكفارة, ولا مانع أن يكون في بعض النصوص الشرعية مزيد بيان.
стр. 75
الدليل الثاني:
وطء الحائض لم يحرم من أجل العبادة, وإنما حُرِم لأجل الأذى، فأشبه الوطء في الدبر, فلم يوجب كفارة (١).
يمكن أن يناقش:
قياس الشبه, قياس في مقابل النص, فلا عبرة به.
القول الثالث:
تجب الكفارة على مجامع الحائض, وهو القول القديم عند الشافعية (٢) , والمذهب عند الحنابلة (٣).
أدلة القول الثالث:
الدليل الأول:
حديث ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ في الذي يأتي امرأته, وهي حائض قال: (يتصدق بدينار, أو نصف دينار) (٤).
وجه الاستدلال بالحديث:
أمر ﷺ الذي يأتي امرأته, وهي حائض أن يتصدق, والأصل في الأمر الوجوب.
نوقش وجه الاستدلال بالحديث من وجهين:
الوجه الأول:
عدم التسليم بصحة الحديث, من جهتين:
الأولى: من جهة راويه عبدالحميد بن عبدالرحمن بن زيد بن الخطاب (٥) , فقد ضعفه الإمام أحمد-﵀ (٦).